Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
وفيات سنة ٩٤ هـ
قال الزّهري : ما رأيت قرشياً أفضل منه (١).
وقال الواقدي : كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله عزَّ وجلَّ ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده ،
وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه ، وكان كنيته أبا الحسن ، وقيل أبامحمد ، وقيل
أبا عبد الله(٢) . وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض ، فقال عمر بن سعد :
لا تعرضوا لهذا المريض(٣). وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً، وأمه
غزالة - خلف عليها بعد الحسين مولاه زُييد(٤) فولدت له عبد الله بن زُييد - وهو علي الأصغر ، فأما الأكبر
فقتل مع أبيه . وكذا قال غير واحد .
وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم : لم يكن في أهل البيت مثله(٥) .
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : سمعت علي بن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول : يا أيها
الناس أحبونا حب الإسلام ، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا٦ً) . وفي رواية : حتى بغضتمونا إلى
الناس .
وقال الأصمعي : لم يكن للحسين عقب إلا من علي بن الحسين ، ولم يكن لعلي بن الحسين نسل إلا
من ابن عمه الحسن ، فقال له مروان بن الحكم : لو اتخذت السراري يكثر أولادك ، فقال : ليس لي
ما أتسرى به ، فأقرضه مئة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله ، ثم لما مرض مروان أوصى أن
لا يؤخذ من علي بن الحسين شيء مما كان أقرضه ، فجميع الحسينيين من نسله رحمه الله(٧).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : أصح الأسانيد كلّها : الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن
جده(٨).
وذكروا أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي ؛ فلما انصرف قالوا له : ما لك لم تنصرف ؟
فقال : إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى (٩)
.
تاريخ دمشق (٣٧١/٤١) والمعرفة والتاريخ (٥٤٤/١) وسير أعلام النبلاء (٣٨٩/٤).
(١)
(٢)
تاريخ دمشق (٤١ / ٣٦٢) .
طبقات ابن سعد (٢١٢/٥ - ٢١٣) وتاريخ دمشق (٣٦٦/٤١).
(٣)
(٤)
زُييد - بياءين - هكذا ضبطها الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٩٩/٤).
(٥)
تاريخ دمشق (٤١/ ٣٧٣) وسير أعلام النبلاء (٣٨٩/٤).
طبقات ابن سعد (٢١٤/٥) وحلية الأولياء (١٣٦/٣) ونسب قريش (٥٨) وتاريخ دمشق (٣٧٤/٤١) وسير أعلام
(٦)
النبلاء (٣٨٩/٤).
(٧)
تاريخ دمشق (٣٧٤/٤١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٠).
تاريخ دمشق (٣٧٥/٤١_٣٧٦) وسير أعلام النبلاء (٣٩٨/٤).
(٨)
(٩) تاريخ دمشق (٣٧٧/٤١) وسير أعلام النبلاء (٣٩٢/٤).
٢٨٢
وفيات سنة ٩٤ هـ
وكان إذا توضأ يصفرُّ لونه ، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق ، فقيل له في ذلك فقال : ألا تدرون
بين يدي من أقوم ولمن أناجي(١) ؟
ولما حجّ أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك ، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه
على التلبية ، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة . وكان يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة(٢)
وقال طاووس : سمعته وهو ساجد عند الحِجر يقول : عَبدك بفنائك . سائلك بفنائك . فقيرك
بفنائك ، قال طاووس: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني(٣).
وذكروا أنه كان كثير الصَّدقة باللّيل، وكان يقول صَدَقة اللّيل تطفئ غضب الربّ، وتنوِّر القلب
والقبر ، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة (٤) ، وقاسم الله تعالى ماله مرتين(٥)
وقال محمد بن إسحاق : كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم ، فلما
مات علي بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به (٦) . ولما مات
وجدوا في ظهره أثر حمله الجُرُب إلى بيوت الأرامل والمساكين في اللّيل . وقيل إنه كان يعول مئة أهل
بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات .
ودخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك ؟ قال :
عليّ دين ، قال : وكم هو ؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال: هي
عليّ(٧)
وقال علي بن الحسين : كان أبو بكر وعمر من رسول الله وَله في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته.
ونال منه رجل يوماً فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل : إياك أعني ، فقال له
علي : وعنك أغضي .
وخرج يوماً من المسجد فسبّه رجل فابتدر الناس إليه ، فقال : دعوه ، ثم أقبل عليه فقال : الذي
سُتر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه ،
طبقات ابن سعد (٢١٦/٥) وحلية الأولياء (٣٣/٣) وسير أعلام النبلاء (٣٩٢/٤).
(١)
(٢)
تاريخ دمشق (٣٧٨/٤١) وسير أعلام النبلاء (٣٩٢/٤).
تاريخ دمشق (٣٨٠/٤١) بأطول مما هنا، وسير أعلام النبلاء (٣٩٣/٤).
(٣)
(٤)
تاريخ دمشق (٣٨٣/٤١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٣).
طبقات ابن سعد (٢١٩/٥) وحلية الأولياء (٣/ ١٤٠) وسير أعلام النبلاء (٣٩٣/٤).
(٥)
الطبقات (٢٢٢/٥) وحلية الأولياء (١٣٥/٣ - ١٣٦) وتاريخ دمشق (٣٨٣/٤١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ -
(٦)
١٠٠/ ص٤٣٣ ) .
(٧) حلية الأولياء (١٤١/٣) وتاريخ دمشق (٣٨٥/٤١) وصفة الصفوة (١٠١/٢) وتاريخ الإسلام (٤٣٢/٦).
٢٨٣
وفيات سنة ٩٤ هـ
وأمر له بألف درهم ، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول : أشهد أنك من أولاد الأنبياء .
قالوا : واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن
وهو ساكت ، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال : يا بن عم إن كنت صادقاً يغفر الله
لي ، وإن كنت كاذباً يغفر الله لك، والسلام عليك، ثم رجع ، فلحقه فصالحه (١) رحمهما الله.
وقيل له : من أعظم الناس خطراً ؟ فقال : من لم يرض الدنيا لنفسه خطراً .
وقال أيضاً : الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته (٢) .
وقال : فقدُ الأحبة غربة ، وكان يقول : إن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وآخرون عبدوه
رغبة فتلك عبادة التجار ، وآخرون عبدوه محبة وشكراً فتلك عبادة الأحرار الأخيار(٣).
وقال لابنه : يا بني لا تصحب فاسقاً فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها ، يطمع فيها ثم لا ينالها ، ولا بخيلاً
فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه ، ولا كذاباً فإنَّه كالسراب يقرِّب منك البعيد ويباعد عنك القريب ،
ولا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله(٤) . قال تعالى :
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُ واْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ (٥) أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَّ أَبْصَرَهُمْ ﴾
[محمد : ٢٢ - ٢٣ ] .
وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم ، فقال له
نافع بن جبير بن مطعم : غفر الله لك ، أنت سيد الناس تأتي تتخطّ حِلَق أهل العلم وقريش حتى تجلس
مع هذا العبد [ الأسود ]؟ فقال له علي بن الحسين : إنما يجلس الرجل حيث ينتفع ، وإن العلم يُطلب
حيث كان(٥) .
وقال الأعمش : عن مسعود بن مالك قال : قال لي علي بن الحسين : أتستطيع أن تجمع بيني وبين
سعيد بن جبير ؟ فقلت : ما تصنع به ؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة ، إنه ليس عندنا
ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق(٦) ..
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن رزين(٧) بن عبيد
تاريخ دمشق (٤١ /٣٩٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٣٦) وسير أعلام النبلاء (٣٩٧).
(١)
(٢)
تاريخ دمشق (٤١ /٤٠٨) .
حلية الأولياء (١٣٤/٣) وتاريخ دمشق (٤١٠/٤١) وسير أعلام النبلاء (٣٩٦/٤).
(٣)
(٤)
تاريخ دمشق (٤١ /٤٠٩).
حلية الأولياء (١٣٧/٣ - ١٣٨) وتاريخ دمشق (٣٦٩/٤١) وتهذيب الكمال (٣٨٥/٢) وسير أعلام النبلاء (٣٨٨/٤).
(٥)
(٦)
طبقات ابن سعد (٥١٦/٥) وتاريخ دمشق (٣٦٩/٤١ - ٣٧٠).
في ط : زر ؛ خطأ ، والتصحيح من ب وتاريخ دمشق .
(٧)
٢٨٤
وفيات سنة ٩٤ هـ
قال : كنت عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس : مرحباً بالحبيب ابن الحبيب .
وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: حدّثنا العلائي(١) حدّثنا إبراهيم بن بشار ، عن سفيان بن
عيينة ، عن أبي الزبير قال : كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين فقال : كنت عند
رسول الله وَّل﴿ فدخل عليه الحسين بن علي فضمَّه إليه وقبّله وأقعده إلى جنبه، ثم قال: (( يولد لابني هذا
ابن يقال له علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش ليقم سيد العابدين ، فيقوم هو " هذا
حديث غريب جداً أورده ابن عساكر(٢) . وقال الزُّهري : كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين ، وما
رأيت أفقه منه ، وكان قليل الحديث ، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة ، وأحبهم إلى مروان وابنه
(٣)
عبد الملك ، و کان یسمیه زین العابدین
.
وقال جويرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله وَ ليه درهماً قط . رحمه الله
(٤)
ورضي عنه(٤) .
وقال محمد بن سعد(٥) : أنبا علي بن محمد، عن سعيد بن خالد ، عن المقبري قال : بعث المختار
إلى علي بن الحسين بمئة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها ، فاحتبسها عنده ، فلما قتل المختار كتب
إلى عبد الملك بن مروان : إن المختار بعث إليّ بمئة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها ، فابعث
من يقبضها . فكتب إليه عبد الملك : يا بن عم ! خذها فقد طيبتها لك ، فقبلها .
وقال علي بن الحسين : سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء ، وفي الآخرة أهل الدِّين وأهل
الفضل والعلم الأتقياء ، لأن العلماء ورثة الأنبياء (٦).
وقال أيضاً : إني لأستحي من الله عزَّ وجلَّ أن أرى الأخذ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه
بالدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل ، وأبخل(٧).
وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال : إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على
يوسف ، ولم يعلم أنه مات ، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، فترون حزنهم
يذهب من قلبي أبد(٨) ؟.
(١) في ط : العلاء؛ خطأ ، والتصحيح من أ ، ب وتاريخ دمشق .
(٢)
تاريخ دمشق (٤١ /٣٧٠).
(٣)
الطبقات لابن سعد (٢١٥/٥) وتاريخ دمشق (٣٧٢/٤١ -٣٧٣).
(٤)
تاريخ دمشق (٤١/ ٣٧٧) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩١).
(٥) الطبقات الكبرى (٢١٣/٥) وتاريخ دمشق (٤١/ ٣٧٧).
(٦) تاريخ دمشق (٣٨٥/٤١).
(٧) ابن عساكر (٣٨٥/٤١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٩٤).
(٨) تاريخ دمشق (٣٨٦/٤١) .
٢٨٥
وفيات سنة ٩٤ هـ
وقال عبد الرزاق : سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماءً ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه
فشجه ، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول ﴿ وَاَلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فقال:
وقد كظمت غيظي، قالت ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ فقال: عفا الله عنك. فقالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ قال : أنت حرة لوجه الله تعالى(١).
وقال الزبير بن بكار: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة الجُمَحي (٢)، عن أبيه ، عن جده ، عن
محمد بن علي عن أبيه قال : جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما ، ثم ابتدؤوا في
عثمان فقال لهم : أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين ﴿أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ
اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] قالوا: لسنا منهم قال : فأنتم من الذين
﴿ تَبَوَّهُ و الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيَّهِمْ﴾ [الحشر: ٩] إلى قوله: ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
قالوا : لسنا منهم ! فقال لهم : أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من
هؤلاء ، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله عزَّ وجلَّ فيهم ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ [ الحشر: ١٠]
الآية ، فقوموا عني لا بارك الله فيكم ، ولا قرّب دوركم ، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله (٣).
وجاء رجل فسأله متى يبعث علي ؟ فقال : يبعث والله يوم القيامة وتهمُّه نفسه(٤) .
وقال ابن أبي الدنيا : حُدِّثت عن سعيد بن سليمان ، عن علي بن هاشم ، عن أبي حمزة الثمالي : أن
علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله(٥).
وروى ابن أبي الدنيا أن غلاماً سقط من يده سقُود وهو يشوي شيئاً في التنُّور على رأس صبي لعلي بن
الحسين فقتله ، فنهض علي بن الحسين مسرعاً ، فلما نظر إليه قال للغلام : يا بني إنك لم تتعمد ، أنت
حر ، ثم شرع في جهاز ابنه(٦).
وقال المدائني : سمعت سفيان يقول : كان علي بن الحسين يقول : ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل
حمر النعم (٧).
ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه . ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل
(١) تاريخ دمشق (٣٨٧/٤١).
(٢) في ط : اللخمي ؛ تحريف .
(٣) تاريخ دمشق (٣٨٩/٤١) وسير أعلام النبلاء (٣٩٥/٤) باختصار.
(٤)
سير أعلام النبلاء (٣٩٦/٤) وتاريخ دمشق (٣٩٠/٤١).
تاريخ دمشق ( ٤١ /٣٩٦) .
(٥)
(٦) حلية الأولياء (١٣٧/٣) وتاريخ دمشق (٣٩٦/٤١) وسير أعلام النبلاء (٣٩٥/٤).
(٧) تاريخ دمشق (٣٩٧/٤١).
٢٨٦
وفيات سنة ٩٤ هـ
إسرافه ، فقال له علي بن الحسين : إن من وراء ابنك خلالًا ثلاثاً ، شهادة أن لا إله إلَّ الله ، وشفاعة
رسول الله، ورحمة الله عزَّ وجلّ(١) .
وقال المدائني : قارف الزهريُّ ذنباً فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله . فلما اجتمع
بعلي بن الحسين قال له : يا زهري قُنوطِك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك ، فقال
الزهري: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [ الأنعام: ١٢٤] وفي رواية أنه كان أصاب دماً حراماً خطأً فأمره
علي بالتوبة والاستغفار وأن يبعث الدية إلى أهله ، ففعل ذلك ، فكان الزهري يقول : علي بن الحسين
أعظم الناس عليّ منه (٢) .
وقال سفيان بن عيينة : كان علي بن الحسين يقول : لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن
يقول فيه من الشر ما لا يعلم ، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة (٣) .
وذكروا أنه زوَّج أمة من مولى له وأعتق أمة فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك ، فكتب إليه
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْاللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] وقد أعتق
[{َية] صفية فتزوجها، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمته زينب بنت جحش(٤).
قالوا : وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين ديناراً ، فإذا جاء الصيف تصدق بها ، ويلبس
في الصيف الثياب المرقعة (٥) ودونها ويتلو قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ
الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريري(٦) وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حجَّ في خلافة أبيه
وأخيه الوليد ، فطاف بالبيت ، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس
عليه ، وقام أهل الشام حوله ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين ، فلما دنا من الحَجَر ليستلمه
تنحّى عنه الناس إجلالاً له وهيبة واحتراماً ، وهو في بِزَّة حسنة ، وشكلٍ مليح ، فقال أهل الشام لهشام :
من هذا ؟ فقال لا أعرفه - استنقاصاً به واحتقاراً لئلا يرغب فيه أهل الشام - فقال الفرزدق - وكان حاضراً -
أنا أعرفه ، فقالوا : ومن هو ؟ فأشار الفرزدق يقول :
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتهُ والبيتُ يعرفهُ والحِلُّ والحَرَمُ
تاريخ دمشق ( ٤١ / ٣٩٧).
(١)
تاريخ دمشق ( ٤١ /٣٩٨) .
(٢)
تاريخ دمشق ( ٤١ /٣٩٩) .
(٣)
(٤)
المصدر نفسه ( ٤١ / ٣٩٩).
في الطبقات (٢١٨/٥): ويصيف في ثوبين أشمونيين بدينار. وفي تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠٪
(٥)
ص ٤٣٧) : ويلبس في الصيف ثوبين ممشقين من ثياب مصر. وكذلك في تاريخ دمشق (٣٩٩/٤١).
(٦) الخبر بسنديه في تاريخ دمشق (٤١ / ٤٠٠ - ٤٠١).
٢٨٧
وفيات سنة ٩٤ هـ
هذا ابنُ خير عبادِ الله كلهم
إذا رأته قريشٌ قالَ قائلها
يُنمَى إلى ذروةِ العزِّ التي قصرتْ
يكادُ يُمسكُهُ عِرفان راحتهِ
يُغضي حياءً ويغضَى منْ مهابتهِ
بكفهِ خيزرانٌ ريحها عبقٌ
مشتقةٌ منْ رسولِ الله نبعتهُ
ينجابُ نورُ الهدىُ(٢) مِنْ نورِ غرتهِ
حمَّالُ أثقالِ أقوامٍ إذا قدحوا
هذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنتَ جاهلَهُ
الله فَضّلهُ قِدماً وشرّفه
منْ جدهِ دانَ فضلُ الأنبياءِ لهُ
عَمَّ البريَّة بالإحسانِ فانقشعتْ
كلتا يديهِ غياثٌ عمَّ نفعهما
سهلُ الخليقةِ لا تخشى بوادرهُ
لا يخلفُ الوعدَ ميمونٌ بغيبتهِ
مِنْ معشرٍ حبهمْ دينٌ ويغضهمُ
يستدفعُ السوء٣ُ) والبلوى بحبهمُ
مقدمٌ بعدَ ذكرِ الله ذكرهمُ
إنْ عدَّ أهلُ التقى كانوا أئمتهمْ
لا يستطيعُ جوادٌ بعدَ غايتهم
همُ الغيوثُ إذا ما أزمةٌ أزمتْ
يأبى لهم أن يحلّ الذم ساحتهمْ
لا ينقصُ العدمُ بسطاً منْ أكفهمُ
أيُّ الخلائقِ ليستْ في رقابهمُ
هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
إلى مكارم هذا ينتهي الكَرَمُ
عنْ نيلها عَرَبُ الإسلامِ والعجمُ
ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ
فما يكلَّمَّ إلا حينَ يبتسمُ
من كفِّ أروع في عرنينهِ شممُ
طابتْ عناصرها١) والخِيمُ والشيمُ
كالشمسِ ينجابُ عَنْ إشراقها القتمُ
حلوَ الشّمائلِ تحلو عندهُ نعمُ
بجَدّهِ أنبياءُ الله قدْ ختموا
جرى بذاك له في لوحه القلمُ
وفضلُ أُمتهِ دانتْ لها الأممُ
عنها الغوايةُ والإملاقُ والظلمُ
تستوكفانٍ ولا يعروهما العدمُ
يزينهُ إثنتانِ الحلمُ والكرمُ
رحبُ الفناءِ أريبٌ حين يعتزمُ
كفرٌ وقربهمُ منجى ومعتصمُ
ويستربُّ(٤) بهِ الإحسانُ والنعمُ
في كُلِّ حكمٍ ومختومٌ بهِ الكلمُ
أو قيلَ من خيرٌ أهل الأرض قيلَ هُم
ولا يدانيهمُ قومٌ وإنْ كرموا
والأسد أسدُ الشرى والبأسُ محتدمُ
خيمٌ كرامٌ وأيدٍ بالندى هضمُ
سيَّان ذلكَ إنْ أثروا وإنْ عدموا
لأوليَّةِ هذا أولهُ نِعَمُ
في الديوان : مفارسه . والنبعة من النبع : وهو شجر للقسي وللسهام ينبت في قلة الجبل . القاموس ( نبع ).
(١)
والخيم : السَّجية ، والطبيعة . القاموس ( خيم ) .
(٢)
في الديوان : ثوب الدجى .
(٣)
في الديوان والأغاني (٢١/ ٣٧٧) : الشر.
في ط : ويستزاد ؛ وما أثبت كالديوان والأغاني .
(٤)
٢٨٨
وفيات سنة ٩٤ هـ
العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجم
فليسَ قولكَ مَن هذا بضائرهِ
فالدينُ منْ بيتِ هذا نالهُ الأممُ ١٣)
[ منْ يعرفُ الله يعرف أوليةَ ذا
قال : فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان ، بين مكة والمدينة ، فلما بلغ ذلك
علي بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم ، وأرسل إليه يعتذر أن ليس عنده اليوم غيرها ،
فردَها الفرزدق وقال: إنما قلت ما قلت الله عزَّ وجلَّ ونُصْرَةً للحقِّ، [ وقياماً بحق رسول الله وَّل في
ذريته ] ولست أعتاض عن ذلك بشيء . فأرسل إليه علي بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيتك في
ذلك ، وأقسمتُ عليك بالله لتقبلنَّها ؛ فتقبّلها منه ثم جعل يهجو هشاماً وكان مما قال فيه :
إليها قلوبُ الناس يهوي مُنيبها
تحبسني (٢) بينَ المدينةِ والتي
وعينينِ حولاوينِ بادٍ عُيُوبُها٣
يقلّبُ رأساً لم يكنْ رأس سيِّدٍ
وقد رَوينا عن علي بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين :
ونلهو حينَ تمضي ذاهباتٍ
نراعُ إذا الجنائزُ قابلتنا
فلما غابَ عادتْ راتعاتٍ
كروعةِ ثلمة٤ُ) لمغارِ سَبْعٍ
وروى الحافظ ابن عساكر(٥) من طريق محمد بن عبد الله المقرىء : حدّثني سفيان بن عيينة ، عن
الزُّهري قال : سمعت علي بن الحسين سيّد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه :
يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك (٦) ، وإلى عمارتها ركونك ، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن
وارته الأرض من أُلَّافك، ومن فجعتِ به من إخوانك، ونقل إلى البلى(٧) من أقرانك؟
محاسنهم فيها بوادٍ دوائر
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها
وساقتهمُ نحوَ المنايا المقادرُ
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم
وضمهمُ تحتَ الترابِ الحفائرُ
وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها
(١) البيت الأخير زيادة من ط؛ وليست كل هذه الأبيات في ديوان الفرزدق (٢/ ٨٤٨ -٨٤٩) والخبر والأبيات - بعضها -
في الأغاني (٣٧٦/٢١ - ٣٧٧) وكذلك في حلية الأولياء ( ١٣٩/٣) وانظر تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ -
١٠٠ / ص٤٣٨).
في تاريخ دمشق ( ٤٠٣/٤١): بحبسي ...
(٢)
البيتان في الأغاني (٣٧٨/٢١) وفيه: وعيناً له حولاء ... وفي ديوان الفرزدق (٥١/١) لفظهما:
(٣)
إليها قلوب الناس يهوي منيبها
يرددني بين المدينة والتي
مشوَّهة حولاء بادٍ عيوبها
يقلب عيناً لم تكن الخليفةٍ
(٤) في ط : ثلة .
تاريخ دمشق ( ٤١ / ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٥)
في ط : سكونك . والمثبت يوافق تاريخ دمشق .
(٦)
(٧) في ط : الثرى . والمثبت يوافق تاريخ دمشق .
٢٨٩
وفيات سنة ٩٤ هـ
كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيرت الأرض ببلائها ، وغيبت في ثراها ، ممن
عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس ، [ ثم رجعت عنهم إلى عمل أهل الإفلاس ] :
لخطَّابها فيها حريصٌ مكاثرُ
وأنتَ على الدنيا مكبٌّ منافس
أتدري بماذا لو عقلتَ تخاطرُ
على خطر تمشي وتصبحُ لاهياً
ويذهلُ عن أخراهُ لاشكَّ خاسرٌ
وإنَّ امرأً يسعى لدنياه دائباً
فحتَّام على الدنيا إقبالك ؟ وبشهواتها اشتغالك ؟ وقد وخطك القتير ، وأتاك النذير ، وأنت عما يراد بك
ساهٍ ، وبلذّة يومك وغدك لاهٍ [ وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات ( ١) :
عَن اللهو واللذاتِ للمرءِ زاجرُ
وفي ذكر هولِ الموتِ والقبر والبلى
وشيبُ قذال منذرٌ لك كاسِرُ(٢)
أبعدَ اقترابِ الأربعين تربُّصٌ
لنفسكَ عمداً وعنِ الرشدِ حائرٌ
كأنكَ معنيٌّ بما هو ضائر
انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف أفنتهم(٣) الأيام ، ووافاهم الحمام ، فانمحت من الدنيا
آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم [ وأضحوا رمماً في التراب ، إلى يوم الحشر والمآب (٤) :
مجالس منهم وأقفرت مقاصر(٥)
أضحوْا رميماً في الترابِ وعطّلتْ
وأنَّى لسكانِ القبورِ التزاورُ
وحلُّوا بدارٍ لا تزاورَ بينهم
مسطّحة تُسفَى عليها الأعاصرُ
فما إنْ ترى إلا قبوراً ثووا بها
كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان ، تمكن من دنياه ، ونال فيها ما تمناه ، وبنى فيها القصور
والدساكر، وجمع فيها الأعلاق(٦) والذخائر [ وملح السراري والحرائر ].
مبادرةً تهوي إليه الذخائرُ
فما صرفتْ كف المنية إذا أتتْ
وحفّ بها أنهارهُ والدساكرُ
ولا دفعتْ عنه الحصونُ التي بنى
ولاطمعتْ في الذبِّ عنه العساكرُ
ولا قارعتْ عنه المنية حيلة
أتاه من الله ما لا يُرد ، ونزل به من قضائه ما لا يُصد ، فتعالى الله الملك الجبار ، المتكبر العزيز
القهار ، قاصم الجبارين ، ومبير المتكبرين [ الذي ذل لعزَّه كل سلطان، وأباد بقوته كل دَيّان ].
مليكٌ عزيزٌ لا يُردُّ قضاؤهُ حكيمٌ عليمٌ نافذُ الأمرِ قاهرُ
(١) ما بينهما زيادة من ط. والأبيات كلها في تاريخ دمشق (٤١ /٤٠٤ - ٤٠٨).
(٢)
في ط : للكابر .
(٣) في ط : اختطفتهم عقبان الأيام .
(٤)
ما بين معكوفين زيادة من ط .
في ط : مجالسهم منهم وأخلى مقاصر، والمثبت يوافق تاريخ دمشق (٤٠٤/٤١).
(٥)
(٦) في ط : الأموال .
٢٩٠
وفيات سنة ٩٤ هـ
فكمْ منْ عزيزِ للمهيمنِ صاغرُ
عنى كلُّ ذي عزَّ لعزةٍ وجههِ
لعزةِ ذي العرشِ الملوكُ الجبابرُ
لقدْ خضعتْ واستسلمتْ وتضاءلتْ
فالبدار البدار ، والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها ، وما نصبت لك من مصايدها ، وتحلّت لك من
زينتها ، وأظهرت لك من بهجتها [ وأبرزت لك من شهواتها ، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها }(١):
إلى دفعها داعٍ وبالزهدِ آمرُ
وفي دونِ ما عاينتَ من فجعاتها
فعما قليلٍ يترك الدارَ عام(٢)
فجدَّ ولا تغفل وكنْ متيقظاً
وأنتَ إلى دارِ الإقامةِ صائرُ
فجدَّ ولا تغفل فعيشك(٣) زائلٌ
وإنْ نلت منها غبَّهُ لكَ ضائرُ
ولا تطلبِ الدنيا فإنَّ نعيمها؟»
فهل يحرص عليها لبيب ، أو يسر بها أريب ؟ وهو على ثقة من فنائها ، وغير طامع في بقائها ، أم
كيف تنام عينا من يخشى البيات ، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات :
وتشغلنا اللذاتُ عمّا نحاذرُ
ألا لا ولكنا نغرُ نفوسنا
بموقفِ عدلٍ يومَ تبلى السرائرُ
وكيف يلذُّ العيش من هو مُوقفٌ
سدىّ ما لنا بعد المماتِ مصائرُ
كأنا نرى أن لا نشورَ وأننا
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها ، مع صنوف عجائبها وقوارع
فجائعها ، وكثرة تعبه في طلبها ، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها .
يروحُ علينا صرفها ويباكرُ
أما قد نرى في كلِّ يومٍ وليلةٍ
وكمْ قدْ ترى يبقى لها المتعاوِرُ
تعاورنَا آفاتُها وهمومُها
ولا هوَ عنْ تَطْلابها النفس قاصرُ
فلا هوَ مغبوطُ بدنياهُ آمنٌ
كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها ، وصرعت من مكبِّ عليها ، فلم تنعشه من عثرته ، ولم تنقذه من
صرعته ، ولم تشفه من ألمه ، ولم تبره من سقمه [ ولم تخلصه من وصمه ] :
مواردَ سوءِ ما لهنَّ مصادرُ
بل أوردتهُ بعد عزَّ ومنعةٍ
هوَ الموتُ لا ينجيهِ منه التحاذرُ
فلما رأى أن لا نجاةَ وأنهُ
عليهِ وأبكتهُ الذنوبُ الكبائرُ
تندَّم إذا لم تغنِ عنهُ ندامةٌ
(١) ما بينهما زيادة من ط .
(٢)
البيت زيادة من ط .
(٣) مكانها في ط : فشمر ولا تفتر فعمرك ...
(٤) في أ : طلابها ، والمثبت يوافق تاريخ دمشق .
٢٩١
وفيات سنة ٩٤ هـ
إذ بكى على ما سَلَف من خطاياه ، وتحسّر على ما خلف من دنياه ، واستغفر حين لا ينفعه الاستغفار
ولا ينجيه الاعتذار ، عند هول المنية ونزول البلية .
وأبلسَ لمَّا أعجزتهُ المقادرُ
أحاطتْ بهِ أحزانهُ وهمومهُ
وليسَ لهُ مما يحاذرُ ناصرُ
فليسَ لهُ من كربةِ الموتِ فارجٌ
ترددها منهُ اللها والحناجرُ
وقد جشأتْ خوفَ المنيةِ نفسه
هنالك خف عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، وارتفعت البرية بالعويل ، وقد أيسوا من العليل ،
فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومد عند خروج روحه رجليه [ وتخلى عنه الصديق ، والصاحب الشفيق ] .
ومستنجد صبراً وما هوَ صابرُ
فکم موجع یبکي علیهِ مفجّعٌ
يعدِّدُ منهُ كلَّ ما هوَ ذاكرُ
ومسترجعٍ داعٍ لهُ الله مخلصاً
وعما قليلٍ كالذي صارَ صائرُ
وكمْ شامتٍ مستبشر بوفاته
فشقت جيوبها نساؤه ، ولطمت خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزيته إخوانه ، ثم
أقبلوا على جهازه، وشمّروا لإبرازه ، [ كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدَّى }١).
يحثُّ على تجهيزهٍ ويبادرُ
وظلّ(٢) أحبُّ القومِ كان بقربهِ
ووجَّه لما فاضَ للقبرِ حافرُ
وشمَّر منْ قَدْ أحضَروهُ لغَسلهِ
مشيِّعة إخوانهُ والعشائرُ
وكُفِّنَ في ثوبين واجتمعتْ لهُ
فلو رأيت الأصغر من أولاده ، قد غلب الحزن على فؤاده ، وغشي(٣) من الجزع عليه ، وخضبت
الدموع عينيه ، وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه واحراباه :
يهالُ لمرآهُ ويرتاعُ ناظرُ
لعاينتَ من قبح المنيةِ منظراً
إذا ما تناساهُ البنونُ الأصاغرُ
أکابرُ أولاد یھیجُ اکتابھمْ
وربَّة نسوان عليهِ جوازعٌ
مدامعهم فوقَ الخدودِ غوازرُ
ثم أخرج من سَعَةٍ قصره ، إلى ضيق قبره ، فلما استقر في اللَّحد ، وهُيءَ عليه اللِّبن [ احتوشته أعماله
وأحاطت به خطاياه ، وضاق ذرعاً بما رآه ، ثم (٤) حثوا بأيديهم عليه التراب ، وأكثروا البكاء عليه
والانتحاب ، ثم وقفوا ساعة عليه ، وأيسوا من النظر إليه ، وتركوه رهناً بما كسب وطلب .
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط .
(٢) في ط : وحل .
(٣) في ط : ويخشى .
(٤) ما بينهما زيادة من ط .
٢٩٢
وفيات سنة ٩٤ هـ
لمثلِ الذي لاقى أخوهُ محاذرُ
فولَّوا عليه معولينَ وكلهمْ
بمديته بادي الذراعينِ حاسرُ
كشاءٍ رتاعٍ آمنين بدا لهم
فلما نأى عنها الذي هو جازرُ
فريعتْ ولم ترتع قليلاً وأجفلتْ
عادت إلى مرعاها ، ونسيت ما في أختها دهاها ، أفبأفعال الأنعام اقتدينا ؟ أم على عادتها جرينا ؟ عد
إلى ذكر المنقول إلى دار البلى ، واعتبر بموضعه تحت الثرى ، المدفوع إلى هول ما ترى .
مواريثه أولادهُ والأواصرُ(١)
ثوى مفرداً في لحده وتوزّعت
فلا حامدٌ منهمْ عليها وشاكرُ
وأحنوا على أموالهِ يقسِمونها
ويا آمناً منْ أن تدورَ الدوائرُ
فيا عامرَ الدنيا ویا ساعياً لها
كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة ؟ كيف تتهنا بحياتك وهي مطيَّتك إلى مماتك ؟ أم
كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك ؟ [ أم كيف تهنأ بالشهوات ، وهي مطية الآفات ] .
وأنتَ على حالٍ وشيك مسافرٌ
ولم تتزود للرحيلِ وقد دنا
وعمريَ فانٍ والرَّدى ليَ ناظرُ
فيا لهفَ نفسي كم أسوِّفُ توبتي
يجازي عليهِ عادلُ الحكم قادرٌ
وكلّ الذي أسلفتُ في الصحف مثبتٌ
فكم ترقع بآخرتك دنياك ، وتركب غيك وهواك ، أراك ضعيف اليقين ، يا مؤثر الدنيا على الدين
أبهذا أمرك الرحمن ؟ أم على هذا نزل القرآن ؟ [ أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب ، وشر المآب ، أما
تذكر حال من جمع وثمر ، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بوراً، ومساكنهم قبوراً (٢):
فلا ذاكَ موفورٌ ولا ذاكَ عامرُ
تخرِّبُ ما يبقى وتعمرُ فانياً
ولم تكتسبْ خيراً لدى الله عاذرُ
وهلْ لكَ إن وافاكَ حتفكَ بغتةً
ودينكَ منقوص ومالكَ وافرُ(٣)
أترضى بأن تفنى الحياةُ وتنقضي
وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين ، زين العابدين ، فالمشهور عن
الجمهور أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة ، وصلّ عليه
بالبقيع ، ودفن به .
قال الفلاس : مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع
وتسعين .
(١) في ط : والأصاهر .
(٢) ما بينهما زيادة من ط .
(٣) الأبيات والتي قبلها في تاريخ دمشق (٤٠٤/٤١ - ٤٠٨).
٢٩٣
وفيات سنة ٩٤ هـ
وقال بعضهم : توفي سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين .
وأغرب المدائني في قوله: إنه توفي سنة تسع وتسعين ، والله أعلم(١)
[ انتهى ما ذكره المؤلف(٢) من ترجمة علي بن الحسين . وقد رأيت له كلاماً متفرقاً وهو من جيد
الحكمة ، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه :
قال حفص بن غياث : عن حَجّاج ، عن أبي جعفر ، عن علي بن الحسين قال : إن الجسد إذا لم
يمرض أشر وبطر ، ولا خير في جسد يأشر ويبطر .
وقال أبو بكر بن الأنباري : حدّثنا أحمد بن الصلت ، حدّثنا قاسم بن إبراهيم العَلَوي ، حدّثنا أبي ،
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : قال علي بن الحسين : فقد الأحبة غربة . وكان يقول : اللهم إني
أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي ، وتقبِّح في خفيات العيوب سريرتي ، اللهم كما أسأتُ
وأحسنت إليّ ، فإذا عدت فعد إليّ . اللهم ارزقني مواساة من قَتَرتَ عليه رزقك بما وسَّعْتَ عليّ من
فضلك .
وقال لابنه : يا بني اتخذ ثوباً للغائط فإني رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب . ثم انتبه
فقال: وما كان لرسول الله وَله وأصحابه إلا ثوب واحد ، فرفضه .
وعن أبي حمزة الثمالي قال : أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على الباب حتى
خرج ، فسلَّمت عليه ودعوت له فرد عليّ السلام ودعا لي ، ثم انتهى إلى حائط فقال ؛ يا حمزة ترى هذا
الحائط ؟ قلت : نعم! قال : فإني اتكأت عليه يوماً وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في
تجاه وجهي ، ثم قال : يا علي بن الحسين ! ما لي أراك كئيباً حزيناً على الدنيا ! فهي رزق حاضر يأخذ
منها البَرّ والفاجر . فقلت : ما عليها أحزن لأنها كما تقول ، فقال على الآخرة ؟ فهي وعد صادق ، يحكم
فيها مَلِك قادر ، فقلت : ما على هذا أحزن لأنه كما تقول . فقال : فعلام حزنك ؟ فقلت : ما أتخوف من
الفتنة - يعني فتنة ابن الزُّبير - فقال لي: يا علي ! هل رأيت أحداً سأل الله فلم يعطه ؟ قلت : لا ! قال :
ويخاف الله فلم يكفه ؟ قلت : لا ! ثم غاب عني فقيل لي: يا علي إن هذا الخضر الذي جاءك (٣). لفظ
الخضر مزاد فيه من بعض الرواة .
(١) ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٣٩) أقوال العلماء والخلاف في سنة موته نقلا عن
تاريخ دمشق لابن عساكر ( ٤١ /٤١٣ - ٤١٦).
(٢) لما وجدنا أن هذه الزيادة تتابع كلام المؤلف رحمه الله ولفائدتها أبقيناها ، وواضح أنها من زيادة النساخ أو تلاميذ
المؤلف رحمه الله .
(٣) الخبر بطوله في حلية الأولياء (٣٤/٣) وعن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨٢/٤١ - ٣٨٣).
٢٩٤
وفيات سنة ٩٤ هـ
وقال الطبراني : حدّثنا محمد بن عبد الله الخضري ، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا جرير ، عن
عمر بن حارث . قال : لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره .
فقالوا : ما هذا ؟ فقيل : كان يحمل جُرُب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة (١)
وقال ابن عائشة : سمعت أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين(٢)
وروى عبد الله بن حنبل : عن ابن إشكاب ، عن محمد بن بشر ، عن أبي المنهال الطائي أن علي بن
الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قَبّله ثم ناوله .
وقال الطبري : حدّثنا يحيى بن زكريا الغلابي ، حدّثنا العتبي حدّثني أبي قال : قال علي بن الحسين
- وكان من أفضل بني هاشم الأربعة - يا بنيَّ اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق ، ولا تخيب أخاك إلا
في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك .
وروى الطبراني بإسناده عنه : أنه كان جالساً في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم
رجع إلى مجلسه ، فقيل له : أمن حدث كانت الداعية ؟ قال : نعم ! فعزوه وتعجبوا من صبره ، فقال :
إنا أهل بيت نطيع الله عزَّ وجلَّ فيما نحبه ، ونحمده على ما نكره .
وروى الطبراني عنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال
لهم : انطلقوا إلى الجنة . فتلقاهم الملائكة فيقولون : إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة . فيقولون قبل
الحساب ؟ قالوا : نعم . قالوا : من أنتم ؟ قالوا نحن أهل الفضل ، قالوا : وما كان فضلكم ؟ قالوا : كنا
إذا جهل علينا حلمنا ، وإذا ظلمنا صبرنا ، وإذا أسيء إلينا غفرنا ، قالوا لهم : ادخلوا الجنة فنعم أجر
العاملين . ثم ينادي منادٍ : ليقم أهل الصبر ، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة ، فتتلقاهم
الملائكة ، فيقولون لهم مثل ذلك ، فيقولون : نحن أهل الصبر ، قالوا : فما كان صبركم ؟ قالوا : صَبَّرنا
أنفسنا على طاعة الله ، وصبرناها عن معصية الله ، وصبرناها على البلاء . فقالوا لهم : ادخلوا الجنة فنعم
أجر العاملين . ثم ينادي المنادي : ليقم جيران الله في داره ! فيقوم ناس من الناس وهم قليل ، فيقال
لهم : انطلقوا إلى الجنة ، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك ، فيقولون : بم استحققتم مجاورة الله
عزَّ وجلَّ في داره ؟ فيقولون : كُنَّا نتزاور في الله ، ونتجالس في الله ، ونتبادل في الله عزَّ وجلَّ . فيقال
لهم : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين .
وقال علي بن الحسين : إن الله يحب المؤمن المذنب التواب .
وقال : التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره ، إلا أن يتقي منهم
تقاة . قالوا : وما تقاة ؟ قال : يخاف جباراً عنيداً أن يسطو عليه وأن يطغى .
(١) هو في تاريخ دمشق (٣٨٤/٤١).
(٢) تاريخ دمشق (٤١ /٣٨٤).
٢٩٥
وفيات سنة ٩٤ هـ
وقال رجل لسعيد بن المسيّب : ما رأيت أحداً أورع من فلان . فقال له سعيد : هل رأيت علي بن
الحسين ؟ قال : لا ! قال : ما رأيت أورع منه .
وروى سفيان بن عيينة ، عن الزُّهري قال : دخلت على علي بن الحسين فقال : يا زهري فيم كنتم ؟
قلت : كنا نتذاكر الصوم ، فأجمع رأيي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم شيء واجب ، إلا شهر
رمضان فقال ! يا زهري ليس كما قلتم ، الصوم على أربعين وجهاً ، عشرة منها واجب كوجوب شهر
رمضان ، وعشرة منها حرام ، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر ، وصوم
النذر واجب ، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزُّهري قلت: فسِّرهن يا بن رسول الله وَلَه، قال: أما
الواجب فصوم شهر رمضان ، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق ، وصيام ثلاثة أيام
كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام ، وصيام حلق الرأس ، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدي ، وصوم
جزاء الصيد ، يقوّم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة . وأما الذي صاحبه بالخيار فصوم الإثنين
والخميس ، وستة أيام من شوال بعد رمضان ، وصوم عرفة ويوم عاشوراء ، كل ذلك صاحبه بالخيار .
فأما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها ، وكذلك العبد والأمة ، وأما صوم الحرام فصوم
يوم الفطر والأضحى ، وأيام التشريق ، ويوم الشك ، نهينا أن نصومه لرمضان . وصوم الوصال حرام ،
وصوم الصمت حرام ، وصوم نذر المعصية حرام ، وصوم الدهر ، وصوم الضيف لا يصوم تطوعاً إلا بإذن
صاحبه ، قال رسول الله وَّل: ((من نزل على قوم فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم)(١). وأما صوم الإباحة
فمن أكل أو شرب ناسياً أجزأه صومه ، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم : يصوم ، وقال قوم
لا يصوم ، وقال قوم : إن شاء صام وإن شاء أفطر ، وأما نحن فنقول : يفطر في الحالين ، فإن صام في
السفر والمرض فعليه القضاء ( ٢) .
وممن توفي في هذه السنة :
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (٣) بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي
المدني أحد الفقهاء السبعة ، قيل اسمه محمد ، وقيل اسمه أبو بكر ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، والصحيح
أن اسمه وكنيته واحد ، وله من الأولاد والإخوة كثير ، وهو تابعي جليل .
(١) الحديث رواه الترمذي في جامعه رقم (٧٨٩) في الصوم . وقال : هذا حديث منكر ، أقول : وهو ضعيف جداً .
(٢) إلى هنا تنتهي الزيادة من ط .
ترجمة - أبي بكر بن عبد الرحمن - في طبقات ابن سعد (٢٠٧/٥) وتاريخ خليفة (٣٠٦ و٣٩٣) وطبقاته (٢٤٥)
وتاريخ البخاري (٩/٩) والمعرفة والتاريخ (٢٣٣/١ و٣٥٢) ومواضع أخرى، وحلية الأولياء (١٨٧/٢ -
١٨٨) وصفة الصفوة (٩٢/٢) ووفيات الأعيان (٢٨٢/١) وتهذيب الكمال (١١٢/٣٣) وتاريخ الإسلام للذهبي
( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٥١٢ - ٥١٤) وسير أعلام النبلاء (٤١٦/٤ - ٤١٩) وتهذيب التهذيب (٢٩٥/٩)
وشذرات الذهب (٣٧٦/١).
(٣)
٢٩٦
وفيات سنة ٩٤ هـ
روى عن : عمار ، وأبي هريرة ، وأسماء بنت أبي بكر ، وعائشة وأم سلمة وغيرهم .
وروى عنه : جماعة منهم بنوه سلمة وعبد الله وعبد الملك ، وعمر ، ومولاه سُمَيّ ، وعامر
الشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ، وعمرو بن دينار ، ومجاهد ، والزُّهري .
ولد في خلافة عمر ، وكان يقال له راهب قريش(١)، لكثرة صلاته، وكان مكفوفأ٢ً) ، وكان يصوم
الدهر ، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم، وكان عبد الملك بن مروان
يكرمه ، ويعرف فضله ، ويقول : إني أهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا فأذكر أبا بكر بن
عبد الرحمن فأستحيي منه وأترك ذلك الأمر من أجله ، وله مناقب كثيرة٣ً) .
قال أبو داود : وكان قد كف ، وكان إذا سجد يضع يده في طست لعلة كان يجدها٤) . والصحيح أنه
مات في هذه السنة ، وقيل في التي قبلها ، وقيل في التي بعدها . والله أعلم .
[ قلت : ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال :
فقسمته حبرا٥ً) عنِ الحقِّ خارجهْ
ألا كل منْ لا يقتدي بأئمةٍ
سعيد أبو بكر سليمانُ خارجه (٦)
فخذهم عبيدُ الله عروةُ قاسم
وفيها توفي :
الفضيل بن زيد الرَّقاشي(٧) ، أحد زُهّاد أهل البصرة ، وله مناقب وفضائل كثيرة جداً ؛ قال :
لا يلهينَّك الناس عن ذات نفسك ، فإن الأمر يخلص إليك دونهم ، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت ، فإنه
محفوظ عليك ما قلت .
وقال : لم أر شيئاً أحسن طلباً ، ولا أسرع إدراكاً من حسنة حديثة لذنب قديم .
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري(٨)، كان أحد فقهاء المدينة ، وكان إماماً عالماً ، له
(١) في نسب قريش (٣٠٣): كان يسمى الراهب ، وكان من سادة قريش .
نكت الهميان ( ١٣١ ).
(٢)
من قوله : وكان عبد الملك ... إلى هنا ساقط من ط ، والخبر في الطبقات لابن سعد (٢٠٨/٥ - ٢٠٩) وتاريخ
(٣)
الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٥١٤) .
(٤)
سير أعلام النبلاء (٤ / ٤١٧ ).
(٥)
في الوفيات : ضيزى .
الأبيات في وفيات الأعيان (١/ ٢٨٣).
(٦)
ترجمة - الفضيل بن زيد - في طبقات ابن سعد (١٢٩/٧) وطبقات خليفة (٢٠٠) وتاريخ البخاري ( ١١٩/٧)
(٧)
وتاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٥٣) وفيه قال الذهبي : توفي سنة خمس وتسعين .
(٨) ترجمة - أبي سلمة بن عبد الرحمن - في طبقات ابن سعد (١٥٥/٥) وتاريخ خليفة (٢٢٨) وطبقاته (٢٤٢) =
٢٩٧
أحداث سنة ٩٥ هـ
روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة ، وكان واسع العلم. توفي بالمدينة(١) .
عبد الرحمن بن عائذ الأزدي(٢)، له روايات كثيرة ، وكان عالماً، وخَلَّف كتباً كثيرة من علمه ،
روى عن جماعة من الصحابة ، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج .
عبد الرحمن بن معاوية (٣) بن حُدَيج(٤) ، قاضي مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته
كان عالماً فاضلاً ، روى الحديث ، وعنه جماعة (6)
ثم دخلت سنة خمس وتسعين
فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم ، وافتتح حصوناً كثيرة .
وفيها فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة الباب من أرمينية وخربها ثم بناها بعد ذلك بتسع سنين(٦) .
وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولتان من أرض الهند [وأخذ منها أموالاً جزيلة .
وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العَجَل تُحمل من كثرتها ،
ومعه ثلاثون ألف رأس من السَّبي }٧) .
وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش [ ففتح مدناً وأقاليم كثيرة ] فلما كان هناك(٨) جاءه الخبر
وتاريخ البخاري (١٣٠/٥) والمعرفة والتاريخ (٥٥٨/١) وتهذيب الكمال (٣٧٠/٣٣) وتاريخ الإسلام
=
( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٥٢٢ - ٥٢٣) وسير أعلام النبلاء (٢٨٧/٤ - ٢٩٢) وتهذيب التهذيب (١١٥/١٢ -
١١٨ ) .
(١) ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام خلاف المؤرخين في سنة موته .
(٢) ترجمة - عبد الرحمن بن عائذ - في طبقات خليفة (٣١٠ و٣١٣) وتاريخ البخاري (٣٢٤/٥ - ٣٢٥) والمعرفة
والتاريخ (٣٨٢/٢ - ٣٨٣) وأسد الغابة (٣٠٣/٣) وتهذيب الكمال (١٩٨/١٧) وتاريخ الإسلام للذهبي
( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤١٥ - ٤١٦) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨٧ - ٤٨٩) والإصابة (٤٠٥/٢) وتهذيب
التهذيب (٢٠٣/٦ - ٢٠٤).
(٣) ترجمة - عبد الرحمن بن معاوية - في التاريخ الكبير (٣٥٠/٥) وتهذيب الكمال (٤١٢/١٧) وتاريخ الإسلام
للذهبي ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤١٦) وقال: توفي سنة خمس وتسعين . وتهذيب التهذيب (٢٧١/٦ -
٢٧٢) .
(٤) فى الأصل : خزيمة؛ تحريف، والتصحيح من مصادر الترجمة وتوضيح المشتبه (١٤٨/٣).
(٥) ما بين معكوفين زيادة من ط .
(٦) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٣).
(٧) ما بين معكوفين زيادة من ط ؛ والخبر في تاريخ خليفة (٣٠٧) وتاريخ الطبري (٤٩٢/٦) وتاريخ الإسلام
( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٣) .
(٨) في الطبري (٦/ ٤٩٢) وابن الأثير (٥٨٣/٤) : حتى إذا كان بالشاش أو بكشماهان أتاه ...
٢٩٨
ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته
بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك ورجع بالناس إلى مدينة مرو ، وتمثل بقول بعض الشعراء :
بحَورانَ أمسى أعلقتهُ الحبائلُ
لعمري لنعم المرءُ من آل جعفرٍ
فما في حياتي بعدَ موتكَ طائلٌ(٢)
فإن تَحْيَ لا أملل(١) حياتي وإن تمت
وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء ، ويعده على ذلك ويجزيه
خيراً ، ويثني عليه بما صنع من الجهاد وفتح البلاد [وقتال أهل الكفر والعناد }(٣).
وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله ، فولَّى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين
- الكوفة والبصرة - يزيد بن أبي كبشة، وولَّى خراجهما يزيد بن أبي مسلم ، وقيل كان الحجاج
يستخلفهما على ذلك فأقرَّهما الوليد ، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه . وكانت وفاة
الحجاج لخمس ، وقيل لثلاث بقين من رمضان ، وقيل مات في شوال من هذه السنة .
وحجَّ بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك ، قاله أبو معشر والواقدي .
وفيه قتل الوضاحي بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه(٤) .
وفي هذه السنة كان مولد أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس .
وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي(٥) وذكر وفاته
هو الحجاج بن يوسف (٦) بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن
سعد بن عوف بن ثقيف - وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن - أبو محمد الثقفي .
سمع ابن عباس ، وروى عن أنس ، وسَمرة بن جندب ، وعبد الملك بن مروان ، وأبي بردة بن
أبي موسى .
(١) في ط : أملك .
(٢) الأبيات للحطيئة في ديوانه ( ص ١٠٠) وذكر أنه خرج يريد علقمة بن علائة وهو بحوران، فمات علقمة قبل أن يصل
إليه الحطيئة ؛ فقال أبياتاً منها هذين البيتين .
(٣) نص الكتاب في الطبري وابن الأثير .
الخبر في المنتظم لابن الجوزي (٣٣٥/٦) وفيه : وقتل معه نحو من ألفين من رجاله .
(٤)
ترجمة - الحجاج بن يوسف - في تاريخ خليفة ( ٥٣٣) ومواضع أخرى ، وتاريخ البخاري (٣٧٣/٢) والمعرفة
(٥)
والتاريخ (٤٩٢/٣) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (٢٥/١) ومواضع أخرى كثيرة ، والكامل لابن الأثير
(٥٨٤/٤ - ٥٨٧) ووفيات الأعيان (٢٩/٢ - ٥٤) وتاريخ دمشق (١١٣/١٢ - ٢٠٥) وتاريخ الإسلام (حوادث
سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣١٤ - ٣٢٧) وسير أعلام النبلاء (٣٤٣/٤) والوافي بالوفيات (٣١٥/١١) وتهذيب التهذيب
(٢/ ٢١٠ -٢١٣) والنجوم الزاهرة (٢٣٠/١) وشذرات الذهب (٣٧٧/١) وتهذيب تاريخ دمشق (٥١/٤ _٨٥).
(٦) في تاريخ الإسلام : يوسف بن الحكم بن أبي عقيل .
٢٩٩
ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته
وروى عنه : أنس بن مالك ، وثابت البناني ، وحُميد الطويل ، ومالك بن دينار ، وجواد بن
مجالد ، وقتيبة بن مسلم ، وسعيد بن أبي عروبة . قاله ابن عساكر(١) ، قال : وكانت له بدمشق دور منها
دار الراوية بقرب قصر ابن أبي الحديد . وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير ، ثم عزله عنها وولاه
العراق . وقدم دمشق وافداً على عبد الملك .
ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، نبأنا سالم بن قتيبة بن مسلم ، قال(٢) : سمعت أبي يقول :
خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر ، فما زال يقول : إنه بيت الوحدة ، وبيت الغربة ، حتى بكى وأبكى
من حوله ، ثم قال : سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول : سمعت مروان يقول في خطبته :
خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: ما نظر رسول الله وَ له إلى قبر أو ذكره إلا بكى. وهذا الحديث له
شاهد في سنن أبي داو(٣) وغيره .
وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار : حدّثنا سَيَّار ، عن جعفر ، عن مالك بن دينار قال : دخلت
يوماً على الحجاج فقال لي: يا أبا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله وَ ليه؟ فقلت: بلى!
فقال: حدّثني أبو بردة، عن أبي موسى. قال: قال رسول الله وَّل: (( من كانت له إلى الله حاجة فليدع
بها في دبر صلاة مفروضة)). وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد(٤)
والله أعلم .
قال الشافعي : سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تخلل - أي تخلل أسنانها
لتخرج ما بينها من أذىّ - وكان ذلك في أول النهار ، فقال : والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينة دنية ،
وإن كان الذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك القذرة ، فطلقها فقالت: والله ما كان شيء مما
ذكرت ، ولكنني باكرت ما تبآكره الحرة من السواك ، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها . فقال
المغيرة ليوسف أبي الحجاج : تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتي برجل يسود ، فتزوجها يوسف أبو الحجاج. قال
الشافعي : فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم : ما أسرع ما ألقحت بالمبير(٥) .
(١) تاريخ دمشق (١٢/ ١١٣ - ١١٤).
(٢) من قوله : نبأنا سالم .. إلى هنا زيادة من ب ، وهي توافق تاريخ دمشق.
(٣) الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٢ / ١١٤).
(٤) الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٢/ ١١٤) . وأما الشاهد من حديث فضالة بن عبيد الذي ذكره ابن كثير ،
فهو أنه سمع رسول الله وَّه رجلاً يدعو في صلاته، لم يحمد الله تعالى ولم يصل على النبي ◌َّ. فقال ◌َلّر: عجل
هذا، ثم دعاه فقال له : (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله تعالى والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ◌َّر، ثم ليدع
بعدُ بما يشاء) رواه أحمد (١٨/٦) وأبو داود رقم (١٤٨١) وغيرهما وهو حديث صحيح، ولكن ليس بمعنى
الحديث الذي ذكره الحجاج .
(٥) تاريخ دمشق بسنده إلى الشافعي (١٢ / ١١٥ -١١٦).
٣٠٠
ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته
قال ابن خلكال(١) : واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي ، وكان زوجها الحارث
ابن كلدة الثقفي طبيب العرب ، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك .
وذكر صاحب العقد (٢) أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف ، ثم قدم دمشق فكان عند
رَوْح بن زنباع وزير عبد الملك ، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون
لرحيله ، فقال روح : عندي رجل توليه ذلك ، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش ، فكان لا يتأخر أحد
في النزول والرحيل ، حتى اجتاز إلى فسطاط رَوْح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوّف بهم وأحرق
الفسطاط ، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك ، فقال للحجاج : لم صنعت هذا ؟ فقال : لم أفعله إنما فعله
أنت ، فإن يدي يدك ، وسوطي سوطك ، وما ضرك إذا أعطيت زوحاً فسطاطين بدل فسطاطه ، وبدل
الغلام غلامين ، ولا تكسرني في الذي وليتني ؟ ففعل ذلك ، وتقدم الحجاج عنده .
قال : وبنى واسط في سنة أربع وثمانين ، وفرغ منها في سنة ست وثمانين ، وقيل قبل ذلك قال :
وفي أيامه نقطت المصاحف ، وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولاً يسمى كليباً ، ثم سُمي الحجاج .
وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج ، وأنه لم يرتضع أياماً حتى سقوه دم جدي ثم دم سالخ(٣)
ولطخ وجهه بدمه فارتضع ، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء ، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الذي
لطخ به وجهه .
ويقال إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط٤) ، وقيل إنها أم أبيه ، والله أعلم .
وكانت فيه شهامة عظيمة ، وفي سيفه رهق ، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة ،
وكان يغضب غضب الملوك ، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه ، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما
يزعم أيضاً - ولا سواء ولا قريب - .
وقد ذكر ابن عساكر(٥) في ترجمة سليم بن عتر التُّجيبي قاضي مصر ، وكان من كبار التابعين . وكان
ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية ، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم ، وكان يختم
القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها .
والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها ، فاجتاز بهما سليم بن عتر هذا فنهض إليه
(١) وفيات الأعيان (٢٩/٢).
العقد الفريد لابن عبد ربه ( ٦/٣ ).
(٢)
(٣)
السالخ : الأسود الشديد السواد .
قال ابن خلكان (٣٢/٢): إن عمر بن الخطاب طاف في المدينة فسمع امرأة تنشد في خدرها :
(٤)
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
فأتي عمر بنصر وسيّره إلى البصرة .
أم من سبیل إلی نصر بن حجاج
(٥) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٠/ ٢٠١) وقد سقط من تاريخ دمشق ط : دار الفكر من اسمه سليم.