Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتزّ رأس الحسين
بقولك هذا أني لا أقتلك ، ولست أقتلك ، فاذهب حيث شئت لئلا تفسد عليَّ أصحابي ، فذهب سراقة
إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير وجعل يقول :
رأيتُ البلقَ دهماً مصمتاتٍ
ألا أبلغُ(١) أبا إسحاقَ أني
عليَّ قتالكمْ حتى المماتِ
كفرتُ بوحيكم وجعلتُ نذراً
كلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ
رأت عيناي(٢) ما لمْ تبصراهُ
وإنْ خرجوا لبسْتُ لهمْ أداتي
إذا قالوا : أقولُ لهم كَذَبْتُمْ
قالوا : ثم خطب المختار أصحابه فحرّضهم في خطبته تلك على من قتل الحسين من أهل الكوفة
المقيمين بها ، فقال: ما من ديننا ترك قوم(٣) قتلوا حسيناً يمشون في الدنيا أحياء آمنين، بئس ناصرو آل
محمد إني إذاً كذاب كما سمَّيتموني أنتمّ ، فإني بالله أستعين عليهم ، فالحمد لله الذي جعلني سيفاً
أضربهم ، ورمحاً أطعنهم ، وطالب وترهم ، وقائماً بحقهم ، وإنه كان حقاً على الله أن يقتل من قتلهم ،
وأن يذل من جهل حقهم ، فسِموهم ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم ، فإنه لا يسيغ لي الطعام والشراب حتى
أطهر الأرض منهم ، وأنفي من في المصر منهم . ثم جعل يتتبع من ذكر له منهم وهو بالكوفة - فيأتون بهم
حتى يوقفوا بين يديه فيأمر بقتلهم على أنواع من القتلات مما يناسب ما فعلوا - ، ومنهم من حَرَّقه بالنار ،
ومنهم من قطع أطرافه وتركه حتى مات ، ومنهم من يُزْمى بالنبال حتى يموت [ فأتوه بمالك بن بشر(٤) فقال
له المختار : أنت الذي نزعت برنس الحسين عنه ؟ فقال : خرجنا ونحن كارهون فامنن علينا ، فقال :
اقطعوا يديه ورجليه . ففعلوا به ذلك ثم تركوه يضطرب حتى مات ، وقتل عبد الله بن أسيد الجهني وغيره
شر قتلة }°) .
مقتل خولي بن يزيد الأصبحي الذي احتزّ رأس الحسين
بعث إليه المختار أبا عمرة صاحب حرسه ، فكبس بيته فخرجت إليهم امرأته فسألوها عنه فقالت :
لا أدري أين هو ، وأشارت بيدها إلى المكان الذي هو مختفٍ فيه ، - وكانت تبغضه من ليلة قدم برأس
الحسين معه إليها ، وكانت تلومه على ذلك - واسمها العَيُوف(٦) بنت مالك بن نهار بن عَقْرَب الحضرمي ،
فدخلوا عليه فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة(٧) فحملوه إلى المختار فأمر بقتله قريباً من داره ، وأن
(١)
في ط : أخبر .
في ط : رأيت ، وفي الطبري وابن الأثير: أري عينيَّ، والأبيات في ديوان سراقة (٧٨).
(٢)
في أ، ط : فقالوا ما ذنبنا نترك أقواماً ... ؛ ولا يستقيم المعنى، وما أثبت عن ب والطبري (٦/ ٥٧).
(٣)
(٤)
في الطبري: مالك بن النُّسير البدّي. وفي ابن الأثير (٤/ ٢٤٠): مالك بن بشير البَدّي .
(٥)
ما بين معكوفين زيادة من ط . وهي موافقة للمصادر .
(٦)
في ط : العبوق ؛ تحريف .
القوصرة : وعاء التمر . القاموس ( قصر ) .
(٧)

٢٢
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
يحرق بعد ذلك . وبعث المختار إلى حكيم بن فضيل(١) السنبسي - وكان قد سلب العباس بن علي بن
أبي طالب يوم قتل الحسين - فأخذ فذهب أهله إلى عدي بن حاتم ، فركب ليشفع فيه عند المختار ،
فخشي أولئك الذين أخذوه أن يسبقهم عدي إلى المختار فيشفعه فيه ، فقتلوا حكيماً قبل أن يصل إلى
المختار ، فدخل عدي فشفع فيه فشفعه فيه ، فلما رجعوا وقد قتلوه شتمهم عدي وقام متغضباً عليهم وقد
تقلد منّة المختار . وبعث المختار إلى يزيد بن رُقاد٢) وكان قد قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، فلما
أحاط الطلب بداره خرج فقاتلهم فرموه بالنبل والحجارة حتى سقط ، ثم حرقوه وبه رمق الحياة ، وطلب
المختار سنان بن أنس ، الذي كان يدّعي أنه قتل الحسين ، فوجدوه قد هرب إلى البصرة أو الجزيرة
فهدمت داره ، وهكذا صنع بكل من هرب من هؤلاء إلى البصرة ، أو الجزيرة فهُدمت داره(٣) ، وكان
محمد بن الأشعث بن قيس ممن هرب إلى مصعب فأمر المختار بهدم داره ، وأن يبنى بها دار حجر بن
عدي التي کان زیاد هدمها .
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
قال الواقدي٤) : كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه جالساً ذات يوم إذ جاء غلام له ودمه يسيل
على عقبيه ، فقال له سعد : من فعل بك هذا ؟ فقال : ابنك عمر ، فقال سعد : اللهم اقتله وأسل دمه .
وكان سعد مستجاب الدعوة ، فلما ظهر المختار على الكوفة استجار عمر بن سعد بعبد الله بن جَعْدة بن
هبيرة ، وكان صديقاً للمختار من قرابته من علي ، فأتى المختار فأخذ منه لعمر بن سعد أماناً مضمونه أنه
آمن على نفسه وأهله وماله ما أطاع ولزم رحله ومصره ، ما لم يحدث حدثاً . وأراد المختار ما لم يأت
الخلاء فيبول أو يغوط . ولما بلغ عمر بن سعد أن المختار يريد قتله خرج من منزله ليلاً يريد السفر نحو
البصرة٥) فقال له بعض مواليه ذلك [ فقال ] : وأي حدث أعظم من هذا؟ وقال له : تخرج من منزلك
ورحلك ؟ ارجع ، فرجع . ولما أصبح بعث ولده حفص إلى المختار يقول له : إنَّ أبي يقول لك هل أنت
مقيم على أمانك ؟ [ وقيل إنه أتى المختار يتعرف منه ذلك فقال له المختار : اجلس ، وقيل إنه أرسل
عبد الله بن جعدة إلى المختار يقول له : هل أنت مقيم على أمانك له ؟ أ) فقال له المختار : اجلس ،
فلما جلس قال المختار لصاحب حرسه : اذهب فأتني برأسه فذهب إليه فقتله وأتاه برأسه .
في الطبري وابن الأثير : حكيم بن طفيل الطائي السنبسي .
(١)
في ط : يزيد بن ورقاء ، وفي الطبري وابن الأثير : زيد بن رُقاد .
(٢)
(٣)
من قوله : وهكذا صنع ... إلى هنا ساقط من ط.
الخبر في تاريخ الطبري (٦٠/٦ - ٦٢) والكامل لابن الأثير (٣١٢/٣) والأخبار الطوال (٣٠١) والمنتظم لابن
(٤)
الجوزي (٥٨/٦) .
في ط : نحو مصعب أو عبيد الله بن زياد ، وما أثبت موافق للمصادر .
(٥)
ما بين معكوفين زيادة من ط . وهي موافقة للطبري .
(٦)

٢٣
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
وفي رواية أن المختار قال ليلة (١) : لأقتلن غداً رجلاً عظيم القدمين غائر العينين ، مشرف الحاجبين يسرّ
بقتله المؤمنون والملائكة المقربون ، وكان الهيثم بن الأسود حاضراً فوقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد
فبعث إليه ابنه العُريان(٢) فأنذره ، فقال : كيف يكون هذا بعد ما أعطاني من العهود والمواثيق ؟ وكان المختار
حين قدم الكوفة أحسن السيرة إلى أهلها أولاً، وكتب لعمر بن سعد كتاب أمان إلا أن يحدث حدثاً .
قال أبو مخنف (٣) : وكان أبو جعفر الباقر يقول: إنما أراد المختار : إلّا أن يَدْخل الكنيفَ فُيُحدثَ
فيه .
ثم إن عمر بن سعد قلق أيضاً ، ثم جعل يتنقل من محلة إلى محلة ثم صار أمره أنه رجع إلى داره ،
وقد بلغ المختار انتقاله من موضع إلى موضع ، فقال : كلا والله إن في عنقه سلسلة ترده ، لو جهد أن
ينطلق ما استطاع(٤) . ثم أصبح فبعث إليه أبا عمرة [ فدخل عليه فقال: أجب الأمير ، فقام عمر ]°) فعثر
في جبَّته ، فضربه أبو عمرة بالسيف حتى قتله ، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار ،
فقال المختار لابنه حفص - وهو جالس عنده - فقال : أتعرف هذا الرأس ؟ فاسترجع وقال : نعم ولا خير
في العيش بعده ، فقال : صدقت ، ثم أمر به فضربت عنقه ووضع رأسه مع رأس أبيه ، ثم قال المختار :
هذا بالحسين ، وهذا بعلي بن الحسين الأكبر ، ولا سواء ، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وَفَوا أنملةً
من أنامله .
وقيل : إن عمر شهد دُومةَ الجندلِ مع أبيه(٦) .
وقيل : إنه أول من طعن في سرادق الحسين(٧) .
وقيل : إن علي بن أبي طالب قال له يوماً: يا عمر بن سعد كيف إذا قمت مقاماً تُخَّر فيه بين الجنة
والنار(٨).
وقال الواقدي(٩) : ما بقي أحد ممن شهد قتل الحسين ، أو شارك في قتله إلا عوقب في الدنيا بالقتل
والبلاء ، وفي الآخرة بالعذاب ، ومن أعجب الأشياء أن الحسين رضي الله عنه لم يخلّف ولداً سوى علي
تاريخ الطبري (٦٠/٦).
(١)
في ط : العرثان ؛ وما هنا عن أوالطبري .
(٢)
(٣)
تاريخ الطبري (٦/ ٦١) .
مكانها من ط : إن يطير لأدركه دم الحسين ، وعبارة (أ) من (ب) موافقة للطبري .
(٤)
(٥)
مكانها في ط : فأراد الفرار منه ، وعبارة أ ، ب موافقة للطبري .
تاريخ ابن عساكر (٣٧/٤٥) ط دار الفكر ، ترجمة عمر بن سعد بن أبي وقاص .
(٦)
المصدر نفسه (٤٥ / ٥٤) من طريق ابن سعد .
(٧)
المصدر نفسه (٤٥ /٤٩) مع زيادة : فتختار النار .
(٨)
(٩) مختصر تاريخ ابن عساكر (٧/ ١٥١).

٢٤
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
زين العابدين ، وهو أبو الأئمة ، وقد نشر الله من ذريته عدد الرمل والحصى ، منهم سادات وأشراف ،
وأن يزيد بن معاوية ترك نحو عشرين ولداً ، وليس له اليوم على وجه الأرض نسل والله أعلمُ(١) . ثم بعث
المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفية ، وكتب إليه كتاباً في ذلك :
بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي(٢) محمد بن علي : من المختار بن أبي عبيد ، سلام عليك أيها
المهدي فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل
وأسير وطريد وشريد ، فالحمد لله الذي قتل قاتلكم ، ونصر مؤازركم ، وقد بعثت إليك برأس عمر بن
سعد وابنه وقد قتلنا ممن اشترك في دم الحسين وأهل بيته كل من قدرنا عليه ، ولن يعجز الله من بقي ،
ولست بمنحجم (٣) عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم أرَمِيّا٤ً) فاكتب إليّ أيها المهدي برأيك
أتبعه وأكون عليه ، والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته . ولم يذكر ابن جرير أن محمد بن
الحنفية رد جوابه ، مع أن ابن جرير قد تقصى هذا الفصل وأطال شرحه ، ويظهر من غبون كلامه قوة وجده
به وغرامه ، ولهذا توسع في إيراده بروايات أبي مخنف لوط بن يحيى ، وهو متهم فيما يرويه ، ولاسيما
في باب التشيع ، وهذا المقام للشيعة فيه غرام وأي غرام ، إذ فيه الأخذ بثأر الحسين وأهله من قتلتهم ،
والانتقام منهم ، ولا شك أنَّ قتل قتلته كان متحتماً ، والمبادرة إليه كان مغنماً ، ولكن إنما قدره الله على
يد المختار الكذاب الذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافراً، ولكن قال رسول الله وَّه: ((إن الله ليؤيد
هذا الدين بالرجل الفاجر)(٥). وقال تعالى في كتابه الذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ
بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [ الأنعام: ١٢٩ ] وقال بعض الشعراء :
وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
وسيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه وافترائه، وادعائه نصرة أهل البيت، وهو في نفس الأمر متستر
بذلك ليجمع عليه رعاعاً من الشيعة الذين بالكوفة، ليقيم لهم دولة ويصول بهم ويجول على مخالفيه صولة.
ثم إن الله تعالى سلط عليه من انتقم به منه ، وهذا هو الكتاب الذي قال فيه الرسول في حديث
أسماء بنت الصديق: (( إنه سيكون في ثقيف كذاب ومبير)(٦) . فهذا هو الكذاب وهو يظهر التشيع وأما
(١) من قوله : وقيل: إن عمر شهد ... إلى هنا ساقط من ط.
(٢)
في ط : إلى ؛ وما أثبت من أ ، م والطبري .
(٣)
في الطبري : بمنجم ، وفي نسخة منه : بمتنح .
في ط : إنه لم يبق على وجه الأرض منهم أحد ، وعبارة أموافقة للطبري ، وأرمياً : أحداً .
(٤)
قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد في مسنده (٣٠٩/٢) والبخاري في صحيحه برقم (٦٦٠٦) في القدر ، ومسلم
(٥)
رقم (١١١) .
(٦) الحديث رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٤٥) في فضائل الصحابة عن أسماء بنت أبي بكر ، ورواه البيهقي في
الدلائل (٤٨٢/٦) .

٢٥
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي ، وقد ولي الكوفة من جهة عبد الملك بن مروان كما سيأتي ، وكان
الحجاج عكس هذا ، كان ناصبياً جلداً ظالماً غاشماً ، ولكن لم يكن في طبقة هذا ، متهم على دين
الإسلام ودعوة النبوة ، وأنه يأتيه الوحي من العليّ العلام .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة بعث المختار المثنى بن مُخرِّبةُ(١) العبدي إلى البصرة يدعو إليه من استطاع من
أهلها ، فدخلها وابتنى بها مسجداً يجتمع فيه إليه قومه، فجعل يدعو إلى المختار، ثم أتى مدينة الرِّزْقُ(٢) فعسكر
عندها فبعث إليه الحارث بن عبد الله بن ربيعة القُبَاع - وهو أمير البصرة قبل أن يعزل بمصعب - جيشاً مع عباد بن
الحصين أمير الشرطة ، وقيس بن الهيثم . فقاتلوه وأخذوا منه المدينة وانهزم أصحابه ، وكان قد قام بنصرتهم بنو
عبد القيس ، فبعث إليهم الجيش فبعثوا إليه فأرسل الأحنف بن قيس وعُمر(٣) بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا
بين الناس ، وساعدهما مالك بن مسمع ، فانحجز الناس بعضهم عن بعض ، ورجع إلى المختار في نفر يسير
مغلوباً مسلوباً مغلولاً، وأخبر المختار بما وقع من الصلح على يدي الأحنف وغيره من أولئك الأمراء ، وطمع
المختار فيهم وكاتبهم في أن يدخلوا معه فيما هو فيه من الأمر والشأن ، وكان كتابه إلى الأحنف بن قيس : من
المختار إلى الأحنف بن قيس ومَنْ قِيَلَهُ فسِلمُ(٤) أنتم . أما بعد فويل لبني ربيعة من مضر ، وأن الأحنف يورد قومه
سقر، حيث لا يستطيع لهم الصدر(٥) ، وإني لا أملك لكم ما قد خط في القدر ، وقد بلغني أنكم تسمونني
كذاباً ، وقد كُذِّب الأنبياء من قبلي ولست بخير منهم .
وقال ابن جرير(٦): حدَّثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة، حدثنا الحسن بن حمَّاد، عن حمَّا(٧) بن
علي ، عن مجالد ، عن الشَّعبي . قال : دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس ، فقال
بعض القوم : ممن أنت ؟ فقلت : رجل من أهل الكوفة ، فقال : أنتم موالٍ لنا ، قلت : وكيف ؟ قال :
أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار ، قلت : أتدري ما قال شيخ من همدان فينا وفيكم ؟ فقال
الأحنف : وما قال ؟ قلت : قال :
أَفْخَرْتُم أنْ قتلتمْ أعبُداً وهزمتم مَرَّةَ آلَ عدَلٌ(٨)
(١) في أ، ط: المثنى بن مخرمة، وما أثبت من ب والطبري (٦٦/٦) وابن الأثير (٣١٥/٣) وقد ضبطها ابن الأثير
بضم الميم ، وفتح الخاء المعجمة ، وتشديد الراء وكسرها ، ثم باء مفتوحة .
قال ياقوت: الرزق بكسر الراء، وسكون الزاي، كذا ذكره ابن الفرات في تاريخ البصرة للسَّاجي، وقال: مدينة الرِّزق
(٢)
إحدى مسالح العجم بالبصرة قبل أن يخطها المسلمون. معجم البلدان (٤٧/٣ - ٤٨) وقد تحرفت في ط إلى الورق.
في ط: ((عمرو))، وما أثبتناه من م والطبري وابن الأثير ، وسيأتي أيضاً.
(٣)
في ط: ((من الأمراء أفسلم))، وما أثبتناه من م والطبري .
(٤)
في ط: ((صدر ))، وما أثبتناه من م والطبري .
(٥)
(٦)
تاريخ الطبري (٦٩/٦) .
في الطبري : حيان .
(٧)
في الطبري : آل عزل .
(٨)

٢٦
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
ما فعلْنا بكمُ يومَ الجمَل
فإذا فاخَرتُمُونا فاذكروا
وفتى أبيضَ وضّاحِ رفلٌ (١)
بينَ شيخٍ خاضبٍ عُثْنونَهُ
فذبحناهُ ضحىّ ذبحَ الحمَلْ
جاءَ يُهْدجُ في سابغةٍ
وكفرتمْ نِعمَةَ اللهِ الأجَلّ
وعفونا فنسيتمْ عفونا
بدلاً من قومكمْ شرّ بدَلْ
وقَتَلْتمْ بحسينٍ منْهِمْ(١)
قال : فغضب الأحنف وقال : يا غلام هات الصحيفة ، فأُتي بصحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم
من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس ، أما بعد فويلُ أم ربيعة من مضر فإن الأحنف يورد قومه سقر
حيث لا يقدرون على الصَّدر ، وقد بلغني أنَّكم تُكذبوني ، فإن كُذِّبتُ فقد كُذِّبت رسل من قبلي ، ولست
خيراً منهم ، ثم قال الأحنف : هذا منَّا أو منكم .
فصل(٣)
ولما علم المختار أن ابن الزبير لا ينام عنه ، وأن جيش الشام من قبل عبد الملك مع ابن زياد يقصدونه
في جمع كثير لا يرام ، شرع يصانع ابن الزبير يريد خداعه والمكر به ، فكتب إليه : إني كنت بايعتك على
السَّمع والطاعة والنصح لك ، فلما رأيتك قد أعرضت عني تباعدت عنك ، فإن كنت على ما أعهد منك
فأنا على السمع والطاعة لك . والمختار يخفي هذا كل الإخفاء عن الشيعة ، فإذا ذكر له أحد شيئاً من ذلك
أظهر لهم أنه أبعد الناس من ذلك ، فلما وصل كتابه إلى ابن الزبير أراد أن يعلم أصادق أم كاذب ، فدعا
عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، فقال له : تجهز إلى الكوفة فقد ولَّيتكها ، فقال :
وكيف وبها المختار ؟ فقال : يزعم أنه سامع لنا مطيع ، وأعطاه قريباً من أربعين ألفاً يتجهز بها فسار فلما
كان ببعض الطريق لقيه زائدة بن قدامة من جهة المختار في خمسمئة فارس ملبسة ، ومعه سبعون ألفاً من
المال ، وقد تقدم إليه المختار فقال : أعطه المال فإن هو انصرف وإلّ فأره الرجال فقاتله حتى ينصرف ،
فلما رأى عمر بن عبد الرحمن الجدَّ قبض المال وسار إلى البصرة فاجتمع هو وابن مطيع بها عند أميرها
الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ، وذلك قبل وثوب المثنى بن مُخرِّبة كما تقدم ، وقبل وصول مصعب بن
الزبير إليها .
وبعث عبد الملك بن مروان ابن عمه عبد الملك بن الحارث بن الحكم في جيش إلى وادي القرى
ليأخذوا المدينة من نواب ابن الزبير ، وكتب المختار إلى ابن الزبير إن أحببت أن أمدك بمدد ، وإنما يريد
خديعته ومكايدته ، فكتب إليه ابن الزبير : إن كنت على طاعتي فلست أكره ذلك ، فابعث بجند إلى وادي
في ط : وفتى البيضاء وضاحاً دقل ؛ وما أثبت موافق للطبري .
(١)
(٢)
في الطبري : وقتلتم خشبيين بهم .
خبر مكر المختار بابن الزبير في الطبري (٧١/٦) وابن الأثير (٣١٥/٣).
(٣)

٢٧
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
القرى ليكونوا مدداً لنا على قتال الشاميين . فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شُرَحبيل بن وَرْس الهمداني ،
ليس فيهم من العرب إلا سبعمئة ، وقال له : سر حتى تدخل المدينة ، فإذا دخلتها فاكتب إليّ حتى يأتيك
أمري ، وإنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير ، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها ، وخشي
ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكراً ، فبعث العباس بن سهل بن سعد الساعدي في ألفين ،
وأمره أن يستعين بالأعراب وقال له : إن رأيتموهم في طاعتي وإلا فكايدهم حتى تهلكهم . فأقبل
العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم ، وقد بقي ابن ورس في جيشه ، فاجتمعا على ماءٍ هنالك ،
فقال له العباس : ألستم في طاعة ابن الزبير ؟ فقال : بلى ، قال : فإنه قد أمرني أن نذهب إلى وادي القرى
فنقاتل من به من الشاميين . فقال له ابن ورس : إني لم أومر بطاعتك ، وإنما أمرني أن أدخل المدينة ثم
أكتب إلى صاحبي فإنه يأمرني بأمره ، ففهم عباس مغزاه ولم يظهر له أنه فطن لذلك ، فقال له : رأيك
أفضل ، فاعمل ما بدا لك . ثم نهض العباس من عنده وبعث إليهم الجزر والغنم والدقيق ، وقد كان
عندهم حاجة شديدة إلى ذلك ، وجوع كثير ، فجعلوا يذبحون ويطبخون ويختبزون ويأكلون على ذلك
الماء ، فلما كان الليل بيَّتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم وطائفة منهم نحواً من سبعين ، وأسر منهم خلقاً
كثيراً ، فقتل أكثرهم ، ورجع القليل منهم [ إلى المختار ] وإلى بلادهم خائبين .
قال أبو مخنف : فحدَّثني أبو يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم وهو يقول :
أنا ابنُ سهلٍ فارسٌ غيرُ وَكَلْ أَرَوَعُ مِقْدامٌ إذا الكبشُ نَكَل
بالسّيفِ يومَ الرَّوعِ حتى ينجدلُ(١)
وأَعْتلي رأسَ الطِّرِمَّاح البطلْ
فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيباً فقال : إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار ، ألا إنه
كان أمراً مأتيّاً ، وقضاء مقضياً . ثم كتب إلى محمد بن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي : كتاباً يذكر
فيه أنه بعث إلى المدينة جيشاً لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير ، فإن رأيت أن أبعث جيشاً آخر إلى المدينة
وتبعث من قبلك رسلاً إليهم فافعل ، فكتب إليه ابن الحنفية : أما بعد فإن أحب الأمور كلها إليّ ما أطيع
الله فيه ، فأطع الله فيما أعلنت وأسررت ، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إليّ سراعاً ، والأعوان
لي كثرة ، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين .
وقال لصالح بن مسعود : قل للمختار فليتق الله وليكفَّ عن الدماء . فلما انتهى إليه كتاب محمد بن
الحنفية قال : إني قد أمرت بجمع البر واليسر ، وبطرح الكفر والغدر(٢).
وذكر ابن جرير(٣) من طريق المدائني وأبي مخنف : أن ابن الزبير عمد إلى ابن الحنفية وسبعة عشر
(١) في الطبري : ينخزل .
(٢) عبارة الطبري: أني قد أمرت بأمر يجمع البرّ واليسير ويطرح الكفر والغدر.
(٣) تاريخ الطبري (٧٥/٦ - ٧٦) والخبر أيضاً في ابن الأثير (٢٤٩/٤) والفتوح لابن الأعثم (٣٠٢/٢).

٢٨
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
رجلاً من أشراف أهل الكوفة فحبسهم حتى يبايعوه ، فكرهوا أن يبايعوا إلا من اجتمعت عليه الأمة ،
فتهددهم وتوعدهم واعتقلهم بزمزم ، فكتبوا إلى المختار بن أبي عبيد يستصرخونه ويستنصرونه ،
ويقولون له : إن ابن الزبير قد توعدنا بالقتل والحريق ، فلا تخذلونا كما خذلتم الحسين وأهل بيته ، فجمع
المختار الشيعة وقرأ عليهم الكتاب وقال : هذا مهديكم(١) وصريخ أهل البيت قد أصبحوا محصورين
ينتظرون القتل والحريق وقال : لست أبا إسحاق إن لم أنصركم نصراً مؤزراً ، وإن لم أرسل إليهم الخيل
كالسيل يتلوه السيل ، حتى يحل بابن الكاهليَّة الويل ، ثم وجَّه أبا عبد الله الجَدَليّ في سبعين راكباً من أهل
القوة ، وظَبيان بن عمر(٢) التيمي في أربعمئة ، وأبا المعتمر في مئة ، وهانىء بن قيس في مئة ، وعمير بن
طارق في أربعين [ وفارس بن عمران في أربعين (٣) ، وكتب إلى محمد بن الحنفية مع الطفيل بن عامر
بتوجيه الجنود إليه ، فنزل أبو عبد الله الجَدَليّ بذات عرق حتى تلاحق به نحو من مئة وخمسين فارساً ، ثم
سار بهم حتى دخل المسجد الحرام نهاراً جهاراً وهم يقولون : يا ثارات الحسين ، وقد أعد ابن الزبير
الحطب لابن الحنفية وأصحابه ليحرقهم به إن لم يبايعوه ، وقد بقي من الأجل يومان ، فعمدوا - يعني
أصحاب المختار - إلى محمد بن الحنفية فأطلقوه من سجنه وقالوا : إن أذنت لنا قاتلنا ابن الزبير ، فقال :
إني لا أرى القتال في المسجد الحرام ، فقال لهم ابن الزبير : ليس نبرح وتبرحون حتى يبايع وتبايعوا
معه ، فامتنعوا عليه ثم لحقهم بقية أصحابهم فجعلوا يقولون وهم داخلون الحرم : يا ثارات الحسين ،
فلما رأى ابن الزبير ذلك منهم خافهم وكف عنهم ، ثم أخذوا محمد بن الحنفية وأخذوا من الحجيج مالاً
كثيراً فسار بهم حتى دخل شعب علي ، واجتمع معه أربعة آلاف رجل ، فقسم بينهم ذلك المال . هكذا
أورده ابن جرير ، وفي صحتها نظر والله أعلم .
قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان نائبه بالمدينة أخاه مصعب ونائبه
على البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الملك بن مروان على الشام ، وأخوه محمد بن مروان
على الجزيرة وأرمينية ، وأخوه عبد العزيز على مصر(٤) وقد استحوذ المختار على الكوفة ، وعبد الله بن
خازم على بلاد خراسان ، وذكر حروباً جرت فيها لعبد الله بن خازم يطول ذكرها .
فصل
قال ابن جرير(٥) ؛ وفي هذه السنة شخص إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد ، وذلك لثمان بقين
في أ : هذا كتاب الهدى .
(١)
في الطبري وابن الأثير : وظبيان بن عمارة أخا بني تميم .
(٢)
ما بين معكوفين ساقط من ط ، وفي الطبري : يونس بن عمران .
(٣)
من قوله : وعبد الملك بن ... إلى هنا ساقط من ط .
(٤)
(٥) تاريخ الطبري (٦/ ٨١).

٢٩
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
من ذي الحجة . وقال أبو مخنف عن مشايخه : ما هو إلا أن فرغ المختار من جَبَّانة السّبيع وأهل الكناسة ،
فما ترك ابن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجَّهَهُ فيه لقتال أهل الشام ، فخرج يوم
السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين ، وخرج معه المختار يودعه في وجوه أصحابه ، وخرج
معه خاصة المختار ، ومعه كرسي المختار على بغل أشهب ليستنصروا به على الأعداء ، وهم حافّون به
يدعون [ ويستصرخون ] ويستنصرون ويتضرعون ، فرجع المختار بعد أن وصاه بثلاث قال : يابن الأشتر
اتق الله في سرِّك وعلانيتك، وأسرع السير ، وعاجل عدوك بالقتال . واستمر أصحاب الكرسي سائرين مع
ابن الأشتر ، فجعل ابن الأشتر يقول : اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، سنة بني إسرائيل ، والذي
نفسي بيده إذ عكفوا على عِجلهم ، فلما جاوز القنطرة هو وأصحابه رجع أصحاب الكرسي .
قال ابن جرير(١): وكان سبب هذا الكرسي ما حدَّثني به عبد الله بن أحمد بن شبَّويه(٢) حدّثني أبي ،
حدّثنا سليمان ، حدّثنا عبد الله بن المبارك ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة ، حدَّثني معبد بن خالد ،
حدَّثني طُفيل بن جَعْدَة بن هُبيرة قال : أُعدمت مرة من الورق ، فإني كذلك إذ مررت بباب رجل هو جار لي
له كرسي قد ركبه وسخ شديد ، فخطر في بالي أن لو قلت في هذا(٣) ، فرجعت فأرسلت إليه أن أرسل إليّ
بالكرسي ، فأرسل به ، فأتيت المختار فقلت له : إني كنت أكتمك شيئاً وقد بدا لي أن أذكره إليك ،
قال : وما هو ؟ قلت : كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه كان يرى أن فيه أثرة من علم . قال :
سبحان الله !! فأخَّرت هذا إلى اليوم ؟ ابعث إليه(٤) ، قال فجئت به وقد غسل فخرج عوداً ناضراً وقد شرب
الزيت ، فأمر لي باثني عشر ألفاً ، ثم نودي في الناس : الصلاة جامعة ، قال : فخطب المختار الناس
فقال : إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله ، وإنه قد كان في بني إسرائيل
التابوت ، وإن هذا مثله ، ثم أمر فكشف عنه أثوابه وقامت السبئية فرفعوا أيديهم وكبروا ثلاثاً ، فقام
شَبَثُ بن ربعي فأنكر على الناس وكاد أن يكفر من يصنع بهذا التابوت هذا التعظيم . وأشار بأن يكسر
ويخرج من المسجد [ ويرمي في الخنس ] فشكرها الناس لشَبَث بن ربعي، فلما قيل : هذا عبيد الله بن
زياد قد أقبل ، وبعث المختار إبراهيم بن الأشتر ، بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي
بأثواب [ الحرير] عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة ، فلما تواجهوا مع الشاميين كما سيأتي وغلبوا الشاميين
وقتلوا ابن زياد ، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر ، قال الطفيل بن جَعْدَة فقلت : إنا لله
وإنا إليه راجعون ، وندمت على ما صنعت ، وتكلّم الناس في هذا الكرسي وكَثُر عيب الناس له ، فغيِّب
حتى لا يُرى بعد ذلك .
تاريخ الطبري (٨٢/٦).
(١)
(٢)
في ط : شيبوية ؛ تحريف .
(٣)
في الطبري : لو قلت للمختار في هذا .
(٤) في ط : فِلِمَ أخرت هذا إلى اليوم ؟ ابعثه إليّ. وعبارة أ موافقة للطبري .

٣٠
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
وذكر ابن الكلبي(١) أن المختار طلب من آل جعدة بن هبيرة الكرسي الذي كان علي يجلس عليه
فقالوا : ما عندنا شيء مما يقول الأمير ، فألح عليهم حتى علموا أنهم لو جاؤوا بأي كرسي كان ، لقَبِله
منهم ، فحملوا إليه كرسياً من بعض الدور فقالوا : هذا هو . فخرجت شبام وشاكر وسائر رؤوس أصحاب
المختار(٢) وقد عصبوه بالحرير والدّيباج.
وحكى أبو مخنف : أن أول من سَدَن هذا الكرسي موسى بن أبي موسى الأشعري ، ثم إن الناس
عتبوا عليه في ذلك ، فدفعه إلى حَوشب البُرسُمي ، وكان صاحبه ، حتى هلك المختار قبَّحه الله .
ويروى أن المختار كان يُظهر أنه لا يعلم بما يعظم أصحابه هذا الكرسي ، وقد قال في هذا الكرسي
أعشى همدان : [ من الطويل ]
وأني بكم يا شُرْطةَ الشِّرْكِ عارفُ
شهدتُ عليكمْ أنكمْ سبئيةٌ
وإنْ كانَ قد لُفَّتْ عليه اللّفائفُ
وأقسِمُ ما كُرْسِتُكمْ بسكينةٍ
وأنْ ليسَ كالتابوتِ فينا وإِنْ سَعَتْ
وإني امرؤٌ أحببتُ آلَ محمدٍ
وتابعتُ عبد الله لمّا تتابعتْ
وقال المتوكل اللَّيشي :
شِيَامٌ حوالَيهِ ونَهْدٌ وخارفُ
وتابعتُ وحياً ضُمِّنتهُ المصاحفُ
عليه قريشٌ شمطها والغطارفُ(٣)
أبلغْ أبا إسحاقَ إن جئته(٤)
تنزوا شِبَامٌ حولَ أعوادِهِ
محمرَّةٌ أعينهم حولَهُ
أني بكرسيِّكم كافِرُ
وتحمل الوحيَ لهُ شاكرُ
كأنهنّ الحِمَّصُ الحادثُ(٥)
قلت : هذا وأمثاله مما يدل على ضعف(٦) المختار وأتباعه ، وقلة علمه وكثرة جهله ، ورداءة
فهمه ، وترويجه الباطل على أتباعه وتشبيهه الباطل بالحق ليضل به الطغام ، ويجمع عليه جهلة الرعاع(٧)
والعوام .
(١) نسب معد واليمن الكبير (١٩٥/٢ -١٩٦) ت: محمد فردوس العظم.
(٢) في ط : رؤوس المختارية، وما أثبت عن (أ) والطبري والزيادة منه ليستقيم المعنى.
(٣) الأبيات في تاريخ الطبري (٨٣/٦ - ٨٤) وابن الأثير (٣٢٥/٣) والبيت الأول في أنساب الأشراف (٢٤٢/٥) .
أني بِكُرْسِيُّهم كافر
أبلغ شباماً وأبا هانىءٍ
ولم يذكر غيره .
في أ : آل جفنة ، وما هنا موافق للطبري .
(٤)
في أ : كأنهن الحيض الحازر ، وما هنا موافق للطبري وابن الأثير .
(٥)
في ط : قلة عقل .
(٦)
(٧) في ط : جهال .

٣١
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
قال الواقدي(١) : وفي هذه السنة وقع بمصر طاعون هلك فيه خلق كثير من أهلها ، وفيها ضرب
الدنانير عبد العزيز بن مروان بمصر ، وهو أول من ضربها [ بها ( ٢)
قال صاحب مرآة الزمان(٣) : إن في هذه السنة ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس
وعمارة الجامع الأقصى ، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين ، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير كان
قد استولى على مكة ، وكان يخطب في أيام منى وعرفة ، ومقام الناس بمكة ، وينال من عبد الملك ويذكر
مساوىء بني مروان، ويقول: إن النبي ◌َ ﴿ لعن الحكم وما نسل(٤)، وأنه طريد رسول الله وَّله ولعينه، وكان
يدعو إلى نفسه ، وكان فصيحاً ، فمال معظم أهل الشام إليه ، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج
فضجوا ، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج [ ويستعطف قلوبهم ] وكانوا يقفون
عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة . وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم [ ففتح بذلك
على نفسه بأن شنع ابن الزبير عليه ] وكان يشنع عليه بمكة ويقول : ضاهى بها فعل [ الأكاسرة في ] إيوان
كسرى ، والخضراء ، كما فعل معاوية ، ونقل الطواف من بيت الله إلى قبلة بني إسرائيل ونحو ذلك(٥) . ولما أراد
عبد الملك بناءها سار من دمشق إلى بيت المقدس ومعه الأموال والعمال ، ووكل بالعمل رجاء بن حيوة(٦)
ويزيد بن سلام مولاه (٧) ، وجمع الصناع والمهندسين وأمرهم فصوروا له القبة في صحن المسجد ، فأعجبه ،
وبنى للمال بيتاً في شرقي القبة وشحنه بالمال(٨)، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا المال إفراغً ولا يتوقفا في
شيء . فبنوا القبة التي هي اليوم قائمة ، وبنوا من ناحية القبلة سبع محاريب عليها سبع قباب(٩) والقبة التي باقية
اليوم على المحراب هي أوسطها ولما تم بناء القبة عمل لها جلالين، أحدهما من لبُّود ١) أحمر للشتاء ، والآخر
تاريخ خليفة (٢٦٣) وتاريخ الإسلام للذهبي (٥٣/٥) طبعة دار الكتاب العربي .
(١)
(٢)
في تاريخ الإسلام : وهو أول من ضربها في الإسلام .
هو يوسف بن قُزْغُلي بن عبد الله ، أبو المظفر ، شمس الدين سبط أبي الفرج بن الجوزي [ ٥٨١ - ٦٥٤ ] مؤرخ ،
(٣)
من الكتاب الوعاظ ، ولد ونشأ ببغداد ثم انتقل إلى دمشق فاستوطنها وتوفي فيها. من كتبه: (( مرآة الزمان في تاريخ
الأعيان )) ولم أجد ما نقل في المطبوع منه .
يشير المصنف إلى حديث: ((إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً اتخذوا آيات الله بينهم دولًا، وعباد الله خولًا، وكتابه
(٤)
دغلاً ، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمئة كان هلاكهم أسرع من الثمرة )) رواه الطبراني (١٢٩٨٢) وغيره، وهو حديث
حسن ، ورواه من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي ذر الغفاري ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وانظر
حديث أبي هريرة في مسند أبي يعلى رقم (٦٥٢٣) فهو به حسن .
(٥)
من قوله : ونقل الطواف .. إلى هنا ساقط من ط .
في الأنس الجليل : وكان من العلماء الأعلام ومن جلساء عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه .
(٦)
في الأنس الجليل : وهو من أهل بيت المقدس .
(٧)
في الأنس الجليل (٢٧٢/٢): وأرصد للعمارة مالاً كثيراً يقال : إن خراج مصر سبع سنين ، ووضعه بالقبة الكائنة
(٨)
أمام الصخرة من جهة الشرق بعد أن أمر ببنائها ، وهي من جهة الزيتون وجعلها حاصلا وشحنها بالأموال .
(٩) مكانها في ط : وفرشاها بالرخام الملون .
(١٠) تحرفت في ط إلى: اليود. واللبود: صوف متداخل ولازق بعضه ببعض. القاموس (لبد).

٣٢
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين
من أدم للصيف وحف الصخرة بدرابزين من الساج المطعم باليشم ، وخلف الدرابزين ستور من الديباج ،
مرخاة بين العمد ، وكانت السدنة كل خميس وإثنين يذوّبون المسك والعنبر والماورد والزعفران ،
ويعملون فيه غالية ، ويبخّرونها من الليل ثم يدخل الخدم الحمام من الليل فيغتسلون ، ويتطيبون ويلبسون
ثياب الوشي ويشدون أوساطهم بالمناطق المحلاّة بالذهب ويخلقون الصخرة ، ثم يضعون البخور في
مجامر الذهب والفضة ، وفيها العمود القماري المغلي بالمسك ، ويرخوا السدنة الستور فتخرج تلك
الرائحة فتملأ المدينة كلها ثم ينادي منادٍ ألا إن الصخرة قد فتحت ، فمن أراد الزيارة فليأت فيقبل الناس
مبادرين فيصلون ويخرجون ، فمن وجدت منه رائحة البخور قال الناس هذا كان اليوم في الصخرة ،
وأبواب الصخرة أربعة ، على كل باب عشرة من الحجبة . الباب الشمالي : يسمى باب الجنة ، والشرقي
باب إسرافيل ، والغربي باب جبريل ، والقبلي باب الأقصى ، وكانوا يشعلونها بدهن البان ، ولا يدخلها
أحد غير أيام الزيارة سوى الخدم ، وكان للحرم عشرون باباً ، وكان فيه ألف عمود من الرخام ، وفي
السقوف ستون ألف خشبة ، من الساج المنقوش ، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل ، وكان فيه أربعمئة
سلسلة ، كل سلسلة ألف رطل شامي ، طول السلاسل ثلاثون ألف ذراع ، وكان يوقد في الصخرة كل ليلة
مئة شمعة ، وكذا في الأقصى ، وكان يوقد في القناديل كل ليلة من الزيت المغسول قنطار ، وكان في
الحرم خمسون قبة ، ومن ألواح الرصاص سبعون ألف لوح ، وكان في الحرم ثلاثمئة خادم ابتاعوا من بيت
المال من الخمس ، كلما مات واحد قام ولده بعده مقامه ، ويقبضون أرزاقهم من بيت المال شهراً بشهر
وكان في الحرم مئة صهريج ، وكانت صفائح القبة وسقف الأقصى من صفائح الذهب عوض الرصاص
وكذلك أبواب القبة وصفائحها ، وذلك أنه لما كمل البناء فضل من المال ثلاثمئة ألف دينار وقيل ستمئة
ألف ، وكتب رجاء بن حيوه ويزيد إلى عبد الملك بوفاته بذلك . فكتب إليهما : قد وهبته منكما ، فكتبا
إليه : إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي نسائنا ، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه
على القبة والأبواب ، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث . فلما
كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم القدس سنة أربعين ومئة ، الأقصى وقبابه ، فشكوا إليه الخراب ،
فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي على القبة والأبواب ، وأن يعمروا بها ما تشعث في المسجد ،
ففعلوا ذلك . وكان المسجد طويلاً فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه ، ولما كمل البناء كتبوا على
القبة ممايلي الباب القبلي من جهة الأقصى بالنص بعد البسملة : بنى هذه القبة عبد الله أمير المؤمنين
عبد الملك سنة اثنتين وسبعين(١) من الهجرة النبوية ، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة
وخمسة وستون ذراعاً ، وعرضه أربعمائة وستون ذراعاً ، وكان فتوح القدس سنة ست عشرة والله سبحانه
وتعالى أعلم .
(١) في ط : وستين .

٣٣
أحداث سنة ٦٧ هـ
ثم دخلت سنة سبع وستين
ففيها١) كان مقتل عبيد الله بن زياد على يدي إبراهيم بن الأشتر النخعي ، وذلك أن إبراهيم بن الأشتر
خرج من الكوفة يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة في السنة الماضية ، واستهلت هذه السنة وهو سائر
لقصد ابن زياد في أرض الموصل ، فكان اجتماعهما بمكان يقال له الخازر(٢) ، بينه وبين الموصل خمسة
فراسخ ، وكان ابن الأشتر في ثمانية آلاف ، وابن زياد في أربعين ألفاً من أهل الشام ، وكان ابن الأشتر
لا يسير إلا على تعبئة ، فلما قاربوا أرسل عمير بن الحباب السُّلمي: إني معك. وأتى إلى ابن الأشتر ليلاً
فبايعه وأخبره أنه على ميسرة ابن زياد ، ووعده أن ينهزم بالناس وقال له : لا تطاول القوم فإنهم أضعافكم
ولكن ناجزهم فإنهم قد ملئوا منكم رعباً. فقال ابن الأشتر: الآن علمت أنك ناصح ثم انصرف(٣) فبات ابن
الأشتر تلك الليلة ساهراً لا يغمض لنوم ، فلما كان قريب الصبح نهض فعبَّا جيشه وكَتَّب كتائبه(٤) ،
وصلى بأصحابه الفجر في أول وقت ، ثم ركب فناهض جيش ابن زياد ، وزحف بجيشه رويداً وهو ماش
في الرجَّالة حتى أشرف من فوق تلٌّ على جيش ابن زياد ، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد ، فلما رأوهم نهضوا
إلى خيلهم وسلاحهم مدهوشين ، فركب ابن الأشتر فرسه وجعل يقف على رايات القبائل فيحرِّضهم على
قتال ابن زياد ويقول: هذا قاتل ابن بنت رسول الله رَير ، قد جاءكم الله به وأمكنكم الله منه اليوم ، فعليكم
به فإنه قد فعل في بيت رسول الله وَّي ما لم يفعله فرعون في بني إسرائيل ، هذا ابن زياد قاتل الحسين الذي
حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه ، ومنعه أن ينصرف إلى بلده ، ومنعه أن يأتي
يزيد بن معاوية حتى قتله ( فوالله ما عمل فرعون فعاله وقد جاءكم الله به ، وإني لأرجو أن يشفي الله
صدوركم ويسفك دمه على يديكم )°) ثم نزل تحت رايته ، وأقبل ابن زياد [ في خيله ورجله ] في جيش
كثيف قد جعل على ميمنته حصين بن نمير ، وعلى الميسرة عمير بن الحباب السُّلمي - وكان قد اجتمع بابن
(١) الخبر فى تاريخ الطبري (٨٦/٦) والكامل لابن الأثير (٢٦٢/٤) وتاريخ الإسلام (٥٥/٥) والمنتظم لابن الجوزي (٦٣/٦).
(٢)
نهر بين إربل والموصل ثم بين الزاب الأعلى والموصل ..
في أ : الجادر ؛ تحريف . قال ياقوت : خازِر : بعد الألف زاي مكسورة - كذا رواه الأزهري وغيره - ثم راء ، هو
وهو موضع كانت عنده وقعة بين عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن مالك بن الأشتر النخعي أيام المختار .. وذلك في سنة
٦٦ للهجرة ، معجم البلدان (٣٨٦/٢).
من قوله : وكان ابن الأشتر .. إلى هنا ساقط من (أ) وموافق لمصادر المؤلف .
(٣)
(٤)
أي عبأ الكتائب في مواضعها . هامش أ .
بدل العبارة في ط : ويحكم اشفوا صدوركم منه ، وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه ، هذا الذي فعل في آل نبيكم
ما فعل قد جاءكم الله به . ثم أكثر من هذا القول وأمثاله ، وعبارة أ ، ب أقرب إلى المصادر .
(٥)

٣٤
أحداث سنة ٦٧ هـ
الأشتر ووعده أنه معه وأنه سيهزم بالناس غداً - وعلى خيل ابن زياد شُرَحبيل بن ذيُ(١) الكلاع ، وابن زياد في
الرجال يمشي معهم . فما كان إلا أن تواقف الفريقان حتى حمل حصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل الكوفة
فهزمها ، وقتل أميرها علي بن مالك الجُشمي فأخذ رايته من بعده ولده محمد٢) بن علي فقتل أيضاً ،
وانشمرت(٣) الميسرة ذاهبة فجعل الأشتر يناديهم إليّ يا شرطة الله، أنا ابن الأشتر ، وقد كشف عن رأسه
ليعرفوه ، فالتاثوا به واجتمعوا إليه ، ثم حملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة الشام فثبتوا لهم وقيل بل انهزمت
الميسرة وانحازت إلى ابن الأشتر ، ثم حمل ابن الأشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته : ادخل برايتك
فيهم ، وقاتل ابن الأشتر يومئذ قتالًاً عظيماً، وكان لا يضرب بسيفه رجلاً إلا صرعه ، وكثرت القتلى بينهم .
[ وقيل إن ميسرة أهل الشام ] ثبتوا وقاتلوا قتالاً شديداً [ بالرماح ثم بالسيوف ] ثم أردف الحملة ابن
الأشتر فانهزم جيش الشام بين يديه ، وهو يقتلهم كما يقتل الحملان ، واتبعهم بنفسه ومن معه من
الشجعان ، وثبت عبيد الله بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله وهو لا يعرفه ، لكن قال
لأصحابه : التمسوا في القتلى رجلاً ضربته بالسيف فنفحتني منه ريح المسك ، شرقت يداه وغربت
رجلاه ، وهو واقف عند راية منفردة على شاطىء نهر خازر ، فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد ، وإذا هو
قد ضربه ابن الأشتر فقطعه نصفين(٤) ، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر
والظفر بأهل الشام ومعه رأس حصين بن نمير ورأس شرحبيل بن ذي الكَلاع فأرسلها المختار إلى ابن الزبير
فنصبت بمكة ، واتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل ، واحتازوا
ما كان في معسكرهم [ من الأموال والخيول ] .
وقد كان المختار بشّر أصحابه بالنصر قبل أن يجيء الخبر ، فما ندري أكان ذلك تفاؤلاً منه أو اتفاقاً أو
كهانة . وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحي إليه بذلك فلا ، فإن من اعتقد ذلك كفر ومن أقرهم على
ذلك كفر ، لكن قال : إن الوقعة كانت بنصيبين فأخطأ إنما كانت بأرض الموصل ، وهذا مما انتقده عامر
الشَّعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر ، وقد خرج [ المختار ] من الكوفة ليتلقى البشارة ، فمر
بالمدائن فصعد منبرها فبينما هو يخطب إذ جاءته البشارة وهو هنالك . قال الشَّعبي : فقال لي بعض
· أصحابه : أما سمعته بالأمس يخبرنا بهذا؟ فقلت له أما سمعته يقول أنهم قتلوا الشاميين(٥) بنصيبين من
(١) سقطت من ط. وتنظر ترجمة شرحبيل في تاريخ دمشق (٤٥٣/٢٢).
(٢)
في الطبري وابن الأثير : ثم أخذ رايته قرّة بن علي .
(٣)
في ط : واستمرت .
ساق ابن جرير خبراً مسنداً يذكر فيه أن الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير التغلبي ، وقال ابن الأثير : وقيل إن الذي
(٤)
قتل ابن زياد شريك بن جدير ، وهو القائل :
غير ركز الرمح في ظل الفرس
كل عيش قد أراه باطلاً
(٥) بدلها في ط : زعم أن الوقعة كانت ..

٣٥
ترجمة ابن زياد
أرض الجزيرة ، وإنما قال البشير : إنهم كانوا بالخازِر من أرض الموصل ، فقال : والله لا تؤمن يا شعبي
حتى ترى العذاب الأليم . ثم رجع المختار إلى الكوفة .
وفي غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبَّانة السَّبيع والكناسة من الخروج ليجتمعوا
بمصعب بن الزبير وكان منهم شَبَث بن ربعي ، وأما ابن الأشتر فإنه بعث بالبشارة ورأس عبيد الله بن زياد
وبعث رجلاً على نيابة نصيبين واستمر مقيماً في تلك البلاد ، وبعث إلى الموصل عمالاً وأخذ سنجار ودارا
وما ولاها من الجزيرة .
وقال أبو أحمد الحاكم : كان مقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين ، والصواب سنة
سبع وستين . وقد قال سُراقة بن مِزْداس البارقي يمدح ابن الأشتر على قتله ابن زياد :
جريٌ على الأعداءِ غيرُ نَكُولٍ
أتاكمْ غُلامٌ منْ عَرَانين مذْحِجٍ
وذقْ حدَّ ماضي الشَّفرَتَينِ صقيلٍ
فَيَا بنَ زيادٍ بؤْ بأعظم مالك(١)
إذا ما أبأنا قاتلا٢ً) بقتيلٍ
ضربناكَ بالعضب الحُسامِ بحدَّةٍ
شَفَوا من عُبِيدِ الله أمْسٍ غَليلي
جزى الله خيراً شُرطة الله إنهم
وهذه ترجمة ابن زياد
هو عبيد الله بن زياد بن عبيد ، المعروف بابن زياد بن أبي سفيان ، ويقال له : زياد بن أبيه ، وابن سمية ،
أمير العراق بعد أبيه زياد ، وقال ابن معين : ويقال له عبيد الله بن مرجانة وهي أمه ، وقال غيره : وكانت
مجوسية ، وكنيته أبو حفص ، وقد سكن دمشق بعد موت (٣) يزيد بن معاوية ، وكانت له دار عند الديماس(٤)
تعرف بعده بدار ابن عجلان ، وكان مولده سنة تسع وثلاثين فيما حكاه ابن عساكر عن أبي العباس أحمد بن يونس
الضبي ، قال ابن عساكر(٥) : وروى الحديث عن معاوية وسعد بن أبي وقاص ومعقل بن يسار. وحدث عنه
الحسن البصري وأبو المليح بن أسامة . وقال أبو نعيم الفضل بن دكين : ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قتل
الحسين كان عمره ثمانياً وعشرين سنة ، قلت : فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين فالله أعلم .
وقد روى ابن عساكر أن معاوية كتب إلى زياد : أن أوفد إليّ ابنك ، فلما قدم عليه لم يسأله [ معاوية ]
عن شيء إلا نفذ منه ، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئاً ، فقال له : ما منعك من تعلم الشعر ؟
فقال : يا أمير المؤمنين إني كرهت أن أجمع في صدري مع كلام الله كلام الشيطان ، فقال [ معاوية ] :
في ط : هالك .
(١)
(٢)
في ط : قتيلا .
(٣)
سقطت من ط .
هي ناحية زقاق الديماس النافذ إلى سوق الأساكفة العتيق ، كما في تاريخ دمشق (٤٣٤/٣٧).
(٤)
تاريخ دمشق (٤٣٤/٣٧) ط دار الفكر .
(٥)

٣٦
ترجمة ابن زياد
اغرب ، فوالله ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول : [ من الوافر ]
وأَخْذي الحمدَ بالثَّمنِ الربيحِ
أبتْ لي عفتي وأبى بلائي
وإقدامي على البطلِ المُشيحِ
وإعطائي على الإعدام مالي
مكانكِ تعذري (١) أو تستريحِي
وقَوْلي كلما جشَأتْ وجَاشتْ
وأحمي بعدُ عن أنفٍ صحيحٍ(٢)
لأدفعَ عنْ مآثرَ صالحاتٍ
ثم كتب إلى أبيه : أن رؤِّه من الشعر ، فروّاه حتى كان لا يسقط عنه منه شيء بعد ذلك ، ومن شعره
بعد ذلك : [ من الطويل ]
إذا التقت الخِيلانُ أطعنها شزرا
سيعلمُ مروانُ بن نِسوةً أنني
سوى فرسي أو سقته(٣) لهمُ نحر(٤)
وإني إذا حلَّ الضيوفُ ولم أجدْ
وقد سأل معاوية يوماً أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا : إنه لظريف ولكنه يلحن ، فقال : أو ليس
[ اللحن ] أظرف له ؟ قال ابن قتيبة وغيره : إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه ، أي يلغز ، وهو ألحن بحجته
كما قال الشاعر في ذلك :
منطقٌ رائعٌ ويلحنُ أحياناً وخيرُ الحديثِ ما كانَ لحنه(٥)
وقيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحناً وهو ضد الإعراب ، وقيل أرادوا اللحن الذي هو ضد
الصواب وهو الأشبه والله أعلم . فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتعمق في
كلامه ويفخِّمه ، ويتشدق فيه ، وقيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم ، فإن أمه مرجانة كانت سُرِّية
وكانت بنت بعض ملوك الأعاجم يزدجرد أو غيره ، قالوا : وكان في كلامه شيء من كلام العجم ، قال
يوماً لبعض الخوارج : أهروري أنت ؟ يعني أحروري أنت ؟ وقال يوماً من كاتلنا كاتلناه ، أي من قاتلنا
قاتلناه ، وقول معاوية ذاك أظرف له ، أي : أجود له حيث نزع إلى أخواله ، وقد كانوا يوصفون بحسن
السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم .
ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولَّى معاوية على البصرة سَمرة بن جندب سنة ونصفاً ثم عزله
(١) في ط وتاريخ الإسلام : تحمدي .
(٢) الأبيات في تاريخ دمشق (٤٣٧/٣٧ - ٤٣٨) ط دار الفكر، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (٣١٤/١٥) وتاريخ
الإسلام (١٧٧/٥) عدا الأخير.
(٣)
في ط : أوسعته .
الأبيات في تاريخ دمشق (٤٣٦/٣٧) ط دار الفكر . ومختصر تاريخ دمشق (٣١٣/١٥) وقد قال هذه الأبيات حین
(٤)
وجهه مروان لحرب ابن الأشتر وقال : إياك والفرار كعادتك .
(٥) البيت في تاريخ دمشق (٤٣٩/٣٧) وفيه: منطق صائب، والعقد الفريد (٢/ ٤٨٠) ونسبه إلى مالك بن أسماء بن
خارجة الفزاري وفيه : منطق بارع .

٣٧
ترجمة ابن زياد
وولّى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر ، ثم عزله وولّی علیھا ابن زياد سنة خمس وخمسين .
فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة (١) ، فبنى في إمارة يزيد البيضاء ، وجعل باب القصر الأبيض
الذي كان لكسرى عليها . وبنى الحمراء وهي على سكة المربد ، فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء .
قالوا : وجاء رجل إلى ابن زياد فقال : أصلح الله الأمير ، إن امرأتي ماتت ، وإني أريد أن أتزوج
أمها ، فقال له : كم عطاؤك في الديوان ؟ فقال : سبعمئة ، فقال : يا غلام حطَّ من عطائه أربعمئة ، ثم
قال له : يكفيك من فقهك هذا ثلاثمئة(٢) .
قالوا : وتخاصمت أم الفجيع(٣) وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها ، فقال أبو الفجيع :
أصلح الله الأمير إن خير شطري الرجل آخره ، وإن شر شطري المرأة آخرها ، فقال : وكيف ذلك ؟
فقال : إن الرجل إذا أسن اشتد عقله واستحكم رأيه وذهب جهله ، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها وقل
عقلها وعقم رحمها واحتد لسانها ، فقال : صدقت خذ بيدها وانصرف .
وقال يحيى بن معين : أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت ، فقال : عسى أن يكون
خيراً ، فقال أهله : كيف يكون هذا خيراً ؟ فبلغ ذلك ابن زياد فأمر له بألفين آخرين ، ثم وجد الألفين
المسروقتين فصارت أربعة آلاف فكان خيراً . وقيل لهند بنت أسماء بن خارجة - وكانت قد تزوجت بعده
أزواجاً من نواب العراق - من أعزُّ أزواجك عندك وأكرمهم عليك ؟ فقالت : ما أكرم النساء [ أحد ] إكرام
بشر(٤) بن مروان ، ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف ، ووددت أن القيامة قد قامت فأرى
عبيد الله بن زياد وأشتفي من حديثه والنظر إليه - وكان أبا عذارتها٥) - وقد تزوجت بالآخرين أيضاً .
وقال عثمان بن أبي شيبة : عن جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : أول من جهر بالمعوذتين في
[ الصلاة ] المكتوبة ابن زياد، قلت : يعني والله أعلم في الكوفة ، فإن ابن مسعود كان لا يكتبهما في
مصحفه ، وكان فقهاء الكوفة يأخذون عن كثير من أصحابه والله أعلم .
وقد كانت في عبيد الله بن زياد جرأة وإقدام على سفك الدماء ، قتل خلقاً كثيراً جداً وكان سفيهاً
شديداً ، وكان فيه مبادرة إلى(٦) ما لا حاجة له به .
ثبت في الحديث الذي رواه أبو يعلى ومسلم(٧) ، كلاهما عن شيبان بن فروخ ، عن جرير ، عن
مكانها في أ ، م : ثم جمع يزيد بين الكوفة مع البصرة .
(١)
من قوله : ثم لما مات زياد . . إلى هنا متقدم في أوآثرنا إبقاءه لمناسبته .
(٢)
(٣)
في ط : الفجيج ؛ وما أثبت عن أ ومختصر تاريخ دمشق .
في ط : بشير ؛ وما أثبت عن أ ، م ومختصر تاريخ دمشق .
(٤)
(٥)
في ط : وكان أتى عذارتها .
من قوله : على سفك الدماء .. إلى هنا ساقط من ط ، وبدله : ومبادرة إلى ما لا يجوز .
(٦)
(٧) صحيح مسلم رقم (١٨٣٠) في الإمارة .

٣٨
ترجمة ابن زياد
الحسن ، أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، سمعت رسول الله مح له يقول:
((إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم)). فقال [ له ] اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب
رسول الله ◌َّه، فقال : وهل كان فيهم نخالة ؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.
و[ قد ] روى غير واحد عن الحسن أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال له : إني
محدثك بحديث سمعته من رسول الله وَ ر أنه قال: (( ما من رجل استرعاه الله رعية يموت يوم يموت وهو
غاش لهم إلّ حرم الله عليه الجنة )(١)
وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد الله بن زياد ولم يشهد دفنه ، واعتذر بما ليس
يجدي شيئاً وركب إلى قصره ، ومن جراءته إقدامه على الأمر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن قتل دون
ذلك ، وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد أو إلى مكة أو إلى
أحد الثغور ، فلما أشار عليه شِمْر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت تسيره بعد ذلك إلى
حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها ، فوافق شمراً على ذلك وبعثه به ، فقتل الحسين كما قدمنا٢)
وقد قال محمد بن سعد (٣) : أنبأنا الفَضْل بن دكين ومالك بن إسماعيل قالا : حدَّثنا عبد السلام بن
حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد الله بن زياد قال: دخلت معه القصر حين قُتل الحسين،
قال فاضطرم في وجهه ناراً أو كلمة نحوها ، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال : لا تحدثن بها أحداً .
وقال شريك: عن مغيرة قال: قالت مَرْجانة لابنها عبيد الله: يا خبيث قتلت ابن بنت رسول الله وَ له ؟
لا ترى الجنة أبداً .
وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين لعبيد الله حتى يجتمع الناس على
أمير ، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم ، فسار إلى الشام فاجتمع بمروان ، وحسَّن له أن يدعو
إلى بيعة(٤) نفسه ففعل ذلك ، وخالف الضحاك بن قيس ، ثم انطلق عبيد الله إلى الضحاك [ بن قيس ]
فما زال به حتى أخرجه من دمشق إلى مرج راهط ، ثم حسَّن له أن دعا إلى بيعة نفسه وخلع ابن الزبير
ففعل ، فانحلَّ نظامه ووقع ما وقع بمرج راهط ، من قتل الضحاك وخلق معه هنالك ، فلما تولى مروان
أرسل ابن زياد في جيش إلى العراق فالتقى بعين الوردة مع سليمان بن صُرَد ومن كان معه من الجيش
الذين يسمون جيش التوابين ، فقتل أميرهم ، وخلقاً كثيراً منهم ثم سار(٥) قاصداً الكوفة [ في ذلك
(٢)
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧١٥٠) و(٧١٥١) ومسلم رقم (١٤٢) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه .
مكانها في ط : ما أشار به من إحضاره بين يديه ، فأبى الحسين أن يحضر عنده ليقضي فيه بما يراه ابن مرجانة ، وقد
تعس وخاب وخسر ؛ فليس لابن بنت رسول الله و0 8# أن يحضر بين يدي ابن مرجانة الخبيث.
(٣)
لم أجده في الطبقات لابن سعد ، والخبر أيضاً في تاريخ دمشق (٣٧/ ٤٥٠ - ٤٥١) ط دار الفكر .
(٤)
في ط : يتولى الخلافة ويدعو إلى ..
(٥) من قوله : بعين الوردة .. إلى هنا من أومكانه في ط: هو وجيش التوابين مع سليمان بن صرد فكسرهم واستمر ..

٣٩
ترجمة ابن زياد
الجيش ] فتعوق في الطريق بسبب من كان معه من أهل الجزيرة من الأعداء بمن بايعُ(١) ابن الزبير .
ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف ، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك ، ولكن ظفر به كما
ذكرنا ابن الأشتر فقتله شر قتلة وهو لا يشعر به ، وإذا هو قد قتله٢) على شاطىء نهر الخازِر قريباً من
الموصل بخمس مراحل .
قال أبو أحمد الحاكم : وكان ذلك يوم عاشوراءُ(٣) [ قلت : وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين ] ثم
بعث ابن الأشتر برأسه ومعه رأس حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وجماعة من رؤساء أصحابهم
إلى المختار . وقال يعقوب بن سفيان٤) : حدثني يوسف بن موسى بن جرير ، عن يزيد بن أبي زياد
قال : لما جيء برأس ابن مرجانة وأصحابه طرحت بين يدي المختار فجاءت حية رقيقة ثم تخللت الرؤوس
حتى دخلت في فم ابن مرجانة وخرجت من منخره ، ودخلت في منخره وخرجت من فيه ، وجعلت تدخل
وتخرج من رأسه من بین الرؤوس .
ورواه الترمذي(٥) من وجه آخر بلفظ آخر فقال : حدثنا واصل بن عبد الأعلى عن أبي معاوية ، عن
الأعمش ، عن عمارة بن عمير . قال : لما جيء برأس عبيد الله وأصحابه نُضدَتْ(٦) في المسجد في
الرحبة ، فانتهيت إليهم وهم يقولون : قد جاءت ، قد جاءت ، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى
دخلت في منخري عبيد الله بن زياد ، فمكثت هنيهة ، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ، ثم قالوا : قد
جاءت قد جاءت ، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً . قال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح .
وقال أبو سليمان بن زَبْر(٧) : وفي سنة ست وستين قالوا فيها قتل ابن زياد والحصين بن نمير ، وليَ
قتلهما إبراهيم بن الأشتر، وبعث برأسيهما إلى المختار فبعث بهما إلى ابن الزبير ، فنصبت بمكة
والمدينة . وهكذا حكى ابن عساكر(٨) عن أبي أحمد الحاكم وغيره أن ذلك كان في سنة ست وستين ، زاد
أبو أحمد في يوم عاشوراء ، وسكت ابن عساكر عن ذلك ، والمشهور أن ذلك كان في سنة سبع وستين
كما ذكره ابن جرير وغيره ، ولكن بعث الرؤوس إلى ابن الزبير(٩) في هذه السنة متعذر لأن العداوة كانت
بدلها في ط : الذي هم من جهة .
(١)
من قوله : وهو لا يشعر به .. إلى هنا ساقط من ط.
(٢)
(٣)
وكذلك أرخه الذهبي في تاريخ الإسلام والسير عن أبي اليقظان .
تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٦١/٣٧) ط دار الفكر .
(٤)
(٥)
سنن الترمذي (٣٧٨٠) في المناقب .
في ط: (( فنصبت))، وما أثبتناه من م، وهو موافق للترمذي .
(٦)
تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (١ / ١٨١) .
(٧)
تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٦٢/٣٧) ط دار الفكر .
(٨)
قيل : إنه بعث الرؤوس إلى محمد بن الحنفية .
(٩)

٤٠
مقتل المختار بن أبي عبيد الكذاب
قد [ قويت و] تحققت بين المختار وابن الزبير في هذه السنة، وعما قليل سيَّر مصعب(١) من البصرة إلى
الكوفة لحصار المختار على يد مصعب بن الزبير وأهل البصرة(٢).
مقتل المختار بن أبي عبيد الكذاب(٣)
كان عبد الله بن الزبير قد عزل في هذه السنة عن نيابة البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة
المخزومي المعروف بالقُباع ، وولاها لأخيه مصعب بن الزبير ، ليكون [ ردءاً و] قرناً وكفئاً للمختار بن
أبي عبيد ، فلما قدم مصعب البصرة دخلها متلثماً فتيمم المنبر ، فلما صعده قال الناس : أمير أمير ، فلما
كشف اللثام عَرَفه الناس فأقبلوا إليه ، وجاء القُباع فجلس تحته بدرجة ، فلما اجتمع الناس قام مصعب
خطيباً فاستفتح القصص حتى بلغ: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [ القصص: ٤]، وأشار
بيده نحو الشام أو الكوفة، ثم قال: ﴿وَثُرِيدُ أَن ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
اٌلْوَرِثِنَ ﴿ وَنُمَكِّنَ لَمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [ القصص: ٥ -٦] وأشار إلى الحجاز. وقال: يا أهل البصرة إنكم تلقبون
أمراءكم ، وقد سميت نفسي الجزار ، فاجتمع عليه الناس وفرحوا له ، ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا
على المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل ، كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة ، ثم خرج المختار
ليلتقي ابن الأشتر حين بلغه أنه قتل ابن زياد اغتنم غيبته أهل الكوفة فأرغبوا في الخروج إلى البصرة ؛ ثم
جعلوا يحرضون مصعباً على المختار ويؤلبون عليه من جهة قلة دينه(٤) ودعواه أنه يأتيه الوحي ، وأنه قدّم
الموالي على الأشراف ، واتفق أن ابن الأشتر حين قتل ابن زياد واستقلّ بتلك النواحي ، فأحرز بلاداً
وأقاليم ورساتيق لنفسه ، واستهان بالمختار ، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الأشعث بن قيس على
البريد إلى المهلب بن أبي صفرة ، وهو نائبهم على خراسان ، فقدم في تجمُّل عظيم ومال ورجال وعَدٍ
وعُددٍ ، وجيش كثيف ، ففرح به أهل البصرة وتقوّى به مصعب ، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من
أهل الكوفة فركبوا في البحر والبر قاصدين الكوفة .
[ وقدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين ، وجعل على ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر ، وعلى
الميسرة المهلب بن أبي صفرة ، ورتَّب الأمراء على راياتها وقبائلها ، كمالكِ بن مسمع ، والأحنف بن
(١) في ط : أمر ابن الزبير أخاه مصعباً أن يسير ..
(٢)
مكانها في ط : وقتاله والله أعلم .
الخبر في تاريخ الطبري (٩٣/٦) وما بعدها، والكامل لابن الأثير (٣٣١/٣) وما بعدها، وتاريخ الإسلام (٥٧/٥)
(٣)
والمنتظم (٦/ ٦٣) .
مكانها في ط : بالذي جاء بالرؤوس والبشارة ، اغتنم من بقي بالكوفة من أعداء المختار غيبته فذهبوا إلى البصرة
(٤)
فراراً من المختار لقلة دينه وكفره .