Indexed OCR Text
Pages 281-300
وأما أحمد فهو اسْمُه - ◌َ﴿ ــ الذي سُمِّيَ به على لسان عيسى وموسى - عليهما السلام -، فإنه منقول أيضًا من الصِّفَة التي معناها التَّفْضيلُ، فمعنى أحمد: أي أحْمَدُ الحامدين لربه، وكذلك هو المعنى؛ لأنه تُفْتَح عليه في المقام المحمود مَحامد لم تُفْتَح على أحد قبله، فيحمّد ربَّه بها؛ ولذلك يُعْقَد له لواءُ الحمد. وأما محمد فمنقول من صِفة أيضًا، وهو في معنى: مَحمود. ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فالمحمَّدُ هو الذي حُمِد مرة بعدَ مَرَّة، كما أن الْمُكَرَّمَ مَنْ أُكْرِم مرة بعد مرة، وكذلك: الْمُمَدَّح، ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله - سبحانه - وتعالى سمّاه به قبل أن يُسَمِّ به نفسه، فهذا عَلَم من أعلام نبوّته؛ إذ كان اسمه صادقًا عليه، فهو محمود - عليه السلام - في الدنيا بما هَدَى إليه، ونَفَع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشّفَاعَةِ، فقد تكرر معنى الحمدِ كما يقتضي اللفظُ، ثم إنه لم يكن محمَّدًا، حتى كان أحمَدَ حُمَّدٍ رَبِّه فنبّأه وشرَّفه؛ فلذلك تقدم اسمُ أحمدَ على الاسم الذي هو مُحمَّدٌ، فذكره عيسى - ◌َل﴿ه - فقال: اسمُه أحمدُ، وذكره موسى - وَلّ - حين قال له ربُّه: تلك أمة أحمدَ، فقال: اللَّهمَّ اجعلني من أمة أحمدَ (١)، فبأحمد ذُكر قبل أن يُذُكر بمحمد؛ لأن حمدَه لربه كان قبلَ حَمْدِ الناسِ له، فلما وُجد وبُعث، كان محمدًا بالفعل. وكذلك في الشفاعة يَحْمَد رَبَّه بالمحامدِ التي يفتحها عليه، فيكون أحمدَ الحامدين لربه، ثم يُشَفْع فيُحمّد على شفاعته. فانظر: كيف ترتب هذا الاسمُ قبل الاسم الآخر في الذكرِ والوجودٍ، وفي الدنيا والآخرة تَلُخْ لك الحكمةُ الإلهيةُ في تخصيصِه بهذين الاسمين، وانظر: كيف أُنزلت عليه سورةُ الحمد وخُصَّ بها دون سائر الأنبياء(٢)، وخصّ بلواء الحمد، وخصّ بالمقام المحمود، وانظر: كيف شرع لنا سُنَّةً وقرآنًا أن نقولَ عند اختتام الأفعال، وانقضاء الأمور: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وقُضي بينهم بالحقِّ وقيل الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين﴾(٣) [الزمر: ٧٥]. وقال أيضًا: ﴿وآخرُ دَعْواهم أن الحمدُ للَّهِ (١) حديث ضعيف. وما كان لموسى الكليم عليه السلام أن يعقب أو يردّ قدر الله تعالى الذي ((لا معقب لحکمه». (٢) يعني فاتحة الكتاب. (٣) وقيل: قال بعضهم إن هذه الكلمة ((الحمد لله رب العالمين)) يقولها أهل الجنة وأهل النار بعد دخول كلِّ منهم إلى داره التي أسكنه الله إياها. فيحمده أهل النار على أن قضى بينهم بالحق ولم يظلمهم شيئًا، بل كانوا أنفسهم يظلمون، وقيل: أن ((قيل)) إشارة إلى أن السموات والأرض والكون كله يقولها. ٢٨١ ربِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠]. تنبيهًا لنا على أن الحمدَ مَشروعٌ لنا عند انقضاءِ الأمور. وسَنَّ - ﴿ - الحمدَ بعد الأكل والشرب، وقال عند انقضاءِ السفر: آيِيُون تائبون عابدون لِرَبِّنَا حامدُون(١). ثم انظر لكونه - عليه السلامُ - خاتَمَ الأنبياءِ، ومؤذنًا بانقضاء الرسالة، وارتفاع الوحي، ونذيرًا بقرب الساعة وتمام الدنيا مع أن الحمد كما قدّمنا مقْرُونٌ بانقضاءِ الأمورِ، مشروعٌ عنده - تجدْ معانِيَ اسْمَيْهِ جَميعًا، وما خُصّ به من الحمد والمحامد مُشَاكلاً لمعناه، مطابقًا لصفتِه، وفي ذلك بُرهانٌ عظيمٌ، وعَلَمْ واضِحٌ على نُبُوّتِهِ، وتخصيصُ الله له بكرامتِه، وأنه قَدَّم له هذه الْمُقَدِّماتِ قبل وجوده تَكْرِمَةً له، وتَصْدِيقًا لأمره - نَّه ــ وشرف وكرم. تعويذ عبد المطلب: وذُكِرَ أن عبدَ المطلبِ دخل به الكعبةَ وعَوَّذه، ودعا له. وفي غير روايةِ ابنِ هشامٍ أنَّ عبد المطلب قال وهو يعوذه: هذا الغلاَمَ الطَّيِّبَ الأزْدَانِ الحمدُ لله الذي أعطاني أُعيذُه بالبيتِ ذِي الأركّانَ قد ساد في المهْدِ على الغِلْمان حتى أراه بالغَ الْبُنْيانِ حتى يكونَ بُلْغَة الفِتيان من حاسِد مُضْطَرِبِ العِنان أُعيذُه من كل ذي شَنّآن حتى أراه رافعَ السَّان ذِي هِمْةٍ ليس له عينان في كتبٍ ثابتةِ الْمثانِي أنت الذي سميتَ في القرآنِ أحْمَدُ مكتوبٌ على البيان(٢) تاريخ مولده: فصل: وذكر أن مولدَه عليه السلام كان في ربيع الأول، وهو المعروف وقال الزبير: كان مولده في رمضانَ، وهذا القول موافق لقول من قال: إن أُمَّه حملت به في أيامِ التّشْرِيقِ، والله أعلم(٣) . (١) أخرجه البخاري (٩/٣) ومسلم في الحج (٤٢٩/٤٢٨) والترمذي (٣٤٤٠) وأحمد (٢٥٦/١). (٢) الطبقات لابن سعد (١٠٣/١) وابن الجوزي في المنتظم (٢٤٩/٢). والبداية لابن كثير (٢٤٩/٢) ولا صحة لهذا كما يظهر بيّنًا لكل ذي عينين. فتأمل. (٣) والأول أشهر وأرجح. ٢٨٢ وذكروا أن الفيل جاء مكة في المحرم، وأنه - 18 - ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يومًا، وهو الأكثر والأشهر، وأهلُ الْحِسابِ يقولون: وافق مولدُه من الشهورِ الشمسية نيسانَ، فكانت لعشرينَ مضت منه، وولد بالْغَفْر من المنازل، وهو مولد النبيين، ولذلك قيل: خير منزلتين في الأبد بين الزُّنَابَا والأسَد، لأن الغَفْرَ يليه من العقرب زُنَاباها، ولا ضَرَرَ في الزُّنَابا إنما تضرّ العقربُ بذَنبِها، ويليه من الأسد ألْيَته، وهو السّماك، والأسدُ لا يضرّ بألْيَته إنما يضر بِمِخْلَبه ونابِهِ(١). ووُلد بالشّعبِ، وقيل بالدارِ التي عند الصفا، وكانت بعدُ لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، ثم بنتها زُبَيْدةُ مَسْجِدًا حين حجّت. تحقيق وفاة أبيه: وذكر أنه مات أبوه، وهو حَمْلٌ، وأكثر العلماء على أنه كان في المهد. ذكره الدَّؤلابي وغيره، قيل: ابن شهرين، ذكره [أحمد] ابن أبي خَيْثَمَةً، [زهير بن حرب] وقيل: أكثر من ذلك، ومات أبوه عند أخواله بني النجار، ذهب لِيَمْتَارَ لأهله تمرًا، وقد قيل: مات أبوه، وهو ابن ثمانٍ وعشرين شهرًا، وأنشدوا رَجَزًا لعبد المطلب يقوله لابنه أبي طالب: أوصيك يا عبدَ مَنَافٍ بَعْدِي بموتم بعد أبيه فَرْدِ فارقه وهو ضَجِيعُ المهد وكان بينه وبين أبيه - عليه السلام - في السن ثمانيةَ عشرَ عامًا. أبوه من الرضاعة: وذكر الحارث بن عبد العُزَّى أبا رسول الله - وَّر - من الرضاعة، ولم يذكر له إسلامًا، ولا ذكره كثير ممّن ألّف في الصحابة، وقد ذكره يونُس بن بكير في روايته، فقال: حدّثنا ابن إسحاق قال: حدّثني والدي إسحق بن يسار، عن رجالٍ من بني سعد بن بكر (٢)، قال: قَدِمَ الحارث بن عبد العُزَّى، أبو رسول الله - 18 - من الرضاعة على رسول الله - صل * - بمكةَ حين أُنزل عليه القرآن، فقالت له قريش: ألا تسمع يا حارِ (٣) ما يقول ابنُك هذا؟ فقال: وما (١) لا حاجة بنا إلى هذا الكلام الذي لا طائل تحته إلا الاعتقاد أو التصديق في ربط الإنسان بنجم أو کو کب معین وصلة رزقه وسعادته وتعاسته به. (٢) مجاهيل. (٣) ترخيم الحارث - كما أن عائش ـ ترخيم عائشة. ٢٨٣ قال ابن هشام: المراضع. وفي كتاب الله تبارك وتعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِع﴾(١). يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يَبعث بعد الموت، وأن لِلَّهِ دارين يعذّب فيهما مَن عصاه، ويكرم فيهما مَن أطاعه، فقد شئَّت أمرَنا، وفرَّق جماعتنا. فأتاه، فقال: أيْ بُنَيَّ ما لَك ولقومِك يشكونك، ويزعمون أنك تقول: إن الناسَ يُبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنةٍ ونار؟ فقال رسول الله - * -: ((نعم أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت، لقد أخذت بيدِك، حتى أُعرِّفك حديثَك اليوم)»، فأسلم الحارثُ بعد ذلك، وحَسُن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو قد أخذ ابني بيدِي، فعرّفني ما قال، ثم يرسلني إن شاء الله حتى يدخلَني الجنة(٢). تحقيق اسم ناصرة بن قصية: وذكرنا صِرَة بن قُصَيَّةً في نسب حليمة. وهو عندهم: فُصَيَّةُ بالفاءِ تصغير: فَصَاة، وهي النَّواة. ووقع في الأصل في جميع النسخ: قُصَيَّة بالقاف. وقال أبو حنيفةَ أيضًا: الْفَصَا: حَبُّ الزَّبيبِ، وهو من هذا المعنى. الشيماء : وذكر الشَّيْماءُ أُختَ رسولِ الله - وَ﴿ ـ من الرضاعة، وقال في اسمها: خِذامة بكسر الخاءِ المنقوطة، وقال غيره: حُذَافَة بالحاء المضمومة وبالفاء مكان الميم، وكذلك ذكره يونس في روايته عن ابن إسحق، وكذلك ذكره أبو عُمَرَ في كتاب النساء. شرح ما في حديث الرضاع: الرضعاء والمراضع: قال ابن إسحاق: فالتمس لرسول الله - وَ﴿ - الرُّضَعَاء. قال ابنُ هشام: إنما هو الْمَراضِعِ. قال: وفي كتاب الله سبحانه: ﴿وحَرَّمنا عليه الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] والذي قاله ابنُ هشام ظاهر؛ لأن المراضِع جمعُ: مُرْضِع، والرُّضَعَاءُ: جَمْعُ رَضيع، ولكن لرواية ابن إسحق مَخْرَجٌ من وجهين، أحدهما: حذف المضافِ كأنه قال: ذَوَاتِ الرَّضَعاءِ، والثاني: أن يكونَ أراد بالرُّضَعَاءِ: الأطْفَالَ على حقيقةِ اللفظ؛ لأنهم إذا وجدوا له مُرضِعة تُرضِعه، فقد وجدوا له رضيعًا، يَرضَع معه، فلا يبعد أن يقال: الْتَمِسُوا له رَضِيعًا، عِلْمًا بأنَّ الرضیعَ لا بدَّ له من مُرْضِع. (١) سورة القصص آية رقم (١٢). (٢) لم يبرّرد أحد من أصحاب الصحاح. ٢٨٤ قال ابن إسحاق: فاسترضع له امرأةً من بني سَعْدٍ بن بكر، يقال لها: حليمة ابنةُ أبي ذُؤَيب. وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن شِجنة بن جابر بن رِزَام بن ناصرة بن فُصَيّة بن نَصْر بن سَعْدٍ بن بكر بن هوازن بن مَنْصور بن عِكرمة بن خَصَفة بن قَيْس بن عَيْلان [بن مضر]. واسم أبيه الذي أرضعه - رَ﴿ه - الحارثُ بن عَبْدِ العُزّى بن رفاعة بن مَلآن بن ناصرة بن قُصيّة بن نَصْر بن سَعْدٍ بن بكر بن هوازن. قال ابن هشام: ويقال: هلال بن ناصرة. قال ابن إسحاق: وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأُنَيْسة بنت الحارث، وخِدامة بنت الحارث، وهي الشَّيْمَاءُ، غلب ذلك على اسمها فلا تُعرف في قومها إلا به. وهم لحَليمة بنت أبي ذُؤَيب، عبدِ الله بن الحارث، أَمّ رسول الله - نزَلَه .. ويذكرون أن الشَّيْمَاءَ كانت تَخْصُنُهُ مع أمها إذا كان عندهم. مرضعاته عليه السلام: وأرضعتْه - عليه السلام - ثُوَيْبة قبلَ حليمةَ. أرضعته وعمَّه حمزةَ وعبدَ اللَّهِ بن جحش، وكان رسولُ الله - وَلِ﴾ - يعرف ذلك لثُوَيْبَة، ويصلها من المدينة، فلما افتتح مكةً سأل عنها وعن ابنها مَسْرُوحٍ، فَأَخْبِرِ أنَّهما ماتا، وسألَ عن قَرابتها، فلم يجد أحدًا منهم حَيًّا. وتُوَيْبَةُ كانت جارِيةً لأبي لَهبٍ، وسنذكر بقيةً حديثها - إن شاء اللّهُ - عند وفاة أبي لهبٍ. يغذّيه أو يغذّيه: وذكر قولَ حَليمةً: وليس في شارِفِنا ما يُغَذِّيه. وقال ابنُ هشام: ما يُغَذِيه بالذال المنقوطة، وهو أتَمُّ في المعنى من الاقتصار على ذكر الغَداء دون الْعَشَاءِ، وليس في أصل الشيخ روايةٌ ثالثة، وعند بعض الناس روايةٌ غير هاتين وهي يُعْذِبِه بعينٍ مُهْمَلة وذال منقوطة وباء مُعَجَمةِ بواحدة، ومعناها عندهم: ما يُقنعه حتى يرفعَ رأسَه، وينقطعَ عن الرضاع، يقال منه: عَذَبْتُه وأعْذَبْتُه: إذا قطعته عن الشُّرب ونحوه، والْعَذُوبُ: الرافعُ رأسَه عن الماء، وجمعه: عُذُوبٌ بالضم، ولا يُعرف فَعُول جُمع على فُعول غيرُه: قاله أبو عُبَيْد والذي في الأصل أصَحُّ في المعنى والنقل(١). (١) خطّأ الأزهري أبا عبيدة لأن فعولاً لا يكسر على فعول بضم الفاء. وانظر حديث حليمة في البداية = ٢٨٥ قال ابن إسحاق: وحدثني جَهْم بن أبي جَهْم مولى الحارث بن حاطب الْجُمَحِيّ: عن عبد الله بن جَعْفر بن أبي طالب، أو عمَّن حدّثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذُؤَيب السَّعْدية، أُمُّ رسول الله - وَّر - التي أرضعته، تحدّث: أنها خرجتْ من بَلَدها مع زوجها، وابن لها صغير تُرضعه في نِسْوة من بني سَعْد بن بَكْر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شَهْباء، لم تُبْق لنا شيئًا. قالت: فخرجت على أتان لي قَمْرَاء، معنا شارف لنا، والله ما تَبِضّ بقَطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ من صَبيِّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثدييّ ما يُغْنيه، وما في شارفنا ما يُغَدِّيه - قال ابن هشام: ويقال: يُغَذِّيه - ولكنَّا كنَّا نرجو الغيثَ والفرج، فخرجت على إتاني تلك، فلقد أدَمْتُ بالرَّكْب، حتى شقَّ ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا، حتى قَدِمْنا مكة نلتمس من شرح حديث الرضاعة: وذكر قولها: حتى أذْمَمْتُ بالركب. تريد: أنَّها حَبَسَتْهُم، وكأنه من الماءِ الدائم، وهو الواقفُ، ويروى: حتى أذَّمَّتْ. أي: أَذَمَّت الأتانُ، أي: جاءت بما تُذَمُّ عليه، أو يكون من قولهم: بِثْرٌ ذَمَّةٌ، أي: قليلةُ الماء، وليست هذه عند أبي الوليد، ولا في أصل الشيخ أبي بَحرٍ، وقد ذكرها قاسمُ في الدلائلِ، ولم يذكر روايةً أخرى، وذكر تفسيرها عن أبي عُبَيْدَةَ: أَذََّّ بالركب: إذا أبطأ، حتى حَبَسَتْهُمْ: من البئر الذَّمَّةِ، وهي القليلةُ الماء. وذكر قولَ حليمةً: فلما وضعتُه في حِجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتی روِيّ. وذكر غير ابن إسحق أن رسولَ الله - وَل﴿ ـ كان لا يقبل إلا على ثديها الواحدٍ، وكانت تعرِض عليه الثديّ الآخر، فيأباه كأنه قد أُشْعِر - عليه السلام - أنَّ معه شريكًا في لِبانها، وكان مَفْطورًا على العدل، مَجْبُولاً على المشارَكة والفضل - وَه ◌ِ. التماس الأجر على الرضاع: قال المؤلف: والتماسُ الأجر على الرَّضَاع لم يكن محمودًا عند أكثر نساءِ العربِ، حتى جرى المثلُ: تجوع المرأة ولا تأكل بِئَذْبيها، وكانَ عند بعضِهنّ لا بأسَ به، فقد كانت حليمةُ وَسِيطة في بني سعد، كريمةٌ من كرائم قومِها، بدليلِ اختيارِ اللَّهِ - تعالى - إيَّهَا لِرَضاع نبيِّه - رَ﴿ - كما اختار له أشرفَ البُطونِ والأصلابِ. والرَّضاعُ كالنسبِ؛ لأنه يُغَيِّر الطباعَ. (٢٧٣/٢) والبيهقي (١٣٣/١) وأبي نعيم (١١١ - ١١٣) كلاهما في الدلائل وابن الجوزي في الوفا = (١١٩) وابن الجوزي في المنتظم (٢٥٩/٢). وحديث ثويبة في البخاري (١٢٤/٩). ٢٨٦ الرضعاء، فما منَّا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسولُ الله - ﴿ ﴿ه ـ فتأباه، إذا قيل لها إنه يَتيم، وذلك: أنّا إنما كنّا نَرْجو المعروفَ من أبي الصبيِّ، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تَصْنع أُمُّه وجَدُّه! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قَدِمتْ معي إلا أخذتْ رضيعًا غيري، فلمَّا أجْمعنا الانطلاقَ قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجعَ من بين صَواحبي ولم آخذٌ رضيعًا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم، فلآخذنَّه، قال: لا عليكِ أن تَفْعلي، عسى الله أن يجعلَ لنا فيه بركةً. قالت: فذهبتُ إليه فأخذته، وما حَمَلني على أخذه إلا أني لم أجد غيرَه. قالت: فلما أخذتُه، رجعت به إلى رَخلي فلما وضعته في حِجري أقبل عليه ثَدیاي بما شاء من لبن، فشرب حتى رويّ، وشرب معه أخوه حتی روي، ثم ناما، وما كنّا ننام معه قبلَ ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لَحَافِلٌ، فحلب في المسندِ عن عائشةَ - رضي الله عنها - ترفعه: ((لا تَسْتَرْضِعُوا الحَمْقَى؛ فإن اللَّبَنَ يُورث))(١) ويحتمل أن تكونَ حليمةٌ ونساءُ قومها طلبن الرُّضَعَاءَ اضطرارًا للأزمة التي أصابتهم، والسَّنّة الشَّهْباء التي اقْتَحَمَتْهم. لِمَ كانت قريش تدفع أولادها إلى المراضع؟ وأما دَفْع قريشٍ وغيرِهم من أشرافِ العربِ أولادَهُم إلى المراضع، فقد يكون ذلك لوجوهٍ. أحدُها: تفريغُ النساءِ إلى الأزواج، كما قال عَمَّارُ بن ياسر لأَمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - وكان أخاها من الرضاعة، حين انْتَزَعَ من حِجْرِها زينبَ بنت أبي سَلَمَةً، فقال: ((دَعِي هذه الْمَقْبُوحَةِ الْمَشْقُوحةَ(٢) التي آذيتِ بها رسولَ الله - وَّهـ)) وقد يكون ذلك منهم أيضًا ليَنْشَأ الطفلُ في الأغرابِ، فيكونَ أفصحَ لِلسانِهِ، وأجْلَدَ لِجِسْمِه، وأجدَرَ أن لا يفارقَ الهيئةَ الْمَعَدِّيَّةَ(٣) كما قال عُمَرُ رضي الله عنه: تَمَعْدَدُوا وَتَمَعْزَزُوا(٤) واخْشَوْشِئُوا [رواه ابن أبي حَذْرَد](٥). وقد قال - عليه السلام - لأبي بكر - رضي الله عنه - حين قال له: ما رأيت أفصحَ منكَ يا رسولَ اللَّهِ، فقال: وما يمنعني، وأنا من قريش، وأُرضِعْتُ في بني سَعْدٍ؟! فهذا ونحوه كان يحملُهم على دَفْع الرُّضَعَاءِ إلى المراضع الأغرابِيَّات. وقد ذكر أن عبد الملك بن مَرْوانَ كان يقول: أضرَّ بنا حُبُّ الوليد؛ لأنَّ الوَليدَ كان لَحَّانًا، وكان سُلَيْمَانُ (١) أخرجه الطبراني في الصغير (٥٢/١) بلفظ: ((لا تسترضعوا الورهاء)). والبزار (١٦٩/٢) وإسنادهما ضعيف. وأخرجه ابن عدي في الكامل (١٨٠٣/٥) (٢٧٣٩/٧) مثله. وهو ضعيف أيضًا. (٢) المشقوحة: المكسورة أو المبعدة. (٣) المعدية: نسبة إلى معدّ. وهم أهل غلظة. (٤) تمعزز: تعزز لحمه. (٥) أخرجه ابن عساكر (٣٥٢/٧) وابن أبي شيبة (٢٢/٩) مرفوعًا وإسنادهما ضعيف. ٢٨٧ منها ما شَرب، وشربتُ معه حتى انتهينا رِيًّا وشِبَعًا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تَعلَّمي والله يا حليمة، لقد أخذت نَسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملتُه عليها معي، فوالله لقطعتْ بالرَّكب ما يقدر عليها شيء من خُمُرهم، حتى إنَّ صَواحبي ليقلْن لي: يا ابنة أبي ذُؤَيب، ويحك! ازبَعِي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا. قالت: ثم قَدِمنا منازلَنا من بلاد بني سَعد. وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدَب منها. فكانت غنّمي تروح عليّ حين قَدِمْنا به معنا شِباعًا لُبْنًا. فنحلُب ونشرب. وما يحلُب إنسان قَطْرَةَ لبن، ولا يجدها في ضَرْع. حتى كان الحاضرون من قَوْنا يقولون لرُغيانهم: ويلكم اسْرَحوا حيث يسرّح راعي بنت أبي ذُؤَيب فتَروح أغنامُهم چِياعًا ما تَبِضُ بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لُبْنَا، فلم نزل نتعرّف من الله الزيادةَ والخير حتى مضت سنتاه وفصلتُه؛ وكان يشِبْ شَبابًا لا يشِبُّه الغلمان، فلم يبلغ سنَتيْه حتى كان غلامًا جَفْرًا. قالت: فقَدِمْنا به على أُمَّهِ ونحن أحرصُ شيء على مُكثه فينا؛ لما كنا نرى من بَرَكته. فكلَّمنا أُمَّه، وقلت لها: لو تركتِ بُنَيّ عندي حتى يغلُظَ، فإني أخشى عليه وبأمكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردّته معنا. قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مَقْدَمنا بأشهر مع أخيه لفي بَهُم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يَشْتد، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القُرَشي قد أخذه رجّلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقًّا بطنه، فهما يَسُوطانه قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائمًا مُنْتَقَعًا وجهُه. قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بنيّ، قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقًّا بطني، فالتمسا شيئًا لا أدري ما هو. قالت: فرجعنا إلی خبائنا . قالت: وقال لي أبوه: يا حَليمة، لقد خشيتُ أن يكون هذا الغلامُ قد أُصيب فصيحًا؛ لأن الوليد أقام مع أُمّه، وسليمانُ وغيرُه من إخوته سكنوا الباديةَ، فَتَعَرَّبُوا، ثم أُدِّبُوا فَتَأْدَّبوا، وكان من قُريْشِ أعرابٌ، ومنهم حَضَرٌ، فالأغرابُ منهم: بنو الأذرَم وبنو مُحَارب، وأحسَبُ بني عامِرٍ بن لُّؤَيُّ كذلك؛ لأنهم من أهل الظواهرِ، وليسوا من أهل البِطاح. شقّ الصدر: وذكر قول أخيه من الرضاعة: نزل عليه رَجُلاَن أبيضان، فَشَقًّا عن بطنه، وهما يَسُوطانه، يقال: سُطْتُ اللَّبَنَّ أو الدَّمَ، أو غيرَهما، أسُوطه: إذا ضَرَبْتَ بعضه ببعض. والْمِسْوَطُ: عُودٌ يُضْرَب به. ٢٨٨ فألحقيه بأهلِه قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه، فقَدمْنا به على أَمْه، فقالت: ما أقدمك به يا ظِئْرُ، وقد كنتِ حريصةً عليه، وعلى مُكْثه، عندك؟ قالت: فقلت: قد بلغ الله يا بني وقضتُ الذي عليَّ، وتخوّفت الأحداث عليه، فأذيته إليك كما تحبين. قالت: ما هذا شأنك، فأصدقيني خَبرك. قالت: فلم تدغني حتى أخبرتُها. قالت: أفتخوّفت عليه الشيطانَ؟ قالت: قلت: نعم، قالت: كلا. والله ما للشيطان عليه من سَبيل، وإن لبُنَيَّ لشأنًا، أفلا أخبرُكٍ خبرَه. قالت: بلى. قالت: رأيت حين حملت به: أنه خرَج منىٍ نورٌ أضاء لي قُصورَ بُصْرَى من أرض الشام. ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حَمْل قطّ كان أخفَّ ولا أيسرَ منه، ووقع حين ولدته، وإنه لواضعْ يَدَيْه بالأرض، رافع رأسَه إلى السماء. دعيه عنك، وانطلقي راشدةً. قال ابن إسحاق: وحدّثني ثَور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن مَغْدان الكلاعي: أنّ نفرًا من أصحاب رسول الله - بَ ◌ّه ـ قالوا له: يا رسول وفي رِوَايةٍ أخرى عن ابن إسحقٍ أنه نَزَل عليه كُرْكِيَّان(١)، فشقّ أحدُهما بمنقارِهِ جوفَه، ومَجَّ(٢) الآخرُ بمنقارِه فيه ثَلْجًا، أو بَرَدًا، أو نحو هذا، وهي رواية غريبة ذكرها يونُس عنه، واختصر ابن إسحق حديثَ نُزول المَلَكين عليه، وهو أطول من هذا. وروى ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذَرِّ - رضي الله عنه - قال: ((قلت: یا رسولَ الله كيف علمتَ أنك نبيٌّ، وبِمَ علمت حتى استَيْقَنْتَ؟ قال: يا أبا ذَرِّ أتاني ملّكان، وأنا بِبَطْحَاءِ مَكّة، فوقع أحدُهما بالأرضِ، وكان الآخرُ بين السماء والأرضِ، فقال أحدُهما لصاحبه: أهو هُوَ؟ قال: هُوَ هُوَ: قال: فَزِنْهُ برجلٍ، فوزَنَّنِي برجلٍ، فَرَجَحْته، ثم قال: زِنْه بعشرة، فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتُهمْ، ثم قال: زِنْه بمائةٍ، فَوزَنَنِي، فرجحتهم، ثم قال: زِنْه بألفٍ، فوزنني فَرَجَحْتُهم، حتى جَعَلُوا يَتْنَاقَلُونَ عليّ من كِفَّة الميزانِ، فقال أحدُهما لصاحبه: شُقَّ بطنَه، فشقّ بطني، فأخرج قلبي، فأخرج منه مَغْمَزَ الشيطانِ وعَلَقَ الدِّم، فَطَرَحهما، فقال: أحدُهما لصاحبه: اغْسِل بطنَه غَسْل الإناءِ، واغسِل قلبَه غسل الْمُلاَءِ، ثم قال أحدُهما لصاحبه: خِطْ بطنَه، فخاطَ بَطْني، وجعل الخاتم بين كَتِفِيّ كما هو الآن، وولَيا عنّي، فكأني أُعاين الأمرَ معاينة)»(٣) ففي هذا الحديث بيان لما أبهم في الأول، لأنه قال: فأخرج منه مَغْمَزَ (١) الكركي: طائر كبير طويل العنق والرجلين أبتر الذنب. (٢) مج: لَفَظ. (٣) (صحيح). وأخرجه العقيلي في الضعفاء (٣٥٩/٢) والدارمي (٩١/١) والطبري في التاريخ (٥٣٤/١) والحاكم (٦٠٠/٢) بنحوهٍ وصححه وأقرّه الذهبي. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٣٩/٥) من حديث أبيّ بن كعب بنحوه. وأصله في صحيح مسلم. ٢٨٩ الروض الأنف/ ج ١/ م ١٩ الله. أخبرنا عن نَفْسك؟ قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشْرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قُصورَ الشام، واستُرْضعتُ في بني سَعْد بن بَكْر. فبينا أنا مع أخ لي خلفَ بيُوتنا نرعى بَهْمًا لنا. إذ أتاني رجلان عليهما. ثيابٌ بيض بطّسْت من ذهب مملوءة ثلجًا. ثم أخذاني فشقًّا بطني، واستخرجا قَلْبي، فشقّاه فاستخرجا منه عَلَقةً سوداء فطرحاها. ثم غَسَلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى الشيطانِ، وعَلَق الدَّم، فبيَّن أن الذي التمس فيه هو الذي يغمزه الشيطانُ من كلِّ مولودٍ إلا عيس ابن مريم وأُمّه (١) - عليهما السلام - لقول أُمها حَنَّة: ﴿وَإني أُعِيذُها بكَ وَذُرِيَّتَها من الشيطان الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦]. فلم يصل إليه لذلك، ولأنه لم يُخْلَق من مَنِيِّ الرِّجالِ فأعيذه من مَغْمَز، وإنما خُلِق من نَفْخَةِ رُوح الْقُدُس، ولا يدل هذا على فضل عيسى عليه السلام على محمد - وَه ـ لأن محمدًا - وَلَهَ ـ قد نُزِع منه ذلك الْمَغْمَزُ، ومُلىء قلبهُ حكمةً وإيمانًا، بعد أن غسَله روحُ الْقُدُسِ بالثَّلْجِ والْبَرَدِ، وإنَّما كان ذلك الْمَغْمَزُ فيه لموضع الشَّهْوَةِ الْمُحَرّكة للْمَنِيِّ، والشهواتُ يحضرها الشياطينُ، لا سيما شهوةُ مَنْ ليس بمؤْمِن، فكان ذلك الْمَغْمَزُ راجعًا إلى الأب، لا إلى الابنِ المطهّر - وَّر .. وفي الحديث فائدة أخرى، وهي منْ نفيسٍ العِلم، وذلك أن خاتَمَ النُّبُوَّة لم يدر هل خِلق به، أم وُضع فيه بعدما وُلد، أو حين نُبِّىء، فبيّن في هذا الحديث متى وُضع، وكيف وُضع، ومَنْ وضعَه، زادنا الله علمًا، وأوْزَعَنَا شُكْرَ ما عَلَّم، وفيه البيانُ لما سأل عنه أبو ذر - رضي الله عنه - حين قال: كيف علمت أنك نبي، فأعلمه بكيفية ذلك، غير أن في هذا الحديث، وَهْمًا من بعضِ النَّقَلة، وهو قوله: بينما أنا بِبَطْحَاءِ مكّة، وهذه القصة لم تَغْرض له إلا وهو في بني سَعْدٍ مع حليمة، كما ذكر ابنُ إسحقٍ وغيره، وقد رواه الْبَزَّار من طريق عُزْوَةً عن أبي ذرِّ - رضي الله عنه - فلم يذكر فيه بَطْحَاءَ مكة. حديث السكينة: وذكر فيه أنه قال: وأُوتِيتُ بِالسَّكِينةِ كأنها رَهْرَهَةٌ، فوُضِعَتْ في صَدْرِي. قال: ولا أعلم لعُزوةً سماعًا من أبي ذر. وذكر من طريق آخر عن أبي ذر، أن رسول الله - وَلخير - قال له: (يا أبا ذر، وُزنتُ بأربعين، أنت فيهم فرجحتُهم)) والرَّهْرَهَةُ: بَصيصُ البشرة، فهذا بيانُ وضعِ الخاتم متى وُضع. (١) يشير إلى قول الله عزّ وجل: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن﴾. وإلى قوله : ((ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهلّ صارخًا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأَمه)) أخرجه البخاري (٤٢/٦) ومسلم (١٨٣٨) وأحمد (٢٣٣/٢). ٢٩٠ أنْقَياه، ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْه بعشرة من أُمَّته، فوزَنَني به فوزنتهُم، ثم قال: زِنْه بمئة مِن أُمَّته. فوزنني بهم فوزنتهُم، ثم قال: زنه بألف من أَمَّته، فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمته لوزنها(١). مسألة شقّ الصدر مرة أخرى: وأما متَى وَجَبَتْ له النُّبُوَّةُ، فرُوِيَ عن مَّيْسرة أنه قال له: متى وَجَبَتْ لك النُّبُوَّة يا رسولَ الله؟ فقال: ((وآدمُ بين الرُّوحِ والجسد))(٢)، ويُروى: وآدمُ مُجَنْدَلٌ في طينته(٣). وهذا الخبر يُروى عنه - عليه السلامُ - على وجهين، أحدهما: أنه شُقَّ عن قلبه، وهو مع رابَّتهِ ومُرْضعته في بني سعد، وأنه جيء بطَسْتٍ من ذهب، فيه ثلج فغسل به قلبه، والثاني فيه: أنه غُسِل بماء زمزم، وأن ذلك كان ليلة الإسراء حين عُرج به إلى السماء بعدما بُعث بأعوامٍ، وفيه أنه أُتي بطَسْتٍ من ذهبٍ ممتلىءٍ حكمةً وإيمانًا، فَأَفرِغ في قلبه. وذكر بعضُ مَن أَلْف في شرحِ الحديث أنه تعارضٌ في الروايتين، وجعَل يأخذ في ترجيح الرُّوَاة وتغليطِ بعضِهم، وليس الأمرُ كذلك، بل كان هذا التقديسُ وهذا التطهيرُ مرتين. الأولى: في حالِ الطُّفُوليّة لِيُنَقَّى قلبُهُ من مَغْمَز الشيطان، ولَيُطَهَّر ويُقَدِّسَ من كل خُلُقٍ ذَميم، حتى لاَ يَتَلَبَّس بشيءٍ مما يُعاب على الرِّجالِ، وحتى لا يكونَ في قلبه شيءٌ إلا التوحيد؛ ولذلك قال: فولِيا عني، يعني: الملكين، وكأني أُعاين الأمر مُعَاينَةً. والثانية: في حال الاكْتِهالِ، وبعدما نُبِّىء، وعندما أراد اللَّهُ أن يرفَعَه إلى الحضرة الْمُقَدِّسَةِ التي لا يصعد إليها إلا مُقَدَّس، وعُرِجَ به هنالك لتُفْرَضَ عليه الصلاةُ، وليُصَلِّي بملائكةِ السمواتِ، ومن شأنِ الصلاةِ: الطُّهُور، فقُدّس ظاهرًا وباطنًا، وغُسِل بماء زمزم. وفي المرة الأولى بالثلج لِما يُشْعِر الثلجُ من ثَلْج اليقين وبَزْدِه على الفؤاد، وكذلك هناك حصل له اليقينُ بالأمر الذي يُراد به وبوحدانية ربه. وأما في الثانية، فقد كان مُوقِنَا مُتَبًّا، فإنما طُهّر لمعنى آخر، وهو ما ذكرناه من دخول حَضْرَة الْقُدُسِ والصلاةِ فيها، ولقاء الملِكِ الْقُدُّوسِ، فغسَله روحُ القُدُسِ بماء زمزم التي هي (١) (صحيح). أخرجه ابن عساكر (٢٦٥/١) من حديث عبادة بن الصامت. وفيه بشر بن عمارة والأحوص بن حكيم: ضعيفان. وللحديث شواهد تصل به إلى الصحيح. (٢) (صحيح)). أخرجه الترمذي (٣٦٠٩) وأحمد (٤/٥) والحاكم (٦٠٩/٢) وابن أبي شيبة (١٤/ ٢٩٢). (٣) (صحيح)). أخرجه أحمد (١٢٧/٤) وابن سعد (٩٦/١/١) والطبراني (٢٥٢/١٨) وأبو نعيم من الدلائل (٨١/٨٠/١). ٢٩١ هَزْمَة رُوحِ القُدُسِ، وهَمْزَة عَقِبه (١) لأبيه إسماعيل عليه السلام - وجيء بطَسْتٍ مُمْتلِىء حكمةً وإيمانًا، فَأَفْرِغ في قلبِهِ، وقد كان مؤمنًا، ولكن الله تعالى قال: ﴿لَيَزْدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤] وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]. فإن قيل: وكيف يكونُ الإيمانُ والحِكمةُ في طَسْتٍ من ذَهَبٍ، والإيمانُ عَرَض، والأعراضُ لا يوصف بها إلا مَحَلُّها الذي تقوم به، ولا يجوز فيه الانتقال، لأن الانتقال من صِفَةِ الأجسام، لا من صفة الأعراض؟ قلنا: إنما عُبِّر عما كان في الطّسْتِ بالحكمة والإيمان، كما عُبِّر عن اللبنِ الذي شَرِبه، وأُعطِيَ فضلَه عُمَرُ - رضي الله عنه - بالعلم، فكان تأويلُ ما أُفْرِغَ في قلبِهِ حِكْمةً وإيمانًا، ولعل الذي كان في الطَّسْتِ كان ثَلْجًا وبَردًا - كما ذكر في الحديث الأول - فعبّر عنه في المرة الثانية بما يَؤُول إليه، وعبّر عنه في المرة الأولى بصورته التي رآها، لأنه في المرة الأولى كان طفلاً، فلما رأى الثلجَ في طَسْتِ الذهبِ اعتقده ثَلْجًا، حتى عَرَف تأويلَه بعد. وفي المرةِ الثانيةِ كان نَبِيئًا، فلما رأى طَسْتَ الذهب مملوءًا ثَلْجًا علم التأويل لِحِينِه واعتقده في ذلك المقام حكمةً وإيمانًا، فكان لفظُه في الحديثين على حَسَب اعتقاده في المقامين. مناسبة الذهب للمعنى المقصود: وكان الذهبُ في الحالتين جميعًا مناسبًا للمعنى الذي قُصِدَ به. فإن نظرتَ إلى لفظٍ الذهبِ، فمطابق للإذهابِ، فإن الله - عزّ وجل - أراد أن يُذْهبَ عنه الرِّجْسَ، ويُطَهِّرَه تطهيرًا، وإن نظرتَ إلى معنى الذهب وأوصافِه وجدتَه أنقى شيءٍ وأصفاه، يقال في المثل: أنقى من الذهب. وقالت بَرِيرَةُ في عائشة - رضي الله عنها - ما أعلم عليها إلا ما يَعْلَم الصَّائِغُ على الذِّهبِ الأحمر. وقال حُذَيفة في صِلَةَ بن أشْيمَ رضي الله عنهما: إنما قلبُه من ذهب، وقال جرير بن حازم في الخليل بن أحمد: إنه لرجلٌ من ذهب، يريدون: النقاء من الْعُيوبِ، فقد طابق طَسْتُ الذهب ما أُريد بالنبي - وََّـ من نقاءِ قلبِه. ومن أوصاف الذهب أيضًا المطابقةِ لهذا المقام ثقَلُه ورُسُوبُه، فإنه يُجْعل في الزّيبَقِ الذي هو أثقلُ الأشياءِ، فيرسب، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا سنُلْقي عليك قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥]. وقال عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنما ثقُلت موازينُ الْمُحِقِّين يوم القيامة، لاتباعهم الحقَّ، وحُقّ الميزانٍ لا يُوضَعُ فيه إلا الحقُّ أن يكونَ ثَقيلاً، وقال في أهلِ الباطلِ بعكس هذا. وقد رُوِيَ: أنه أُنْزِلَ عليه الوحي، وهو على ناقتِه، فَتَقُل عليها حتى سات قوائمُها في الأرض، فقد (١) همزة عقبه: نقرة عقبه. ٢٩٢ تطابقت الصفةُ المعقولةُ والصفةُ المحسوسةُ. ومن أوصافِ الذهبِ أيضًا أنه لا تأكله النارُ، وكذلك القرآنُ: لا تأكل النارُ يومَ القيامة قلبًا وعاه، ولاَ بَدَنًا عَمِلَ به، قال النبي - وَلّر -: ((لو كان القرآنُ في إهابٍ (١)، ثم طُرح في النار ما احترق))(٢) ومن أوصاف الذهب المناسبةِ الأوصافِ القرآن والوحي: أنَّ الأرض لا تُبليه، وأن الثرى لاَ يَذْرِيه، وكذلك القرآن لا يَخْلُق على كَثْرة الرَّدْ، ولا يُستطاع تغييرُه ولا تبديلُه، ومن أوصافه أيضًا: نفاستُه وعِزَّتُه عند الناسِ، وكذلك الحقُّ والقرآنُ عزيزٌ، قال سبحانه: ﴿وإنه لَكِتَابٌ عَزِيز﴾ [فُصِّلت: ٤١]. فهذا إذا نظرت إلى أوصافِه ولفظِه، وإذا نظرت إلى ذاتِه وظاهره، فإنه زُخْرُفُ الدُّنيا وزينتُها، وقد فُتح بالقرآنِ والوحي على محمد - وَّهِ - وأمته خزائنُ الملوكِ، وتصيّر إلى أيديهم ذهبُها وفضتُها، وجميعُ زُخْرُفِهَا وزينتها، ثم وُعِدوا باتباع القرآن والوحي قُصُورَ الذهبِ والفضةِ في الجنة. قال - رَ﴿ه -: ((جنَّتَانِ من ذَهبٍ، آنيتُهما وما فيهما من ذهب))(٣)، وفي التنزيل: ﴿يُطاف عليهم بِصِحَافٍ من ذَهَبٍ﴾ [الزُّخْرُف: ٧] ﴿وَيُحَلّوْنَ فيها من أُسَاوِرَ مِن ذهب ولُؤْلُؤًا وَلِياسُهم فيها حرير﴾ [الحج: ٢٣؛ وفاطر: ٣٣] فكان ذلك الذهبُ يُشعر بالذهب الذي يصير إليه مَن اتبع الحقَّ، والقرآنُ وأوصافه تُشعِر بأوصاف الحق، والقرآن ولفظُه يُشعِر بإذهاب الرّجس، كما تقدم، فهذه حِكَم بالغة لمَن تأمل، واعتبار صحيح لمَن تدبر، والحمد لله . وفي ذكر الطَّسْتِ وحروفِ اسمه حكمة تنظر إلى قوله تعالى: ﴿طَس تلك آيَاتُ القرآنِ وكتاب مبين﴾ [النمل: ١](٤) ومما يُسأل عنه: هل خُصّ هو - ◌َلَه ــ بغسل قلبه في الطست، أم فُعِل ذلك بغيره من الأنبياء قبله، ففي خبر التابوت والسكينة، أنه كان في الطَّسْتُ التي غُسِلتْ فيها قلوبُ الأنبياء عليهم السلام. ذكره الطبري(٥)، وقد انتزع بعضُ الفقهاء من حديث الطَّسْت حيثُ جُعِل مَحَلاَّ للإيمان والحكمةِ جوازَ تحليةِ المُصْحَف بالذهب، وهو فقه حَسَن(٦)، ففي حديث أبي ذر - رضي الله عنه - هذا الذي قدّمناه، متى علم أنه نبيّ. (١) إهاب: جلد. (٢) ((حسن)). أخرجه أحمد (١٥٥/٤) والطبراني في الكبير (٢١٢/٦) (٣٠٨/١٧) والبيهقي في الصفات (٢٦٤) بتحقيقي. والبغوي في شرح السُّنّة (٤٣٦/٤). (٣) ((صحيح)). أخرجه البخاري (١٨١/٦) ومسلم في الإيمان (٢٩٦) وابن ماجه (١٨٦) والبيهقي في الصفات (٣٠٢) بتحقيقي. (٤) التفسير والتأويل الأول جميل يشهد لصاحبه بالعلم الجمّ والتدبّر الذكي لحديث النبي وَ ﴾. أما تفسيره لسورة النمل فبعيد. والله أعلى وأعلم. (٥) الطبري في تاريخه (٥٤٠/١). (٦) تأويل بعيد ردّه غير واحد من أهل العلم. ٢٩٣ عود على حديث ابن إسحق: قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - وَّ﴿ه - يقول: ((ما مِنْ نِيِّ إلاَّ وَقَد رَعَى الغَنَم))، الحكمة في ختم النبوة: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لمَّا مُلىء قلبُه حكمةً ويقينًا، خُتِم عليه كما يُختَم على الْوعاءِ المملوءِ مِسْكًا أو دُرًّا، وأما وَضْعُه عند نُغْض كتفهِ (١)، فلأنّه معصومٌ من وَسْوَسة الشيطان، وذلك الموضع منه يُوسْوِس الشيطانُ لابن آدم. روى مَيْمُون بن مهران عن عُمَر بن عبدِ العزيز أن رجلاً سَأل ربّه أن يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشيطان منه، فأُرِيّ جَسَدًا مُمَهَّى(٢) يُرى داخلُه من خارجِهِ، والشيطانُ في صُورة ضِفْدع عند نُغْضٍ كتفه حِذَاءَ قلبِهِ، لَهُ خُرْطُوم، كُرْلُومِ البَعُوضَة، وقد أدخله إلى قلبِهِ يوسوس، فَإذا ذكر اللَّهَ تعالى العبدُ خَتَس(٣). ردّ حليمة للنبي پ۔ ۔: فصل: وكانَ ردُّ حليمةَ إِيَّه إلى أُمّه وهو ابنُ خمسٍ سنينَ وشهر، فيما ذكر أبو عُمَرَ(٤)، ثم لم تره بعد ذلك إلا مرتين: إحداهما بعد تَزْويجه خديجة - رضي اللَّهُ عنها - جاءته تشكو إليه السَّنَّة، وأن قومَها قد أسْنتُوا(٥) فكلَّم لها خديجةَ، فأعطتْها عِشرينَ رأسًا من غنّم وبَكَرَاتٍ، والمرة الثانية: يوم حُنَينٍ وسيأتي ذكرُها إن شاء الله. تأويل النور الذي رأته آمنة: فصل: وذكر النورَ الذي رأته آمنة، حين ولدته عليه السلامُ، فأضاءت لها قصور الشام، وذلك بما فتح اللَّهُ عليه من تلك البلاد، حتى كانت الخلافةُ فيها مدة بني أمية، واستضاءت تلك البلادُ وغيرُها بنورِهِ - وَ ﴿ - وكذلك رأى خالِدُ بنُ سَعيد بن العاصِي قبل الْمَبْعَثِ بيسيرٍ نُورًا يخرج من زَمْزَم، حتى ظهرت له الْبُسْرُ (٦) في نخيلٍ يَثْرِب، فقصَّها على أخيه عَمْرٍو، فقال له: إنها حَفِيرَةُ عبدِ الْمُطَّلِبٍ، وإن هذا النورَ منهم، فكان ذلك سببَ مُبَادَرَته إلى الإسلام. رعيه الغنم: فصل: وذكر قولَ النبيِّ - وَهــ: ((ما مِنْ نَبِيِّ إلا وقد رَعَى الْغَنَم)). قيل: وأنت يا (١) نغض الكتف: أعلى غضروف الكتف. (٣) خنس: هرب وابتعد. (٢) ممهى: أي مُصفى أو مُخلى. (٤) يعني ابن عبد البرّ. صاحب التمهيد وغيره. (٥) استتوا: أجدبوا. (٦) البسر: البلح المشوب بصفرة. ٢٩٤ قيل: وأنت يا رسولَ الله؟ قال: ((وأنا))(١). قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - وَل﴾ - يقول لأصحابه: ((أنا أعرَبِكُم، أنا قُرَشِيٍّ، واسْتُرْضِعْت في بني سَعْد بن بكر))(٢). [حديث ضعيف]. قال ابن إسحاق: وزعم الناسُ فيما يتحدثون، والله أعلم: أنّ أُمَّه السعدية لمّا قَدِمَت به مكة أضلَّها في الناس، وهي مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطّلِب، فقالت له: إني قد قَدِمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكّة أضلَّني، فوالله ما أدري أين هو، فقام عبد المطّلِب عند الكعبة يدعو الله أن يردّه، فيزعمون أنه وجدّه ورقةُ بنُ نوفل بنِ أسَد، ورجل آخر من قريش، فأَتّيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عُنقه، وهو يطوف بالكعبة يُعوّذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة. قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أهل العلم(٣)، أن مما هاج أُمه السعدية على ردِّه إلى أُمه، مع ما ذكرتْ لأُمه مما أخبرتها عنه، أن نفَرًا من الحبشة نصارى رأوه معها حين رجعتْ به بعدَ فِطامه، فنظروا إليه، وسألوها عنه وقلَّبوه، ثم قالوا لها: لَتَأْخُذَنَّ هذا الغلامَ، فَلَنَذْهَبَنَّ به إلى مَلِكنا وبَلدنا؛ فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمرَه، فزعم الذي حدّثني أنها لم تكَذ تنفلت به منهم. رسول الله؟ قال: ((وأنا)). وإنما أراد ابنُ إسحق بهذا الحديثِ رِعَايته الغَنَم في بني سَعْدٍ مع أخيه من الرَّضاعة، وقد ثبت في الصحيح أنه رعاها بمكةً أيضًا على قراريطَ لأهلٍ مكةً. ذكره البخاري، وذكر البخاري عنه أيضًا أنه قال: ما هَمَمْتُ بشيءٍ من أمرِ الْجَاهِلِيَّةِ إلاَّ مرتينٍ، وروى أن إحدى المرتين كان في غَنَمِ يرعاها هو وغُلامٌ من قُرَيْشٍ، فقال لصاحبه: اكْفِي أمرّ الغَنَمِ حتى آتَيَ مكةً، وكان بها عُرْسٌ فيها لَهْوٌ وزَمْرٌ، فلما دنا من الدارِ ليحضرَ ذلك، أُلْقِي عليه النومُ، فنام حتى ضربته الشمسُ عِصمةً من اللَّهِ له. وفي المرة الآخرةِ قال لصاحبه مثلَ ذلك، وأُلْقي عليه النومُ فيها، كما أُلْقِي في المرةِ الأولى(٤). ذكر هذا المعنى ابنُ إسحق في غير رواية الْبَكَّائِيِّ. وفي غريبِ الحديث لِلْقُتَبِيِّ: ((بُعِث موسى - ◌َّرِ - وهو راعي غنم، (١) (صحيح)). أخرجه البخاري في الإجارة (٢٢٦٢) من حديث أبي هريرة. (٢) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن سعيد (٧١/١/١) والقاري في الأبرار (١١٦). فيه مبشر بن عبيد: متروك. (٣) مجاهيل. والرواية السابقة فيها نظر أيضًا. (٤) أخرجه الطبري في تاريخه (٥٢٠/١) والبيهقي في الدلائل (٥٨/١) والحاكم (٢٤٥/٤). ٢٩٥ وبُعث داودُ - وَ﴿ - وهو راعي غنم، وبعثتُ، وأنا راعي غنم أهلي بأجْيَاد))(١) وإنما جعل اللَّهُ هذا في الأنبياءِ تَقْدِمَةً لهم، ليكونوا رعاةَ الْخَلْقِ، ولتكونَ أُمَمُهُمْ رعايا لهُم، وقد رأى رسولُ الله - وَ﴿ - أنه يَنْزِع على قَلِيبٍ وَحَوْلها غَنَمْ سُودٌ، وغَنَمْ عُفْرٌ (٢). قال: ثم جاءَ أبو بكر - رضي الله عنه - فنزَعَ نَزْعًا ضعيفًا، واللَّهُ يَغْفِرُ له، ثم جاء عمرُ فاسْتَحَالَتْ غَزْبًا يعني: الدَّلْوَ، فلم أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ(٣) فأوَّلها الناسُ في الخلافةِ لأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما (٤)، ولولا ذِكْرُ الْغَنَم السود والْعُفْرِ لَبَعُدت الرُّؤْيَا عن معنى الخلافةِ والرعاية؛ إذِ الْغَنَمُ السُّودُ والْعُفْرُ عبارةٌ عن العَربِ والْعَجَم، وأكثرُ الْمُحَدِّثين لم يذكروا الغثَمَ في هذا الحديثِ. ذكره الْبَزَّارُ في مُسْتَدِهِ، وأحمدُ بن حنبلٍ أيضًا، وبه يصحّ المعنى، والله أعلم. (١) أجياد: جبل بمكة. والحديث أخرجه ابن سعد (٨٠/١/١) وأحمد (٩٦/٣) والدولابي في الكِنى (٩٢/١) وابن المبارك في الزهد (٤١٥). (٢) العفر: جمع عفراء. ما يعلو بياضها حمرة. (٣) يفري فرية: يعمل عملاً عظيمًا. (٤) متفق عليه. ٢٩٦ وفاة آمنة وحال رسول الله وَهر مع جدّه عبد المطلب بعدها قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - وَل﴿ - مع أُمّه آمنة بنت وهب، وجدّه عبد المطلب بن هاشم في كلاءَة الله وحِفْظِه، يُنْبته الله نباتًا حسنًا، لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسولُ الله - وَلّهِ - ستَّ سنين، توفيت أُمُّه آمنة بنت وَهْب. في كفالة العمّ فصل: وذكر كَوْنَ النبي - وَهـ في كفالة عمه يَكْلَؤُه ويَحْفَظه. فَمِنْ حفظ الله له في ذلك أنه كان يتيمًا ليس له أبٌّ يرحمه، ولا أُمَّ تَزْأَمُه(١) لأنها ماتت، وهو صغيرٌ، وكان عِيَالُ. أبي طالبٍ ضَفّفًا(٢)، وعَيْشُهم شَظَفًا(٣)، فكان يوضع الطعامُ له ولِلصَّبْيَةِ من أولادِ أبي طالبٍ، فيتطاولون إليه، ويتقاصر هو، وتَمْتَد أيديهم، وتَنْقَبِض یدُه تکژُّمًا منه واسْتِحياءً ونزاهةً نفسٍ وقَتَاعَةً قلبٍ، فيصبحون غُمْصًا رُمْصًا، مُصْفَرَّةً ألوانُهم ويُصبحُ هو - عليه السلامُ - صَقِيلاً دَهِينًا كأنه في أَنْعَمِ عَيْشٍ، وأعز كِفايَةٍ، لُطْفًا من اللَّهِ - عزّ وجل - به. كذلك ذكره الْقُتَبِيُّ في غريبٍ الحدیث. موت آمنة وزيارته لها فصل: وذكر موت أمه آمنة بالأبواء، وهو مَوْضع معروفٌ بين مكةً والمدينة، وهو إلى المدينةِ أقرب كأنه سُمِّي بجمْع بَوِّ، وهو جِلْد الْحُوار(٤) الْمَخْشُوِّ بالتبن وغيرهِ، وقيل: سُمِّيَ بالأبواءِ لتَبَوُّء السُّيُولِ فيه، وكذلك ذكر عن کثیر. ذكره قاسم بن ثابت. (١) ترأمه: تعطف عليه وتلزمه. انظر اللسان (٢٢٣/١٢). (٢) ضفف: أي كثير. السابق (٢٠٧/٩). (٣) شظف: الشظف: يُيس العيش وشدته. السابق (١٧٦/٩). (٤) الحوار: ولد الناقة حتى يفصل. اللسان (٢١٧/٤). ٢٩٧ قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أُمَّ رسول الله - وَ ﴿ - آمنة تُوفّيت ورسولُ الله - وَّ ــ ابن ستّ سنين بالأبواء، بين مكة والمدينة، كانت قد قَدِمت به على أخواله من بني عديّ بن النَّجَّار، تُزيره إيَّاهم، فماتت، وهي راجعة به إلى مكّة. قال ابن هشام: أُمّ عبد المطلب بن هاشم: سَلْمى بنت عمرو النجَّارية فهذه الخُؤولة التي ذكرها ابنُ إسحق لرسول الله - نَّ - فيهم. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - ◌َل ـ ـ مع جدّه عبد المطلب بن هاشم، وكان يُوضع لعبد المطلب فراش في ظلّ الكعبة، فكان بَنوه يجلسون حول فِرَاشه ذلك، حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحدٌ من بنيه إجلالاً له، قال: فكان رسول الله - وَلتر - يأتي، وهو غُلام جَفْر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامُه، ليؤخّروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دَعُوا ابْني، فوالله إنّ له لشأنًا، ثم يُجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع(١). وفي الحديث أن رسول الله - ﴿ - زار قبرَ أُمّه بالأبواءِ في ألْفِ مُقَنَّع، فبكى وأبكى، وهذا حديث صحيح(٢)، وفي الصحيح أيضًا أنه قال: استأذنت ربي في زيارة قبر أُمي، فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها، فلم يأذن لي(٣). وفي مُسْنَد الْبَزَّار من حديث بُرَيْدَةً أنه - ﴿ - حين أراد أن يستغفرَ لأَمه، ضرب جبريلُ عليه السلام في صَدْرِهِ، وقال له: لا تستغفر لمن كان مُشْرِكًا، فرجع وهو حزين(٤). وفي الحديث زيادةٌ في غير الصحيح أنه سُئِل عن بُكائه، فقال: ذكرت ضَعْفَها وشدةً عذاب الله، إن کان صحَّ هذا. وفي حديثٍ آخرَ ما يُصَحِّحُهُ، وهو أن رجلاً قال له: يا رسولَ الله: أين أبي؟ فقال: (في النار))، فلما وَلَّى الرجلُ، قال عليه السلام: ((إن أبي وأباك في النار))(٥)، وليس لنا أن (١) انظر الطبقات (١١٧/١) والوفا لابن الجوزي (١٣٩). (٢) ((صحيح). أخرجه أحمد (٣٥٥/٥) وابن شاهين في الناسخ (٤٢٤) بسند ضعيف. ومقنع أي مغطى بالسيف. وقيل هي الخوذة. (٣) (صحيح)). أخرجه مسلم في الجنائز (١٠٨) وابن ماجه (١٥٧٢) وأحمد (٤٤١/٢). (٤) أخرجه البزار (٦٦/١). (٥) أخرجه مسلم في الإيمان (٣٤٧) وأحمد (١١٩/٣) وأبو عوانة (٩٩/١). ٢٩٨ نقولَ نحن هذا في أبويه - ◌ََّ(١) - لقوله عليه السلام: ((لا تُؤْذُوا الأحياءَ بِسَبِّ الأمواتِ))(٢)، واللَّهُ عزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿إن الذين يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَه [لعنهم اللَّهُ في الدنيا والآخرةِ]﴾ [الأحزاب: ٧٥]. وإنما قال النبي - ◌َّليزر - لذلك الرجل هذه المقالة، لأنه وَجَد في نفسِه، وقد قيل: إنه قال: أين أبوك أنت؟ فحينئذٍ قال ذلك، وقد رواه مَعْمَرُ بن راشدٍ بغير هذا اللفظ، فلم يذكر أنه قال له: إن أبي وأباك في النار، ولكن ذَكَرَ أنه قال له: ((إذا مَرَرْتَ بقبرِ كافرٍ، فبشّره بالنار)»، ورُوِيَ حديثٌ غريبٌ لعله أن يصحَّ. وجدّته بخط جَدِي أبي عِمْران أَحمد بن أبي الْحَسَن القاضي - رحمه الله - بسندٍ فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من کتاب، انْتُسِخَ مِن كتابٍ مُعَوِّذٍ بن داود بن مُعوِّذ الزاهِد يرفعه إلى [عبد الرحمن بن ] أبي الزناد عن [هشام بن] عُروة، عن [أبيه عن] عائشةَ - رضي الله عنها - أخبرت أن رسول الله - الهرم - سأل ربَّه أن يُخبِيَ أبويه، فأحياهما له، وآمنا به، ثم أماتهما، والله قادر على كُلِّ شيء، وليس تعجز رحمتُه وقدرتُه عن شيءٍ، ونبيّه عليه السلام أهلٌ أن يَخُصَّه بما شاء من فضله، ويُنْعِم عليه بما شاء من كرامته - صلوات الله عليه وآله وسلّم - قال القرطبي في تذكرته: جزم أبو بكر الخطيب في كتاب: السابقِ واللاحق، وأبو حفص عُمَرُ بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ له في الحديث بإسناديهما عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: حَجَّ بنا رسول الله - رَّ﴿ - حجة الوداع، فمرّ على قبر أُمه، وهو باكِ حزين مُغْتَمْ، فبكيت لبكائه ـ ◌َّـــ ثم إنه نزل فقال: ((يا حُميراء استمسكي))، فاستندتٍ إلى جَنْبٍ البعير، فمكث عني طويلاً مَلِيًّا، ثم إنه عاد إليّ، وهو فَرِحْ مُتَبَسِّم، فقالت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي، وأنت باكٍ حزين مُغْتَمّ. فبكيت لبكائِك. ثم عدتَ إليَّ، وأنت فَرِحْ مبتسم، فَمِمَّ ذا يا رسول الله، فقال: ((ذهبت لقبر آمنة أمي، فسألت أن يحييها، فأحياها فآمنت بي))؛ أو قال: فآمنت. وردّها الله عزّ وجل(٣). (١) بل لنا أن نقول كما قال هو في أبيه وَله، ولا يقدح هذا فيه صلوات الله وسلامه عليه. (٢) انظر الكنز (٣٧٤١٧) وهو حسن. (٣) إسناده ضعيف. أخرجه ابن شاهين في الناسخ (٤٢٥) وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد: ضعيف. : ٢٩٩ وفاة عبد المطلب: وما رثي به من الشعر فلما بلغ رسولُ الله - وَ﴿َ - ثماني سنين هلَك عبدُ المطَّلِب بنُ هاشم، وذلك بعد الفيل بثماني سنين. قال ابن إسحاق: وحدّثني العبّاس بن عبد الله بن مَعْبد بن عباس، عن بعض أهله: أن عبد المطَّلِب تُوفي ورسولُ الله - وََّ ـــ ابنُ ثماني سنين. قال ابن إسحاق: حدّثني محمد بن سَعيد بن الْمُسَيِّب: أن عبد المطلب لما حضرته الوفاةُ، وعَرَف أنه ميت جمع بناتِهِ، وكنَّ ستّ نِسْوة: صفية، وبَرَّة، وعاتكة، وأُمّ حكيم البَيْضاء، وأُمَيْمة، وأزوَى، فقال لهنّ: ابكين عليّ حتى أسمع ما تقلْن قبل أن أموت. قال ابن هشام: ولم أرَ أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سَعيد بن المسيب، كتبناه: فقالت صَفِيَّة ابنة عبد المطَّلِب تَبْكي أباها: على رَجُل بقارعَة الصَّعيد(١) أرِقْتُ لصَوت نائحةٍ بِلَيْلٍ على خَدي كمُنْحَدِرِ الفَرِيدِ فَفَاضَتْ عنْدِ ذَلكُمُ دُمُوعي وفاة عبد المطلب قول صفية : ففاضت عند ذلكم دُمُوعِي على خَدِّي كَمُتْحَدِرِ الْفَرِيدِ (١) الصعيد: التراب. ٣٠٠