Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته أبو الحجاج فسلّم عليه ، وقال له : إنه ذاهب إلى أمير المؤمنين ، فهل من حاجة لك عنده ؟ قال : نعم تساله أن يعزلني عن القضاء . فقال : سبحان الله !! والله لا أعلم قاضياً اليوم خيراً منك. ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه : يا أبة أتقوم إلى رجل من تُجيب وأنت ثقفي ؟ فقال له : يا بني والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله . فقال : والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله ، فقال : ولم يا بني ؟ قال : لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر ، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئاً عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه ، ولا يرون طاعته ، والله لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله . فقال له أبوه : يا بني والله إني لأظن أن الله عزَّ وجلَّ خلقك شقياً . وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة١) وأنه كان ذا فراسة صحيحة ، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك . قالوا : وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين ، وقيل في سنة أربعين ، وقيل في سنة إحدى وأربعين(٢) . ثم نشأ بلباب(٣) فصيحاً بليغاً حافظاً للقرآن ، قال بعض السلف : كان الحجاج يقرأ القرآن في كل ليلة٤) . وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري ، وكان الحسن أفصح منه(٥) . وقال الدارقطني(٦): ذكر سليمان بن أبي شيخ(٧) ، عن صالح بن سليمان قال : قال عتبة بن عمرو : ما رأيت عقول الناس إلا قريباً بعضها من بعض ، إلا الحجاج وإياس بن معاوية ، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس . وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت ، ولا تمكن ابن (١) قال ابن قتيبة في المعارف ( ص ١٧٣ ) : فأما يوسف - والد الحجاج - فولي لعبد الملك بعض الولاية وكان معه بعض الألويةيوم قاتل الحنيف بن السجف جيش بن دلجة . (٢) انظر ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (١١٥/١٢) في الخلاف في سنة مولد الحجاج . (٣) في ط : شاباً لبيباً . (٤) تاريخ دمشق ( ١١٦/١٢) . (٥) تاريخ دمشق ( ١١٦/١٢ -١١٧ ). تاريخ دمشق ( ١١٧/١٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٥٢/٤) وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - (٦) ١٠٠ / ص٣١٦) . (٧) في ط : منيح ؛ تحريف ، والتصويب من ب وتاريخ دمشق . ٣٠٢ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته الزبير ومن عنده من الوقوف بعرفة ، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين فقتله كما قدمنا ، وأقام للناس الحج أيضاً في سنة أربع وسبعين(١) ، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن ، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر بن مروان ، فدخل على أهل الكوفة كما ذكرنا ، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلاً ، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة . وفتح فيها فتوحات كثيرة ، هائلة منتشرة ، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند ، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم ، ووصلت خيوله أيضاً إلى قريب من بلاد الصين ، وجرت له فصول قد ذكرنا منها طرفاً جيداً . ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والإقدام ، والتهاون في الأمور العظام ، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله ، مما ساقه الحافظ ابن عساكر(٢) وغيره : فروى أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه : أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيّب - وذلك قبل أن يلي شيئاً - فجعل يرفع قبل الإمام ويقع قبله في السجود ، فلما سلّم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره ، ثم أقبل عليه سعيد فقال له : يا سارق يا خائن ، تصلي هذه الصلاة ، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك . فلم يرد عليه، ثم مضى الحجاج إلى الحج ، ثم رجع فعاد إلى الشام ، ثم جاء نائباً على الحجاز . فلما قتل ابن الزُّبير كَرَّ راجعاً إلى المدينة نائباً عليها ، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيّب ، فقصده الحَجّاج فخشي الناس على سعيد منه ، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له : أنت صاحب الكلمات ؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال : نعم ! قال : فجزاك الله من معلم ومؤدب خيراً ، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك . ثم قام ومضى . وروى الرّياشي ، عن الأصمعي وأبي زيد ، عن معاذ بن العلاء - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال: لما قتل الحجّاج ابن الزبير ارتجّت مكة بالبكاء ، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه : يا أهل مكة ! بلغني إكباركم قتل ابن الزبير ، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة ، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها ، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله ، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الجنة ، إن الله خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وأباح له كرامته ، وأسكنه جنته ، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته ، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة ، اذكروا الله يذكركم(٣) . (١) ساق ابن عساكر هذا الخبر بالسند في تاريخه (١٢/ ١١٧). (٢) تاريخ دمشق (١١٩/١٢) وتهذيبه (٥٢/٤ - ٥٣). (٣) تاريخ دمشق (١٢٠/١٢). ٣٠٣ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا إسحاق بن يوسف، نبأنا عوف (٢) ، عن أبي الصدّيق النّاجي: أن الحَجّاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال : إن ابنك ألحد في هذا البيت ، وإن الله أذاقه من عذاب أليم ، وفعل [ به ما فعل] . فقالت : كذبتَ ، كان براً بوالديه ، صواماً قواماً ، والله لقد أخبرنا رسول الله وَ لقر ((أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير)). ورواه أبو يعلى(٣) : عن وهب بن بقية ، عن خالد ، عن عوف ، عن أبي الصديق . قال : بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله . وقال أبو يعلى : حدّثنا زهير ، حدّثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن قيس بن الأحنف ، عن أسماء بنت أبي بكر . قالت : سمعت رسول الله نهى عن المثلة . وسمعته يقول : (( يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير)) . قالت فقلت للحجاج : أما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير فأنت هو يا حجاج . وقال عبد بن حُميد : أبنا يزيد بن هارون ، أبنا العوام بن حوشب ، حدّثني من سمع أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق تقول للحجّاج حين دخل عليها يعزّيها في ابنها: سمعت رسول الله وَال ، يقول: (( يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب)) . فأما الكذاب فابن أبي عبيد - تعني المختار - وأما المبير فأنت(٤) . وتقدم في صحيح مسلم(٥) من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه . وقد رواه غير أسماء عن النبي وَّل فقال أبو يعلى(٦): حدّثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدّثنا وكيع حدَّثتنا أم غراب، عن امرأة يقال لها عقيلة، عن سلامة بنت الحر قالت قال رسول الله وَ ل: ((في ثقيف كذاب ومبير )) . تفرّد به أبو يعلى . وقد روى الإمام أحمد(٧) : عن وكيع عن أم غراب - واسمها طلحة - عن عقيلة عن سلامة حديثاً آخر في الإمامة في الصلاة ، وأخرجه أبو داود وابن ماجه (٨). ورُوي من حديث ابن عمر فقال أبو يعلى(٩): حدّثنا أمية بن بسطام ، حدّثنا يزيد بن زريع ، حدّثنا إسرائيل، حدّثنا عبد الله بن عصمة قال: سمعت ابن عمر ((أنبأنا رسول الله وَّل أن في ثقيف مبيراً وكذاباً)) (١) مسند الإمام أحمد (٣٥١/٦) وهو حديث صحيح وأخرجه ابن عساكر من طريق الإمام أحمد في تاريخه ( ١٢ / ١٢١). (٢) فى ط ، أ : عون ؛ تحريف ، والتصحيح من ب والمصادر. (٣) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر (١٢ / ١٢١) . (٤) أخرجه ابن عساكر (١٢ /١٢٢) من طريق عبد بن حميد . (٥) صحيح مسلم رقم ( ٢٥٤٥) في فضائل الصحابة . (٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢٢/١٢). (٧) مسند الإمام أحمد (٣٨١/٦) وإسناده ضعيف. سنن أبي داود رقم (٥٨١) في الصلاة ، وسنن ابن ماجه رقم (٩٨٢) في إقامة الصلاة. (٨) (٩) مسند أبي يعلى الموصلي (١٢٥/١٠ - ١٢٦) رقم (٥٧٥٣). ٣٠٤ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته وأخرجه الترمذي(١) من حديث شريك ، عن عبد الله بن عصم ويقال عصمة . وقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك . وقال الشافعي : حدّثنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن نافع : أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى ، فكان يصلي مع الحجاج(٢) . وقال الثوري : عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه دخل على الحَجّاج فلم يسلّم عليه ولم يكن يصلي وراءه . وقال إسحاق بن راهويه : أبنا جرير ، عن القعقاع بن الصَّلْت قال : خطب الحجاج فقال : إن ابن الزبير غيّر كتاب الله ، فقال ابن عمر : ما سلطه الله على ذلك ، ولا أنت معه ولو شئت أقول : كذبتَ لفعلتُ(٣). وروي عن شهر بن حوشب وغيره أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول : الصلاة الصلاة مراراً ، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس ، فصلّى الحجاج بالناس ، فلما انصرف قال لابن عمر : ما حملك على ذلك ؟ فقال : إنما نجيء للصلاة فصلّ الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه (٤) . وقال الأصمعي: سمعت عمي يقول: بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخاً خارجاً من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة، فقال: بشر حال، قتل ابن حواريّ رسول الله وَله، فقال الحجاج: ومن قتله ؟ فقال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته، من قليل المراقبة لله . فغضب الحجاج غضباً شديداً ثم قال : أيها الشيخ ! أتعرف الحجاج إذا رأيته ؟ قال : نعم ! فلا عرفه الله خيراً ولا وقاه ضراً . فكشف الحجاج عن لثامه وقال : ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة . فلما تحقق الشيخ الجد قال: والله إن هذا لهو العجب يا حجاج ، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة ، أنا العباس بن أبي ثور(٥) ، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج: انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه(٦) . وقال الإمام أحمد(٧) : حدّثنا عبد الصمد ، حدّثنا حماد بن سلمة ، عن ابن أبي رافع ، عن (١) الجامع الصحيح للترمذي رقم (٢٢٢٠) في الفتن، ورقم (٣٩٤٤) في المناقب وأخرجه أحمد في مسنده (٢٦/٢ و٩١ و٩٢) من طريق شريك ، به ، وهو حديث صحيح بشواهده . (٢) تاريخ دمشق (١٢/ ١٢٣). الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٠٤/٦) وتهذيبه (٥٤/٤) وتاريخ الذهبي (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣١٧) (٣) وفيه : ثم بقبق ما شئت بعد من بقبقة . (٤) مختصر تاريخ دمشق (٢٠٤/٦) وفيه : ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة . وبق الرجل يبقّ وأبق وبقبقة : كثر كلامه . اللسان ( بقّ ) . (٥) في أ، ط : داود ؛ خطأ ، والتصحيح من المصادر . (٦) تاريخ دمشق (١٥٢/١٢ - ١٥٣) ومختصر تاريخ دمشق (٢١٢/٦ -٢١٣). مسند الإمام أحمد (٢٠٦/١) وتاريخ دمشق (١٢٥/١٢) بسنده إلى أحمد وإسناده حسن. (٧) ٣٠٥ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته عبد الله بن جعفر أنه زوج ابنته من الحجاج بن يوسف فقال لها : إذا دخل بك فقولي : لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد الله رب العالمين - وزعم أن رسول الله وح لو كان إذا حزبه أمر قال هذا - قال حماد: فظننت أنه قال: فلم يصل إليها(١) . قال الشافعي : لما تزوج الحجاج بنت عبد الله بن جعفر(٢) قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك : أتمكنه من ذلك ؟ فقال : وما بأس من ذلك . قال : أشد الناس والله ، قال : وكيف ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير ، قال : وكأنه كان نائماً فأيقظه ، فكتب إلى الحَجّاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها . وقال سعيد بن أبي عروبة : حَجَّ الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة فأتي بغدائه فقال لحاجبه : انظر من يأكل معي ، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله وقال : أجب الأمير ، فقام فلما دخل على الحجاج قال له : اغسل يديك ثم تغدّ معي ، فقال : إنه دعاني من خير منك ، قال : ومن ؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته ، قال : في هذا الحَرِّ الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حراً منه ، قال : فأفطر وصم غداً ، قال : إن ضمنت لي البقاء لغدٍ . قال : ليس ذلك لي ، قال : فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إن طعامنا طعام طيب ، قال: لم تطيبه أنت ولا الطّباخ، إنما طيبته العافية (٣). فصل قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة ، وتهديده ووعيده إياهم ، وأنهم خافوه مخافة شديدة ، وأنه قتل عمير بن ضابىء ، وكذلك قتل كُميل بن زياد صبراً ، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدّمنا ، ذكره من ظفره به بعد المطاولة والمقاتلة وتسلطه على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعبّاد والقراء [ حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير ] . قال القاضي المعافى بن زكريا : حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد الكلبي ، حدّثنا محمد بن زكريا الغَلاَّبي ، حدّثنا محمد - يعني ابن عبد الله بن عباس - عن عطاء - يعني ابن مصعب - عن عاصم قال : خطب الحَجَّاج أهل العراق بعد دير الجماجم ، فقال : يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللّحم والدم ، والعصب والمسامع، والأطراف (٤) ، ثم أفضى إلى الأسماخ(٥) والأمخاخ والأشجاع ، ثم ارتفع فعشش ، ثم باض وفرخ ، ثم دب ودرج . فَحَشاكم نفاقاً وشقاقاً ، وأشعركم خلافاً ، اتخذتموه (١) من قوله : أنه زوج ابنته ... إلى هنا ساقط من ط. (٢) من قوله: قال الشافعي .. إلى هنا ساقط من ط. والخبر بتمامه في تاريخ دمشق (١٢٥/١٢). (٣) تاريخ دمشق (١٢٥/١٢ -١٢٦) ومختصره (٢٠٥/٦). في العقد الفريد (١٥٢/٢): والأعضاء والشغاف. والمثبت يوافق تاريخ دمشق . (٤) (٥) في العقد الفريد (٢/ ١٥٢) والبيان والتبيين للجاحظ (١٢٠/٢): الأصماخ. ٣٠٦ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته دليلاً تتبعونه ، وقائداً تطيعونه ، ومؤتمناً تشاورونه وتستأمرونه ، فكيف تنفعكم تجربة ، أو ينفعكم بيانُ(١) ؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر ، واتفقتم على الكفر ، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته ، وأنا والله أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذاً ، وتنهزمون سراعاً . ويوم الزاوية وما يوم الزاوية ، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتجادلكم وبراءة الله منكم ، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع ، لا يسأل المرء منكم عن أخيه ، ولا يلوي الشيخ على بنيه ، حين عضكم السلاح ، ونَخَستكم الرماح . ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم ، بها كانت المعارك والملاحم : ويذهل الخليل عن خليله (٢) بضرب يُزيل الهام عن مقيله يا أهل العراق يا أهل الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد الخترات(٣) ، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم ، وإن أمنتم أرجفتم ، وإن خفتم نافقتم ، لا تذكرون نعمة ، ولا تشكرون معروفاً ، هل استخفكم ناكث ، أو استغواكم غاو ، أو استنفركم عاصٍ ، أو استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع ، إلّ لبيتم دعوته ، وأجبتم صيحته ، ونفرتم إليه خفافاً وثقالاً ، وفرساناً ورجالاً . يا أهل العراق هل شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره ؟ يا أهل العراق ألم تنفعكم المواعظ ؟ ألم تزجركم الوقائع ؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته ، ويذقكم حر سيفه ، وأليم بأسه ومثلاته ؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال : يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها القذر(٤) ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنها من المطر ، ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذباب . يا أهل الشام! أنتم الجُبَّةُ والرِّداء ، وأنتم الملاءة والحذاء ، أنتم الأولياء والأنصار ، والشعار دون الدثار ، بكم يُذب عن البيضة والحوزة ، وبكم ترمى كتائب الأعداء ويهزم من عاند وتولى (٥) . قال أبو بكر بن أبي الدنيا(٦) : حدّثني محمد بن الحسين ، حدّثنا عبيد الله بن محمد التميمي: سمعت شيخاً من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال : كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لَسِناً - إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها ، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والمرور ، ثم (١) في العقد الفريد زيادة : أو تعظكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو يردكم إيمان . (٢) في تهذيب تاريخ دمشق (٥٨/٤): ضرب يقيل الهمام عن مقيله . والمثبت يوافق التاريخ. (٣) فى ط : يا أهل الفجران بعد الكفران والغدران بعد الخذلان ... ؛ وما أثبت يوافق العقد الفريد وتاريخ دمشق وتهذيب تاريخ دمشق . (٤) في العقد الفريد (٢/ ١٥٢): المدر، وفي تهذيب تاريخ ابن عساكر (٥٨/٤): القذف . والظليم : ذكر النعام . والرامح : المدافع . (٥) عقد ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٣٥ - ١٣٩) فصلاً لشرح المغلق من كلمات خطبة الحجاج ، وانظر تهذيب تاريخ دمشق (٤ /٥٩ - ٦٢ ). (٦) تاريخ دمشق (١٢/ ١٤٠) بسنده إلى ابن أبي الدنيا. ٣٠٧ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها ، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها ، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور . ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ : [ ألا أيها ] الرجل وكلكم ذاك الرجل ، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله ، وكفها بزمامها عن معاصي الله ، رحم الله امرأً رد نفسه ، امرأً اتهم نفسه ، امرأً اتخذ نفسه عدوة ، امرأً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره ، امرأً نظر إلى ميزانه ، امرأً نظر إلى حسابه ، امرأً وزن عمله ، امرأً فكر فيما يقرأ غداً في صحيفته ويراه في ميزانه ، وكان عند قلبه زاجراً ، وعند همه آمراً ، امرأً أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله ، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه ، وإن قاده إلى معصية الله كف ، امراً عقل عن الله أمره ، امرأً فاق واستفاق ، وأبغض المعاصي والنفاق ، وكان إلى ما عند الله بالأشواق . فما زال يقول امرأً امراً ، حتى بكى مالك بن دينار(١) وقال المدائني : عن عوانة بن الحكم قال : قال الشَّعبي : سمعت الحجاج تكلّم بكلام ما سبقه إليه أحد ، يقول : أما بعد فإن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، فلا فناء لما كتب عليه البقاء ، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء . فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة ، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل(٢) . وقال المدائني : عن أبي عبد الله الثقفي ، عن عمه قال : سمعت الحسن البصري يقول : وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد : إن امرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له الحريّ أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة(٣) . وقال شريك القاضي ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : قال الحجاج يوماً : من كان له بلاء أعطيناه على قدره ، فقام رجل فقال : أعطني فإني قتلت الحسين ، فقال : وكيف قتلته ؟ قال : دسرته بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً ، وما أشركت معي في قتلته أحداً . فقال : اذهب فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد ، ولم يعطه شيئا٤ً) . وقال الهيثم بن عدي : جاء رجل إلى الحجاج فقال : إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري ، فقال الحجاج ، أما سمعت قول الشاعر : (٢) (١) الخطبة في تاريخ دمشق (١٢ /١٤٠ -١٤١) والعقد الفريد (١٥٣/٢). تاريخ دمشق (١٤٢/١٢) وذكر المسعودي نحوها في مروج الذهب (١٨٥/٣) .. (٣) تاريخ دمشق ( ١٤٣/١٢). الخبر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٤٣) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (٦٣/٤ - ٦٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - (٤) ١٠٠ / ص٣١٩) . ٣٠٨ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته تعدَّي الصِّحاعَ مَباركُ الجَرَبِ جانَيْكَ مَن يجني عليكَ وَقْد١ُ) ونجا المُقارفُ صاحبُ الذنْبِ ؟ ولربَّ مأخوذٍ بذنبٍ قَريبهِ فقال الرجل : أيها الأمير ! إني سمعت الله يقول غير هذا [ وقول الله أصدق من هذا ] قال : وما قال ؟ قال ﴿قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ: أَبَّ شَيْخًا كَبِيرًاً فَخُذْ أَ حَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (3) قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ: إِنََّ إِذَا لَّظَلِمُونَ﴾ [ يوسف: ٧٨ - ٧٩] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره ، وأعطه عطاءه ، ومرْ منادياً ينادي : صدق الله وكذب الشاعر . وقال الهيثم بن عدي : عن ابن عباس : كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إليّ برأس أسلم بن عبد البكري لما بلغني عنه ، فأحضره الحجاج فقال : أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب ، وقال الله تعالى: ﴿ يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَيَُّواْ أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾ [الحجرات: ٦] وما بلغه باطل ، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهنّ بالباب ، فأمر الحجاج بإحضارهن ، فلما حضرن جعلت هذه تقول : أنا خالته ، وهذه أنا عمته ، وهذه أنا أخته ، وهذه أنا زوجته ، وهذه أنا بنته ، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة ، فقال لها الحجاج : من أنت ؟ فقالت : أنا ابنته ، ثم قالت : أصلح الله الأمير ، وجثت على ركبتيها وقالت : وعماتهِ يندبنهُ الليلَ أجمعا أحجّاجُ لم تشهد مقامَ بناتهِ ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا أحجاجُ كم تقتلْ بهِ إن قتلتهُ علينا فمهلاً إنْ تزدنا تضعضعا أحجاجُ من هذا يقوم مقامهُ علينا وإما أن تُقَتِّلنا معا أحجاج إما أن تجودَ بنعمةٍ قال : فبكى الحجاج وقال : والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعاً ، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرَّجل ، وبما قالت ابنته هذه ، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه وحسن صلته وبالإحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت (٢) . [ وقيل : إن الحجاج خطب يوماً فقال : أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله . فقام إليه رجل فقال له : ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياءك ، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام ؟ خبث وضل سعيك ، فقال للحرس خذوه ، فلما فرغ من خطبته قال له : ما الذي جرأك عليّ ؟ فقال : ويحك يا حجاج ، أنت تجترىء على الله ولا اجترىء أنا عليك ، ومن أنت حتى لا أجترىء عليك وأنت تجترىء على الله رب العالمين ، فقال: خلوا سبيله ، فأطلق (٣) (١) في ابن عساكر وتهذيبه : جانيك من يجني عليك وقد . (٢) الخبر في تاريخ دمشق (١٤٥/١٢ - ١٤٦) وتهذيب ابن عساكر (٦٤/٤ - ٦٥). (٣) ما بين معكوفين زيادة من ط ، والخبر في تاريخ ابن عساكر التهذيب (٦٣/٤) ووفيات الأعيان (٣١/٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣١٩). ٣٠٩ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته وقال المدائني : أُتي الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن الأشعث فأمر بقتلهما ، فقال أحدهما : إن لي عندك يداً ، قال : وما هي ؟ قال : ذكر ابن الأشعث يوماً أمك فرددت عليه ، فقال : ومن يشهد لك ؟ قال : صاحبي هذا! فسأله ، فقال : نعم ! فقال : ما منعك أن تفعل كما فعل ؟ قال : بغضك ، قال : أطلقوا هذا لصدقه ، وهذا لفعله (١) وحكى الواقدي أن الحجاج نادى في البلد : أي من خرج من بعد العشاء الآخرة من بيته قتل ، فأُتي ليلة برجل ، فقال : ما أخرجك من بيتك هذه الساعة من بعدما سمعت المنادي ؟ فقال : أما والله إني لا أكذب الأمير ، إن أمي مريضة هالكة ، وأنا عندها منذ ثلاثة أيام ، فلما كانت الساعة أفاقت وقالت : يا بني إني أعزم عليك إلا ما مضيت إلى أهلك وأولادك ، فإنهم مغمومون بتخلفك عنهم ، فخرجت من عندها فأخذني العسس ، وأتوا بي إليك ، فقال الحجاج : ننهاكم وتعصونا ، ثم أمر به فضربت عنقه ، قال : ثم أتى تاجر ، فقال له الحجاج : ما أخرجك هذه الساعة ؟ فقال : والله ما أكذبك إنه كان عندي لرجل دراهم ، فأقعدني على بابه ولزمني ، وقال : لا أفارقك إلا بحقي ، فلما كان هذه الساعة دخل إلى منزله ، وأغلق بابه ، وتركني على بابه ؛ فجاءني طائفك فأخذني إليك ، فقال الحجاج : اضربوا عنقه ، قال : ثم أتي بآخر ، فقال له : ما أخرجك هذه الساعة ؟ فقال : كنت أشرب مع قوم فلما سكرت خرجت من عندهم ، وأنا لا أدري ، فأخذوني إليك . فقال الحجاج لرجل كان عنده : ما أراه إلا صادقاً ، ثم قال: خلوا سبيله ، فخلّوا سبيله (٢) . وذكر محمد بن زياد عن ابن الأعرابي فيما بلغه أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك وكان فاتكاً بأرض اليمامة ، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه ، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج ، فقال له الحجاج : ما حملك على ما كنت تصنعه ؟ فقال : جراءة الجنان ، وجفاء السلطان ، وكَلَب الزمان ، ولو اختبرني الأمير لوجدني من صالح الأعوان ، وشهم الفرسان ، ولوجدني من أصلح رعيته ، ذلك أني ما لقيت فارساً قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدراً ، فقال له الحجاج : إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر ، فإن قتلك كفانا مؤنتك ، وإن قتلته خلينا سبيلك . ثم أودعه السجن مقيداً مغلولة يده اليمنى إلى عنقه ، وكتب الحجاج إلى نائبه بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعاراً يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو ويقول في بعضه: وإيانا فذاكَ بنا تداني أليسَ الليلُ يجمعُ أمّ عمرو ويعلوها النهائ إذا علاني بلى وترى الهلالَ كما نراهُ تاريخ دمشق (١٢/ ١٤٦) وتهذيب تاريخ دمشق (٦٥/٤). (١) (٢) القصة بكاملها ساقطة من ط، ب وهي في تاريخ دمشق (١٧٨/١٢ - ١٧٩) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٠/٤) عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل عنبسة بن سعيد عن بعض ما رأى من عجائب الحجاج . وذكرها الذهبي بهذا السند . ٣١٠ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته إذا جاوزتما نخلات نجد وأوديةَ اليمامةِ فانعياني يحاذرُ وقعَ مصقولٍ يماني وقولا جحدرٌ أمسى رهيناً فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوِّع ثلاثة أيام ، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها ، وأعطي سيفاً في يده اليسرى ، وخلي بينه وبين الأسد ، وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة ، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول : كلاهما ذو أنفٍ ومحكِ لیثٌ ولیثٌ في مجالٍ ضنكِ إنْ يكشفِ الله قناعَ الشكٌّ وشدةٍ في نفسهِ وفتكِ فهوَ أحقُّ منزلٍ بتركِ فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة وتمطى وأقبل نحوه فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة فتلقّاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته ، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح ، من شدة الضربة ، وسقط جحدر من شدة وثبة الأسد ولموضع القيود عليه ، فكبّر الحجاج وكبّر أصحابه وأنشأ جحدر يقول : في يوم هولٍ مسدفٍ وعجاجٍ يا جُملُ إنكِ لو رأيتِ کریھتي وتقدُّمي لليثِ أرسفُ موثَقاً شئنٌ براثنُه كأنَّ نيوبهُ یسمو بناظرتین تحسبُ فيهما وكأنما خيطت عليهِ عباءةٌ لعلمتِ أني ذو حفاظٍ ماجدٍ ثم التفت إلى الحجاج وقال : كيما أساورهُ على الأخراجِ زرقُ المعاولِ أو شباةٌ زجاجٍ لهباً أحدّهما شعاعُ سراجٍ برقاء أو خرقا منَ الديباجِ منْ نسلِ أقوامٍ ذوي أبراجٍ إني لخيرك يا بن يوسف راج إذ لا يثقن بغيرة الأزواج إني من الحجاج لست بناجي(١) ولئن قصدت إلى المنية عامداً علم النساء بأنني لا أنثني وعلمت أني إن كرهت نزاله فعند ذلك خيّره الحجاج إن شاء أقام عنده ، وإن شاء انطلق إلى بلاده ، فاختار المقام عند الحجاج ، فأحسن جائزته وأعطاه أموال٢ً) . وأنكر يوماً أن يكون الحسين من ذرية رسول الله وَّ لقر لأنه ابن بنته ، فقال له يحيى بن يعمر : كذبتَ ! (١) الأبيات الثلاثة ساقطة من ط. تاريخ دمشق ( ١٤٨/١٢ - ١٥٠). (٢) ٣١١ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته فقال الحجاج : لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال قال الله: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ [الأنعام: ٨٤ ] إلى قوله ﴿ وَزَّكَرِتَا وَيَحْنَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله مثله . فقال الحجاج : صدقت ، ونفاه إلى خراسان(١) وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر ، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه ، وكان يقرأ [ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ] إلى قوله [ أحب إليكم ] فيقرؤها برفع أحب . وقال الأصمعي وغيره : كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد ، فقال للرسول : أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده ؟ قال : نعم ! فكتب الحجاج إلى عبد الملك : أما أمس فأجل ، وأما اليوم فعمل ، وأما غداً فأمل(٢) وقال ابن دريد (٣) : عن أبي حاتم السجستاني ، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى. قال : لما قَتَل الحجاج ابن الأشعث ، وصَفت له العراق ، وسّع على الناس في العطاء ، فكتب إليه عبد الملك : أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر ، ثم قال منشداً : عليك بتقوى الله في الأمرِ كلهِ ووفّر خراجَ المسلمينَ وفيئهم فكتب إليه الحجاج : لعمري لقد جاء الرسولُ بكتبكم كتابٌ أتاني فيهِ لينٌّ وغلظةٌ وكانتْ أمورٌ تعتريني كثيرةٌ إذا كنتَ سوطاً من عذابٍ عليهمُ أيرضى بذاكَ الناسُ أو يسخطونهُ وكانَ بلاد جئتها حينَ جئتها وكنْ يا عبيدَ الله(٤) تخشى وتضرعُ وكنْ لهمُ حصناً تجيرُ وتمنعُ قراطيسُ تملا ثم تطوى فتطبعُ وذكرتُ والذكرى لذي اللّبِّ تنفعُ فأرضخُ أو أعتلُّ حيناً فأمنعُ ولمْ يك عندي بالمنافعِ مطمعُ أم احمد فيهمْ أمْ أُلام فَأقذعُ بها كلُّ نيرانِ العداوةِ تلمعُ (١) القصة متأخرة في أ، ب وهي في تاريخ دمشق (١٢ / ١٥١ - ١٥٢) وتهذيب ابن عساكر (٦٨/٤) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣١٩). تاريخ دمشق ( ١٢/ ١٥٣) . (٢) (٣) الخبر أخرجه ابن عساكر بسنده إلى ابن دريد (١٥٣/١٢ - ١٥٤). (٤) في تاريخ دمشق : وكن لوعيد الله . ٣١٢ ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته أصارع حتى كدتُ بالموتِ أصرعُ فقاسيتُ منها ما علمتَ ولم أزلْ وكم أرجفوا منْ رجفةٍ قد سمعتها ولو كانَ غيري طارَ مما يروّعُ حسرت لهمْ رأسي ولا أتقنَّعُ وكنت إذا هموا بإحدى هناتهم تقسمَ أعضائي ذئابٌ وأَضْبُعُ فلو لمْ يذد عني صناديد منهمُ قال : فكتب إليه عبد الملك : أن اعمل برأيك(١). وقال الثوري : عن محمد بن المستورد الجُمَحي قال : أُتي الحَجّاج بسارق فقال له : لقد كنت غنياً أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضواً من أعضائك ، فقال الرجل : إذا قلّ ذات اليد سخت النفس بالمتالف . قال : صدقت والله لو كان حسن اعتذار يبطل حداً لكنتَ له موضعاً . يا غلام سيف صارم ورجل قاطع ، فقطع يده (٢) . وقال أبو بكر بن مجاهد : عن محمد بن الجَهْم ، عن الفَرّاء قال : تغدّى الحجاج يوماً مع الوليد بن عبد الملك ، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ(٣) فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت ، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (٤) ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ﴾ [ هود: ٨٨]. وقال عمر بن شَبّة : عن أشياخه قال : كتب عبد الملك إلى الحَجّاح يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال ، وسفك الدماء ، ويقول : إنما المال مال الله ونحن خزّانه ، وسيان منع حق أو إعطاء باطل . وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات : وتطلب رضائي في الذي أنا طالبهُ إذا أنتَ لم تترك أموراً كرهتها إلى الله منهُ ضَيّعَ الدُّرَّ جالبهْ وتخشى الذي يخشاهُ مثلكَ هارباً فياربما قد غصَّ بالماءِ شارية فإنْ ترَ مني غفلةٌ قُرشيّةٌ فهذا وهذا كله أنا صاحبه وإنْ ترَ مني وثبةً أمويةً تقمْ فاعلمنْ يوماً عليكَ نوادبه(٥) فلا تعدُ ما يأتيكَ مني فإنْ تعدْ (١) الخبر مع الشعر في تاريخ دمشق (١٥٣/١٢ - ١٥٤) وتهذيبه (٦٩/٤). (٢) تاريخ دمشق ( ١٢ / ١٥٥) . وفي حاشية ط : ما يُسمى في هذا العصر نبيذاً، هو الخمر المحض، وهو غير ما كان سلفنا يسميه نبيذاً. والنبيذ (٣) عندهم : هو التمر أو الزبيب يترك عليه الماء . ويسمونه بعد ذلك نبيذاً سواء أسكر أو لم يسكر وفي كلتا الحالتين ، فإنه أشبه بعصير القصب اليوم ، إن لم يكن دونه . (٤) المصدر نفسه . (٥) في مروج الذهب للمسعودي ( ٣/ ١٣٤): ولا تعدُ ما يأتيك مني وإن تعُدْ يقوم بها يوماً عليك نوادبه ٣١٣ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة فلما قرأه الحجاج كتب : أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرَفي في الأموال ، والدماء ، فوالله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية ، ولا قضيت حق أهل الطاعة ، فإن كان ذلك سرفاً فليحدّ لي أمير المؤمنين حداً أنتهي إليه ولا أتجاوزه ، وكتب في أسفل الكتاب : أذاكَ فيومي لا توارت (١) كواكبةْ إذا أنا لمْ أطلبْ رضاكَ وأتقي فقامتْ عليه في الصباح نوادبه إذا قارفَ الحجاج فيك خطيئة ومِنْ لا تسالمهُ فإني محاربة أُسالمُ من سالمت من ذي هوادةٍ وأُقصِ الذي تسري إليَّ عقاربه إذا أنا لمْ أُدنِ الشفيقَ لنصحهِ على ما أرى والدهرُ جمّ عجائبه(٢) فمن يتقي يومي ويرجو إذا عدى وعن الشافعي أنه قال : قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه : هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئاً ؟ فسأله كما أمره ، فقال : والله ما أحب أن لي لبنان أو سنير(٣) ذهباً أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلاني الله من الطاعة (٤) . والله سبحانه وتعالى أعلم . فصل فيما رُوي عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال أبو داود(٥) : حدّثنا محمد بن العلاء ، حدّثنا أبو بكر عن عاصم قال: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول : اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنويَّة٦ُ) ، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنويّة لأمير المؤمنين عبد الملك ، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلَّت لي دماؤهم وأموالهم ، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً ، ویا عذيري من عبد هذیل يزعم أن قراءته من عند الله، والله ما هي إلّا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه وَّر وعذيري من هذه الحمراء(٧)، يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول إلى أنه يقع الحجر : حدث أمر ، فوالله لأدعنَّهم كالأمس الدابر . قال : فذكرته للأعمش فقال : وأنا والله سمعته منه . (١) في مروج الذهب : لا تزول . (٢) الخبر بكامله والأبيات في مروج الذهب (١٣٤/٣ - ١٣٥) وتاريخ دمشق (١٥٥/١٢ - ١٥٦) وتهذيب تاريخ دمشق (٧٠/٤ - ٧١) ورواية البيت الأخير في مروج الذهب : مصاولتي ، والدهر حمّ نوائبه فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقي في ط: سبير - بالباء - وسنير: جبل بين حمص وبعلبك على الطريق وعلى رأسه قلعة سنير. معجم البلدان (سنير). (٣) (٥) (٤) الخبر بأطول مما هنا في تاريخ دمشق (١٢ / ١٥٧ - ١٥٨). سنن أبي داود رقم ( ٤٦٤٣) في السنة، والخبر بكامله في تاريخ دمشق (١٥٩/١٢) وهو حديث صحيح. (٦) أي : استثناء. (٧) هم الموالي ، لأن العرب تسمي الموالي الحمراء . ٣١٤ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة : عن محمد بن يزيد ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النجود والأعمش أنهما سمعا الحَجَّاج قبَّحه الله يقول ذلك ، وفيه : والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلَّت لي دماؤكم ، ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه ، ولأحكنَّها من المصحف ولو بضلع خنزير . ورواه غير واحد عن أبي بكر بن عياش بنحوه ، وفي بعض الروايات : والله لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه (١) . وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله ، وإقدامه على الكلام السيِّئ ، والدِّماء الحرام . وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان ، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه والله أعلم . وقال علي بن عبد الله بن مبشر ، عن عباس الدوري ، عن مسلم بن إبراهيم : حدّثنا الصَّلت بن دينار سمعت الحجاج على منبر واسط يقول : عبد الله بن مسعود رأس المنافقين ، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه ( ٢) قال : وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىِّ﴾ [ص: ٣٥] قال : والله إن كان سليمان لحسوداً . وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر : قبحه الله وأخزاه ، وأبعده وأقصاه(٣) . ومن الطامات أيضاً ما رواه أبو داود(٤) أيضاً : حدّثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ، حدّثنا جرير . وحدّثنا زهير بن حرب ، حدّثنا جرير، عن المغيرة ، عن الربيعُ(٥) بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته : رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله ؟ فقلت في نفسي : لله عليّ أن لا أصلِّي خلفك صلاة أبداً ، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم . زاد إسحاق في حديثه : فقاتل في الجماجم حتى قتل . فإن صَحَّ هذا عنه ، فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة ، أو أراد أن الخليفة من بني أمية أفضل من الرسول . (١) الخبر بكامله في تاريخ دمشق (١٢/ ١٦٠) وتهذيبه (٧٢/٤) وبالرواية الثانية في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣١٩ _ ٣٢٠). تاريخ دمشق (١٢/ ١٦١) وتهذيب تاريخ دمشق (٧٢/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ /ص٣٢٠). (٢) بعدها في ط كلام من الواضح أنه من زيادات النساخ وهو في فضائل ابن مسعود رضي الله عنه ، ولا مكان له هنا ، (٣) والأولى أن يكون مع ترجمته . (٤) سنن أبي داود رقم (٤٦٤٢) في السنة، والخبر بالسند نفسه في تاريخ دمشق (١٢ / ١٥٨) وإسناده ضعيف . (٥) في الأصل : بزيغ ، والتصحيح من سنن أبي داود وكتب الرجال . ٣١٥ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة وقال الأصمعي : حدّثنا أبو عاصم النبيل ، حدّثنا أبو حفص الثقفي قال : خطب الحجاج يوماً فأقبل عن يمينه فقال : ألا إن الحجاج كافر ، ثم أطرق فقال : إن الحجاج كافر ، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال : ألا إن الحجاج كافر ، فعل ذلك مراراً ، ثم قال: كافر يا أهل العراق بالّلات والعزّى(١) وقال حنبل بن إسحاق : حدّثنا هارون بن معروف ، حدّثنا ضمرة ، حدّثنا ابن شوذب ، عن مالك بن دينار قال : بينما الحجاج يخطبنا يوماً إذ قال : الحجاج كافر ، قلنا : ما له ؟ أي شيء يريد ؟ قال : الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء . وقال الأصمعي : قال عبد الملك يوماً للحجاج : ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه . فصف عيب نفسك ، فقال : اعفني يا أمير المؤمنين ، فأبى ، فقال : أنا لجوج حقود حسود ، فقال عبد الملك : ما في الشيطان شر مما ذكرت (٢). وفي رواية أنه قال: إذاً بينك وبين إبليس نسب . وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة ، وخذلانهم لهم ، وعصيانهم ، ومخالفتهم ، والافتئات عليهم . قال يعقوب بن سفيان : حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، حدّثني معاوية بن صالح ، عن شريح بن عبيد عمن حدثه قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان ، فصلى لنا صلاة فسها فيها ، حتى جعل الناس يقولون : سبحان الله ، سبحان الله ، فلما سلّم أقبل على الناس فقال : من هاهنا من أهل الشام ؟ فقام رجل ، ثم قام آخر ، ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً ، فقال : يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق ، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ ، اللهم إنهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي ، يحكم فيهم بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم(٣) . وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب من طريق أبي عذبة الحمصي عن عمر مثله . وقال عبد الرزاق : حدّثنا جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، عن الحسن قال علي بن أبي طالب : اللهم كما ائتمنتهم فخانوني ، ونصحت لهم فغشوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال ، يأكل خضرتها ، ويلبس فروتها ، ويحكم فيها بحكم الجاهلية . قال يقول الحسن : وما خلق الحجاج يومئذ(٤) . (١) الخبر في تاريخ دمشق (١٦٦/١٢) وتهذيبه (٧٤/٤ - ٧٥). المصدر نفسه ( ١٢ / ١٦٧ ). (٢) تاريخ دمشق (١٦٨/١٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ص٣٢١) وتهذيب ابن عساكر (٧٥/٤) (٣) وذكره البيهقي في الدلائل عن أبي عذبة الحمصي . (٤) دلائل النبوة للبيهقي (٤٨٨/٦) وتاريخ دمشق (١٦٨/١٢-١٦٩) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢١) وتهذيب ابن عساكر (٧٥/٤) وإسناده منقطع كما قال المصنف في دلائل النبوة من البداية والنهاية (٢٣٨/٦). ٣١٦ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة ورواه معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أيوب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، عن علي أنه قال : الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها ، ويقتل أشراف أهلها ، يشتد منه الفرق ، ويكثر منه الأرق ، ويسلطه الله على شيعته . وقال الحافظ البيهقي في (( دلائل النبوة)(١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي : حدّثنا سعيد بن مسعود . حدّثنا يزيد بن هارون ، أنبأ العوام بن حوشب ، حدّثني حبيب بن أبي ثابت . قال قال علي لرجل : لا متّ حتى تدرك فتى ثقيف ، قال : وما فتى ثقيف ؟ قال : ليقالن له يوم القيامة : اكفنا زاوية من زوايا جهنم ، رجل يملك عشرين سنة ، أو بضعاً وعشرين سنة ، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها ، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة ، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها ، يقتل بمن أطاعه من عصاه . وقال الطبراني (٢): حدّثنا القاسم بن زكريا، حدّثنا إسماعيل بن موسى الشُّدِّي(٣)، حدّثنا علي بن مسهر ، عن الأجلح ، عن الشعبي ، عن أم حكيم بنت عمرو بن سنان الجدلية قالت : استأذن الأشعث بن قيس على عليٍّ فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج عليٍّ فقال : ما لك وله يا أشعث ، أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك ، قيل له : يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف ؟ قال : غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلاً ، قيل كم يملك ؟ قال عشرين إن بلغ . وقال البيهقي (٤) أنبأنا أبو عبد الله الحافظ : أبنا الحسين بن الحسن بن أيوب ، حدّثنا أبو حاتم الرازي ، حدّثنا عبد الله بن يوسف بن التِّيسي، حدّثنا [ هشام ] بن يحيى الغساني(٥) قال قال عمر بن عبد العزيز : لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها ، وجئنا بالحجاج لغلبناهم . وقال أبو بكر بن عياش : عن عاصم بن أبي النجود أنه قال: ما بقيت الله عزَّ وجلَّ حرمة إلا وقد ارتکبھا الحجاج . وقد تقدم الحديث ((إن في ثقيف كذاباً ومبيراً)) وقد ذكرنا شأن المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث ، وقد كان يظهر الرفض أولاً ويبطن الكفر المحض ، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا ، وقد كان ناصبيّاً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان وبني أمية ، وكان جباراً عنيداً ، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة . وقد رُوي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدَّمنا . فإن كان قد تاب منها وأقلع (١) دلائل النبوة (٤٨٩/٦) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخه (١٢ /١٦٨ - ١٦٩) وإسناده ضعيف لانقطاعه. (٢) المعجم الكبير (٢٣٧/١) رقم (٦٥١) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخه (١٦٩/١٢) وإسناده ضعيف. (٣) في ط: ((السدوسي)) محرف ، وهو الفزاري ، من رجال التهذيب . (٤) دلائل النبوة ( ٦/ ٤٨٩). (٥) في ط : الغاني ؛ خطأ ، والتصحيح من دلائل النبوة . (٦) تهذيب تاريخ دمشق (٨٤/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٤). ٣١٧ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة عنها ، وإلا فهو باقٍ في عهدتها ، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه ، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً لوجوه ، وربما حرّفوا عليه بعض الكَلِم . وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات . وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسْكر ، وكان يكثر تلاوة القرآن ، ويتجنب المحارم ، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج ، وإن كان متسرعاً في سفك الدماء فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وسرائرها ، وخفيات الصدور والضمائر . [ قلت : الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء ، وكفى به عقوبة عند الله عزَّ وجلَّ ، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد ، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن ، فكان يعطي على القرآن كثيراً، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم. والله أعلم ](١) . وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طَرارا البغدادي : حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري ، حدّثنا أبي ، حدّثنا أحمد بن عبيد، حدّثنا هشام بن محمد بن السّائب الكلبي، حدّثنا عَوَانة بن الحكم الكلبي . قال : دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له : إيه إيه يا أنيس ، يوم لك مع علي ، ويوم لك مع ابن الزبير ، ويوم لك مع ابن الأشعث ، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة . ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة . فقال أنس : إياي يعني الأمير أصلحه الله ؟ قال : إياك أعني صك الله سمعك ، قال أنس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت . ولا أي ميتة مت ، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج ، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضباً ، وشفق عجباً ، وتعاظم ذلك من الحجاج ، كان كتاب أنس إلى عبد الملك : بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك ، أما بعد : فإن الحجاج قال لي : هُجراً ، وأسمعني نكراً ، ولم أكن لذلك أهلاً ، فخذْلي على يديه ، فإني أمثُ بخدمتي رسول الله وَّل وصحبتي إياه ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقاً للحجاج - فقال له : دونك كتابيّ هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله وَّر فادفع كتابي إليه وأبلغه مني السلام ، وقل له : يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتاباً إذا قرأه كان أطوع لك من أَمَتِكَ ، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك : بسم الله الرحمن الرحيم ! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله وَ ير أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج ، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك ، فإن عاد لمثلها اكتب إليّ بذلك أُنزل به عقوبتي ، وتحسن لك معونتي . والسلام . (١) ما بينهما زيادة من ط . ٣١٨ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال : جزى الله أمير المؤمنين عني خيراً ، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة ، فهذا كان ظني به والرجاء منه . فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس : يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين ، وليس بك عنه غنىّ ، ولا بأهل بيتك ، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك ، فقاربه وداره [ تعش معه بخير وسلام ] . فقال أنس : أفعل إن شاء الله . ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فلما رآه الحجاج قال : مرحباً برجل أُحبه وكنت أحب لقاءه ، فقال إسماعيل : أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به [ فتغيّر لون الحجاج وخاف ] وقال : ما أتيتني به ؟ قال : فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضباً عليك ، ومنك بعداً ، قال : فاستوى الحجاج جالساً مرعوباً ، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق ، وينظر إلى إسماعيل أخرى ، فلما فضه قال : قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه ، فقال له إسماعيل : لا تعجل ! فقال : كيف لا أعجل وقد أتيتني بآبدة ؟ وكان في الطومار : بسم الله الرحمن الرحيم ، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف ، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور ، فسموت فيها وعدوت طورك ، وجاوزت قدرك ، وركبت داهية إدّاً ، وأردت أن تبرزني(١) فإن سوغتكها مضيت قدماً ، وإن لم أسوغكها رجعت القهقرى ، فلعنك الله من عبد أخفش العينين ، منقوص الجاعرتين . أنسيت مكاسب آبائك بالطائف ، وحفرهم الآبار ، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل ، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب ، والله لأغمزنك غمز اللَّيث الثعلب ، والصقر الأرنب . وثبت على رجل من أصحاب رسول الله وَلقوله بين أظهرنا ، فلم تقبل له إحسانه ، ولم تتجاوز له عن إساءته ، جرأة منك على الرب عزَّ وجلَّ ، واستخفافاً منك بالعهد ، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلاً خدم عزير بن عزرى ، وعيسى بن مريم ، لعظّمته وشرفته وأكرمته وأحبته [ بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه (٢) فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله وَل ثماني سنين، يطلعه على سره ، ويشاوره في أمره ، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله ، وإلا أتاك مني سهم مثكل بخسفٍ قاض (٣) ﴿لَكُلِّ نَبَكٍ ◌ُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧]٤) وقد تكلم ابن طرارا على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب ، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة ، والله أعلم . وقال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الزبير - يعني ابن عدي - (١) في ط : تبدو لي، وما أثبت عن تهذيب تاريخ دمشق. (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط ، ليست في تاريخ دمشق. في ط : سهم بكل حتفٍ قاص ؛ وما أثبت عن أ ، ب وتهذيب تاريخ دمشق . (٣) (٤) نص الكتاب في تاريخ دمشق (١٧١/١٢ - ١٧٣) وتهذيبه (٤/ ٧٧ - ٧٨). مسند الإمام أحمد (١٣٢/٣ و١٧٧) وتاريخ دمشق (١٢ / ١٧٤). (٥) ٣١٩ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال : أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما نلقى من الحجاج ، فقال : اصبروا فإنه لا يأتي عليكم عام أو زمان أو يوم إلا والذي بعده شرٌّ منه، حتى تلقوا ربكم عزَّ وجلَّ، سمعته من نبيكم ◌َلَ وهكذا رواه البخاري(١) عن محمد بن يوسف ، عن سفيان وهو الثوري ، عن الزُّبير بن عدي ، عن أنس قال : (( لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه)) الحديث . قلت : ومن الناس من يروي هذا الحديث بالمعنى فيقول : كل عام ترذلون . وهذا اللفظ لا أصل له ، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث ، والله أعلمُ(٢) . وقد قال سفيان الثوري : عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي . قال : يأتي على الناس زمان يصلّون فيه على الحَجَّاجُ(٣) . وقال أبو نعيم : عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر . قال : قال الشعبي : والله لئن بقيتم لتمنَّون الحجّاج . وقال الأصمعي : قيل للحسن : إنك تقول : الآخر شر من الأول ، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحَجّاج . فقال الحسن : لا بد للناس من متنفسات (٤) وقال ميمون بن مهران : بعث الحجاج إلى الحسن وقد همّ به ، فلما قام بين يديه قال : يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب ؟ قال : كثير ، قال : فأين هم ؟ قال : ما توا قال : فنكّس الحجاج رأسه وخرج الحسن . وقال أيوب السختياني : إن الحجاج أراد قتل الحسن مراراً فعصمه الله منه ، وقد ذكر له معه مناظرات ، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه ، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك ، (١) صحيح البخاري رقم (٧٠٦٨) في الفتن. (٢) بعدها في ط التعليق التالي وواضح أنه من زيادة النساخ أو تلاميذ المؤلف رحمه الله . فالفتنة التيمورية بعد عصر المؤلف . قلت : قد مر بي مرة من كلام عائشة مرفوعاً وموقوفاً: ((كل يوم ترذلون)) ورأيت للإمام أحمد كلاماً قال فيه : وروي في الحديث: ((كل يوم ترذلون نسماً خبيثاً )) فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعاً، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل ، وقد رُوي عن الحسن مثل ذلك ، والله أعلم . فدلّ على أن له أصلاً إما مرفوعاً وإما من كلام السلف ، لم يزل يتناوله الناس قرناً بعد قرن ، وجيلاً بعد جيل ، حتى وصل إلى هذه الأزمان ، وهو موجود في كل يوم ، بل في كل ساعة تفوح رائحته ، ولاسيما من بعد فتنة تمرلنك ، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شيء ، وهذا ظاهر لمن تأمله ، والله سبحانه وتعالى أعلم . أقول : لا أصل له مرفوعاً، كما قال المؤلف رحمه الله ، وإنما قال بعضهم : هو من كلام الحسن البصري . تاريخ دمشق (١٧٥/١٢). وتهذيب تاريخ دمشق (٧٨/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ (٣) ص٣٢٢) . (٤) في ط: تنفيسات، وما أثبت يوافق تاريخ دمشق (١٢ / ١٧٥) وتهذيب تاريخ دمشق (٤ /٧٨). ٣٢٠ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة وإنما خرج معهم مكرهاً كما قدَّمنا ، وكان الحسن يقول : إنما هو نقمة فلا تقابلوا نقمة الله بالسيف ، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع (١). وقال ابن دريد عن الحسن بن الخضر عن ابن عائشة . قال : أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له : ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فأثنى خيراً ، قال فعثمان ؟ فأثنى خيراً [ قيل له : فما تقول في علي ؟ فأثنى خيراً ، فذكر له الخلفاء واحداً بعد واحد ، فيثني على كل بما يناسبه }٢) حتى قيل له : فما تقول في عبد الملك بن مروان ؟ فقال : الآن جاءت المسألة ، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه ؟٣) . وقال الأصمعي : عن علي بن مسلم الباهلي قال : أُتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاماً ، فقال لها بعض الشرط : يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه ؟ فقالت : إني لأستحي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه ، فأمر بها فقتلت (٤) . وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة . وقد قال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدّثنا أبو ظفر ، حدّثنا جعفر بن سليمان ، عن بسطام بن مسلم ، عن قتادة قال قيل لسعيد بن جبير : خرجت على الحَجَّاج ؟ قال : إني والله ما خرجت عليه حتى كفر(٥). ويقال إنه لم يقتل بعده إلا رجلاً واحداً اسمه ماهان ، وكان قد قتل قبله خلقاً كثيراً ، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث . وقال أبو عيسى الترمذي(٦): حدّثنا أبو داود سليمان بن سَلْمُ(٧) البلخي، حدّثنا النضر بن شميل ، عن هشام بن حَسَّان قال : أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مئة ألف وعشرين ألفاً . قال الأصمعي : حدّثنا أبو عاصم ، عن عَبّاد بن كثير، عن قَحْذَم قال : أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحداً وثمانين ألف أسير، وعرضت السجون بعد الحجّاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً ، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب (٨) . (١) الخبر والذي قبله في تاريخ دمشق (١٢ / ١٧٥ - ١٧٦) وتهذيب تاريخ دمشق (٧٩/٤ - ٨٠) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٢) عن مالك بن دينار . (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط . الخبر في تاريخ دمشق (١٧٩/١٢ - ١٨٠) وتهذيب تاريخ دمشق (٨١/٤) . (٣) (٤) المصدر نفسه . (٥) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٣). (٦) جامع الترمذي رقم ( ٢٢٢٠) في الفتن، وتهذيب تاريخ دمشق (٨٣/٤). في ط: (( سليمان بن مسلم)» محرف ، وهو من رجال التهذيب . (٧) تهذيب تاريخ دمشق (٨٣/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٣). (٨)