Indexed OCR Text

Pages 181-200

أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي
قال ابن إسحاق: فأمَّا البَحيرة فهي بنت السَّائبة، والسَّائبة: النَّاقة إذا تابعت بين عَشْر
إِنَاثٍ ليس بَيْنهنّ ذَكَر، سُيِّبَتْ فلم يُركَب ظهرُها، ولم يُجَزّ وَبَرُهَا، وَلمٍ يَشْرَب لبنَهَا إلا
ضيفٌ، فما نتجت بعد ذلك من أُنثى شُقَّت أُذُنها، ثم خُلِّيَ سبيلُها مع أُمْها، فلم يُركَب
ظَهْرُهَا، ولم يُجَزْ وَبَرُهَا، ولم يَشْرب لبَنَها إلا ضيفٌ، كما فُعِل بأَمِّها، فهي البحيرة بنت
السائبة. والوَصِيلة: الشاةُ إذا أَتْأَمَتْ عَشْرَ إناثٍ مُتتابعات في خَمْسة أبْطُن، ليس بينهنّ
ذَكَرٌ، جُعلت وَصِيلةً. قالوا: قد وَصَلَتْ، فكان ما وَلَدَتْ بعد ذلك للذكور منهم دون
إناثهم، إلا أن يَموت منها شيءٌ، فيشتركوا في أكْله، ذكورُهُم وإناثُهم.
قال ابن هشام: ويُروَى: فكان ما ولدت بعد ذلك لذكور بنيهم دون بناتهم.
قال ابن إسحاق: والحامي: الفَخْلُ إذا نُتِجَ له عَشْرُ إناث مُتتابعات ليس بينهنّ ذَكَرٌ،
حُمِي ظَهْرُه فلم يُركّب، ولم يُجَزَّ وَبَرُه، وخُلِّيَ في إبله يَضْرِب فيها، لا يُنتفَع منه بغير
ذلك.
قال ابن هشام: وهذا عند العرب على غير هذا إلا الحامي، فإنه عندهم على
ما قال ابن إسحق. فالبحيرةُ عندهم: الناقَةُ تُشَقُّ أُذُنها فلا يُركب ظهرُها، ولا يُجَزّ
وَبَرُها، ولا يَشرب لبنَها إلا ضيفْ، أو يُتصدَّق به، وتُهمَل لآلهتهم. والسائبة: التي
يَنْذِرُ الرجل أن يُسَيِّبها إن بَرِىء من مرضه أو إن أصاب أمرًا يَطْلُبه. فإذا كان أساب
ماءُ الفرات يجيء مِن أطواد
نزلوا بأثْقِرَةٍ يسيل عليهم
والبيت ذي الْكَعَبَاتِ من سَنْدَادٍ
أرض الْخَوَرْنَقِ والسَّدير وبارق
فكأنما كانوا على ميعاد
جَرت الرياحُ على مَحل ديارهم
يومًا يصيرُ إلى بِلّى ونَفادِ
وأرى النَّعِيمَ، وكُلِّ ما يُلْهَى به
ومعنى السدير بالفارسية: بيت الملك. يقولون له: ((سِهْدِلِيّ)) أي: له ثَلاث شعب،
وقال البكري: سُمِّي السَّديرَ؛ لأن الأعراب كانوا يرفعون أبصارهم إليه، فَتَسْدَر من عُلُوِّه،
يقال: سَدِرَ بصره إذا تَحَيَّر.
البحيرة والسائبة
فصل: وذكر الْبَحِيرَةَ والسائبة، وفسر ذلك، وفسره ابنُ هشام بتفسير آخر. وللمفسرين
في تفسيرهما أقوالٌ منها: ما يَقْرُبُ، ومنها ما يَبْعُد من قولهما، وحَسْبُك منها ما وقع في
الكتاب؛ لأنها أمورٌ كانت في الجاهلية قد أبْطلَها الإسلامُ، فلا تمسّ الحاجةُ إلى علمها.
١٨١

ناقة من إبله، أو جملاً لبعض آلهتهم، فسابت فَرَعَتْ لا يُنتفع بها. والوَصِيلة: التي
تَلِد ◌ُمُّها اثنين في كل بطن، فيَجعل صاحبُها لآلهته الإناث منها، ولنفسه الذكور منها:
فتلدُها أُمها ومعها ذكر في بطن، فيقولون: وَصَلت أخاها؛ فيُسيَّب أخوها معها، فلا
يُنتفع به.
قال ابن هشام: حدّثني به يونس بن حَبيب النحوي وغيرُه. روى بعضٌ ما لم يَرْوِ
بعض .
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله تبارك وتعالى رسولَه محمدًا - وَالوهـ أنزل عليه:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وأنزل الله تعالى: ﴿وَقالُوا مَا
فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمْ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ
شُرَكَاءَ سَيَجْزِيهِمْ وَضَفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وأنزل عليه: ﴿قُلْ:
أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى
اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ [يونس: ٥٩]. وأنزل عليه: ﴿ومن الأنْعَام حَمُولَةٌ وَفَرْشًا كُلوا مما
رزقّكم اللَّهُ، ولا تَتَبِعُوا خُطُوَاتِ الشيطان إنه لكم عَدُوٌّ مُبِيَنْ ثمانيةَ أزواجِ مِنَ الضَّأْنِ
اثْنَيْنٍ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَين قُلْ الذَّكْرَيْنِ حَرَّمَ أم الأَنْثَيْنِ أَمَّا اشْتَمَّلَتْ عَلَيْهِ أزْحَامُ الأَنْثَيْنِ
نَّبِّثُونِي بِعِلْم إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإِبِلِ أَثْنَيْنٍ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْن قُلْ الذّكَرَيْنِ حَرَّمَ أم
الأَنْثُيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أزْحَامُ الأَنْثَيْنِ أَمْ كُنْتُمَّ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمَّ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأنعام: ١٤٢ - ١٤٤].
قال ابن هشام: قال الشاعر:
حُولُ الوصائلِ في شُرَيفٍ حِقَّةٌ والحامياتُ ظُهورِها وَالسُّيَّبُ
وذكر ما أنزل الله في ذلك، منها قوله تعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ومُحَرَّمٌ على
أزواجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وفيه من الفقه: الزَّجْرُ عن التَّشَبُّهِ بهم في تخصيصهم الذكورَ
دون الإناث بِالْهِبَاتِ. روت عمرة عن عائشة عن رسول الله - ◌َّ﴾ - أنه قال: يَعْمِد
أحدُكم إلى المال، فيجعله عند ذكور وَلَدِه. إن هذا إلاَّ كما قال الله تعالى: ﴿وقالوا ما
في بُطُون هذه الأنعام خالصةً لذكورنا) رواه البخاري في التاريخ من حديث سُليمان بن
حجاج.
١٨٢

وقال تميم بن أُبَي بن مُقْبل أحد بني عامر بن صَعْصَعَة:
فيه من الأخْرَجِ المِزباعِ قَرْقَرَةٌ هَذْرَ الدِّيافِيِّ وسْطِ الْهَجْمَةِ البُحُر
وهذا البيت في قصيدة له. وجمع بحيرة: بحائر وبُحُرّ. وجمع وصيلة: وصائل
ووصل. وجمع سائبة الأكثر: سوائب وسُئِّب، وجمع حام الأكثر: حوام.
وأنشد في البحيرة:
فيه من الأخْرَجِ المِزْبَاعِ قَرْقَرةٌ هَذْرَ الدِّيَافِيِّ وَسْطِ الْهَجْمَةِ الْبُحُرِ
هكذا الرواية: المِربَاعِ بالباء من الربيع، والمرباعُ هو: الفحل الذي يُبَكّر بالإلقاح،
ويقال للناقة أيضًا: مِرباعٌ إذا بكّرت بالنّتاج، وللروضة إذا بَكَّرْت بالنَّات.
يصف في هذا البيت حمار وَحش يقول: فيه من الأخرج، وهو: الظَليمُ الذي فيه
بياضٌ وسوادٌ، أي: فيه منه قَرْقَرَةٌ أي صَوْتٌ وهَذْر مثل هَذْر الدِّبَافي أي: الْفَحل المنسوب
إلى دِياف بلد بالشام، والْهَجْمَةُ من الإبل: دون المائة، وجعلها بُحُرًا لأنها تأمن من
الغارات، يصفها بالْمَنَعَةِ والحماية، كما تأمن من الْبَحِيرَةُ من أن تُذْبح أو تُنحر، ورأيت في
شعر ابنٍ مُقْبل: من الأخرج المرياع بالياء أُخت الواو، وفسّره في الشرح من راع يَرِيع إذا
أسرع الإجابة، كما قال طرفةُ: ((تَرِيعُ إلى صوت الْمُهيب(١) وتَتْقِيَ(٢).
والنفس إلى الرواية الأُولى أسكن، وحُكِيَ عن ابن قُتّيبة أنه قال: في الْبُحُر: هي
الغزيرات اللَّبَن لا جمع بَحِيرة، كأنها: جمع بُحُورٍ عنده، فَظَنُّ هذا يُذْهبُ المعنى الذي ذكرنا
من أمْنِها وَمَنَعَتِها؛ إذ ليس هذا المعنى في الْغَزِيرات اللَّبَن، لكنه أظهرُ في العربية؛ لأن
بَحيرة: فَعِيلة، وفعِيلةٌ لا تُجمع على فُعلِ إلاَّ أن تُشبَّه بسفينةٍ وسُفُن، وخريدة وخُرُدٍ، وهو
قليل. وقيل البيت في وصف روض:
رَأْدَ النَّهارِ(٤) لأضواتٍ من النُّغَرِ (٥)
بعازِبِ الثَّبْت(٣) يرتاحُ الفؤادُ له
وبعد البيتِ الواقع في السيرة:
فَيْدِ الْعَصا فَوْقَ ذیَّالٍ من الزَّهَر
والأزرق الأخضر السربّالِ مُنتصبٌ
يعني بالأزرق: ذُبَابَ الرَّوض، وكذلك النُّغَر. وقولُه في البيت الآخر: حُولُ الوصائل:
(١) المهيب: داعي الإبل.
(٣) نبت عازب: لم يُرع قط ولا وطىء.
(٥) النغر: فراخ العصافير.
(٢) تتقي: أي تتقي بذنب ذي خصل.
(٤) رأد النهار: نور الضحى.
١٨٣

عدنا إلى سياقة النسب
نسب خزاعة
قال ابن إسحاق: وخزاعة تقول: نحن بنو عَمْرو بن عامر من اليمن.
قال ابن هشام: وتقول خزاعة: نحن بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن
عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثَعْلَبة بن مازن بن الأسد بن الغَوْث، وخِنْدِف
أُمها، فيما حدثني أبو عُبيدة وغيره من أهل العلم. ويقال: خُزاعة: بنو حارثة بن
عمرو بن عامر. وإنما سُمِيت خزاعة، لأنهم تخزّعوا من ولد عمرو بن عامر، حين أقبلوا
من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمرِّ الظّهران، فأقاموا بها. قال عون بن أيوب الأنصاريّ
أحد بني عمرو بن سَواد بن غَنْم بن كعب بن سَلَمة من الخزرج في الإسلام:
خُزاعةٍ مِنَّا في خيول كَرَاكِرٍ
فلما هبطْنا بَطْنِ مَرِّ تَخَزَّعت
بِصُمِّ الفَنَا والمُزْهَفات البواتر
حَمَتْ كلِّ وَادٍ من تِهَامَةً واحتمت
وهذان البيتان في قصيدة له.
جمع حائل، ويقال في جمعها أيضًا: حُولَلٌ، ومثله: عائِطٌ وعُوطَطْ على غير قياس.
والشّرَيْفُ (١) اسم موضع.
نسب خزاعة
وقوله في نَسَبِ خُزَاعَة: تقول خُزَاعَة: نحن بنو عَمْرو بن عامر إلى آخِرِ النسب،
وقد تقدم أن عَمْرًا يقال له: مُزَيْقِيَاءُ. وأمَّا عامرٌ فهو: ماءُ السماءِ، سُمِّي بذلك لجودِه
وقيامِه عندهم مقامَ الْغَيْث. وحارثةُ بن امرىء القيس بن ثَعلَبة وهو الْغِطْرِيفُ(٢).
بطن مرّ:
وقول عون: فلما هَبَطْنَا بَطْنَ مَرَّ. يريد: مَرَّ الظَّهْرانِ، وسُمِّي مَرًّا لأن في عرقٍ من
الوادي من غير لون الأرضٍ شِبه الميم الممْدودة، وبعدَها را خُلِقَتْ كذلك، ويذكر عن
كثير أنه قال: سُمِّيت: مَرًّا لمرَارتها، ولا أدري ما صحة هذا.
(١) الشريف: ماء لبني نمير.
(٢) الغطريف: السيد. والغطريف الكبير: عامر من بني مبشر.
١٨٤

وقال أبو المطهّر إسماعيل بن رافع الأنصاريّ، أحدُ بَني حارثة بن الحارث بن
الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس:
خُزاعةُ دار الآكل المُتَحاملِ
فلمَّا هبطنا بطنَ مكة أحْمَدَت
على كلّ حيٍّ بين نَجْد وساحل
فحلَّت أكاريسًا، وشَقّت قنابلاً
بِعِزْ خُزاعيٍّ شديد الكواهل
نَفَوْا جُرْهُمًا عن بطن مكة، واخْتَبَوا
قال ابن هشام:
وهذه الأبيات في قصيدة له، وأنا إن شاء الله أذكر نَفْيّها جُرْهُمًا في موضعه.
فلما هبطنا بطن مَرِّ البيتين وبعدهما:
وأنصارُنا جنْدُ النَّبيِّ المهاجر
خُزَاعَتُنَا أهْلُ اجتهادٍ وهِجْرةٍ
بلا وَهَنٍ منا وغير تَشاجُرٍ
وسِرْنا إلى أن قَدْ نزلنا بيَثْرِب
بكُوم(١) المطايًا والخيول الجُمَاهِر(٢)
وسارت لنا سَيَّارَةٌ ذات مِنْظَّرٍ
ملُوكًا بأرض الشام فوق الْبَرَابِرِ
يؤُمُّون أهل الشام حين تمكَّنوا
دِمَشْقًا بمُلكٍ كابرًا بعدَ كابر
أولاكَ بنو ماءِ السماءِ توارثوا
الحلُولُ، جمع: حَالٌ، والكراديس جمع: كُرْدُوس: الخيل.
دمشق :
وقوله: دِمَشْقًا، سُمِيت مدينة الشام باسم الرجل الذي هاجر إليها مع إبراهيم، وهو:
دامشق بن النُّمْرُوذِ بن كَنْعان(٣)، أبوه: الملكُ الكافرُ عدُوَّ إبراهيم، وكان ابنه دامشق قد آمن
بإبراهيم، وهاجر معه إلى الشام. كذلك ذكر بعض النُّسَّاب، وذكره البكري في كتاب
المعجم. والدِّمَشْقُ في اللغة: الناقةُ الْمُسِنَّة - فيما ذكر بعضهم - وكان يقال لِدِمَشْقَ أيضًا:
جَيْرُونُ سُمِّيت باسم الذي بناها، وهو: جَيْرونُ بن سعد [بن عادٍ]، وفيها يقول أبو دَهْبَل
[الجُمچِيِّ]:
عند شَرْق القَنّاة من جَيْرُون(٤)
صاحٍ: حَيَّا الإلهُ حَيَّا ودارا
(١) كوم: جمع كوماء. وهي الناقة العظيمة السنام.
(٢) الجماهر: الضخم.
(٣) وقيل: دمشق، دمشاق، دامشقيوش، دماشق بن كنعان.
(٤) جيرون: سقيفة مستطيلة على عُمد وسقائف. بدمشق.
١٨٥
٠٠

أولاد مدركة وخزيمة وكنانة والنَّضْر
قال ابن إسحاق: فولد مُذْرِكة بن إلياس رجلَيْن: خُزيمة بن مُذْرِكة، وهُذَيل بن
مُذركة، وأُمُّهما: امرأة من قُضاعة [قيل: سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار - كما في
نسب قريش]. فولد خُزيمة بنُ مُدركة أربعةَ نفر: كنانة بن خُزيمة، وأسَد بن خُزيمة،
وأسَدَة بن خُزيمة، والهُون بن خُزَيمة، فأُمُّ كِنانة: عَوَانَةُ بنت سَعْد بن قَيْس بن عَيْلان بن
مُضر.
قال ابن هشام: ويقال الهَوْن بن خُزيمة.
قال ابن إسحاق: فولد كنانة بن خُزيمة أربعةَ نفر: النَّضْر بن كِنانة، ومالك بن
كِنانة، وعبد مناة بن كِنانة، ومِلْكان بن كِنانَة فَأُمُّ النضر: بَرَّةُ بنتُ مُرّ بن أدّ بن طابِخَة بن
إلياس بن مُضر، وسائر بَنيه لامرأة أخرى.
قال ابن هشام: أُم النضر ومالك ومِلْكان. بَرّةُ بنت مُرّ، وأُم عبد مَنَاةَ: هالة بنت
سُوَيد بن الغِطْريف من أزد شَنُوءَةً. وشنوءة: عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن
نَصْر بن الأسْد بن الغوث، وإنما سُمُّوا شَنُوءَةَ؛ لِشَنَآنٍ كان بينهم. والشنآن: البغض.
قال ابن هشام: النَّضْرُ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كان من ولده فهو قُرَشيّ، ومَن لم يكن من
ولده فليس بقرشيّ. قال جرير بن عطيّة أحد بني كُلَيْبٍ بن يَرْبُوع بن حَنْظلة بن مالك بن
زَيْد مناة بن تميم يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان:
بمُقْرِفَةِ النِّجَار ولا عَقيم
فما الأُّ التي وَلَدَتْ قريشًا
وما خالٌ بِأكْرَمَ من تميم
وما قَرْمٌ بأنْجَبَ من أبيكم
بنو كنانة
وذكر بني كنانة الأربعة: مالِكًا ومِلْكان والنَّضْر وعَبْد مناة. وزاد الطَّبريُّ في ولد كنانة:
عامرًا والحارث والنَّضير وغَنْمًا وسَعْدًا وعَوْفًا وجَزْوَلَ والْحُدَالَ وغَزْوان. كلهم بنو كنانة .
قريش :
فصل: وذكر النَّضْرَ بن كنانة، وقول مَن قال إنه: قُرَيْشٌ، والقول الآخر في أن فِهْرًا
هو: قُرَيْشٌ، وقد قيل: إن فِهْرًا لقبٌ، واسمه الذي سُمِّي به: قُرَيْشٌ(١).
(١) وانظر فتح الباري (٦/ ٤١٥) ونسب قريش لأبي عبد الله المصعب بن عبد الله الزبيري (ص ١٣).
مقاييس اللغة لابن فارس (٧٠/٥).
١٨٦

يعني: بَرَّة بنت مُرّ أُخت تميم بن مرّ، أُم النضر. وهذان البيتان في قصيدة له.
وأما يَخْلدُ بن النَّضْر، فذكر أبو عبد الله الزبير بن بَكَّارٍ في أنساب قريش له، قال: قال
عمّي: وأما بَنُو يَخْلُدُ بن النضر، فَذُكر[وا] في بني عَمْرو بن الحارث بن ملك بن كنانة،
ومنهم: قريش بن بَدْر بن يَخْلُدُ بن النَّضْرِ، وكان دليلَ بني كِنَانة في تجاراتهم، فكان يقال:
قدمَتْ عِيرُ قريش، فسُمِيت قُرَيْشٌ به، وأبوه: بَذْرُ بن يَخْلُد صاحبُ بدرِ الموضِع الذي لَقِيَ
فيه رسول الله - رَ﴾ه - قریشًا.
وقال عن غير عمه: قريش بن الحارث بن يَخْلُدُ، وابنه: بدر الذي سُمِّيتْ به بدر، وهو
اخْتَفَرها. قال: وقد قالوا: اسمُ فهر بن مالك: قريش، ومَن لم يلده فهرٌ، فليس مِنْ قُرَيشٍ،
وذكر عن عمه أن نِهْرًا هو: قُرَیْشٌ.
وقال أبو عبد الله: حدّثني عَمْرُو بن أبي بكر الْمُؤَمِّلي عن جدّي عبد الله بن مصعب
- رحمه الله - أنه سمعه يقول: اسْمُ فِهْرِ بن مالكِ: قُرَيْشٌ، وإنما فِهْرٌ لقب، وكذلك حدّثه
الْمُؤَمِّليُّ عن عُثْمان بن أبي سليمان في اسم فِهْر بن مالك: أنه قريش، ومثل ذلك ذكر عن
الْمُؤَمِّليّ عن أبي عُبَيْدة بن عبد الله في اسم فهر بن مالك: أنه قريش. قال: وحدّثني
إبراهيم بن الْمُنْذِر، وقال: حدّثنا أبو الْبَخْتَرِيّ: وَهْبُ بن وَهْبٍ، قال: حدثني ابن أخي ابن
شهاب عن عمّه أن اسم فِهْر بن مالك الذي أسمته أُمه: قريش، وإنما نَبَزْتُه فِهْرًا، كما يُسمى
الصبي: غِزارة وشَمْلة، وأشباه ذلك، قال: قال: وقد أجمَع النُّسَّابُ من قريشٍ وغيرهم أن
قريشًا إنما تفرقت عن فِهْرٍ، والذي عليه من أدركتُه من نُسَّاب قريش وغيرهم أن ولدَ فِهْر بن
مالك: قُرَيْشٌ، وأن مَن جاوز فِهْر بن مالك بنسبه، فليس من قريش.
وذكر عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي فيما حدثه أبو الحسن الأثْرَمُ عنه أن
النضر بن كنانة هو: قريش، وذكر عنه أنه قال في موضع آخر: ولد مالك بن النضر فِهْرًا،
وهو جُمَّاعُ قريش، وقال: قال محمد بن حسن عن نَصْر بن مُزَاحم، عن عَمْرو بن محمد
عن الشّغْبي، قال: النضر بن كنانة هو قريش، وإنما سُمِّي قريشًا؛ لأنه كان يُقَرِّش عن خَلَّةٍ
الناس وحاجتهم، فيسدّها بماله، والتَّقْرِيش. هو التفتيش، وكان بنوهُ يَقَرْشُون أهلَ الموسم
عن الحاجة، فَيَرْفِدُونهم بما يبلغهم، فسُمُّوا بذلك من فعلهم، وَقرْشِهمْ: قريشًا. وقد قال
الحارث بن جِلْزَةً في بيان الْقَرْش:
عند عَمْرٍو، فهل له أنفاء
أيها الناطقُ الْمُقَرِّش عنا
وحدّثه أبو الحسن الأثرم عن أبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن الْمُثَنى [التَّيْمِي]، قال: منتهى مَن
وقع عليه اسم قريش: النضر بن كنانة، فولدُه: قريشْ دون سائر بني كنانة بن خُزَيمة بن
١٨٧

ويقال: فِهْرُ بنُ مالكِ: قريش، فمَن كان من ولده فهو قُرَشيٍّ، ومَن لم يكن من
ولده فليس بقرشيّ، وإنما سُمّيت قريش قريشًا من التَّقَرُّشِ، والتَّقَرُّش: التجارة
والاكتساب. قال رؤية بن العَجَّاج:
وَالْخَشْلِ مِن تساقط القُرُوشِ
قد كان يُغنيهم عن الشّغُوشِ
شَخْمٌ ومَخْضّ ليس بالْمَغْشوشِ
قال ابن هشام: والشغُوش: قمح يسمى: الشَّغوش. والخشل: رؤوس الخلاخيل
والأسْوِرَةِ ونحوه. والقروش: التجارة والاكتساب، يقول: قد كان يغنيهم عن هذا شحم
ومَحْض، والْمَخْضُ: اللبن الحليب الخالص.
مُذْرِكة، وهو عامر بن إلياس بن مُضَر، فأما مَن ولد كنانة سوى النَّضْر فلا يقال لهم:
قريش، وإنما سُمِّي بنو النضر قُرَيشًا لتجمعهم، لأن التَّقَرُّش هو التجمع. قال: وقال
بعضهم: التجار يتقارشون: يتجرون، والدليل على اضطراب هذا القول أن قريشًا لم يجتمعوا
حتى جمعهم قُصَيُّ بن كِلاَبٍ، فلم يجمع إلا ولد فهر بن مالك لا مِزية عند أحد في ذلك،
وبعد هذا فنحن أعلم بأمورنا، وأرعى لمآثرنا، وأحفظ لأسمائنا، لم نعلم ولم ندع قريشًا،
ولم نُهَمِّمْ إلا ولد فهر بن مالك.
قال المؤلف: في جميع هذا الكلام من قول الزبير، وما حكاه عن النسّابين نقلته من
كتاب الشيخ أبي بحر - رحمه الله - ثم ألْفَيْتُه في كتاب الزبير كما ذكره، ورأيت لغيره أنَّ
قُريْشًا تصغيرُ الْقرش، وهو حُوتٌ في البحر يأكل حيتانَ البحر، سُمِّيت به القبيلة، أو سُمِّي
به أبو القبيلة - والله أعلم - وردّ الزبيرُ على ابن إسحق في أنها سُمِّيت قريشًا لتجمعها،
وأنه لا يُعْرف قريشٌ إلا في بني فهر رَدًّا لا يلزم؛ لأن ابن إسحق لم يقل: إنهم بنو قُصَيِّ
خاصة، وإنما أراد أنهم سُمُّوا بهذا الاسم مذ جمعهم قُصَيّ، وكذا قال المبرّد في
الْمُقْتَضَب: إن هذه التسمية إنما وقعت لُقُصَيِّ - والله أعلم - غير أنّا قدّمنا في قول
كعب بن لؤيٍّ ما يدل على أنها كانت تسمى قريشًا قبل مولد قُصَي وهو قوله: إذا قُرَيْشٌ
تُبَغِّي الحقَّ خِذْلانا.
وذكر قول رُؤْبة: قد كان يُغنيهم عن الشَّغُوش. وفسره: ضربٌ من القمح، وفسر
الْخَشْلِ: رؤوس الخلاخيل. وفي حاشية الشيخ عن أبي الوليد قال: إنما الْخَشْلُ: الْمُقْلُ(١)،
(١) خشل: الخاء والشين واللام أصل واحد يدل على حقارة وصغر: وأصله الصغار من المُقْل. انظر
مقاييس اللغة (١٨٣/٢).
١٨٨

وهذه الأبيات في أُرْجُوزَةٍ له. وقال أبو جِلْدَة الْيَشْكُرِيّ، ويَشْكُرُ بن بكر بن
وائل :
إخوةٌ قَرّشوا الذُّنوبَ عَليْنا في حديث من عُمْرِنا وقَديمٍ
وهذا البيت في أبيات له.
قال ابن إسحاق: ويقال: إنما سُمِّيت قريش: قريشًا لتجمعها من بعد تفَرُّقِها.
ويقال للتجمع: النَّقَرُّشُ.
فولد النَّضْرُ بنِ كِنَانَة رجلين: مالكَ بن النضر، ويَخْلُدَ بن النضر، فأُمُّ مالك:
عاتكةُ بنت عَذْوان بن عمرو بن قَيْس بن عَيْلان، ولا أدري أهي أُمّ يَخْلُد أم لا .
قال ابن هشام: والصَّلْت بن النَّضْرِ - فيما قال أبو عمرٍو المَدَنِيِّ - وأُمهم جميعًا:
بنت سعد بن ظَرِب العَذْواني. وعَذْوان: بن عمر بن قيس بن عَيْلاَنٍ. قال كُثَيِّر بن
عبد الرحمن - وهو كُثَيِّرِ عَزّة أحد بني مُلَيح بن عَمْرو، من خُزاعة :
لكلّ مِجَانٍ من بَني النَّضْر أزْهَرَا
أليس أبي بالصَّلْت أم ليس إخوتي
بنا وبهمْ والْحَضْرَمِيَّ المُخَصَّرا
رأيت ثيابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدَى
بأيّ نِجَادٍ يحمل السيف مَيْسَرا]
[إذا ما قَطعنا من قريش قَرَابَةً
أُرَاكًا بأذناب الفَوَائِجِ أخضرا
فإن لم تكونوا من بني النّضْر، فاتركوا
وهذه الأبيات في قصيدة له.
والذين يُعْزَوْنَ إلى الصَّلت بن النَّضْر من خزاعة: بنو مُلَيح بن عمرو، رَهْط كُثَيِّر
عَزّة.
والقروش: ما تساقط من حُتَاته، وتقشر منه، وأنشد لكُثَيِّر بن عبد الرحمن: أليس أبي
بالصَّلْت أم ليس إخوتي. البيت وبعده:
رأيت ثيابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدي
بنا وبهم والْحَضْرَمِيِّ الْمُخَضَّرَا
والعَصْبُ: بُرُودُ اليمن، لأنها تصبغ بالْعَصْبِ، ولا ينبت الْعَصْبُ، ولا الْوَرْس إلا
باليمن، وكذلك اللَّبَان. قاله أبو حَنِيفة. يريد: إن قدودَنا من قُدُودِهِمْ، فَسَدَى أثوابنا،
مُخْتلطٌ بسدي أثوابهم. والْحَضْرَمِيُّ: النعالُ الْمُخَصَّرَةُ التي تضيق من جانبيها كأنها ناقصة
١٨٩

أولاد مالك وابنه فهر:
قال ابن إسحاق: فولد مالكُ بن النضر: فِهْرَ بن مالك، وأُمُّه: جَنْدَلَةُ بنت
الحارث بن مُضاض الْجُرْهُمِيِّ.
قال ابن هشام: وليس بابن مِضَاضٍ الأكبر.
قال ابن إسحاق: فولد فِهْر بن مالك أربعةَ نفر: غالب بن فهر، ومُحارب بن فهر،
والحارث بن فهر، وأسَد بن فهر، وأُمُّهم: ليلى بنت سعد بن هُذَيْل بن مُذْرِكة.
قال ابن هشام: وجَنْدَلَةُ بنت فهر، وهي أُم يَرْبوع بن حَنْظلة بن مالك بن زَيْد
مَنَاة بن تميم، وأُمها: ليلى بنت سَعْد. قال جَرِير بن عَطِيَّة بن الخَطَفَى. واسم الخَطَفَى:
حُذَيْفَةُ بن بَدر بن سَلَمَة بن عَوْف بن كُلِيب بن يَرْبوع بن حَنْظَلَةً.
أبناءُ جَنْدلةٍ كَخير الْجَنْدَل
وإذا غَضِبْتُ رَمَى ورائي بِالْخَصَى
وهذا البيت في قصيدة له.
الْخَصْرَيْنِ كما يقال: رجل مُبَطَّنْ، أي: ضامر البطن، وجاء في صفة نعل النبي - بَير - أنها
كانت مُعَقّبَةٌ مُخَصَّرةً مُلَسَّنَةٌ مُخَثْرَمة. والمخترمة التي لها خثرمة، وهو كالتحدير في مقدمها
وكانت نعله - عليه السلام - من سِبْتٍ، ولا يكون السّبْتُ إلا من جلد بقر مَدبوغ. قاله أبو
حنيفة عن الأضمعِيِّ وأبي زيد.
وذكر قول جرير بن الْخَطَفَى:
يَزْفَعْنَ باللَّيْلِ إذا ما أسْدَفا
أعناق جِنَّانٍ وهامًا رُجَّفَا
وعَنَقًا باقي الرَّسِيمِ خَيْطَفَا
والْخَيطَفَةُ: سُرعةٌ في العَذْو، فإذا وصفت به العَنَّقِ والْجَرْي قلت: عَنَقْ خَيْطَفْ، وإذا
سَمَّيْت به الرجل قلت: خَطَفَى، وكذلك إن جعلته اسمًا للمِشْية: فهو مثل: الْجَمَزَى
والْبَشّکی(١).
(١) جمزى وبشكى: أي خفيف الحركة.
١٩٠

غالب وزوجاته وأولاده
قال ابن إسحاق: فولد غالبُ بن فِهر رجلَين: لؤيّ بن غالب، وتَيْم بن غالب،
وأُمهما: سَلمى بنت عمرو الْخُزَاعِيِّ - وَتَيْم بن غالب الذين يقال لهم: بنو الأذرَمِ.
قال ابن هشام: وقَيْس بن غالب، وأُمه: سَلْمى بنت كَعْب بن عمرو الخُزاعيّ،
وهي أُمّ لؤيّ وَتَيْم ابني غالب.
نسل لؤي
قال ابن إسحاق: فولد لؤيّ بن غالب أربعةً نفر: كَعْب بن لُؤْيّ، وعامر بن لُؤَيّ،
وسامة بن لُؤَيّ، وعَوف بن لُؤَيّ، فَأُمّ كعب وعامر وسامة: ماوِيَّةُ بنت كعب بن الْقَيْن بن
جَسْرٍ، من قُضاعة.
بنو الأدرم
وقوله: وتيم بن غالب وهم: بنو الأذرَم(١). والأَذْرَم: المدفون الكَغْبين من اللحم،
يقال: امرأة دَرْمَاءُ وكعب أدرَم. قال الراجز:
ساقًا بَخَتْدَاةً وكَعْبًا أذرَمًا
قامت تُرِيه خَشْيَةٌ أنْ تُصْرَمَا
وكَفَلاً مثل الثّقًا أو أعْظَما(٢)
والأَذْرَمُ أيضًا: الْمَنْقُوض الذّقن، وكان تيم بن غالب كذلك، فسُمِّي: الأذْرَم، قاله
الزبير. وبنو الأدرم هؤلاء هم: أعرابُ مكّة، وهم من قُريش الظواهر، لا من قريش
الْبِطَاحِ(٣)، وكذلك بنو مُحارب من فهر، وبنو مَعِيص بن عامر.
ماوية امرأة لؤي
وذكر بني لؤي، فقال: أُمّ عامر: مَاوِيَّةُ بنت كعب بن القَيْنِ. سُمِيت بالماوِيَّةِ، وهي:
المرآة، كأنها نُسبت إلى الماء لصفائها، وقُلِبَت همزةُ الماء واوًا، وكان القياس أن تقلب
(١) درم: الدال والراء والميم أصلٌ يدل على مقاربة ولين. يقال درعْ درِقةً: أي لَبْنَة متّسقة. والدَّرَمان:
تقارب الخطو. ومن الباب الدَّرَم: وهو استواء في الكعب تحت اللحم حتى لا يكون له حجم.
يقال له كَغْبٌ أدْرَمُ. انظر مقاييس اللغة (٢/ ٢٧٠) واللسان (درم).
(٢) البيت للحجاج كما في اللسان والمقاييس.
(٣) قريش البطاح: هم قبائل عبد مناف. بنو عبد الدار، بنو عبد العزى، وبنو عبد بن قصي، وبنو
زهرة وبنو مخزوم وبنو تيم بن مرة وبنو جمع وسهم وبنو عدي وبنو عتيك.
١٩١

قال ابن هشام: ويقال: والحارث بن لُؤَيّ، وهم: جُشَم بن الحارث، في هِزّان
من رَبيعة. قال جرير:
لأعلى الرّوابي من لُؤَيّ بن غالب
بني ◌ُشَمٍ لستم لِهِزَّانَ، فانْتَمُوا
ولا في شُكَيْس بئس مَثْوى الغَرائب
ولا تُنْكِحوا في آل ضَوْرٍ نساءًكم
وسَعْد بن لؤيّ، وهم بُنانة: في شَيْبان بن ثَعْلبة بن عُكَابَةِ بن صَعْبٍ بن عليّ بن
بكر بن وائل، من ربيعة.
وبُنَانَةُ: حاضنةٌ لهم من بَني الْقَيْنِ بن جَسْر بنِ شَيْع الله، ويقال: سَيْع الله، بن
الأسْد بن وَبْرَة بن ثعلبة بن حُلوان بن عِمْرَان بن الْحَافِ بن قُضاعة. ويقال: بنت
هاء(١) فيقال: مَاهِيَّة، ولكن شبّهوه بما الهمزة فيه منقلبة عن ياء أو واو، لَمَّا كان حكم الهاء
أن لا تُهْمز في هذا الموضع، فلما شُبِّهت بحروف المدّ واللين، فَهَمزُوها لذلك، اطّرَد فيها
ذلك الشّبَه، ويحتمل اسم المرأة أن يكونَ من أوَيْتَهُ، إذا ضَمَمْتَه إليك، يقال: أوَيْت مثل:
ضَمَمْت، وآوَيْته مثل: آذَيْتُه، ثم يقال في المفعول من أوَيْتُه على وزن فَعَلت: مَأْوِيّ والمرأة
مأوِيَّةٌ، ثم تُسهّل الهمزة، فتكون ألفًا ساكنة.
وخالفه ابن هشام في أُم عامر فقال: مَخْشِيَّة بنت شَيْبان بن مُحارب بن فهر، وماويَّة:
أُم سائر بنيه غير عامر.
بنانة وعائذة وبنو ناجية وذبيان وسامة:
وذكر سعد بن لؤي وأنهم: بُنَانَةُ في شَيْبان، عُرِفوا بحاضِنَةٍ لهم اسمها: بُنَانة، وكان
بنو ضُبَيْعَة قد ادعوهم، وهو ضبيعة أضْجَم بن ربيعة، لا ضُبَيْعَة بن أَقَيْش بن ثعلبة، فلما
كان زمن عمر، قَدِموا عليه، وفيهم سيد لهم يقال له: أبو الدَّهْمَاء، فكلم أبو الدَّهْمَاءِ عمر
أن يُلحقهم بقريش، فأنكر عمر ذلك، فأخبره عثمان عن أبيه عفَّان: أنه حدّثه بصحة نسبهم
إلى قريش، وسبب خروجهم عنهم، فواعدهم أن يأتوه العام القابل، فيلحقهم، فقُتل أبو
الدّهماء عند انصرافه، وشُغِلوا بأمره، حتى مات عمر، فألحقهم عثمان بقريش، فلما كان
عليّ نفاهم عن قريش، وردّهم إلى شيبان فقال الشاعر:
رَدَّتِ بُنَائَةَ في بني شيبانا
ضَرَبِ النُّجِيبِيُّ(٢) الْمُضَلل ضَرْبةً
لما يكن، وكأنه قد كانا
والعائذِيُّ لمثلها مُتَوَقَّع
(١) لأن الهاء هي أصل الهمزة في هاء.
(٢) التجيبي: بطن من كندة.
١٩٢

النَّمِر بن قاسط، من رَبيعة. ويقال: بنت جَرْم بن رَبَّانِ بن حُلوان بن عِمْران بن
الحافِ بن قُضاعة.
وخُزَيْمَةُ بن لُؤَيّ بن غالب، وهم عائِذة في شَيْبَان بن ثَعْلبة. وعائِذة امرأة من
اليمن، وهي أُم بني عُبَيْدَة بن خُزيمة بن لُؤَيّ.
وأُم بني لُؤَيّ كلَّهم - إلا عامر بن لُؤَيّ: ماوِيَّةُ بنت كعب بن الْقَيْن بن جَسْر. وأُم
عامر بن لُؤَيّ: مَخْشِية بنت شَيْبان بن مُحارب بن فِهْر، ويقال: لَيْلى بنت شيبان بن
مُحارب بن فِهْر.
أمر سامة:
قال ابن إسحاق: فأما سامة بن لُؤَيِّ فخرَج إلى عُمَان، وكان بها. ويزعمون أن
عامر بن لُؤَيّ أخرجه، وذلك أنه كان بينهما شيءٌ، ففقأ سامةُ عينَ عامر، فأخافه عامرٌ،
لخصت هذا الخبر من حديث ذكره البَرْقِيُّ عن ابن الكلبي، والبُنانة في اللغة: الرائحة
الطيبة. وقال أبو حنيفة: البُنانة: الروضة الْمُعْشِبَة الحالِيَة، أي: قد حُلْيَت بالزهر.
وذكر خُزَيْمَةَ بنِ لُؤَيٍّ، وأنهم انتسبوا في شَيْبَان، ويعرفون بأُمهم عائذة، قال: وعائذة
من اليمن، وقال غيره: هي بنْت الْخِمْس بن قُحَافَة من خَثْعَم ولدت لعُبيد بن خزيمة مالكًا
وحارثًا، فهم بنو خزيمة عائذة [قريش]، ومن بني خزيمة أيضًا: بنو حرب بن خُزيمة،
قتلتهم الْمُسَوِّدة في قريتهم بالشام، وهم يحسبونهم بني حرب بن أمية.
وذكر بنت جَرْم بن رَبَّان. وبنت جَرْم هي: ناجية، واسمها: ليلى، وجَرْم أبو جُدَّة
الذي نزل جُدَّة من ساحل الحجاز، فعرفت به، كما عُرِفت كثيرٌ من البلاد بمَن نزلها من
الرجال، وقد تقدّم طرف من ذلك، وسيأتي في الكتاب كثير إن شاء الله تعالى. وربان هو:
عِلاَفٌ الذي تُنسب إليه الرِّحال العِلاَفِيَّةُ.
وذكر سَعْد بن ذُبْيَان، وقصته مع عوف بن لؤي وذُبْيَان بن بَغِيضٍ: بكسر الذال
وضمها، والكسر أفصح، وهم أربعة أحياء من العرب: ذِبيان بن بَغِيض في قيس، وذِبيان بن
ثعلبة في بَجِيلَةَ، وذبيان في قضاعة، وذبيان في الأزْدِ.
وذكر ابن دريد في كتاب اشتقاق الأسماء له: أن ذُبْيَان فُعْلاَن [أو فِعْلان] من ذَبَى العودُ
يَذْبِي [ذَبْيًا إذا لانَ وَاسْتَرْخَى]. يقال: ذبى العودُ، وذَوى بمعنى واحد.
، وذكر حديث سَامَة بن لؤي حين قَدِم على رسول الله - مَليزر - أحد بنيه، فانتسب له إلى
سامة، فقال له عليه السلام: الشاعر بخفض الراء من الشاعر، كذا قيده أبو بحر على أبي
١٩٣
الروض الأنف/ ج ١/ م ١٣

فخرج إلى عُمَان. فيزعمون أنّ سامة بن لُؤَيّ بينا هو يَسير على ناقته، إذ وضعت رأسَها
تَرْتع، فأخذتْ حَيَّةٌ بِمِشْفَرِها، فَهَصَرَتْها حتى وقعت الناقة لِشِقِّها، ثم نهشتْ سَامَةً فقتلته.
فقال سامةُ حين أحسّ بالموت فيما يزعمون:
عَلِقَتْ ما بسامة الْعَلاَّقه
عين فابكِي لسامة بن لُؤَيّ
يوم حَلُوا به قتيلاً لناقه
لا أرى مثلَ سامة بن لؤَيّ
أنّ نفسي إليهما مُشتاقه
بلِّغا عامرًا وكَغْبًا رسولاً
الوليد بالخفض، وهو الصحيح؛ لأنه مردود على ما قبله، كأنه مقتضب من كلام
المخاطب، وإن كان الاستفهام لا يعمل ما قبله فيما بعده، ولكن العامل مُقَدَّرٌ بعد الألف،
فإذا قال لك القائل: قرأت على زيدٍ مثلاً، فقلت: العالِم بالاستفهام، كأنك قلت له: أعلى
العالم، ونظير هذا ألف الإنكار إذا قال القَائلُ: مررت بزيد، فأنكرت عليه، فقلت أزَيْدِنيه
بخفض الدال، وبالنصب إذا قال: رأيت زيدًا، قلت: أَزَيْدَنِيه، وكذلك الرفْعُ. ومِنْ بني
سامة هذا: محمد بن عَرْعَرَة بن اليزيد شيخ البخاري، وبنو سامة بن لؤي: زعم بعض
النسّاب أنهم أدعياء، وأن سامة لم يعقّب، وقال الزبير: ولد سامةُ: غالبًا والنبيتَ
والحارثَ. وأُمُّ غالب: ناجيةُ بنت جَرْمَ بن زَبَّان، واسمها: ليلى سُمِيت: ناجية؛ لأنها
عَطِشت بأرض فلاة، فجعل زوجها يقول لها: انظري إلى الماء، وهو يُريها السرابَ حتى
نجت، فسُمِّيت: ناجية، وإليها يُنْسَبُ [بَكْرُ بن قَيْسٍ] أبو الصِّدِّيقِ النَّاجِي الذي يَروي عن
أبي سعيد الْخُذْرِيِّ، وأبو المتوكل الناجِيّ، وكثيرًا ما يخرج عنه الترمذي، وكان بنو سامة
بالعراق أعداء لعليّ - رحمه الله - والذين خالفوا عليًّا منهم: بنو عبد الْبَيْت، ومنهم:
علي بن الْجَهْم الشاعر قيل: إنه كان يلعن أباه لمّا سمّاه عليًّا بُغْضًا منه في عليّ - رحمه
الله - ذكره المسعودي(١) .
الرسول والمرسل :
وقوله: بَلْغَا عامرًا وكَعْبًا رَسُولاً. يجوز أن يكون رسولاً مفعول: بِبَلْغا إذا جعلتَ
الرسول بمعنى: الرسالة، كما قال الشاعر:
بِليْلَى، ولا أرسلتهم برسُول
لقد كذَبَ الواشُون ما بُختُ عندَهم
أي: برسالة، وإنما سَمَّوا الرسالة: رسولاً إذا كانت كتابًا، أو ما يقُوم مَقَام الكتاب من
شعرٍ منظوم، كأنهم كانوا يُقيمون الشعر مَقَامَ الكتاب، فتبلغه الرُّكبان: كما تبلغ الكتابَ يُغْرب
(١) انظر مروج الذهب (٤١٨/٢).
١٩٤

غالِبِيٍّ، خرجتُ من غير ناقه
إنْ تكُن في عُمَّانَ داري، فإنّي
حَذَرَ الْمَوْتِ لم تَكُن مُهراقه
رُبَّ كأسٍ هَرَقتَ يابن لُؤَيّ
ما لِمَنْ رام ذاك بالحَتْفِ طاقه
رُمتَ دفعَ الْحتُوف یابن لؤَنّ
بعد جِدِّ وجِدَّةٍ ورشاقه
وَخَروسِ السُّرَی ترکْتَ رِيًّا
قال ابن هشام: وبلغني أن بعضَ ولده أتى رسول الله - وَلو - فانتسب إلى سامة بن
لؤَيّ، فقال رسولُ الله - رَّ ـ: ((آلشاعِرِ))؟ فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله
أردت قوله:
حَذَر الموت لم تَكُن مُهْراقه
رُبَّ كأسٍ هَرَقْتَ يا بن لؤَيّ
قال: ((أجل))(١).
عن ضمير الكاتب كما يُعْرِب الرسولُ، وكذلك الشعرُ الْمُبَلَّغ، فسمّي: رسولاً. وبين الرسول
والْمُرْسَل معنى دقيقٌ يُنتفعُ به في فهم قولِ الله عز وجل: ﴿وأرسلناك للنَّاسِ رَسُولاً﴾
[النساء: ٧٩] فإنه لا يَخْسُن في مثل هذا أن يقال: أرسلناك مُرْسَلاً، ولا نَبَأْنَاكَ تَنْبيتًا، كما لا
يحسن: ضَرَبْنَاكَ مَضْروبًا، ولكشفِ هذا المعنى وإيضاحِه موضعٌ غير هذا، واختصار القولِ
فيه: أنْ ليس كلُّ مُرْسَلِ رَسُولاً، فالرّياحُ مُرْسَلاَتٌ، والحاصِبُ مُرْسَلٌ، وكذلك كلُّ عذابٍ
أرسله الله، وإنما الرسولُ اسمُ للمُبَلِّغ عن الْمُزْسِل.
ويجوز أن يكون رسولاً حالٌ من قوله: بلغا عامًا وكَغبا رسولاً؛ إذ قد يعبّر بالواحد
عن الاثنين والجماعة في مثل هذا اللفظ، تقول: أنتم رَسُولي، وهي رَسُولي، تُسَوِّي بين
الجماعة والواحد والمذكر والمؤنث. وفي التنزيل: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْن فَقولا إنَّا رَسُولُ رَبِّ
العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] فيكون المفعول على هذا: أنَّ نفسي إليهما مُشْتاقةٌ، ويكون أن
على القول الأَوَّلِ بدلاً من رسولٍ أي: رِسَالة.
وقوله: وخَرُوِس السُّرى تركتَ رَذِيًّا. إن خفضت فمعناه: رُبَّ خَرُوسِ السُّری ترکت،
فتركت في موضع الصفةِ لِخَرُوسِ، وإن نصبتَ جعلتها مَفْعُولاً بتركتُ، ولم يكن تركت في
موضع صفةٍ؛ لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، والسُّرَى: في موضِع خفضٍ لِخَرُوسٍ على
المجازِ كما تقول: نام ليلُك. يريد: ناقةً صَمُوتًا صَبُورًا على السُّرى، لا تَضْجَر منه، فَسُرَاها
كالأَخْرِس، ومنه قولُ الكُمَيْتِ:
كَثُومٌ إذا ضَجَّ الْمَطِيُّ، كأنما تَكَرَّمُ عن أخلاقھنّ وتَرْغَبُ
(١) ذكره ابن هشام بلاغًا. أي بلا سند.
١٩٥

أمر عوف بن لؤي ونقلته:
قال ابن إسحاق: وأما عَوف بن لُؤَيٍّ فإنه خرج - فيما يزعمون - في ركب من
قُرَيْشٍ، حتى إذا كان بأرض غَطَفَان بن سَعْد بن قَيْس بن عَيْلان، أُبطِىءَ به، فانطلق مَن
كان معه مِنْ قومه، فأتاه ثعلبة بن سَعْد، وهو أخوه في نسب بني ذُبيان - ثعلبة بن
سعد بن ذُبيان بن بغيض بن ريْث بن غطفان. وعوف بن سعد بن ذُبْيان بن بغيض بن
رَيْث بن غَطَفَانَ - فحبسه وزوّجه والتاطه وآخاه، فشاع نسبُه في بني ذُبيان. وثعلبة - فيما
يزعمون - الذي يقول لعوف حين أُبْطِىءَ به، فتركه قومُه:
ترَكك القومُ ولا مثْرَكَ لك
احِبِسْ على ابنٍ لُؤَيِّ جَمَلَكْ
مكانة مُرّة ونسبه وسادات مُرّة:
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، أو محمدُ بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن حُصَين أنّ عمر بن الخطاب قال: لو كنت مُدَّعيًا حَيًّا من
العرب، أو مُلْحقهم بنا لاذعيت بَني مُرّة بن عَوْف، إنَّا لنعرف فيهم الأشباه مع ما نعرف
مِنْ موقع ذلك الرجل حيث وقع، يعني: عوفَ بن لؤيّ.
وقول الأعشى:
كَثُومُ الرُّغَاءِ إذا هَجَّرَت
وكانت بَقِيَّةَ ذَوْهٍ(١) كُتُمْ(٢)
وإنما قال: خَرُوس في معنى الأخرس؛ لأنه أراد كَتُوم، فجاء به على وزنه. قال
البَرْقِيُّ وكنت ماوِيَّة بنتُ كعبٍ تحب سَامَةً أكثر من إخوته، وكانت تقول، وهي تُرَقُّصُه
صغیرًا :
أنْ يَشْتري الحمدَ، ويُغْلِي بالثَّمَنْ
وإن ظَنِّي بابني إنْ كَبّنْ
ويُرَوِّي الْعَيْمَانَ(٤) مِن مَخض اللَّبَنْ
ويهزم الجيشَ إذا الجيشُ ارْجَحَنْ(٣)
يقال: كَبَنَ وأكْبَنَ: إذا اشتد.
(١) ذود: تقال عن ثلاثة أبعرة إلى العشرة أو خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين. أو ما بين الثنتين
والتسع مؤنث، ولا يكون إلا من الإناث.
(٢) كُتُم: جمع كتوم: وهي الناقة لا تشول بذنبها.
(٣) ارجحن: مال واهتز.
(٤) العيمان: العَيمة: شهوة اللبن والعطش.
١٩٦

قال ابن إسحاق: فهو في نسب غَطَفَان: مُرّة بن عوف بن سعد بن ذُبْيَان بن
بَغيض بن رَيْث بن غطفان. وهم يقولون إذا ذُكر لهم هذا النسب: ما ننكره، وما
نجْحَدُه، وإنه لأحبُّ النسب إلينا.
وقال الحارث بن ظالم بن جَذيمة بن يَربوع - قال ابن هشام: أحد بني مُرّة بن
عوفٍ حين هرب من النعمان بن المنذر، فلحق بقُريش:
ولا بِفَزارة الشّعْرِ الرّقابا
فمَا قَوْمي بثَعْلَبَة بن سَعْدٍ
بمكّة علَّموا مُضَر الضّرابا
وقَوْمي - إن سألت - بنو لؤيّ
وتَرْكِ الأقْرَبِينَ لنَا انْتِسابا
سَفِهْنا باتّباع نبي بَغیض
هَراق الْمَاءَ، وانَّبع السَّرَابا
سفاهةَ مُخْلِفٍ لَمَّا تَرَوّى
فلو ۔ ◌ُووِغْت - عَمْركَ - کنت فيهم
وما أُلْفِيتُ أنْتَجعُ السَّحابا
وخش رَوَاحَةُ القُرَشِيّ رَخلي
بناجِيّةٍ ولم يَطْلُب ثوابا
قال ابن هشام: هذا ما أنشدني أبو عُبيدة منها.
وذکر قول جرير لبني ◌ُشَم بن لؤي:
لأعلى الرَّوابِي من لُؤَيٍّ بن غالب
بَنِي جُشَمٍ لستم لِهِزَّان، فانْتَمُوا
يقال إنهم أعطَوْا جريرًا على هذا الشعر ألفَ عير رُبيَّ، وكانوا ينتسبون إلى ربيعة، فما
انتسبوا بعد إلا لقُریش.
وذكر شِعْرَ الحارث بن ظالم. وقوله: سفاهة مُخْلِفٍ، وهو الْمُسْتَقِي [للماء]، وفيه لم
یذکر :
لَعَمْرُكَ إنني لأُحِبُّ كَغْبًا وسامة إخوتي حُبِّي الشَّرابَا
وقوله: وخَشَّ رَوَاحةُ القُرَشِيِّ رَخلي بناجيةٍ. أي: بناقةٍ سريعة يقال: خَشَّ السهمَ
بالريش، إذا راشه به، فأراد: راشني وأصلح رحلي بناجية، ولم يطلب ثوابًا بمدحه بذلك.
ورواحةُ هذا: هو رَوَاحة بن مُنْقِذٍ بن مَعِيص بن عامر كان قد رَبَع في الجاهلية أي: رأس،
وأخذ الْمِزباعَ.
وقوله: لو طُووعت عَمْرَك كنت فيهم، ونصب عمرَك على الظرف.
وقوله: وما أُلْفِيتُ أنْتَجِع السحابا. أي: كانوا يغنونني بِسَيْبهم ومعروفهم عن انتجاع
السحاب، وارتياد المراعي في البلاد.
١٩٧

قال ابن إسحاق: فقال [أبو زيد] الحُصَين بن الْحُمَامِ [بن ربيعة] الْمُرّي ثم أحد بني
سَهْم بن مُرّة يردّ على الحارث بن ظالم، وينتمي إلى غَطّفان:
بَرِثْنا إليكم من لُؤَيّ بن غالب
ألاَ لستم مِنَّا، ولَسْنا إليكم
بِمُعْتَلج الْبَطْحَاءِ بين الأخاشب
أقَمْنا على عزّ الحجاز، وأنتُم
يعني: قريشًا. ثم ندم الحُصَيْن على ما قال، وعرف ما قال الحارث بن ظالم،
فانتمى إلى قُرَيش، وأكْذَب نَفْسَهُ، فقال:
تَبَيَّئْت فيه أنه قول كاذب
نَدِمْت على قَوْلٍ مَضَى كنتُ قلتُهُ
بکیمٌ، ونضف عند مَجْری الکواکب
فليتَ لساني كانَ نصفين منهُما
بِمُعْتَجِ الْبَطْحاء بين الأخاشب
أبونا كِنانِيّ بمكّة قَبْرُهُ
وربع البطاحِ عند دار ابن حاطب
لنا الرُّبع من بَيْتِ الحرام وِرَاثةً
أي أن بَني لؤيّ كانوا أربعة: كعبًا، وعامرًا، وسامة، وعوفًا.
قال ابن إسحاق: وحدّثني مَن لا أتّهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال
الرجال من بني مُرّة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم، فارجعوا إليه.
وقول الحصين: بِمُعْتَلِجِ البطحاء: أي حيث تَعْتَلِج السيول، والاغْتِلاَجُ عملٌ بقوة، قال
الشاعر :
ـسَّيْلُ كمثلِ الهضابِ یَعْتَلِجُ
لو قلت للسّێلِ دغ طریقك والـ
وفي الحديث: إنكما عِلْجان(١)، فعالجا عن دينكما(٢)، وفي الحديث: إن الدعاء
ليلقى البلاءَ نازلاً من السماء، فَيَغْتَلِجَان إلى يوم القيامة(٣)، أي: يتدافعان بقوة.
وقوله: لنا الرُّبع بضم الراء، يريد: أن بني لؤي كانوا أربعة: أحدهم: أبوهم، وهو
عوف، وبنو لؤي هم: أهل الحرم، ولهم وراثة البيت. والأخاشب: جبال مكة، وقد يقال
لكل جبل: أخشب، أنشد أبو عبيد:
كأن فوق مَنْكِبَيْهِ أخْشَبا
وذكر خارجة بن سِنان الذي تزعم قيسٌ أن الجِنَّ اختطفته لِتَسْتَفْحِلَهُ نساؤها لبراعته
(١) العلج: الرجل الضخم.
(٢) أخرجه الخطيب في تاريخه (٢٥٦/٧) وأبو داود في الطهارة (٩٠) وأحمد (١/ ١٠٧).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٣٩٠/٤) والترمذي (٣٥٤٨).
١٩٨

قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافًا في غَطَفَان، هم سادتهم وقادتهم. منهم:
هَرِم بن سِنَان بن أبي حارثة، وخارجة بن سِنَان بن أبي حارثة، والحارث بن عَوْف،
والحُصَين بن الحُمَامِ، وهاشم بن حَرْمَلَةَ الذي يقول له القائل:
أحيا أباه هاشمُ بن حَرْمَلَهْ
يوم الْهَبَاءات ويَوْم الْيَعْمَلَهُ
تَرَى الْمُلوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ
يقتل ذا الذَّنب، ومَنْ لا ذَنْبَ له
قال ابن هشام: أنشدني أبو عُبَيْدة هذه الأبيات لعامر الْخَصَفيّ: خَصَفة بن قَيْس بن
عیلان :
أخيا أباهُ هاشمُ بنُ حَزْمَلَةْ
يَوم الهباءات ويَوم الْيَعْمَلَهُ
٠
ترَى المُلوكَ عندَه مُغَربله
يقتل ذا الذّنب، ومَنْ لا ذَنْبَ له
ورُمْحُه للوالدات مَثْكَلَةْ
ونجدته(١)، ونجَابة نسله، وقد قَدِمَت بِنْتُهُ على عُمَرَ، فقال لها: ما كان أبوك أعطى زُهَيرًا
حين مدحه، فقالت: أعطاه مالاً ورقيقًا وأثَاثًا أفناه الدهر، فقال: لكن ما أعطاكُم زُهَيْرٌ لم
يُفْنه الدهرُ، وكان خارجة بَقِيرًا أمَرَت أُمّه عند موتها أن يُبْقَرَ بطنُها عنه، ففعلوا فخرج حَيًّا،
فسُمِّي خارجَة، ويقال للبقير: خِشْعَة، قال الْحُطَيْئَةُ يَعني خارجة بن سنان:
لقد عَلِمَتْ خَيلُ ابن خِشْعَة أنها
متى ما يكن يومًا جلاَدٌ تُجَالد
وقول عامر: ترى الملوك حوله مُغَرْبَلة(٢). قيل معناه: مُنْتَفِخَة، وذكروا أنه يقال:
غربلَ القتيلُ إذا انتفخ، وهذا غير معروف وإن كان أبو عبيد قد ذكره في الغريب المصنف،
وأيضًا: فإن الرواية بفتح الباء مُغَرْبَلة، وقال بعضهم: معناه: يتخير الملوكَ فيقتلهم، والذي
أراه في ذلك أنه يريد بالغربلة اسْتِقْصَاءَهم، وتتبعهم، كما قال مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ: ودخلت
الشام، فغَرْبَلْتُهَا غَزْبَلةٌ، حتى لم أدع عِلْمًا إلاَّ حَوَيته، في كل ذلك أسأل عن البقل.
(١) أي لتجعله كلِّ منهنّ زوجًا لها. والقصة خرافة تفتقر إلى دليل ((صحيح)) يعتضدها.
(٢) مغربلة: أي مقتولة.
١٩٩

وحدّثني أن هاشمًا قال لعامر: قل فِيَّ بيتًا جيّدًا أُثِبْكَ عليه، فقال عامر البيتَ
الأوّل، فلم يعجب هاشمًا، ثم قال الثاني، فلم يعجبه، ثم قال الثالث، فلم يعجبه، فلما
قال الرابع :
ومَنْ لا ذَنْبَ له
يَقْتُلُ ذا الذَّنْب
أعجبه، فأثابه عليه.
قال ابن هشام: وذلك الذي أراد الْكُمَيْتُ بن زيد بن الأَخْتَسِ الأسدي في قوله:
وهاشمُ مُرَّةَ الْمُفْنِي ملوكًا بلا ذَنْبِ إليه ومُذْنبينا
وهذا البيت في قصيدة له. وقول عامر: يوم الهباءات. عن غير أبي عبيد.
قال ابن إسحاق: قوم لهم صيت وذِكْر في غَطَفان وقَيس كلها، فأقاموا على
نسبهم، وفيهم كان الْبَسْلُ.
وذكر الحديث، فمعنى هذا: التَّتَبُّعُ والاسْتِقْصاء، وكأنه من غَرْبَلْتُ الطعام. إذا تتبعته
بالاستخراج، حتى لا تبقى إلا الْحُثَالَة. وقوله:
يقتل ذا الذَّنْبٍ ومَنْ لا ذَنْبَ له
إنما أعجب هاشمًا هذا البيت؛ لأنه وصفه فيه بالعز والامتناع، وأنه لا يخاف حاكمًا
يُعْدِي عليه، ولا تِرَةً من طالب ثأر. وهاشم بن حَرْمَلَة هذا هو: جدّ مَنْظُور بن زَبَّان بن
يَسَار الذي كانت بنته زُجْلَة عند ابنِ الزُّبَيْر، فهو جدّ منظور لأَمه، واسمها: قِهْطِمُ بنت
هاشم. كانت قِهْطِمُ قد حملت بمنظور أربع سنين(١)، وولدته بأضراسه، فسُمِّي منظورًا لطول
انتظارهم إيَّهُ، وفي زَبَّان بن سَيَّرِ والد منظور يقول الْحُطَيْئَةُ:
يرَوْن ثَنَايا الْمِجْدِ سَهْلاً صِعَابُها
وفي آلٍ زَبَّان بن سَيَّارَ فِتْيَةٌ
ولم يَضْرِفْ سيارًا لما سنذكره بعد - إن شاء الله.
مزينة :
وذكر زُهَيْرًا ونسبَه إلى مُزَيْنَة، وهم بنو عُثْمان بن عَمْرو بن الأُطُم بن أُد بن طابخة.
قال حَسَّانُ بن ثابت :
فإنّك خيرُ عثمان بن عَمْرو
وأسناها إذا ذُكِرَ السَّنَاءُ
(١) ورد في بعض كتب السُّنن كالبيهقي وغيره أن هناك مَن حملت أربع سنين.
٢٠٠