Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ أحداث سنة ٩٠ هـ ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم ؛ ففتحا حصوناً وقتلا خلقاً من الروم وغنما وأسرا خلقاً كثيراً . وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر ، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك . وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر وولَّى عليها قُرّة بن شريك . وفيها قَتل محمد بن القاسم ملك الهند داهر بن صصَّةُ(١) ، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج . وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها ، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها ، وقد تقصاها ابن جرير(٢). وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهناً عليه . وفيها نقض نيزك ملك الترك الصلح الذي كان بينه وبين قتيبة ، واستجاش عليه بالملوك كلها ، فأتاه ملوك كثيرة كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يداً واحدة على قتيبة ، واتعدوا إلى الربيع [ وتعاهدوا وتعاقدوا ] على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية ، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة عظيمة جداً [لم يسمع بمثلها ] وصلب منهم سماطين في مسافة أربع فراسخ في نظام واحد ، وذلك مما كسر جموعهم كلهم(٣) . وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلّب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج ، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج ، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة ، وأخذ منهم ستة آلاف ألف ، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب ، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك ، فكان في ذلك بغيض الحجاج ، قال قائل للحجاج : إن في (١) تاريخ خليفة (٣٠٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٠) وفيه: صَصَّه بن داهر . (٢) تاريخ الطبري (٤٤٢/٦-٤٤٧) وجملة هذه الأخبار أيضاً في ابن الأثير (٤/ ٥٤٢_٥٤٥). وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٦ - ٣٧) باختصار . (٣) الخبر في تاريخ الطبري (٦/ ٤٤٧) وابن الأثير (٥٤٥/٤). ٢٤٢ أحداث سنة ٩٠ هـ ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه ، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ ، فأمر الحجاج : أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب ، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عيه فطلقها الحجاج ثم أودعهم في السجن ، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشاً إلى الأكراد واستصحبهم معه ، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس ، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد بن المهلّب بطعام كثير فصنع للحرس ، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال : ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا ، ثم اتبعه يتحققه ، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه ، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن [ وساروا نحو الشام ] فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان ، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمرهم بالاستعداد لهم ، وأن يرصدهم في كل مكان ، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم ، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان ، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع - عبد الرحمن بن محمد - بن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له ، وتحقق عنده قول الراهب . وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلّب لهذا اليوم ، فركبها وسلك به دليل من بني كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد ، فأخذ بهم على السماوة ، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام ، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن(١) على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريماً على سليمان بن عبد الملك - فسار إليه فقال له : إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي ، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج ، قال : فاذهب فائتني بهم فهم آمنون ما دمت حياً ، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك ، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد : إن آل المهلب قد أمنتهم ، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف ، وهي عندي . فكتب إليه الوليد : لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إليّ . فكتب إليه : لا والله لا أبعثه حتى أجيء معه ، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري . فكتب إليه : لا والله لا تجيء معه وابعث به إليّ في وثاق . فقال يزيد : ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحرباً ، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب ، وقال لابنه : إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة ، وادخلا عليه كذلك . فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة ، قال : والله لقد بلغنا من سليمان . ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمّه وقال : يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها ، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك . ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه : أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره ، بل لم أُجر إلا سامعاً مطيعاً ، حسن البلاء (١) في الطبري (٦ / ٤٥٠) وابن الأثير (٤/ ٥٤٦) وسار يزيد حتى قدم فلسطين . ٢٤٣ وفيات سنة ٩٠ هـ والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته ، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد قطيعتي وإخفار ذمتي والابلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت ، وأنا أعيذك بالله من احتراد(١) قطيعتي وانتهاك حرمتي ، وترك بِّي [ وإجابتي إلى ما سألتك ] ووصلتي ، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك ، ولا متى يفرِّق الموت بيني وبينك ، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤدٍّ ، وعن مساءتي نازع فليفعل ، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسرَّ مني برضاك وسرورك ، وإن رضاك وسرورك أحب إليّ من رضائي وسروري ، ومما ألتمس به رضوان الله عزَّ وجلَّ لصلتي ما بيني وبينك ، وإن كنت يا أمير المؤمنين يوماً من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد ، وكل ما طلبته به فهو عليّ . فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد شققنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلّم يزيد بن المهلّب فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه ، ومن يكفره فلسنا بكافريه ، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ، ما إن المنة فيه علينا عظيمة . فقال له : اجلس ؛ فجلس ، فأمنه وكف عنه وردّه إلى سليمان ، وكان عنده يعلّمه الهيئة ، ويصف له ألوان الأطعمة الطيبة ، وكان حظّاً عنده لايُهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخي سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إليّ فيهم. فكفّ الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبي عيينة بن المهلّب ألف ألف درهم ، ولم يزل يزيد بن المهلّب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، كما سيأتي، وولي يزيد بلاد العراق بعد الحجاج(٢). وفيها توفي من الأعيان : تياذوق (٣) الطبيب(٤) الحاذق ، له مصنفات في فنه، وكان حظّاً عند الحجّاج ، مات في حدود سنة تسعين بواسط . [ وفيها توفي : عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة٥) (١) الاحتراد : من الحرد وهو القصد . القاموس ( حرد). (٢) ثمة بعض الخلافات اللفظية في أ آثرنا عدم الإشارة إليها لتوافق المعنى . (٣) في ط: ((يتاذوق))، محرف. ترجمة - يتاذوق - في أخبار الحكماء للقفطي (١٠٥) طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (١٢١/١) تاريخ الإسلام (٤) ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٤٧) والوافي بالوفيات (٤٤٩/١٠-٤٥٠). (٥) ترجمة - عبد الرحمن بن المسور - في طبقات ابن سعد (١١٤/٦) وتاريخ خليفة (٣٠٣) وطبقاته (٢٤٣) والمعرفة= ٢٤٤ وفيات سنة ٩٠هـ وأبو العالية الرِّياحيّ(١) . وسِنان بن سَلَمة بن المحبَّق (٢) ، أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولّى غزو الهند ، وطال عمره . وتوفي في هذه السنة : محمد بن يوسف الثقفي(٣) أخو الحجاج ، وكان أميراً على اليمن ، وكان يلعن علياً على المنابر ، قيل إنه أمر حجر المدري أن يلعن علياً فقال: بل لعن الله من يلعن علياً، ولعنة الله على من لعنه الله(٤) . وقيل إنه ورَّى في لعنه ، فالله أعلم ٥٣) . خالد بن يزيد بن معاوية٦) ، أبو هاشم الأموي الدمشقي ، وكانت داره بدمشق تلي دار الحجارة ، والتاريخ (٣٦٩/١) والكامل في التاريخ (٥٤٨/٤) وتهذيب الكمال (١٧ /٤٠٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ = - ١٠٠ / ص١٣١ - ١٣٢) وتهذيب التهذيب (٢٦٩/٦). (١) ترجمة - أبي العالية الرياحي - في طبقات ابن سعد (٧/ ١١٢) وطبقات خليفة (٢٠٢) والمعرفة والتاريخ (١/ ١٣٧) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (٥١٦/١) وحلية الأولياء (٢١٧/٢) وتاريخ دمشق (١٥٩/١٨ و٢٢/٦٧) وسماه : رفيع بن مهران، وتهذيبه (٣٢٦/٥) وأسد الغابة (١٨٦/٢) وتهذيب الكمال (٢١٤/٩) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٤١) وسير أعلام النبلاء (٢٠٧/٤) والوافي بالوفيات (١٣٨/١٤) والإصابة (٥٢٨/١) وتهذيب التهذيب (٢٨٣/٣) وشذرات الذهب (١٠٢/١). (٢) ترجمة - سنان بن سلمة - في طبقات ابن سعد (١٢٤/٧) وتاريخ خليفة (٢٠٩-٢١٢) وطبقاته (١٩٢) والمعرفة والتاريخ (٣٣٣/١) والاستيعاب (٨٢/٢) وأسد الغابة (٣٥٧/٢) وتهذيب الكمال (١٤٩/١٢) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٧٤ - ٧٥) والوافي بالوفيات (٤٦١/١٥) وتهذيب التهذيب (٢٤١/٤) والإصابة (١٣١/٢) وشذرات الذهب (١٧٨/١). (٣) ترجمة - محمد بن يوسف الثقفي - في تاريخ خليفة (٢٩٣ و٣١١) والمعرفة والتاريخ (١ - ٦٨) والكامل لابن الأثير (٥٧/٥) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٤٧٠) وقال الذهبي : قال سعيد بن عفير : مات باليمن في رجب سنة إحدى وتسعين . والوافي بالوفيات (٢٤٢/٥) . (٤) عبارة الذهبي في تاريخ الإسلام: قال: إن الأمير أمرني أن ألعن علياً فالعنوه . لعنه الله ، فما فطن لها إلا رجلٌ . قلت : حجر المدري ؛ وثقه العجلي . وقد تحرفت المدري في ط إلى المنذري . (٥) ما بين معكوفين زيادة من ط . (٦) ترجمة - خالد بن يزيد بن معاوية - في تاريخ خليفة (٢٥٩) والأخبار الطوال (٢٨٥ و٣٢٥) والمعرفة والتاريخ (٥٧١/١) و٥٧٢) ومواضع أخرى، وأنساب الأشراف (٧٤/٣ و٨٥) وتاريخ دمشق (٣٠١/١٦) وتهذيبه (١١٩/٥-١٢٣) وأسد الغابة (٩٧/٢) ووفيات الأعيان (٢٢٤/٢) وتهذيب الكمال (٢٠١/٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٥٥ - ٥٨) وسير أعلام النبلاء (٣٨٢/٤) وتهذيب التهذيب (١٢٨/٣) والإصابة (٤٦٩/١) وشذرات الذهب (٣٥٩/١). ٢٤٥ أحداث سنة ٩١ هـ وكان عالماً شاعراً ، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء(١) ، وكان يعرف شيئاً من علوم الطبيعة ، روى عن أبيه ودحية الكلبي ، وعنه الزهري وغيره . قال الزُّهري : كان خالد يصوم الأعياد كلَّها الجمعة والسبت والأحد . وقال أبو زرعة الدمشقي : كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم ، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد ، وكان ولي العهد من بعد مروان فلم يتم له الأمر ، وكان مروان زوج أمه ، ومن كلامه : أقرب شيء الأجل ، وأبعد شيء الأمل ، وأرجى شيء العمل . وقد امتدحه بعض الشعراء فقال : فقالا جميعا٢ً) إننا لعبيدُ سألت الندا والجودَ حُرّانٍ أنتما عليّ وقالا خالد بن يزيد (٣) فقلتُ ومن مولاكُما فتطاولا قال : فأمر له بمئة ألف . وكانت وفاته في هذا العام ، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك ، والصحيح الأول . عبد الله بن الزَّبير(٤) بن سُليم ، الأسدي ، الشاعر أبو كثير(٥) ، ويقال أبو سعيد ، وهو مشهور ، وفد على عبد الله بن الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئاً فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزُّبير : إنَّ وصاحبها ، يقال إنه مات في زمن الحجاج . ثم دخلت سنة إحدى وتسعين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد ، وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان ، ففتح مدائن وحصوناً كثيرة أيضاً [ وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك ]٦) . (١) قال الذهبي : ونقل ابن خلكان : أنه كان يعرف الكيمياء .. وهذا لم يصح. تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص ٥٧ ) . (٢) في ط : فردا وقالا ، وما أثبت يوافق المصادر . الأبيات في تاريخ دمشق (١٦/ ٣١٠) ووفيات الأعيان (٢٢٥/٢) وتاريخ الإسلام (ص ٥٧ ) وتهذيب تاريخ دمشق (٣) (٢١/٥). (٤) ترجمة - عبد الله بن الزَّبير - في طبقات خليفة (ت٢٥٩٣) والأغاني (٣٣/١٣) وتاريخ دمشق (٢٥٨/٢٨) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص١٠٨) وسير أعلام النبلاء (٣٨٣/٣) والوافي بالوفيات (٧/ ١٨٠) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (٤٢٦/٧). في تاريخ الإسلام : أبو كبير . (٥) (٦) ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي توافق الطبري (٤٥٤/٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٥٢). ٢٤٦ أحداث سنة ٩١ هـ وفيها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدناً كثيرة [ ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضي غابرة قاصية فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن ، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارّة سائغة ، فبادوا جميعاً فلا مخبر بها }(١) وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة [ وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد ، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدو في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة ، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم ، فاجتمعوا اجتماعاً هائلاً لم يجتمعوا مثله في موقف ، فكسرهم قتيبة ] وقتل منهم أمماً كثيرة ، وكسر جيوشهم ، ورد الأمور إلى ما كانت عليه ، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض الأماكن من جملة من أخذه من الأسارى سماطين طولهما أربعة فراسخ من هاهنا وهاهنا ، عن يمينه وشماله ، صلب الرجل منهم بجنب الرجل ، وهذا شيء كثير ، وقتل في الكفار قتلاً ذريعاً ، ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم ، إلى إقليم ، ومن كورة إلى كورة ، ومن رستاق إلى رستاق ، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك(٢) شهرين متتابعين ، حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة ، وأشرف هو ومن معه على الهلاك ، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمناً [ مذموماً مخذولاً ] فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يوماً بقتله ، فجمع قتيبة الأمراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه ، فقائل يقول : اقتله . وقائل يقول لا تقتله ، فقال له بعض الأمراء : إنك أعطيت الله عهداً لئن ظفرت به لتقتلنه ، وقد أمكنك الله منه ، فقال قتيبة : والله إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته ، ثم قال : اقتلوه اقتلوه اقتلوه ، فقتل هو وسبعمئة من أصحابه في غداة واحدة (٣) قال الواقدي وغيره(٤) : وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ، فلما اقترب قدومه إلى المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم ، ودخل المدينة النبوية فأخلي له المسجد النبوي ، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه ، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم ، فقالوا له : تنحَّ عن المسجد أيها الشيخ ، فإن أمير المؤمنين (١) ما بين معكوفين زيادة من ط ، وفي الطبري (٦/ ٤٥٤): وفيها غزا موسى بن نصير الأندلس ، ففتح على يديه أيضاً مدائن وحصون . (٢) سماها الذهبي : بغلان، قال ياقوت : بغلان - بفتح أوله وسكون ثانيه - ، بلدة بنواحي بلخ ، وظني أنها من طخارستان وهي العليا والسفلى ، وهما من أنزه بلاد الله على ما قيل لكثرة الأنهار والتفاف الأشجار . معجم البلدان (٤٦٨/١) . تفصيل خبر نيزك وقتله في الطبري (٤٥٤/٦ - ٤٥٨) وابن الأثير (٥٤٩/٤ - ٥٥٢) وفي ط زيادة مفادها سرد لملاحقة (٣) قتيبة لنيزك وفيها من التكرار ما لا فائدة منه ، وهي لا توافق أ ، ب واختصارها من المصادر فيه خلل كبير ؛ فأعرضنا صفحاً عنها . (٤) تاريخ الطبري (٤٦٥/٦). ٢٤٧ وفيات سنة ٩١ هـ قادم ، فقال : والله لا أخرج منه ، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي هاهنا ويدعو هاهنا ، قال عمر بن عبد العزيز : وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه ، فحانت منه التفاتة فقال : من ؟ هذا أهو سعيد بن المسيّب ؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك . فقال : قد علمت حاله ، وجعل يدور في المسجد ويتفرج في عمارته ويسألني عن سعيد بن المسيّب ، فقلت : إنه وإنه ، وقصدت موافقته في ذلك ، فشرع يثني عليه . فقلت : يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال : نحن أحق بالسعي إليه ، فجاء فوقف عليه فسلّم عليه فلم يقم له سعيد ، ثم قال الوليد : كيف الشيخ ؟ فقال : بخير والحمد لله ، كيف أمير المؤمنين ؟ فقال الوليد : بخير والحمد لله وحده ، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز : هذا بقيّة الناس . فقال : أجل يا أمير المؤمنين . قالوا: ثم خطب الوليد على منبر رسول الله وسل﴿ فجلس في الخطبة الأولى وانتصب قائماً في الثانية ، وقال : هكذا خطب عثمان ، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهباً كثيراً وفضة كثيرة ، ثم كسا المسجد النبوي بكسوة من كسوة الكعبة التي معه ، وهي من ديباج غليظ . وتوفي في هذه السنة : السائب بن يزيد(١) بن سعيد بن ثمامة، وقد حج به أبوه مع رسول الله وَلخير وعمره سبع سنين ، رواه البخاري (٢) . فلهذا قال الواقدي : إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة ، وتوفي سنة إحدى وتسعين . وقال غيره : سنة ست وقيل ثمان وثمانين ، فالله أعلم . سهل بن سعد الساعدي(٣)، صحابي مدني جليل، توفي رسول الله بَّليل وله من العمر خمس عشرة سنة ، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله في يده ، ليذلّهم كيلا يسمع الناس من رأيهم ، قال الواقدي : توفي سنة إحدى وتسعين عن مئة سنة ، وهو آخر من مات في المدينة من (١) ترجمة - السائب بن يزيد - في تاريخ خليفة (٢٨٠) والمعرفة والتاريخ (٣٥٧/١ و٣٥٨) وأنساب الأشراف (٣/ ٧) ومواضع أخرى، والاستيعاب (٥٧٦/٢) وتاريخ دمشق (١٠٦/٢٠) وتهذيبه (٦٣/٦) والكامل لابن الأثير (٤٥٦/٤) وأسد الغابة (٢٥٧/٢) وتهذيب الكمال (١٩٣/١٠) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٦٣ - ٣٦٦) وسير أعلام النبلاء (٤٣٧/٣) والوافي بالوفيات (١٠٤/١٥) والإصابة (١٢/٢) وتهذيب التهذيب (٤٥٠/٣) وشذرات الذهب (٣٦٠/١). (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٨٥٨) في جزاء الصيد . (٣) ترجمة - سهل بن سعد الساعدي - في طبقات ابن سعد (٥/ ١٥٠-١٥١) وتاريخ خليفة (٣٠٣) وطبقاته (٩٨) وتاريخ البخاري (٩٧/٤ - ٩٨) والمعرفة والتاريخ (٣٣٨) والاستيعاب (٩٥/٢) وأسد الغابة (٢/ ٤٧٢) والكامل لابن الأثير (٢/ ٤٧٢) وتهذيب الكمال (١٨٨/١٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٨٣ - ٣٨٤) وسير أعلام النبلاء (٤٢٢/٣ - ٤٢٤) والوافي بالوفيات (١١/١٦ -١٢) وتهذيب التهذيب (٢٥٢/٤ - ٢٥٣) والإصابة (٨٨/٢) وشذرات الذهب (٣٦١/١) . ٢٤٨ أحداث سنة ٩٢ هـ الصحابة . قال محمد بن سعد : وليس في هذا خلاف ، وقد قال البخاري وغيره : توفي سنة ثمان وثمانين ، فالله أعلم (١) . ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصوناً كثيرة وغنما شيئاً كثيراً وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم(٢). وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في اثني عشر ألفاً ، فخرج إليه ملكها أدرينوق (٣) في جحافلة وعليه تاجه ومعه سرير ملكه ، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره [ فكان من جملة ذلك السرير ] وتملك بلاد الأندلس بكمالها [ قال الذهبي (٤) : كان طارق بن زياد أمير طنجة وهي أقصى بلاد المغرب ، وكان نائباً لمولاه موسى بن نصير ، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء(٥) يستنجد به على عدوه ، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم ، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها أدرينوق(٦) ، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح ، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح ، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه ، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره ، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به ، ثم سار إليه مسرعاً بجيوشه فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري ، فأقام سنين(٧) يفتح في بلاد الأندلس ويأخذ المدن والأموال(٨)، ويقتل الرجال ويأسر النساء والأطفال ، فغنم شيئاً لا يحد ولا يوصف ولا يعد ، من (١) قال الذهبي في تاريخ الإسلام (ص ٣٨٤): اتفقوا على أنه مات سنة إحدى وتسعين ، إلا ما ذكر أبو نعيم والبخاري أنه مات سنة ثمان وثمانين . في الطبري (٤٦٨/٦) وابن الأثير (٤/ ٥٥٦): وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم. (٢) كذا سماه الطبري (٤٦٨/٦) وفي ابن الأثير (٥٦١/٤): الأذر يتوق، وفي العيون والحدائق (ص٣) الأذريق. (٣) وقال : إنه لقب ملوك الأندلس ، كما هو لقب الأكاسرة ، وفي الإمامة والسياسة (٧٣/٢): لذريق. (٤) تاریخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٥٥) . الجزيرة الخضراء : مدينة مشهورة بالأندلس ، وقبالتها من البر بلاد البربر سبتة ، وأعمالها متصلة بأعمال شذونة ، (٥) وهي شرقي شذونة ، وقبلي قرطبة ومدينتها من أشرف المدن وأطيبها أرضاً ، وسورها يضرب به ماء البحر ، ولا يحيط بها البحر كما تكون الجزائر ، لكنها متصلة ببر الأندلس لا حائل من الماء دونها . معجم البلدان (١٣٦/٢). في الكامل لابن الأثير (٥٦٣/٤) : أنه غرق في النهر . (٦) (٧) في تاريخ الإسلام : سنتين . (٨) إلى هنا ينتهي النقل من تاريخ الإسلام: وزاد الذهبي: ثم استخلف ــ أي موسى بن نصير - ولده عبد العزيز، ورجع بأموال عظيمة ، وسار بتحف الغنائم إلى الوليد . ٢٤٩ وفيات سنة ٩٢ هـ الجواهر واليواقيت والذهب والفضة ، ومن آنية الذهب والفضة والأثاث والخيول والبغال وغير ذلك شيئاً كثيراً ، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئاً كثيراً . وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة وبلغا إلى خليج القسطنطينية . وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف ، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها ، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد ، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان أموالًا كثيرة، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجعو(١) إلى مرو ، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورحل عنه اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون : إنك قد بؤت بالذل ، وأديت الجزية ، وأنت شيخ كيبر ، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك خال(٢) - أخا طرخون خان - ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد ، وكان من أمرهم ما سيأتي ]٣) وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رُتبيل ملك الترك الأعظم ، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة ، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك ، يحمل ذلك إليه (٤) ، فصالحه . وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة . وتوفى فيها من الأعيان : مالك بن أوس بن الحدثان البصري(٥) ، أبو سعيد المدني ، مختلف في صحبته . قال بعضهم(٦) : ركب الخيل في الجاهلية ورأى أبا بكر . في الأصل : فرجع والتصحيح من ابن الأثير . (١) في الطبري وابن الأثير : غوزك . (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط : والخبر بأوسع مما هنا في الطبري (٦/ ٤٦١ - ٤٦٤) وابن الأثير (٥٥٣/٤ - ٥٥٤) (٣) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٢٥٢ - ٢٥٣) ضمن أحداث سنة إحدى وتسعين . من قوله : على أموال عظيمة ... إلى هنا ساقط من ب، والخبر في الطبري (٦/ ٤٦٨) وابن الأثير (٥٦٨/٤) وليس (٤) فيهما هذه الزيادة ؛ إنما قالا : تلقته رسل رتبيل بالصلح فقبل ذلك وانصرف ، واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله بن عمير اللَّيني . وقال الذهبي في تاريخ الإسلام ( ص٢٥٤) بعد ذكره الخبر : فصالحه . وما زاد على ذلك . (٥) ترجمة - مالك بن أوس - في طبقات ابن سعد (٥٦/٥، ٥٧) وتاريخ خليفة (١٣٣) وطبقاته (٢٣٦) وتاريخ البخاري (٣٠٥/٧) والمعرفة والتاريخ (٣٩٧/١) والاستيعاب (٣٨٢/٣ - ٣٨٣) وأسد الغابة (٣٧٢/٤) وتهذيب الكمال (١٢١/٢٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٦٤ - ٤٦٥) وسير أعلام النبلاء (١٧١/٤ - ١٧٢) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٠ - ١١) والإصابة (٣٣٩/٣) وشذرات الذهب (٣٦٢/١). (٦) ذكر الذهبي هذا القول عن الواقدي. ٢٥٠ أحداث سنة ٩٣ هـ وقال محمد بن سعد: رأى رسول الله وَ ل ولم يحفظ منه شيئاً، وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم ، وقالوا : لا تصح له صحبة ، والله أعلم . مات في هذه السنة ، وقيل في التي قبلها ، فالله أعلم . طويس المغني (١)، اسمه عيسى بن عبد الله ، أبو عبد المنعم المدني مولى بني مخزوم ، كان بارعاً في صناعته ، وكان طويلاً مضطرباً أحول العين، وكان مشؤوماً ، لأنه ولد يوم مات رسول الله بَثّل ، وفطم يوم توفي الصديق ، واحتلم يوم قتل عمر ، وتزوج يوم قتل عثمان ، وولد له يوم قتل الحسين بن علي ، وقيل ولد له يوم قتل علي . حكاه ابن خلِّكان وغيره . وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويداء٢) ، وهي على مرحلتين من المدينة . الأخطل(٣)، كان شاعراً مطبقاً ، فاق أقرانه في الشعر . ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصوناً كثيرة من بلاد الروم ، منها حصن الحديد وغزالة وماسة وغير ذلك . وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سَمَسْطِيَّة . وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة٤) وفيها كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح وأن يعطيه من بلاده مدائن ، وأن يدفع إليه أموالاً ورقيقاً كثيراً على أن يقاتل أخاه(٥) ويسلمه إليه ، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم ، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه ، سواء كان مالاً أو نساءً أو صبياناً أو (١) ترجمة - طويس المغني - في الأغاني (٢٧/٣ - ٤٤) ووفيات الأعيان (٥٠٦/٣-٥٠٧) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٩٥) وسير أعلام النبلاء (٣٦٤/٤) والوافي بالوفيات (٥٠١/١٦) والنجوم الزاهرة (٢٢٥/١) وشذرات الذهب (١/ ٣٦٢) . في الأصل : السويد ؛ خطأ ، والسويداء : تصغير سوداء ، موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام (٢) (٢٨٦/٣) . (٣) ترجمة - الأخطل - فى طبقات الشعراء (١/ ٤٥١) وتاريخ دمشق (١٠٤/٤٨) وأنساب الأشراف (١/ ٧٠) ومواضع أخرى، ووفيات الأعيان (٣٢١/١) ومواضع أخرى، والمعرفة والتاريخ (٥٩٦/٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٨٤) ولم يذكر الذهبي سنة وفاته. (٤) تاريخ الطبري (٤٦٩/٦) . سماه الطبري : خرّزاد ، وكان أصغر من أخيه . (٥) ٢٥١ فتح سمر قند دواب أو غيره ، فأقبل قتيبة - نصره الله - في الجيوش فسلّم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه ، وبعث قتيبة إلى بلاد أخي خوارزم شاه جيشاً فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم ، فدفع أخاه إليه ، وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته ، قتل ألفاً بين يديه وألفاً عن يمينه وألفاً عن شماله وألفاً من وراء ظهره ، ليرهب بذلك الأعداء من الترك وغيرهم . فتح سمر قند ولما فرغ من هذا كله وعزم على الرجوع إلى بلاده ، قال له بعض الأمراء (١): إن أهل الصغد(٢) قد أمَّنوك عامك هذا ، فإن رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون ، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يوماً من الدهر فقال قتيبة لذلك الأمير : هل قلت هذا لأحد ؟ قال : لا ! قال فلأن يسمعه منك أحد أضرب عنقك . ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفاً فسبقه إلى سمرقند ، ولحقه قتيبة في بقية الجيش ، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السَّطوة من أبناء الملوك والأمراء ، وأمروهم أن يسيروا إليهم في الليل فيكبسوا جيش المسلمين ، وجاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك فجرّد أخاه صالحاً في ستمئة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون ، وقال : خذوا عليهم الطريق ، فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق وتفرّقوا ثلاث فرق ، فلما اجتازوا بهم باللّيل - وهم لا يشعرون بهم ــ ثاروا عليهم فاقتتلوا هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير واحتزوا رؤوسهم وغنموا ما كان معهم من الأسلحة المحلاّة بالذهب(٣)، والأمتعة ، وقال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الأبطال المعدودين بمئة فارس أو بألف فارس ، فنقَّلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح ، واقترب قتيبة من المدينة العظيمة التي بالصغد - وهي سمرقند - فنصب عليها المجانيق - وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم ، وناصحه من معه عليها من أهل بخارى وخوارزم ، فقاتلوا أهل الصغد قتالاً شديداً ، فأرسل إليه غورك٤) ملك الصغد : إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي ، فاخرج إليّ في العرب . فغضب عند ذلك قتيبة وميز العرب من العجم(٥) ، وقدّم الشجعان من العرب وأعطاهم جيّد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء ، وزحف بالأبطال على المدينة ورماها بالمجانيق ، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرائر الدُّخن ، وقام رجل منهم (١) سماه الطبري (٦/ ٤٧٢) وابن الأثير (٤/ ٥٧١): المجشّرى مزاحم الشُّلَمي. (٢) في ب : السغد وكذلك في الطبري ؛ ولا فرق . في الطبري عن راوي الخبر: وسلبنا من جيد السلاح ، وكريم المتاع ، ومناطق الذَّهب ودوابَ فرَّهة . (٣) (٤) في الطبري (٤٧٤/٦) : غوزك. ليس في الطبري - والخبر منه - أن قتيبة ميز العرب من العجم ، إنما قال : ميز أهل البأس ، فجمعهم ثم جلس (٥) يعرضهم بنفسه .. فسمى قتيبة الجبناء الأنتان ، وأخذ خيلهم ، وجيّد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين ، وترك لهم رثَّ السلاح ، ثم زحف بهم . . ٢٥٢ فتح سمر قند فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه . فمات بعد ذلك فأعطى قتيبة الذي رماه عشرة آلاف ، ثم لما أصبحوا رماهم بالمجانيق فئلم أيضاً ثلمة وصعد المسلمون فوقها وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب ، فقالت الترك لقتيبة : ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غداً ، فرجع عنهم وصالحوه من الغد على ألفي ألف ومئة ألف يحملونها إليه في كل عام ، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق ، ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب ، وفي رواية مئة ألف من رقيق (١) ؛ وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران ، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجداً ، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه ، ويتغدى ويخرج . فأجابوه إلى ذلك ، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال وصلى في المسجد وخطب وتغدى وأتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه ، وألقيت بعضها فوق بعض ، حتى صارت كالقصر العظيم ، ثم أمر بتحريقها [ فتصارخوا وتباكوا ] وقال المجوس : إن فيها أصناماً [قديمة ] من أحرقها هلك ، وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك ، وقال لقتيبة : إني لك ناصح فقال قتيبة : أنا أحرقها بيدي ، ثم أخذ في يده شعلة نار ، وقام إليها وهو يكبر الله عزَّ وجلّ ، وألقى فيها النار فاحترقت ، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهب . وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد٢) فأهداها إلى الحجاج ، فأهداها إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد . ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم : إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتم عليه ، ولكن الجند يقيمون عندكم من جهتنا. فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادَّا الْأُوْلَى ®] وَثَمُودَا فَمَا أَبْقَ ﴾ الآية [ النجم: ٥٠ - ٥١] ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو ، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم ، وقال له : لا تدع مشركاً يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد ، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه ، فإن جفَّت وهو بها فاقتله ، ومن رأيت منهم ومعه حديدة أو سكِّينة فاقتله بها وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحداً فاقتله ، فقال في ذلك كعب الأشقري(٣) - ويقال هي لرجل من جعفى : - ويزيدُ الأموالَ مالاً جديدا كل يومٍ يحوي قتيبةُ نهباً شابَ منهُ مفارقٌ كُنَّ سُودا باهليّ قد ألبسَ التاجَ حتى ترك الصغدَ بالعراءِ قُعُودا دوّخَ الصُّغدَ بالكتائبِ حتى وأبٌّ موجَعْ يُكّي الوليدا فوليدٌ يبكي لفقدِ أبيهِ تركتْ خيلُهُ بها أُخْدود(٤) كلما حلَّ بلدةً أو أتاها (١) في الطبري (٤٧٥/٦): وأما الباهليون فيقولون: صالحه قتيبة على مئة ألف رأس. زاد في الطبري (٤٧٦/٦): فقال - أي قتيبة - أترون ابن هذه يكون هجيناً؟ فقالوا : نعم ، يكون هجيناً من قبل أبيه . (٢) (٣) في أ وحدها : الأسدي ، ما هنا يوافق المصادر . (٤) الأبيات في تاريخ الطبري (٦/ ٤٨٠) وفي ابن الأثير (٥٧٥/٤) دون البيت الأخير ، وفي الفتوح لابن الأعثم = ٢٥٣ فتح سمر قند وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقاً عن الأندلس ، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، وفيها من الذهب والجواهر شيء كثير جداً ، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك ، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك ، فقدم بها على سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه (١) [ وكان فيها ما يبهر العقول ، لم ير منظر أحسن منها . واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير . وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب ، فافتتحوا مدناً كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطليطلة (٢) ، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم ، ومن القرى والرساتيق شيء كثير ، وكان لا يأتي مدينةً فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه ، وجهز البعوث والسرايا غرباً وشرقاً وشمالاً ، فجعلوا يفتتحون المغرب بلداً بلداً ، وإقليماً إقليماً ، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء ، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة ]٣) . وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدباً شديداً ، فخرج بهم موسى بن نصير فاستسقى بهم ، فما زال يدعو حتى انتصف النهار ، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له : ألا تدعو لأمير المؤمنين ؟ قال : ليس هذا الموضع موضع ذاك ، فسقاهم الله مطراً غزيراً(٤) . وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خُبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطاً بأمر الوليد له في ذلك ، وصب فوق رأسه قربة من ماءٍ بارد ، في يوم شتاءٍ بارد ، وأقامه على باب المسجد يومه ذلك فمات رحمه الله . [ وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بُشِّر بشيء من أمر الآخرة يقول : وكيف وخبيب لي بالطريق ؟ وفي رواية يقول : هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق ، ثم ألا أيهاً قتيبة غيبة أبى الله إلا أن يكون مؤيدا (٢٤٤/٧) قال : وقال أبياتاً مطلعها : = ولم يذكر غيره . (١) وهذا أحد القولين اللذين ذكرهما ابن الأثير (٥٦٦/٤). (٢) في ط : وطنجة ؛ خطأ والتصحيح من الطبري (٦/ ٤٨١). (٣) ما بين معكوفين زيادة من ط ، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٥٨) نقلاً عن تاريخ خليفة (٣٠٥)، وهي من الأخبار التي أوردها ابن الأثير ضمن أحداث سنة اثنتين وتسعين . (٤) مكانها في ط : فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطروا مطراً غزيراً وحسن حالهم ، وأخصبت بلادهم ، والخبر في الطبري (٦/ ٤٨١) . ٢٥٤ فتح سمر قند يصيح صياح المرأة الثَّكلى ، وكان إذا أثنى عليه يقول : خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير . وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيباً فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء ، وكانت تلك هفوة منه وزلَّة ، ولكن حصل له بسببها خير كثير ، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك }١) . وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف - مدينة الديبُل وغيرها من بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة ، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلاً منتخبة ، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر ، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جداً فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الملك داهر وغالب من معه ، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه . ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة ، من الجواهر والذهب وغير ذلك(٢) . فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية ليس لهم شغل إلا ذلك ، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، وبرها وبحرها ، وقد أذلوا الكفر وأهله ، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعباً ، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه ، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين ، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه . فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الترك ، يقتل ويسبي ويغنم ، حتى وصل إلى تخوم الصين ، وأرسل إلى ملكه يدعوه ، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفاً وأموالاً كثيرة هدية ، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده ، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفاً منه . ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين ، ولم يبق إلا أن يلتقي مع ملكها ، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر . ثم إن قتيبة قُتل بعد ذلك ، قتله بعض المسلمين . ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية ، وبنى بها مسلمة جامعاً يعبد الله فيه ، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعباً . ومحمد بن القاسم ابن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم . وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم . وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان . وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها ، بعد هذه الأقاليم الكبار ، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل (١) ما بين معكوفين زيادة من ط، وأول الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٤٦) ترجمة خبيب بن عبد الله . (٢) من قوله: وفيها افتتح محمد بن القاسم .. إلى هنا زيادة من ط ، والخبر مطابق لما في تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٥٧ - ٢٥٨) أما الطبري وابن الأثير فذكر فتوح محمد بن القاسم سنة خمس وتسعين هجرية ، وما بعد الخير زيادة من ط أيضاً ولا علاقة لها بأحداث سنة ثلاث وتسعين ؛ ولفائدتها آثرنا إبقائها . ٢٥٥ وفيات سنة ٩٣ هـ بلاد الترك ، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب ، وأوائل بلاد الهند . فكان سوق الجهاد قائماً في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بني أمية وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده ، والرشيد وأولاده ، في بلاد الروم والترك والهند . وقد فتح محمود سُبكتكين وولده في أيام ملكهم بلاداً كثيرة من بلاد الهند ، ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها . ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلاداً كثيرة ، وضعف الإسلام فيها ، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية ، وضعف الإسلام وقلّ ناصروه ، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من البلاد الشامية ، فأقام الله سبحانه بني أيوب مع نور الدين ، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه ، فلله الحمد والمنة ، وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى (١) وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة ، وكان سبب ذلك ، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه ، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد : إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة ، وهذا وهن وضعف في الولاية (٢) ، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما . فولِّ على المدينة عثمان بن حيان ، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري ، ففعل . فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء ، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة . وحجَّ بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك . وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : أنس بن مالك (٣) بن النَّضْر بن ضَمْضَم بن زيد بن حَرام بن ◌ُندَب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن (١) إلى هنا تنتهي الزيادة من ط. العبارة في ب : إن جماعة من أهل السن في العراق قد لجأوا إلى المدينة ومكة . وفي الطبري (٦/ ٤٨٢): إن مَنْ (٢) قبلي من مُرّاق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولجؤوا إلى المدينة ومكة ، وإن ذلك وهن . فكتب الوليد إلى الحجاج : أن أشر عليّ برجلين .. ترجمة - أنس بن مالك - في طبقات ابن سعد (٧/ ١٧ - ٢٦) وتاريخ خليفة (٩٩ و١٠٧ و١٢٣) وطبقاته (٩١ و١٨٦) (٣) ومعرفة الرجال (١٦٧/١ - ١٦٨) والمعرفة والتاريخ (٥٠٦/١ - ٥٠٨) والاستيعاب (١٠٨/١) وتاريخ دمشق (٣٣٢/٩ -٣٨٦) وتهذيبه (١٤٢/٣ - ١٥٣) ومختصره (٦٤/٥ -٧٦) وأسد الغابة (١٢٧/١ -١٢٩) ووفيات الأعيان (٢٥٠/١) وتهذيب الكمال (٣٥٣/٣ - ٣٧٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٨٨ - ٢٨٩) وسير أعلام النبلاء (٣٩٥/٣ - ٤٠٦) والوافي بالوفيات (٤١١/٩ - ٤١٦) وتهذيب التهذيب (٣٧٦/١ - ٣٧٩) والنجوم الزاهرة (٢٢٤/١) وشذرات الذهب (٣٦٥/١). ٢٥٦ وفيات سنة ٩٣ هـ النجار، أبو حمزة. ويقال أبو ثمامة١) الأنصاري النجاري، خادم رسول الله مصلٍ وصاحبه . وأمه أم سليمُ(٢) مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول الله وَّر أحاديث جمّة، وأخبر بعلوم مهمة، وروى عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وغيرهم . وحدث عنه خلق من التابعين . قال أنس: قدم رسول الله وَلقر المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنةً(٣) وقال محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه ، عن ثمامة قال : قيل لأنس : أشهدت بدراً ؟ فقال : وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله وَ لَ(٤) قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي(٥) : لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي. قلت : الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المشاهد ، والله أعلم . وقد ثبت أن أمه أتت به - وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة - إلى رسول الله بَل فقالت: يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله ، وسألته أن يدعو له فقال؛ (( اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة (٦) . وثبت عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله وَّل ببقلةُ(١) كنت أجْتنيها٨) وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك . وثبت عنه أنه قال: خدمت رسول الله وَّل عشر سنين فما ضربني ، ولا سبّني ، ولا عبس في وجهي، ولا قال لي لشيء لم لا فعلت هكذا. وقيل: إن النبي - رَ ليزر - دعا له فقال: ((اللهم كثّر ماله وولده ، وطوِّل حياته )) . (١) في ب : عامر. (٢) في أ، ط: حرام؛ وما أثبت عن ب، وابن سعد (١٧/٧) وتهذيب الكمال (٣٥٣/٣) والإصابة (٧١/١) وفي تاريخ الإسلام للذهبي : وأمه أم سليم وخالته أم حرام . (٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١١٠/٣) ومسلم (٢٠٢٩) (١٢٥). (٤) الخبر في تاريخ دمشق (٣٦١/٩). (٥) تهذيب الكمال (٣٥٤/٣) . رواه عبد بن حميد في مسنده رقم (١٢٥٥). وأخرجه البخاري (٦٣٣٤) و(٦٣٨٠)، ومسلم (٢٤٨٠) بلفظ: « بارك (٦) له فيما أعطيته)) بدل (( وأدخله الجنة))، وسيعيده المصنف أيضاً. في ط : بنخلة ، تحريف ، وما أثبت عن أ، ب والمصادر. (٧) في النهاية لابن الأثير: أي كناه حمزة . والخبر أخرجه الترمذي في جامعه رقم (٣٨٣٠) في المناقب ، وإسناده (٨) ضعيف . ٢٥٧ وفيات سنة ٩٣ هـ وكان أنس رضي الله عنه كثير الصلاة والصيام والعبادة(١) وقد انتقل بعد النبي مّ فسكن البصرة ، وكان له بها أربع دور ، وقد ناله أذى من جهة الحجّاج ، وذلك في فتنة ابن الأشعث ، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الأمر وأفتى فيه(٣) ، فختمه الحجاج في عنقه : هذا عتيق الحجاج ، وقد شكاه أنس كما قدّمنا إلى عبد الملك ، فكتب إلى الحجاج يعنفه ، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسٌ(٣) وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته ، قيل في سنة ثنتين وتسعين ، وهو يبني المسجد الجامع بدمشق . قال مكحول : رأيت أنساً يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال : لا وضوء . وقال الأوزاعي : حدثني إسماعيل بن عبيد الله(٤) بن أبي المهاجر قال : قدم أنس بن مالك على الوليد فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله ورسله يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله وليه يقول: (( أنتم والساعة كهاتين (٥) . ورواه عبد الرزاق بن عمر(٦) عن إسماعيل قال : قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره . وقال الزُّهري : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت : ما يبكيك ؟ قال : لا أعرف مما كان رسول الله وَّله وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتمُ(٧) . وفي رواية وهذه الصلاة قد ضُيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي . وقال عبد بن حميد(٨) ، عن عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس . قال : جاءت بي أمي إلى رسول الله و له وأنا غلام فقالت: يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له . فقال؛ ((اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة)). قال : فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة. (١) من قوله: وثبت عنه أنه قال ... إلى هنا زيادة من أوسيرد الخبر بكماله بعد قليل. (٢) في ط : أنه له مداخلة في الأمر وأنه أفتى فيه . (٣) الخبر ذكره الحاكم في المستدرك (٥٧٤/٣) مختصراً، وبطوله في تاريخ دمشق (٣٧٢/٩ - ٣٧٥) وتهذيبه (١٥١/٣ - ١٥٢). في الأصل : إسماعيل بن عبد الله ، والتصحيح من مسند أحمد . (٤) (٥) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٢٣/٣) . وهو حديث صحيح . هو عبد الرزاق بن عمر الثقفي ، ضعيف (ميزان الاعتدال ٦٠٨/٢). (٦) تاريخ دمشق (٣٣٥/٩) . (٧) (٨) رواه عبد بن حميد في مسنده رقم (١٢٥٥) وإسناده حسن . ٢٥٨ وفيات سنة ٩٣ هـ وفي رواية : قال أنس : فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادّون على نحو المئة . وفي رواية وإن ولدي لصلبي مئة وستة . ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جداً . وفي رواية قال أنس : وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومئةً(١) وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر(٢) في ترجمة أنس ، وقد أوردنا طرفاً من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد . وقال ثابت لأنس: هل مسّت يدُكَ كفَّ رسول الله وَلَ. قال: نعم! قال فأعطنيها أقبلها . وقال محمد بن سعد(٣) ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن المثنى بن سعيد الذراع(٤) قال سمعت أنس بن مالك يقول : ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله وَّل ثم يبكي. وقال محمد بن سعد(٥) ، عن أبي نعيم عن يونس بن أبي إسحاق ، عن المنهال بن عمرو قال : كان أنس صاحب نعل رسول الله وَ طل وإداوته. وقال أبو داود : حدّثنا الحكم بن عطية ، عن ثابت ، عن أنس . قال : إني لأرجو أن ألقى رسول الله الله فأقول: يا رسول الله خويدمك. وقال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا يونس ، حدّثنا حرب بن ميمون ، عن النضر بن أنس ، عن أنس . قال: سألت رسول الله وَ لل أن يشفع لي يوم القيامة. قال: ((أنا فاعل)) قلت: فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال: ((اطلبني أول ما تطلبني على الصراط)) قلت؛ فإذا لم ألقك؟ قال: ((فأنا عند الميزان)) قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: ((فأنا عند الحوض لا أخطىء هذه الثلاثة المواطن يوم القيامة)). ورواه الترمذي(٧) وغيره من حديث حرب بن ميمون ، أبي الخطاب الأنصاري به وقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقال شعبة: عن ثابت قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله وَ ليل من ابن أم سليم - يعني أنس بن مالك (٨) - تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٩١). (١) (٢) تاريخ دمشق (٣٤٦/٩ - ٣٥٣). (٣) الطبقات الكبرى (٢٢/٧) . في الطبقات : الذارع . (٤) الطبقات الكبرى (١/ ٤٨٢). (٥) مسند الإمام أحمد (١٧٨/٣). (٦) جامع الترمذي (٢٤٣٣)، وفي الباب عن عائشة عند أحمد (١٠١/٦) رقم (٢٤٦٩٦) فهو حديث حسن . (٧) طبقات ابن سعد (٢٠/٧ - ٢١) . (٨) ٢٥٩ وفيات سنة ٩٣ هـ وقال ابن سيرين : كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر(١). وقال أنس: خذ مني فأنا أخذت من رسول الله بِّل عن الله عزَّ وجلَّ، ولست تجد أوثق مني(٢). وقال معتمر بن سليمان ، عن أبيه سمعت أنساً يقول: ما بقي أحد صلى إلى القبلتين غيري(٣). وقال محمد بن سعد٤): حدّثنا عفان، حدّثني شيخ لنا يكنى أبا جناب سمعت الجريري(٥) يقول : أحرم أنس من ذات عرق فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله عزَّ وجلَّ حتى أحلّ ، فقال لي : يا بن أخي هكذا الإحرام . وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف : دخل علينا أنس يوم الجمعة ونحن في بعض أبيات أزواج النبي والر نتحدث فقال: مه ، فلما أقيمت الصلاة قال : إني لأخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم: مه ٦) . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا بشار بن موسى الخفّاف ، حدّثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاءت قَهْر مانة (٧) فقالت : يا أبا حمزة عطشت أرضنا ، قال فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البريّة فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السّحاب يلتئم ثم أمطرت حتى [ خيل إلينا أنها ] ملأت كل شيء ، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال : انظر أين بلغت السماء ، فنظر فلم تعدُ أرضه إلا يسير(٨) . وقال الإمام أحمد : حدّثنا معاذ بن معاذ ، حدّثنا ابن عون، عن محمد، قال: كان أنس إذا حدَّث عن رسول الله وَ لفر حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله اَل} . وقال الأنصاري(٩) : عن ابن عون عن محمد قال : بعث أمير من الأمراء إلى أنس شيئاً من الفيء فقال أخُمّس ؟ قال : لا ، فلم يقبله . وقال النضر بن شداد ، عن أبيه : مرض أنس فقيل له ألا ندعو لك الطبيب ؟ فقال : الطبيب أمرضني(١٠) . تاريخ دمشق (٣٦٢/٩) . (١) (٢) المصدر نفسه (٩/ ٣٦٣) . (٣) تاريخ دمشق (٩ / ٣٦٤) . الطبقات الكبرى (٢٢/٧) وتاريخ دمشق (٣٦٦/٩) وتهذيب تاريخ دمشق (١٤٩/٣). (٤) في ط الحريري - بالحاء المهملة -؛ تحريف، والجُريري وهو أبو العلاء حيَّان بن عمير، توضيح المشتبه (٢٧٨/٢). (٥) (٦) الخبر في تاريخ دمشق (٣٦٥/٩). القهرمان : فارسي معرب ، وهو الخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده ، والقائم بإدارة أمور الرجل . (٧) (٨) تاريخ دمشق (٩/ ٣٦٤ _ ٣٦٥). تاریخ دمشق (٣٦٨/٩) . (٩) (١٠) تاريخ دمشق (٣٦٨/٩). ٢٦٠ وفيات سنة ٩٣ هـ وقال حنبل بن إسحاق : حدّثنا أبو عبد الله الرَّقاشي ، حدّثنا جعفر بن سليمان ، حدّثنا علي بن زيد قال : كنت في القصر مع الحجّاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث ، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج : هي يا خبيث ، جوّال في الفتن ، مرة مع علي ، ومرة مع ابن الزُّبير ، ومرة مع ابن الأشعث ، أما والذي نفس الحجّاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصَّمْغة ، ولأجْردنك كما تجرَّد الضب . قال : يقول أنس : إياي يعني الأمير؟ قال إياك أعني ، أصمّ الله سمعك، قال : فاسترجع أنس ، وشُغل الحجّاج فخرج أنس فتبعناه إلى الرَّحبة ، فقال : لولا أني ذكرت ولدي - وفي رواية : لولا أني ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بعده أبداً(١). وقد ذكر أبو بكر بن عيَّاش : أن أنساً بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول : والله لو أن اليهود والنصارى رأوا مَن خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله وَّل عشر سنين. وذكر أذية الحجاج له ، فلما قرأ عبد الملك كتابه حصل عنده أمر عظيم ، فكتب إليه يقول : ويلك لقد خشيت أن لا يصلح على يدك أحد . وذكر له كلاماً فيه غلظة ويقول فيه : إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس واعتذر إليه . فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة ، همّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس ، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجّاج بالمصالحة [ وكان إسماعيل صديق الحجاج ] فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه ، وقال : إنما مثلي ومثلك : إياكِ أعني واسمعي يا جارة . أردت أن لا يبقى لأحد عليّ منطق . وقال ابن قتيبة (٢): كتب عبد الملك إلى الحجاج - لما قال لأنس ما قال - : يا بن المُسْتَفْرمة بعجم الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم ، قاتلك الله أخيفش العينين ، أفيتل الرّجلين ، أسود العاجزين - ومعنى قوله المُسْتَفْرمة عجم الزبيب - أي تضيق فرجها عند الجماع به ، ومعنى أركلك : أي : أرفسك برجلي ، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين . وقال أحمد بن صالح العِجْلي (٣) : لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين ، معيقيب كان به الجذام ، وأنس بن مالك كان به وَضح . وقال الحميدي : عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر قال : رأيت أنساً يأكل فرأيته يلقم لقماً عظاماً ، ورأيت به وضحاً شديدً(٤) . (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤٧/١) رقم (٧٠٤) وفيه: لا يستعييني، وهو تحريف ، والخبر أيضاً في تاريخ دمشق (٣٧٢/٩) وتهذيبه (١٥١/٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٩٤). (٢) المعارف لابن قتيبة (ص٣٩٦) والخبر في الأخبار الطوال (٣٢٤). (٣) تاريخ الثقات للعجلي (١٦١٣) والخبر في تاريخ دمشق (٣٧٥/٩) وتهذيبه (١٥٣/٣). (٤) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٩٥).