Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال محمد بن عائذ : عن الوليد ، عن ابن لَهِيعة ، عن يونس ، عن الزهري قال : قدم عمر الجابية ، فنزع شُرَحبيل ، وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، وبقَّى الشام على أميرين أبي عبيدة ويزيد ، ثم توفي أبو عبيدة ، فاستخلف عياض بن غَنْم ، ثم توفي يزيد فأمّر معاوية مكانه ، ثم نعاه عمر لأبي سفيان ، فقال : يا أبا سفيان احتسِبْ يزيد بن أبي سفيان ، قال : من أمَّرت مكانه؟ قال : معاوية ، فقال : وصلتَ رحماً يا أمير المؤمنين . فكان على الشام معاوية [ وعمير بن سعد حتى قتل عمر ]١). وقال محمد بن إسحاق : مات أبو عبيدة في طاعون عَمَواس(٢) واستخلف معاذاً، فمات معاذ واستخلف يزيد بن أبي سفيان ، فمات واستخلف أخاه معاوية ، فأقرَّه عمر ، وولَّى عمرو بن العاص فلسطين والأردن ، ومعاوية دمشق وبعلبكّ والبَلقاء ، وولَّى سعيد بن عامر بن حِذْيَمْ(٣) حمص ، ثم جمع الشام كلّها لمعاوية بن أبي سفيان ، ثم استمرَّ به عثمان بن عفان . وقال إسماعيل بن أميّة : أفرد عمر معاويةَ بإمرة الشام ، وجعل له في كل شهر ثمانين ديناراً . والصواب أن الذي جمع لمعاوية الشام كلَّها عثمان بن عفان ، وأما عمرُ فإنه إنما ولّه بعض أعمالها . وقال بعضهم : لما عُزِّيت هند في يزيد بن أبي سفيان - ولم يكن منها - قيل لها : إنه قد جعل معاوية أميراً مكانه ، فقالت : أو مثل معاوية يُجعل خلفاً من أحد ؟! فوالله لو أنَّ العرب اجتمعت متوافرةً ثم رُمي به فيها لخرج من أي أعراضها ( نواحيها (٤) شاء . وقال آخرون : ذُكر معاوية عند عمر ، فقال : دعوا فتى قريش وابنَ سيِّدها ، إنه لمن يضحك في الغضب ، ولا ينال منه إلّا على الرضا ، ومن لا يأخذ من فوق رأسه إلّ من تحت قدميه . وقال ابن أبي الدنيا : حدّثني محمد بن قدامة الجوهري ، حدّثني عبد العزيز بن يحيى ، عن شيخ له قال : لمّا قدم عمر بن الخطاب الشام تلقّاه معاويةُ في موكب عظيم ، فلمّا دنا من عمر قال له : أنت صاحب الموكب؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ قال : هو ما بلغك من ذلك . قال : ولمَ تفعلُ هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافياً إلى بلاد الحجاز . قال : يا أمير المؤمنين ! إنا بأرضٍ جواسيسُ العدوِّ فيها كثيرة ، فيجب أن نُظهر من عزّ السلطان ما يكون فيه عزّ للإسلام وأهله ويرهبهم به ، فإنْ أمرتَني فعلت ، وإن نهيتني انتهيت . فقال له عمر : يا معاوية ! ما سألتك عن شيء إلّا تركتني في مثل رواجب الضَّرِس ، لئن كان ما قلت حقّاً إنه لرأي (١) ما بين حاصرتين سقط من أ، وتحرف عمير بن سعد في ب إلى: يحيى بن سعيد. تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٢١٨/١). (٢) ((عمواس)): بفتح أوله وثانيه، أو بكسر أوله وسكون ثانيه : كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس معجم البلدان (٤/ ١٥٧). وطاعون عمواس كان في سنة ١٨ هـ . (٣) تحرف اسمه في المطبوع إلى : سعد بن عامر بن جذيم . (٤) كذا وقعت في المطبوع فقط ، وكأنها مقحمة ، وهي شرح للأعراض. ١٨٢ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه أريب، وإن كان باطلاً إنه لخديعة أديب . قال : فمُزْني يا أمير المؤمنين بما شئت . قال : لا آمرك ولا أنهاك . فقال رجل : يا أمير المؤمنين ! ما أحسن ما صَدَر عما أوردتَه فيه! فقال عمر: لحُسْن موارده ومصادره جشَّمناه ما جشَّمناه(١) . وفي رواية : أن معاوية تلقَّى عمر حين قدم الشام ، ومعاويةُ في موكب كثيف ، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار ، ولم يشعر بهما ، فقيل له : إنك جاوزتَ أمير المؤمنين ، فرجع ، فلمّا رأى عمرَ ترجَّل وجعل [ يمشي وعمرُ يحدِّثه حتى انهال عرقه وكثر اصفرار لونه وجعل ]٢) يقول له ما ذكرنا ، فقال عبد الرحمن بن عوف : ما أحسن ما صَدَر عمّا أوردتَه فيه يا أمير المؤمنين ! فقال : من أجل ذلك جشَّمناه ما جشَّمناه . وقال عبد الله بن المبارك في كتاب ((الزهد)(٣) : أخبرنا محمد بن [ أبي ]٤) ذئب ، عن مسلم بن جُنْدب ، عن أسلم - مولى عمر - قال : قدم علينا معاوية وهو أبيضُ بضٌّ وباضٌّ ، أبضُ الناس وأجملُهم ، فخرج إلى الحج مع عمر ، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه ، ثم يضع أصبعَه على متن معاوية ، ثم يرفعها عن مثل الشِّراك فيقول: بخ بخٍ ، نحن إذاً خيرُ الناس أن جُمع لنا خير الدنيا والآخرة . فقال معاوية : يا أمير المؤمنين ! سأحدِّثك؛ إنا بأرض الحمّامات والريف والشهوات ، فقال عمر: سأحدِّثك، ما بك إلّ إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبُّحك حتى تضرب الشمسُ متنيك وذوو الحاجات وراء الباب. [فقال: يا أمير المؤمنين علِّمْني أمتثل }(٥). قال: فلمّا جئنا ذا طُوى أخرج معاوية حُلَّة فلبسها ، فوجد عمر منها ريحاً كأنه ريح طيب ، فقال: يعمد أحدكم يخرُج حاجّاً تَفِلأ٦) ، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمةً أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطِّيب فلبسهما ! فقال معاوية : إنما لبستُهما لأدخل فيهما على عشيرتي وقومي . والله لقد بلغني أذاك هاهنا وبالشام ، فاللهُ يعلم أني لقد عرفت الحياء فيه . ثم نزع ثوبيه ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما٧) . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني أبي ، عن هشام بن محمد ، عن أبي عبد الرحمن المدني قال : كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال : هذا كسرى العرب(٨). (١) تاريخ ابن عساكر مختصره (١٨/٢٥)، وسير أعلام النبلاء (١٣٣/٣). (٢) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع. (٣) کتاب الزهد (رقم ٥٧٦) . (٤) سقطت من المطبوع . ما بين حاصرتين ليس في ب . (٥) ((التفل)) : الذي ترك استعمال الطيب. وقد وقعت في المطبوع : مقلاً ، خطأ . (٦) تاريخ ابن عساكر ، مختصره (١٩/٢٥)، وسير أعلام النبلاء (١٣٤/٣). (٧) المصدر السابق . (٨) ١٨٣ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وهكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك . وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي : عن جدِّه قال : دخل معاويةُ على عمرَ وعليه حُلَّة خضراء ، فنظر إليها الصحابة ، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدِّرَّة ، وجعل يضربه بها ، وجعل معاوية يقول : يا أمير المؤمنين اللهَ اللهَ فيّ . فرجع عمر إلى مجلسه ، فقال له القوم : لمَ ضربتَه يا أمير المؤمنين وما في قومك مثله ؟ فقال : والله ما رأيت إلّا خيراً، وما بلغني إلّا خير [ ولو بلغني غير ذلك لكان مني إليه غير ما رأيتم (١) ولكن رأيته - وأشار بيده - فأحببتُ أن أضع منه ما شمخ . وقد قال أبو داود : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدِّمشقي ، حدّثنا يحيى بن حمزة ، حدّثنا ابن أبي مريم ، أن القاسم بن مُخَيمرة أخبره ، أن أبا مريم الأزدي أخبره قال : دخلت على معاوية فقال : ما أنعَمَنا بكُ(٢) أبا فلان - وهي كلمة تقولها العرب - فقلت: حديث سمعتُه أخبرك به، سمعت رسول الله إِلآل يقول: (( مَنْ ولّه اللهُ شيئاً من أمر المسلمين فاحتجَبَ دونَ حاجتِهِم وخَلَّتِهِمْ(٣) وفَقْرهم احتجَب اللهُ دونَ حاجتِهِ وخَلَّتِهِ وفَقْره)). قال: فجعل معاوية - حين سمع هذا الحديث - رجلاً على حوائج الناس (٤) . ورواه الترمذي(٥) وغيره . وقال الإمام أحمد : حدّثنا مروان(٦) بن معاوية الفَزَاري ، حدّثنا حبيب بن الشّهيد، عن أبي مِجْلَز قال: خرج معاوية على الناس، فقاموا له، فقال: سمعت رسول الله مَ ◌ّه يقول: ((مَنْ أحبَّ أن يمثُلَ له الرجالُ قِياماً فليتبوَّأْ مقعَدَهُ من النّارِ )(٧) . وفي رواية : قال : خرج معاوية على ابن عامر وابن الزبير ، فقام له ابن عامر ولم يقم ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله وَ له يقول: ((مَنْ أحبَّ أن يمثُلَ له العباد قياماً فليتبوَّأْ مقعَدَهُ من النّار (٨) . (١) ما بين حاصرتين ليس في ب ، ولا مختصر تاريخ دمشق وسير أعلام النبلاء . (٢) ما أنعمنا بك: أي ما جاءنا بك، أو ما أعملك إلينا . (٣) ((الخَلَّة)): بفتح الخاء - الحاجة. أخرجه أبو داود (٢٩٤٨) في الخراج والإمارة والفيء : باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية ، وهو حديث صحيح . (٤) برقم (١٣٣٣) في الأحكام: باب ما جاء في إمام الرعية . (٥) (٦) تحرف في آ إلى : هارون . في المسند (١٠٠/٤) وهو حديث صحيح. وقد قال المناوي في فيض القدير (٣١/٦): أن يُلزمهم بالقيام صفوفاً (٧) على طريق الكبر والتوجّه ، أو أن يقام على رأسه وهو جالس . وقال ابن الأثير في جامع الأصول (٦ / ٥٣٦): مثل الناس للأمير قياماً : إذا قاموا بين يديه وعن جانبيه وهو جالس ، نهي عنه ، لأن الباعث عليه الكبر وإذلال الناس . (٨) مسند أحمد (٩١/٤) وهو حديث صحيح. ١٨٤ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه ورواه أبو داود(١) والترمذي(٢) من حديث حبيب بن الشهيد، وقال الترمذي: حديث حسن(٣) وروى أبو داو(٤) من حديث الثَّوري ، عن ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد المَقْرائي الحمصي ، عن معاوية قال: قال رسول الله بَله: ((إنَّكَ إِنْ تَتَبَّعْتَ عَوْراتِ الناسِ أفسَدْتَهُمْ أو كدتَ أنْ تُفسِدَهم)) قال [ أبو الدرداء]: كلمة سمعها معاوية نفعه الله بها. تفرد به أحمد(٥) . يعني أنه كان جيِّد السِّيرة، حسن التجاوز ، جميل العفو ، كثير السّتر ، رحمه الله تعالى . وثبت في (( الصحيحين)) من حديث الزُّهري، عن حُميد بن عبد الرحمن ، عن معاوية أنه قال : سمعت رسول الله وَ لَّ يقول: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خيراً يفقِّهْهُ في الدِّين، وإنَّما أنا قاسمٌ واللهُ يُعْطي، ولا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يَضُرُهم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ خالَفَهم حتى يأتي أمرُ اللهِ وهم ظاهرون)). وفي رواية: ((وهم على ذلك)(٦) وقد خطب معاوية بهذا الحديث مرة ثم قال: وهذا مالك بن يُخامِرِ يخبر عن معاذ أن رسول الله اله قال: ((وهم بالشام)(٧) يحثُّ بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق ، وأن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها . وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق . وقال الليث بن سعد : فتح معاوية قيساريّة سنة تسع عشرة في دولة عمر بن الخطاب . وقال غيره : وفتح قُبرص سنة خمس - وقيل : سبع ، وقيل : ثمان - وعشرين في أيام عثمان . قالوا : وكان عام غزوة المضيق - يعني مضيق القُسطنطينية - في سنة اثنتين وثلاثين في أيامه ، وكان هو الأمير على الناس عامئذ . وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام [ وقيل: إن عمر هو الذي جمعها له. والصحيح عثمان (٨). واستقضى معاويةٌ فَضَالة بن عبيد بعد أبي الدرداء . ثم كان ما كان بينه وبين عليٍّ بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي ، فجرى بينهما قتال عظيم كما قدَّمنا ، وكان الحقُّ والصواب مع عليّ ، ومعاوية معذور برقم (٥٢٢٩) في الأدب : باب في قيام الرجل للرجل . (١) (٢) برقم (٢٧٥٥) في الأدب : باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل . وإنما اقتصر الإمام الترمذي على تحسينه لما في لفظه من اختلاف، فانظر علل ابن أبي حاتم (٢٥٣١) (بشار). (٣) أبو داود (٤٨٨٨) في الأدب: باب في النهي عن التجسس وهو حديث صحيح. وما ورد ضمن حاصرتين مستدرك منه. (٤) هكذا قال وهو وهم بين من المصنف أو سبق قلم منه رحمه الله صوابه: ((تفرد به أبو داود))، إذ لا علاقة لأحمد هنا (بشار). (٥) (٦) رواه البخاري رقم (٧١) وأخرجه مسلم رقم (١٠٣٧) (١٠٠) بقسمه الأول، وأخرجه بتمامه رقم (١٠٣٧) الذي بعد (١٩٢٣) من طريق يزيد بن الأصم عن معاوية والرواية الأخرى أخرجها البخاري رقم (٣٦٤١) و(٧٤٦٠) من طريق عمير بن هانىء عن معاوية . (٧) رواه البخاري رقم (٣٦٤١) و(٧٤٦٠). (٨) ما بين حاصرتين ليس في أ . ١٨٥ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه عند جمهور العلماء سلَفاً وخلفاً ، وقد شهدتِ الأحاديثُ الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - كما ثبت في الحديث الصحيح «تمرُقُ مارقَةٌ على خير فُرْقٍ من المسلمين ، فيقتلُها أَدنى الطائفتينِ إلى الحقّ)(١) فكانت المارقة الخوارج ، وقتلَهم عليٍّ وأصحابه . ثم قُتل علي ، فاستقلَّ معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين ، وكان يغزو الروم في كلِّ سنة مرتين مرة في الصيف ومرة في الشتاء ، ويأمر رجلاً من قومه فيحج بالناس ، وحج هو سنة خمسين ، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين ، وفيها - أو في التي بعدها - أغزاه بلاد الروم [ فسار معه خلقٌ كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القُسْطنطينية. وقد ثبت في الصحيح: ((أوَّلُ جيشٍ يغزو القُسْطنطينيةَ مغفورٌ لهُم)) (٢). وقال وكيع : عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : كان الحادي يحدو بعثمان فيقول : إنَّ الأميرَ بعدَهُ عَليُّ وفي الزُّبير خلفٌ مَرْضيُّ فقال كعب : بل هو صاحب البغلة الشَّهباء - يعني معاوية [ فأتاه معاوية (٣) فقال : يا أبا إسحاق ! تقول هذا وهاهُنا عليٍّ والزبيرُ وأصحاب محمد ◌ٍَّ؟ فقال: أنت صاحبُها . ورواه سيف ، عن ببر بن الخليل ، عن عثمان بن عطيّة(٤) الأسدي ، عن رجل من بني أسد قال : ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول : إنَّ الأميرَ بعدَهُ عليُّ وفي الزُّبير خلفٌ مَرْضيُّ فقال كعب : كذبتَ ، بل صاحب البغلة الشَّهباء بعده - يعني معاوية - فقال له معاوية في ذلك ، فقال : نعم ، أنت الأمير بعده ، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذَّب بحديثي هذا . فوقعت في نفس معاوية(٥) . وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا محمد بن عبّاد المكي ، حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي هارون قال : قال عمر : إياكم والفُرقة بعدي ، فإن فعلتم فإنَّ معاوية بالشام ، وستعلمون إذا وُكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم (٦). (١) أخرجه أحمد في مسنده (٣٢/٣ و٤٨) ومسلم (١٠٦٥) (١٥٠) في الزكاة : باب ذكر الخوارج وصفاتهم ، وأبو داود (٤٦٦٧) في السنة : باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة . كلهم من حديث أبي سعيد الخدري . (٢) ما بين حاصرتين من ط ، ب ، ومكانه في أ: وقد تقدم هذا كله . وخرجنا الحديث في أحداث سنة تسع وأربعين من هذا الجزء . (٣) سقط من المطبوع . (٤) في تاريخ الطبري : قطبة . (٥) الخبر والشعر في تاريخ الطبري (٣٤٣/٤) وتاريخ ابن عساكر، مختصره (٢٥/٢٥). (٦) تاريخ ابن عساكر ، مختصره (٢٥/٢٥) . ١٨٦ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه ورواه الواقدي من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه . وقد روى ابن عساكر عن عامر الشَّعبي : أن عليّاً حين بعث جرير بن عبد الله البَجَلي إلى معاوية قبل وقعة صفِّين - وذلك حين عزم عليٍّ على قصد الشام ، وجمع الجيوش لذلك - وكتب معه كتاباً إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعتُه لأنه قد بايعه المهاجرون والأنصار ، فإن لم تبايع استعنتُ بالله عليك وقاتلتُك ، وقد أكثرت القول في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله ... في كلام طويل ، وقد قدَّمنا أكثره . فقرأه معاوية على الناس ، وقام جرير فخطب الناس ، وأمر في خطبته معاوية بالسمع والطاعة ، وحذَّره من المخالفة والمعاندة ، ونهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس ، وأن يضرب بعضهم بعضاً بالسيوف . فقال له معاوية : انتظر حتى آخذ رأي أهل الشام . فلمّا كان بعد ذلك أمر معاوية منادياً فنادى في الناس : الصلاة جامعة ، فلمّا اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال : (( الحمدُ لله الذي جعلَ الدَّعائم للإسلام أركانا ، والشرائع للإيمان بُرْهانا ، يتوقَّد مصباحُه بالسنَّة في الأرض المقدَّسة التي جعلها الله محلَّ الأنبياء والصالحين من عباده ، فأحلَّها أهل الشام ، ورضيهم لها ورضيها لهم ، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها ، والقوام بأمره ، الذابِّين عن دينه وحُرماته ، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاماً ، وفي أعلام الخير عظاماً ، يردع الله بهم الناكثين ، ويجمع بهم الألفة بين المؤمنين ، والله نستعين على إصلاح ما تشغَّث من أمور المسلمين ، وتباعد بينهم بعد القرب والألفة . اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائماً ، ويريدون هراقة دمائنا ، وإخافة سبيلنا ، وقد يعلم الله أنّا لا نريد لهم عقاباً ، ولا نَهتِك لهم حجاباً ، غير أنَّ الله الحميد كسانا من الكرامة ثوباً لن ننتزعَه طوعاً ما جاوب الصَّدى ، وسقط النَّدى ، وعرف الهدى . وقد علمنا أنَّ الذي حملهم على خلافنا البغيُ والحسدُ لنا ، فاللهَ نستعين عليهم . أيُّها الناس قد علمتم أني خليفةُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأني خليفةُ أمير المؤمنين عثمان عليكم ، وأني لم أُقم رجلاً منكم على خزاية قطّ ، وإني وليُ عثمان وابن عمِّه. قال الله تعالى في كتابه: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾ [ الإسراء: ٣٣] وقد علمتم أنه قُتل مظلوماً ، وأنا أحبُّ أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقال أهل الشام بأجمعهم : بل نطلبُ بدمه ، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ، ووثَّقَوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسَهم وأموالهم، أو يدركوا بثأره ، أو يفني اللهُ أرواحَهم قبل ذلك . فلمّا رأى جرير من طاعة أهل الشام لمعاوية ما رأى أفزعه ذلك وعجب منه . وقال معاوية لجرير : إنْ ولّني على الشام ومصر بايعتُه على ألا يكون لأحد بعده عليَّ بَيْعة . فقال : اكتب إلى عليٍّ بما شئتَ وأنا أكتب معك . فلما بلغ عليّاً الكتاب قال : هذه خديعة ، وقد سألني المغيرةُ بن شعبة أن أولي معاوية الشام وأنا بالمدينة ، فأبيتُ ذلك ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اُلْمُضِلِينَ عَضُدًا ﴾ [ الكهف: ٥١]. ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه، فما قدم إلّ وقد اجتمعت العساكر إلى عليّ. ١٨٧ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص - وكان معتزلًا بفلسطين حين قُتل عثمان ، وكان عثمان قد عزله عن مصر فاعتزل بفلسطين - فكتب معاوية يستدعيه ليستشيرَه في أموره ، فركب إليه ، فاجتمعا على حرب علي . وقد قال [ الوليد بن }(١) عُقبة بن أبي مُعَيط في كتاب معاوية إلى عليٍّ حين سأله نيابة الشام ومصر ، فكتب إلى معاوية يؤِّبه ويلومُه على ذلك ويعرِّض بأشياء فيه : مُعاويَ إنَّ الشَّامَ شامُكَ فاعتصِمْ بشامِكَ لا تُدخِلْ عليكَ الأَفَاعِيَا فَأَهْدِ لهُ حرباً تُشِيبُ النَّواصِيَا فإنَّ عليّاً ناظرٌ ما تُجِيبُهُ وحَام علَيها بالقِتال وبالقَنَا وإلَّا فَسلِّم إنَّ في الأمن راحةً وإنَّ كتاباً يا بنَ حربٍ كتبتَهُ سألتَ عليّاً فيه ما لا تَنَالُهُ إلى أنْ ترى منهُ التي ليس بعدَها ومثلُ عليٍّ تغتررُهُ بخدعَةٍ ولو نَشِبَتْ أظفارُهُ فيكَ مرَّةٌ ولا تَكُ مَخْشُوشَ الذِّراعَيْنِ وانِيَا لمنْ لا يريدُ الحربَ فاخترْ معاويًا على طمعِ جانٍ عليكَ الذَّواهِیَا ولو نلتَهُ لم يبقَ إلَّ لياليَا بقاءٌ فلا تكثِرْ عليكَ الأَمانيَا وقد كانَ ما خرَّبتَ من قبلُ بانيا فَراكَ ابنَ هندٍ بعد ما كنتَ فاريَا٢ً) وقد ورد من غير وجه : أنَّ أبا مسلم الخولاني وجماعةً معه دخلوا على معاوية فقالوا له : أنت تنازع عليّاً أم أنت مثله؟ فقال : والله إني لأعلم أنه خيرٌ مني وأفضل، وأحقُّ بالأمر مني ، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً ، وأنا ابن عمِّه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلي؟ فقولوا له : فليسلِّم إليَّ قَتَلَةَ عثمان وأنا أسلِّم له أمره . فأتوا علياً فكلموه في ذلك ، فلم يدفع إليهم أحداً . فعند ذلك صمَّم أهل الشام على القتال مع معاوية(٣) . وعن عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، عن عامر الشَّعبي وأبي جعفر الباقر قال : بعث عليٌّ رجلاً إلى دمشق يُنذرهم أن عليّاً قد نَهَدُ(٤) في العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية ، فلمّا قدم أمر معاوية فنُودي في الناس : الصلاة جامعة ، فملؤوا المسجد ، ثم صعد المنبر فقال في خطبته : إن عليّاً قد نَهَد إليكم في أهل العراق فما الرأي؟ فضرب كلٌّ منهم على صدره ، ولم يتكلَّم أحدٌ منهم ، ولا رفعوا إليه (١) سقط من (أ) و( ط ) . (٢) الأبيات في وقعة صفين للجعفي (ص٥٩) وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (٨٤/٣ - ٨٥) وتاريخ ابن عساكر ، مختصره (٣١/٢٥ - ٣٢) مع اختلاف ببعض الألفاظ . (٣) تاريخ ابن عساكر ، مختصره (٣٢/٢٥) . (٤) ((نهد)) : نهض . ١٨٨ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه أبصارهم ، وقام ذو الكَلاَع فقال : يا أمير المؤمنين ! عليك الرأي وعلينا الفعال . ثم نادى معاوية في الناس : أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاثٍ ، فمن تخلَّف بعدها فقد أحلَّ بنفسه . فاجتمعوا كلهم ، فركب ذلك الرجل إلى عليٍّ فأخبره ، فأمر عليٍّ منادياً فنادى : الصلاة جامعة ، فاجتمعوا ، فصعد المنبر فقال : إن معاوية قد جمع الناس لحربكم فما الرأي ؟ فقال كلُّ فريق منهم مقالة ، واختلط كلام بعضهم في بعض ، فلم يدرِ عليٌّ مما قالوا شيئاً ، فنزل عن المنبر وهو يقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ذهب والله بها ابنُ آكلةِ الأكباد(١) . ثم كان من أمر الفريقين ما كان ، كما ذكرناه مبسوطاً في سنة ست وثلاثين . وقد قال أبو بكر بن دُريد : أنبأنا أبو حاتم ، عن أبي عُبيدة قال : قال معاوية : لقد وضعتُ رجلي في الرِّكاب وهممتُ يوم صفِين بالهزيمة ، فما منعني إلا قولُ ابن الإطنابة حيث يقول : وأخذي الحمدَ بالثمنِ الرَّبيح أبَتْ لي عقَّتي وأَبى بَلاَئي وضَرْبي هامةَ البطلِ المُشِيحِ وإكراهي على المكروهِ نَفْسي مكانَكِ تُحمَدي أو تَسْتريحي(٣) وقولي كلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال : الخلفاء : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . فقيل له : فمعاوية ؟ قال : لم يكن أحدٌ أحقَّ بالخلافة في زمان عليٍّ من عليّ ، ورحم الله معاوية . وقال علي بن المَديني : سمعت سفيان بن عيينة يقول : ما كانت في علي خصلةٌ تقصِّر به عن الخلافة ، ولم يكن في معاوية خصلةٌ ينازع بها عليّاً . وقيل لشَريك القاضي : كان معاوية حليماً ؟ فقال : ليس بحليم مَنْ سفه الحقَّ وقاتل علياً . رواه ابن (٣) عساكر(٣) وقال سفيان الثوري : عن حبيب ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، أنه ذكر معاوية وأنه لبّى عشية عرفة ، فقال فيه قولاً شديداً . ثم بلغه أن علياً لبَّى عشية عرفة ، فتركه . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثني عبّاد بن موسى ، حدّثنا علي بن ثابت الجزري ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله وَّل في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده، (١) تاريخ ابن عساكر، مختصره (٣٦/٢٥). (٢) الخبر مع الشعر في تاريخ ابن عساكر، مختصره (٣٧/٢٥) وسير أعلام النبلاء (١٤٢/٣). والأبيات في الاختيارين (ص١٥٩ - ١٦٠) وعيون الأخبار (١٢٦/١) والعقد الفريد (١٠٤/١ - ١٠٥) وغيرها من كتب الأدب. وابن الإطنابة : هو عمرو بن عامر بن زيد مناة الكعبي الخزرجي ، شاعر جاهلي فارس ، اشتهر بنسبته إلى أمه الإطنابة بنت شهاب . (٣) في تاريخه، مختصره (٣٨/٢٥). ١٨٩ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه فسلّمت وجلست ، فبينما أنا جالسٌ إذا أتي بعلي ومعاوية ، فأُدخلا بيتاً وأُجيف(١) الباب وأنا أنظر ، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول : قُضي لي وربّ الكعبة . ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول : غُفر لي وربّ الكعبة . وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل : إني أُبغِض معاوية ، فقال له : ولم ؟ قال : لأنه قاتَل علياً ، فقال له أبو زرعة : ويحك ! إن ربَّ معاوية ربِّ رحيم ، وخصم معاوية خصم كريم ، فأيش دخولك أنت بينهما ؟ رضي الله عنهما ٢) . وسئل الإمام أحمد عمّا جرى بين علي ومعاوية، فقرأ: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُنْشَلُونَ عَمَّا كَانُوْيَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: ١٣٤]. وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي : سُئل الحسن عمّا جرى بين علي وعثمان ، فقال : كانت لهذا سابقةٌ ولهذا سابقة ، ولهذا قرابةٌ ولهذا قرابة ، فابتُلي هذا وعُوفي هذا . وسُئل عمّا جرى بين علي ومعاوية ، فقال : كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة ، ولهذا سابقةٌ ولم يكن لهذا سابقة ، فابتُليا جميعاً . وقال كلثوم بن جَوْشن : سأل النضر أبو عمر الحسن البصري فقال : أبو بكر أفضل أَمْ علي ؟ فقال : سبحان الله ! ولا سواء ، سبقت لعلي سوابق يشركه فيها أبو بكر ، وأحدث علي حوادثَ لم يشركه فيها أبو بكر ، أبو بكر أفضل . قال : فعمر أفضل أم علي ؟ فقال مثل قوله في أبي بكر ، ثم قال : عمر أفضل . ثم قال : عثمان أفضل أم علي ؟ فقال مثل قوله الأول ، ثم قال : عثمان أفضل . قال : فعلي أفضل أم معاوية ؟ فقال : سبحان الله ! ولا سواء ، سبقت لعلي سوابقُ لم يشركه فيها معاوية ، وأحدث علي أحداثاً شركه فيها معاوية ، علي أفضل من معاوية . وقد روى عن الحسن البصري : أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء : قتالَه عليّاً، وقتلَه حُجر بن عدي ، واستلحاقه زياد بن أبيه ، ومبايعته ليزيد ابنه . وقال جرير بن عبد الحميد : عن مغيرة قال : لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ، فقالت له امرأته : أتبكيه وقد قاتلتَه ؟ فقال : ويحكِ ! إنك لا تدرينَ ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم . [ وفي رواية: أنها قالت له: بالأمس تقاتله واليوم تبكيه (٣) ؟! قلت : وقد كان مقتل علي في رمضان سنة أربعين ، ولهذا قال الليث بن سعد : إنَّ معاوية بُويع له بإيلياء بيعة الجماعة ، ودخل الكوفة سنة أربعين . والصحيح الذي قاله ابن إسحاق والجمهور أنه بُويع له (١) أجيف الباب: رُدَّ وأغلق . (٢) تاريخ ابن عساكر، مختصره (٣٩/٢٥) . (٣) سقطت هذه الرواية في ب . ١٩٠ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه بإيلياء في رمضان سنة أربعين حين بلغ أهل الشام مقتل علي ، ولكنَّه إنما دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة، وذلك بمكان يقال له أَذْرُحُ(١)، وقيل بمسكن من أرض سواد العراق من ناحية الأَنْبار ، فاستقلَّ معاوية بالأمر إلى أن مات سنة ستين . قال بعضهم : كان نقش خاتم معاوية : لكل عمل ثواب . وقيل : بل كان : لا قوَّة إلّا بالله . وقال يعقوب بن سفيان : حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن منصور قالا : حدّثنا أبو معاوية ، حدّثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرَّة ، عن سعيد بن سويد قال: صلَّى بنا معاوية بالنُّخيلة - يعني خارج الكوفة - الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، قد عرفتُ أنكم تفعلون ذلك ، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون (٢). ورواه محمد بن سعد ، عن يعلَى بن عبيد ، عن الأعمش به . وقال محمد بن سعد : حدّثنا عارم، حدّثنا حمّاد بن زيد(٣)، عن مَعْمر ، عن الزُّهري : أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ، ثم إنه بَعُدَ عن ذلك . وقال نعيم بن حمّاد : حدّثنا ابن فُضيل ، عن السَّري بن إسماعيل ، عن الشعبي ، حدّثني سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن علي لمّا قدم من الكوفة إلى المدينة : يا مُذِلَّ المؤمنين . قال : لا تقل ذلك، فإني سمعت [ أبي }٤) يقول: (( لا تذهبُ الأيام والليالي حتى يملكَ معاوية)) فعلمت أنَّ أمر الله واقع ، فكرهتُ أن تُهراقَ بيني وبينه دماء المسلمين . وقال مُجالد : عن الشعبي ، عن الحارث الأعور قال : قال عليّ بعدما رجع من صفِّين : أيها الناسُ ! لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقد تموه رأيتم الرؤوس تَنْدُر(٥) عن كواهلها كأنها الحنظل . وقال ابن عساكر بإسناده عن أبي داود الطيالسي: حدّثنا أيوب بن جابر، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ابن يزيد قال : قلت لعائشة: ألا تعجبينَ لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد ◌َّله في الخلافة ؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البَرَّ والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمئة سنة (٦). (١) وقعت في أ: أدرح وفي ط، ب: أدرج وكله تصحيف، فقد نص ياقوت في معجمه (١٢٩/١ - ١٣٠) على أنها بالحاء المهملة وقال : وقد وهم فيه قوم فرووه بالجيم . وهي بلدة في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز . (٢) الخبر في المعرفة والتاريخ (٣١٨/٣) وفيه سعيد بن سويد وهو مجهول . (٣) تحرف في ط إلى : يزيد . (٤) ما بين حاصرتين من ب، وم وكذلك في مختصر تاريخ دمشق (٤٣/٢٥) وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٤٧)، ووقع في أ ، ط: ((رسول الله وَليت)). (٥) (( تندر)) : تسقط . (٦) بعد هذا فى ط العبارة الآتية: ((وكذلك غيره من الكفار)) وليست في ب، م ولا في مختصر تاريخ دمشق (٤٢/٢٥). ١٩١ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال الزهري : حدّثني القاسم بن محمد : أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلَّمها خاليَيْن لم يشهد كلامهما أحد إلّا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة ، فقالت : أمنتَ أن أخبَأ لك رجلاً يقتلك بقتلك أخي محمداً ؟ فقال : صدقت ، فلمّا قضى معاوية كلامه معها تشهَّدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيَّه وَّلَهَ من الهدى ودين الحق، والذي سنَّ الخلفاءُ بعده، وحضَّتْ معاوية على العدل واتباع أثرهم ، فقالت في ذلك فلم تترك له عذراً . فلمّا قضت مقالتها قال لها معاوية : أنت - والله - العالمةُ العاملة بأمر رسول الله وَّ الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضتِ على الخير ، وأمرتِ به ، ولم تأمرينا إلّا بالذي هو لنا مصلحة ، وأنتِ أهل أن تُطاعي . وتكلمتْ هي ومعاوية كلاماً كثيراً. فلمّا قام معاوية اتَّكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعتُ خطيباً - ليس رسول الله بََّ - أبلغَ من عائشة(١) . وقال محمد بن سعد : حدّثنا خالد بن مَخْلد البجلي ، حدّثنا سليمان بن بلال ، حدّثني علقمة بن أبي علقمة ، عن أمِّه قالت : قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة ، فأرسل إلى عائشة : أن أرسلي إلي بأَنْبِجانيّة رسول الله وَ ◌ٍّ وشعره ، فأرسلتْ به معي أحمله، حتى دخلتُ به عليه، فأخذ الأَنْبِجانيَّة فلبسها ، وأخذ شعره فدعا بماءٍ فغسله وشربه وأفاض على جلده(٢). وقال الأصمعي : عن الهُذَلي [ عن الشعبي (٣) قال: لما قدم معاويةُ المدينة عام الجماعة تلقَّته رجال من وجوه قريش ، فقالوا : الحمد لله الذي أعزَّ نصرك، وأعلى أمرك. فما ردّ عليهم جواباً حتى دخل المدينة ، فقصد المسجد ، وعلا المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني - والله - ما وليتُ أمركم حين وليتُه وأنا أعلم أنكم لا تُسَرُون بولايتي ولا تحبُّونها ، وإني لعالم بما في نفوسكم من ذلك ، ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة ، ولقد رمتُ نفسي على عمل ابن أبي قحافة ، فلم أجدها تقوم بذلك ولا تقدر عليه ، وأردتُها على عمل ابن الخطاب ، فكانت أشدَّ نفوراً وأعظم هرباً من ذلك ، وحاولتُها على مثل سنّات عثمان ، فأبتْ عليَّ، وأين مثلُ هؤلاء ؟! ومَنْ يقدر على أعمالهم ؟ هيهات أن يدرك فضلَهم أحدٌ ممن بعدهم ، رحمة الله ورضوانه عليهم ، غير أني سلكتُ بها طريقاً لي فيه منفعةٌ ولكم فيه مثل ذلك ، ولكلٍّ فيه مواكلةٌ حسنة ، ومشاربةٌ جميلة ، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة ، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خيرٌ لكم ، واللهِ لا أحملُ السيف على مَنْ لا سيفَ معه ، ومهما تقدَّم ما قد علمتموه (١) تاريخ ابن عساكر، مختصره (٤٤/٢٥) . (٢) تاريخ ابن عساكر، مختصره (٤٤/٢٥ -٤٥). ((والأنبجانية)): كساء من صوف منسوب إلى أنبجان . (٣) سقط من ب ، والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٤٥/٢٥) وسير أعلام النبلاء (١٤٨/٣). ١٩٢ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه فقد جعلته دُبر أذني ، وإن لم تجدوني أقومُ بحقكم كلِّه فارضَوا مني ببعضه ، فإنها [ ليست (١) بقابية قُوبها ، وإنَّ السيل إذا جاء تترى - وإن قلَّ - أغنى. وإياكم والفتنةَ فلا تهمُّوا بها ، فإنها تفسد المعيشة ، وتكدِّر النعمة ، وتورث الاستئصال . أستغفر الله لي ولكم ، أستغفر الله . ثم نزل . قال أهل اللغة : القابية : البيضة ، والقوب : الفرخ . قابت البيضة تقوب : إذا انفلقت عن الفرخ . والظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حجَّ في سنة أربع وأربعين ، أو في سنة خمسين ، لا في عام الجماعة . وقال الليث : حدّثني علوان بن صالح بن كيسان : أن معاوية قدِم المدينة أول حجّة حجها بعد اجتماع الناس عليه ، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش ، فتوجّه إلى دار عثمان بن عفان ، فلمّا دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها ، فقال معاوية لمن معه : انصرفوا إلى منازلكم فإنَّ لي حاجةً في هذه الدار ، فانصرفوا ، ودخل معاوية فسكَّن عائشة بنت عثمان ، وأمرها بالكف ، وقال لها : يا بنت أخي ! إن الناس أعطونا سلطاناً فأظهرنا لهم حِلماً تحته غضب ، وأظهروا لنا طاعة تحتها حِقد ، فبعناهم هذا بهذا ، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شخُوا عليها بحقنا وغمطناهم بحقهم ، ومع كل إنسان منهم شيعته ، وهو يرى مكان شيعته ، فإن نكثناهم نكثوا بنا ، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرةُ أم علينا ؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني أمَةً من إماء المسلمين ، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك(٢). وقد روى ابن عدي من طريق علي بن زيد - وهو ضعيف - عن أبي نَضْرة ، عن أبي سعيد. [ ومن حديث مجالد - وهو ضعيف أيضاً - عن أبي الوَدّاك، عن أبي سعيد ]٣) أن رسول الله وَ ليه قال: ((إذا رأَيتم معاويةً على مِنْبري فاقتلوه )) . وأسنده أيضاً من طريق الحكم بن ظُهَير - وهو متروك - عن عاصم ، عن زِرّ ، عن ابن مسعود مرفوعاً . وهذا الحديث كذب بلا شك ، ولو كان صحيحاً لبادر الصحابة إلى فعل ذلك لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم . وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري . قال أيوب : هو كذب . (١) سقطت من أ، ط . تاريخ ابن عساكر ، مختصره (٤٦/٢٥). (٢) (٣) ما بين حاصرتين سقط من أ . ١٩٣ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه ورواه الخطيب البغدادي(١) بإسناد مجهول، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: ((إذا رأيتُم معاويةً يخطُّب على مِنْبري فاقبَلو(٢) ، فإنَّه أمينٌ مأمون )) . وقال أبو زرعة الدمشقي : عن دحيم ، عن الوليد ، عن الأوزاعي قال : أدركتْ خلافة معاوية عدَّة من الصحابة منهم: أسامة ، وسعد ، وجابر، وابن عمر ، وزيد بن ثابت [ومسلمة (٣) بن مخلَّد ، وأبو سعيد ، ورافع بن خديج ، وأبو أمامة ]٤) وأنس بن مالك ، ورجال أكثر ممَّن سمَّينا بأضعاف مضاعفة ، كانوا مصابيح الهدى ، وأوعية العلم ، حضروا من الكتاب تنزيلَه(٥)، وأخذوا عن رسول الله وَ ◌ّةٍ تأويلَه. ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله ، منهم : المِسْور بن مَخْرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وسعيد بن المسيِّب [وعروة بن الزبير]٦) وعبد الله بن مُحَيريز ... في أشباه لهم، لم ينزعوا يداً من جماعة في أمَّة محمد ◌َّهِ. وقال أبو زرعة : عن دُحيم ، عن الوليد ، عن سعيد بن عبد العزيز قال : لمّا قُتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو ، حتى كان عام الجماعة ، فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة ، تذهب سريّة في الصيف وتشتو بأرض الروم ، ثم تقفُل وتعقُبها الأخرى . وكان في جملة من أغزى ابنُه يزيد ومعه خلقٌ من الصحابة ، فجاز بهم الخليج ، وقاتلوا أهل القُسْطنطينية على بابها ، ثم قفل بهم راجعاً إلى الشام(٧). وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال : شُدَّ خناق الروم . وقال ابن وهب : عن يونس ، عن الزهري قال : حجَّ معاوية بالناس في أيام خلافته مرَّتين ، وكانت أيامه عشرين سنة إلّ شهراً . وقال أبو بكر بن عياش : حجَّ بالناس معاوية سنة أربع وأربعين ، وسنة خمسين . وقال غيره : سنة إحدى وخمسين . فالله أعلم . وقال الليث بن سعد: حدّثنا بُكير ، عن بُسْ(٨) بن سعيد : أن سعد بن أبي وقّاص قال: ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحقِّ من صاحب هذا الباب - يعني معاوية . (١) في تاريخه (٢٥٩/١) . (٢) تحرفت في أ ، ط إلى : فاقتلوه . (٣) تحرف في المطبوع إلى : سلمة . ما بين حاصرتين سقط من أ . (٤) فى أ، ط بعد هذا : ومن الدين جديده ، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم . وما أثبتناه من ب وهو مطابق لما (٥) في تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١٨٩/١ - ١٩٠). (٦) سقط من المطبوع . (٧) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١٨٨/١). (٨) تحرفت هذه اللفظة في ط إلى: بشر وفي أ إلى: يزيد. والخبر في السير (١٥٠/٣). ١٩٤ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال عبد الرزاق : حدّثنا مَعْمر، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، حدّثنا المِسْور بن مَخْرمة : أنه وفد على معاوية ، قال: فلمّا دخلت عليه - حسبت أنه قال: سلّمت عليه - فقال : ما فعل طعنُك على الأئمّة يا مِسْور ؟ قال : قلت : أرفضناُ(١) من هذا وأحسِنْ فيما قدمنا له ، فقال: لتكلِّمِنِّي بذات نفسك ، قال : فلم أدع شيئاً أعيبُه عليه إلّا أخبرته به ، فقال : لا تبرأ من الذنوب ، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك ؟ قال : قلت : نعم [ إن لي ذنوباً إن لم يغفرها هلكت بسببها (٢) قال : فما الذي يجعلك أحقَّ بأن ترجو أنت المغفرة مني ؟ فوالله لما إلي من إصلاح الرعايا ، وإقامة الحدود ، والإصلاح بين الناس ، والجهاد في سبيل الله ، والأمور العظام التي لا يحصيها إلّ الله ولا نحصيها أكثرُ مما تذكر من العيوب والذنوب ، وإني لعلى دين يقبل اللهُ فيه الحسناتِ ويعفو عن السيِّئات ، والله على ذلك ما كنت لأخيَّر بين الله وغيره إلّ اخترت الله على غيره مما سواه . قال: ففكّرت حين قال لي ما قال ، فعرفت أنه قد خصمني . قال : فكان المِسْور إذا ذكره بعد ذلك دعا له (٣) بخير (٣) . وقد رواه شعيب ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المِسْور بنحوه . وقال ابن دُريد : عن أبي حاتم ، عن العُتْبي قال : قال معاوية : يا أيها الناس ! ما أنا بخيركم ، وإن منكم لمَنْ هو خير مني : عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما من الأفاضل . ولكنْ عسى أن أكون أنفعَكُم ولاية ، وأنكاكم في عدوّكم ، وأدرَّكم حلباً . وقد رواه محمد بن سعد ، عن محمد بن مصعب ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن ثابت مولى معاوية : أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك(٤) . وقال هشام بن عمار خطيب دمشق : حدّثنا عمرو بن واقد ، حدّثنا يونس بن حَلْبَس قال : سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول : أيها الناس ! اعقلوا قولي فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني ، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة أو ليخالفنَّ اللهُ بين قلوبكم . خذوا على أيدي سفهائكم أو ليسلطنَّ الله عليكم عدوكم فليسومنَّكم سوء العذاب . تصدَّقوا، ولا يقولنَّ الرجل: إني مُقِلّ [ فإن صدقة المُقِل أفضلُ من صدقة الغني. إياكم وقذفَ المحصَنات، وأن يقول (٥) الرجل : سمعت وبلغني ، فلو قذف أحدكم امرأةً على عهد نوح لسُئِل عنها يوم القيامة . (١) ((أرفضنا)): دعنا. (٢) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (٢٠٧١٧) ورجاله ثقات. (٤) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٤٨/٢٥) . (٥) ما بين حاصرتين سقط من أ. والخبر في تاريخ ابن عساكر، مختصره (٤٨/٢٥ -٤٩). ١٩٥ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال أبو داود الطيالسي: حدّثنا يزيد بن طَهْماتُ(١) الرَّقاشي، حدّثنا محمد بن سِيرين قال : كان معاوية [ إذا حدَّث عن رسول اللهِوَ لّ لم يُتَّهِمُ(٢) . وروى أبو القاسم البغوي : عن سُويد بن سعيد ، عن همام بن إسماعيل ، عن أبي قَبيل قال : كان معاوية (٣) يبعث رجلاً يقال له أبو الجيش في كل يوم ، فيدور على المجالس يسأل : هل وُلِدَ لأحد مولود ؟ أو قدم أحدٌ من الوفود ؟ فإذا أُخبر بذلك أثبتَ في الديوان - يعني ليجري عليه الرزق . وقال غيره : كان معاوية متواضعاً ، ليس له مَجالد إلّا كمجالد الصِّبيان التي يسمُّونها المَخَاريق ، فيضرب بها الناس . وقال هشام بن عمّار : عن عمرو بن واقد ، عن يونس بن مَيْسرة بن حَلْبَس قال : رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردَف وراءه وَصِيفٌ عليه قميص مرقوع الجيب ، وهو يسير في أسواق دمشق . وقال الأعمش : عن مجاهد أنه قال : لو رأيتُم معاوية لقلتُم : هذا المَهْدي . وقال هشيم : عن العوّام ، عن جبلة بن سُحيم ، عن ابن عمر قال : ما رأيت أحداً أسودَ من معاوية ، قال : قلت : ولا عمر؟ قال: كان عمر خيراً منه، وكان معاوية أسودَ منه (٤) . ورواه أبو سفيان الحِيري، عن العوّام بن حَوْشب به، وقال: ما رأيت أحداً بعد رسول الله وَلَ أسودَ من معاوية ، قيل : ولا أبو بكر ؟ قال : كان أبو بكر وعمر وعثمان خيراً منه ، وهو أسود منهم . وروي من طرق عن ابن عمر مثله . وقال عبد الرزاق : عن مَعْمر ، عن همام ، سمعت ابن عباس يقول : ما رأيتُ رجلاً كان أخلقَ بالملك من معاوية . وقال حنبل بن إسحاق : حدّثنا أبو نُعيم ، حدّثنا ابن أبي عتيبة ، عن شيخ من أهل المدينة قال : قال معاوية : أنا أوَّل الملوك . وقال ابن أبي خيثمة: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضَمْرةُ(٥) ، عن ابن شَوْذب قال : كان معاوية يقول : أنا أولُ الملوك وآخرُ خليفة . (١) تحرف في أ إلى : دهمان. (٢) تاريخ ابن عساكر، مختصره (٥٠/٢٥) . (٣) ما بين حاصرتين سقط من أ . والخبر في تاريخ ابن عساكر، مختصره (٥٢/٢٥) . (٤) مختصر تاريخ دمشق (٥٣/٢٥) وأورد ابن الأثير في النهاية (٤١٨/٢) وقال: قيل: أراد أسخى وأعطى للمال. وقيل : أحلم منه . (٥) تحرف في المطبوع إلى : حمزة . ١٩٦ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه قلت : والسنة أن يُقال لمعاوية: ملك، ولا يقال له: خليفة، لحديث سَفِينة (( الخِلافةُ بعدي ثلاثونَ سنَةَ، ثم تكون مُلْكاً عَضُوضاً (١) . وقال عبد الملك بن مروان يوماً وذكر معاوية فقال : ما رأيت مثلَه في حِلْمه [ واحتماله وكرمه (٢) . وقال قَبيصة بن جابر : ما رأيت أحداً أعظم حلماً ، ولا أكثر سُؤدداً ، ولا أبعد أناة ، ولا ألين مخرجاً ، ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية . وقال بعضهم : أسمع رجل معاوية كلاماً سيئاً شديداً ، فقيل له : لو سطوتَ عليه ؟ فقال : إني لأستحيي من الله أن يضيقَ حلمي عن ذنب أحد من رعيَّتي . وفي رواية : قال له رجل : يا أمير المؤمنين ما أحلمك ؟! فقال : إني لأستحيي أن يكون جرم أحدٍ أعظمَ من حلمي . وقال الأصمعي : عن الثوري قال : قال معاوية : إني لأستحيي أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عفوي ، أو جهلٌ أكبرَ من حلمي ، أو تكون عورةٌ لا أُواريها بستري . وقال الشعبي والأصمعي عن أبيه قالا : جرى بين رجل - يقال له : أبو الجَهْم - وبين معاوية كلام ، فتكلَّم أبو الجَهْم بكلام فيه غمٌّ لمعاوية ، فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال : يا أبا الجَهْم ! إياك والسُّلطان ، فإنه يغضبُ غضبَ الصِّبيان ، ويأخذُ أخذَ الأسد ، وإنَّ قليلَه يغلب أكثر الناس . ثم أمر معاوية لأبي الجَهْم بمال ، فقال أبو الجَهْم في ذلك يمدح معاوية : نَمِيلُ على جوانِهِ كأنَّا إذا مِلْنَا نَمِيلُ على أَبِينا نُقَلُِّهُ لِنَخْبُرَ حالتَيْهِ فَنَخْبُر منهُما كرَماً ولِينا٣ً) وقال الأعمش : طاف الحسن بن عليٍّ مع معاوية ، فكان معاوية يمشي بين يديه ، فقال الحسن : (١) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٠، ٢٢١) وأبو داود (٤٦٤٦) في السنة: باب في الخلفاء، والترمذي (٢٢٢٦) في الفتن : باب ما جاء في الخلافة ، من طرق عن سعيد بن جُمْهان ( تحرفت هذه اللفظة في سنن أبي داود إلى : جهمان) عن سفينة مولى رسول الله بَّه قال: قال رسول الله وَطيقول: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكاً)) . قال سعيد : قال لي سفينة : أمسك خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشر سنين ، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي ست سنين . قال سعيد : قلت لسفينة : إن هؤلاء يزعمون أن علياً عليه السلام لم يكن بخليفة . قال : كذبت أَستاهُ بني الزرقاء - يعني بني مروان . قال الترمذي : وهذا حديث حسن وقد تقدم . (( والملك العضوض)» : ملك فيه عسف وظلم . (٢) ما بين حاصرتين سقط من ب. والخبر مطولا في مختصر تاريخ دمشق (٥٥/٢٥). (٣) ينسب هذان البيتان لعبد المسيح بن دارس، وأن أبا الجهم قالهما متمثلاً، كما في أمالي القالي (١/ ٢٣٤). أما في البيان والتبيين (٢٣٣/٣) وعيون الأخبار (٢٨٤/١) فقد عزيا إلى أبي الجهم وأنه قالهما في معاوية . والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٥/١٦ و٥٩/٢٥). وأبو الجهم: هو عبيد - أو عامر - بن حذيفة، من مسلمة الفتح. ١٩٧ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه ما أشبهَ أَليتيه بأَليتي هند؟! فالتفت إليه معاوية فقال : أما إنَّ ذلك كان يُعجب أبا سفيان . وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أمّ الحكم لمعاوية : إنَّ فلاناً يشتمني ، فقال له : طأطِىء لها ، فتمرّ ، فتجاوزك . وقال ابن الأعرابي : قال رجل لمعاوية : ما رأيتُ أندلَ منك، فقال معاوية : بلى ، مَنْ واجه الرجال بمثل هذا . وقال أبو عمرو بن العلاء : قال معاوية : ما يسرُّني بذل الكرم حمرُ النَّعم . [وقال: ما يسرُّني بذل الحلم عزُّ النصر (١). وقال بعضهم : قال معاوية : يا بني أميّة قاربو(٢) قريشاً بالحِلْم ، فوالله لقد كنتُ ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتماً وأُوسعه حِلْماً [ فأرجع وهو لي صديق ، إن استنجدتُه أنجدني ، وأثور به فيثور معي. وما وضع الحِلم (٣) عن شريف شرفَه، ولا زاده إلّ كرماً . وقال : آفةُ الحِلْم الذلّ . وقال أيضاً : لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلبَ حِلمُه جهلَه ، وصبرُه شهوتَه ، ولا يبلغ الرجل ذلك إلّ بقوة الحِلْم . وقال عبد الله بن الزبير : لله درُّ ابن هند! إنْ كنّا لنفرِّقه(٤) وما الليثُ على براثنه بأجراً منه ، فيتفارق لنا، وإنْ كنّا لنخدِّعه وما ابنُ ليلةٍ من أهل الأرض بأدهى منه، فيتخادع لنا . والله لوددتُ أنّا مُتِّعنا به ما دام في هذا الجبل حجر - وأشار إلى أبي قُبيس . وقال رجل لمعاوية : مَنْ أسودُ الناس ؟ فقال: أسخاهم نفساً حين يُسْأل ، وأحسنُهم في المجالس خلُقاً ، وأحلمُهم حين يُسْتجهل . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنَّى : كان معاوية يتمثَّل بهذه الأبيات كثيراً : فما قَتَلَ السَّفاهَةَ مثلُ حِلْم يعودُ به على الجَهْلِ الحَليمُ على أحدٍ فإنَّ الفحشَ لُومُ فلا تَسْفَهْ وإِنْ مُلِّئْتَ غَيْظاً فإنَّ الذنبَ يَغْفِرُهُ الكريمُ(٥) ولا تَقْطَعْ أخاً لكَ عندَ ذنبٍ (١) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٢) كذا وردت في ب، ومثله في مختصر تاريخ دمشق (٥٩/٢٥). ووقعت في أ ، ط : فارقوا . (٣) ما بين حاصرتين سقط من ب . ((نفرِّقه)» : نخوِّفه ، وهو من الفرَق : الخوف والجزع . (٤) (٥) الأبيات في مختصر تاريخ دمشق (٦١/٢٥). ١٩٨ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال القاضي الماوردي في (( الأحكام السُّلطانية)): وحُكي أن معاوية أتي بلصوص ، فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم فقال : بعَفْوكَ أنْ تلقَى نَكالا يُِينُها يَميني أميرَ المؤمنينَ أُعيذُها ولا تَعدَمُ الحسناءُ عَيْياً يَشِينُها يدي کانتِ الحسناءَ لو تمَّ سترُها إذا ما شِمالي فارَقَتْها یَمِینُها فلا خيرَ في الدُّنيا وكانتْ حبيبةً فقال معاوية : كيف أصنع بك ؟ قد قطعنا أصحابك . فقالت أمُّ السارق : يا أمير المؤمنين ! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلَّى سبيلَه، فكان أول حدٍّ تُرك في الإسلامُ(١). وعن ابن عباس أنه قال : قد علمت بما غلبَ معاوية الناس : كانوا إذا طاروا وقع ، وإذا وقعوا طار . وقال غيره : كتب معاوية إلى نائبه زياد : إنه لا ينبغي أن تَسُوس الناس سياسةً واحدة باللِّين فيمرحوا ، ولا بالشدّة فتحمل الناس على المهالك . ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغِلْظة ، وأنا للِّين والأُلفة والرحمة ، حتى إذا خاف خائف وجد باباً يدخل منه . وقال أبو مُسْهر : عن سعيد بن عبد العزيز قال : قضى معاويةُ عن عائشةَ أمّ المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار ، وماكان عليها من الدَّين الذي كانت تعطيه الناس . وقال هشام بن عروة : عن أبيه قال : بعث معاوية إلى أمّ المؤمنين عائشةَ بمئة ألف ، ففرَّقتها من يومها فلم يبق منها درهم ، فقالت لها خادمتها : هلّ أبقيتِ لنا درهماً نشتري به [ لحماً تفطري عليه ]٢) ؟ فقالت : لو ذكرتيني لفعلت . وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة - وهي بمكة - بطوقٍ قيمته مئة ألف ، فقبلته . وقال زيد بن الحُباب : عن الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بُرَيدة قال : قدم الحسن بن علي على معاوية ، فقال له : لأجيزنَّك بجائزة لم يُجزها أحد كان قبلي . فأعطاه أربعمئة ألف ألف . ووفد إليه مرة الحسن والحسين ، فأجازهما على الفور بمئتي ألف ، وقال لهما : ما أجاز بهما أحد قبلي ، فقال له الحسين : ولم تعطِ أحداً أفضل منّا . وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا يوسف بن موسى ، حدّثنا جرير ، عن مغيرة قال : أرسل الحسنُ بن علي وعبدُ الله بن جعفر إلى معاويةَ يسألانه المال ، فبعث إليهما - أو إلى كلِّ منهما - بمئة ألف ، فبلغ ذلك علياً (١) الأحكام السلطانية (ص٢٥٧) ومختصر تاريخ دمشق (٢٨٦/٢٩). (٢) ما بين حاصرتين سقط من ب. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٥/ ٦٣). ١٩٩ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه فقال لهما : ألا تستحيان ؟! رجل نطعن في عينه غدوةً وعشيةً تسألانه المال ؟ فقالا : بل حرمتنا أنت وجاد هو لنا . وروى الأصمعي قال : وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية ، فقال للحسن : مرحباً وأهلاً بابن رسول الله، وأمر له بثلاثمئة ألف . وقال لابن الزبير : مرحباً وأهلاً بابن عمة رسول الله ، وأمر له بمئة ألف . [ وقال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسين بن علي بمئة ألف }١) فقسَّمها على جلسائه وكانوا عشرة ، فأصاب كل واحد عشرة آلاف . وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمئة ألف ، فاستوهبتها منه امرأته فاطمة ، فأطلقها لها . وبعث إلى مروان بن الحكم بمئة ألف ، فقسم منها خمسين ألفاً وحبس خمسين ألفاً . وبعث إلى ابن عمر بمئة ألف ، ففرّق منها تسعين واستبقى عشرة آلاف ، فقال معاوية : [ إنه لمقتصد يحب الاقتصاد . وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمئة ألف، فقال للرسول : لم جئتَ بها بالنهار ؟ هلا جئتَ بها بالليل؟! ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحداً شيئاً ، فقال معاوية }٢): إنه لخَبٌّ ضَبّ(٣)، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع حبله (٤) . وقال ابن دأب : كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف ويقضي له معها مئة حاجة ، فقدم عليه عاماً ، فأعطاه المال وقضى له الحاجات وبقيت منها واحدة ، فبينما هو عنده إذ قدم أَصْبَهْبَدُ(٥) سِجِسْتان يطلب من معاوية أن يملِّكه على تلك البلاد ، ووعد مَنْ قضى له هذه الحاجة من ماله بألف ألف ، فطاف على رؤوس الأمراء من أهل الشام وأمراء العراق ممن قدم مع الأحنف بن قيس ، فكلُّهم يقولون : عليك بعبد الله بن جعفر ، فقصده الدّهقان ، فكلَّم فيه ابنُ جعفر معاوية ، فقضى حاجته تكملة المئة حاجة ، وأمر الكاتب فكتب له عهده ، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان ، فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم ، فقال له ابن جعفر : اسجُد لله واحمل مالك إلى منزلك ، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن . فبلغ ذلك معاوية ، فقال : لأن يكونَ يزيد قالها أحبُّ إليَّ من خراج العراق، أبت بنو هاشم إلّ كرماً(٦). وقال غيره : كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف ، فاجتمع عليه في بعض (١) ما بين حاصرتين سقط من أ، وبهذا السقط يصبح الخبر تابعاً لما قبله. (٢) ما بين حاصرتين سقط من أ . (٣) رجل خبّ ضبّ : خداع مفسد . (٤) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٦٤/٢٥) وفي أوله : أنه أمر للحسن بن علي أيضاً بمئة ألف درهم . (٥) اضطربت هذه اللفظة في الأصول ، وهي فارسية معربة . والأصبهبذ عند الديلم كالأمير عند العرب . المعرَّب للجواليقي (ص٢١٨) وتاج العروس مادة (صبهبذ) . (٦) الخبر في مقطوعة شعرية لطيفة في مختصر تاريخ دمشق (٦٥/٢٥ -٦٦). ٢٠٠ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه الأوقات دين خمسمئة ألف ، فألحَ عليه غرماؤه ، فاستنظرهم حتى يقدم على معاويةَ فيسأله أن يُسْلفه شيئاً من العطاء ، فركب إليه ، فقال له : ما أقدمك يا بن جعفر ؟ قال : دين ألحَّ عليَّ غرماؤه ، فقال : وكم هو ؟ قال : خمسمئة ألف ، فقضاها عنه وقال له : إن الألف ألف ستأتيك في وقتها . وقال ابن سعد (١) : حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو هلال، عن قتادة قال : قال معاوية : يا عجباً للحسن بن علي ! شرب شربةً عسل يمانيّة بماء رُومةُ(٢) ، فقضى نحبه . ثم قال لا بن عباس : لا يسوءُك الله ولا يُحزنك من الحسن بن علي. فقال ابن عباس لمعاوية: لا يُحزنني الله ولا يسوءُني ما أبقى الله أمير المؤمنين . قال : فأعطاه ألف ألف درهم وعروضاً وأشياء وقال : خذها فاقسمها في أهلك . وقال أبو الحسن المدائني : عن سلمة بن مُحارب قال : قيل لمعاوية : أيُّكم كان أشرف : أنتم أو بنو هاشم ؟ قال: كنّا أكثر أشرافاً وكانوا هم أشرف ، فيهم واحد لم يكن في بني عبد مناف مثل هاشم، فلمّا هلك كنّا أكثر عدداً وأكثر أشرافاً ، وكان فيهم عبد المطلب لم يكن فينا مثله ، فلما مات صرنا أكثر عدداً وأكثر أشرافاً ، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا ، فلم يكن إلا كقَرار العين حين قالوا : منّا نبيّ ، فجاء نبيٌّ لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، محمد بََّ، فمن يدركُ هذه الفضيلة وهذا الشرف؟ وروى ابن أبي خَيْئمة ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حمّاد بن سلمة ، عن علي بن يزيد ، عن يوسف بن مِهْران ، عن ابن عباس : أن عمرو بن العاص قصَّ على معاوية مناماً رأى فيها أبا بكر وعمر وعثمان وهم يحاسَبون على ما ولوه في أيامهم ، ورأى معاوية وهو مُوكل به رجلان يحاسِبانه على ما عمل في أيامه . فقال له معاوية : ومارأيتَ ثَمَّ دنانير مصر(٣)؟ وقال ابن دريد : عن أبي حاتم ، عن العُتْبي قال : دخل عمرو على معاويةً وقد ورد عليه كتاب فيه تعزيةٌ له في بعض الصحابة ، فاسترجع معاوية ، فقال عمرو بن العاص : يموتُ الصّالحونَ وأنتَ حيٌّ تَخطّاكَ المنايا لا تموتُ فقال له معاوية : أَترجو أنْ أموتَ وأنتَ حيٌّ فلستُ بمَيِّتٍ حتى تموت (٤) تحرفت في المطبوع إلى : سعيد . (١) (٢) يعني : بماء بئر رومة ، وكان ماؤها عذباً، وهي في عقيق المدينة . كانت لرجل من غفار يقال له رومة ، فابتاعها منه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتصدق بها . معجم البلدان (٢٩٩/١ و١٠٤/٣). (٣) الخبر مطولا في مختصر تاريخ دمشق (٦٩/٢٥). (٤) أورد الخبر مع البيتين ابن دريد في المجتنى (ص٤٩) وابن عساكر في تاريخه ، مختصره (٦٩/٢٥) والمسعودي في مروج الذهب (٣٠/٣) لكن الذي عند المسعودي أن الذي بدأ هو معاوية ، والذي أجاب هو عمرو .