Indexed OCR Text
Pages 221-240
قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث أيضًا يذكر بَكْرًا وغُبْشَان، وساكني مكة
الذين خَلَّقُوا فيها بعدهم:
أن تُصْبحوا ذات يوم لا تَسِیرُونا
يأيها النَّاس سيرُوا إن قَصْرَكم
يقول: لا تشتغلا بالخبز، وثَرِّيا الدقيق والتقماه. يقال: إن هذا البيت للص أعجله
الهرب .
وذكر أبو عبيدة أن الْخَبْزَ: شدة السَّوْق، والْبَسُّ: ألين منه، وبعده:
ما ترك السَّيرُ لهن نَسَّا
ومن أسماء مكة أيضًا، الرأسُ، وصَلاَحُ، وأُمُ رُخم، وكُوثى، وأما التي يخرج منها
الدجال، فهي: كُوثى رَبًّا ومنها كانت أم إبراهيم عليه السلام، وقد تقدم اسمها، وأبوها هو
الذي احتفر نهر كُونَى، قاله الطبري(١).
أسطورة:
فصل: وذكر قول الحارث بن مُضاض:
أن تُصبحوا ذات يوم لا تسيرونا(٢)
يأيها الناسُ سِيروا إِن قَصْركُمُ
وذكر ابن هشام أنها وجدت بِحَجَرٍ باليمن، ولا يعرف قائلها، وألفيتُ في كتاب أبي
بحر سفيان بن العاصي خبرًا لهذه الأبيات، وأسنده أبو الحرث محمد بن أحمد الْجُعْفِيّ عن
عبد الله بن عبد السلام البصري، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن سليمان التّمَّار، قال
أخبرني ثقة(٣) عن رجل (٣) من أهل اليمامة، قال: وجد في بئر باليمامة ثلاثة أحجار، وهي
بئر طَسْم وجَدِيس في قرية يقال لها: مُعْنِقٍ، بينها وبين الْحِجْرِ ميل، وهم من بقايا عاد،
غزاهم تُبَّعْ، فقتلهم، فوجدوا في حجر من الثلاثة الأحجار مكتوبًا :
بالْمُلْكِ ساعده زمانُه
يأيها الملك الذي
وعلا شؤونَ الناس شانهُ
ما أنت أول مَن علا
فالدهر مَخْذولٌ أمانهُ
أقْصِرْ عليك مراقبًا
بالتاج مرهوب مكانه
كم من أشَمَّ مُعَصَّب
ن، وكَان ذا خَفْضٍ جنانهُ
قد كان ساعده الزما
(١) الطبري (٥٣٣/١).
(٣) مجهول.
(٢) الطبري (٥٢٤/١).
٢٢١
قبل الممات، وقَضْوا ما تُقَضُّونا
حُثُوا الْمَطِيَّ، وأرخُوا من أزِمَّتها
دهر، فأنتم کما کثّا تکونونا
کُنَّا أُناسًا كما كنتم، فغيَّرنا
قال ابن هشام: هذا ما صحّ له منها. وحدّثني بعضُ أهل العلم بالشعر: أن هذه
تجري الجداول حوله
قد فاجأته مَنِيَّةٌ
وتفرقت أجنادُه
والدهر من يَعْلِقْ به
والناسُ شَتَّى في الهوى
والصّدقُ أفضلُ شِيمةٍ
والصمتُ أسْعَدُ لِلْفَتَى
ووجد في الحجر الثاني مكتوبًا أبيات:
كُلُّ عيشٍ تَعِلّة
يَوْمُ بُؤْسَى ونُعْمَى
حُبُّنَا العيشَ والتكا
بينما المرءُ ناعم
في ظلال ونعـمـةٍ
لا يرى الشمسَ مِلْغَضَا
لم يُقَلْها، وبَدَّلَتْ
آفةُ العيشِ والنعـ
وَضْلُ يَوْمٍ بِلَيْلَةٍ
والمنايا جَواثِمٌ
بالذي تكره النفـ
وفي الحجر الثالث مكتوبًا :
يأَيُّها الناسُ سيروا إن قَصْرَكُم
حُثُوا الْمَطِيَّ، وأزْخُوا من أزِمَّتِهَا
كنا أُناسًا كما كنتُم فَغَيَّرْنَا
للجند مُتْرَعةٌ جِفَانُه
لم يُنجه منها اكْتِنَانهُ
عنه، وناح به قِيانهُ
يَطْحَنْهُ، مُفْتَرِشًا جِرَانه
كالمرءِ مُخْتَلِف بنانهُ
والمرءُ يقتله لسانهُ
ولقد يُشَرِّفه بيانهُ
ليس للدهرِ خَلَّة
واجتماعِ وقِلَّه
ثُرَ جَهْلٌ وضِلَّه
في قصُورٍ مُظِلّه
ساحبًا ذَيْلَ حُلَّه
رَةٍ إِذْ زَلَّ زَلَّه
عِزَّةَ المرءِ ذِلَّه
ـيمٍ كُرُورُ الأَمِلَّهُ
واعتراضٌ بِعِلَّه
كالصُّفُورِ الْمُعِلَّه
ــوسُ عَليها مُطِلَّه
أن تُصْبِحُوا ذات يومٍ لا تَسِيرُونا
قبل المماتِ وقَضُوا ما تُقَضُّونَا
دَهْرٌ فأنتم كما كُنَّا تكونونا
٢٢٢
الأبيات أوّلُ شعر قيل في العرب، وأنها وُجدتْ مكتوبة في حَجَرٍ باليمن، ولم يُسمِّ لي
قائلها .
وذكر أبو الوليد الأزرقي في كتابه في فضائل مكة زيادَةً في هذه الأبيات وهي:
بالبغي فينا وَبزّ الناسَ نَاسُونًا
قد مال دَهْرٌ علينا ثم أهْلَكنّا
عند البديهةِ في عِلْمٍ له دُونًا
إن التفكرَ لا يُجْدِي بصاحِبِه
أمورَ رُشْدٍ رَشَذْتُمْ ثم مسنونا
قَضُّوا أمورَكم بالحزمِ إِنْ لَهَا
كما استبان طريقٌ عنده الھونا
كنا زمانًا ملوك الناس قبلكم
واسْتَخْبِروا في صنيع الناس قبلكم
بِمَسْكّنٍ في حرامِ الله مَسْكُونا
ووُجد على حائطٍ قصيرٍ بدمشق لبني أمية مكتوبًا:
تَحْفُّ به المواكب
يأيها القصرُ الذي كانت
ـاربُ والنجائبُ(١) والجنائِبْ(٢)
أين المواكبُ والمضـ
ـاکرُ والْمَقَانِبُ(٣) والْكَتَائِبْ
أين العساكرُ والدَّسِـ
لما أتت عنكَ النَّوَائِبْ
ما بالُهُمْ لم يَذْفعوا
مها بالُ قصرِكَ واهيًا
قد عادَ مُنْهَدَّ الْجَوانِبْ
ووُجد في الحائط الآخر من حِيطانها جوابُها:
مِنْ دَهْرِنا وَمِنَ العَجائِبْ
يا سائلي عَمَّا مَضَى
بعدُ مُنْهَدّ الجوانب
والقصر إذ أَوْدَى، فأضحى
دِ، ومَنْ بهم كنا نحارب
وعن الجنودِ أولى العقو
مَنْ بالمشارق والمغارب
وبهم قَهْرنا عَنْوَةً
لما أتّتْ عنك الـنَّوائِب
وتقول: لِمْ لَمْ يَذْفعوا
ت الكتائبُ والمقانِب
هَيْهَات لا يُنْجِي من المو
(١) النجائب: النون والجيم والباء أصلان: أحدهما يدلّ على خلُوص شيء وكرم، والآخر على ضعف.
مقاييس اللغة (٣٩٩/٥).
(٢) الجنائب: الجيم والنون والباء أصلان متقاربان أحدهما: الناحية والآخر: البعد. انظره مقاييس اللغة
(٤٨٣/١). والجنائب: النوق. انظر اللسان {٢٧٩/١).
(٣) المقانب: الخيل. اللسان (٦٩٠/١).
٢٢٣
استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت
قال ابن إسحاق: ثم إن غُبْشان من خُزاعة وَلِيتْ البيتَ دون بني بكر بن عَبْد مَنَاة،
وكان الذي يليه منهم: عمرو بن الحارث الغُبْشاني، وقُرَيش إذ ذاك حُلُولٌ وَصِرْمٌ،
وبيوتات متفرّقون في قومهم من بني كنانة، فَوَلِيَتْ خزاعة البيتَ يتوارثون ذلك كابرًا عن
كابر، حتى كان آخرهم حُلَيل بن حَبَشِيَّة ابن سَلُول بن كَعْب بن عمرو الْخُزَاعِيّ.
قال ابن هشام: يقال حُبْشية؛ ابن سَلول.
قصي وخزاعة وولاية البيت
فصل: في حديث قصي ذكّر فيه أن قريشًا قُرْعة ولد إسماعيل، هكذا بالقاف، وهي
الرواية الصحيحة، وفي بعض النسخ: فَرْعَة بالفاء، والقُرْعَة بالقاف هي: نُخْبَةُ الشيء،
وخياره، وفَريع الإبل: فَخْلُها، وقريع القبيلة: سيدها، ومنه اشتق الأقرع بن حابس وغيره
ممن سُمِّي من العرب بالأقرع.
وذكر انتقال ولاية البيت من خُزَاعَةً إليه، ولم يذكر من سبب ذلك أكثر من أن قصيًّا
رأى نفسه أحق بالأمر منهم، وذكر غيره أن حُلَيْلاً كان يُعطي مفاتيح البيت ابنتَه حُبَّى، حين
كبر وضعف، فكانت بيدها، وكان قُصَيَّ ربما أخذها في بعض الأحيان، ففتح البيتّ للناس
وأغلقه، ولما هلك حُلَيْل أوصى بولاية البيت إلى قصي، فأبت خُزاعةُ أن تُمضي ذلك
لقصي، فعند ذلك هاجت الحربُ بينه وبين خُزاعة، وأرسل إلى رِزاح أخيه يستنجده
علیهم.
ويذكر أيضًا أن أبا غُبْشَان من خزاعة، واسمه: سليم - وكانت له ولاية الكعبة - باع
مفاتيح الكعبة من قصيّ بزِقٌ خمر، فقيل: أخشر من صفقة أبي غُبْشان(١) ذكره المسعودي
والأصبهاني في الأمثال.
وكان الأصل في انتقال ولاية البيت من ولد مُضَرَ إلى خُزاعة أن الحرَم حين ضاق عن
ولد نزار، ويغت فيه إياد أخرجتهم بنو مضر بن نزار، وأجْلَوْهُمْ عن مكة، فَعَمَدوا في الليل
إلى الحجر الأسود، فاقتلعوه، واختملوه على بعير فَرَزَحَ البعير به، وسقط إلى الأرض،
وجعلوه على آخر، فَرَزَح أيضًا، وعلى الثالث ففعل مثل ذلك، فلما رأوا ذلك دفنوه وذهبوا،
فلما أصبح أهلُ مكة، ولَمْ يَروه، وقعوا في كَرْب عظيم، وكانت امرأةٌ من خُزاعَة قد بَصُرت
به حين دُفن، فأعلمت قومَها بذلك، فحينئذ أخذت خزاعةُ على وُلاة البيت أن يتخَلّوْا لهم
(١) كانت تُضرَب الأمثال في الحمق.
٢٢٤
تزوج قصي بن كلاب حُبَّی بنت حلیل
قال ابن إسحاق: ثم إن قصَيّ بن كلاب خطب إلى حُلَيْلِ ابن حُبْشية بنته حُبَّى،
فرغب فيه حُليل فزوّجه، فولدت له عبدَ الدار، وعبد مناف، وعبد العُزَّى، وعبدا. فلما
انتشر ولدُ قصيّ، وكَثُرَ ماله، وعظم شَرَفُه، هلك حُلیل.
قصي يتولى أمر البيت
فرأى قُصيّ أنه أولى بالكعبة، وبأمْر مكة من خُزاعة وبني بكر، وأن قريشًا قُرْعة
إسماعيل بن إبراهيم وصَريح وَلَده. فكلّم رجالاً من قُرَيش، وبني كِنانة، ودعاهم إلى
إخراج خُزاعة وبني بَكْر من مكة، فأجابوه. وكان رَبيعة بن حَرَام من عُذْرة بن سَعْد بن
زَيْد قد قَدِم مكةً بعدما هَلَكَ كِلاب، فَتَزوّج فاطمةَ بنت سعد بن سَيّل، وزُهْرة يومئذ
رجل، وقصي فَطِيم، فاحتملهما إلى بلاده، فحملت قُصَيًّا معها، وأقام زُهرة، فولدت
الربيعة رِزَاحًا. فلم بلغ قُصيّ، وصار رجلاً أتى مكة، فأقام بها، فلما أجابه قومُه إلى ما
دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أَمِّه، رِزَاح بن ربيعة، يدعوه إلى نُصْرته، والقيام معه،
فخرج رِزَاحُ بن ربيعة، ومعه إخوته: حُنَّ بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجُلْهُمة بن
ربيعة، وهم لغير أمه فاطمة، فيمن تبعهم من قُضاعة في حاجّ العرب، وهم مجمعون
لنُضرة قُصَيْ. وخُزاعة تزعم أن حُلَيل ابن حُبْشية أوصى بذلك قُصَيًّا وأمره به حين انتشر
عن ولاية البيت، ويَدُلَّوهم على الحجرِ، ففعلوا ذلك، فمن هنالك صارت ولاية البيت
لخزاعة إلى أن صيَّرَها أبو غُبْشَان إلى عبد مناف، هذا معنى قول الزبير.
نشأة قصي
فصل: وذكر أن قصیًّا نشأ في حجر ربيعة بن حَرَامِ، ثم ذكر رجوعه إلى مكة، وزاد
غيره في شرح الخبر، فقال: وكان قصي رضيعًا حين احتملته أمه مع بغلها ربيعة، فنشأ ولا
يعلم لنفسه أبًا إلا ربيعة، ولا يدعى إلا له، فلما كان غلامًا يَفَعَةً أو حَزَوَّرًا(١) سابَّه رجلٌ من
قُضاعة، فعيَّرَه بالدعوة، وقال: لستَ منّا، وإنما أنت فينا مُلصَق، فدخل على أُمه، وقد
وَجَمَ لذلك، فقالت له: يا بُنيَّ صدق، إنك لست منهم، ولكنْ رهطُك خيرٌ من رَهْطِه،
وآبَاؤُك أشرفُ من آبائه، وإنما أنت قُرَشِيٍّ، وأخوك وبنو عمك بمكة، وهم جيرانُ بيت الله
الحرام فدخل في سيارة حتى أتى مكةً، وقد ذكرنا أن اسمه: زيد، وإنما كان قصِيًّا أي بعيدًا
عن بلده فسُمِّي: قُصَيًّا.
(١) حزورًا: أي غلام قوي.
٢٢٥
الروض الأنف/ ج ١/ م ١٥
له من ابنته من الولد ما انتشر. وقال: أنت أولى بالكعبة، وبالقيام عليها، وبأمر مكّة من
خُزاعة، فعند ذلك طلب قُصَيّ ما طلب، ولم نسمع ذلك من غيرهم، فالله أعلم أيّ ذلك
كان(١).
ما كان يليه الغوث بن مرّ من الإجازة للناس بالحج
وكان الغَوْثُ بنُ مُرّ بن أُدٌّ بنِ طابِخَة بنِ إلياسٍ بنِ مُضَرَ يلي الإجازة للناس بالحجّ
من عرفة، وولدُه من بعده، وكان يقال له ولولَده: صُوفة. وإنما وَلِيَ ذلك الغوثُ بن
مرّ، لأن أُمَّه كانت امرأةً من جُرْهم، وكانت لا تَلِد، فنذرت لله إن هي ولدتْ رجلاً: أن
تَصَّدَّق به على الكعبة عَبْدًا لها يخدُمها، ويقوم عليها، فولدت الغوثَ، فكان يَقُوم على
الكعبة في الدَّهر الأوّل مع أخواله من جُرْهم، فَوَلِي الإجازة بالناس من عَرَفة، لمكانه
الذي كان به من الكعبة، وولدُه من بعده حتى انقرضوا. فقال مُرّ بن أُدّ لوفاء نَذْر أُمّه:
رَبيطةً بمكّةَ الْعَلِيَّة
إني جعلتُ رَبِّ من بَنِيَّه
فباركنَّ لي بها ألِيَّةْ
واجعله لي من صَالِحِ الْبَرِيَّة
وكان الغوث بن مُرِّ - فيما زعموا - إذا دفَع بالناس قال:
لا هُمَّ إني تابعٌ تَبَاعه إن كان إثمّ فعلى قُضَاعَهُ
قال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه قال:
كانت صوفة تدفع بالناس من عَرفة، وتُجيز بهم إذا نَفَروا من مِنَى، فإذا كان يوم
النَّفْر أتَوْا لرَمْي الجمار، ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمي. فكان ذوو
الغوث بن مر وصوفة
فصل: وذكر قصة الغَوْثِ بن مُرِّ، ودفعه بالناس من عرفة، وقال بعضُ نَقَلَةِ الأخبار أنَّ
ولاَيَةِ الْغَوثِ بن مُر كانت من قِبَلِ ملوك كِنْدَة.
وقوله: إن كان إثمًا فَعَلَى قُضَاعَةً. إنما خَصَّ قُضَاعَةً بهذا؛ لأن منهم مُحِلِينَ يَسْتَحِلُون
الأشهرَ الْحُرُمَ، كما كانت خَثْعَم وطَيِّىءٌ تفعل، وكذلك كانت النَّسَأَةُ تقول إذا حَرَّمت صَفَرًا أو
غيره من الأشهرِ بدلاً من الشهر الحرام - يقول قائلُهم: قد حُرِّمتْ عليكم الدماءُ إلا دماءَ
المُحلِین.
(١) الطبري (٥٠٥/١). البداية (٢/ ١٩٠). وقيل سُمّي قصيًّا: لأنه قصى [أي أبعد] قومه فقصاهم إلى
الشام.
٢٢٦
الحاجات المتعجّلون يأتونه، فيقولون له: قُمْ فازم حتى نرمي معك، فيقول: لا والله،
حتى تميلَ الشمس، فيظلّ ذوو الحاجات الذينَ يحبُّون التعجّل يرمونه بالحجارة،
ويستعجلونه بذلك، ويقولون له: ويلك! قم فازم، فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمسُ،
قام فرمی، ورَمی الناس معه.
قال ابن إسحاق: فإذا فرغوا من رَمْي الجمار، وأرادوا النَّفْرَ من مِنى، أخذت صُوفةٌ
بجانِبَي الْعَقَبَةِ، فحبسوا الناس وقالوا: أجيزي صُوفَة، فلم يَجُز أحدٌ من الناس حتَّى
يَمِرُّوا،َ فإذا نفرت صُوفَةُ ومضت، خُلِّ سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فكانوا كذلك،
فصل: وأما تَسْمِيةُ الغَوْثِ وولدِه صُوفَةَ، فاختلف في سبب ذلك. فذكر أبو عُبَيْد الله
الزُّبَيْر بن أبي بكر القاضي في أنساب قريش له عند ذكر صوفَة: البيت الواقع في السيرة
الأوْسٍ بن مَغْرَاءَ السَّعْدِي(١)، وهو:
لا يَبْرَحُ الناسُ ما حَجُّوا مُعَرَّفَهم
البيت. وبعدہ:
وأورثوه طِوال الدهرِ أحزانا
مَجْدٌ بناه لنا قِدْمًا أوائلُنا
ومَغْرَاءُ: تأنيث أمْغَر، وهو الأحمر، ومنه قول الأعرابي للنبي - وَلّ ـ: أهو هذا
الرَّجُل الأمْغَرُ؟ ثم قال: قال أبو عبيدة: وصُوفَة وصُوفَانُ يقال لكل مَن وَلِيَ من البيت شيئًا
من غير أهْلِهِ، أو قام بشيء من خِدْمة البيت، أو بشيءٍ من أمْرِ المناسِك يُقال لهم: صُوفَة
وصُوفَان. قال أبو عبيدة: لأنه بمنزلة الصُّوفِ، فيهم القصيرُ والطويلُ والأسْوَدُ والأحمرُ،
ليسوا من قبيلة واحدة. وذكر أبو عبد الله أنه حدَّثَهُ أبو الحسن الأثْرَم عن هشام بن
محمد بن السائب الْكَلْبِيِّ قال: إنما سُمِّي الغوثُ بن مُرِّ: صُوفَه، لأنه كان لا يعيش لأُمه
ولدٌ، فنذرتْ: لئن عَاش لَتُعَلِّقَنَّ برأسه صُوفةٌ، ولَتَجْعَلَنَّه رَبِيطًا للكعبة، ففعلت، فقيل له:
صوفة، ولولده من بعده، وهو: الرَّبيط وحدّث إبراهيمُ بنِ الْمُنْذِر عن عُمر بن
عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرني عِقَالُ بن شَبَّةَ قال: قالت أُم تميم بن مُرِّ - وولدت
نِسْوَةٌ - فقالت: لله عليَّ لَئِنْ ولدتُ غلاَمًا لأَعَبَّدَنَّه للبيتِ، فولدت الغوث، وهو أكبرُ ولدٍ
مُرِّ، فلما ربطته عند البيت أصابه الْحَرُّ، فمرّت به - وقد سَقَطَ وذَوَى واسْتَرْخَى فقالت: ما
صار ابني إلا صُوفَّةً، فسُمِّي صوفةً.
(١) هو: أوس بن مغراء أحد بني جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بني تميم.
انظر المروج (٤٨٧/٢).
٢٢٧
حتى انقرضوا، فورثهم ذلك من بعدهم بالْقُعْدَهُ (١) بنو سعد بن زَيْد مناة بن تميم، وكانت
من بني سعد في آل صَفْوان بن الحارث بن شِجْنة.
قال ابن هشام: صَفْوَان بنُ جناب بن شِجْنَة ◌ُطارد بن عَوْف بن كَعْب بن سَعْد بن
زيد مناة بن تميم.
قال ابن إسحاق: وكان صَفْوان هو الذي يُجيز للناس بالحجّ من عَرَفة، ثم بنوه من
بعده، حتى كان آخرَهم الذي قام عليه الإسلام، کُرِبُ بن صَفْوَانَ، وقال أوْس بن
تميم بن مَغْراءِ السَّغدي :
حتى يُقَالَ: أجِيزُوا آل صَفْوانا
لا يَبْرَحُ النَّاسُ ما حَجُوا مُعَرَّفهم
قال ابن هشام: هذا البيت في قصيدة لأوس بن مغراء.
بنو سعد وزيد مناة:
فصل: وذكر وراثة بني سَعْدٍ إجازة الحاج بالْقُعْدَدِ من بني الغوثِ بن مُرِّ، وذلك أن
سَعْدًا هو: ابن زَيْدِ مَنَاة بن تميم بن مُرِّ، وكان سَعْدٌ أَقْعَد بالغوثِ بن مُرٍّ من غيره من
العرب، وزيدُ مَناة بن تميم يقال فيه: مَنَاة وَمَنَاءَة بالهمز، وتركه، ويجوز أن يكون - إذا
همز - مَفْعَلة من ناء يَنُوء، ويجوز أن يكونَ: فَعَالة من الْمَنِيئَةِ، وهي: المدبغة، كما قالت
امرأة من العرب لأخرى: [تغول لك أُمّي]: أعْطِيني نَفْسًا أو نَفْسَيْن أمْعَسُ به مَنِيئتي، فإني
أفِدةٌ. النّفْسُ: قِطعَةٌ من الدِّبَاغِ، والمنِيئَةُ: الْجِلْدُ في الدباغ، وأفدة: مُقاربةٌ لاستتمام ما تريد
صلاحَه وتمامه من ذلك الدباغ وأنشد أبو حنيفة:
قَضِيبَ أَرَاكِ بات في المِسْكِ مُنْقَعَا
إذا أنت باكَرْتَ الْمَنِيئَة باکرتْ
وأنشد يعقوب:
مَدَاكًا لها من زَعْفَرانٍ وإِثْمِدًا(٢)
إذا أنت باكرتَ المنيئَةَ باكَزْتَ
اشتقاق المزدلفة(٣).
فصل: وأما قوله: فلأن الإفاضة من الْمُزْدَلِفة كانت في عَذوان فالمزدلفة: مُفْتَعِلة من
(١) القعدد: القريب من الجد الأكبر، أو أملك القرابة في النسب.
(٢) البيت لحميد بن ثور. انظر تهذيب إصلاح المنطق (١٤٥) والإثمد: الكحل.
(٣) زلف: الزاء واللام والفاء يدل على اندفاع وتقدّم في قرب إلى شيء. يقال: من ذلك: ازدلف
الرجل: تقدَّم: وسُمّيت مزدلفة بمكة لاقتراب الناس إلى مِنى بعد الإفاضة من عرفات. والزّلف
والزلفة: الدرجة والمنزلة، مقاييس اللغة (٢١/٣). اللسان (١٣٩/٩).
٢٢٨
ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة:
وأما قول ذي الإصبع العَذْواني، واسمه: حُزْثان بن عمرو، وإنما سُمِّي ذا
الإصبع؛ لأنه كان له إصبع فقطعها.
نَ كانوا حَيَّةَ الأرضِ
عَذِيرَ الْحَيّ من عَذْوا
فلم يُزعِ على بَغْضٍ
بَغَى بَغْضُهُم ظُلْمًا
ت والْمُوفون بالقَرْضِ
ومنهُم كانت السَّادا
س بالسُّنَّة والفَرْضِ
ومنهُم مَنْ يُجِيز النَّا
فَلا يُنْقَضُ ما يَقْضي
ومنهُم حَكّمْ يَقْضي
وهذه الأبيات في قصيدة له - فلأن الإضافة من المُزدلفة كانت في عَذْوان - فيما
حدّثني زياد بن عبد الله الْبَكّائي عن محمد بن إسحق - يتوارثون ذلك كابرًا عن كابر.
حتى كان آخرَهم الذي قام عليه الإسلام أبو سَيَّرة، عُمَيْلة بن الأعزل، ففيه يقول شاعر
من العرب:
نحن دفعنا عن أبي سَيَّارة
وعن مَواليه بني فَزَارَه
مُسْتَقْبِلَ القبلة يدعو جارَه
حتى أجاز سالِما حِمارَه
قال: وكان أبو سيارة يدفع بالناس على أتَانٍ له؛ فلذلك يقول: سالِما حماره.
الازْدلاف، وهو الاجتماع. وفي التنزيل: ﴿وَأَزْلَفنا ثَمَّ الآخرين﴾(١) وقيل: بل الازْدِلاَفُ: هو
الاقتراب، والزُّلْفَةُ: الْقُرْبَةُ، فسميت مزدلفة؛ لأن الناس يَزْدَلِفُون فيها إلى الحرم، وفي
الخبر: أن آدم عليه السلامُ لَمَّا هَبَطَ إلى الأرض لَم يَزَلْ يزْدَلفُ إلى حَوَّاء، وتزْدلِفُ إليه،
حتى تعارفا بعَرَفَة، واجتمعا بالْمُزْدلفة فسميت: جمعًا، وسميت: المزدلفة.
ذو الإصبع وآل ظرب(٢):
وأما ذو الإصْبَع الذي ذكره فهو: حُزْثان بن عمرو، ويقال فيه: حُزْثان بن الحارث بن
مُحَرِّثِ بن ربيعة بن هُبَيْرة بن ثعْلَبة بن ظَرِب، وظَرِبٌ هو: والد عامر بن الظَّرِب الذي كانَ
حَكَمَ العرب، وذكر ابن إسحق قصته في الْخُنثى، وفيه يقول الشاعر [الْمُتَلَّمْس]:
الذي الحلم قبل اليوم ما تُقْرَعُ الْعَصَا وما عُلِّم الإنسان إلا ليَعْلمَا
(١) سورة الشعراء آية رقم (٦٤).
(٢) انظر الاشتقاق (٢٦٨).
٢٢٩
وكان قد خَرِف، حتى تَفَلَّتَ ذهنُه، فكانت العصا تُقْرَع له إذا تكلم في نادي قومه
تنبيهًا له؛ لئلا تكون له السقطة في قول أو حكم. وكذلك كان ذو الإصْبَع، كان حَكَمًا
في زمانه، وعَمِرَ ثلاثمائة سنة، وسُمِّي ذا الإصبعِ؛ لأن حَيَّةٌ نَهَشتْه في أُصْبُعِهِ.
وَجِدُهم ظَرَبُ: هو عَمْرو بن عِيّاذٍ بن يَشْكُر بن بكر بن عَدْوان، واسم عَدوان:
تيم، وأُمه: جَدِيلة بنت أُدّ بن طابخة، وكانوا أهلَ الطائف، وكثر عددهم فيها حتى بلغوا
زُهَاء سبعين ألفًا، ثم هلكوا ببغي بعضِم على بعض، وكان ثقيف وهو قَسِيُّ بن مُنَبِّه
صهرًا لعامِرِ بنِ الظَّرِبِ، كانت تحته زينب بنت عامر، وهي أم أكثر ثقيف، وقيل: هي
أُخت عامر، وأُختها ليلى بنت الظرب هي: أُم دَوْس بن عَذْنان، وسيأتي طرف من خبره
فيما بعد - إن شاء الله - فلما هلكت عَذْوَان، وأخْرَجَتْ بقيتَهم ثقيفٌ من الطائف، صارت
الطائف بأسرها لثقيف إلى اليوم.
وقوله: حَيَّةَ الأرض: يقال فلان حيّة الأرض، وحية الوادي إذا كان مَهِيبًا يُذْعَر
منه، كما قال حسان :
يا مُحكم بن طُفَيْلِ قد أُتيحَ لكم لله دَرَّ أبيكم حيّة الوادي
يعني بحيّة الوادي: خالد بن الوليد رضي الله عنه.
فصل: وقوله: عذيرَ الْحَيِّ من عَذْوان. نصب عذيرًا على الفعل المتروك إظهارُه،
كأنه يقول: هاتوا عذيرَه، أي: مَنْ يَعْذره، فيكون العذيرُ بمعنى: العاذر، ويكون أيضًا
بمعنی: الْعُذر مصدرًا کالجدیث ونحوه.
أبو سيارة:
وذكر أبا سَيَّارة، وهو عُمَيْلة بن الأعْزَلِ في قول ابن إسْحَق، وقال غيره: اسمه:
العاصي. قاله الخطابي. واسم الأعزل: خالد، ذكره الأصبهاني، وكانت له أتان عَوْراء،
خِطامُها ليفٌ، يقال: إنه دفع عليها في الموقف أربعين سنة، وإياها يعني الراجز في
قوله: حتى يُجِيزَ سالمًا حماره.
وكانت تلك الأتان سوداء؛ ولذلك يقول:
أصبحت بين العالمين أُحسَد
لاهُمَّ مالي في الحمار الأسود
من شرّ كل حاسد إذا يَخسُد
فَقِ أبا سيارةَ الْمُحَسَّد
٢٣٠
أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان
قال ابن إسحاق وقوله: حكم يقضي يعني: عامَ بن ظَرِبٍ بن عَمْرو بن عِياذ بن
يَشْكُر بن عَذْوان العَذْواني. وكانت العرب لا يكون بينها نائرة، ولا عُضْلة(١) في قضاء
إلا أسْندوا ذلك إليه، ثم رضُوا بما قَضَى فيه، فاختُصِم إليه في بعض ما كانوا يختلفون
فيه، في رجل خُنْثَى، له ما للرجل، وله ما للمرأة، فقالوا: أنجعله رجلاً أو امرأة؟ ولم
يأتوه بأمر كان أعضلَ منه. فقال: حتى أنظر في أمركم، فوالله ما نزل بي مثلُ هذه منكم
يا مَعْشَرَ العرب! فاستأخروا عنه. فبات ليلتَه ساهرًا يُقَلِّب أمْرَه، وينظر في شأنه، لا
يتوجّه له منه وَجْه، وكانت له جارية يقال لها: سُخَيْلَة ترعى عليه غَنَمَه، وكان يُعاتبها إذا
سرحت فيقول: صبَّحتِ والله يا سُخَيْل! وإذا أراحت عليه، قال: مسَّيت والله يا سُخَيل!
وذلك أنها كانت تؤَخر السَّرْحَ حتى يسبقها بعضُ الناس، وتؤخّر الإراحة حتى يسبقها
بعض الناس. فلما رأت سَهَرَه وقلقه، وقلَّة قَرَاره على فراشه قالت: ما لك لا أبًا لَكَ! ما
عَرَاك في ليلتك هذه؟ قال: وَيْلَكِ! دَعِيني، أمرٌ ليس من شأنك، ثم عادت له بمثل
قولها، فقال في نفسه: عسى أن تأتِي مما أنا فيه بفَرَج، فقال: ويحكِ! اخْتُصم إليَّ في
مِيراث خُنثى، أأجعله رجلاً أو امرأة؟ فوالله ما أدري ما أصنع، ما يتوجّه لي فيه وَجْه؟
وأبو سَيَّارةَ هذا هو الذي يقول: أشْرِقْ ثَبِير كيما نُغِير، وهو الذي يقول:
لا هُمَّ إني تابعْ تَبَاعه
وكان يقول في دعائه: اللَّهِمَّ بَغْضْ بين رِعائنا، وحبِّبْ بين نسائنا، واجعل المالَ قي
سُمَحائنا: وهو أول مَن جعل الدِّيَّةَ مائةً من الإبِلِ، فيما ذكر أبو اليقظَان، حكاه عنه
حَمْزَةُ بن الحسن الأصبهاني.
وقوله: وعن مواليه بني فَزَارة. يعني بمواليه: بني عمه، لأنه من عَذْوان وعَدْوانُ
وفزارةُ: من قَيْس عَيْلاَن، وقوله: مُسْتَقْبِلَ القِبلة يدعو جارَه. أي: يدعو الله عزّ وجلّ،
يقول: اللَّهمَّ كن لنا جارًا مما نخافه، أي مجيرًا.
الحكم بالأمارات
فصل: وذكر عامِرَ بن الظَّرِبِ وحُكمه في الْخُنْثَى، وما أفتته به جاريتُه سُخَيْلة، وهو
حكم معمول به في الشرع، وهو من باب الاستدلال بالأمارات والعلامات، وله أصل في
الشريعة، قال الله سبحانه: ﴿وجاءوا على قميصِه بدم كذِبٍ﴾ وجه الدلالة على الكذب في
الدم أن القميصَ الْمُدَمَّى لم يكن فيه خَرْقٌ ولا أثر لأنیابِ الذئب، وكذلك قوله: ﴿إن كان
(١) نائرة، عضلة: يسيرة وشدة.
٢٣١
قال: فقالت سُبحان الله! لا أبَا لَكَ! أتْبعْ القضاءَ الْمَبَال، أقْعِدْه، فإن بال من حيث يبولُ
الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبولُ المرأة، فهي امرأة. قال: مَسِّي سُخَيلُ بعدَها، أو
صَبِّحِي، فَرَّجْتِها والله !. ثم خرج على الناس حين أصبح، فقضى بالذي أشارت عليه به.
غلب قصي بن كلاب على أمر مكة وجمعه أمر قريش ومعونة قضاعة له
قال ابن إسحاق: فلما كان ذلك العام، فعلتْ صوفةٌ كما كانت تفعل، وقد عرفت
قميصُه قُدَّ مِنْ قُبُلِ فَصَدَقَتْ وهو من الكاذبين﴾ [يوسف: ٢٦] الآية. وقولُ النبي ◌ِّر في
المولود: ((إن جاءت به أوْرَق جَعْدًا جُمَالِيًّا فهو للذي رُميتْ به))(١) فالاستدلالُ بالأمارات
أصلٌ يَنْبني عليه كثيرٌ من الأحكام في الحدود والميراث، وغير ذلك. والحُكْمُ في الْخُنثى أنْ
يُعْتَبِرِ الْمَبَالُ، ويُعْتَبَر بالحيض، فإن أشْكَل من كلِّ وَجْهٍ، حُكِمَ بأنْ يكونَ له في الميراثِ
سَهْمُ امرأةٍ ونصف، وفي الدِّيَة كذلك، وأكثر أحكامِه مبنية على الاجتهادِ.
الشداخ
فصل: وذكر يَعْمَرَ الشَّدَّاخِ بن عوف حين حَكَّمُوه، وأنه سُمِّي بالشّدَّاخ لما شَدَخ من
دِماءٍ خُزَاعَةَ(٢) وَيَعْمَرُ الشَّدَّاغُ هو جَدُّ بني دَأْبِ الذين أُخذ عنهم كثيرٌ من علم الأخبارِ
والأنسابِ وهم: عيسى بن يَزيد بن [بَكْر] بن دَأْبٍ، وأبوه: يَزيدُ، وحُذَيْفَة بن دأْبٍ، ودَأْبٌ
هو: ابن كُرْز بن أخْمَر من بني يَعْمَر بن عَوْفٍ الذي شَدَخَ دماءَ خُزَاعَةً، أي: أبطلها، وأصل
الشّدْخ: الكسر والْفَضْخُ، ومنه الْغُرَّةُ الشادخة، شُبْهت بالضَّرْبة الواسعة. والشّدَّاخ بفتح الشين
كما قال ابن هشام، والشُّدَّاخُ بضمها إنما هو جَمْعٌ، وجائز أن يُسَمَّى هو وبنوه: الشُّدَّاخِ،
كما يقال: الْمَنَاذِرَةِ فِي الْمُنْذِرِ وبنيه، والأشْعَرُون في بني الأشْعَر(٣) من سبأ وهو بابٌ يكثُر
ويطول. وأُمُ يَعْمَرِ الشّدَّاخ اسمُها: السُّؤْمُ بنت عامر بن جُرّة بضم الجيم، وسيأتي ذكر جِرَّة
بالكسر ذكره ابن ماكولا. ومن بني الشّدَّاخ: بَلْعَاءُ بن قَيْس بن عبد الله بن يَعْمَرَ الشَّدَّاخ
الشاعر المذكور في شعر الحماسة، اسمُه: حُمَيضَةُ، ولُقِّبَ: بلعاء لقوله:
أنا ابنُ قَيْسٍ سَبْعًا ؤابن سَبُغْ أَبَارَ من قيسٍ قبيلاً فالْتَمعِ
كأنما كانوا طعَامًا فابْتُلِغْ
ولاية قصيّ البيت
(١) (إسناده ضعيف)). أخرجه أبو داود (٢٢٥٦) وأحمد (٢١٣١) والطيالسي (٢٦٦٧). صححه الشيخ
أحمد رحمه الله تعالى وجزاه الله عنّا كل خير. قلت: فيه عباد بن منصور الناجي: صدوق رُمِيَ
بالقدر وكان يدلس وتغير بآخره. التقريب (٣٩٣/١).
(٣) الأشعر: هو نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ.
(٢) وانظر الاشتقاق (٣٧).
٢٣٢
ذلك لها العربُ، وهو دِيْنٌّ في أنفسهم في عهد جُزْهم وخُزاعة وولايتهم. فأتاهم
قُصَيّ بن كلاب بمَن معه مِنْ قومه من قريش وكِنانة وقُضاعة عند الْعَقبة، فقال: لَنَحْنُ
أولى بهذا منكم، فقاتلوه، فاقتَتل الناس قتالاً شديداً، ثم انهزمت صُوفةُ، وغلبهم قُصَيِّ
على ما كان بأيديهم من ذلك.
وانحازت عند ذلك خُزاعة وبنو بَكْر عن قُصَيّ، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع
صُوفة، وأنه سَيَحُول بينهم وبين الكعبة وأمر مكّة. فلما انحازوا عنه بادأهم، وأجمع
لحَربهم، وخرجتْ له خُزَاعة وبنو بَكْر فالْتَقَوْا، فاقتتلوا قتالاً شديدًا، حتى كثرت القتلى
في الفريقَيْنِ جميعًا، ثم إنهم تداعَوْا إلى الصلح، وإلى أن يُحَكِّموا بينهم رجلاً من
العَرب، فحكّموا يَعْمَر بن عَوْف بن كَعْب بن عامر بن لَيْث بن بَكْر بن عبد مَنَاة بن
كِنانة، فقضى بينهم بأن قُصَيًّا أولى بالكعبة، وأمْرٍ مكة من خُزَاعَةً، وأن كل دَم أصابه
قُصَيٍّ من خُزاعة وبني بَكر: موضوعٍ يَشْدَخُه تحت قدميه، وأنّ ما أصابت خُزاعَةُ وبنو
بَكْر من قُرَيشٍ وكِنانة وقُضاعة، ففيه الدِّيَة مُؤدّة، وأن يُخلَّى بين قُصَيِّ وبين الكعبة
ومكة.
فسُمِّي يَعْمَر بن عَوف يومئذ: الشّدَّاخ، لِمَا شَدَخ من الدماء ووضع منها.
قال ابن هشام: ويقال: الشُّدَّاخ.
قال ابن إسحاق: فَوَلِيَ قصيٍّ البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة،
وتَمَلَّك على قومه وأهل مكة فملْكوه، إلا أنه قد أقرَّ للعرب ما كانوا عليه، وذلك أنه كان
يراه دِينًا في نفسه لا ينبغي تغييرُه، فأقرَّ آلَ صَفوان وعَذْوان والنَّسَأَةَ ومُرَّة بن عَوف على
ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم الله به ذلك كلَّه. فكان قصيّ أولَ بني كعب بن
لُؤَيَّ أصاب مُلْكًا أطاع له به قومُه، فكانت إليه الحِجَابة، والسِّقَاية، والرِّفادة، والنَّذوة،
واللواء، فحاز شَرفَ مكة كلَّه. وقطع مكة رِباعًا بين قومه، فأنزل كلَّ قوم من قُرَيش
منازلَهم من مكة التي أصبحوا عليها، ويزعمُ الناسُ أن قريشًا هابوا قَطْعَ الحَرم في
منازلهم، فقطعها قصيّ بيده وأعوانه، فَسَمَّتْه قريشٌ: مُجَمِّعًا لما جمع من أمرها، وتيَمَّنَت
بأمره، فما تُنْكَحُ امرأةٌ، ولا يتزوَّج رجلٌ من قريش، وما يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا
يَعْقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقده لهم بعضُ ولده، وما تَدَّرِعُ جارية
إذا بلغت أن تَذَّرِع من قريش إلا في داره، يُشَقُّ عليها فيها درعها ثم تدَّرِعه، ثم ينطلق
بها إلى أهلها. فكان أمره في قومه من قُريش في حياته، ومن بعد موته، كالدِّين الْمُتَبع لا
٢٣٣
يُعمل بغيره. واتخذ لنفسه دار النَّدوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش
تَقْضي أمورَها: قال ابن هشام: وقال الشاعرُ:
قُصَيٍّ لَعَمْرِي كَان يُدعى مُجَمَّعًا
به جَمَّع الله القبائلَ من فِهْرِ
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الملك بن راشد عن أبيه، قال: سمعت السائب بن
خَبَّابِ صاحب المقصورة يحدّث، أنه سمع رجلاً يحدّث عمر بن الخطاب، وهو خليفة،
حديث قُصَيِّ بن كِلاب، وما جَمَع من أمر قومه، وإخراجه خُزاعةً وبني بكر من مكّة،
وولايته البيتَ وأمر مكة، فلم يردّ ذلك عليه ولم ينكره.
ذكر فيه أمرَ قُصَيٍّ وما جمع من أهل مكةً، وأنشد:
قُصَيٍّ لَعَمْرَي كان يُذْعَى مُجَمِّعًا
البيت وبعده:
وهُمْ طَرَدُوا عنا غُواةً بَنِي بَكْر
هُمُوا ملؤوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وسُوْدُدًا
ويذكر أن هذا الشعر لحُذَافَةً بن جُمَح.
وذكر أن قُصَيَّا قَطَّعَ مَكَّةَ رِبَاعًا (١)، وأن أهلها هابوا قَطْع شجر الحرم للبنيان. وقال
الواقدي: الأصَحُّ في هذا الخبر أن قريشًا حين أرادوا البنيانَ قالوا لِقُصيٍّ: كيف نصنع في
شَجَرِ الْحَرَمِ، فحذَّرهم قَطْعَها وَخَوَّفهم العقوبة في ذلك، فكان أحدهم يَحوف بالبنيانِ حول
الشجرةٍ، حتى تكونَ في منزله. قال: فأوَّلُ مَن تَرَخَّصَ في قطع شجر الحرم للبنيان
عبدُ الله بن الزُّبَير حين ابتَنى دُورًا بِقُعَيْقِعَانَ، لكنه جَعَل دِيَةً كلٌّ شجرةٍ: بقرةً، وكذلك يُزْوى
عن عمر - رضي الله - أنه قطع دَوْحَةً كانت في دارٍ أسدٍ بن عبد الْعُزَّى، كانت تنال أطرافُها
ثيابَ الطائفين بالكعبة، وذلك قبل أن يُوسَّع المسجد، فقطعها عمر - رضي الله عنه - وَوَدَاها
بقرةً، ومذهبُ مالك - رحمه الله - في ذلك: ألاَّ دِيَةَ في شجرِ الحرم. قال: ولم يبلغني في
ذلك شيءٌ. وقد أساء مَن فعل ذلك، وأما الشافعي - رحمه الله - فَجعل في الدَّوْحَة بقرةً،
وفيما دونها شاةً. وقال أبو حنيفة - رحمه الله - إن كانت الشجرةُ التي في الحَرَمِ مما يغرسها
الناسُ، ويَسْتَنْبِتُونَها، فلا فِذْيَة على مَن قَطع شيئًا منها، وإن كان مِن غيرها، ففيَه القِيمةُ بالغًا
ما بلغتْ.
وذكر أبو عُبَيد: أن عبدَ اللَّهِ بن عمر - رضي الله عنهما - أفتى فيها بعتق رقبةً ..
(١) رباعًا: أي دورًا.
٢٣٤
قال ابن إسحاق: فلمَّا فَرَغْ قُصَيٍّ من حَرْبه، انصرف أخوه رِزَاحُ بن ربيعة إلى بلاده
بمَنْ معه من قومه، وقال رِزَاحُ في إجابته قُصَيًّا:
فقال الرَّسولُ: أجيبوا الخليلاً
لمَّا أتى من قُصَيِّ رسول
ونطرح عنَّا الْمَلُولَ الثَّقيلا
نَهَضْنا إليه نَقود الجيادَ
ونَكْمِي النهار؛ لِئَلأَّ نزولا
نسير بها الليلَ حتى الصباح
يُجِبْنَ بنا مِنْ قُصَيِّ رسولا
فَهُنَّ سِراعٌ كَوِزْدِ الْقَطا
دار الندوة :
وذكر أن قُصَيًّا اتخذ دار الندوة، وهي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور، ولفظها
مأخوذ من لفظ النَّدِيّ والنادي والمُنْتَدَى، وهو مجلس القوم الذي يَنْدُون حَوْله، أي: يَذْهَبُون
قريبًا منه، ثم يَرْجِعون إليه، والتَّتْدِية في الخيل. أن تُصْرفَ عن الوٍزد إلى المرعى قريبًا، ثم
تعاد إلى الشُّزب، وهو الْمُنَدَّى(١)، وهذه الدارُ تصيرت بعد بني عبد الدار إلى حكيم بن
حِزَامٍ بن خَوَيْلِد بن أسَد بن عَبْد العُزَّى بن قُصَيٍّ، فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم،
وذلك في زمن معاوية، فلامه معاويةُ في ذلك، وقال: أبِعْت مَكْرُمةَ آبائك وشرفَهم، فقال
حكيم: ذهبت المكارمُ إلا التقوى. والله: لقد اشتريتها في الجاهلية بزِقٌ خمر، وقد بعتها
بمائة ألف درهم، وأُشْهدكم أن ثمنهَا في سبيل الله، فأيُّنا المغبُون؟! ذكر خبر حكيم هذا
الدارَقُطْني في أسماء رجال المَوَطَّأ له.
من تفسير شعر رزاح:
فصل: وذكر شعر رِزَاح، وفيه: ونَكْمى النهارَ أي: نَكْمُنُ ونستتر، والكَمِي من
الفرسان، الذي تَكَمَّى بالحديد. وقيل: الذي يَكْمِي شجاعَته، أي: يسترها، حتى يظهرَها
عند الوغى. وفيه: مررنا بعَسْجَر، وهو: اسم موضع، وكذلك: ورقان اسم جبل، ووقع في
نسخة سفيان: وَرَقان بفتح الراء، وقيده أبو عبيد البكري: وَرِقان بكسر الراء، وأنشد
للأخوَصِ :
ذُرَى وَرِقَانٍ(٢) دُونَها وحَفِير
وكيف نُرجِّي الوصلَ منها وأصبحت
ويخفف، فيقال: وَزقان. قال جميل:
يوم وَزْقانَ بالفؤاد سَبيًّا
يا خَليليّ إنَّ بَثْئَةَ بانَتْ
(١) المندى: أي النادي.
(٢) ورقان: جبل أسود بين العَزْج والرويئة على يمين المصعد من المدينة إلى مكة.
٢٣٥
جَمَعْنا من السرّ من أشْمَذَيْن
فيالكِ حلبةً ماليلة
فلمَّا مَرَزْن على عَسْجَرٍ
وجاوزن بالركن من وَرِقان
مررن على الْخَيْلِ ما ذُقْنَه
نُدَنِّي من العُوذ أفلأَها
فلمَّا انتهَيْنا إلى مكّة
نُعاورهم ثَمَّ حدّ السيوف
ومن كلّ حيِّ جمعنا قَبيلا
تزيد على الألف سَيْبًا رَسیلاً
وأسْهَلْنَ من مُسْتَناخِ سَبيلا
وجاوزن بالعَرْجِ حيّا حُلُولا
وعالجن مَن مَرَّ ليلاً طويلا
إرادة أن يسترقن الصَّهيلا
أبَحنا الرجال قبيلاً قبيلا
وفي كلّ أَوْبٍ خَلَسْنا المقولا
وذكر أنه من أعظم الجبال، وذكر أن فيه أوْشَالاً وعُيونَا عِذابًا، وسُكانهُ: بنو أوْس بن
مُزَيْنة .
وذكر أيضًا الحديث، وهو قول النبي - وَّه -: ((ضِرْسُ الكافر في النار مثلُ أُحُدٍ،
وفَخِذُه مثل وَرِقَان))(١). وفي حديث آخر أنه عليه السلام ذكر آخر مَن يموت من هذه الأمة،
فقال: رجلان من مُزَيْنة ينزلان جبلاً من جبال العرب، يقال له: وَرِقان (٢) كل هذا من قول
البكري في كتاب مُعْجَم ما اسْتَعْجَم.
فصل: وذكر أشمذين بكسر الذال، وفي حاشية كتاب سفيان بن العَاص: الأشْمَذَانِ:
جبلان [بين المدينة وخيبر]، ويقال: اسم قبيلتين، ثم قال في الحاشية: فعلى هذا تكون
الرواية بفتح الذَال وكسر النون من أشمَّذَيْنٍ - قال المؤلف رحمه الله - فإن صحّ أنهما اسم
قبيلتين، فلا يبعد أن تكون الرواية كما في الأصل: أشْمَذِين بكسر الذَّال، لأنه جَمْعٌ في
المعنى. واشتقاق الأشْمَذ من شَمَذَاتِ الناقةُ بذَنبها أي: رفعته، ويقال للنحل: شُمذ، لأنها
ترفع أعجازها.
وفيه: مَررن على الْخَيْل(٣) وفسره الشيخ في حاشية الكتاب، فقال: هو الماء المستنقع
في بطن واد، ووجدت في غير أصل الشيخ روايتين، إحداهما: مَرَزْنَ على الْحِلِّ والأخرى:
مَرَزْنَ على الحِلْي، فأما الْحِلُّ: فجمْع حِلة، وهي بَقْلةٌ شَاكَّةٌ. ذكره ابن دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ.
وأما الْحِلْي، فيقال: إنه ثمر الْقُلْقُلاَن وهو نّبْتٌ.
(١) (حسن)). أخرجه أحمد (٣٢٨/٢) والحالكم (٥٩٥/٤) وصححه على شرطهما.
(٢) ((حسن)) أخرجه الحاكم (٥٩٥/٤).
(٣) الحيل: القطيع من الغنم.
٢٣٦
رِ خَبْز القويّ العزيز الذَّليلا
نُخَبِّزهم بِصِلاَبِ النُّسو
وبَكْرًا قتَلْنا وجِيلاً فجِيلا
فَتَلنا خُزاعَةَ في دارها
كما لا يَحلُّون أرضًا سُهولا
نفيناهُم من بلاد الْمَلِيك
ومِنْ كلِّ حَيٍّ شَفَينا الغَليلا
فأصبح سبْيُهمُ في الحدید
وقال ثَعْلَبَةُ بن عبد الله بن ذُبْيَان بن الحارث بن سَعْدِ بن هُذَيْمِ القُضَاعِي في ذلك
من أمر قصي حين دعاهم فأجابوه:
من الأعراف أعراف الْجِنّاب
جَلبنا الْخَيلَ مُضْمرةً تَغَالى
من الْفَيْفَاء في قاعِ يَباب
إلى غَوْرى تِهامة، فالتقينا
منازِلهم مُحاذرةً الضّراب
إلى الأسياف كالإبل الطّراب
فأمَّا صُوفَة الْخُنثَى، فَخَلَّوا
وقام بنسر على إذا رأونا
وقال قُصَيّ بن كِلاب:
بمكّة مَنْزِلي، وبها رَبِيتُ
أنا ابنُ العاصِمِين بني لُؤَيّ
إلى الْبَطْحَاءِ قد علمتْ مَعَدٍّ
ومَزْوَتُها رَضيت بها رَضيتُ
بها أولاد قَيْذَرَ، والثَّبيتُ
فلَسْتُ لغالب إن لم تَأَثّل
رِزَاحٌ ناصِري، وبه أُسامِي
فلستُ أخافُ ضَيْمًا ما حَبِيتُ
وقوله فيها: نُخَبِّزُهُمْ. أي: نسوقهم سَوْقًا شَدِيدًا، وقد تقدم قول الراجز. لا تَخْبِزَا
خَبْزًا وبُسًّا بَسًّا.
وذكر شعر رِزَاح الآخر، وفيه: من الأعراف أعراف الجِناب. بكسر الجيم، وهو
موضِعْ من بلادِ قُضاعَةً.
وفيه: وقام بنو عَليٍّ، وهُمْ بنو كِنانة، وإنما سُمُّوا ببني علي؛ لأنَّ عبد مناة بن كنانة
كان ربيبًا لعليّ بن مسعود بن مازِن من الأزْد جَدّ سَطيح الكاهن، فقيل لبني كِنانة: بنو عَليّ،
وأحسَبه أراد في هذا البيت بني بَكْرٍ بن عَبْد مناةَ؛ لأنهم قاموا مع خُزَاعَةً .
شعر قصي والعذرتاق :
وذكر شعر قُصَيِّ :
أنا ابن العاصِمين بَني لُؤَيِّ
الأبيات، وليس فيها ما يشكل.
٢٣٧
فلما استقر رِزاحُ بن ربيعة في بلاده، نَشَرَه الله ونَشَر حُنَّا، فهما قَبِيلا عُذْرَةَ اليوم.
وقد كان بين رِزَاح بن ربيعة، حين قَدِم بلاده، وبين نَهْدٍ بن زَيْد وحَوْتَكَة بن أسْلمُ،
وهما بطنان من قُضاعة شيء، فأخافهم حتى لحقوا باليمن، وأجْلوا من بلاد قضاعة، فهم
اليوم باليمن، فقال قُصَيّ بن كِلاب، وكان يحب قُضاعة ونماءَها واجتماعَها ببلادها، لما
بينه وبين رِزاح من الرَّحِم، ولبلائهم عنده إذ أجابوه إذ دعاهم إلى نُصْرته، وكَرِه ما صنع
بھم رِزاخٌ :
فإني قد لَحَيْتُكَ في اثنتين
ألا مَن مُبْلغ عَنْي رِزَاحا
كما فرَّقتَ بينهمُ وبَيْني
لَحَيتُك في بني نَهْدٍ بن زَیْد
عَنَوْهم بالْمَساءة قد عَنَوْني
وحَوْتكة بن أسْلُمَ إِنّ قَوْمًا
قال ابن هشام: وتُزوى هذه الأبيات لزُهير بن جَناب الكَلْبي.
قال ابن إسحاق: فلما كبر قُصَيٍّ ورق عظمه، وكان عبد الدار بِكْرَه، وكان عبدُ
مناف قد شَرُفَ في زمان أبيه، وذهب كلّ مذهب، وعبدُ العزّى وعَبْدٌ. قال قصيٍّ
وذكر أن رِزَاحًا حين استقر في بلادِه نشر الله ولدَه وولدَ حُنَّ، ابنٍ ربيعة، فهما حَيًّا
عُذْرةَ.
قال المؤلف: في قُضَاعَةَ: عُذْرَتَانِ: عُذْرَةُ بن رُفَيْدة، وهم من بني كلب بن وبرة.
وعُذْرَةُ بن سَعْد بن سُودٍ بن أسْلمُ بن الحَافِ بن قُضاعة، وأسلُم هذا هو بضم اللام من ولد
حُنَّ بن ربيعة أخي رِزَاحِ بن ربيعة جَدِّ جميل بن عبدِ الله بن مَعْمَر صاحبٍ بثينة، ومَعْمَرٌ هو
ابن ولد الحَارث بن خيبر بن ظَبْيَانَ، وهو الضَّبِيسُ بن حُنٍّ. وبُثَيْنَةُ أيضًا من ولد حُنٍّ، وهي
بنت حِبَّان بن ثعلبة بن الْهَوْذِي بن عَمْرو بن الأحَبِّ بن حنُّ [وفي قضاعة أيضًا عُذْرَةُ بن
عدي، وفي الأزد: عذرة بن عداد].
حوتكة وأسلم:
وذكر حَوْتَكة بن أسْلُم وبني نَهْد بن زيد وإجلاء رِزَاح لهم وَحوْتكةُ هو: عمُّ نَهْدٍ بن
زَيْدِ بن أسْلُم، وليس في العربِ أسلُم بضم اللام إلا ثلاثة. اثنان منها في قُضاعة، وهما:
أسْلُم بن الحافِ هذا، وأسلُم بنْ تَدُول بن تَيْمِ اللَّتِ (١) بن رُفَيْدة بن ثَوْر بن كَلْبٍ، والثالث
في عَكَّ أسْلُم بن القَيّاتة بن غَابن(٢) بن الشاهد بن عَكِّ، وما عدا هؤلاء فأسلم بفتح اللام.
ذكره ابن حبيب في المؤتلف والمختلف.
(١) من الاشتقاق (٥٤٣): زيد اللات.
(٢) في الجمهرة: أسلم بن القيانة بن غافق.
٢٣٨
لعبد الدار: أما والله يا بُنَيّ لأُلحقنَّك بالقوم، وإن كانوا قد شَرُفُوا عليك: لا يدخل رجلٌ
منهم الكعبة، حتى تكون أنت تَفْتحها له، ولا يَعقِد لقُريش لواءً لحربِها إلا أنت بيدك،
ولا يشرب أحدٌ بمكة إلا من سِقَايتك، ولا يأكل أحَدٌ من أهل الْمَوْسم طَعامًا إلا من
طعامك، ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلا في دارك، فأعطاه داره دار الندوة، التي لا
تقضي قريش أمرًا من أمورها إلا فيها، وأعطاه الحِجابة واللواء والسِّقاية والرِّفادة.
مَن فرض الرفادة :
وكانت الرِّفادة خَرْجًا تُخرجه قريش في كلّ مَوسم من أموالها إلى قُصيّ بن كِلاَب،
فيصنع به طعامًا للحاجّ، فيأكله مَن لم يكن له سَعة ولا زاد. وذلك أن قُصَيَّا فَرَضه على
قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا مَعْشَرَ قريش، إنكم جيرانُ الله، وأهلُ بيته، وأهل
الحَرَم، وإن الحاجّ ضَيْفُ الله وزوّار بيته، وهم أحق الضَّيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا
وشرابًا أيامَ الحجّ، حتى يَصْدُرُوا عنكم، ففعلوا، فكانوا يُخرجون لذلك كلّ عام من
أموالهم خَرْجًا، فيدفعونه إليه، فيصنعه طعامًا للناس أيام مِنَى، فجرى ذلك من أمره في
الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام
الذي يصنعه السلطان كلّ عام بمِنى للناس حتى ينقضي الحجّ.
قال ابن إسحاق: حدّثني بهذا من أمْر قُصَيِّ بن كِلاب، وما قال لعَبْد الدار فيما
دفع إليه مما كان بيده: أبي إسحق بن يسار، عن الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي
طالب رضي الله عنهم، قال:
سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار، يقال له: نُبَيْهُ بن وَهْب بن عامر بن
عِكْرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ.
قال الحسن: فجعل إليه قُصيٍّ كلَّ ما كان بيده من أمر قومه، وكان قصيّ لا
يُخالَف، ولا يُردّ عليه شيءٍ صَنَعه.
ذكر ما جرى
من اختلاف قريش بعد قصيّ وحلف المطيبين
قال ابن إسحاق: ثم إنَّ قصَيّ بن كِلاب هَلَك، فأقام أمرَه في قومه، وفي غيرهم
عن حلف المطيبين
فصل: وذكر تنازُعَ بني عبد مناف، وبني عبد الدار فيما كان قُصَيٍّ جعلَ إليهم، وذكر
في ذلك حِلْف المطَيَّبين، وسماهم، وذكر أن امرأة من نساء عبد مناف هي التي أخرجت لهم
٢٣٩
بنوه من بعده، فاخْتَطُوا مكة رِبَاعًا - بعد الذي كانَ قَطَع لقومه بها - فكانوا يَقْطعونها في
قومهم، وفي غيرهم من حُلفائهم ويَبيعونها فأقامت على ذلك قريشٌ معهم ليس بينهم
اختلاف ولا تنازع، ثم إنَّ بني عبد مناف بن قُصيّ عبدَ شمس وهاشمًا والمُطَّلِبَ ونَوْفلاً
أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قُصَيّ ممَّا كان قُصَيِّ جعل إلى
عبد الدار، من الحجابة واللواء والسِّقَاية والرِّفادة، ورَأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم
عليهم وفضلِهِم في قومهم، فتفرّقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف
على رأيهم يَرَوْنَ أنهم أحقّ به من بني عبد الدار لمكانهم في قومهم وكانت طائفة مع بني
عبد الدار. يَرَوْن أن لا يُتْزَعَ منهم ما كان قُصَيَّ جعل إليهم.
جَفْنَه مِن طيب، فَغَمَسُوا أيديَهم فيها، ولم يُسمِّ المرأة، وقد سماها الزبيرُ في موضعين من
كتابه، فقال: هي أُمُّ حَكيم البيضاءُ بنتُ عبد المطلب عمة رسول الله - وَلَ - وتَوْأَمَةُ أبيه.
قال: وكان الْمطَيُّون يُسَمَّوْن: الدَّافَة جمع دائف بتخفيف الفاء؛ لأنهم دَافو الطَّيب.
السناد والإقواء :
وذكر أن القبائل سُوند بعضُها إلى بعض، لتكفي كلُّ قبيلةٍ ما سُوند إليها، فسُوند: من
السِّناد، وهي مقابلة في الحرب بين كلٌّ فريق، وما يليه من عَدوّه، ومنه أُخذ سِناد الشِّعر،
وهو أن يتقابل المصراعان من البيت، فيكون قبل حَرْفِ الرَِّيِّ حرفُ مدِّ ولينٍ، ويكون في
آخر البيت الثاني قبل حرف الرَّوِيِّ حرفُ لين، وهي ياء أو واو مفتوحٌ ما قبلها كقول
عمرو بن كلثوم :
ألا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصْبِحِينًا
ثم قابله في بيت آخر بقوله : - تُصَفّقُها الرياحُ إذا جَرَيْنَا - فكأن الياء المفتوح ما قبلها
قد سُوندت بها إلى الياء المكسور ما قبلها، فتقابلتا، وهما غير متفقتين في المدّ، كما يتقابل
القَبِيلتان، وهما مختلفتان متعاديتان، وأما الإقواء فهو أن يَنْقُصَ قُوَّة من المِضْراع الأول، كما
تَنْقُص قُوَّة من قُوى الْحَبْلِ، وذلك أن يَنْقُصَ من آخر المصراع الأول حرفٌ من الْوَتَدِ كقوله:
ترجو النساءُ عَوَاقبَ الأطهار
أُفَبَعْدَ مَقْتلٍ مالكِ بن زُهَيْرٍ
وكقوله الآخر :
والفَرْثُ يُعْصَرُ في الإناءِ أَرَنْتَ(٢)
لما رأت ماء السّلَى(١) مَشْرُوبًا
(١) السّلى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه.
(٢) البيت الحجل بن نضلة. كما في اللسان (٥٣٣/١).
٢٤٠