Indexed OCR Text

Pages 101-120

يعني: جدولاً. وهذا البيت في قصيدة له. قال: ويقال لأثر السيف والسكين في
الجلد وأثر السوط ونحوه: أُخْدود: وجمعه أخاديد.
مصير عبد الله بن الثامر:
قال ابن إسحاق: ويقال: كان فيمن قتَل ذو نُوَاس، عبدُ الله بن الثامر رأسُهم
وإمامُهم.
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم أنه
حُدِّث: أن رجلاً من أهل نَجْران كان في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حفر
خَرِبة من خَرِب نَجْران لبعض حاجته، فوجدوا عبد الله بن الثامر تحتَ دَفْن منها قاعدًا،
واضعًا يده على ضَرْبة في رأسه، ممسكًا عليها بيده، فإذا أُخّرت يده عنها تنبعث دمًا،
وإذا أُرسلت يده ردّها عليها، فأمسكت دمَها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: ((ربّي الله))
فَكُتِبَ فيه إلى عمر بن الخطّاب يُخبَر بأمره، فكتب إليهم عمرُ رضي الله عنه: أن أقِرُّوه
على حاله ورُدُّوا عليه الدفنَ الذي كان عليه، ففعلوا(١).
أمر دوس ذي ثعلبان، وابتداء ملك الحبشة وذكر أرياط المستولي على اليمن:
دوس يستنصر بقيصر:
قال ابن إسحاق: وأفلت منهم رجلٌ من سبأ، يقال له دَوْس ذو ثُغلبان على فرس
له، فسلك الرملَ فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك، حتى أتى قيصرَ ملكَ الروم،
فاستنصره على ذي نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له: بَعُدَتْ بلادُك منَّا،
ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك، وكتب
إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.
هزيمة ذي نواس وانتحاره:
فَقَدِمَ دَوْسٌ على النَّجاشيّ بكتاب قيصر، فبعث معه سبعين ألفًا من الحبشة، وأمَّر
عليهم رجلاً منهم يقال له: أرياط - ومعه في جنده أبرهة الأشرم - فركب أرياط البحرَ
حتى نزل بساحل اليمن، ومعه دوس ذو ثُعْلبان وسار إليه ذو نُواس في حِمْير، ومَنْ
أطاعه من قبائل اليمن، فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل
(١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٦/١) وفيه مجهول.
١٠١

به وبقومه، وجَّه فرسَه في البحر، ثم ضربه، فدخل به فخاض به ضَخضاح البحر، حتى
أفضى به إلى غَمْرِهِ، فأدخله فيه، وكان آخرَ العهد به. ودخل أزياطُ اليمن، فملكها.
ما قيل من شعر في دوس:
فقال رجل من أهل اليمن - وهو يذكر ما ساق إليهم دَوْس من أمر الحبشة:
لا کدَوْسٍ ولا كأعلاق رَخلِهِ (١)
فهي مثل باليمن إلى هذا اليوم. وقال ذو جَدَنِ الحميري(٢):
لا تَهْلِكي أسفًا فِي إثر مَنْ ماتا
هَوْنَكِ لیس یَرُدُّ الدمعُ ما فاتا
وبعد سَلْحِين يبني النَّاسُ أبياتا(٣)
أبعد بَيْنون لا عينٌ ولا أثرٌ
فصل: وقوله: فخاض ضَخْضَاح البحر إلى غَمْرِهِ. الضَّخْصَاحُ من الماء: الذي يظهر
منه القَعْر، وكان أصلُه من الضُّحّ وهو حَرّ الشمس، كأن الشمس تُداخِله لِقِلَّته(٤)، فقلِبت فيه
إحدى الحاءين ضادًا، كما قالوا في ثَرَّة ثَزْثارة، وفي تَملَّل تَمَلْمَل وهو قول الكوفيين من
النحويين، ولست أعرف أصلاً يدفعه، ولا دليلاً يردّه، ويقال له أيضًا: الرَّفْرَاق والضَّهْل،
وقد يُستعار في غير الماء، كقول النبي - وَّجر ـ في عمّه أبي طالب حين سُئِل عنه، فقال:
((هو في ضَخضاح من النار، ولولا مكاني لكان في الطَّمْطام)»(٥) وفي البخاري: وجدته في
غَمْرَةٍ من النارِ، فَأُخرجتُه إلى الضَّخْضَاحِ، والْغَمْرُ هو الطَّمْطَام، وأما قول ذي جَدَن:
هَوْنَكِ لن يَرُدُّ الدمعُ ما فاتا
وهكذا رُوِيَ هذا القسيم ناقصًا قاله الْبَرْقِيُّ، وقد رُوِيَ عن ابن إسحق من غير رواية
ابن هشام: هَوْنَكُمَا لن يرد. قال: وهو من باب قول العرب للواحد: افْعَلا، وهو كثير في
القرآن والكلام.
وفيه :
أَبَعْدَ بَيْنَونَ لا عَينٌ ولا أثَر
وبعد سَلْجِينَ يبني الناس أبياتا
(١) تاريخ الطبري (١/ ٤٣٧).
(٢) ذو جدن الحميري: لُقِّب بهذا لحُسْن صوته.
(٣) السابق.
(٤) ضحضاح: الضاد والحاء أصلٌ صحيحٌ يدلّ على رقّة شيء بعينه. من ذلك: الضحضاح: الماء إلى
الكعبين. سُمِّي بذلك لرقّته. والضحضحة: ترقرق الشراب. ومنه الضُّحّ: وهو ضوء الشمس وإذا
استمكن من الأرض. مقاييس اللغة (٣٥٩/٣) ..
(٥) (صحيح)). أخرجه البخاري (٦٥/٥) ومسلم في الإيمان (٣٥٧) وأحمد (٢٦/١). وفيه: ((ولولا أنا=
١٠٢

بَيْنون وسَلْحِين وغُمْدان: من حصون اليمن التي هدمها أرياط، ولم يكن في الناس
فَبَيْنُون وسَلْحِين مدينتان خَرَّبهما أزْيَاطُ كما ذكر. قال البكري في كتاب ((مُعْجَم ما
اسْتَعْجَمَ)): سُمِيت بينون لأنها كانت بَيْنِ عُمَان والْبَخْرَين، فهي إذًا على قوله: فَعْلُون من
الْبَيْن، والياء أصلية، وقياس النحويين يمنع من هذا؛ لأن الإعرابَ إذا كان في النونٍ لزمت
الاسمَ الياءُ في جميع أحواله، كَقِنَّسْرِينَ(١) وفِلَسْطِينَ ألا ترى كيف قال في آخر البيت: وبعد
سَلْحِين، فكذلك كان القياسُ، أن يقول على هذا: أبعد بَيْنِينَ، وعلى مذهب مَن جعله مِن
العرب بالواو في الرفع، وبالياء في الْخَفْض، والنَّصْب. يقول أيضًا: أبعد بَيْنِينَ، وليس
للعرب فيه مذهبٌ ثالث فثبت أنه ليس من الْبَيْن، إنما هو فَيْعُول، والواو زائدة من أبَنَّ
بالمكان، وبَنَّ إذا أقام فيه، لكنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث، غير أن أبا سعيد السيرافي
ذكر وجهًا ثالثًا للعرب في تسمية الاسم بالجمع المسلم، فأجاز أن يكون الإعراب في النونِ،
وتثبت الواو، وقال في زَيْتُون: إنه فَعْلون من الزَّيت، وأجاز أبو الفتح بن جنيّ أن يكون
الزيتون فيْعُولاً من الزَّيْت، ولكن من قولهم زتّن المكان إذا أنبت الزَّيْتُون، فإن صحّت هذه
الحكاية عن العرب، وإلاَّ فالظَّاهِرُ أنه من الزَّيْت، وأنه فَعْلُون، وقد كثر هذا في كلام الناس
غير أنه ليس في كلام العرب القدماء، ففي المعروفين من أسماء الناس: سُحْنُون وعَبْدَون قال
الشاعر - وهو ابن المعتز:
ودَيْرَ عَبْدُونَ مَطَّالٌ من المطرِ
سَقى الجزيرةَ ذاتَ الظلُ والشجر
وَدَيْرُ عَبْدُون معروفٌ بالشام، وكذلك دَيْرِ فَيْنُونَ غير أنَّ فينون يحتمل أن يكون فَيُعُولاً،
فلا يكون من هذا الباب، كما قلنا في بَيْنُون، وهو الأظهر.
وأما حلَزُون - وهو دود یکون بالعشب، وأكثر ما یکون في الرُّمثِ ۔ فليس من بابٍ
فِلَسْطين وقِنَّسْرين، ولكن النونَ فيه أصلية، كَزَرَجُون، ولذلك أدخله أبو عبيد في باب
فَعِلُون، وكذلك فعل صاحب كتاب العين أدخله في باب الرَّباعي، فدلّ على أن النون عنده
فيه أصلية وأنه فَعَلُول بلامين.
وقولُ ذي جدن: وبعد سَلْحِين يقطع على أن بَيْنون: فَيعول على كل حال؛ لأن
الذي ذكره السيرافي من المذهب الثالث إن صحّ، فإنما هي لغة أخرى غير لغة ذي جَدَن
الحميري، إذ لو كان من لغته، لقال: سَلْحُون، وأعرب النون مع بقاء الواو، فلما لم
لكان في الدرك الأسفل من النار)).
=
(١) قنسرين: مدينة شامية.
١٠٣

مثلها. وقال ذو جَدَن أيضًا:
دعيني - لا أبا لك - لن تُطيقي
لَدَى عَزْفِ القِيان إذِ انتشَيْنا
وشُرْبُ الخمرِ ليس عليّ عارًا
فإنَّ الموْتَ لا ينهاه ناهٍ
ولا مُترهّبٌ في أُسْطُوان
وغُمْدان الذي حُدّثت عنه
بِمَنْهَمَةٍ، وأسفلهُ جُرُون
مصابيح السَّليط تلوح فيه
ونخْلتُهُ التي غُرِسَتْ إليه
فأصبح بَعْدَ جِدَّتِه رَمادًا
وأسلَمَ ذو نُواس مُسْتَکینًا
لحاكِ اللَّهُ! قد أنزقْتِ ريقِي
وإذ نُسْقى من الخمر الرحيقٍ
إذا لم يَشْكُنِي فيها رَفيقي
ولو شَرِب الشفاء مع النَّشُوق
يناطح مجُذْرَه بَيْضِ الأَنْوقِ
بَنَوْه مُسَمَّكًا في رأسٍ نِيقٍ
وحُرَّ المَوْحَلِ اللَّثِقِ الزليق
إذا يُمْسِي كَتَوْماض البُرُوق
يكاد البُسْرِ يَهْصِر بالعُذُوق
وغيِّرَ حسنَه لهبُ الحريق
وحذَّر قومَه ضَنك المَضِيق(١)
يفعل علمنا أن المعتقد عندهم في بَيْنون: زيادة الياء، وأن النونين أصليتان كما تقدم.
وقوله:
دعيني - لا أبا لكِ - لن تطبيقي
أي: لن تطيقي صَرْفي بالعذل عن شأني، وحذف النون من تطيقين للنصب أو للجزم
على لغة مَن جَزم بلَنْ إن كان ذلك من لغته، والياء التي بعد القاف: اسم مضمرَ في قول
سيبويه، وحرف علامة تأنيث في قول الأخفش، وللحجة لهما، وعليهما موضع غير هذا.
وقوله: قد أَنْزَفْت ريقي.
أي: أكثرتِ عليَّ من الْعَذْلِ حتى أيْبَست ريقي في فمي، وقلةُ الريق من الْحَصَرِ،
وكثرته من قوة النَّفَس، وثباتِ الْجأش قال الراجز:
إني إذا زَبَّبَتِ الأَشْداقُ
وكَثُرَ اللَّجَاجُ والْلقْلاَقُ
ثَبْتُ الْجَنَّانِ مِرْجَمٌ وَدَّاقُ
(١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٧/١).
١٠٤

زيَّبَت الأشداقُ: من الزَّبيبَتيْن، وهو ما ينعقد من الرِّيق في جانبي الفم عند كثرة
الكلام، وقوله: ودَّاق: أيّ يسيل كالْوَذْقِ. يريد: سيلانَ الريق، وكثرةَ القول، كما قال أبو
الْمخَشِّ في ابنه: كان أشْدَقَ(١) خُرْطُمَانِيًّا(٢) إذا تكلم سال لعابُه. وقولُه:
ولو شرب الشّفاء مع النَّشُوق
أي: لو شرب كل دواء يُستشفى به، وتَنَشِّقَ كل نَشوقٍ يُجعل في الأنف للتداوي به،
ما نھی ذلك الموت عنه.
وقواله: ولا مُتَرَهَّبٌ يجوز أن يكونَ رفعه عطفًا على ناهٍ، أي: لا يردّ الموتَ ناهٍ، ولا
مُتْرَهُّبٌ. أي: دُعاء مُتَرَهِّب يدعو لك، ويجوز أن يكونَ مترهبٌ رَفْعًا على معنى: ولا ينجو
منهُ مُتَرَهِّب. كما قال: تالله يبقى على الأيّام ذو حِيَدٍ. البيت. والأُسْطُوانُ: أفْعُوالُ. النون
أصلية، لأن جمعه أساطين، وليس في الكلام أفاعين. وقوله:
يناطح جُذْرَه بَيْضُ الأَنْوقِ
جُذْره: جمع جدار، وهو مخفف من جُدُورٍ، وفي التنزيل ﴿أَوْ مِنْ وَراء جُدُرٍ﴾(٣) تقيد
بضم الجيم، والْجَذْرُ أيضًا بفتح الجيم: الحائطُ، ولكن الرواية في الكتاب هكذا كما ذكرنا.
والأنُوقُ: الأنثى من الرَّخَم(٤)! يقال في المثل: أعَزُّ من بَيْضِ الأَنُوقِ، إذا أراد ما لا يوجد؛
لأنها تبيض حيث لا يُدرَك بَيْضُها من شواهقِ الجبال. هذا قول المبرد في الكامل، ولا يوافَق
عليه؛ فقد قال الخليل: الأنُوقُ: الذكر من الرَّخَم، وهذا أشبهُ بالمعنى؛ لأن الذكر لا یبيض،
فمَن أراد بَيْضَ الأَنُوق، فقد أراد المُحال، كمَن أراد: الأَبْلَقِ الْعَقُوقَ وقد قال القالي في
الأمالي: الأَنُوقُ يقع على الذكر والأنثى من الرَّخَم.
وقوله:
وغُمْدانُ الذي حدثت عنه
هو الْحِصن الذي كان لِهَوْذَة بن علي ملكِ اليمامة، وسيأتي طرف من ذكره. ومُسَمَّكًا:
مُرَفَّعًا من قوله: سَمك السماء، والنِّيقُ: أعلى الجبل. وقوله: بِمَنْهَمَةٍ هو موضع الرهبان.
والراهب يقال له: النّهامِيُّ ويقال للنجار أيضًا: نِهَامِيٍّ، فتكون الْمِنْهَمَةُ أيضًا على هذا موضع
نَجْرِ.
(١) أشدق: بليغ.
(٣) سورة الحشر آية رقم (١٤).
(٢) خرطماني: كبير الأنف.
(٤) الرخم: نوع من الطير غزير الريش.
١٠٥

وقوله: وأسفلُه جُرون. جمعُ جُزْن، وهو النَّقِيرُ من جَرنَ الثوبُ: إذا لان [وانسحق].
وروايةُ أبي الوليد الْوَقْشِيُّ: جُروب بالباء. وكذلك ذكره الطبري بالباء أيضًا. وفي حاشية
كتاب الوقشي: الجروب؛ حجارةٌ سُود. كذا نَقَل أبو بحر عنه في نسخة كتابه، فإن صحّ هذا
في اللغةِ وإلا فالْجُروب: جمعُ جَريب على حذف الياء من جريب، فقد يُجمع الاسمُ على
حذف الزوائد، كما جمعوا صاحبا على أصحاب. وقالوا: طَوِيٍّ وأطْواء وغير ذلك.
والجريب والجِزْبَة: المزرعة.
وقوله: وحُرُّ الْموحَل بفتح الحاء، وهو القياس لأنه من وَحِلَ يَوْحَلُ. ولو كان الفعل
منه وَحَل على مثل وَعدَ، لكان القياسُ في الموحِل الكسر لا غير، وقد ذكر الْقُتَبِيُّ فيه
اللغتين: الكسرَ والفتحَ، والأصل ما قدّمناه.
وقوله: وحُرّ بضم الحاء، وهو خالص كل شيء، وفي كتاب أبي بحر عن الْوَقْشِيّ:
وحَرّ الْمَوْحَل بفتح الحاء، والجيم من الموجَل مفتوحة، وفسر الْمَوْجَل، فقال: حجارَةٌ
مُلْسٌ ليّنةٌ، والذي أذهب إليه أن الموجّل ههُنا واحدُ المواجل، وهي مناهل الماء، وفُتحت
الجيم، لأن الأصل: مأجّل كذلك قال أبو عبيد: هي المآجِل، وواحدها: مأجَل. وفي
آثار الْمُدَوَّنة سُئل مالكٌ - رحمه الله - عن مَوَاجِلٍ بُرْقَة، يعني: المناهِلَ، فلو كانت الواو
في الكلمة أصلاً لقيل في الواحد: مَوْجِل مثل موضِع، إلا أن يراد به معنى الْوَجَل، فيكون
الماضي من الفعل مكسور الجيم والمستقبل مفتوحًا، فيفتح الموجّل حينئذ، ولا معنى له
في هذا الموضع.
وقوله: اللَّثِقُ الزَّليق. اللَّثِقُ: من اللََّقِ، وهو أن يخلط الماءُ بالتراب فيكثر منه الزَّلَقُ،
قال بعض الفصحاء: غاب الشَّفَقُ، وطال الأرَقُ، وكثر اللََّقُ، فَلْيَتْطِقْ مَنْ نَطَقّ. وفي حاشية
كتاب أبي بحر: اللَّبِقُ بالباء المنقوطة بواحدة، وذكر أنه هكذا وجد في أصل ابن هشام، ولا
معنى للَّبق ههنا، وأظنه تصحِيفًا من الراوي - والله أعلم.
وقوله في الشعر: يكاد الْبُسْرُ يَهْصِر بالْعُذوق.
أي: تميل بها، وهو جمع عِذْق بكسر العين، وهي الكِباسةُ أو جمع عَذْق بفتح العين،
وهي النَّخْلَة، وهو أبلغ في وصفها بالايقار أن يكون جَمْع عَذْق بالفتح. وقوله: وأسلم ذو
نواس مستكينًا. أي: خاضعًا ذليلاً، وفي التنزيل: ﴿فما اسْتَكَانُوا لَرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧٦]،
قال ابن الأنباري فيه قولان: أحدهما: أن يكون من السكون، ويكون الأصل: اسْتَكّن على
١٠٦

وقال ابن الذّئبة الثقفي في ذلك - قال ابن هشام: الذئبة أُمّه، واسمه: ربيعة بن عَبْد
ياليل بن سالم بن مالك بن حُطَّيْط بن جُشَم بن قَسِيّ:
مع الموت يلحقه والكِبَرُ
لَعَمْرُكَ ما للفتى من مَفَرّ
:
لَعَمْرُكَ ما إنْ له مِن وَزَرْ
لَعَمْرُكَ ما للفتى صُحُرَة
أُبيدُوا صباحًا بذات العَبَرُ
أَبَعْدَ قَبَائلَ مِنْ حِمْيَر
كمثلِ السماء قُبَيْلِ المطر
بألْفِ أُلوفٍ وحَرَّابة
وينفون مَن قاتلوا بالذَّفَر
يُصِمّ صياحهُم الْمُقْرَبَاتِ
وزن افْتَعَل، ومَكّنُوا الفتحة، فصارت ألفًا كما قال الشاعر(١):
من حيث مَا سَلَكُوا أدنو فأنْظُور
وإنني حيثما يَثني الهوى بصري
وقال آخر: يا ليتها جَرَت على الْكَلْكَال. أراد الْكَلْكَل. والقول الآخر: أن يكونَ
استفعل من كان يكون مثل: استقام من قام يقوم. قال المؤلّف رحمه الله: هذا القول الأخير
جيّد في التصريف، مستقيم في القياس، لكنه بعيدٌ في المعنى عن باب الخضوع والذلّة،
والقولُ الأَولُ قريب في المعنى، لكنه بعيدٌ عن قياس التصريف؛ إذ ليس في الكلام فعل على
وزن افْتَعَالَ بألف، ولكن وجدت لغير ابن الأنبارِي قولاً ثالثًا: إنه استفعل من الْكَينْ وکَیْنُ
الإنسان: عَجُزُه ومُؤَخَّرُه، وكأن المستكينَ قد حنا ذلكَ منه، كما يقال: صَلَّى، أي: حنا
صَلاَه، والصَّلاَ: أسفلُ الظهر، وهذا القول جيد في التصريف، قريب المعنى من الخضوع.
وذكر قول ابن الذِّثْبة، واسمه، وهو: ربيعة بنَ عبْد ياليل، وقال فيه: لَعَمْرُكَ ما للفتى
صُخرةٌ، وهو الْمُتَّسَعُ، أُخِذ من لفظ الصحراء، والْوَزَرُ: آلْملْجأ، ومنه اشتق: الْوزير؛ لأن
الملكَ يلجأ إلى رأيه، وقد قيل من الْوِزْرِ لأنه يحمل عن الملك أثقالاً، والْوِزْرُ: الثّقْل، ولا
يصحّ قول من قال: هو من أزَرَه إذا أعانه، لأن فاء الفعل في الوزير واو، وفي الأزْر الذي
هو الْعَوْن هَمْزة.
وذاتُ الْعَبَرِ أي: ذات الحزن، يقال: عَبَرَ الرجل إذا حزن، ويقال لأُمُّه الْعُبْرُ، كما
يقال: لأُمُّه الثُّكل. والْمُقْرَبَاتُ: الخيل العِتاق التي لا تسرح في المرعى، ولكن تُحبس قرب
البيوت مُعَدَّة للعدو. وقوله: ويَنْفون من قاتلوا بالذِّفَر. أي: بريحهم وأنفاسهم ينفون مَن
فَاتَلوا، وهذا إفراطً في وصفهم بالكثرة، قال البرقي: أراد ينفون مَن قاتلوا بذَفَر آباطِهم، أي
(١) هو: الفراء.
١٠٧

سَعالِيَ مثلُ عديد الترا ب تَيْبَس منهم رِطابُ الشجر
وقال عمرو بن مَعْدي كَرِب الزُّبَيْدي في شيءٍ كان بينه وبين قَيس بن مكْشُوح
المُراديّ، فبلغه أنه يتوعده، فقال يذكر حِمْير وعِزّها، وما زال من مُلْكها عنها:
بأفضل عيشةٍ، أو ذو نُواس
أتُوعِدني كأنَّك ذو رُعَيْنِ
ومُلْكِ ثابتٍ في الناس رَاسي
وكائنْ كان قبلك من نعيم
عظيمٍ قاهر الجبروت قاسي
قديم عهده من عَهْد عادٍ
يُحوَّل من أُناسٍ في أُناس
فأمسى أهلُه بادُوا، وأمسى
بنتنها والذفر بالذال الْمُعْجَمة تستعمل في قوة الريح الطيبة والخبيثة. قال المؤلف - رحمه
الله - فإن كان أراد هذا فإنما قصده، لأن السودان أنتنُ الناس آباطًا وأعراقًا.
وقوله: سَعَاليَ: شبّههم بالسَّعَاليَ من الْجِنِّ جمع سِعْلاة [أو سعلاء]. ويقال: بل هي
الساحرة من الجن، وقوله: كمثل السماء أي كمثل السحابِ لاسودادِ السحابِ، وظُلْمتِهِ قُبَيْل
المطر.
فصل: وقوله: عَمْرو بنُ مَعْدِي کربَ، ومَعْدِي کرِبُ بالحِميرية: وجهُ الفَلاَّح.
الْمَعْدَي هو: الْوَجْه بلُغَتِهِم، والكَرِبُ هو: الفلاح، وقد تقدم أبو كرب، فمعناه على هذا:
أبو الفلاح. قاله ابن هشام في غير هذا الكتاب. وكذلك تقدّم كلْكي كَرِبُ، ولا أدري ما
کلکي.
وقوله: قيس بن مَكْشُوح الْمرادِي، إنما هو حليف لمرادٍ، واسم مُراد: يَحابِر بن سعد
الْعَشيرة بن مَذْحِج، ونسبه في بَجِيلة، ثم في بني أخْمَسَ وأبوه مكشوح اسمه: هُبَيْرة بن
هلال، ويقال: عَبْد يغوث بن هُبَيْرة بن الحارث بن عَمْرو بن عامر بن علي بن أسْلَم بن
أخْمَسٍ بن الْغَوثِ بن أنمَار، وأنمارٌ: هو والدُ بَجيلة وخَثْعَم، وسُمِّي أبوه مَكْشوحًا، لأنه
ضُرب بسيف على كَشْحه(١)، ويكنَّى قيس: أبا شَدَّاد، وهو قاتل الأَسْودِ الْعَنْسِيِّ الكذاب هو
وَذَادَوَيه وفيروز، وكان قيسٌ بطلاً بئيسًا قُتل مع عليّ - رضي الله عنه - يوم صُفِينَ، وله في
ذلك اليوم مواقف لم يُسمع بمثلها عن بُهْمةٍ (٢) من الْبُهَم، وكذلك له في حروب الشام مع
الروم وقائع ومواقف لم يُسمع بمثلها، عن أحد بعد خالد بن الوليد.
۔
(١) الكشح: بضم الكاف وسكون الشين: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي.
(٢) البهمة: الشجاع. انظر مقاييس اللغة (٣١١/١).
١٠٨

نسب زبيد:
قال ابن هشام: زُبَيْدٍ بن سَلَمة بن مازن بن مُنَبِّه بن صَغْب بن سعد العشيرة بن
مَذحِج، ويقال: زُبيد بن منبِّه بن صَعب بن سعد العشيرة، ويقال زُبيد بن صعب.
ومُراد: يُحَابِرُ بن مَذْحِج.
عود إلى شعر عمرو بن معدي كرب:
قال ابن هشام: وحدّثني أبو عبيدة، قال:
كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى سَلْمان بن ربيعة الباهلي، وباهلة بن
يَعْصُر بن سعد بن قيس بن عَيْلان. وهو إرْمِينِيَة يأمره أن يُفَضِّلَ أصحاب الخيل العِرَاب
على أصحاب الخيل المَقَارف في العطاء، فعرض الخيل، فمرَّ به فرس عمرو بن مَعْدِي
كَرِب، فقال له سلمان: فرسك هذا مُقرِف، فغضب عمرو، وقال: هجين عرف هجينًا
مثله، فوثب إليه قيس فتوعّده، فقال عمرو هذه الأبيات.
وعمرو بن مَعْدِي کربَ - رضي الله عنه - يكنّى: أبا ثور تُضرب الأمثال بفروسيته
وبسالته، وفيه يقول الشاعر حين مات:
رُزيتم أبا ثَوْرٍ قريعَكم عَمْرا
فقل لزُبَيْدٍ بل لِمَذْحِجَ كُلُّها
وصَمصَامَتهُ(١) المشهورةُ كانت من حديدة، وجدت عند الكعبة مدفونة في الجاهلية،
فصُنِعَ منها ذو الْفَقَّارُ(٢) والصَّمْصَامة، ثم تَصَيَّرَتْ إلى خالد بن سعيد بن العاصي. يقال إن
عَمْرًا وهبها له ليد كانت له عليه، وذلك أن رَيْحانة أُخت عمرو التي يقول فيها عمرو:
يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوع
أمِنْ ريحَانةَ الداعي السَّمیعُ
كان أصابها خالد بنُ سعيد في سَبْي سباه، فمَنَّ عليها، وخلّى سبيلها، فشكر ذلك له
عَمْرو أخوها، وفي آخر الكتاب من خبر قيس بن مكْشوح وعمرو بن معدي كرب أكثر مما
وقع ههنا، والشعر السيني الذي ذكره ابن إسحق وأوله: أتوعدني كأنك ذو رعين. ذكر
المسعودي أن عَمْرًا قاله لِعُمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين أراد ضربَه بالدُرَّة في
حديث ذكره، وفي الشعر زيادة لم تقع في السيرة وهو قوله:
فلا يَغْرُرْكَ مُلْكُكَ، كُلِّ ملكِ
يصير لِذلَّة بعد الشماس(٣)
(١) الصمصام: السيف الذي لا ينثني.
(٢) سيف كان في الجاهلية للعاص بن منبه - قتل يوم بدر كافرًا فصار إلى سيد ولد آدم - ◌َلخير ..
(٣) الشماس: الظهور.
١٠٩

عَوْد إلى شق وسطيح:
قال ابن هشام: فهذا الذي عَنَى سَطِيح الكاهن بقوله: ((ليهبطن أرضكم الحبش،
فليملكُن ما بين أبْيَن إلى جُرش)) والذي عنى شِقّ الكاهن بقوله: ((لينزلنّ أرضَكم
السودانُ، فَلَيَغْلِيُنَّ على كل طَفْلَة البنان، وليملكن ما بين أبْيَن إلى نجران)).
غلب أبرهة الأشرم على أمر اليمن، وقتل أرياط:
قال ابن إسحاق: فأقام أزياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر
الحبشة باليمن أبرهة الحبشيّ، حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما
طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسَل أبرهةُ إلى أرياط: إنك
لا تصنع بأن تلقى الحبشةُ بعضها ببعض، حتى تفنيها شيئًا، فابرز إليّ، وأبرز إليك، فأينا
أصاب صاحبَه انصرف إليه جندُه، فأرسل إليه أرياط: أنصفتَ فخرج إليه أبرهة - وكان
رجلاً قصيرًا لحيمًا، وكان ذا دين في النصرانية - وخرج إليه أرياط وكان رجلاً جميلاً
عظيمًا طويلاً، وفي يده حربة له، وخلفَ أبرهة غلامٌ له، يقال لهُ: عَثْوَدَة، يمنع ظهره،
فرفع أرياط الحربة، فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فَشَرَمَتْ
وذكر سَلْمَان بن ربيعةً حين هَجَّنَ فَرَسَ عَمْرو، ونسبه إلى باهلة بن أعْصُر، وكذلك
هو عند أهل النسب: باهلي، ثم أحد بني قُتَيْبَة بن مَعْنٍ، وباهلةُ: أُمُهم(١) وهي بنت
صَعْب بن سعد الْعَشِيرة بن مَذْحِج، وأبوهم يَعْصُر، وهو مُنَبِّه بن سَعْد بن قيس بن عَيْلان،
وسُمِّي : يَعْصُرًا لقوله:
مَرُّ الليالي واختلاف الأعصر
أعُمَيْر إن أباك غَيَّر لونَه
فيقال له: أعْصُر وَيَعْصُر، وكان سَلْمانُ بن ربيعة قاضيًا لعُمر بن الخطاب - رضي الله]
عنه - على الكوفة، ويقال: سلمان الخيل، لأنه كان يتولى النظرَ فيها، قال أبو وائل:
اختلَفتُ إلى سلمان بن ربيعة أربعين صَبَاحًا، وهو قاضٍ، فما وجدت عنده أحدًا يختصم
إليه، واستشهد سلمان بإزمينيةً سنة تسْعٍ وعشرين.
وذكر خبر عَتْوَدَةَ غلام أبرهة، وقد فرغنا من حديثه فيما مضى، وما زاد فيه الطبري
وغيره، وأن العتودة: الشدةُ في الحرب.
وذكر أن أرياطًا علا بالحربة أبرهة، فأخطأ يافوخَه. واليأفوخُ: وسط الرأس. ويقال له
(١) وفي الاشتقاق لابن دريد (٧١): أنها حاضنتهم.
۔
١١٠

حاجبه وأنفه وعينه وشفته، فبذلك سُمِّي: أبرهة الأشرم، وحمل عَتْوَدَة على أرياط من
خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وَوَدَى
أبرهةٌ أرياط.
موقف النجاشي من أبرهة:
فلما بلغ النجاشيَّ غَضِبَ غضبًا شديدًا وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري،
ثم حلف: لا يدع أبرهةً حتى يطأ بلادَه، ويجزَّ ناصیته، فحلق أبرهة رأسه، وملأ چِرابًا
من تراب اليمن، ثم بعث إلى النجاشيّ، ثم كتب إليه:
((أيها الملك، إنما كان أرياط عبدَك، وأنا عبدُك، فاختلفنا في أمرك، وكُلِّ طاعتُه
لك، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة، وأضبطَ لها، وأسْوسَ منه، وقد حلقتُ رأسي
كلَّه حين بلغني قَسَمُ الملك، وبعثتُ إليه بجراب تراب من أرضي؛ ليضعه تحت قدميه،
فیبر قسمه فيّ)).
فلما انتهى ذلك إلى النجاشيّ رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت بأرض اليمن حتى
يأتيَك أمري، فأقام أبْرَهة باليمن.
أمر الفيل، وقصة النسأة
كنيسة أبرهة
ثم إن أبرهة بَنَى القُلِّيس بصنعاء، فبنى كنيسةً لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيءٍ من
من الطفل: غَاذِية بالذال، فإذا اشتد وصَلُب سُمِّي: يأْفوخًا بالهمز على وزن يَفْعُول،
وجمعه: يافيخ قال الْعَجَّاجُ:
ضَرِبٌ إذا صاب اليافيخَ حَفَر
وقوله: شَرَمَ أنفَه وشفته أي: شقّهما(١).
خبر الْقُلْيْس مع الفيل، وذكر بنيان أبرهَةً للقليس
وهي الكنيسة التي أراد أن يصرف إليها حجَّ العرب، وسُمِّيت هذه الكنيسة: الْقُلَّيْس
لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس، ويقال: تَقَلْنَس الرجل وتقلّس
(١) شرم: الشين والراء والميم أصلّ واحد لا يُخْلف وهو يدل على خرق في الشيء ومَزْق. انظر
مقاييس اللغة (٢٦٥/٣).
١١١

الأرض، ثم كتب إلى النجاشِيِّ: إني قد بنيتُ لك أيها الملك كنيسةً لم يُبْنَ مثلُها لملك
كان قبلك، ولستُ بِمُنْتَهٍ حتى أصرف إليها حَجّ العرب، فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة
ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النّسأة، أحد بني فُقَيم بن عديّ بن عامر بن
ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
إذا لبس الْقَلَنْسُوة، وقَلَسَ طعامًا أي: ارتفع من معدته إلى فيه، وكان أبرهة قد استذلّ أهلَ
اليمن في بنيان هذه الكنيسة، وجشّمهم فيها أنواعًا من السَّخْر، وكان ينقل إليها العدَدَ من
الرُّخَامِ الْمُجَزَّع، والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بِلْقِيس صاحبة سليمانَ - عليه السلام -
وكان في موضع هذه الكنيسة على فراسخَ، وكان فيه بقايا من آثار مُلكها، فاستعان بذلك
على ما أراده في هذه الكنيسة من بهجتها وبهائها، ونصب فيها صلبانًا من الذهب والفضة،
ومنابر من العاج والآبُنُس، وكان أراد أن يرفع في بنائها حتى يُشرِف منها على عَدن، وكان
حُكمه في العامل إذا طلعت عليه الشمس قبل أن يأخذ في عمله أن يقطّع يده، فنام رجل
منهم ذات يوم، حتى طلعت الشمس، فجاءت معه أُمُّه، وهي امرأة عجوز، فتضرّعت إليه
تستشفع لابنها، فأبى إلا أن يقطع يده، فقالت: اضْرِب بمِعْوَلِك اليوم، فاليومُ لك، وغدًا
لغيرك، فقال: وَيْحَكِ ما قلت!؟ فقالت: نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك، فكذلك
يصير منك إلى غيرك، فأخذته موعظتُها، وأعفى الناس من العمل فيها بعد. فلما هلك
ومُزَّقت الحبشة كل مُمزّق، وأقفر ما حول هذه الكنيسة، فلم يعمّرها أحد، وكثرت حولها
السِّباع والحيّات، وكان كل مَن أراد أن يأخذ شيئًا منها أصابته الجنّ(١)، فبقيت من ذلك
العهد بما فيها من العدد والخشب المرصَّع بالذهب والآلات المفضّضة التي تساوي قناطير من
المال، لا يستطيع أحد أن يأخذ منها شيئًا إلى زمن أبي العباس، فذُكر له أمرُها، وما يتهيَّب
من جِنِّها وحَيَّاتها، فلم يَرُعه ذلك. وبعث إليها بابن الربيع عامله على اليمن معه أهلُ الحزْم
والْجَلادة(٢)، فخرَّبها، وحصلوا منها مالاً كثيرًا يبيع ما أمكن بيعُه من رُخامها وآلاتها، فعفا
بعد ذلك رسمُها، وانقطع خبرها، ودرست آثارُها، وكان الذي يصيبهم من الجنّ ينسبونه إلى
كُعَيْبٍ وامرأته صنمين كانت الكنيسة عليهما، فلما كُسِر كُعَيْبٌ وامرأتُه أُصيب الذي كسرة
بجُذام فاقْتتن بذَلك رَعَاع اليمن وَطَغامهم(٣)، وقالوا: أصابه كعيب، وذكر أبو الوليد الأزرقي
أن كُعَيْبًا كان من خشب طوله: ستون ذراعًا (٤).
(١) أسطورة في حاجة إلى دليل ((صحيح)) يعتضدها.
(٢) الجلادة: يعني الشدة والقوة.
(٣) الطغام: أوغاد الناس وأرذالهم.
(٤) أُسطورة وخرافة مردودة. وانظر قصة بناء الكنيسة في تاريخ الطبري (١/ ٤٤٠) والكامل لابن الأثير
(٣٤٢/١) والمنتظم لابن الجوزي (٣٩٧/١) والبداية لابن كثير (١٥٨/٢).
١١٢

النَّسيء
والنّسأَة: الذين كانوا ينسَؤون الشهور على العرب في الجاهلية، فيحلُّون الشهر من
الأشهر الحرم، ويحرّمون مكانه الشهر من أشهر الحلّ، ويؤخّرون ذلك الشّهر، ففيه أنزل
الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُونَهُ عامًا
ويُحرِّمُونَهُ عامًا لِيُوَاطِئوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ الله﴾ [التوبة: ٣٧].
قال ابن هشام: ليواطئوا: ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة، تقول العرب: واطأتك
على هذا الأمر، أي وافقتك عليه، والإيطاء في الشعر: الموافقة، وهو اتفاق القافيتين من
لفظ واحد، وجنس واحد، نحو قول العجَّاج - واسم العجَّاج: عبد الله بن رؤية أحد بَني
سَعْد بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار:
في أُتْعُبانِ الْمَنْجَنُونِ المرسَل
ثم قال:
مدّ الخليج في الخليج المرسل
«وهذان البيتان في أُرجوزة له)):
قال ابن إسحاق: وكان أوّل مَن نسأ الشهور على العرب، فأحلَّت منها ما أحلّ،
وحرّمت منها ما حرم: القَلَمَّس، وهو حُذَيْفَةً بن عَبْدِ بن فُقَيْم بن عديّ بن عامر بن
ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزَيْمة، ثم قام بعده على ذلك ابنه عبَّاد بن
حذيفة، ثم قام بعد عبَّاد: فَلَع بن عباد، ثم قام بعد فَلَع أمية بن قَلَع، ثم قام بعد أمية:
النسيء والنسأة
وذكر النَّسَأَة وَالنَّسِيء من الأشْهر. فأما النَّسْأة فأولهم: الْقَلَمَّسُ، واسمه: حُذيْفَة بن
عبد بن فُقيم، وقيل له: الْقَلَمَّس لجوده، إذ الْقَلَمَّسُ من أسماء البخر(١)، وأنشد قاسم بن
ثابت :
هِضابُ أجّا (٣) أركانهُ لم تَقَصَّفٍ
إلى نَضَدٍ (٢) من عَبْدِ شَمْسٍ، كأنهم
سياستها حتى أقَرَّتْ لِمُزْدِفٍ
قلامِسة ساسُوا الأمُور فأُحكمت
(١) القلمس: السيد. وهذا مما زِيدت فيه اللام، وهو من القَمْس والقاموس وهو معظم الماء شُبِّه
بقاموس البحر. مقاييس اللغة (١١٦/٥).
(٢) النضد: الشرف.
(٣) أجا: أحد جبلي طيىء.
الروض الأنف/ ج ١ / م ٨
١١٣

عَوف بن أُمية، ثم قام بعد عوف أبو ثُمامة: جُنادة بن عوف. وكان آخرَهم، وعليه قام
وذكر أبو علي القالي في الأمالي أن الذي نَسَأ الشُّهورَ منهم: نُعَيم بن تَعْلَبَة، وليس
هذا بمعروفٍ(١)، وأما نَسَؤُهم للشهر، فكان على ضربين: أحدهما: ما ذكر ابن إسحق من
تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شَنِّ الغارات، وطلب الثارات، والثاني: تأخيرهم
الحج عن وقته تَحَرِّيًّا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخّرونه في كل عام أحدَ عشر يومًا، أو
أكثر قليلاً، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنةً، فيعود إلى وقته، ولذلك قال عليه
السلام في حجة الوداع: ((إن الزمانَ قد استدار كهيئتهِ يومِ خَلَقَ الله السمواتِ والأرض))(٢)
وكانت حجة الوداع في السنة التي عاد فيها الحجّ إلى وقته، ولم يحجّ رسول الله - وَالرـ ـ من
المدينة إلى مكة غير تلك الحجة، وذلك لإخراج الكفار الحجّ عن وقته، ولطوافهم بالبيت
عُراة - والله أعلم - إذ كانت مكة بحكمهم، حتى فتحها الله على نبيّه - وَلّر - قال شيخنا أبو
بكر: نرى أن قول الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونك عن الأَهِلَّةِ قل هي مواقيتُ للناس والحج﴾
[البقرة: ٣٨٩] .! وخصّ الحج بالذكر دون غيره من العبادات المؤقتة بالأوقات، تأكيدًا
لاعتباره بالأهلّة دون حساب الأعاجم من أجل ما كانوا أحدثوا في الحج من الاعتبار بالشهور
العجمية، والله أعلم.
وذكر ابن هشام قول الْعَجَّاج:
فِي أُنْعُبَانِ الْمَنْجَنونِ(٣) الْمُرْسَلِ. الأُثُّعُبَان: ما يندفع من الماء من شُعَبه. والْمَنْجَنون:
أداة السَّانية، والميم في المنجنون أصلية في قول سيبويه، وكذلك النون، لأنه يقال فيه:
مَنْجَنين مثل عَرْطَلِيل(٤) وقد ذكر سيبوية أيضًا في موضع آخر من كتابه أن النونَ زائدة إلا أن
بعضَ رواة الكتاب قال فيه: مَنْحنَون بالحاء، فعلى هذا لم يتناقض كلامُه - رحمه الله - وفي
أداة السانية: الدُّولابُ بضم الدال وفتحها، والشّهْرَقُ، وهو الذي يُلقى عليه حبل الأقداس،
واحدها: قدس، والعامّة تقول: قادوس، والعَصامير: عيدان السَّانِية قاله أبو حنيفة: وقال
صاحب العين: الْعُصْمورُ: عود السَّانية. وقوله: مَدَّ الخليج. الخليج: الجبل، والخليج
أيضًا: خليج الماء. وذكر اسمَ العجَّاج ولم يَكْنهِ، وكُنيتهُ: أبو الشّعْثَاءِ، وسُمّي العجَّاج
بقوله: حتى يَعِجَّ عندها مَن عججا.
(١) انظر الأمالي (٤/١) وقول السهيلي هنا: مردود.
(٢) (صحيح). أخرجه البخاري (٦/ ٨٣) ومسلم في القسامة (٢٩) وأبو داود (١٩٤٧ - بتحقيقي).
(٣) المنجنون: الدولاب يستقّي عليه.
(٤) العرطليل: الضخم. والعرطويل: الحسن الشباب والقدّ.
١١٤

الإسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجّها اجتمعت إليه، فحرّم الأشهر الحرم الأربعة:
رجبًا، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرّم. فإذا أراد أن يُحلّ شيئًا أحلَّ المحرّم فأحلُوه
وقال عمير بن قيس: كرامُ الناس أنَّ لهم كِرَامًا. أي آباءً كرامًا، وأخلاقًا كرامًا.
وقوله: وأيّ الناس لم نُعْلِك لجامًا. أي: لم نَقْدَعُهم، ونكفهم كما يُقْدَع الفرس باللجام.
تقول: أعْلَكْت الفرسَ لجامّه: إذا رددته عن تَنَزُّعِه، فمضغ اللجام كالْعِلْك من نشاطه، فهو
مقدوع قال الشاعر:
عَلَك(٢) اللّجام إلى انصراف الزائر
وإذا اختَبَى قَرَبُوسَه بعِنانه(١)
وكان عمَير هذا من أطول الناس، وهو مَذْكور في مقبلي الظعن، وسُمِّي جِذْل الطّعان
لِثباته في الحرب، كأنه جذْلُ شجرة واقف، وقيل؛ لأنه كان يُسْتَشْفى برأيه، ويُستراح إليه،
كما تَسْتَريح البهيمةُ الجَزْباء إلى الجَذِل تَحْتَكُ به ونحو منه قول الحُباب [ابن المنذر]: أنا
جُذَيْلُها الْمُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب وقول الأعرابي يصف ابنه: إنه لِجَذْلُ حِكَاكِ(٣)
ومِذْرَه(٤) لِكَاكِ. واللكالُ: الزّحام.
فصل: وذكر جُنادة بن عَوْف من النسأة، وعليه قام الإسلام، ولم يذكر هل أسلم أم
لا، وقد وجدت له خبرًا يدلّ على إسلامه حضر الحج في زمن عمر، فرأى الناس يزدحمون
على الحج، فنادى: أيها الناس إني قد أجَرْته منكم، فخفقه عمر بالدِّرَّة، وقال: ويحَك: إن
الله قد أبطل أمرَ الجاهلية. وذكر البرقي عن ابن الكلبي، قال: فنسأَ قَلَعُ بن عَبَّاد سبعَ سنين،
ونسأ بعده أُميةُ بن قَلَع إحدى وعشرين سنة، ثم نسأ من بعده جُنادة، وهو أبو أمامة وهو
الْقَلمَّسُ أربعين سنة.
الأشهر الحُرُم:
وقول ابن هشام: أول الأشهر الحُرُمِ: المحرَّم قول، وقد قيل: أوَّلُها ذو القعدة، لأن
رسول الله - رَ﴿ ـ بدأ به حين ذكر الأشهرَ الحُرُم، ومَن قال: المحرَّمُ أولها، احتجّ بأنه أول
السنة، وفقه هذا الخِلاف أن مَن نذر صيام الأشهر الحُرُم، فيقال له على الأول: ابدأ
بالمحرم، ثم برجب ثم بذي القعدة، وذي الحجة، وعلى القول الآخر يقال له: ابدأ بذي
الْقعْدة حتى يكون آخر صيامك في رجب من العام الثاني.
(١) احتبى قربوسه بعنانه: أي لبسه واشتمله. والقربوس: حنو السرج.
(٢) العلك: ما يمضغ.
(٣) الجذل الحكاك: عود يُنصَب للجري لتحتّ به.
(٤) المدره: بكسر الميم وفتح الراء: السيد الشريف.
١١٥

وحرّم مكانه صفر فحرّموه؛ ليواطئوا عدّة الأربعة الأشهر الْحُرُم. فإذا أرادوا الصَّدَر، قام
فيهم فقال: ((اللَّهمَّ إني قد أحللت لك أحد الصَّفَرين، الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام
المقبل)). فقال في ذلك عُمَيْر بن قَيْس ((جِذْلُ الطَّعان)) أحدُ بني فِراس بن غَنْم بن
ثعلبة بن مالك بن كنانة، يفخر بالنسأة على العرب:
كرامُ النَّاسِ أنَّ لهم كِرَاما
لقد علمتْ مَعَدٍّ أنْ قَوْمي
وأيّ الناس لم نُغْلِك لجاما
فأيّ النّاس فاتونا بوِثْرٍ
ألسنا الناسئين على مَعَدّ
شهورَ الحِلّ نجعلها حراما
قال ابن هشام: أوّل الأشهر الحُرُم: المحرّم.
القعود على المقابر:
وقوله: خرج الكناني حتى قعد في الْقُلَّيْس أي: أحدث فيها، وفيه شاهدٌ لقول مالك،
وغيره من الفقهاء في تفسير القعود على المقابر المنهي عنه، وأن ذلك للمذاهب(١)، كما قال
مالك، والله أعلم.
أنساب:
وذكر قول نُفَيْلِ الْخثْعَمِيِّ: وهاتان يداي لك على شَهْران وناهس، وهما قبيلا خَثْعَم،
أما خثعم: فاسم جَبَلْ سُمِّي به بنو عِفْرِسٍ(٢) بن خُلْف بن أفْتَل بن أنمار؛ لأنهم نزلوا عنده،
وقيل: إنهم تَخَتْعَموا بالدم عند حلف عقدوه بينهم، أي: تلطخوا، وقيل: بل خَثْعَم ثلاث:
شَهْرَانُ وناهس وأكْلُب غير أن أكلب عند أهل النسب هو: ابن ربيعة بن نزار، ولكنهم دخلوا
في خَثْعم، وانتسبوا إليهم فالله أعلم. قال رجل من خثعم:
وما خَشْعَمْ يومَ الْفَخار وأكْلُبُ
ما أكْلُبُ منا، ولا نحن منهمُ
فليس لها عمَّ لَدَينا، ولا أبُ
قبيلةُ سوءٍ من ربيعةَ أصلُها
فأجابه الأَكْلُبِيُّ فقال:
إني من القومِ الذين نّسَبْتَني
فلو كنتَ ذا علم بهم ما نَفَيْتني
فإن لا يَكُنْ عَمَّاي خُلْفًا وناهِسًا
أبونا الذي لم تُركّبُ الخيلُ قبله
إليهم كريمُ الْجدّ والعمِّ والآَبِ
إليهم ترى أني بذلك أُثْلَبُ
فإني امْرُؤُ عَمَّايَ: بَكْرٌ وَتَغلبُ
ولم يَذْر مَزْءٌ قبلَه کیف یزكّبُ
(١) المذاهب: المتوضىء.
(٢) العفرس: القهر والغلبة.
١١٦

سبب حملة أبرهة على الكعبة:
قال ابن إسحاق: فخرج الكِنانيّ حتى أتى القُلَّيْس فقعد فيها - قال ابن هشام: يعني
أحدث فيها - قال ابن إسحاق: ثم خرج فَلَحِقَ بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة فقال: مَن صنع
هذا؟ فقيل له: صنع هذا رجلٌ من العرَب من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكة
لمَّا سمع قولك: ((أصرف إليها حجّ العرب)) غضب فجاء، فقعد فيها، أي أنها ليست
لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهة وحلف: ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمَه، ثم أمرَ
الحبشة فتهيَّأَت وتجهَّزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعتْ بذلك العربُ، فأعظموه
وَفِظِعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هَدْمَ الكعبة، بيت الله
الحرام.
يريد أنه من ربيعةً، وربيعةُ كان يقال له: ربيعة الْفَرَس.
وأما ثَقيفٌ وما ذُكر من اختلافِ النسابين فيهم، فبعضُهم ينسبهم إلى إياد، وبعضهم
ينسبهم إلى قيس، وقد نسبوا إلى ثَمُودَ أيضًا. وقد رُوِيَ في ذلك حديثٌ عنه - عليه السلام -
رواه مَعْمَرُ بن راشد في جامعه، وكذلك أيضًا رُوِيَ في الجامع أن أبا رِغال من ثمودَ، وأنه
كان بالحرم حين أصاب قومه الصيحةُ، فلما خرج من الحرم أصابه من الهلاك ما أصاب
قومَه، فدُفنَ هناك، ودُفِن معه غصنَان من ذهب، وذُكِرَ أن رسول الله - نَّه - مرّ بالقبر، وأمَر
باستخراج الغصنين منه، فاستخرجا (١). وقال جرير أو غيره:
كَرَجْمِكُم لِقَبْرِ أبي رِغَالِ
إذا مات الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوه
ووقع في هذه النسخة في نسب ثقيف الأَول: ابنُ إباد بن معَد. وفي الحاشية أن
القاضي أبا الوليد غيِّره، فجعل مكان ابنٍ مَعَد: مِنْ مَعَدٌ، وذلك - والله أعلم - لأن إياد هذا
هو: ابنُ نزارٍ، وليس بابن مَعَدِّ لصُلْبه، ولمعدِ ابنّ اسمُه: إياد، وهو: ابْنُه لِصُلْبِهِ، وقد ذكره
ابن إسحق، وقد قدّمنا ذكره مع بني معدّ في أول الكتاب، وهو عمِّ إياد، والإيادُ في اللغة:
التراب الذي يُضَم إلى الخباءِ ليقيَه من السَّيْل ونحوه، وهو مأخوذ من الأيد، وهي القوة،
لأن فيه قوةً للخِباء، وهو بين النُّؤْيِ والخباء، والنُّؤْيُ يشتقّ من النَّائي، لأنه حَفِير ينأى به
المطر، أي: يبعد عن الخباء.
وأنشد لأُمَيَّة بن أبي الصَّلْت، واسم أبي الصَّلِت: ربيعَة بن وَهْب في قول الزبير:
قومي إيادٌ لو أنهم أمَمَّ أَوَلو أقاموا، فتُهْزّلَ النَّعَمُ
(١) لا يظهر عليه نور النبوّة. انظر البداية (١٥٩/٢).
١١٧

ذو نفر ونفيل يحاولان حماية البيت:
فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له: ذو نَفْر، فدعا قومَه،
ومَنْ أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهادِه عن بيت الله الحرام، وما يريد من
هَذمه وإخرابه، فأجابه إلى ذلك مَن أجابه، ثم عرَض له فقاتله، فهُزم ذو نَفْر وأصحابُه،
وأُخذ له ذو نَفْر، فأُتِيَ به أسيرًا، فلما أراد قتله، قال له ذو نَفْر: أيها الملك، لا تقتلني
فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في
وثاق، وكان أبرهة رجلاً حليمًا.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خَثْعَم
عرض له نُفَيْل بن حَبيب الْخَثْعَمِيِّ في قَبِيلَيْ خَثْعَم: شَهران وناهس، ومَنْ تبعه من قبائل
العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأُخذ له نُفَيْلٌ أسيرًا، فأُتي به فلما همّ بقتله قال له نُفَيل:
أيها الملك، لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلَيْ خثعم:
شَهْران وناهس بالسمع والطاعة، فخلّى سبيلَه.
بين ثقيف وأبرهة:
وخرج به معه يدلّه، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن
كعب بن عمرو بن سَعْد بن عَوْف بن ثَقِيف في رجال ثَقِيف.
واسم ثقيف: قَسِيُّ بن النَّبِيت بن منبِّه بن منصور بن يَقْدُم بن أفْصى بن دُعْمِيّ بن
إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان.
قال أُمية بن أبي الصَّلْت الثقفيِّ:
أو: لو أقاموا فتُهزَلَ النَّعَمُ
قومي إيادٌ لو أنهم أمَمُ
ساروا جميعًا والقِطُ والقَلم
قومٌ لهم ساحة العراق إذا
يريد: أي: لو أقاموا بالحجاز، وإن هُزِلت نَعَمُهم؛ لأنهم انتقلوا عنها، لأنها ضاقت
عن مسارحهم، فصاروا إِلى ريف العراقِ؛ ولذلك قال: والْقِطُّ والقلم، والقِطُ: ما قُطَّ (١) من
الْكَاغَد(٢) والرَّق(٣) ونحوه، وذلك أن الكتابةً كانت في تلك البلاد التي ساروا إليها، وقد قيل
القُرَيش: مِمَّن تعلمتم الْقِط؟ فقالوا: تعلّمناه من أهل الحيرة، وتعلّمه أهلُ الحيرة من أهل
(١) ما قُطَّ: أي ما قطع.
(٣) الرق: جلد رقيق يُكتب فيه.
(٢) الكاغد: القرطاس.
١١٨

وقال أُميَّة بن أبي الصَّلت أيضًا:
وعن نَسبي - أُخَبْرك اليَقيئًا
فإمَّا تَسْألي عنّي ــ لُبَيْئَى
لمَنْصور بن يَقْدُمَ الأقْدَمينا
فإنّا للنَّبيت أبِي قَسِيٍّ
قال ابن هشام: ثقيف: قَسِيٍّ بن مُنبِّه بن بَكْر بن هوازن بن مَنْصور بن عِكرمة بن
خَصَفة بن قَيْس بن عَيْلان بن مُضَر بن نزار بن معدّ بن عدنان، والبيتان الأوّلان
والآخران في قصيدتين لأُميَّة.
قال ابن إسحاق: فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عَبيدك سامعون لك مطيعون،
ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتُنا هذا البيتَ الذي تريد - يعنون اللات - إنما يريد البيتَ
الذي بمكة، ونحن نبعث معك مَنْ يدلُك عليه، فَتَجاوزَ عنهم.
واللات: بيت لهم بالطائف كانوا يعظّمُونه نحوَ تعظيم الكعبة.
قال ابن هشام: أنشدني أبو عُبيدة النحويّ لِضِرَارِ بن الخطّاب الفِهْريّ:
بمُنْقَلب الخائب الخاسر
وفَرّت ثَقيفٌ إلى لاتِها
وهذا البيت في أبیات له.
قصة أبي رغال وقبره المرجوم:
قال ابن إسحاق: فبعثوا معه أبا رِغال يدلُّه على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه
أبو رغال حتى أنزله الْمُغَمَّس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب،
فهو القبر الذي يَرْجُم الناسُ بِالْمُغَمَّسِ.
الأنبار، ونصب قوله: فَتُهِزَلَ الثَّعَمُ بالفاء على جواب التمنّي المضمَّن في لو، نحو قوله
تعالى: ﴿فَلَوْ أنَّ لنا كَرَّةً فنكونَ من المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢] وأما تسمية قَسِيٍّ بثقيف،
فسيأتي سبب ذلك في غَزْوَةِ الطائف - إن شاء الله تعالى.
المغمس :
وقوله: فلما نزل أبرهةُ الْمُغَمَّس هكذا ألْفَيْتُه في نسخةِ الشيخ أبي بحر المقيدة على أبي
الوليد القاضي بفتح الميم الآخِرة من الْمغَمَّس. وذكر البكري في كتاب المعجم عن ابن دريد
وعن غيره من أئمة اللغة أنَّه الْمُغَمَّس. بكسر الميم الآخرة، وأنه أصحّ ما قيل فيه، وذكر
أيضًا أنه يُروى بالفتح، فعلى رواية الكسر هو: مُغَمِّس مُفَعِّل من غَمَّسْتُ، كأنه اشتق من
الْغَمِيسِ وهو الْغَميرُ، وهو النبات الأخضر الذي يَنبت في الخريف تحت اليابس، يقال:
١١٩

عدوان الأسود على مكة:
فلما نزل أبرهة المُغَمَّس، بعث رجلاً من الحبشة يقال له: الأسْوَد بن مقصود على
خيل له، حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموالَ تِهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها
مِثَتيْ بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبيرُ قريش وسيِّدُها، فهمَّت قريش وكنانة
وهُذَيل، ومَنْ كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقةً لهم به، فتركوا ذلك.
رسول أبرهة إلى عبد المطلب:
وبعث أبرهة حُناطَة الحميريّ إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيِّد أهل هذا البلدِ
وشريفها، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آتٍ لحربكم، إنما جئت لِهَدْمِ هذا
البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يُرِدْ حَرَبي،
فأتِني به، فلما دخل حُناطةُ مكةَ، سأل عن سيِّد قريش وشريفها، فقيل له:
عبدُ المطلب بن هاشم فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما
نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه
السلام - أو كما قال - فإن يَمْنَعْهُ منه، فهو بيتهُ وحرمه، وإن يُخَلّ بينه وبينه، فوالله ما
عندنا دَفْعٌ عنه؛ فقال له حُنَاطَةُ: فانطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتِيَه بك.
الشافعون عند أبرهة لعبد المطلب:
فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعضَ بَنِيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر،
وكان له صديقًا، حتى دخل عليه وهو في مَخْبِسِهِ، فقال له: يا ذا نَفْر هل عندك من
غَمَّس المكانُ وغَمَّر إذا نبت فيه ذلك، كما يقال؛ صَوَّحَ، وشَجَّر(١)، وأما على رواية الفتح،
فكأنه من غَمَسْتَ الشيءَ، إذا غَطَّيْتَه، وذلك أنه مكان مَستور إمَّا بهضابٍ وإما بِعَضاه(٢)،
وإنما قلنا هذا؛ لأن رسول الله - 4َ 1 - إذ كان بمكة، كان إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى
الْمُغَمِّسِ، وهو على ثلث فَرْسَخ منها، كذلك رواه علي بن السَّكن في كتاب السُّنن له، وفي
السُّنن لأبي داود أن رسول الله - وَّه ـ كان إذا أراد البراز أبْعَد (٣)، ولم يُبَيّن مقدارَ البعد،
وهو مُبَيِّن في حديث ابن السكن - كما قدّمنا - ولم يكن رسول الله - صَل ﴿ - ليأتي مكانًا
لِلْمَذْهَبِ إلا وهو مَسْتُورٌ منخفض، فاستقام المعنى فيه على الروايتين جميعًا.
(١) صوح النبات: ييس حتى تشقّق. وشجر: أي صار شجرًا. انظر مقاييس اللغة (٣١٩/٣).
(٢) العضاة: كل شجر له شوك.
(٣) (صحيح)). أخرجه أبو داود (٢) بتحقيقي. وابن ماجة (٣٣٦) والحاكم (٤/ ١٤٠).
١٢٠