Indexed OCR Text

Pages 61-80

قال: يليه إرَم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن.
قال: أفيدوم ذلك من سلطانه، أم ينقطع؟
قال: لا، بل ينقطع.
قال: ومَنْ يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من قِبَل العليّ، قال: وممَّن هذا
النبي؟.
قال: رجل من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر، يكون الملك في قومه إلى
آخر الدهر.
وقوله: ما بين أبْين إلى جُرّش ذكره سيبويه بكسرِ الْهَمزة على مثل إصْبَع، وجَوَّز فيه
الفتحَ، وكذلك تقيد في هذا الكتاب، وقال ابن ماكولا: هو أبْيَن بن زُهَير بن أيْمنَ بن
الْهَمَيْسَع من حمير، أو من ابن حمير سُمِّيَت به البلدةُ، وقد تقدم قول الطبري أن أبْيَنَ وعَدَنَ
ابنا عدن، سُمِّيَت بهما البلدتان.
وقوله: بغلام لا دَنِيٍّ ولا مُدَنّ. الدنيُّ مَعْروف، والْمُدَنَّ الذي جمع الضَّعْفَ مع
الدنَاءَةِ. قاله صاحبَ العين.
وقوله: لَحَقُّ ما فيه أمْضٌ: أي: ما فيه شك ولا مُسْتراب، وقد عمر سَطيحَ زمانًا
طويلاً بعد هذا الحديث، حتى أدرك مَولدَ النبي - وَ ﴿ - فرأى كَسْرَى أنو شِرْوَانَ بن قُباذ بن
فيرُوزَ ما رأى من ارتجاس الإيوان(١) وخمود النيران، ولم تكن خَمّدَت قبل ذلك بألف
عام(٣)، وسقطت من قَصْرِه أزْبَعَ عَشْرَةَ شُرفة، وأخبره الْمُوبَذَانُ، ومعناه: القاضي، أو المفتي
بلغتهم أنه رأى إيلاً صِعابًا، تقود خيلاً عِرابًا(٣)، فانتشرت في بلادهم، وغارت بُخَيرة
سَاوَةٍ(٤)، فأرسل كسرى عبد المسيح بن عَمْرو بن حَيَّان بن نُقَيْلةَ الغَسَّاني إلى سطيح، وكان
سطيح من أخوال عبد المسيح، ولذلك أرسله كِسْرى فيما ذكر الطبري(٥) إلى سطيح يستخبره
علمَ ذلك، ويَسْتَعْبرِهِ رُؤيا الْمُوبَذَان، فَقَدِمَ عليه، وقد أشْفَى على الموت، فسلّم عليه فلم
يُخْرِ إليه سطيحٌ جوابًا فأنشأ عَبدُ المسيح يقول:
أَصمُّ أم يسمعُ غِطْرِيفُ اليَمنْ
أم فادَ فازْلَمَّ به شَأْوُ العَتَنْ
(١) الإيوان: بوزن الديوان وهو بناء أزج غير مسدود الوجه.
(٢) وفي هذا معجزة للنبي ﴿ أعلى مرتبة من خمود النار حين أُلقي فيها إبراهيم عليه السلام، فإنها
أطفئت وخمدت بملامسته لها، ونار كسرى خمدت وطفئت على بُعد ما بينها وبين النبي وَّرِ.
(٣) خيلاً عرّابًا: أي عربية.
(٤) ساوة: إحدى قرى فارس، وكانت بحيرة ساوة بحيرة كبيرة بين همذان وقم.
(٥) الطبري في تاريخه (٣٩/٥ - ١٠٥).
٦١

قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يومٌ يُجْمع فيه الأوَّلون والآخرون يَسْعد فيه
المخسنون، ويشقَى فيه المسيئون، قال: أحقّ ما تخبرني؟ قال: نعم. والشّفق والغسق،
والفَلَق إذا اتَّسق، إن ما أنبأَتُك به لحقّ.
ثم قَدِمَ عليه شقّ، فقال له كقوله لسَطيح، وكَتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم
يختلفان، فقال: نعم، رأيتَ حُممة، خرجت من ظُلُمة، فوقعت بين روضة وأكمة،
فأكلت منها كلَّ ذات نسمة.
قال: فلما قال له ذلك، عرف أنهما قد اتفقا، وأن قولهما واحد إلا أن سَطيحًا
قال: ((وقعت بأرض تَهمَهَ، فأكلت منها كلَّ ذات جُمْجمة)).
أتاك شيخ الحيِّ من آلِ سَنَّن
يا فاصلَ الْخُطَّةِ أعْيَتْ مَن ومَنِ
أبيضُ فَضْفَاضُ الرِّداءِ والبَدَن
وأُمْه من آلٍ ذِئبٍ بنِ حَجَنْ
لا يرهبْ الرَّعْدَ، ولا رَيْبَ الزَّمن
رسولُ قَيْلِ العُجْمِ يَسْري للوَسَنْ
ترفعني وَجْنًا وتهوي بي وَجَنْ
تجوبُ بي الأرض عَلَنْدَاةٌ شَزَنْ
تَلُفُّه في الريح بَوغاءُ الدِّمَنْ
حتى أتى عاري الجاجي والْقَطَنْ
كأنما حُفْحِثَ من حِضْنَيْ تَكَنْ(١)!
ثكن: اسم جبل، فلما سمع سطيحٌ شِعرَه رفع رأسه، فقال: عبدُ المسيح على جملٍ
مُشيح (٢) جاء إلى سطيح، حين أوفى على الضريح، بعثك مَلكُ بني سَاسَانَ لارتجاس
الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الْمُوبَذَان. رأى إبلاًّ صِعابًا، تقود خيلاً عِرابًا، قد قطعت
دِجْلَةَ، وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح: إذا كثُرت التّلاوةُ، وظهر صاحبُ الهِراوة،
وخمدت نارُ فارس، وغارت بحيرة سَاوَة، وفاض وادي السَّماوةِ(٣) فليست الشَّامُ لسطيح
شامًا، يملك منهم مُلوكٌ ومَلكاتٌ، على عدد الشُّرُفَاتِ، وكل ما هو آتٍ آت، ثم قضى
سطيخ مكانه.
وقوله: فازْ لَمَّ به معناه: قُبِضَ، قاله ثعلب، وقوله: شَأْوُ العَنن. يريد: الموت، وما
عَنَّ منه قاله الخطابي. وفاد: مات. يقال منه: فاد يَقُود، وأما يَفِيدُ فمعناه: يَتَبَخْتَرُ.
وقول ابن إسحق في خبر ربيعةً بن نَصْرٍ، فجهّز أهله وبنيه إلى الحيرة، وكتب لهم إلى
ملكِ يقال له: سابورُ بن خُرَّزاد.
(١) انظر الطبري (١٦٧/٢) واللسان (٤٨٣/٢). (٢) جمل مشيح: أي مسرع.
(٣) وادي السماوة: وادي بين الكوفة والشام.
٦٢

وقال شقّ: ((وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلَّ ذات نسمة.
فقال له الملك: ما أخطأت يا شِقّ منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟.
قال: أحلف بما بين الحَرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضَكم السودان، فَلَيَغْلِيُنَّ على كل
طَفْلَةِ البَنان، وليملكُنّ ما بين أبْيَن إلى نَجْران.
من تاريخ ملوك الفرس:
قال المؤلف الشيخ الحافظ أبو القاسم - عفا الله عنه - ولا يعرف خُرَّزَاذ في ملوكٍ بني
سَاسَانَ من الفرس، وهم من عهد أزْدَشير بن بابكِ إلى يَزْدَجِزْد الذي قُتِل في أول خلافة
عثمانَ - رضي الله عنه - معروفون مُسَمَّوْنَ بأسمائِهم، وبمقادير مُدَدِهم. مَشْهورٌ ذلك عند
الإخباريين والمؤرخين(١) ولكنه يحتمل أن يكونَ ابنَ خُرَّزَاذَ هذا ملِكًا دون الملِكِ الأعظم
منهم، أو يكون أحدَ ملوكِ الطوائف، وهو الظاهر في مدة ربيعة بن نصر لأنه جَدُّ عَمْرو بن
عَدِيٍّ وابنُ أُختٍ جذيمَةَ الأَبْرش(٢)، وكان مُلكُ جذيمة أولُه فيما أحسب في مدة مُلوكٍ
الطّوائِفِ، وآخرُه في مدة الساسانيين، وأول مَن مَلك الحيرة من السَّاسَانيَّة: سابورُ بن
أزدَشير، وهو الذي خَرَّبَ الحَضْر، وكانت ملوك الطوائف متعادين يُغير بعضُهم على بعض،
قد تحصّن كلُّ واحد منهم في حصنٍ، وتَحَوَّزَ إلى حَيِّز منهم عَرَبٌ. ومنهم أشغانيون على
دين الفرس، وأكثرُهم ينتسبون إلى الفرس من ذُرِّيَّةِ دارا بن دارا، وكان الذي فرَّقهم وشتَّت
شملَهم، وأدخل بعضَهم بين بعضٍ؛ لئلا يَسْتَوْثِق لهم مُلْكٌ، ولا يَقُومُ لهم سُلْطانٌ:
الإسكندر بن فيلبش اليوناني، حين ظهر على دارا، واستولى على بلاد مملكته، وتزوج بنته
روشنك. بوصية أبيها دارا له بذلك حين وجده مُثْخَنًا في المعركة، ولم يكن الإسكندر أراد
قتله؛ لأنه كان أخاه لأُمَّه فيما زعموا، فوضع الإسكندرُ رأسَه على فخذِهِ - فيما ذكروا -
وقال: يا سيد الناس لم أُرِذ قتَلَك، ولا رضيته، فهل لك من حاجةٍ؟ قال: نعم. تَزَوَّج ابنتي
روشنك، وتقتل مَن قتلني، ثم قضى دارا، ففعل ذلك الإسكندر، وفرَّق الفرس، وأدخل
بينهم العَربَ. فتحاجزوا، وسُمُّوا: ملوك الطوائف؛ لأن كل واحد منهم كان على طائفة من
الأرض، ثم دام أمْرُهم كذلك أربعمائة وثمانين سنة في قول الطبري، وقد قيل أقل من
ذلك(٣)، وقال المسعودي: خمسمائة وعشرين سنة، وفي أيامهم بُعث عيسى ابن مريم - عليه
السلام - وذلك بعد موت الإسكندر بثلاثمائة سنة. فابن خُرَّزَاذ هذا - والله أعلم - من
أولئك. وبنو ساسان القائمون بعد ملوك الطوائفِ، وبعد ملوكِ الأشغانيين: هم بنو
(١) انظر تاريخ الطبري (٢٣٣/٢) وتاريخ ابن خلدون (١٠١/٢).
(٢) ويلقّب أيضًا بالوضاح.
(٣) انظر تاريخ الطبري (٣٣٦/١.
٦٣

فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ، إن هذا لنا لغائظ مُوجِع، فمتى هو كائن؟ أفي
زماني، أم بعده؟ قال: لا، بل بعده بزمان، ثم يَسْتنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن، ويُذِيقهم
أشدَّ الهوان.
ساسان بن بهمن. وهو من الكينية، وإنما قيل لهم الكينية؛ لأن كل واحد منهم يضاف إلى
كِي، وهو البَهاء. ويقال معناه: إدراك الثأر. وأوَّل مَن تَسَمَّى بِكِي: أفْرِيذُونُ بن أثفيان قاتل
الضحاكِ بثأر جدِّهِ جَم، ثم صار الملك في عَقِبه إلى منوشهر الذي بُعث موسى - عليه
السلام - في زمانه إلى كي قاووس. وكان في زمن سليمان - عليه السلام - وسيأتي طرف من
ذكره في الكتاب إلى كي يستاسب الذي وَلِيَ بُخْتُنَصَّرَ ومَلَّكَه. وبُخْتُ نَصَّرَ هو الذي حَيَّر
الحيرة حين جعل فيها سَبّايا العربِ، فتحيَّروا هناك، فسُمْيت الحيرة (١)، وأُخِذَ اسمه من
بُوخت وهي النخلة؛ لأنه وُلد في أصل نخلةٍ. ثم كان بعد كي يستاسب بهمن بن
إسبندیاذ بن يستاسب.
وكان له ابنان: دارا وساسان، وكان ساسان هو الأكبر، فكان قد طمع في الملك بعد
أبيه، فصرف بهمن الأمر عنه إلى دارا لخبر يطول ذكره حَمَلَتْه على ذلك ((خمانا أُم دارا)»،
فخرج ((ساسان)» سائحًا في الجبال، ورفض الدنيا، وهانت عليه، وعهد إلى بنيه متى كان لهم
الأمر: أن يقتلوا كل أشغاني وهم نسْل ((دار))، فلما قام ((أزدشير بن بابك)) وقيده الدَّارَ قُطْنِيُّ
((أردشير)) بالراء المهملة، ودعا ملوك الطوائف إلى القيام معه على مَن خالفه، حتى ينتظم له
مُلك فارس، وأجابه إلى ذلك أكثرُهم، وكانوا يدًا على الأقل، حتى أزالوه، وجعل ((أزدشير))
يقتل كلِّ مَن ظهر عليه من أولئك الأشغانيين، فقتل ملكًا منهم يقال له: الأزدَوَان، واستولى
على قصره، فألقى فيه امرأة جميلة رائعة الحُسْن، فقال لها: ما أنت؟ فقالت: أمَّةٌ من إماء
الْمَلِكِ، وكانت بنت الْملِكِ الأزدَوَان لاذت بهذه الحيلة من القتل، لأنه كان لا يُبْقي منهم
ذَكَرًا ولا أُنثى، فصدق قولها، واسْتَسَرَّها(٢) فحملت منه، فلما أتْقَلَتْ اسْتَبْشرت بالأمان منه،
فأقرَّت أنها بنت الأشغاني الذي قُتل، واسمه أزدَوَان - فيما ذكروا - فدعا وزيرًا له ناصحًا
- وقد سمّاه الطبري في التاريخ(٣) - فقال: اسْتَوْدِعْ هذه بطنَ الأرض، فكره الوزيرُ أن يقتلَها،
وفي بطنها ابنّ للملك، وكره أن يعصي أمره، فاتخذ لها قصرًا تحت الأرض، ثم خَصَى
نفسه، وصَبَّر مذاكيره، وجعلها في حريرة، ووضع الحريرةَ في حُقِّ، وخَتَم عليه، ثم جاء به
الملك فاستودعه إياه، وجعل لا يدخل إلى المرأة في ذلك القصر سواه، ولا تراها إلا عينُه،
(١) عند الطبري (٣٣١/١): أن تبع خرج على جبل طيىء ثم سار يريد الأنبار، فلما انتهى إلى الحيرة
- وذلك ليلاً - تحير، فأقام وسُمِّي ذلك الموضع الحيرة اهـ بتصرّف.
(٢) استسرّها: أي اتخذها سَرِيّة له.
(٣) الطبري في تاريخه (٣٤١/١).
٦٤

قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بِدَنيّ، وَلا مُدَنّ، يخرج عليهم من
بيت ذي يَزَن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن.
حتى وضعت المولودَ ذكرًا، فكره أن يسمّيه قبل أبيه، فسماه: شاهَبُورَ، ومعناه: ابن الملك،
فكان الصبي يُدعى بهذا، ولا يعرف لنفسه اسمًا غيره، فلما قبل التعليمَ نظر في تعليمه،
وتقويم أوَدِه. واجتهد في كل ما يصلحه إلى أن ترعرع الغلام. فدخل الوزير يومًا على
أزدشير، وهو واجم، فقال: لا يسوءك الله أيها الملك! فقد ساءني إطراقك ووجومك،
فقال: كبرتْ سنّي، وليس لي ولد أُقّده الأمر بعدي، وأخاف انتثار الأمر بعد انتظامه،
وافتراقَ الكلمة بعد اجتماعها، فقال له: إن لي عندك وديعة أيها الملك، وقد احتجت إليها،
فأخرج إليه الْحُقَّةَ بخاتمها، ففضّ الخاتمَ، وأخرج المذاكير منها، فقال له الملك: ما هذا؟
فقال: كرهت أن أعصي الملك حين أمرني في الجارية بما أمر، فاسْتَوْدَعْتُها بطن الأرض
حَيَّةً، حتى أخرج الله منها سليلَ الْمَلِكِ حَيًّا، وأرضعته وحضنته، وها هو ذا عندي، فإن أمرَ
الملكُ جئتُهُ به، فأمره أزدشير بإحضاره في مائة غلام من أبناء فارس، بأيديهم الصوالج(١)
يَلْعَبُون الكرة، فلعبوا في القصر، فكانت الكرة تقع في إيوان الملك، فيتهيبون أخذَهَا حتى
طارت للغلام، فوقعت في سرير الملك، فتقدم حتى أخذها، ولم يهب ذلك، فقال الملك:
ابني والشمسٍ !! متعجّبًا من عزّة نفسه وصرامته، ثم قال له: ما اسمك يا غلام؟ فقال له:
شَاهَبُور، فقال له: صدقتَ! أنت ابني. وقد سميتك بهذا الاسم، وبور: هو الابنُ، وشاه:
هو الملك بلسانهم، وإضافتهم مقلوبة، يقدّمون المضاف إليه على المضاف، كما تقدم في
((الكي)) الكلمة التي كانت في أوائل أسماء الملوك الكينية، فكانوا يضافون إلى الكي، ثم إن
أزدشير عهد إلى ابنه شَاهَبُورَ، وسيأتي في الكتاب في قول الأعشى:
حَوْلَيْن يضرب فيه القدُم
أقام به شّاهَبُورُ الجنودَ
ثم غيّرت العرب هذا الاسم، فقالوا: سابور، وتسمّى به ملوك بني ساسان منهم:
سابور ذو الأكتاف الذي وطى أرض العرب، وكان يخلع أكتافهم، حتى مرّ بأرض بني
تميم، ففرّوا منه، وتركوا عَمْرَو بن تميم. وهو ابن ثلاثمائة سنة، لم يقدر على الفرار، وكان
فِي قُقّة مُعَلَّقًا من عمود الخيمة من الْكِبّرٍ، فأُخذ، وجيء به المَلِكَ، فَاسْتَنْطَقَهُ سابور، فوجد
عنده رأيًا ودهاءً، فقال له: أيها الملك: لِمَ تفعل هذا بالعرب؟ فقال: يزعمون أن مُلْكَنا يصل
إليهم على يدِ نَبِيِّ يُبعَث في آخرِ الزمان، فقال عمرو: فَأَيْنَ حِلْمُ الملوكِ وعقلُهم؟! إن يكن
هذا الأمرُ باطلاً فلا يضرّك، وإن يكن حقًّا ألْفاك، وقد اتخذتَ عندهم يدًا، يكافئونك عليها،
(١) الصوالج: جمع صولج. وهي عصًا معقوف طرفها يضرب بها الفارس الكرة.
الروض الأنف / ج ١ / م ٥
٦٥

قال: أفيدوم سلطانه، أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مُرسَل يأتي بالحقّ
والعدل، بين أهل الدّين والفضل، يكون المُلك في قومه إلى يوم الفَصْل؛ قال: وما يوم
الفصل؟ قال: يوم تُجْزَى فيه الوُلاةُ، ويُدعى فيه من السماء بدَعَواتْ، يسمع منها الأحياءُ
والأموات، ويُجمع فيه بين الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات.
ويحفظونك بها في ذَويك، فيقال: إن سابور انصرف عنهم، واستبقى بقيَّتهم، وأحسن إليهم
بعد ذلك والله أعلم.
وأما أبْرٍوَيْز بن هُرْمُز - وتفسيره بالعربية: مُظفَّر - فهو الذي كتب إليه النبي - بَير -
وسيأتي طرف من ذكره، وهو الذي عُرض على الله تعالى في المنام(١)، فقيل له: سلم ما في
يديك إلى صاحب الْهِراوة، فلم يزل مَذْعورًا من ذلك، حتى كتبَ إليه النعمانُ بظهور
النبي - نَّه - بتهامَة، فعلم أن الأمْرَ سيصير إليه، حتى كان من أمره ما كان، وهو الذي سُئِل
عنه رسول الله - رَّلَه - مَا حُجَّةُ الله على كسرى؟ فقال: إن الله تعالى أرسل إليه مَلَكًا، فسَلَك
يدَه في جِدار مجلسه، حتى أخرجها إليه، وهي تَتَلألأُ نُورًا، فارتاع كسرى، فقال له الملك:
لم تُرَغْ يا كسرى. إن الله قد بعث رسولَه، فأسلم تسلم [دنياك وآخرتك](٢)، فقال: سأنظر.
ذكره الطبري، في أعلام كثيرة من النبوة (٣)، عُرضت على أبْروَيْز أضْربنا عن الإطالة بها، في
هذا الموضع، وتَسَمَّى أيضًا سابورَ بعد هذا سابورُ بن أبْروَيْز أخو شيرَويه، وقد ملك نحوًا
من شهرين في مدة النبي - 18 - وملك أخوه شيرويه نحوًا من ستة أشهر، ثم ملكت بُورانُ
أُختُهما، فبلغ ذلك النبي - وَّر - فقال: ((لا يُفلح قوم ملكتهم امرأةً)»(٤) فملكت سنةً،
وهلكت وتشتّت أمرُهم كُلَّ الشتات. ثم اجتمعوا على يَزْدَجِرْدَ بن شَهْريار، والمسلمون قد
غلبوا على أطراف أرضهم، ثم كانت حروبُ القادسية معهم إلى أن قهرهم الإسلام، وفتحت
بلادَهم على يديْ عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه -، واسْتُؤْصِل أمرُهُم، والحمدُ لله.
وسابور تُنْسبَ إليه الثياب السَّابِرِيَّة(٥) قاله الخطابي، وزعم أنه من النَّسب الذي غُيِّر،
فإذا نَسبوا إلى نيسابور المدينة، قالوا: نَيْسَابُورِيّ على القياس، وزعم بعضهم أن: ني هي:
القصب، وكانت مَقْصَبَةً، فبناها سابور مدينة، فَنُسِبت إليه، والله أعلم.
(١) أي رأى ((الله)) تعالى في المنام. وهو قول باطل فاسد.
(٢) ما بين القوسين زيادة من الطبري.
(٣) أُسطورة لا صحة لها وهي ظاهرة البطلان.
(٤) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٠/٦) (٩/ ٧٠) والترمذي (٢٢٦٢) والنسائي (٢٢٧/٨) ورغم النهي
الصريح الذي تضمنه الحديث بألا تُوَلّى المرأة ملك البلاد إلا أن أحد أصحاب العمائم في مصر
الحبيبة فسّر الحديث تفسيرًا غريبًا أباح فيه أن تكون المرأة وزيرة وسفيرة !!.
(٥) الثياب السابرية: نوع من أجود الثياب وأرقّها.
٦٦

قال: أحقّ ما تقول؟ قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رَفْعٍ وخَفْض،
إن ما أنبأتك به لَحَقُّ ما فيه أمْضٌ.
قال ابن هشام: أمض. يعني: شكًّا، هذا بلغة حمير، وقال أبو عمرو. أمْض أي:
باطل.
فوقع في نفس رَبيعة بن نَصْر ما قالا، فجهّز بنيه، وأهلَ بيته إلى العراق بما
يُصْلِحُهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خُرَّزاذ فأسكنهم
الحِيرة.
نسب النعمان بن المنذر:
فمن بقيَّة ولد ربيعة بن نصر النُّعمان بن المنذر، فهو في نسب اليمن وعِلمهم:
النعمان بن المُنْذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عديّ بن ربيعة بن نصر، ذلك
الملك.
قال ابن هشام: النعمان بن المنذر بن المنذر، فيما أخبرني خلف الأحمر.
رجوعه إلى حدیث سطح وذي یزن:
فصل: وقول سطيح في حديث ربيعة: إرَمَ ذي يَزَنَ، المعروفُ: سيفُ بن ذي يَزَنَ،
ولكن جعله إرَمًا، إمَّا لأن الإرَمَ هو الْعَلَمُ فمدحه بذلك، وإمَّا شبهه بعاد إرم في عِظَمِ الْخَلْقِ
والْقُوة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ألم ترَ كيف فعل ربُّك بعادٍ إرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾(١).
وربيعةُ بنِ نَصْرِ هذا هو: أحد ملوكِ الحِيرة، وهم آلُ الْمُنْذر، والمنذرُ هو: ابنُ ماءٍ
السماء، وهي: أَمه عُرف بها، وهي من النَّمِرِ بنِ قاسط وابْتُهُ عَمْرُو بن هنْد عُرِفَ بِأُمُّه أيضًا،
وهي بنت الحارث آكل الْمُرَارِ جَدِّ امرىء القيس الشاعرِ، ويُعرف عَمْرو بمُحَرِّق لأنه حَرَّق
مدينة، يقال لها: مَلْهَم، وهي عند اليمامة، وقال الْمبرِّدُ والْقُتَبِيُّ سُمِّي: مُحَرِّقًا، لأنه حَرَق
مائةً من بني تميم، وذكر خبرَهم(٢).
وولدُ نصرِ بنِ ربيعةً هو: عَدِيٍّ، وكان كاتبًا لِجَذِيمَةَ الأَبْرَشِ، وابْنُه: عَمْرو، وهو ابن
أُخت جَذِيمَةَ، ويُكنَّ جَذِيمة: أبا مالك في قول المسعودي، وهو منادم الْفَرْقَدَيْن، واسمُ
أُختُ جذيمة: رَقَّاشِ بنت مالك بن فَهْمٍ بن غَثْم بن دَوْس، وهو الذي اختطفته الجنّ، وفيه
(١) سورة الفجر آية رقم (٦ - ٧).
(٢) انظر الاشتقاق (٤٣٥) والجمهرة لابن حزم (٢٢).
٦٧

استيلاء أبي کرب تبان أسعد
على ملك اليمن وغزوه إلى يثرب
قال ابن إسحاق: فلما هلك ربيعة بن نصر رجع مُلْك اليمن كله إلى حسان بن تُبَّان
أسعد أبي كرب ـ وتُبَّانَ أسعد هو: تُبَّع الآخِر - ابن كُلْكِي كَرِبَ بن زيد، وزيد هو تُبَّع
جرى المثل: شَبَّ عَمْرٌو عن الطَّوْقِ(١). وهو قاتل الزَّبَّاء بنت عَمْرو واسمها: نائلة في قول
الطََّرِي وَيَعْقُوب بنِ السِّكْيت، ومَيْسُونُ في قول دُرَيْد، واستشهد الطبري بقول الشاعر(٢):
وبَيْنِ مَجَرّ نائِلة القديم
أتعرف مَنْزِلاً بَيْنِ الْمُنَفَّى
وقد أملينا في غير هذا الموضع ذكر نسبها وطرفًا من أخبارها.
وأخو عمرو بن هند: النعمانُ بن المُنْذر، وهو ابن مَامَة، وكان ملكه بعد عمرو، وفي
مُلْكِ عَمْرِو وُلد رسول الله - وََّ(٣) - وفي زمن كسرى أنو شروان بن قباذ.
:
وأسقط ابن إسحق من هذا النسب رجلين، وهما: النعمان بن امرىء القيس وأبوه:
امْرَؤُ الْقَيْس بن عَمْرو بن عَدي. وقد قيل، إن النعمان هذا هو أخو امرىء القيس، وملك
بعدَه، وسيأتي ذكر النعمان بعد هذا عند ذكر صاحب الْحَضْرِ إن شاء الله تعالى، وأنه الذي
بنى الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِیر .
قوم تُبَّع
فصل: وقوله في نسب حَسَّانِ: بن تُبَّان أسعد: هو تُبَّانُ أسعد. اسمان جُعلا اسمًا
واحدًا، وإن شئت أضفْتَ كما تضيف معدي كرب، وإن شئت جعلت الإعراب في الاسم
الآخر، وتُبَّن من التََّانَةِ، وهي: الذكاء والفطنة. يقال: رجل تَبِنْ وَطَبِنْ.
وكلْكي كَرِبُ اسمُ مركّب أيضًا وسيأتي معنى الكَرِب في لغة حِمْير عند ذكر مَعْدِي
کرب - إن شاء الله تعالى - وكان ملك كلكي كَرِبَ خمسًا وثلاثين سنة، وكان مُضْعَفًا ساقط
الْهِمَّة لم يَغْزُ قَطَ .
وقوله: في نسب حَسَّان: ابن تبّان أسعد وتُبَّان الأسعد [هو] تُبَّعْ. [الآخرُ] نقص من
النسب أسماءَ كثيرةً وملوكًا؛ فإن عَمْرًا ذا الأذْعار(٤) كان بعده ناشرُ بن عَمْرو، ويقال له:
(١) الطوق: حليّ للعنق. وفي قصة خطف الجنّ للناس: نظر.
(٢) هو: القعقاع بن الدرّ ماء الكلبي. انظر تايخ الطبري (١/ ٣٦٤).
(٣) المشهور أن النبي ◌َّله ولد عام ٥٧١ ميلادية، وقتل عمرو في الغارة على الشام سنة ٥٦٧ ميلادية.
(٤) ذو الأذعار: قيل أنه لُقْب بهذا لأنه جلب النسناس إلى اليمن فذعر الناس منه. انظر الاشتقاق لابن =
٦٨

الأوَّلُ بن عمرو ذي الأذْعار بن أبرهة ذي المنار بن الرّيش - قال ابن هشام: ويقال:
الرائش - قال ابن إسحاق: بن عديّ بن صيفي بن سبأ الأصغر، بن كَعْب، كَهْف
الظُّلْم بن زَيْد بن سَهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شَمْس بن
وائل بن الغَوْثِ، بن قطّن، بن عَرِيب بن زهَيرٍ، بن أيمنَ بن، الهَمَيْسع بن الْعَرَنْجَجِ،
والْعَرَنْجَجُ: حِمْير بن سبأ الأكبر بن يَعرُب، بن يَشْجُب بن فَحْطَان.
قال ابن هشام: يَشْجُب بن يعرب بن قَحطان.
قال ابن إسحاق: وتُبَّان أسعد أبو كَرِب الذي قَدِمَ المدينة، وساق الحِبْرين من يهود
المدينة إلى اليمن، وعمَّر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل مُلْك ربيعة بن نصر.
ناشر النّعم، [بن عمرو بن يَعْفُر](١) وإنما قيل له ناشر؛ لأنه نَشَر الْمُلْكَ، واسمه مالك.
مَلَك بعد قتل رجعيم بن سُلَيْمان عليه السلام بالشام، وهو الذي انتهى إلى وادي الرَّمْل،
وماتت فيه طائفةٌ من جنده جرّت عليهم الرمال، وبعده: تُبَّع الأقْرَنُ وأفريقيس بن قَيْس الذي
بنى إفريقية: وبه سميت، وساق إليها الْبَرْبَرَ من أرض كَنْعان، وتُبَّع بن الأقْرَنِ وهو التُّبَّعُ
الأَوْسَطُ، وشَمِرُ بن مالكِ الذي سُمِّيت به مدينة سَمَرْقَنْد، ومالك هو: الأَمْلُوك، وفي بني
الأُمْلُوك يقول الشاعر:
فَتَقِّبْ عنِ الأُمْلُوكِ واهْتِف بِيَعْفُرٍ
وعِشْ جَارَ عِزْ لا يغالبُه الدّهْرُ
وقد قيل: إن الأُمْلُوكَ كان على عهد منوشهر، وذلك في زمن موسى - عليه السلام -
كل هؤلاء مذكورون بأخبارهم في غير هذا الكتاب.
وعَمْرٌو ذو الأذعار كان على عهد سليمان، أو قبله بقليل، وكان أوْغَل في ديار
المغْرب، وسبا أمّةً وجوهُها في صُدورها، فذُعِر الناسُ، منهم فسُمِّي: ذا الأذْعار(٢)، وبعده
ملكت بنت بِلْقِيسُ هُداهِد بن شُرَخْبِيلَ صاحبة سليمان - عليه السلام - واسم أمها يَلمَّقَه بنت
جني، وقيل: رَوَاحَةُ بنت سُكَيْن. قاله ابن هشام. وزعم أيضًا أنها قتلت عَمْرًا ذا الأذْعار
بحيلةٍ ذكرها، وأنه سُمِّي ذا الأذْعارِ لكثرةِ ما ذُعر الناس منه لجوْرِهِ، وأنه ابن أبْرهه ذِي
المنار بن الصَّغْبِ، وهو ذو القرنين بن ذي مراثل الحِميري، وأبوه: أَبْرهَةُ ذو المنار سُمِّي
= دريد (٥٤٢).
(١) عند الطبري (٣٣١/١): ياسر بن عمرو بن يعفر.
(٢) والتأويل الأول مقبول كما تقدم ذكره في الاشتقاق. أما أن سبأ أُمة وجوهها في صدورها. فقول
مردود بصريح القرآن.
٦٩

قال ابن هشام: وهو الذي يقال له:
ليتَ حظّي من أبي كرِب
سبب غضب تبان على أهل المدينة:
أن يَسُدّ خَيْرُه خَبَله
قال ابن إسحاق: وكان قد جعل طريقه - حين أقبل من المشرق - على المدينة،
وكان قد مرّ به في بَذْأته، فلم يَهِج أهلَها، وخلّف بين أظهرهم ابنًا له، فقُتِل غِيلة،
فقَدِمها وهو مُجمع لإخرابها، واستئصال أهلها، وقطع نخلها، فجمع له هذا الحيُّ من
الأنصار، ورئيسهم عَمْرو بن طَلَّة أخو بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مَبْذول، واسم
مَبْذُولٍ: عامر بن مالك بن النجَّار، واسم النجار: تيم الله بن ثعلبة، بن عمرو، بن
الخزرج، بن حارثة، بن ثعلبة، بن عمرو، بن عامر.
بذلك؛ لأنه رفع نيرانًا في جبالٍ؛ ليهتدي بها (١).
وأمَّا حَسَّانُ الذي ذكَر فهو الذي استباح طَسْمًا، وصَلَب الْيَمَامَةَ الزَّرْقَاءَ، وذلك حين
اسْتَصْرَخَهُ عليهم رَبَاحُ بن مُرّةَ أخو الزرقاء، وهو من فَلْ جديسٍ، وقد تقدم الإيماء إلى
خبرهم .
ومعنى تُبَّع في لغة اليمن: الملك المتبوع، وقال المسعودي: لا يقال للملك: تُبِّع حتى
يغلبَ اليمن والشّخر وحَضْرَمَوت. وأولُ التَّبابعة: الحارثُ الرائش، وهو ابن هَمَّال بن ذي
شَدَد وسُمّي: الرائش، لأنَّه راشَ الناسَ بما أوسعهم من العطاء، وقسم فيهم من الغنائم،
وكان أول مَنْ غَنِم، فيما ذكروا.
وأما الْعَرَنْجَجُ الذي ذكر أنه حِمْير بن سَبَأْ، فمعناه بالحمَيرية: العتيق. قاله ابن هشام،
وفي عهد زَمَن تُبَّع الأوسط - وهو حَسَّان بن تُبَان أسعد - كان خروج عَمْرو بن عامر من
اليمنِ من أجل سيل الْعَرِم، فيما ذكر الْقُتَبِيُّ.
وأما عَمْرو أخو حسَّان الذي ذكر ابن إسحق قصتَه، وقتلَه لأخيه. فهو المعروف:
بِمَوْثَّبَان. سُمِّي بذلك للزُومه الوثاب وهو [السرير] الْفِراش وقلة غَزْوه. قاله الْقُتَبِيُّ.
وأما ما ذكره من غَزْو تُبَّع المدينة، فقد ذكر الْقُتَبِيُّ أنه لم يقصد غَزْوها، وإنما قصد
قتلَ اليهود الذين كانوا فيها، وذلك أن الأوْسَ والخزرج كانوا نزلوها معهم، حين خرجوا من
اليمن على شروطٍ وعهودٍ كانت بينهم، فلم يفِ لهم بذلك يهودُ، واستضاموهم، فاستغاثوا
(١) قيل أنه أول مَن ضرب المنار على طريقه في مغازيه. انظر القاموس.
٧٠

عمرو بن طلّة ونسبه:
قال ابن هشام: عمرو بن طَلَّةً: عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن
النجَّار، وطَلَّةُ: أُمه، وهي: بنت عامر بن زُرَيق، بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن
مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخزرج.
بتُبَّع، فعند ذلك قَدِمها وقد قيل: بل كان هذا الخبرُ لأبي جُبَيْلَةَ الْغَسَّانِيِّ، وهو الذي
اسْتَصْرَخَتْه الأوسُ والخزرج على يهود، فالله أعلم.
والرَّجُل الذي عدا على عَذْقِ الملك، وجَدَّهُ من بني النجارِ هو: مالك بن الْعَجْلانِ
فيما قال الْقُتَّبِيُّ، ولا يصحّ هذا عندي في القياس لبُعد عهد تُبَّعِ من مدة ملك ابن
العجلان .
وخَبَرُ ملك ابن العَجْلان إنما هو مع أبي جُبَيْلَةَ الْغَسَّانِي حين اسْتَصْرَخت به الأنصار
على اليهود، فجاء حتى قَتَل وجُوهًا من يهود. وأما تُبَّع فحديثه أقدمُ من ذلك. يقال: كان
قبل الإسلام بسبعمائة عام، والصحيح في اسم أبي جُبَيْلَةَ: جُبَيْلَةُ غير مَكْنى، ابنُ عَمْرو بن
جَبَلة بن جَفْنَة، وجَفْنَة هو: غَلَبةُ ابن عَمْرو بن عامر ماء السماء. وجُبَيلةُ هو: جدّ جبلة بن
الأنْهَم(١) آخر ملوك بني جَفْنة، ومات جُبَيْلةُ الغساني من عَلَقَةٍ شَرِبها في ماء، وهو مُنصرف
عن المدينة.
وذكر أن تُبَّعًا أراد تخريبَ المدينة، واستئصال اليهود، فقال له رجل منهم، له مائتان
وخمسون سنةً: الملك أجَلُّ من أن يطير به نَزَقْ(٢). أو يستخِفَّه غَضَب، وأمْره أعظمُ من أن
يضيقَ عنّا حِلْمُه، أو نُخْرَمَ صَفْحَه، مع أن هذه الْبَلْدَةَ مُهَاجَرُ نَبِيِّ يبعث بدين إبراهيم. وهذا
اليهودِيُّ هو أحد الْحَبْرَينِ الَّلذَيْن ذكر ابن إسحق، قال: واسمُ الْحَبْرَين: سُحَيْتٌ، والآخر:
مُنَبِّه. ذكر ذلك قاسمُ بن ثابت في الدَّلائل(٣)، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق، قال:
واسمُ الْحَبْرِ الذي كلّم الملكَ: بليامين، وذكر أن امرأةً اسمُهَا: فُكِنْهَةُ من بني زُرَيْق كانت
تحمل له الماءَ من بئر رُومَةِ(٤) بعدما قال له الْحَبْرَانِ ما قالا، وكفَّ عن قتالِ أهْلِ المدينة،
ودَخْلُوا عَسْكَرِهِ، فأعطى فُكَيْهَةَ، حتى أغناها، فلم تَزَلْ هي وعشيرتُها من أغنى الأنْصار حتى
(١) جبلة بن الأيهم هو الذي ارتدّ [عياذًا بالله من الردّة] ولحق بالروم. انظر الإنباه (١١١).
(٢) النزق: النون والزاء والقاف كلمة تدلّ على عجلة. من ذلك النزق: الخفّة والعجلة. ويقولون: أنزق
فلان بالضحك. مقاييس اللغة (٤١٦/٥).
(٣) وعند الطبري (٤٢٦/١): أن اسم الحبرين هما: كعب وأسد، وكانا من بني قريظة، وكانا ابن عمّ.
(٤) بئر رومة: بئر بالمدينة المنورة.
٧١

جاء الإسلامُ، ولما آمن الملكُ بمحمد - وَله - وأُعلم بخبره، قال:
نبيٍّ من الله بارِي النَّسَمْ
شَهِدتُ على أحمد أنّه
لكُنتُ وَزِيرًا له، وابنَ عَمْ
فلو مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ
وفَرَّجْتُ عن صَذْرِهِ كُلَّ هَمْ(١)
وجاهَدْتُ بالسَّيْفِ أعداءَه
وذكر ابنُ أبي الدُّنْيَا في كتابٍ الْقُبورِ، وذكره أيضًا أبو إسحاق الزَّجَّاج في كتاب
المغازي له، أن قبرًا حُفِر بصَنْعَاءَ، فوُجد فيه امرأتان، معهما لَوْحٌ من فِضَّةٍ مَكْتوبٌ بِالذَّهَبِ،
وفيه: هذا قبر لَمِيس وحُبَّى ابْنَتَيّ تُبَّع ماتا، وهما تشهدان: لا إله إلاّ الله وحدَه، لا شريكَ
له، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما (٢)، وقال رسول الله - وَّل ـ: ((لا أدري أُتُبَّعٌ لعينٌ أم
لا))(٣) ورُوِي عنه - وَّ﴾ - أنه قال: ((لا تَسُبُّوا تُبَّعًا؛ فإنه كان مؤمنًا))(٤)، فإن صحّ هذا
الحديث الأخير، فإنما هو بعدما أُعلِم بحاله، ولا ندري: أيّ التبايعة أراد، غير أن في
حديث مَعْمَر عَنْ هَمَّام بن مُنَبِّه عن أبي هُرَيْرَة أن رسول الله - وَ لَ ـ قال: ((لا تَسُبُّوا أَسْعَدَ
الْحِمْيَرِيَّ، فإنه أولُ مَن كسا الكعبة))(٥) فهذا أصح من الحديث الأول، وأبيَنُ، حيث ذكر فيه
أسعد. وتُبَّان أسعد الذي تقدّم ذكره، وقد كان تُبَّعُ الأولُ مؤمنًا أيضًا بالنبي - نَّ - وهو
الرائش، وقد قال شعرًا يُنْبِىءُ فيه بمبعث النبي - بَّ - يقول فيه:
ويأتي بعدَهم رَجُلٌ عظيمٌ نبيٌ لا يُرَخُصُ في الحرام
وققد قيل إنه القائل:
وطلوعُها من حيث لا تُمسي
مَنَعَ البقاءَ تَصَرُّفُ الشّمس
وَمَضَى بفصل قضائه أمْسٍ
اليومَ أعلمُ ما يجيء به
وغروبُها صفراء كالْوَزسِ
وطلوعُها بيضاءَ مُشْرقةً
يجري حِمَامُ الموتِ في النفسِ
تجري على كَبِدِ السماءِ، كما
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٥٤/٢) ط. دار الكتب العلمية.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من ((القبور)) (٣١).
(٣) أخرجه ابن عساكر (٢٥٦/٥) من حديث أبي هريرة.
(٤) ((ضعيف جدًا)). أخرجه الطبراني (٢٩٦/١١) وابن عساكر في تهذيبه (٤٠٩/١٠) والخطيب
(٢٠٥/٣) وأحمد (٣٤٠/٥). فيه عمرو بن جابر متهم بالكذب.
(٥) ذكره ابن كثير البداية (١٥٤/٢) نقلاً عن المصنف. وأورده السيوطي في الدرّ (٣١/٦).
٧٢

.۔۔
قصة مقاتلة تبان لأهل المدينة
قال ابن إسحاق: وقد كان رجل من بني عديّ بن النجار، يقال له: أحمر عدا على
رجل من أصحاب تُبَّع حين نزل بهم فقتله، وذلك أنه وجده في عَذْقٍ له يَجُدُّهُ، فضربه
بِمِنْجَله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أَبَّرَهُ، فزاد ذلك تُبَّعًا حَنقَا عليهم، فاقتتلوا، فتزْعُم
الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويَقْرُونَه باللَّيْل، فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن
قومنا لكرام.
فبينا تُبَّعُ على ذلك من قتالهم، إذ جاءه حَبْران من أحبار اليهود، من بني قُرَيْظَةَ -
وقُرَيْظة والنَّضير والنَّجَّام وعمرو - وهو هَدَلْ - بنو الخزرج بن الصريح بن التَّوْمان، بن
السّبط بن الْيَسَع، بن سعد، بن لاويّ، بن خَيْر، بن النَّجَّام، بن تَنْحوم، بن عازَر، بن
وقد قيل: إن هذا الشعر لِتُبَّع الآخر [وقيل لأسقف نجران]، فالله أعلم، ومن هذا أخذ
أبو تمام قوله :
والشّمْسُ قد نفضتْ وَرْسًا على الأُصُلِ
ألقى إلى كعبة الرَّحْمَن أَرْحُلَه
غريب حديث تُبَّع
ذكر فيه: فَجِدَّ عَذْقَ الملك. العَذْق: النخلة بفتح العين، والعِذق بالكسرة: الكِباسة بما
عليها من الثّمر(١)، وذكر في نسب قُرَيظَةَ والنضير عَمْرًا، وهو هَدَل بفتح الدال، والهاء، كأنه
مصدر هَدَل هَذْلاً إذا استرخت شفتُه، وذكره الأميرُ ابن ماكولا عن أبي عبدة النَّسَّابة فقال
فيه: هَذْل بسكون الدال.
وذكر فيه ابن التَّوْمان على وزن فعلان، كأنه من لفظ الثُّوَم (٢)، وهو الدُّرُّ أو نحوه.
وفيه ابن السِّبط بكسر السين، وفيه ابن تَنْحُوم بفتح التاء وسكون النون والحاء المهملة،
وهو عِبْرانيٌّ، وكذلك عازَر، وعِزْرى بكسر العينِ من عِزري.
وقاهث، وبالتاء المنقوطة باثنتين. وهكذا وقع في نسخة الشيخ أبي بحر. وفي غيرها
بالثاء المثلثة، وكلها عِبْرَانِيَّةٌ. وكذلك إسرائيل، وتفصيله بالعربية: سَرِيُّ الله (٣).
(١) عذق: العين والذال والقاف أصلٌ واحدٌ يدل على امتداد في شيء وتعلق شيء بشيء. من ذلك
العِذْق عِذْق النخلة، وهو شمراخ من شماريخها. انظر مقاييس اللغة (٢٥٧/٤).
(٢) التّوَم: مفردة تومة بضم التاء وفتح الميم.
(٣) وقيل المؤتمر بأمر الله.
٧٣

عِزْرَى، بن هارون، بن عمران، بن يَصْهر، بن قاهث، بن لاوي، بن يعقوب - وهو
إسرائيل - بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن - صلَّى الله عليهم - عالمان راسخان في
العلم، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك، لا تفعل،
فإنك إن أبيتَ إلا ما تريد حِيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجلَ العقوبة، فقال لهما:
ولِمَ ذلك؟ فقالا: هي مُهاجَرُ نبيّ يخرج من هذا الحرّم من قريش في آخر الزمان، تكون
دارَه وقرارَه، فتناهى عن ذلك، ورأى أن لهما علمًا، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف
عن المدينة، وأتبعهما على دينهما، فقال خالد بن عبد العُزَّى بن غَزِيَّة بن عمرو بن
عبد بن عَوف بن غَنْم بن مالك بن النجار يفخر بعمرو بن طَلَّةً:
أم قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَه
أصَحا أم قد نهَى ذُكَرَه
ذكْرُكَ الشبابَ أو عُصُرَه
أم تذكَّرتَ الشّبابَ، وَما
مثلها آتى الفتى عِبَرَه
إنها حَزْبٌ رَباعِيَةٌ
إذ أتت عَذْوًا مع الزُّهَرَه
فاسألا عِمْران، أو أسدا
سُبَّغ أبدانُهَا ذَفِرَه
فَيْلقُ فيها أبو كَرِبٍ
وقوله في شعر خالد بن عبد الْعُزَّى: أصحا أم قد نهى ذُكَرَه. الذُّكَرُ: جمعُ ذُكْرَة. كما
تقول: بُكْرة وبُكَر، والمستعمل في هذا المعنى ذكرى بالألف، وقلّما يجمع فعلى على فُعَل،
وإنما يجمع على فِعال، فإن كان أراد في هذا البيت جمع: ذِكرى، وشَبَّه ألفَ التأنيث بهاءِ
التأنيث، فله وَجْةٌ: قد يحملون الشيء على الشيء إذا كان في معناه.
وقوله: ذكرُكَ الشبابَ أوْ عُصُرَه، أراد: أو عَصْره. والعَصْر والعُصُر لغتان. وحرك
الصَّاد بالضَّم (١) قال ابن جنّي: ليس شَيْءٌ على وَزْن فَعْل بسكون العين، يمتنع فيه فُعُل.
وقوله: إنها حربٌ رَبّاعِيَة. مَثَلٌ. أي: ليست بصغيرة ولا جَذَعة(٢). بل: هي فوق
ذلك، وضُرِب سنُّ الرَّباعِيَة مَثَلاً، كما يقال: حرب عَوَان(٣). لأن العَوان أقوى من الْفَتِيَّةِ
وأذرَبُ .
وقوله: عَدْوًا مع الزُّهَرَة. يريد: صَبَّحهم بغلَسٍ قبل مغيب الزُّهَرَةِ(٤) وقوله: أبدانُها ذَفِرة،
(١) العصر: أي الدهر ويجمع على أعصار وعصور وأعصر وعُصُر.
(٢) جذعة: الجذعة قبل الثني، والثني هي التي ألقت بثنيَّتها في السنة الثالثة إذا كانت من ذات الظلف
والحافر، وفي السنة السادسة إذا كانت من ذات الخف.
(٣) العوان: النض في سنّها في كل شيء.
(٤) الزهرة: يعني كوكب الزهرة.
٠
٧٤

ابني عَوْفٍ، أم النَّجَره؟
ثم قالوا: مَن نَؤُمّ بها
فيهمُ قتلى، وإنَّ تِرَه
بل بني النجَّار إنّ لنا
مدُّها كالغَبْية النَّثِره
فتلقّتهم مُسَابِفَة
يعني: الدُّروع. وذَفِرة من الذَّفَر. وهي سُطوع الرائحة طيبةً كانت، أو كريهةٌ. وأما الدَّفْرِ،
بالدال المهملة، فإنما هو فيما كره من الروائح، ومنه قيل للدنيا: أُمُّ دَفْر، وذكره القالي في
الأمالي بتحريك الفاء، وغلط في ذلك، والدَّفْرُ بالسكون أيضًا: الدفع.
وقوله: أم النَّجَرة. جمع ناجر، والناجر والنجار: بمعنى واحد، وهذا كما قيل:
المناذرة في بني الْمُنْذِر والنجار، وهم: تَيْم الله بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَجِ، وسُمّي
النجار؛ لأنه نَجَرَ وَجْهَ رجل بقدُّوم فيما ذَكَر بعضُ أهل النسب.
وقوله: فيهم قَتْلى وإنَّ تره. أظهر إن بعد الواو. أراد: إن لنا قَتْلى وَتِرَةً، والثّرة:
الْوِثْرُ، فأظهر المضمَر، وهذا البيت شاهد على أن حُروف العطف يُضْمَر بعدها العامل
المتقدِّم نحو قولك: إن زيدًا وعَمْرًا في الدار، فالتقدير: إن زيدًا، وإن عمرًا في الدار،
ودلّت الواو على ما أردت، وإن احتجتَ إلى الإظهار أظهرتَ؛ كما في هذا البيت إلاَّ أن
تكونَ الواوُ الجامعة في نحو اختصم زيد وعَمْرٌو، فليس ثمَّ إضمار لقيام الواو مقامَ صيغةٍ
التثنية، كأنك قلت: اختصم هذان، وعلى هذا تقول: طلع الشمس والقمر، فتغلّب المذكّر،
كأنك قلت: طلع هذان النيران، فإن جعلتَ الواو، هي التي تُضْمِر بعدها الفعلَ، قلتَ:
طلعت الشمسُ والقمرُ، وتقول في نفي المسألة الأولى: ما طلع الشمسُ والقمر، ونفي
المسألة الثانية: ما طلعت الشمس، ولا القمرُ تُعيد حرف النفي. لينتفي به الفعل المضمرَ.
ويتفرّع من هذا الأصل في النحو مسائل كثيرة، لا نُطَوِّلُ بذكرها.
وقوله: فتلقتهم مُسايفة بكسر الياء أي كتيبة مسايفة. ولو فتحت الياء، فقلت: مسايَفة
لكان حالاً من المصدر التي تكون أحوالاً مثل: كلّمته مُشَافَهة، ولعل هذه الحال أن يكون
لها ذكر في الكتاب، فنكشف عن سرّها، ونبيّن ما خَفِيَ على الناس من أمْرِها، وفي غير
نسخة الشيخ: فَتَلَّقَّتْهُمْ مُسابقَةٌ بالباء والقاف. والْغَبْيَةُ: الدَّفْعَةُ من المطر(١).
وقوله: الثَّثِرة أي: المنتثرة، وهي التي لا تُمْسِك ماء. وقوله: [مَلَّى] الإلله من قولهم:
(١) الغبية: الغين والباء والحرف المعتل (غبي) أصل صحيح يدل على تستّر شيء حتى لا يهتدى له.
من ذلك الغَبْية وهي الزُّبية، وسُمِيت لأن المصيد جهلها حتى وقع فيها. ومنه: غَبِيَ فلانٌ غباوة إذا
كان قليل الفطنة وهو غبن، وغبيت عن الخبر: إذا جهلته. ويقال: جاءت غَبْيَة من مطر، وذلك إذا
جاءت بظلمة واشتداد وتكاثف. مقاييس اللغة (٤١١/٤).
٧٥

ـلَّى الإلهُ قومَه عُمُرَه
فيهمُ عَمْرو بن طَلَّةَ مَـ
رامَ عَمْرًا لا يكن قَدَرَه
سَيْدٌ سامَى الملوكَ ومَنْ
وهذا الحيّ من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تُبَّع على هذا الحيّ مِنْ يهود
تَمَلَّيْتُ حينًا أي: عشت معه حينًا، وهو مأخوذ من الْمَلاَوَةِ والْمَلَوَيْنِ (١) قال ابن أخْمَر:
أمَلَّ عليها بالبلى الْمَلَوَان
ألاَ يا ديارَ الْحَيِّ بِالسَّبُعَانِ(٢)
ولا كُنَّ روعات من الْحَدَثَانِ
ألاَ يا ديارَ الْحَيِّ لا هَجْرَ بيننا
نهارٌ وليلٌ دائبٌ مَلَوَاهُما
على كُلِّ حالِ الناسِ يختلفان
معنى قول الشاعر: دائبٌ ملواهما. واٌلْمَلَوانِ: الليل والنهار. وهو مُشكل؛ لأن الشيءَ
لا يُضاف إلى نفسه. لكنه جاز ههنا لأن الْمَلاَ هو: المتَّسَعُ من الزمان والمكان، وسُمِّي
الليل والنهار: مَلَوَيْن، لانفساحهما، فكأنه وَضْف لهما، لا عبارة عن ذاتيهما؛ ولذلك جازت إضافته
إليها، فقال: دائب ملواهما أي: مداهما وانفساحهما. وقد رأيت معنى هذا الكلام في هذا
البيت بعينه لأبي عَليّ الفسوري في بعض مسائله الشيرازية.
وقوله: لا يَكُن قَدَرَه. دعاءٌ عليه: والهاء عائدة على عَمْرو. أراد لا يكن قَدَر عليه.
وحذف حرف الجر، فتعدَّى الفعل، فنصب، ولا يجوز حذف حرف الجرّ في كل فعل،
وإنما جاز في هذا، لأنه في معنى: اسْتطاعَه، أو أطَاعه، فحُمل على ما هو في معناه،
ونظائره كثيرة، والبيت الذي أنشده:
أنْ يَسُدَّ خَيْرُه خَبّلَه
ليتّ حَظْي من أبي كَرِبٍ(٣)
قال الْبَرْقِيُّ: نُسب هذا البيت إلى الأعشى، ولم يصحّ قال: وإنما هو لعجوز من بني
سالم. أحبه قال في اسمها: جميلة، قالته حين جاء مالِك بن الْعَجْلاَن بخبر تُبَّع، فدخل
سرًّا، فقال لقومه: قد جاء تُبَّع، فقالت العجوزُ البيتَ.
وقوله في حديث تُبِّع: وقومٌ يزعمون أن حَنَقَه إنما كان على هذين السِّبْطَيْن من يهودَ
يقوّي ما ذكرناه قبل هذا عنه.
(١) ملى: الميم واللام والحرف المعتل كلمة واحدة هي: الزمن الطويل. وأقام مليًّا أي دهرًا طويلاً.
وتملّيت الشيء إذا أقام معك زمانًا طويلاً. والملوان: طرفا الليل والنهار. والملاوة: الحين. مقاييس
اللغة (٣٤٦/٥).
(٢) السبعان: مکان من ديار بكر أو دیار قيس.
(٣) هو: ابن ملك كرب بها من الذي كان على اليمن سنة (٣٧٨) ميلادية.
٧٦

الذين كانوا بين أظُهُرهِم، وإنما أراد هلاكهم، فمنعوهم منه، حتى انصرف عنهم، ولذلك
قال في شعره:
حَنقا على سِبْطَيْن حَلاَّ يثربا أوْلى لهم بعقاب يوم مُفْسِد(١)
قال ابن هشام: الشعر الذي فيه هذا البيت مصنوع، فذلك الذي منعنا من إثباته.
والشعر الذي زعم ابنُ هشام أنه مصنوع قد ذكره في كتاب التيجان، وهو قصيدٌ مطوّل
أوَّلهُ:
كُجِلَتْ مَآقيها بسُمُ الأَسْوَدِ
ما بال عينك لا تنامُ، كأنما
أولى لهم بِعِقابٍ يَوْم مُفْسِدٍ
حَنَقًا على سِبْطَيْنِ حَلاَّ يَثْرِبًا
وذكر في القصيدة ذا القرنين، وهو الصَّعْبُ بن ذي مَرَائِد، فقال فيه:
وأناط عُروَةَ عِزَّه بالْفَرْقَدِ
ولقد أذل الصعب صَغْب زمانه
لم يدفع المقْدُورَ عنه قُوَّةٌ
عند الْمنُونٍ، ولا سموّ الْمختِدِ
والصنعة بادية في هذا البيت، وفي أكثر شعره، وفيه يقول:
فأتى مغارَ الشمس عند غُروبها
في عَيْنِ ذِي خُلُب وَثَأْطِ حَرْمَد
والخُلُبُ: الطينُ، والتَّأْطُ الْحَزْمدُ: وهو الْحَمَّأُ الأسْودِ، وروى نَقَلَة الأخبار أن تُبَّعًا لمّا
عمد إلى البيت يريد إخرابه رُمِيَ بداء تمخّض منه رأسُه قيحًا وصديدًا يَثُجُّ ثَجًّا، وأنْتَن، حتى
لا يستطيع أحد أن يدنو منه قید الژمح، وقيل: بل أرسلت عليه ريح گنّعتْ منه يديه ورجليه،
وأصابتهم ظلمة شديدة حتى دَفَّتْ خَيْلَهم، فسُمِّيَ ذلك المكانُ: الدُّفّ، فدعا بالحُزَاةَ(٢)
والأطباء، فسألهم عن دائِه، فهالهم ما رأوا منه، ولم يجد عندهم فَرَجًا. فعند ذلك قال له
الحبران: لعلك هممت بشيء في أمر هذا البيت، فقال: نعم أردت هَذمه. فقالا له: تُب إلى
الله مما نَوَيت فإنه بيت الله وحرمه، وأمراه بتعظيم حُرمته ففعل فبرىء من دائه، وصَحِّ من
وَجَعِه. وأخْلِقْ بهذا الخبر أن يكون صحيحًا فإن الله - سبحانه - يقول: ﴿وَمَنْ يُرِذ فيه بإلحاد
بظلم نُذِقْهُ مِنْ عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥]. أي: ومَن يُسْهم فيه بظلم. والباءُ في قوله: بظلم
تدل على صحة المعنى، وأن مَنْ هَمَّ فيه بالظلم - وإن لم يفعل - عُذّب تشديدًا في حقه
وتعظيمًا لحُرمته، وكما فعل الله بأصحاب الفيل أهلكهم قبل الوصول إليه.
(١) انظر تاريخ الطبري (٤٢٨/١).
(٢) الحزاة: جمع حازي وهو الكاهن أو الذي ينظر في النجوم ويقضي بها.
٧٧

تُبَّع يعتنق النصرانية ويدعو قومه إليها:
قال ابن إسحاق: وكان تُبَّع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فتوجّه إلى مكة،
وهي طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عُسْفان، وأمَج، أتاه نفر من هُذَيل بن
مُذْركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت
مال دائر، أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزَّبَرْجَدُ والياقوت والذهب والفضة؟ قال:
بلى، قالوا: بيت بمكة يعبده أهلُه، ويصلون عنده. وإنما أراد الْهُذَلِيُّون هلاكه بذلك،
لما عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك وَبَغَى عنده. فلما أجمَع لما قالوا، أرسل إلى
الْحِبْرَيْنِ، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القومُ إلا هلاكَك وهلاكَ جندك. ما
نعلم بيتًا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيرَه، ولئن فعلت ما دَعَوْك إليه، لتهلكنّ،
وليهلكنّ مَن معك جميعًا، قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قَدِمت عليه؟ قالا:
تصنع عنده ما يصنع أهله: تطوف به وتعظّمه وتکزّمه، وتحلق رأسك عنده وتذِلّ له،
حتى تخرج من عنده، قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا
إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكنّ أهلَه حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حولَه،
وبالدماء التي يُهْريقون عنده، وهم نَجَس أهل شرك ـ أو كما قالا له - فعرف نصحَهما
وصِدْقَ حديثهما فقرّب النفرَ من هُذَيل، فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم مضى حتى قَدِمَ
مكة، فطاف بالبيت، ونحر عنده، وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام - فيما يذكرون .
ينحر بها للناس، ويُطعم أهلها، ويسقيهم العسل، وأُرِيّ في المنام أن يكسوَ البيتَ،
فكساه الْخَصَفَ ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المّعافر، ثم أُرِيَ أن يكسوه
أحسن من ذلك، فكساه المُلاء والوصائل، فكان تُبَّع ـ فيما يزعمون - أول مَن كسا
البيت، وأوصى به وُلاتَه من جُزهم، وأمرهم بتطهيره وألاَّ يُقرّبوه دمًا، ولا ميتة، ولا
وقوله: فكسا البيتَ الخَصَفَ. جَمْعُ: خَصَفَة، وهي شيءٌ يُنسَج من الخوصِ والليف،
والخَصَفُ أيضًا: ثيابٌ غِلاظ. والخَصَفُ لغة في الخَزَف في كتاب العين. والخُضْف بضم
الخاء وسكون الصاد هو: الجَوْز (١). ويُروَى أن تُبَّعًا لمّا كسا البيتَ المسوح والأنْطَاعِ.
انتفض البيتُ فزال ذلك عنه، وفعل ذلك حين كساه الخَصَف، فلما كساه الْمُلاَءَ والوصائل
قَبِلها. وممّن ذكر هذا الخبرَ: قاسم في الدلائل. وأما الوصائل فثيابٌ موصلة من ثياب
اليمن. واحدتُها: وصِيلة.
وقوله: ولا تقربوه بمثلاَتٍ، وهي: المحائض. لم يُرِدِ النساء الحُيَّضَ؛ لأنَّ حائضًا لا
(١) انظر مقاييس اللغة (١٨٦/٢).
٧٨

مثلات، وهي المحايض، وجعل له بابًا ومفتاحًا، وقالت سُبَيعة بنت الأحَبّ، بن
زَبِينة، بن جذيمة، بن عوف، بن معاوية، بن بكر، بن هَوازِن، بن منصور، بن
عِكْرِمة، بن خَصَفة بن قيس بن عيلان وكانت عند عبد مناف، بن كعب، بن سعد، بن
تَيْم، بن مُرّة، بن كعب بن لؤيّ، بن غالب، بن فِهْر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة،
لابن لها منه يقال له: خالد: تُعَظّم عليهِ حُزْمة مكة، وتنهاه عن البغي فيها، وتذكُر تُبَّعًا
وتَذَلِّلَه لها، وما صنع بها:
أَبُنَيَّ: لا تظلِم بمكّة لا الصغيرَ ولا الكبير
واحفظ مَحارمَها بُنَيَّ ولا يغرنْك الغَروز
أَبُنَيّ: مَن يظلم بمكّة يَلق أطْرافَ الشُّروز
أَبُنيّ: يُضْرِبْ وجهُه ويلُخْ بخذّيه السّعيرُ
أُبُنيّ: قد جَرّبْتُها فوجدتُ ظالمها يبور
اللَّهُ أَمَّنها، وَمَا بُنيت بعَرْصَتها قُصوز
ولقد غزَاها تُبَّع فكسا بَنِيَّتها الحَبير
وأذلّ ربي مُلْكَه فيها فأوْفى بالتُّذُوز
يَمْشي إليها - حافِيًا بفنائها - ألفا بَعيز
يَسْقِيهِمُ العسلَ المُصَفَّى وَالرَّحيضَ من الشعيرْ
والفيل أُهلك جَيْشه يُرْمَوْنَ فيها بالصخور
والملك في أقصى البلاد وفي الأعاجم والخزير
فاسمع إذا حُدّثتَ، وافهم كيف عاقبة الأمور
قال ابن هشام: يوقف على قوافيها لا تعرب.
يجمع على محائض(١)، وإنما هي جمع مَحِيضة، وهي خِرْقة المحيض، ويقال للخرقة أيضًا:
مثلاة، وجمعها: المآلي قال الشاعر(٢):
وأنواحًا عليهنّ المالي
كأن مُصَفّحَاتٍ(٣) في ذُرَاهُ
(١) المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا فهي حائض وحائضة وجمعها: حوائض وحيض.
(٣) المصفحات: السيوف.
(٢) هو: لبيد.
٧٩

أصل اليهودية باليمن:
ثم خرج منها متوجهًا إلى اليمن بمَن معه من جنوده وبالْحَبْرَيْنِ حتى إذا دخل اليمن
دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبَوْا عليه، حتى يحاكموه إلى النار التي كانت
بالیمن.
قال ابن إسحاق: حدّثني أبو مالك بن ثَعْلَبة بن أبي مالك القُرَظي، قال: سمعت
إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدّث: أن تُبَّعًا لمّا دنا من اليمن ليدخلها حالت
حِمْيَرُ بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت دينَنَا، فدعاهم إلى دينه
وقال: إنه خير من دينكم، فقالوا: فحاكمنا إلى النار. قال نعم. قال: وكانت باليمن
- فيما يزعم أهل اليمن - نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالمَ ولا تضرّ
المظلوم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في
أعناقهما متقلّدَنْها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه، فخرجت النار إليهم،
فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذَمَرهم مَنْ حضرهم من الناس، وأمروهم
بالصبر لها، فصبروا حتى غَشِيَتْهم، فأكلت الأوثانَ وما قرّبوا معها، ومَنْ حمل ذلك من
وهي هنا خِرَقْ تمسكهنّ النوّاحات بأيديهنّ، فكان المثلاتُ كلَّ خِرْقةٍ دَنِسةٍ لحيضٍ
كانت، أو لغيره وَزْنها مِفْعَلة من ألَوْتُ: إذا قَصَّرت وضيَّعت، وجعلها صاحب العين في
باب الإليّة والأَّلِيَّة، فلام الفعل عنده ياء على هذا، والله أعلم، ويُروَى في هذا الموضع:
مثلاثًا بثاءٍ مثلثة، ومن قوله حين كسا البيت:
مُلاَءٌ مُعَضّدًا وبرودا(١)
وكَسَونا البيت الذي حَرَّم اللَّهُ
وجعلنا لبابه إقْلِيدا(٢)
فأقمنا به من الشهر عَشْرًا
فترى الناسَ نحوهنّ ورودا
ونحرنا بالشّعب سنَّةَ ألْفٍ
ثم سرنا عنه نؤمُ سُهَيلاً
فرفعـنـا لواءنا معقودا
وقال القُتَبِيُّ، كانت قصة تُبَّع قبل الإسلام بسبعمائةٍ عامٍ (٣).
وقوله بنت الأحَبّ بالحاء المهملة ابن زَبِينَةً: بالزاي والباء والنون: فَعِيلة من
(١) برودًا: نوع من الثياب المخططة.
(٢) إقليدًا: أي مفتاحًا.
(٣) وقيل قيله بأقل من ذلك.
٨٠