Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
مقتل المختار بن أبي عبيد الكذاب
قيس، وزياد بن عمرو(١) ، وقيس بن الهيثم وغيرهم ، وخرج المختار بعسكره فنزل المذار وقد جعل
على مقدمته أبا كامل الشاكري(٢)، وعلى ميمنته عبد الله بن كامل، وعلى ميسرته عبد الله بن وهب (٣)
الجشمي ، وعلى الخيل رزينُ(٤) بن عبد الله السلولي، وعلى الموالي أبا عمرة صاحب شرطته (٥)
فسمع المختار بأمرهم فخطب(٦) الناس وحثهم على الخروج ، وبعث بين يديه الجيوش ، وركب هو
وخلق من أصحابه وهو يبشر أصحابه بالنصر ، فلما انتهى مصعب إلى [ قريب ] الكوفة لقيتهم الكتائب
المختارية فحملت عليهم الفرسان الزبيرية ، فما لبثو(٧) إلا يسيراً حتى هربوا على حمية ، وقد قتل منهم
جماعة من الأمراء ، وخلق من القراء وطائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء ، وثلة من أصحاب المختار ذي
القول الفِراء ، ثم انتهت الهزيمة إليه .
[ وقال الواقدي : لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة وقد حصن
المختار القصر واستعمل عليه عبد الله بن شداد٨) وخرج المختار بمن بقي معه فنزل حَرَوراءُ(٩) فلما قرب
جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوساً ، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ ، وإلى عبد القيس
مالك بن منذر(١٠) ، وإلى العالية عبد الله بن جعدة ، وإلى الأزد مسافر بن سعيد، وإلى بني تميم سُليم بن
يزيد الكندي ، وإلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك ، ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالاً
شديداً إلى الليل فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الأشعث وعمير(١١) بن علي بن
أبي طالب ، وتفرق عن المختار باقي أصحابه ، فقيل له القصر القصر ، فقال : والله ما خرجت منه وأنا
أريد أن أعود إليه ، ولكن هذا حكم الله ، ثم ساروا إلى القصر فدخل وجاءه مصعب ففرق القبائل في
نواحي الكوفة ، واقتسموا المحال ، وخلصوا إلى القصر ، وقد منعوا المختار المادة والماء ، وكان
المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر ، ولما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه : إن الحصار لا يزيدنا
في ط : زياد بن عمر؛ وما أثبت عن أ، ب والطبري (٩٥/٦) وابن الأثير (٣٣٢/٣).
(١)
في الطبري وابن الأثير : ندب أصحاب ــ أي المختار - إلى الخروج مع أحمر بن شميط . إنما كان الشاكري على
(٢)
مقدمة جيش ابن شميط .
(٣)
في ابن الأثير : وهيب .
في ط : وزير ، وما هنا موافق للطبري .
(٤)
ما بين معكوفين زيادة من ط ؛ وهي اختصار لما في المصادر .
(٥)
(٦)
في ط : ثم خطب .
(٧)
في ط : لبثت المختارية .
(٨)
في الطبري (٩٩/٦): أن المختار استعمل عبد الله بن شداد على الكوفة .
حَرَوراء : ضبطها ياقوت بفتحتين ، وسكون الواو ، وراء أخرى ، وألف ممدودة . وقيل هي قرية بظاهر
(٩)
الكوفة ... معجم البلدان (٢/ ٢٨٣) .
(١٠) في الطبري: بعث إلى عبد القيس - وكان عليهم مالك بن المنذر - عبد الرحمن بن شريح الشِّبامي.
(١١) في الطبري وابن الأثير : عبيد الله بن علي بن أبي طالب.

٤٢
مقتل المختار بن أبي عبيد الكذاب
إلا ضعفاً ، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كراماً ، فوهنوا ، فقال أما فو الله لا أعطي بيدي .
ثم اغتسل وتطيب وتحنط وخرج فقاتل هو ومن معه حتى قتلوا ]١)
فأشار(٢) عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته ، فدخله وهو ملوم مذموم ، وعن قريب
ينفذ فيه القدر المحتوم ، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به
عليم ، وضيق عليهم المسالك والمقاصد ، وانسدت عليهم أبواب الحيل ، وليس فيهم رجل رشيد
ولا حليم ، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويَّته في الأمر الذي قد حل به ، واستشار من عنده من
جهة(٣) الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [ سبأ: ٤٩]
ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه ، على أن أخرجته من بين من كان يحالفه ويواليه ، ورأى أن يموت
على فرسه ، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه ، فنزل حمية وغضباً ، وشجاعة وكلباً ، وهو مع ذلك
لا يجد مناصاً ولا مفراً ولا مهرباً ، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر ، ولعله إن كان قد استمر على
ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر [ الموكلون بسقر ] ولما خرج من القصر قال لأصحاب مصعب : أنا
متولي(٤) - قالوا: لا إلَّا على حكم الأمير فقال: إلا على حكم نفسي أبداً، ثم قاتل قتالاً شديداً وتقدم إليه
رجلان شقيقان أخوان، وهما طرفة وطرافة(٥) ابنا عبد الله بن دجاجة من بني حنيفة ، فقتلاه بمكان الزّيّاتين
من الكوفة ، واحتزا رأسه وأتيا به إلى مصعب بن الزبير ، وقد احتل قصر الإمارة في الكوفة ، فوضع بين
یدیه ، كما وضع رأس ابن زياد بين يدي المختار ، [ وكما وضع رأس الحسين بين يدي ابن زياد ، وكما
سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان ، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما
بثلاثين ألفاً ]٦) .
وقد كان مصعب قد قتل جماعة من المختارية ، وأسر منهم خمسمئة أسير ، فضرب أعناقهم عن
آخرهم في يوم واحد ، وقد قتل من عيون أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس(٧) ،
وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد ، فلم يزل هنالك حتى قدم الحجاج ،
فسأل عنها فقيل له : هي كف المختار ، فأمر بها فرفعت وانتزعت من هنالك [ لأن المختار كان من قبيلة
الحجاج ، والمختار هو الكذاب ، والمبير الحجاج ، ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط ، ولم أجد رواية الواقدي في الطبري.
(٢) في ط : وقيل بل أشار ؛ والكلام مترابط لولا إقحام رواية الواقدي.
(٣)
في ط : في هذا السبب السّىء الذي قد اتصل سببه بسببه من .
(٤)
في ط : وسأل أن يخلي سبيله فيذهب في أرض الله .
في تاريخ الطبري (١٠٨/٦): طرَّاف، وفي الفتوح لابن الأعثم (٢/ ٣٥٢) طارف وطريفة.
(٥)
ما بين معكوفين زيادة من ط .
(٦)
زاد في مروج الذهب (١١٨/٣): وابنان له .
(٧)

٤٣
ترجمة المختار بن أبي عبيد الثقفي
شهوراً }(١) وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت : ما عسى أن أقول
فيه إلا ما تقولون أنتم فيه ، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها :
ما تقولين فيه ؟ فقالت : رحمه الله لقد كان عبداً من عباد الله الصالحين ، فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول
إنه نبيٌّ ، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها ، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت ، فقال في
ذلك عمر بن أبي ربيعة المخزومي(٢) :
قَتْلَ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطبولٍ(٣)
إنَّ من أعجبِ العجائبِ عِندي
إنَّ الله دَرَّها مِنْ قتيلٍ
قُتْلَتْ هكذا على غيرٍ مجُزْمٍ
وعلى الغانيات (٤) جرُّ الذيولِ(٥)
كُتِبَ القَتِلُ والقِتَالُ علينا
وقال أبو مخنف(٦) : حدّثني محمد بن يوسف، أن مصعباً لقي عبد الله بن عمر [ بن الخطاب ] فسلم
عليه [ فقال ابن عمر : من أنت ؟ ] فقال : أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير ، فقال له ابن عمر : نعم ، أنت
القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غَداة واحدة ؟ عِشْ ما استطعت ، فقال له مصعب : إنهم كانوا كفرة
سَحَرة، فقال ابن عمر: والله لو قتلت عدّتهم(٧) غَنَماً من تُراث أبيك لكان ذلك سَرَفاً .
وهذه ترجمة المختار بن أبي عُبيد الثقفي(٨)
هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة ٩) بن عنزة (١) بن عوف بن
ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي ◌َّه، ولم يره ، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة ، وإنما
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط .
في ط : ابن أبي رمثة، وما أثبت عن أ، ب والطبري وابن الأثير (٢٧٥/٤).
(٢)
العطبول : المرأة الفتية الجميلة الممتلئة الطويلة العنق . القاموس ( عطبل ) .
(٣)
(٤)
في الطبري وابن الأثير : المحصنات .
الأبيات في ملحق ديوان عمر بن أبي ربيعة (٤٩٨) والأخبار الطوال (٣١٠) وتاريخ الطبري (١١٢/٦) والفتوح لابن
(٥)
الأعثم (٢/ ٣٥٣) والعقد الفريد (٤٠٧/٤) والكامل للمبرد (١٨١/٢) والكامل لابن الأثير (٢٧٥/٤).
(٦)
تاريخ الطبري (١١٢/٦-١١٣) .
(٧)
في ط: ((عدلهم))، وما أثبتناه من م وتاريخ الطبري .
ترجمة - المختار بن أبي عبيد - في تاريخ خليفة (٢٦٢ - ٢٦٤) والأخبار الطوال (٢٠٥) وما بعدها ، والمعارف لابن
(٨)
قتيبة (٤٠٠) وتاريخ الطبري (٥٦٩/٥) و(٧/٦ و٣٨) وما بعدها، ومروج الذهب (٣٠/٢ و١٩٣) وما بعدها،
والاستيعاب (٥٣٣/٣ - ٥٣٦) وأسد الغابة (٣٣٦/٤) والكامل في التاريخ (٢١١/٤ - ٢٦٧) وسير أعلام النبلاء
(٥٣٨/٣ - ٥٤٤) والإصابة (٥١٨/٣) وشذرات الذهب (٢٩٣/١).
(٩) في أ، ط : عفرة ؛ تحريف ، وما أثبت عن ب وسير أعلام النبلاء.
(١٠) في ط : عمير ، خطأ ، وما أثبت عن أوالسير ، وفي أسد الغابة : غيرة .

٤٤
ترجمة المختار بن أبي عُبيد الثقفي
ذكره ابن الأثير في الغابة(١) ، وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة ، فقتل
يومئذ شهيداً وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين ، كما قدمنا ، وعرف ذلك الجسر به ، وهو جسر
على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد ، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد ، وكانت من
الصالحات العابدات . وهي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وكان عبد الله لها مكرماً ومحباً ، وماتت
في حياته ، وأما [ أخوها ] المختار هذا فإنه كان أولًا [ناصبياً ] يبغض علياً بغضاً شديداً ، وكان عند عمه
في المدائن ، وكان عمه نائبها ، فلما دخلها الحسن بن علي يوم طعنه أهل العراق وهو سائر إلى الشام
لقتال معاوية بعد مقتل أبيه ، [ فلما أحسَّ الحسن منهم بالغدر فر }٢) منهم إلى المدائن في جيش قليل ،
فقال المختار لعمه : لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده اليد البيضاء أبداً ، فقال له عمه :
بئس ما تأمرني به يابن أخي ، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب
ما كان ، وكان المختار من الأمراء بالكوفة ، فجعل يقول : أما لأنصرنه ، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد
ضربه مئة جلدة ، فسألت أخته زوجها فكتب إلى يزيد بن معاوية [ یتشفع فیه ] فأرسل یزید إلى ابن زياد
ليخرجه فأخرجه وسيره إلى الحجاز في عباءة ، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره حصين بن
نمير (٣) قتالاً شديداً ، ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخليط ، فسار إليهم وترك ابن الزبير ،
ويقال إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتاباً إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل ، فسار إليها ، وكان يظهر مدح
ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر ، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه ، وما زال حتى استحوذ على
الكوفة بطريق التشيع [ وإظهار ] الأخذ بثأر الحسين بن علي ، وبسبب ذلك التف عليه جماعات كثيرة من
الشيعة ، وأخرج عامل ابن الزبير منها عبد الله بن مطيع ، واستقر ملك المختار بها ، ثم كتب إلى ابن الزبير
يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهناً لبني أمية ، وقد خرج من الكوفة ، وأنا ومن بها في طاعتك ،
فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رؤوس الناس ، ويظهر طاعته ، ثم شرع
في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد ، فقتل منهم خلقاً كثيراً ، وظفر برؤوس
كبار منهم ، كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش بكماله وشَمْر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين
تولوا قتل الحسين ، وسِنان بن أبي أنس ، وخولي بن يزيد الأصبحي ، وخلق غير هؤلاء ، وما زال حتى
بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفاً إلى عبيد الله بن زياد وهو في جيش أعظم من جيش
المختار - بأضعاف مضاعفة - كانوا ستين ألفاً ، وقيل ثمانين ألفاً ، فقتل ابنُ الأشتر ابنَ زياد وكسر جيشه ،
واحتاز ما في معسكره واتفق ذلك في يوم عاشوراء سنة سبع وستين كما قدمنا ، ثم بعث برأس ابن زياد
ورؤوس أصحابه معه إلى المختار ، ففرح بذلك فرحاً شديداً ، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد
(١) أسد الغابة (٦/ ٢٠١).
ما بين معكوفين زيادة من ط ، وبدلها في أ : ففر .
(٢)
(٣) في ط : أهل الشام .

٤٥
ترجمة المختار بن أبي عبيد الثقفي
ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بمكة فأمر بهما فنصبت على عقبة الحجون (١) .
وقد كانوا نصبوها بالمدينة ، وطابت نفس المختار بالملك ، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع ، فلما
تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه ، بعث أخاه مصعباً أميراً على العراق ، فساروا إلى البصرة
فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز
رأسه وأمر بصلب كفه على باب المسجد ، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على
البريد٢) ، إلى أخيه عبد الله بن الزبير ، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد الله يتنفل ، فما زال يصلي حتى
أسحر ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس ، فلما كان قريب الفجر قال : ما جاء بك ؟ فألقى إليه
الكتاب فقرأه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بقي الرأس ، فقال : ألقه على باب المسجد ، فألقاه ثم جاء
فقال : جائزتي يا أمير المؤمنين ، فقال : جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق (٣)
وزالت دولة المختار كأن لم تكن(٤) ، وفرح المسلمون بزوالها ، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه
صادقاً ، بل كان كاذباً وكاهناً ، وكان يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل .
قال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا عيسى القاري أبو عمر(٦)، حدَّثني الشُّدّي ، عن رفاعة
الفِتْياني(٧) قال : دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال : لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها
لك. قال : فأردت أن أضرب عنقه . قال : فذكرت حديثاً حدَّثنيه أخي عمرو بن الحَمق ، قال قال
رسول الله وَ له: ((أيما مؤمن أمَّن مؤمناً على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء)).
وقال الإمام أحمد(٨): حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، عن حمّاد بن سَلَمة ، حدَّثني عبد الملك بن
عمير ، عن رِفاعة بن شدَّاد . قال : كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسلَّ سيفي
فاضرب عنقه، فذكرت حديثاً حدثناه عمرو بن الحَمِق. قال سمعت رسول الله وَالر يقول: (( من أمن
رجلاً على نفسه فقتله أُعطي لواء غدر يوم القيامة )) ورواه النسائي وابن ماجه (٩) من غير وجه عن
(١) عقبة الحجون : جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها .. ، وقال الأصمعي : الحجون هو الجبل المشرف الذي بحذاء
مسجد البيعة على شعب الجزارين . معجم البلدان (٢٢٥/٢) .
في الأخبار الطوال (٣٠٨): ووجه مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع عبد الله بن عبد الرحمن .
(٢)
ثمة خلافات طفيفة بين النسخ آثرنا عدم ذكرها لاشتراكها في المعنى . والخبر بطوله في تاريخ الطبري (١٠٤/٦)
(٣)
والأخبار الطوال (٣٠٨). وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢٣٨/٥٨) ط : دار الفكر .
(٤)
في ط زيادة : وكذلك سائر الدول .
مسند أحمد (٢٢٤/٥ و٤٣٧) وهو حديث صحيح .
(٥)
(٦)
في ط : حدثني أبو عمير السدي ؛ تحريف .
في ط : القباني ؛ تحريف والصواب ما أثبتناه ، وهو رفاعة بن شداد .
(٧)
مسند أحمد (٢٢٤/٥) وهو حديث صحيح .
(٨)
رواه النسائي في السير من الكبرى (٨٧٣٩)، وابن ماجه (٢٦٨٨) في الديات .
(٩)

٤٦
ترجمة المختار بن أبي عُبيد الثقفي
عبد الملك بن عمير وفي لفظ لهما : (( من أمن رجلاً على دم فقتله فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول
كافراً)) . وفي سند هذا الحديث اختلاف(١).
وقد قيل لعبد الله بن عمر (٢) : إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه ، فقال صدق ، قال تعالى :
وَ إِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ﴾ [ الأنعام: ١٢١].
وروى ابن أبي حاتم(٣) ، عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني [ عنده ] وكان
يتعاهد مبيتي باللّيل قال فقال لي : اخرج فحدِّث الناس ، قال : فخرجت فجاء رجل فقال : ما تقول في
الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان قال الله تعالى: ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ [يوسف: ٣] وقال
تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُؤُحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَاً﴾
[ الأنعام: ١١٢] قال فهمُّوا أن يأخذوني فقلت: مالكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم . فتركوني، وإنما أراد
عكرمة أن يعرِّض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه .
[ وروى الطبراني(٤) من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم : أن أباها دخل على المختار بن أبي عبيد
فقال له : يا أبا عامر لو سبقت رأيت(٥) جبريل وميكائيل، فقال له زيد: حفرت ونفرت(٦)، أنت أهون
على الله من ذلك ، كذاب مفترٍ على الله ورسوله }(٧) .
وقال الإمام أحمد(٨) : حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا عوف عن أبي الصدِّيق الناجي : أن الحجاج
ابن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق ، بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقال : إن ابنك
ألحد في هذا البيت ، وإن الله أذاقه من عذاب أليم ، وفعل به وفعل(٩)، فقالت(١٠): كذبت ، كان براً
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ في السنن، إنما أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٠٣)، والطبراني في الصغير
(٥٨٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٤) بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف .
أما قول المصنف ((وفي سند هذا الحديث اختلاف)) فكأنه يشير إلى اختلاف الرواة في تسمية الفتياني الراوي عن
عمرو بن الحمق، فقد جاء في رواية أنه عامر بن شداد، وفي رواية أخرى أنه رفاعة بن شداد، وهو الصواب، وبكل
حال فالحديث صحيح (بشار) .
الخبر في تفسير ابن كثير (٩١/٣) الآية ١٢١ من سورة الأنعام.
(٢)
الخبر في تفسير ابن كثير (٨٤/٣_٨٥) الآية ١١٢ من سورة الأنعام .
(٣)
المعجم الكبير (٢١٢/٥) رقم (٥١٢٧) .
(٤)
(٥)
في ط : شفت رأي ؛ وما أثبت عن ب والطبراني .
في ط ، أ : خسرت وتعست ؛ وما أثبت عن ب والطبراني .
(٦)
ما بين معكوفين ساقط من أ وحدها .
(٧)
مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٥١) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهو حديث صحيح .
(٩) في ط: (( وفعل به ما فعل))، وما أثبتناه من م ومسند أحمد .
(٨)
(١٠) في ط: ((فقالت له))، وما أثبتناه من م ومسند أحمد .

٤٧
ترجمة المختار بن أبي عبيد الثقفي
بالوالدين، صوّاماً قواماً، والله لقد أخبرنا رسول الله وم ثير- (( أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر
من الأول ، وهو مبير)) . هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ .
وقد أخرجه مسلم في «صحيحه)(١) في كتاب الفضائل عن عُقبة بن مُكْرَم العَمِّيِّ البصريّ ، عن
يَعْقوب بن إسحاق الحضرميّ ، عن الأسودِ بن شيبان ، عن أبي نَوْفل ، عن أسماء بنت أبي بكر أن
رسول الله الَّ قال: ((إن في ثقيف كذاباً ومبيراً)). وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها
عبد الله في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي .
وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في ((دلائل النبوة (٢) وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن
أبي عبيد ، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة ، وأسرّ إلى أخصائه أنه يُوحى إليه ، ولكن ما أدري هل كان
يدّعي النبوة أم لا؟ وكان قد وُضِعَ له كرسي يُعظّمُ ويُحَفُّ بالرجال ، ويُستر بالحرير ، ويُحمل على
البغال ، وكان يُضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن ، ولاشك أنه كان ضالاً مضلاً أراح الله
المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِى بَعْضَ الَّلِينَ بَعْضًا
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وأما المبير فهو القَتَّال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق
لعبد الملك بن مروان ، الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير ، كما سيأتي بيانه قريباً .
وذكر الواقدي(٣) أن المختار لم يزل مظهراً موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة
سبع وستين وأظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله وكان المختار في نحو من عشرين ألفاً ، وقد حمل عليه
المختار مرة فهزمه ، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار ،
وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكَذِب ، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الإمارة فحاصره
مصعب فيه أربعة أشهر ، ثم قتله في الرابع عشر من رمضان سنة سبع وستين ، وله من العمر سبع وستون
سنة فيما قيل (٤) .
فصل
ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه ، وبعث إليه
عبد الملك بن مروان ليقدم عليه(٥) ، فحار ابن الأشتر في أمره ، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب ، ثم
اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة ، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه
صحيح مسلم رقم (٢٥٤٥) في فضائل الصحابة .
(١)
(٢)
دلائل النبوة (٦ / ٤٨١) .
(٣)
تاريخ الطبري (١١٤/٦) .
الخبر في تاريخ الطبري (١١٤/٦_١١٥) وابن الأثير (٢٧٣/٤) وتاريخ الإسلام (٥٨/٥) وسير أعلام النبلاء (٥٤٣/٣).
(٤)
نسخة الكتابين في تاريخ الطبري (٦/ ١١١).
(٥)

٤٨
وفيات سنة ٦٧ هـ
واحترمه كثيراً ، وبعث مصعب المهلَّب بن أبي صفرة على الموصل والجزيرة وأذربيجان [ وأرمينية ،
وكان قد استخلف على البصرة حين خرج منها عبيد الله ]١) بن عبد الله بن معمر ، وأقام هو بالكوفة ، ثم
لم تنسلخ هذه السنة حتى عزله أخوه عبد الله بن الزبير عن البصرة وولَّى عليها ابنه حمزة بن عبد الله بن
الزبير ، وكان شجاعاً جواداً مخلطا٢) يعطي أحياناً حتى لا يدع شيئاً ، ويمنع أحياناً ما لم يمنع مثله ،
وظهرت خفة وطيش في عقله ، وسرعة في أمره ، فبعث الأحنف إلى عبد الله بن الزبير فعزله وأعاد إلى
ولايته أخاه مصعباً مضافاً إلى ما بيده من ولاية الكوفة .
قالوا : وخرج حمزة بن عبد الله بن الزبير من البصرة بمالٍ كثير من بيت مالها ، فعرض له مالكُ بن
مِسْمَع ، فقال : لا ندعك تذهب بأعطياتنا ، فضمن له عُبيد الله بن عبد الله بن معمر(٣) العطاء فكفَّ عنه ،
فلما انصرف حمزة لم يقدم على أبيه مكة ، بل عدل إلى المدينة ، فأودع ذلك المال رجالًا فكلُّهم غلَّ
ما أودعه وجحده ، سوى رجل من أهل الكتاب ، فأدّى إليه أمانته . فلما بلغ أباه ما صنع قال : أبعده
الله ، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص .
وذكر أبو مخنف : أن حمزة بن عبد الله بن الزبير ولي البصرة سنة كاملة فالله أعلم .
قال ابن جرير(٤) : وحج بالناس فيها عبد الله بن الزبير ، وكان عامله على الكوفة أخاه مصعباً ، وعلى
البصرة ابنه حمزة ، وقيل بل كان رجع إليها أخوه ، وعلى خراسان وتلك البلاد عبد الله بن خازم السُّلميّ
[ من جهة ابن الزبير والله سبحانه أعلم ] .
[ وممن توفي فيها من الأعيان:
الوليد بن عقبة بن أبي معيط(٥)
وأبو الجهمُ(٦)، وهو صاحب الأنبجانية المذكورة في الحديث الصحيح(٧).
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط وم. والخبر في الطبري (١١٧/٦) وفيه: أن مصعب استخلف على البصرة
عبيد الله بن عمر .
(٢)
التخليط : الفساد في الأمر . هامش أ .
(٣)
في الطبري ( ١١٨/٦) : عبيد الله بن عبيد الله بن معمر .
(٤)
تاريخ الطبري (١١٨/٦ ).
ترجمة - الوليد بن عقبة - في طبقات ابن سعد (٢٤/٦) و(٤٧٦/٧) وطبقات خليفة ( ٥٧) والاستيعاب الترجمة
(٦٣١/٣) وتاريخ دمشق (٢١٨/٦٣) وأسد الغابة (٤٥١/٥). وتهذيب الكمال (٥٣/٣١) وسير أعلام النبلاء
(٥)
(٤١٢/٣ -٤١٦). والإصابة (٦٣٧/٣) وتهذيب التهذيب (١٤٢/١١).
(٦) ترجمة - أبي الجهم - في طبقات ابن سعد (٤٥١/٥) والاستيعاب (٣٢/٤) وأسد الغابة (٥/ ٥٧) وتاريخ دمشق
(١٧٣/٣٨ - ١٨٥) ط دار الفكر، وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٢٨٠) وسير أعلام النبلاء
(٥٥٦/٢) والإصابة (٣٥/٤) واسمه: عُبيد - ويقال عامر - بن حذيفة بن عامر بن عبد الله.
(٧) الحديث في صحيح البخاري رقم (٥٨١٧ ) في اللباس ومسلم رقم (٥٥٦) في المساجد . ونصه في البخاري : عن =

٤٩
أحداث سنة ٦٨ هـ
وفيها قتل خلق كثير يطول ذكرهم ]١) .
ثم دخلت سنة ثمان وستين
وفيها رد عبد الله أخاه مصعباً إلى إمرة البصرة ، فأتاها فأقام بها ، واستخلف على الكوفة الحارث بن
عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، قُباع .
[ واستعمل(٢) على المدينة جابر بن الأسود الزّهريّ، وعزل عنها عبد الرحمن بن الأشعث لكونه
ضرب سعيد بن المسيِّب ستين سوطاً ، فإنه أراد منه أن يبايع لابن الزبير فامتنع من ذلك فضربه ، فعزله ابن
الزبير .
وفيها هلك ملك الروم قسطنطين بن قسطنطين ببلده ]٣) .
وفيها كانت وقعة الأزارقة ، وذلك أن مصعباً كان قد عزل عن ناحية فارس المهلَّب بن أبي صفرة ،
وكان قاهراً لهم وولاه الجزيرة وأذربيجان(٤)، [ وكان المهلب قاهراً للأزارقة ] وولى على فارس عمر بن
عبيد الله بن مَعمَر ، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبيد الله فقهرهم وكسرهم ، وكانوا مع أميرهم الزبير بن
الماحوز(٥)، ففروا بين يديه إلى إصطخر فاتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه (٦) ، ثم ظفر بهم
مرة أخرى ، ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ونواحيها ، فتقووا هنالك وكثر عددهم وعدتهم ، ثم أقبلوا يريدون
البصرة ، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبيد الله بن معمر وراء ظهورهم ، فلما سمع مصعب
بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبيد الله بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده ، وقد ركب عمر بن
عبيد الله في آثارهم ، فبلغ الخوارج أن مصعباً أمامهم وعمر بن عبيد الله من ورائهم ، فعدلوا إلى المدائن
فجعلوا يقتلون النساء والولدان ، ويبقرون بطون الحبالى ، ويفعلون أفعالاً لم يفعلها غيرهم(٧) ، فقصدهم
عائشة قالت صلى رسول الله بِّ في خميصة له لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما سلَّم قال: ((اذهبوا
=
بخميصتي هذه إلى أبي جهم ، فإنها ألْهتني آنفاً عن صلاتي ، وائتوني بأنبجانية أبي جهم بن حذيفة بن غانم من بني
عدي بن كعب)).
والأنبجانية : كساء من صوف لا عَلَمَ له ، وهي من أدون الثياب الغليظة .
(١)
ما بين معكوفين زيادة من ط .
(٢)
أي عبد الله بن الزُّبير .
ما بين معكوفين زيادة من ط وهي موافقة للطبري ٦/ ١١٩).
(٣)
في تاريخ الطبري (١١٩/٦) أنه وجهه إلى الموصل ونواحيها .
(٤)
في ط : ماجور ، وما أثبت موافق للطبري .
(٥)
سماه الطبري وابن الأثير : عبيد الله بن عمر .
(٦)
(٧) في ب: ويفعلون ما لا يفعله غيرهم، والخبر في تاريخ الطبري (٦/ ١٢١).

٥٠
أحداث سنة ٦٨ هـ
نائب الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها ، منهم إبراهيم بن الأشتر وشَبَث بن
رِبْعيّ ، فلما وصلوا إلى جسر الصراة(١) قطعه الخوارج بينه وبينهم ، فأمر الأمير بإعادته فأعيد ، ففرت
الخوارج هاربين بين يديه ، فاتبعهم عبد الرحمن بن مِخْنَف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى
أرض أصبهان ، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم ، ثم أقبلوا فحاصروا عَتّاب بن ورقاء شهراً ، بمدينة جيا٢ً) ،
حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز وغنموا ما في
معسكرهم ، وأمَّرت الخوارج عليهم قَطَريّ بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز ، فكتب مصعب بن
الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة - وهو على الموصل - أن يسير إلى قتال الخوارج وكان أبصر الناس
بقتالهم ، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيمَ بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج
ثمانية أشهر قتالاً لم يسمع بمثله .
قال ابن جرير(٣) : وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو
لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم .
قال ابن جرير : وفيها قتل عبيد الله بن الحر(٤) وكان من خبره أنه كان رجلاً شجاعاً تتقلب به الأحوال
والأيام والآراء ، حتى صار من أمره أنه لا يُطيع لأحدٍ من بني أمية ولا لآل الزبير ، وكان يمر على عامل
الكورة من العراق وغيره فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله من الحواصل قهراً ويكتب له به براءة ويذهب
فينفقه على أصحابه . وكان الخلفاء والأمراء يبعثون إليه الجيوش فيردها ويكسرها قلّت أو كثرت ، حتى
كان فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق ، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر
وقال : ادخل الكوفة وأعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعاً ، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه
يظهرهم على أمرهم ، فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد الله فبعث إليه جيشاً فقتلوه في المكان الذي هو
فيه(٥) ، وحمل رأسه إلى الكوفة ، ثم إلى البصرة ، واستراح الناس منه .
قال ابن جرير(٦) : وفيها شهد موقف عرفات أربع رايات متباينة ، كل واحدة منها لا تأتم بالأخرى
الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه .
والثانية لنجدة الحَرُوري وأصحابه .
والثالثة لبنى أمية .
في أ ، ب : الصرّار ، وما أثبت موافق للمصادر .
(١)
(٢)
في الطبري (٦/ ١٢٥) حيّ.
(٣)
تاريخ الطبري ( ١٢٧/٦) .
في أ ، ب : أبجر ؛ خطأ ، وما هنا موافق للمصادر .
(٤)
(٥)
في الطبري : أنه قتل بالأنبار .
تاريخ الطبري (١٣٨/٦).
(٦)

٥١
وفيات سنة ٦٨ هـ
والرابعة لعبد الله بن الزّبير.
وكان أول من دفع رايته ابن الحنفية ، ثم نجدة ، ثم بنو أمية ، ثم دفع ابن الزّبير فدفع الناس معه ،
وكان عبد الله بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير ، ولكنَّه تأخر دفعه ، فقال ابن عمر : أشبه بتأخيره دفع
الجاهلية ، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير ، وتحاجز الناس في هذا العام ، فلم يكن بينهم قتال . وكان
على نيابة المدينة لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري من جهة ابن الزبير ، وعلى الكوفة والبصرة
أخوه مصعب ، وعلى ملك الشام ومصر عبد الملك بن مروان ، والله أعلم .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
عبد الله بن يزيد الأوسي (١) ، شهد الحديبية .
وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث(٢)
وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي(٣)، ابن أخي عمر بن الخطاب، أدرك النبي ◌َّ ، وتوفي
بالمدينة عن نحو سبعين سنة .
عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري (٤)
عدي بن حاتم بن عبد الله(٥) بن سعد بن امرىء القيس، صحابي جليل، سكن الكوفة ثم سكن قرقيسيا٦ً) ..
(١) ترجمة - عبد الله بن يزيد - في طبقات ابن سعد (١٨/١٦) والمعرفة والتاريخ (٢٦٢/١) والجرح والتعديل
(١٩٧/٥) والاستيعاب (٣٩١/٢) وأسد الغابة (٢٧٤/٣) وتهذيب الكمال (٣٠١/١٦ -٣٠٣) وتاريخ الإسلام
للذهبي (١٦٧/٥ -١٦٨) وسير أعلام النبلاء (١٩٧/٣ -١٩٨) والإصابة (٣٨٢/٢) وتهذيب التهذيب (٧٨/٦).
(٢) ترجمة - عبد الرحمن بن الأسود - في طبقات ابن سعد (٧/٥) وطبقات خليفة ( ٢٣٣) وأنساب الأشراف (٣٦/١
و٩٠) والمعرفة والتاريخ (٣٦٩/١) والاستيعاب (٤٢٧/٢) وتهذيب الكمال (٧٧٤/٢ -٧٧٥) وتاريخ الإسلام
(١٧٠/٥-١٧١) والإصابة (٣٩٠/٢) وتهذيب التهذيب (١٣٩/٦-١٤٠).
(٣) ترجمة - عبد الرحمن بن زيد - في طبقات ابن سعد (٤٩/٥) وتاريخ خليفة (٢٥١) وطبقاته (٢٣٤) والتاريخ الكبير
(٢٨٤/٥) والمعرفة والتاريخ (٨٠٩/٢) والاستيعاب (٤٢٥/٢) ووفيات الأعيان (٢٤٧/٥) وتهذيب الكمال
(٧٨٩/٢) وتاريخ الإسلام (١٧٤/٥) وقال الذهبي: توفي أيام ابن الزبير، وتهذيب التهذيب (١٧٩/٦-١٨٠).
(٤) ترجمة - عبد الرحمن بن حسان - في طبقات ابن سعد (٢٦٦/٥) وطبقات خليفة (٢٥١) وأنساب الأشراف
(٤٥/١، ١٥١) والمعرفة والتاريخ (٢٣٥/١) ووفيات الأعيان (١٩٣/٥) وتاريخ الإسلام (١٧١/٥ - ١٧٢)
وتهذيب التهذيب (٦/ ١٦٢ - ١٦٣ ).
(٥)
ترجمة - عدي بن حاتم - في طبقات ابن سعد (٢٢/٦) وطبقات خليفة ( ٤٦٣) والتاريخ الكبير (٧/ ٤٣)
والاستيعاب (١٤١/٣ - ١٤٣) وأسد الغابة (٣٩٢/٣) وتهذيب الكمال (٥٢٤ - ٥٣١) وتاريخ الإسلام
(١٨١/٥-١٨٢) وسير أعلام النبلاء (١٦٢/٣ - ١٦٥) والإصابة (٤٦٨/٢) وتهذيب التهذيب (١٦٦/٧)
وشذرات الذهب (٧٤/١) .
(٦) في الأصل : قوميسيا ، وهو خطأ .

٥٢
وفيات سنة ٦٨ هـ
زيد بن أرقم بن زيد(١) ، صحابي جليل (٢) .
وفيها توفي :
عبد الله بن عباس (٣) ترجمان القرآن وابن عم رسول الملك الديّان هو عبد الله بن عباس بن
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله وَّر، حَبر هذه
الأمة، ومفسِّر كتاب الله وترجمانه ، كان يقال له الحبر والبحر، وروى عن رسول الله بَ ل شيئاً كثيراً،
وعن جماعة من الصحابة ، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين ، وله مفردات ليست لغيره من
الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله ، رضي الله عنه وأرضاه . وأمه أم
"الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ، وهو والد الخلفاء العباسيين ،
وهو أخو إخوة عشرة ذكور من أم الفضل [ للعباس، وهو آخرهم مولداً ] وقد مات كل واحد منهم في بلد
بعيد عن الآخر جداً كما سيأتي ذلك .
قال مسلم بن خالد الزنجي المكي : عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .
قال: لما كان رسول الله وَّ﴿ في الشِّعب(٤) جاء أبي إلى رسول الله وَلَه فقال له: يا محمد أرى
أم الفضل قد اشتملت على حمل، فقال: ((لعل الله أن يقرّ أعينكم)). قال: فلما ولدتني أتى بي
رسولَ الله ◌َليل وأنا في خرقة فحنكني بريقه .
قال مجاهد: فلا نعلم أحداً حنكه رسول الله وَ له بريقه غير!(٥) .
(١) ترجمة - زيد بن أرقم - في طبقات ابن سعد (١٨/٦) وطبقات خليفة (٥٩٤) والمعرفة والتاريخ (٣٠٣/١)
والاستيعاب (٥٥٦/١ - ٥٥٨) وأسد الغابة (٢١٩/٢) وتهذيب الكمال (٩/١٠ - ١٢) وتاريخ الإسلام
(١١٧/٥ - ١١٩) وسير أعلام النبلاء (١٦٥/٣ - ١٦٨) والإصابة (٥٦٠/١) وتهذيب التهذيب (٣٩٤/٣)
وشذرات الذهب (٧٤/١ ) .
(٢)
جملة الوفيات ساقطة من أ ، ب ، م .
(٣)
ترجمة - عبد الله بن عباس - في طبقات ابن سعد (٢/ ٣٦٥) ونسب قريش (٢٦) وطبقات خليفة (٨٢١ و١٤٨٥)
وتاريخ البخاري (٣/٥) وأنساب الأشراف (٢٨/٣، ٥٥) والمعرفة والتاريخ (٢٤١/١، ٢٧٠) والاستيعاب
(٣٥٠/٢ - ٣٥٧) وتاريخ بغداد (١٧٣/١) وتاريخ دمشق (٢٨٥/٢٩) وأسد الغابة (٢٩٠/٣) ووفيات الأعيان
(٦٢/٣) وتهذيب الكمال (١٥٤/١٥) وتاريخ الإسلام (١٤٨/٥ -١٦١) وفيه استيعاب لمصادر ترجمته، وسير
أعلام النبلاء (٣٣١/٣ - ٣٥٩) والإصابة (٢/ ٣٣٠) وتهذيب التهذيب (٢٧٦/٥).
(٤)
الشُّعب : بكسر الشين ، كان منزل بني هاشم غير مساكنهم ، ويعرف بشعب أبي يوسف ، وهو الشعب الذي أوى
إليه رسول الله وَّير وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم وكتبوا الصحيفة . شرح المواهب اللدنية
(٢٧٨/١) .
(٥) تاريخ دمشق (٢٨٨/٢٩) ط دار الفكر .

٥٣
وفيات سنة ٦٨ هـ
وفي رواية أخرى فقال رسول الله وَّل: ((لعل الله أن يبيض وجوهنا بغلام)) فولدت عبد الله بن
عباس (١).
وعن عمرو بن دينار قال : ولد ابن عباس عام الهجرة ٢)
وروى الواقدي من طريق شعبة ، عن ابن عباس أنه قال : ولدتُ قبل الهجرة بثلاث سنين ، ونحن في
الشعب، وتوفي رسول الله ◌َّليه وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، ثم قال الواقدي: وهذا ما لا خلاف فيه بين
أهل العلم . واحتج الواقدي بأنه كان قد ناهز الحلم عام حجة الوداع .
وفي صحيح البخاري(٣) عن ابن عباس قال: توفي رسول الله م لر وأنا مختون ، وكانوا لا يختنون
الغلام حتى يحتلم .
وقال شعبة وهشيم وأبو عوانه(٤) : عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . قال : توفي
رسول الله ◌َ له وأنا ابن عشر سنين مختول(٥).
زاد هشيم(٦): وقد جمعت المحكم على عهد رسول الله وَّر. قلت: وما المحكم ؟ قال : المفصل.
وقال أبو داود الطيالسي(٧) : عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
قبض رسول الله وَ ل وأنا ابن خمس عشرة سنة مختون ، وهذا هو الأصح، ويؤيده صحة ما ثبت في
الصحيحين ، ورواه مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس قال : أقبلت راكباً على أتانٍ وأنا
يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله رَ له يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض
الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف ، فلم ينكر عليّ ذلك أحد(٨) . وثبت عنه في
الصحيح(٩) أنه قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين ، كانت أمي من النساء وكنت أنا من الولدان .
وهاجر مع أبيه عام الفتح، فاتفق لقياهما النبي ◌ّ بالجُحفة، وهو ذاهب لفتح مكة ، فشهدا الفتح وحنيناً
(١) المصدر نفسه .
تاريخ دمشق ( ٢٩ /٢٨٩).
(٢)
صحيح البخاري رقم (٦٢٩٩) في الاستئذان .
(٣)
في ط : هشام وابن عوانة ، والتصحيح من م والبخاري رقم (٥٠٣٥) و (٥٠٣٦).
(٤)
رواه أحمد في مسنده (٢٥٣/١ و٢٨٧ و٣٥٧) وقال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٣٣٠) قوله: ابن عشر سنين
(٥)
محمول على إلغاء الكسر .
في ط : هشام ، والتصحيح من م والبخاري .
(٦)
(٧)
مسند أبي داود الطيالسي (٣٤٣).
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٥٥) في قصر الصلاة، وأحمد في مسنده (١/ ٢٦٤) . والبخاري في صحيحه رقم
(٨)
(٤٩٣) في الصلاة باب: سترة المصلي، ومسلم في صحيحه رقم (٥٠٤) في الصلاة .
(٩) صحيح البخاري ( ١٣٥٧) في الجنائز .

٥٤
وفيات سنة ٦٨ هـ
والطائف عام ثمان، وقيل: كان في سنة تسع وحجة الوداع سنة عشر، وصحب النبي وَّ حينئذ ولزمه ، وأخذ
عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال ، وأخذ عن الصحابة علماً عظيماً مع الفهم الثاقب ، والبلاغة
والفصاحة والجمال والملاحة، والأصالة والبيان، ودعا له رسول الرحمن مَله، كما وردت به الأحاديث الثابتة
الأركان، عند الأئمة الحفاظ المرضيين أنه وبَّ﴾ ((دعا له بأن يعلمه التأويل، وأن يفقهه في الدين)).
قال الزبير بن بكار(١): حدَّثني ساعدة بن عبيد الله المزني ، عن داود بن عطاء ، عن زيد بن أسلم ،
عن ابن عمر أنه قال: إن عمر كان يدعو عبد الله بن عباس فيقرِّبه ويقول: إني رأيت رسول الله مَلهدعاك
يوماً فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)). وبه أن رسول الله وَال
قال: ((اللهم بارك فيه وانشر منه )).
وقال حماد بن سلمة : عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيمُ(٢) ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
قال: بثُّ في بيت خالتي ميمونة فوضعت للنبي وَّ غسلاً، فقال: ((من وضع هذا؟)) قالوا: عبد الله بن
عباس، فقال: ((اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين)). وقد رواه غير واحد(٣) عن ابن خُثَيم(٢) بنحوه.
وقال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا عبد الله بن بكر حذَّثنا حاتم بن أبي صغيرة (٥) ، أبو يونس ، عن
عمرو بن دينار: أن كريباً أخبره أن ابن عباس قال: أتيت رسول الله وَّله من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ
بيدي فجَّرني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله وَ له على صلاته خنست فصلى رسول الله اَلّ فلما
انصرف قال لي (٦): ((ما شأني أجعلك حذائي(٧) فتخنس)»؟ فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لأحد أن
يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله عزَّ وجلَّ ؟ قال : فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علماً
وفهماً، قال: ثم رأيت رسول الله وَ ل نام حتى سمعته ينفُخُ(٨)، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله
الصلاة ، فقام فصلى ما أعاد وضوءاً .
وقال الإمام أحمد(٩) وغيره: حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء ، وسمعت عبيد الله بن
أبي يزيد يحدث عن ابن عباس قال: أتى رسولُ الله ◌َّه الخلاءَ فوضعتُ له وَضُوءاً، فلما خرج قال :
أخرجه البلاذري في ((أنساب الأشراف)» (٣٧/٣) وذكره الذهبي في السير (٣٣٧/٣).
(١)
(٢)
في الأصل : خيثم ، وهو خطأ .
رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٦٦/١) وابن سعد في الطبقات (٣٦٥/٢) والبلاذري في أنساب الأشراف
(٣)
(٢٨/٣) والطبراني في المعجم الكبير (١٠٥٨٧) والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣٤ ) وصححه.
(٤)
مسند الإمام أحمد (٣٣٠/١)، وهو حديث صحيح.
في ط : حدثنا عبد الله بن بكر بن أبي صفرة ؛ خطأ ، والتصحيح من أ ، ب ومسند أحمد .
(٥)
في ط: ((انصرف من صلاته قال))، وما أثبتناه من م ومسند أحمد .
(٦)
(٧)
في ط: ((في حذائي))، وما أثبتناه من م ومسند أحمد .
في ط: ((سمعت نفخه))، وما أثبتناه من م ومسند أحمد .
(٨)
مسند الإمام أحمد (٣٢٧/١) بلفظ ((اللهم فقهه)) وأخرجه أحمد من طريق أخرى كاملاً باللفظ المذكور (٢٦٦/١).
(٩)

٥٥
وفيات سنة ٦٨ هـ
((من وضع ذا؟)) فقيل ابن عباس، فقال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)).
وقال الثوري وغيره : عن ليث ، عن أبي جهضم موسى بن سالم ، عن ابن عباس أنه رأى جبريل وأن
رسول الله مَ# دعا له بالحكمة، وفي رواية بالعلم، مرتين (١)
وقال الدار قطني : حدَّثنا حمزة بن القاسم الهاشمي وآخرون قالوا: حدَّثنا العباس بن محمد ، حدَّثنا
محمد بن مصعب عن أبي مالك(٢) النخعي ، عن أبي إسحاق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : رأيت
جبريل مرتين ، ودعا لي رسول الله مخ لة بالحكمة مرتين ثم قال : غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي ،
عن عكرمة تفرّد به عنه أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين .
وقال الإمام أحمد: حدَّثنا هشيمُ(٣) ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . قال : ضمني
رسول الله مَ ل﴿ وقال: ((اللهم علّمه الحكمة) (٤).
ورواه أحمد أيضاً : عن إسماعيل بن عُلية ، عن خالدٍ الحذاء ، عن عكرمة عنه قال : ضمني إليه
رسول الله وَ # وقال: ((اللهم علّمه الكتاب)). وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه(٥) من
حديث خالد وهو ابن مهران الحذَّاء ، عن عكرمة عنه وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا أبو سعيد ، حدَّثنا سليمان بن بلال ، حدَّثنا حسين بن عبد الله عن (٧)
عكرمة، عن ابن عباس. أن رسول الله وسلم قال: ((اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل)). تفرد
به أحمد ، وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا . ومنهم من أرسله عن عكرمة ،
والمتصل هو الصحيح ، فقد رواه غير واحد من التابعين عن ابن عباس ، وروي من طريق أمير المؤمنين
المهدي ، عن أبيه ، عن أبي جعفر المنصور - عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - عن أبيه ،
عن جده، عن عبد الله بن عباس. أن رسول الله وَ له قال: ((اللهم علمه الكتاب وفقهه في الدين)).
وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أبو كامل وعفان المعني قالا: حدَّثنا حمّاد، حدَّثنا عمار بن
أبي عمار، عن ابن عباس، قال: كنت مع أبي عند النبي ◌ُّه وعنده رجل يناجيه ، قال عفان: وهو
(٢)
في ط: ((هاشم))، وما أثبتناه من م وهو الصواب .
رواه أحمد في مسنده (٢١٤/١) عن شيخه هشيم، بلفظ: ((مسح النبي ◌َّ رأسي ودعالي بالحكمة)).
رواه أحمد (٣٥٩/١) والبخاري في صحيحه رقم (٧٥) في العلم، والترمذي في الجامع الصحيح رقم (٣٨٢٤)
في المناقب ، والنسائي في سننه الكبرى رقم (٨١٧٩) في المناقب، وابن ماجه في سننه رقم (١٦٦) في السنة .
(٥)
مسند الإمام أحمد ( ٢٦٩/١) ، وهو حديث حسن .
(٦)
في الأصل : عبد الله عن عكرمة ، والتصحيح من م والمسند .
(٧)
مسند الإمام أحمد (٣١٢/١) وهو حديث صحيح .
(٨)
أخرجه الترمذي في جامعه رقم (٣٨٢٢) في المناقب وإسناده ضعيف؛ لإرساله فإن أبا جهضم لم يدرك ابن عباس.
(١)
في الأصل : ابن أبي مالك ، وهو خطأ .
(٣)
(٤)

٥٦
صفة أخرى لرؤية ابن عباس جبريل
كالمعرض عن العباس، فخرجنا من عنده فقال(١): ألم أر ابن عمك كالمعرض عني ؟ فقلت : إنه كان
عنده رجل يناجيه ، قال عفان: فقال(٢) : أو كان عنده أحد ؟ قلت : نعم ، قال فرجع إليه فقال :
يا رسول الله هل كان عندك أحد٣) ؟ فإن عبد الله أخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك ، قال : هل رأيته
يا عبد الله؟ قال: قلت: نعم! قال: (( ذاك جبريل عليه السلام)).
وقد روي من حديث المهدي عن آبائه، وفيه أن رسول الله وي طير قال له: (( أما إنك ستصاب في
بصرك (٤) . وكان كذلك ، وقد روي من وجه آخر أيضاً ، والله أعلم .
ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل
رواها قتيبة ، عن الدراوردي ، عن ثور بن زيد، عن موسى بن ميسرة: أن العباس بعث ابنه عبد الله في حاجة
إلى رسول الله وَّل فوجد عنده رجلاً فرجع ولم يكلمه من أجل مكان ذلك الرجل، فلقي رسولَ اللهِ وَّه العباسُ بعد
ذلك ، فقال العباس : يا رسول الله أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلاً فلم يستطع أن يكلمك فرجع وراءه ،
فقال رسول الله وَلير: ((يا عم تدري من ذاك الرجل؟)) قال: لا! قال: ((ذاك جبريل، ولن يموت ابنك حتى
يذهب بصره ويؤتى علماً(٥) . ورواه سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد كذلك ، وله طرق أخرى . وقد ورد في
فضائله أحاديث كثيرة منها ما هو منكر جداً أضربنا عن كثير منها [ صفحاً ] وذكرنا ما فيه مقنع وكفاية عما سواه .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي(٦) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني عبد الله بن الحسن القاضي بمرو ،
حدّثنا الحارث بن محمد ، حدَّثنا يزيد بن هارون ، أنبأ جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن عكرمة عن ابن
عباس قال: لما قبض رسول الله وَّ قلت لرجل من الأنصار : هلم فلنسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير ،
فقال: يا عجباً لك يا بن عباس !! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله وَّر من فيهم ؟
قال: فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله وَيره، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو
قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب ، فيخرج فيراني فيقول : يا بن عم رسول الله ما جاء
بك ؟ هلاَّ أرسلت إليّ فَآتيك؟ فأقول: لا! أنا أحق أن آتيك ، قال : فأسأله عن الحديث ، قال : فعاش هذا
الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل مني .
(١) في ط: ((فقال العباس))، وما هنا من م ومسند أحمد.
في ط: ((قال عباس))، وما هنا من م ومسند أحمد .
(٢)
في ط: ((أحد آنفاً))، وما هنا من م ومسند أحمد .
(٣)
مع هذه الزيادة أورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٧٧).
(٤)
رواه البيهقي في دلائل النبوة (٤٧٨/٦) والهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٦/٩) وقال: رواه الطبراني بأسانيد
(٥)
ورجاله ثقات .
(٦) رواه ابن سعد (٢/ ٣٦٧) والفَسَوي (٥٤٢/١) والحاكم (٥٣٨/٣)، وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٧٧)
وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح .

٥٧
صفة أخرى لرؤية ابن عباس جبريل
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري : حدَّثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، حدَّثنا أبو سلمة ، عن ابن
عباس قال : وجدت عامة علم رسول الله مسل عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم ،
ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي ، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه (١).
وقال محمد بن سعد(٢) : أبنا محمد بن عمر ، حدَّثني قدامة بن موسى ، عن أبي سلمة الحضرمي
قال : سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله وَ ل﴿ من المهاجرين والأنصار
فأسألهم عن مغازي رسول الله وَله، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سُرَّ بإتياني
لقربي من رسول الله وَّة ، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوماً - وكان من الراسخين في العلم - عما نزل من
القرآن بالمدينة ، فقال : نزل سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة .
وقال أحمد : عن عبد الرزاق ، عن معمر قال : عامة علم ابن عباس من ثلاثة ، من عمر وعلي
وأبيٍّ بن كعب .
وقال طاووس ، عن ابن عباس أنه قال : إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد من ثلاثين من أصحاب
رسول الله وَّ. وقال مغيرة : عن الشعبي قال : قيل لابن عباس: أنَّى أصبتَ هذا العلمَ ؟ قال : بلسان
سؤول ، وقلب عقول .
وثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يُجلس ابن عباس مع مشايخ الصحابة ويقول : نِعْمَ ترجمان القرآن
عبد الله بن عباس، وكان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول ، والقلب العقول (٣).
وثبت في الصحيح(٤) أن عمر سأل الصحابة عن تفسير: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ [ النصر: ١]
فسكت بعض وأجاب بعضهم بجواب لم يرتضه عمر، ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجَلُ رسولِ الله ◌ِّيه
نُعيَ إليه ، فقال : لا أعلم منها إلا بما تعلم ، وأراد عمر بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره ، وكبير منزلته
في العلم والفهم .
وسأله مرة عن ليلة القدر فاستنبط أنها في السابعة من العشر الأخير ، فاستحسنه عمر واستجاده كما
ذكرنا في التفسير(٥) .
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣٦٨/٢) والبلاذري في أنساب الأشراف (٣٤/٣ - ٣٥) وذكره الذهبي في السير
( ٣٤٤/٣) .
(٢) الطبقات الكبرى (٢/ ٣٧١) وأبنا ، بتقديم الباء على النون، اختصار لكلمة أخبرنا ، ولا تأتي في الكتب المطبوعة
غالباً إلا: أنبأ ، وهذا تحريف قبيح يوهم الكثير أنها اختصار أنبأنا والمعروف في أنبأنا عدم الاختصار .
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠٦٢٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٣١٨/١) والبلاذري في أنساب الأشراف
(٣٧/٣) .
(٤)
رواه البخاري رقم (٤٢٩٤) في المغازي .
تفسير ابن كثير ( ٤ /٥٣٦ ) .
(٥)

٥٨
صفة أخرى لرؤية ابن عباس جبريل
وقد قال الحسن بن عرفة : حدَّثنا يحيى بن اليمان ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن
جبير عن عمر أنه قال لابن عباس: لقد علمتَ علماً ما علمناه(١)
وقال الأوزاعي : قال عمر لابن عباس : إنك لأصبح فتياننا وجهاً ، وأحسنهم عقلاً، وأفقههم في
كتاب الله عزَّ وجلَّ .
وقال مجالد : عن الشعبي ، عن ابن عباس قال : قال لي أبي : إن عمر بن الخطاب يدنيك ويجلسك
مع أكابر الصحابة فاحفظ عني ثلاثاً ، لا تفشين له سراً ، ولا تغتابن عنده أحداً ، ولا يجربن عليك
كذبا٢ً) . قال الشعبي : قلت لابن عباس : كل واحدة خير من ألف ، فقال ابن عباس : بل كل واحدة خير
من عشرة آلاف .
وقال الواقدي : حدَّثنا عبد الله بن الفضل بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار : أن عمر
وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر ، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات .
قلت : وشهد فتح إفريقية سنة سبع وعشرين مع ابن أبي سرح(٣)
وقال الزُّهري : عن علي بن الحسين ، عن أبيه قال : نظر أبي إلى ابن عباس يوم الجمل يمشي بين
الصفين ، فقال : أقر الله عين من له ابن عم مثل هذا .
وقد شهد مع علي الجمل وصفين وكان أميراً على الميسرة ، وشهد معه قتال الخوارج .
وكان ممن أشار على علي أن يستنيب معاوية على الشام ، وأن لا يعزله عنها في بادىء الأمر ، حتى
قال له فيما قال : إن أحببت عزله فوله شهراً واعزله دهراً، فأبى علي إلا أن يقاتله (٤) ، فكان ما كان مما قد
سبق [ بيانه ] .
ولما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس أن يكون من جهة علي ليكافىء عمرو بن
العاص ، فامتنعت مذحج وأهل اليمن إلا أن يكون من جهة علي أبو موسى الأشعري ، وكان من أمر
الحكمين ما سلف .
وقد استنابه علي على البصرة ، وأقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة
وفسر فيها سورة البقرة ، وفي رواية سورة النور ، قال من سمعه : فسر ذلك تفسيراً لو سمعته الروم والترك
والديلم لأسلمو(٥)
أنساب الأشراف للبلاذري ( ٣٧/٣).
(١)
أنساب الأشراف (٥١/٣) وحلية الأولياء (٣١٨/١) ونسب قريس (٣٦) والمعرفة والتاريخ (٥٣٣/١).
(٢)
(٣)
تاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص١٥٢).
(٤)
ذكر ذلك الذهبي في السير (١٣٩/٣).
أنساب الأشراف (٣٨/٣) والمستدرك (٥٣٧/٣) وحلية الأولياء (٣٢٤/١) وسير أعلام النبلاء (٣٥١/٣).
(٥)

٥٩
صفة أخرى لرؤية ابن عباس جبريل
وهو أول من عرّف بالناس في البصرة ، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة حوله فيفسر
شيئاً من القرآن ، ويذكِّر الناس من بعد العصر إلى الغروب ، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب(١)، وقد اختلف
العلماء بعده في ذلك [ فمنهم من كره ذلك وقال: هو بدعة لم يعملها رسول الله وٍَّ ولا أحد من أصحابه
إلا ابن عباس ، ومنهم من استحب ذلك لأجل ذكر الله وموافقة الحجاج ]٢) .
وقد كان ابن عباس ينتقد على علي في بعض أحكامه فيرجع إليه علي في ذلك ، كما قال الإمام
أحمد(٣): حدَّثنا إسماعيل ، حدَّثنا أيوب ، عن عكرمة : أن علياً حرق ناساً ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك
ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم٤) بالنار، إن رسول الله وَ لَّه قال: ((لا تعذبوا بعذاب الله)) وكنت(٥)
قاتلهم لقول رسول الله بَّهُ: ((من بدل دينه فاقتلوه)). فبلغ ذلك علياً فقال : ويح ابن عباس. وفي رواية
ويح ابن عباس إنه لغواص على الهنات . وقد كافأه علي ، فإن ابن عباس كان يرى إباحة المتعة ، وأنها
باقية، وتحليل الحمر الإنسية ، فقال علي: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله وَّ نهى عن نكاح المتعة وعن
لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر ؟
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين(٦) وغيرهما، وله ألفاظ هذا من أحسنها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقال البيهقي : أبنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت أبا بكر بن المؤمل يقول : سمعت أبا نصر بن
أبي ربيعة يقول : ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب من البصرة فسأله عن ابن عباس - وكان
علي خلَفه بها - فقال صعصعة : يا أمير المؤمنين ، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث .
آخذ بقلوب الرجال إذا حدث ، وبحسن الاستماع إذا حُدث ، وبأيسر الأمرين إذا خولف . وترك
المراء ومقارنة اللئيم ، وما يعتذر منه .
وقال الواقدي : حدّثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة ، عن موسى بن سعد ، عن عامر بن سعد بن
أبي وقَّاص، عن أبيه . قال: ما رأيت أحداً أحْضَر فهماً ولا ألبَّ لُّاً ، ولا أكثر عِلماً ، ولا أوسع حِلماً
من ابن عباس ، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول : عندك قد جاءتك مُعضلة ، ثم لا يجاوز
قوله ، وإنَّ حولَه لأهلُ بدرٍ من المهاجرين والأنصار(٧) .
سير أعلام النبلاء (٣٥١/٣).
(١)
ما بين معكوفين زيادة من ط .
(٢)
مسند الإمام أحمد (٢١٧/١)، ومن غير طريق إسماعيل في المسند أيضاً (٢٢٠/١ و٢٨٢).
(٣)
في ط: ((لوكنت أنا لم أحرقهم))، وما هنا من م ورواية المسند من طريق إسماعيل.
(٤)
(٥)
في ط: ((بل كنت))، وما هنا من م والمسند .
صحيح البخاري رقم (٥١١٥) في النكاح، ورقم (٤٢١٦) في المغازي، وصحيح مسلم رقم (١٤٠٧) (٣٠) في
(٦)
النكاح .
(٧) طبقات ابن سعد (٣٦٩/٢) وذكره الذهبي في السير (٣٤٧/٣) بهذا السند .

٦٠
صفة أخرى لرؤية ابن عباس جبريل
وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال : قال عبد الله بن مسعود : لو أدرك ابن عبّاس أسناننا
ما عَشرهُ منَّا أحد . وكان يقول : نعم ترجمان القرآن ابن عباس(١).
وعن ابن عمر أنه قال: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد اليه.
وقال محمد بن سعد (٢): حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني يحيى بن العلاء ، عن يعقوب بن زيد ، عن
أبيه قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول حين بلغه موت ابن عباس وصفَّق بإحدى يديه على الأخرى :
مات اليوم أعلم الناس وأحلم الناس ، وقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا تُرْتَق .
وبه إلى يحيى بن العلاء ، عن عمر بن عبد الله ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم . قال :
لما مات ابن عباس قال رافع بن خديج : مات اليوم من كان يحتاج إليه منْ بين المشرق والمغرب في
العلم .
قال الواقدي : وحدّثني أبو بكر بن أبي سبرة ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة قال : سمعت
معاوية يقول : مولاك (٣) والله أفقه من مات ومن عاش(٤).
وروى ابن عساكر(٥) : عن ابن عباس قال : دخلت على معاوية حين كان الصلح وهو أول ما التقيت
أنا وهو ، فإذا عنده أناس فقال : مرحباً بابن عباس ، ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز علي بُعداً
ولا أحب إليّ قربا٦ً) ، الحمد لله الذي أمات علياً، قال ابن عباس : فقلت له : إن الله لا يُذمُّ في قضائه ،
وغير هذا الحديث أحسن منه ، ثم قلت له : أحب أن تعفيني من ابن عمي وأعفيك من ابن عمك ، قال :
ذلك لك .
وقالت عائشة وأم سلمة حين حج ابن عباس بالناس : هو أعلم الناس بالمناسك(٧).
وقال ابن المبارك : عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال : ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس
بركابه فقال: لا تفعل يا بن عم رسول الله وَلقر قال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد : أنى يداك؟
فأخرج يديه فقبّلهما فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا .
(١) طبقات ابن سعد (٣٦٦/٢) والمعرفة والتاريخ (٤٩٥/١) والمستدرك (٥٣٧/٣) وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء
(٣٤٧/٣) بهذا السند .
(٢) الطبقات الكبرى (٣٧٢/٢).
في الأصول : مات؛ خطأ ، والتصحيح من المصادر .
(٣)
(٤)
طبقات ابن سعد (٣٦٩/٢) والمعرفة والتاريخ (٤٩٥/١) وسير أعلام النبلاء (٣٤٨/٣).
(٥)
تاريخ دمشق (٢٨٧/٢٩) .
في تاريخ دمشق : ولا أحبّ إليَّ قريباً منك .
(٦)
طبقات ابن سعد (٣٦٩/٢) والمعرفة والتاريخ (٤٩٥/١).
(٧)