Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
وفيات سنة ٣٧ هـ
( يوم النهروان ، كان في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - قال ابن جرير : وأكثر أهل السير على أن
ذلك ) كان في سنة ثمان وثلاثين وصححه ابن جرير ، قلت : وهو الأشبه كما سننبه عليه في السنة الآتية إن
شاء الله تعالى .
قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة - يعني سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس نائب علي
على اليمن ومخاليفها . وكان نائب مكة قثم بن العباس ، وعلى المدينة تمام بن عباس ، وقيل سهل بن
حنيف ، وعلى البصرة عبد الله بن عباس ، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي ، وعلى مصر محمد بن
أبي بكر ، و(علي بن أبي طالب ) أمير المؤمنين ( مقيم ) بالكوفة ، ومعاوية بن أبي سفيان مستحوذ على
الشام . قلت : ومن نيته أن يأخذ مصر من محمد بن أبي بكر [ الصديق ].
ذكر من توفي [ في هذه السنة ] من الأعيان(١)
خَبّاب بن الأرتّ(٢) بن جَنْدَلَة بن سعد بن خزيمة . كان قد أصابه سبي في الجاهلية فاشترته أم سباع
بنت أنْمار الخُزاعية التي كانت تختن النساء ، وهي أم سباع بن عبد العُزّى الذي قتله حمزة يوم أحد
وحالف (٣) بني زهرة، أسلم خباب قديماً قبل دار الأرقم، وكان ممن يؤذى في الله فيصبر(٤) ويحتسب ،
وهاجر وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد .
قال الشعبي : دخل [ خباب ] يوماً على عمر فأكرم مجلسه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا
بلال ، فقال : يا أمير المؤمنين إن بلالاً كان يؤذى وكان له من يمنعه ، وإني كنت لا ناصر لي ، والله لقد
سلقوني يوماً في نار أججوها ووضع رجل رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهري ، ثم كشف عن
ظهره فإذا هو برص رضي الله عنه ، ولما مرض دخل عليه أناس من الصحابة يعودونه فقالوا : أبشر
غداً تلقى الأحبة محمداً وحزبه
فقال: والله إن إخواني مضوا ولم يأكلوا من دنياهم(٥) شيئاً، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهدبها٦) ،
(١) هذا الفصل نقله المصنف من تاريخ الإسلام للذهبي.
(٢) ترجمة - خباب بن الأرت ــ في طبقات ابن سعد (١٦٤/٣) والتاريخ الكبير (٢١٥/٣) والجرح والتعديل
(٣٩٥/٣) والاستيعاب (٤٣٧/٢) وأسد الغابة (١١٤/٢) والإصابة (٤١٦/١) وتهذيب التهذيب
(٣/ ١٣٣).
في أ : حالف خباب .
(٣)
في الله عزَّ وجلَّ ويصبر .
(٤)
في أ : من أجرهم .
(٥)
هدَبَهُ يهدبه : قطعه . القاموس ( هدب ) .
(٦)

٥٢٢
وفيات سنة ٣٧هـ
فهذا الذي يهمني . قال : وتوفي بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة ، وهو أول من دفن بظاهر
الكوفة .
خُزَيْمة بن ثابت (١) بن الفاكِه بن تَعْلبة بن ساعدة الأنصاري ، ذو الشهادتين وكانت راية بني خَطْمة معه
يوم الفتح ، وشهد صفين مع علي ، وقتل يومئذ رضي الله عنه .
سفينة ٢) مولى رسول الله بية . قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إليه صلوات الله وسلامه عليه.
عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم (٣) أسلم عام الفتح وكتب بين يدي رسول الله اَليل . وقد تقدم مع
كتاب الوحي .
عبد الله بن بديل(٤) بن ورقاء الخزاعي ، قتل يوم صفين وكان أمير الميمنة لعلي فصارت أمرتها للأشتر
النخعي(2)
عبد الله بن خباب بن الأرت(٦). ولد في حياة(١) النبي ◌َّطير وكان موصوفاً بالخير، قتله (٨) الخوارج
كما قدمنا ( بالنهروان ) في هذه السنة ، ( فلما جاء علي قال لهم : أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون فقالوا : كلنا
قتله فقاتلهم ) .
عبد الله بن سعد بن أبي سرح(٩) : أحد كتّاب الوحي أيضاً ، أسلم قديماً (وكتب الوحي ) ثم ارتدّ ثم
عاد إلى الإسلام عام الفتح واستأمن له عثمان [ بن عفان رسول الله م 38] - وكان أخاه لأمه - وحسن إسلامه
وقد ولاه عثمان نيابة مصر بعد عمرو بن العاص، فغزا إفريقية وبلاد النوبة ، وغزا ١) ذات الصواري مع
(١) ترجمة - خزيمة بن ثابت - في طبقات ابن سعد (٣٧٨/٤) والاستيعاب (٤٤٨/٢) وأسد الغابة (١٣٣/٢) وسير
أعلام النبلاء (٤٨٥/٢) والإصابة (٩٣/٣).
ترجمة - سفينة ــ في الاستيعاب (١٢٩/٢) وأسد الغابة (٩٠/٢) والوافي بالوفيات (٤٠٥/١٥) والإصابة
(٥٨/٢ ) .
ترجمة - عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم - في الاستيعاب (٢/ ٨٦٥) وأسد الغابة (١٧٢/٣) وسير أعلام النبلاء
(٤٨٢/٢) والإصابة (٥٨/٢).
(٤)
ترجمة - عبد الله بن بديل - في الاستيعاب (٣/ ٨٧٢) وأسد الغابة (١٨٤/٣) والإصابة (٢٨٠/٢).
(٥)
في أ : وكان أمير ميمنة علي فأخذها بعده الأشتر .
ترجمة - عبد الله بن خباب - في الاستيعاب (٢/ ٨٩٤) وأسد الغابة (٢٢٣/٣) والإصابة (٣٠٢/٢).
(٦)
في أ : ولد في زمن .
(١)
(٨)
في أ : قتلته .
ترجمة - عبد الله بن سعد - في طبقات ابن سعد (٤٩٦/٧) والاستيعاب (٩١٨/٣) وتاريخ دمشق (١٦/٣٤)
(٩)
وجامع الأصول (١٤ /٤٥٨) وأسد الغابة (١٧٣/٣) وسير أعلام النبلاء (٣٣/٣) والإصابة (٣١٦/٢)
والشذرات (٢٨٣/١).
(١٠) قبلها في أ، ط: وفتح الأندلس؛ خطأ إذ أن فتح الأندلس كان سنة اثنتين وتسعين هجرية في عهد الوليد بن عبد الملك.

٥٢٣
وفيات سنة ٣٧ هـ
الروم في البحر فقتل منهم ما صبغ وجه (١) الماء من الدماء(٢)، ثم لمّا حُصر عثمان تغلّب عليه محمد بن
أبي حذيفة وأخرجه من مصر فمات في هذه السنة وهو معتزل علياً ومعاوية ، في صلاة الفجر بين
التسليمتين رضي الله عنه .
عَمَّار بن ياسر(٣) أبو اليَقْظان العَنْسي من عنس اليمن ، وهو حليف بني مخزوم ، أسلم قديماً وكان
ممن يُعذّبُ في الله هو وأبوه وأمه سُميَّة، ويُقال إنه أولُ من اتّخذَ مسجداً في بيته يتعبَّدُ فيه (٤) ، وقد شهد
بدراً وما بعدها وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين وأن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((تقتلك الفئة الباغية)(٥) وروى
الترمذي(٦) من حديث الحسن، عن أنس أن رسول الله و الله قال: ((إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة، إلى علي
وعمار وسلمان)).
وفي الحديث الآخر الذي رواه الثوري وقيس بن الربيع وشريك القاضي وغيرهم عن أبي إسحاق عن
هانىء بن هانىء عن علي أن عماراً استأذن على رسول الله ﴿ ﴿ فقال: ((مرحباً بالطيب المطيب) (٧).
وقال إبراهيم بن الحسين: حدَّثنا يحيى، حدَّثني نصر، حدَّثنا سفيان الثوري، عن الأعمش(٨)،
عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحبيل(٩)، عن رجل من أصحاب رسول الله أن رسول الله وَ ل قال: ((لقد
ملىء عمار إيماناً من قدمهُ ١٠) إلى مُشاشِهُ (١))).
وحدَّثنا يحيى بن معلّى ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : ما من
أحدٍ من أصحاب رسول الله وَ ل و أشاء أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر فإني سمعت رسول الله وَ ل يقول:
(١) مكان اللفظة بياض في أ.
(٢)
في أ : من الدنيا ؛ خطأ .
(٣) ترجمة - عمار بن ياسر - في طبقات ابن سعد (٢٤٦/٣ و١٤/٦) والاستيعاب (١١٣٥/٣) وتاريخ بغداد
(١٥٠/١) وأسد الغابة (١٢٩/٤ - ١٣٥) وجامع الأصول (٥٤٠/١٤ - ٥٤١) وسير أعلام النبلاء (٤٠٦/١ -
٤٢٨) والإصابة (٥١٢/٢ -٥١٣) وشذرات الذهب (٢١٣/١).
(٤)
في هامش أ : مطلب أول من اتخذ مسجداً في بيته عمار بن ثابت !
في أ: وقد قدمنا كيفية مقتله بصفين، وكان مع علي وأخبر رسول الله ◌ُّليل أنه تقتله الفئة الباغية. والحديث في جامع
(٥)
الترمذي ( ٣٨٠٠) في المناقب .
(٦) جامع الترمذي (٣٧٩٧) في المناقب وإسناده ضعيف .
(٧) الحديث بهذا السند رواه الإمام أحمد في مسنده (١٢٦/١) ورواه الترمذي (٣٧٩٩) وابن ماجه رقم (١٤٦) وهو
حديث صحيح .
في الأصول والمطبوع : عن أبي الأعمش ، وهو خطأ ، والتصحيح من كتب الرجال .
(٨)
(٩) في أ : عن عمرو بن سفيان.
(١٠) في أ : قرنه .
(١١) مُشاش: جمع مُشاشه - بالضم - رأس العظم الممكن المضغ. القاموس (مشش) والحديث رواه النسائي رقم
(١١١/٨) (٥٠٠٧) وابن ماجه رقم (١٤٧) وهو حديث صحيح.

٥٢٤
وفيات سنة ٣٧ هـ
((إن عمار بن ياسر حُشِي(١) ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيماناً)(٢).
وحدَّثنا يحيى، حدَّثنا عمرو بن عون (٣) أنا هشيم، عن العوام بن حوشب ، عن سلمة بن كهيل ، عن
علقمة قال : أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدَّثني قال : كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام في
شيء فشكاني إلى رسول الله و لم فقال: (( يا خالد! لا تؤذ عماراً فإنه من يبغض عماراً يبغضه الله ، ومن
يعادِ عماراً يعاده الله )(٤) قال : فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في نفسه .
وله أحاديث كثيرة في فضائله رضي الله عنه. قتل بصفين عن إحدى (٥) وقيل ثلاث وقيل أربع وتسعين
سنة ، طعنه أبو الغادية فسقط ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه ، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله فقال لهما
عمرو بن العاص : اندرا فوالله إنكما لتختصمان في النار ، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما
ذلك ، فقال له عمرو : والله إنك لتعلم ذلك ، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة .
قال الواقدي(٦): حدَّثني الحسن بن الحسين بن عمارة ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم ، أن علياً
صلَّى عليه ولم يُغَسّله وصلى ( معه) على هاشم بن عتبة ، فكان عمار ممايلي علياً، وهاشم إلى نحو
القبلة . قالوا : وقبره هنالك .
وكان آدمَ اللونِ ، طويلاً ، بعيد ما بين المنكبين : أشهل العينين ، رجلاً لا يغير شيبه رضي الله عنه .
الرُّبَيِّع بنت مُعَوَّدُ(٧) بن عَفْراء(٨) أسلمت قديماً وكانت تخرج مع رسول الله وَّةٍ إلى الغزوات فتداوي
الجرحى ، وتسقي الماء للكَلْمى [ وغيرهم ]، وروت أحاديثَ كثيرةً .
وقد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلقٌ كثيرٌ وجمٌّ غفير ، فقيل : قتل من أهل الشام خمسةٌ وأربعون
ألفاً ، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً . وقيل : قتل من أهل العراق أربعون ألفاً - من مئة وعشرين
(١) في أ: إلا عماراً فإنه حُشي . وفي هامشه التعليقة التالية : يعني مملوء ، يقال ثوب محشي يعني بالقطن ، وفراش
محشي يعني بالصوف .
(٢)
الحديث في طبقات ابن سعد ( ١٦٣/٣).
في أ : حدثنا يحيى بن عمرو بن عوف .
(٣)
سلمة بن كهيل ، وأعلَّ الحافظان أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان طريق العوام من حوشب ، إذ ذكرا أنه أسقط عدة منه ،
الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ( ٣/ ٣٩٠) وصححه بهذا الإسناد ، وهو إسناد معلول فقد اختلف فيه على
(٤)
فهو منقطع (العلل لابن أبي حاتم ٣٥٦/٢ - ٣٥٧) .
(٥)
في أ: في فضائله - يعني علقمة - قتل عمار يوم صفين بها عن إحدى.
(٦)
طبقات ابن سعد ( ١٩٨/٣ - ١٩٩).
مکان اللفظة بیاض في أ .
(٧)
ترجمة - الرُّبيع بنت معوذ _ في طبقات ابن سعد (٨/ ٤٤٧) والاستيعاب (١٨٣٧/٤) وأسد الغابة (٤٥١/٥)
(٨)
وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٣) وسير أعلام النبلاء (١٩٨/٣ - ٢٠٠) والإصابة (٣٠٠/٤).

٥٢٥
أحداث سنة ٣٨هـ
ألفاً - وقتل من أهل الشام عشرون ألفاً من ستين ألفاً، وبالجملة فقد كان فيهم أعيانٌ ومشاهيرُ يطولُ
استقصاؤهم وفيما ذكرناه كفايةٌ ، والله تعالى أعلم .
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبي بكر واستناب معاوية عَمْراً
عليها ، وذكر كما سنبينه ، وقد كان علي رضي الله عنه استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة وانتزعها من
يد محمد بن أبي حذيفة [ حين كان استحوذ عليها ومنع عبد الله ]١) بن ( سعد ) بن أبي سَرْح من
التصرّف فيها ، حين حُصر عثمان - وقد كان عثمان استخلفه عليها وعزل عنها عمرو بن العاص - وعمرو
كان هو الذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك . ثم إن علياً عزل(٢) قيس بن سعد عنها وولى عليها محمد بن
أبي بكر وقد ندم علي على عزل قيس بن سعد عنها ، وذلك أنه كان كفؤاً لمعاوية (٣) وعمرو ، ولما ولي
محمد بن أبي بكر لم يكن فيه قوةٌ تعادلُ معاوية وعَمراً ، وحين عُزل قيسُ بن سعد عنها رجع إلى علي
بالعراق فكان معه ، وكان معاوية يقول : ( والله ) لقيس بن سعد عند علي أبغض إلي من مئة ألف مقاتل
بدله عنده ، فشهد معه صفين(٤) فلما فرغ علي من صفين وبلغه أن أهل مصر قد استخقُوا بمحمد بن
أبي بكر لكونه شاباً ابن ست وعشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد ، وكان(٥) قد
جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي وقد كان نائبه على الموصل ونصيبين ، فكتب إليه بعد صفين
فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر(٦)، [ وقيل إنه استمر بقيس عنده وولى الأشتر النخعي مصر ]٧) فلما بلغ
معاوية تولية ( علي ) للأشتر ( النخعي ديار) مصر بدل محمد بن أبي بكر ( عظم ذلك عليه ، وذلك أنه
كان قد طمع في مصر واستنزاعها من يد محمد بن أبي بكر )، وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه(٨)
وشجاعته، فلما سار الأشتر إليها وانتهى إلى القلزمُ(٩) استقبله الخانسار( ١٠) وهو مُقدَّم [عليٍّ] على
(١) مكان ما بين الحاصرتين في أ: وقد كان أخذها من ..
(٢) في أ : ابن أبي سرح نائب عثمان عليها وكان عثمان قد عزل عنها عمرو بن العاص ، وكان عمرو هو الذي افتتحها
كما تقدم ذلك ثم إن علياً عزل .
في أ : محمد بن أبي بكر وكان قيس كفواً لمعاوية .
(٣)
في أ : مقاتل تكون معه بدله فلما فرغ .
(٤)
في أ : عزم علي على رد قيس بن سعد إليها ، وكان علي قد جعله على شرطته ، وكان نائبه .
(٥)
(٦)
في أ : فكتب إليه فاستقدمه عليه وولاه مصر .
زیادة عن أ .
(٧)
في أ : لجرأته .
(٨)
(٩) في أ : فسار الأشتر فلما بلغ القلزم استقبله الخانسار .
(١٠) هكذا في ط وأ، وفي تاريخ الطبري (٩٥/٥ ٩٦): ((الجايستار)).

٥٢٦
أحداث سنة ٣٨ هـ
الخراج فقدم إليه طعاماً وسقاه شراباً من عسل فمات منه ، فلما بلغ ذلك معاوية وعمراً وأهل الشام قالوا :
إن لله جنوداً من عسل .
وقد ذكر ابن جرير في (( تاريخه)(١) أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر
ليقتله (٢) ووعده على ذلك بأمور ففعل ذلك ، وفي هذا نظر ، وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر
لأنه من قتلة عثمان رضي الله عنه . والمقصود أن معاوية وأهل الشام فرحوا فرحاً شديداً بموت الأشتر
النخعي(٣)، ولما بلغ ذلك علياً: تأسف على شجاعته وغَنَائه، وكتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره
واستمراره بديار مصر ، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد
خربتا٤) ، وقد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف علي من صفين ، ( وحين ) كان من أمر التحكيم
ما كان ، وحين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام ، وقد كان أهل الشام حين انقضت (٥) الحكومة بدومة
الجندل سلَّموا على معاوية بالخلافة وقوي أمرهم جداً ، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه : عمرو بن
العاص ، وشرحبيل بن السمط، [ وحبيب بن مسلمة ] وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، والضحاك بن
قيس ، وبسر بن أبي أرطاة ، وأبا الأعور السلمي ، وحمزة بن سنان الهمداني وغيرهم ، فاستشارهم في
المسير إلى مصر فاستجابوا له وقالوا : سر حيث شئت فنحن معك ، وعيَّن معاوية نيابتها لعمرو بن
العاص إذاً) فتحها ففرح بذلك عمرو ، ثم قال لمعاوية : أرى أن تبعث إليهم رجالاً مع رجل مأمون
عارف بالحرب(١) ، فإن بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم ، فقال معاوية :
لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتاباً يعلمهم بقدومهم عليهم(٨) ، ونبعث إلى مخالفينا كتاباً
ندعوهم فيه إلى الصلح. وقال (٩) معاوية [ لعمرو بن العاص ] : إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة
وإني امرؤ بورك لي في التؤدة ، فقال عمرو : افعل ما أراك الله ، ( فوالله ) ما أمرك وأمرهم إلا سيصير إلى
الحرب العوان ، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري ، وإلى معاوية بن خديج السكوني
- وهما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع علياً ولم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف -
يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعاً ، وبعث به مع مولى له يقال له سبيع ، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة
تاريخ الطبري (٩٥/٥ - ٩٦ ).
(١)
(٢)
في أ : فيقتله .
(٣)
في أ : بموته .
عدة قرى حول الإسكندرية . قال القضاعي: وهو يعدُّ كوَرَ مصر . معجم البلدان (٤٠٦/٢).
(٤ )
( ٥)
في أ : لما انقضت .
في أ : الذي فتحها .
(٦)
في أ : إليهم رجلاً معه جند مأمون عارفاً بالحرب .
(٧)
في أ : نعلمهم بقدومنا عليهم .
(٨)
في أ : من الجيش فعند ذلك .
(٩)

٥٢٧
أحداث سنة ٣٨ هـ
ومعاوية بن خديج فرحا به وردًّا جوابه بالاستبشار والمعاونة والمناصرة له ولمن يبعثه من الجيوش والجند
والمدد إن شاء الله تعالى ، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، وخرج معاوية (١)
مودعاً وأوصاه بتقوى الله والرفق والمهل ( والتؤدة ) ، وأن يقتل من قاتل ويعفو عمن أدبر ، وأن يدعو
الناس إلى الصلح والجماعة ، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر(٢) الناس عندك، فسار عمرو بن العاص
إلى مصر ، فلما قدمها٣) اجتمعت عليه العثمانية فقادهم ، وكتب عمرو إلى محمد بن أبي بكر : أما بعد
فتنح فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر ، فإن الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك ورفض أمرك ،
وندموا على اتباعك ، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطال(٤) ، فاخرج منها فإني لك لمن الناصحين
والسلام . وبعث إليه عمرو أيضاً بكتاب معاوية إليه: أما بعد(٥) فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال ، وإن
سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه (٦) من النقمة في الدنيا ، والتبعة الموبقة في الآخرة . وإنّا لا نعلمُ أحداً
كان أشدَّ خلافاً على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته وأوداجه (٧) ، ثم إنك تظن أني عنك
نائم أو ناس ذلك لك(٨) ، حتى تأتي فتأمَّر على بلاد أنت بها جاري وجلُّ أهلها أنصاري ، وقد بعثت إليك
بجيوش يتقربون إلى الله بجهادك ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام . قال : فطوى
محمد بن أبي بكر الكتابين وبعث بهما إلى علي وأعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية ،
فإن كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلي بأموال ورجال والسلام . فكتب إليه [علي ] يأمره بالصبر
وبمجاهدة العدو ، وأنه سيبعث إليه الرجال والأموال ، ويمده بما أمكنه من الجيوش .
وكتب محمد بن أبي بكر كتاباً ( إلى معاوية في جواب ما قال ) وفيه غلظة (٩) ، ( وكذلك كتب إلى
عمرو بن العاص وفيه كلام غليظ ) وقام محمد بن أبي بكر في الناس فخطبهم وحثّهم على الجهاد ومناجزة
من قصدهم من أهل الشام ، وتقدم عمرو ( بن العاص ) إلى مصر في جيوشه ، ومن لحق به من العثمانية
( المصريين ) ، والجميع في قريب من ستة عشر ألفاً ، وركب محمد بن أبي بكر في [ قريب من ] ألفي
(١) في أ : وخرج معه مودعاً .
(٢)
في أ : أبر .
في أ : فلما دخل مصر اجتمعت عليه .
(٣)
مثل عربي قديم ، ورد في كتاب معجم الأمثال العربية ( بطن ، حلق ، لقي ) ومصادره فيه : مجمع الأمثال
(٤)
(١٨٦/٢) وجمهرة الأمثال (١٨٨/١) والمستقصى (٣٠٦/١) وأبو عبيد (٣٤٣) واللسان (بطن ) ويضرب
المثل للأمر يبلغ الغاية في الشدة والصعوبة .
لفظتا : أما بعد ؛ مكانهما بياض في أ ، ونص الكتاب في تاريخ الطبري (١٠١/٥) .
(٥)
(٦)
في أ : فاعله .
في أ : وأرواحه ؛ تحريف .
(٧)
في أ : أو لفعلك ناس حتى تأتي فتتامر .
(٨)
في أ : وفيه كلام غليظ .
(٩)

٥٢٨
أحداث سنة ٣٨ هـ
فارس الذين انتدبوا معه من المصريين وقدَّم على جيشه بين يديه (١) كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد٢) من
الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو(٣) بن العاص ، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن
حُدَيْج فجاءه من ورائه وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب ، فترجل عند ذلك كنانة وهو يتلو
﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا﴾ الآية [ آل عمران: ١٤٥ ]، ثم قاتل حتى قتل.
وتفرق أصحاب محمد بن أبي بكر عنه ورجع يمشي فرأى خربة فأوى إليها ودخل عمرو بن العاص
فسطاط مصر وذهب معاوية بن حُدَيْج في طلب محمد بن أبي بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم : هل مر
بكم أحد تستنكرونه ؟ قالوا : لا ! فقال رجل منهم : إني رأيت رجلاً جالساً في هذه الخربة ، فقال :
( هو ) هو ورب الكعبة : فدخلوا عليه فاستخرجوه منها - وقد كاد يموت عطشاً - فانطلق أخوه
عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص - وكان قد قدم معه إلى مصر - فقال : أيقتل أخي صبراً ؟
فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن حُدَيْج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ولا يقتله ، فقال معاوية : كلا
والله ، أيقتلون كنانة بن بشر وأترك محمد بن أبي بكر ، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء ،
وقد سألهم(٤) محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من
الماء أبداً ، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً فتلقاه الله بالرحيق المختوم .
وقد ذكر ابن جرير(٥) وغيره أن محمد ( بن أبي بكر ) نال من معاوية بن حُدَيْج هذا [ وشتمه ] ومن
عمرو بن العاص ومن معاوية [ بن أبي سفيان ] ومن عثمان (بن عفان أيضاً)، فعند ذلك غضب معاوية بن
حُدَيْج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار ، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً
وضمت عياله إليها ، وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلاة(٦)
وذكر الواقدي(٧) أن عمرو ( بن العاص ) قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع
المصريين بالمُسَنَّا(٨) فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي ، فهرب عند ذلك
محمد بن أبي بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق ، فدلّ عليه فجاء معاوية بن خديج وأصحابه
فأحاطوا به فخرج إليهم ( محمد ) بن أبي بكر فقاتل حتى قُتل .
في أ : من أهل مصر وقدم بين يدي جيشه .
(١)
في أ : فجعل لا يلقى أحداً .
(٢)
(٣)
في أ : بعمرو .
في أ : عثمان الماء فلم يسقوا وسألهم .
(٤)
تاريخ الطبري (١٠٤/٥) .
(٥)
في ط: ((الصلوات))، وما هنا من أ، وهو الذي في تاريخ الطبري الذي ينقل منه المصنف (١٠٥/٥).
(٦)
تاريخ الطبري (١٠٥/٥) .
(٧)
انظر معجم ما استعجم (١٢٢٩) ومعجم البلدان ( ١٢٩/٥).
(٨)

٥٢٩
أحداث سنة ٣٨ هـ
قال ( الواقدي ) : وكان ذلك في صفر من هذه السنة .
قال الواقدي : ولما قتل محمد ( بن أبي بكر ) بعث علي الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق
فالله أعلم .
قال : وكانت أذرُح في شعبان في هذه السنة أيضاً .
وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى
السمع والطاعة ( واجتماع الجماعة ، وبما عهد لهم من الأمر ) .
وقد زعم هشام بن ( محمد ) الكلبي أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة مسك [ في هذه السنة ] بعد
مقتل محمد ( بن أبي بكر ) - وكان من جملة المحرضين على قتل عثمان - فبعثه عمرو ( بن العاص ) إلى
معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية ، فحبسه ( معاوية ) بفلسطين فهرب من السجن [ وكان
معاوية بجانبه فيما يروون ] ، فلحقه رجل [ من خثعم ] يقال له ( عبد الله بن ) عمرو بن ظلام بأرض
البلقاء ، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوي إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرتها جماعة
من الحصادين هنالك ، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه ، فجاء أولئك فخشي عبد الله بن عمرو بن ظلامُ(١)
أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه [ هنالك]، (هكذا ) ذكر ذلك ابن الكلبي(٢) . وقد ذكر
الواقدي وغيره أن ( محمد ) بن أبي حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا [ ذلك ] فالله أعلم .
وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه : حدَّثنا عبد الله بن صالح ، حدَّثني ابن لهيعة ، عن
يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطي من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم
على عورات المسلمين - ( يكتب إليهم بذلك ) - فاستخرج منه بضعة(٣) وخمسين إرْدَبه٤) دنانير ، قال
أبو صالح : والإردبّ ست ويبات والويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعة وثلاثين ألف دينار ،
قلت : فعلى هذا يكون مَبْلَغ ما كان أخذ من(٥) القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار .
قال أبو مخنف بإسناده(٦) : لما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان ( بمصر ) من
الأمر ، وتملك عمرو لها ، واجتماع الناس(٧) عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيباً فحثهم على الجهاد
والصبر والمسير إلى أعدائهم ( من الشاميين والمصريين ) ، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة . فلما
في أ : فوجدوا محمد بن أبي حذيفة فخشي عبد الله بن ظلام .
(١)
الخبر في تاريخ الطبري ( ١٠٦/٥) برواية الكلبي .
(٢)
(٣)
في أ : واستخرج من ماله بضعاً وخمسين .
(٤)
الإرْدَبُ : مكيال ضخم بمصر . القاموس ( ردب ) .
في أ : فعلى هذا يكون مبلغ ما أخذ منه ... ؛ ثم بياض إلى آخر الجملة .
(٥)
(٦)
تاريخ الطبري ( ١٠٧/٥ ) .
في أ : وما كان من الأمر وتملك عمر ومصر واجتمع الناس .
(٧)

٥٣٠
أحداث سنة ٣٨ هـ
كان الغد خرج يمشي إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش ، فلما كان العشي بعث إلى أشراف
الناس فدخلوا١) عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم خطيباً فقال : الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من
فعل وابتلاني(٢) بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت ، ولا يجيب إذا دعوت ، أو ليس عجباً أن معاوية يدعو
الجفاة الطعام(٣) فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة ، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء ؟ وأنا
أدعوكم - وأنتم أولو النُّهَى وبقية الناس - على المعونة و( طائفة منكم على) العطاء فتفرقون عني
وتعصونني وتختلفون علي ؟ فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي(٤) فندب الناس إلى امتثال أمر علي والسمع
والطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمساً ، ثم قدم على عليّ جماعة ممن
كان مع محمد بن أبي بكر بمصر فأخبروه [ كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبي بكر وكيف استقر أمر
عمرو بها ٥) ، فبعث إلى مالك ( بن كعب ) فردّه ( من الطريق ) وذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام
قبل وصولهم إلى مصر واستقرّ أمر العراقيين على مخالفة علي فيما يأمرهم به وينهاهم(٦) ( عنه ) والخروج
عليه والبعد عن أحكامه وأقواله وأفعاله ، لجهلهم (٧) وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير
منهم(١) ، فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس - وهو نائبه على البصرة - يشكو إليه ما يلقاه من الناس من
المخالفة ( والمعاندة ) ، فردّ عليه ابنُ عباس يسليه في ذلك ، ويعزيه في محمد بن أبي بكر ويحثه على
ملاطفة٩) الناس والصبر على مسيئهم ، فإن ثواب الله خير من الدنيا ، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى
علي وهو بالكوفة واستخلف ( ابن عباس ) على البصرة زياداً .
وفي هذا الحينُ(١٠) بعث معاوية بن أبي سفيان كتاباً مع عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى ( أهل )
البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص ، فلما قدمها نزل على بني تميم فأجاروه فنهض
إليه زياد وبعث إليه أعينُ(١) بن ضبيعة في جماعة ( من الناس ) فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن
ضبيعة ، فكتب زياد إلى علي يعلمه بما وقع بالبصرة [ من المخالفة ] بعد خروج ابن عباس منها ، فبعث
في أ : يخرج إليه منهم أحد فلما كان العشي بعث إلى أشرافهم فدخلوا .
( ١)
(٢)
في أ : من فعل هو الذي ابتلاني .
الطغام - كسحاب - أوغاد الناس . القاموس ( طغم ).
(٣)
في أ : على المعونة والعطاء فتتفرقون وتنفرون عني وتعصوني ، فقام مالك بن كعب الهمداني ثم الأرحبي .
(٤)
مكان ما بين الحاصرتين في أ : فأخبروه الخبر .
( ٥)
بعدها في أ : لا يطيعون له أمراً ولا يسمعون له قولاً ولا يجيبون له دعوة بل كلما لهم في نأي عنه وبعد عنه .
(٦)
في أ : والخروج عليه وانتقاد أحكامه ورد أقواله وحل إبرامه لجهلهم وقلة عقلهم وحيائهم وغلظتهم .
(٧)
(٨)
بعدها في أ : عدة أسطر زيدت هنا وقد تقدم شيء منها .
(٩)
في ط : تلافي .
(١٠) في أ : العام .
(١١) في أ : وبعثه علي بن أبي طالب أعين .

٥٣١
أحداث سنة ٣٨ هـ
( عند ذلك ) علي جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلاً إلى قومه بني تميم ، وكتب معه كتاباً إليهم
فرجع أكثرهم عن ابن الحضرمي وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه ، قيل : كان عددهم
أربعينُ(١) ، وقيل سبعين ، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاؤوا له
[ من جهة معاوية ] .
فصل
وقد صحح ابن جرير(٢) أن قتال علي لأهل النهروان كان في هذه السنة ، وكذلك خروج الخرِّيت بن
راشد الناجي كان في هذه السنة أيضاً ، وكان مع الخريت ثلاثمئة رجل من قومه بني ناجية - وكان مع علي
بالكوفة - فجاء إلى علي فقام بين يديه وقال : والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك ، إني لك غداً
المفارق . فقال له علي : ثكلتك أمك إذاً تعصي ربك وتنقض عهدك ولا تضر إلَّ نفسك، ولمّ تفعلُ
ذلك ؟ قال : لأنك حكمت في كتاب وضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد ، وركنت إلى القوم الظالمين ،
فأنا عليك زاري(٣) وعليك ناقم ، وإنا لكم جميعاً مباينون . ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد
البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي - وكان من أهل الصلاح والدين والبأس
والنجدة - وأمره أن يسمع له ويطيع ، فلما اجتمعوا صاروا جيشاً واحداً ، ثم خرجوا في آثار الخِرِّيت
وأصحابه فلحقوهم - وقد أخذوا في جبال رامهرمز ، قال : فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على
ميمنته يزيد بن معقل ، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي ، ووقف الخِرِّيت فيمن معه من العرب فكانوا
ميمنة ، وجعل من اتبعه من الأكراد والعلوج ميسرة .
قال : وسار فينا معقل بن قيس فقال : عباد الله ! لا تبدؤوا القوم وغضوا أبصاركم ، وأقلّوا الكلام ،
ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب ، وأبشروا في قتالكم بالأجر إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين ،
وعلوجاً كسروا الخراج ، ولصوصاً وأكراداً ، فإذا حملتُ فشدوا شدةَ رجلٍ واحد. ثم تقدم فحرك دابته(٤)
تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة ، وحملنا معه جميعنا ، فوالله ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا
منهزمين ، وقتلنا من العلوج والأكراد نحواً من ثلاثمئة ، وفرّ الخرِّيت منهزماً حتى لحق بأساف - وبها
جماعة من قومه ( كثيرة ) - فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر ، قتله النعمان بن صهبان ،
وقتل معه في المعركة مئة وسبعون رجلاً .
ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب علي والخوارج ( فيها أيضاً ) .
في أ : كانوا أربعين رجلاً .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري ( ١١٣/٥ ).
زرى عليه : عابه وعاتبه . القاموس ( زرو ) .
(٣)
في أ : رايته .
(٤)

٥٣٢
وفيات سنة ٣٨هـ
ثم قال(١): حدَّثني عمر بن شَبَّة، حدَّثنا أبو الحسن - يعني المدائني - علي بن محمد ، عن علي بن
مجاهد قال قال الشعبي : لما قتل علي أهل النهروان خالفه قوم كثير ، وانتقضت أطرافه ، وخالفه بنو
ناجية ، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة ، وانتقض أهل الجبال(٢) ، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا
سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملاً عليها [ لعلي ] - فأشار ( عليه ) ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه
إياها ( فولاه إياها ) فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير ، فوطئهم حتى أدوا الخراج .
قال ابن جرير(٣) وغيره : وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس ، نائب علي على مكة ، وأخوه
عبيد الله بن عباس نائب(٤) اليمن ، وأخوهما عبد الله [ بن عباس ] نائب البصرة ، وأخوهم تمام بن عباس
نائب المدينة ، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزى ، ( وأما مصر ) فقد استقرت(٥) بيد
معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص ، والله أعلم .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان
سهل بن حنيف(٦) بن واهب بن العُكَيْمُ(٧) بن ثعلبة الأنصاري الأوسي ، شهد بدراً ، وثبت يوم أحد ،
وحضر بقية المشاهد ، وكان صاحباً لعلي بن أبي طالب ، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضاً غير الجمل فإنه
كان قد استخلفه على المدينة ، ومات سهل بن حنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة (٨) ، وصلى عليه علي
فكبر(٩) خمساً وقيل ستاً ، وقال : إنه من أهل بدر رضي الله عنه .
صَفْوان بن بيضاء١٠) أخو سهل بن بيضاء شهد (المشاهد) كلها [ مع رسول الله (ص 98] وتوفي في هذه
السنة في رمضانها ١١) وليس له عقب .
تاريخ الطبري ( ١٢٢/٥) .
(١)
في تاريخ الطبري : أهل الأهواز .
(٢)
تاريخ الطبري (١٣٢/٥) .
(٣)
في أ : وكان أخوه عبيد الله نائب اليمن .
(٤)
في أ : واستقرت مصر بيد معاوية .
(٥)
ترجمة - سهل بن حنيف - في الاستيعاب (٦٦٢/٢) وجامع الأصول (٢٠٣/١٤) وأسد الغابة (٤٧٠/٢)
(٦)
وتهذيب الكمال (١٢/ ١٨٤) وسير أعلام النبلاء (٣٢٥/٢ -٣٢٩).
في ط: (( وهب بن العلم )) محرف.
(٧)
في أ : في هذه السنة بالكوفة .
(٨)
(٩) فكبر عليه خمساً وقيل .
(١٠) ترجمة - صفوان بن بيضاء - في حلية الأولياء (٣٧٣/١) والاستيعاب (٧٢٣/٢) وأسد الغابة (٣١/٣) والإصابة
(١٤٧/٥) .
(١١) في أ : في رمضان منها .

٥٣٣
وفيات سنة ٣٨هـ
صهيب بن سنانُ (١) بن مالك أبو يحيى الرومي وأصله من النَّمر بن قاسط ٢) وكان أبوه أو عمه عاملاً
لكسرى على الأَبْلَّه٣ُ) ، وكانت منازلهم على دجلة عند الموصل ، وقيل على الفرات، فأغارت على
بلادهم الروم فأسرته وهو صغير ، فأقام عندهم حيناً ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد الله بن
جدعان فأعتقه وأقام بمكة حيناً، فلما بُعث رسول الله وَ له آمن به، ( وكان ممن أسلم ) قديماً هو
وعمار [ بن ياسر ] في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلاً ، وكان من المستضعفين الذين يعذبون في الله
عزَّ وجلَّ، ولما هاجر رسول الله بَّ هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه
عن الهجرة ، فلما أحس بهم نثل كنانته ( فوضعها بين يديه ) وقال : والله لقد علمتم أني من أرماكم ،
ووالله لا تصلون إلي حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلاً منكم ، ثم أقاتلكم بسيفي حتى أقتل . وإن كنتم
تريدون المال فأنا أدلكم على مالي وهو مدفون في مكان كذا وكذا ، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله ، فلما قدم
[ على رسول الله وَّل] قال له رسول الله وَّل: ((ربح البيع أبا يحيى)) وأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (٤).
ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، وشهد [ صهيب ] بدراً (وأحُداً ) وما
بعدهما ، ولما جعل عمر الأمر شورى كان هو الذي يصلي بالناس حتى تعيّن عثمان ، وهو الذي ولي
الصلاة على عمر - وكان له صاحباً [وصديقاً ] - وكان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير أقرن
الحاجبين كثير الشعر وكان لسانه فيه عجمة(٥) شديدة ، وكان مع فضله ودينه فيه دعابة وفكاهة وانشراح .
روي أن رسول الله ◌َ و رآه يأكل (بقثاء) رطباً وهو أرمد إحدى العينين، فقال [ له]: ((أتأكل رطباً
وأنت أرمد))؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول الله(٦) الخلية .
( وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وثلاثين ، وقيل سنة تسع وثلاثين ، وقد نيف على السبعين ) .
محمد بن أبي بكر الصّدّيقُ(٧) ولد في حياة النبي ◌َّ في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم وأمه
(١) ترجمة - صهيب بن سنان - في الاستيعاب (٧٢٦/٢) وجامع الأصول (١٤/ ٣٥٢) وأسد الغابة (٣٦/٣ - ٣٩)
وتهذيب الكمال (١٣ /٢٣٧). وسير أعلام النبلاء (١٧/٢ - ٢٦) والإصابة (١٩٥/٢ - ١٩٦).
(٢) في ط : ((صهيب بن سنان بن مالك الرومي وأصله من اليمن أبو يحيى بن قاسط )) وهو من أقبح التحريف ، وما
أثبتناه من أ، وهو الموافق لما في مصادر ترجمته .
(٣)
في الأصول والمطبوع : الأيلة ، وهو خطأ .
أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢٢٧/٣ - ٢٢٨) والحاكم (٣٩٨/٣) وابن عبد البر في الاستيعاب (٧٣١/٢ - ٧٣٢)،
(٤)
وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢٨/٢٣) من طرق متعددة ، لا يخلو أي منها من ضعف .
(٥)
في أ : وكان في لسانه عجمة شديدة .
(٦) رواه أحمد (٦١/٤) وابن ماجه رقم (٣٤٤٣) والحاكم (٣٩٩/٣) وهو حديث حسن.
(٧) ترجمة - محمد بن أبي بكر الصديق - في جامع الأصول (١٧٢/١٥) وسير أعلام النبلاء (٤٨/٣) وشذرات الذهب
(٢١٨/١ ).

٥٣٤
أحداث سنة ٣٩ هـ
أسماء بنت عميس ، ولما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته ، ثم لما انقضت عدتها تزوجها علي
فنشأ [محمد ] في حجره، فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة كما
قدمنا، فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمرو بن العاص فاستلب منه بلاد مصر وقتل محمد بن أبي بكر
كما تقدم ، وله من العمر دون الثلاثين [ سنة وحزنت عليه عائشة وعلي وغيرهما ] ، رحمه الله ورضي
عنه .
أسماء بنت عميس(١) بن معبد٢) بن الحارث الخثعمية [ وهي أم محمد المذكور ] أسلمت [ قديماً ]
بمكة وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة وقدمت معه إلى خيبر ، ولها منه عبد الله ،
ومحمد ، وعون . ولما قتل جعفر بمؤتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبي بكر أمير
مصر(٣) ، ثم لما مات الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعوناً، وهي أخت
ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها . وكذلك هي أخت أم الفضل امرأة العباس لأمها ، وكان لها من
الأخوات لأمها تسع أخوات ، وهي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها
عمارة .
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين
فيها جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشاً كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب ، وذلك
أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي ، أن ولايته وقعت
الموقع " ، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده ، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا تطيعه في كثير من
الأمر ولا يأتمرون بأمره ، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الإمارة(٤) والحالة هذه ، [ فهو يزعم أنه أولى
منه إذا كان الأمر كذلك ) . وكان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفي فارس إلى عين
ترجمة - أسماء بنت عميس - في الاستيعاب (١٧٨٤/٤) وجامع الأصول (١٠٨/١٣) وأسد الغابة ( ٧ /١٤ -
١٥) وسير أعلام النبلاء (٢٨٢/٢ - ٢٨٧) والوافي بالوفيات (٥٣/٩ - ٥٤)، والإصابة (٢٣١/٤).
(٢) هكذا فى ط وأ وأسد الغابة والسير، لكن الحافظ ابن حجر قيده فقال: ((معد بوزن سعد، أوله ميم)) (الإصابة
٢٣١/٤) فلا ريب أن ما وقع هنا والمصادر المذكورة تحريف . وقد جاء على الصواب في تهذيب الكمال وفروعه
وتاريخ الإسلام وغيره .
في أ : ولها من جعفر عبد الله وعون فلما قتل تزوجها أبو بكر فولدت له محمد .
(٣)
في أ : عمرو بن العاص الخلافة بعد اتفاقه هو وأبو موسى على خلع علي وعزله عن الأمر أن ولايته صحيحة وقد
٤١
وقعت .
في أ : فلا يحصل بمباشرته مقصود الولاية والإمارة .
( ٥)
مكانهما في أ : فأنا أولى منه إذا كانت كلمة أهل الشام ومصر مجموعة عليَّ وهم طائعون لي يتأمرون بأمري وكلمتي
(٦)
نافذة فيهم فعند ذلك جهز الجيوش إلى أطراف مملكة علي .

٥٣٥
أحداث سنة ٣٩ هـ
التمر ، وعليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة لعلي ، فلما سمعوا بقدوم الشاميين
ارفضوا١) عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مئة رجل فكتب عند ذلك إلى علي يعلمه بما كان من الأمر ،
فندب علي الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا [ عليه ] ونكلوا عنه ولم يجيبوا إلى الخروج ، فخطبهم علي
عند ذلك فقال في خطبته : يا أهل الكوفة ! كلما سمعتم بمنسر(٢) من مناسر أهل الشام انجحر كل
[ امرىء ] منكم في بيته، وغلق عليه بابه. انجحار الضب في جحره ، والضبع في وجاره ، المغرور والله
من غررتموه ، ولَمن فارقكم فاز بالسهم الأخيب(٣)، لا أحرار عند النداء ، ولا إخوان ثقة عند النجاة ،
إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا منيت به منكم ، عُميٌّ لا تبصرون ، وبُكْمٌ لا تنطقون ، وصم لا تسمعون ،
إنا لله وإنا إليه راجعون .
ودهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالاً شديداً وليس مع مالك بن كعب إلَّ مئة رجل قد كسروا جفول(٤)
سيوفهم واستقتلوا ، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن
مخنف في خمسين رجلاً ، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هرباً [ على وجوههم ] فاتبعهم
مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس وذهب الباقون على وجوههم ولم يتم لهم أمر من هذا الوجه(٥)
وفيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره بأن يأتي هيت فيغير عليها ، ثم يأتي الأنبار
والمدائن . فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد فيها أحداً ، ثم إلى الأنبار وفيها مسلحة لعلي نحو من
خمسمئة ، فتفرقوا ولم يبق منهم إلا مئة رجل ، فقاتلوا مع قلتهم وصبروا حتى قُتل أميرهم - وهو
أَشْرَسُ بن حَسَّان البلويُ(٦) - في ثلاثين رجلاً من أصحابه، واحتملو(١) ما كان بالأنبار من الأموال وكرّوا
راجعين إلى الشام ، فلما بلغ الخبر علياً رضي الله عنه [ وما جرى لأهل الأنبار ] ركب بنفسه فنزل بالنخيلة
فقال له الناس : نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين . فقال : والله ما تكفونني ولا أنفسكم ، وسرح
سعيد(٨) ( بن قيس ) في أثر القوم فسار وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع .
وفيها بعث معاوية عبدَ الله بن مَسْعَدة الفَزاري(٩) في ألف وسبعمئة إلى تيماء وأمره أن يصدقُ(١٠) أهل
(١) ارفضوا : ذهبوا وتفرقوا . القاموس .
منسر - كمجلس ومنبر - : قطعة من الجيش . القاموس ( نسر ) .
(٢)
(٣)
في ط : الأصيب . والخبر في تاريخ الطبري (١٣٤/٥).
(٤)
جفون : جمع جفن وهو غمد السيف . القاموس ( جفن ) .
في أ : وذهب الباقون لا يلوون على أحد حتى قدموا الشام ولم يبق لهم ما رجوا من هذا الوجه .
(٥)
(٦)
في تاريخ الطبري (١٣٤/٥) : البكري .
(٧)
في أ : واحتمل الشاميون .
(٨)
في ط : سعد؛ تحريف . والخبر في تاريخ الطبري (١٣٤/٥).
(٩)
تاريخ الطبري (١٣٥/٥).
(١٠) يأخذ الصدقات . القاموس .

٥٣٦
اهـ
أحداث .
البوادي ومن امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتي المدينة ومكة والحجاز . فسار إلى تيماء واجتمع عليه بشر
كثير ، فلما بلغ علياً بعث المسيب بن نَجَبة الفزاري في ألفي رجل فالتقوا بتيماء فاقتتلوا قتالاً شديداً عند
زوال الشمس ، وحمل المُسيَّب بن نَجبة على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات وهو لا يريد قتله بل يقول
له : النجا النجا ، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به وهرب بقيتهم إلى
الشام ، وانتهبت الأعراب ما كان جمعه ابن مسعدة من إبل الصدقة ، وحاصرهم المسيّب بن نَجبة ثلاثة
أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألهب فيه النار ، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن ، ومتوا١) إليه
بأنهم من قومهم فرقَّ لهم وأطفأ النار ، فلما كان الليل فتح باب الحصن وخرجوا [ منه ] هرباً إلى الشام ،
فقال عبد الرحمن بن شبيب(٢) للمسيّب بن نَجَبَة : سر حتى ألحقهم! فقال : لا ! فقال ! غششت أمير
المؤمنين وداهنت في أمرهم .
وفيها وجه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره أن يغير على أطراف جيش علي ، فجهز علي
حجر بن عدي في أربعة آلاف وأنفق فيهم [ كل رجل ] خمسين درهماً خمسين درهماً ، فالتقوا بتدمر فقتل
[ حجر ] من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلاً، وقُتل من أصحاب حجر بن عدي رجلان ، وغشيهم
الليل فتفرقوا، وانشمر(٣) الضحاك بأصحابه فارّاً إلى الشام . وفيها سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى
بلغ دجلة ثم كرَّ راجعاً . ذكره محمد بن سعد عن الواقدي بإسناده وأبو معشر [ معه ] أيضاً .
وفي هذه السنة ولَّى عليّ بن أبي طالب زياد بن أبيه على أرض فارس . وكانوا قد منعوا الخراج
والطاعة ، وسبب ذلك حين قتل ابن الحضرمي وأصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار
كما قدمنا ، فلما٤) اشتهر هذا الصنيع في البلاد شَوَّش ذلك(٥) قلوب كثير من الناس على علي(٦) ،
واختلفوا على علي ، ومنع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم ، ولاسيما أهل فارس فإنهم تمردوا وأخرجوا
عاملهم سهل بن حنيف [ عنهم ] - كما تقدم في العام الماضي - من بين أظهرهم ، فاستشار علي الناس
فيمن يوليه عليهم ، فأشار ابن عباس وجارية بن قدامة أن يولي عليهم زياد بن أبيه ، فإنه صليب الرأي ،
عالم بالسياسة . فقال علي : هو لها ، فولاه فارس وكرمان وجهزه إليهما في أربعة آلاف فارس ، فسار
إليها في هذه السنة فدوخ أهلها وقهرهم حتى استقاموا وأدوا الخراج وما كان عليهم من الحقوق ، ورجعوا
إلى السمع والطاعة ، وسار فيهم بالمعدلة والأمانة ، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون : ما رأينا سيرة أشبه
(١) المتّ : التوسّل بقرابة. القاموس.
في أ : ضيب ؛ وما هنا كالطبري .
(٢)
(٣)
في ط : واستمر .
في أ : جارية بن قدامة كما تقدم فلما اشتهر هذا .
(٤)
(٥)
في أ : تشوش .
في أ : من الناس وأنكروه جداً .
(٦)

٥٣٧
وفيات سنة ٣٩هـ
بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربي في اللّين والمداراة والعلم بما يأتي(١)، وصفت له تلك البلاد،
بعدله وعلمه وصرامته ٢) ، واتخذ للمال قلعة حصينة ، فكانت تعرف بقلعة زياد ، ثم لما تحصن فيها
منصور البكري(٣) فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها قلعة منصور .
قال الواقدي(٤) : وفي هذه السنة بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على الموسم وبعث
معاوية يزيد بن سخبرة الرُّهاوي ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم
لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحَجَبي فحج بالناس وصلّى بهم في أيام الموسم .
قال أبو الحسن المدائني(٥) : لم يشهد عبد الله بن عباس الموسم في أيام علي حتى قتل ، والذي
نازعه يزيد بن سخبرة إنما هو قثم بن العباس [ حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان . قال ابن جرير : وكما
قال أبو الحسن المدائني قال أبو مصعب ]٦) .
قال ابن جرير(٧) : وأما عمال علي على الأمصار فهم الذين ذكرنا في السنة الماضية غير أن ابن عباس
كان قد سار من البصرة إلى الكوفة واستخلف على البصرة زياد بن أبيه ، ثم بهار زياد في هذه السنة إلى
فارس وكرمان كما ذكرنا .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان (٨)
سعد القَرَظ٩) ، مؤذن مسجد قبا في زمان رسول الله وَّهِ، فلما ولي عمر الخلافة ولاه أذان المسجد
النبوي ، وكان أصله مولى لعمار بن ياسر ، وهو الذي كان يحمل العنّزَة بين يدي أبي بكر وعمر
[ وعثمان ] وعلي إلى المصلى يوم العيد وبقي الأذان في ذريته مدة طويلة .
عقبة بن عمرو بن ثعلبة ١٠) ، أبو مسعود البدري سكن ماء بدر [ فنسب إليه ] ولم يشهد الوقعة بها على
(١) بعدها في أ : وما يذر .
(٢)
في أ : وضراسته .
في ط : اليشكري ؛ تحريف .
(٣)
تاريخ الطبري (١٣٦/٥ ) .
(٤)
(٥)
المصدر نفسه .
ليس ما بينهما في أ .
(٦)
تاريخ الطبري ( ١٣٦/٥) .
(٧)
في أ : فيها من الأعيان .
(٨)
(٩) في ط : القرظي ؛ تحريف ، وهو سعد بن عائذ المؤذن مولى عمار بن ياسر المعروف بسعد القرظ ، ترجمته في
الاستيعاب (٢/ ٥٩١) وأسد الغابة (٢/ ٤٤٠) والإصابة (٢٩/٢).
(١٠) ترجمة - عقبة بن عمرو - في طبقات ابن سعد (١٦/٦) والاستيعاب (١٠٧٤/٣) وجامع الأصول (١٤/ ٥٣١)
وأسد الغابة (٥٧/٤) والإصابة (٤٩٠/٢).

٥٣٨
أحداث سنة ٤٠ هـ
الصحيح، وقد شهد العقبة، وهو من سادات الصحابة وكان ينوب لعلي بالكوفة إذا خرج منها إلى القتال(١)
سنة أربعين من الهجرة ( النبوية ]
[ فيها كان مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على ما سنذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى ]
قال ابن جرير٢) : فمما كان في هذه السنة من الأمور الجليلة توجيه معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة
آلاف من المقاتلة إلى الحجاز ، فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن عوانة قال : أرسل معاوية بعد
تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة - وهو رجل من بني عامر بن لؤي ـ في جيش فساروا من الشام حتى
قدموا المدينة - وعامل علي عليها يومئذ أبو أيوب - ففر منهم أبو أيوب فأتى علياً بالكوفة ، ودخل بسر
المدينة ولم يقاتله أحد ، فصعد منبرها فنادى على المنبر : يا دينار ويا نجار ويا رزيق شيخي شيخي عهدي
به هاهنا بالأمس فأين هو ؟ - يعني عثمان بن عفان - ثم قال : يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إليّ معاوية
ما تركت بهما محتلماً إلَّ قتلته ، ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي من
أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله - يعني حتى يبايعه - فانطلق جابر حتى دخل على أم سلمة
فقال لها : ماذا ترين إني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة ؟ فقالت [ له ] : أرى أن تبايع فإني قد أمرتُ
ابني عمر وختني عبد الله بن زمعة - وهو زوج ابنتها زينب - أن يبايعا فأتاه جابر فبايعه . قال : وهدم بسر
دوراً بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله فقال له بسر : ما كنت لأفعل
بصاحب رسول الله بَّر ذلك، فخلّى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلاً مبعوثة من
عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة ، ثم مضى بسر إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس ففر إلى
الكوفة حتى لحق بعلي ، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد الله بن المدان الحارثي(٣) ، فلما دخل بسر
اليمن قتله وقتل ابنه ، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان صغيران له فقتلهما وهما عبد الرحمن
وقثم ، [ وقيل إنه ذبحهما بين يدي أمهما فزاغ عقلها ، ووسوست مما رأت فكانت بعد ذلك تقف في
المواسم مبهوتة زائغة العقل تندب ولديها ] ويقال إن بسراً قتل خلقاً من شيعة علي في ميسره هذا ، وهذا
الخبر مشهور عند أصحاب المغازي والسير ، وفي صحته عندي نظر والله تعالى أعلم .
ولما بلغ علياً خبر بسر وجَّه جارية بن قدامة في ألفين ، ووهب بن مسعود في ألفين ، فسار جارية
حتى بلغ نجران فحَرَّق بها٤) وقتل ناساً من شيعة عثمان ، وهرب بسر وأصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة ،
فقال لهم جارية : بايعوا . فقالوا : لمن نبايع وقد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع ؟ فقال : بايعوا لمن بايع
في ط : إذا خرج إلى صفين وغيرها .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري (١٣٩/٥).
في ط : الحاوي ؛ تحريف . وما هنا كالطبري والكامل لابن الأثير (٣٨٤/٣).
(٣)
في أ : حتى أتى نجران فحرق بابها .
(٤)

٥٣٩
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
له أصحاب علي ، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف ، ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم فهرب منه
فقال جارية : والله لو أخذت أبا سنَّور لضربت عنقه ، ثم قال لأهل المدينة : بايعوا للحسن بن علي ،
فبايعوا وأقام عندهم [ يوماً ] ثم خرج منصرفاً إلى الكوفة وعاد أبو هريرة يصلي بهم .
قال ابن جرير(١) : وفي هذه السنة جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على
وضع الحرب بينهما ، وأن يكون ملك العراق لعلي ولمعاوية [ ملك ] الشام ، ولا يدخل أحدهما على
صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزوة .
ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى علي :
أما بعد فإن الأمة قد قتل بعضها بعضاً فلك العراق ولي الشام فأقر بذلك علي رضي الله عنه . وأمسك
كل واحد منهما عن قتال الآخر ، وبعث الجيوش إلى بلاده ، واستقر الأمر على ذلك .
قال ابن جرير(٢) : وفي هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة وترك العمل في قول عامة أهل
السير ، وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل عاملاً على البصرة حتى صالح [ الحسن بن ] علي
معاوية ، وأنه كان شاهداً للصلح ، كما٣) نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي .
ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة وذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام
فيه غض وحط على أبي الأسود ، فكتب أبو الأسود إلى علي يشكو إليه ابن عباس وينال من عرضه بأنه
تناول شيئاً من أموال [ الناس من ] بيت المال فبعث علي إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك وحرَّر عليه
القضية٤) فغضب ابن عباس من ذلك وكتب إلى علي أن ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه
والسلام . [ ثم ترك ذلك ابن عباس ] إلى مكة مع أخواله بني هلال وتبعهم قيس كلها ، وقد أخذ شيئاً من
بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة والفيء ، ولما سار تبعته أقوام أخر فلحقهم بنو غنم وأرادوا منعهم
من المسير فكان بينهم بعض قتال ، ثم تحاجزوا ودخل ابن عباس مكة .
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما ورد [ في ذلك ] من الأحاديث النبوية
[ وما في ذلك من دلائل النبوة ] من الأخبار بمقتله وكيفيته
كان أمير المؤمنين رضي الله عنه قد انتقضت(٥) عليه الأمور ، واضطرب عليه جيشه ، وخالفه أهل
تاريخ الطبري ( ١٤٠/٥) .
(١)
تاريخ الطبري (١٤١/٥).
(٢)
في ط : ممن .
(٣)
في ط : التبعة .
(٤)
(٥) في ط : تنغصت .

٥٤٠
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
العراق [وغيرهم]، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا [ في البلاد ]
يميناً وشمالاً ، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما علياً وتولية عمرو بن العاص
معاوية عند خلو الإمرة عن أحد ، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم (١) يسمون معاوية الأمير ، وكلما ازداد أهل
الشام قوة ضعف جأش أهل العراق [ ووهنوا ]، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك
الزمان ، أعبدهم وأزهدهم ، وأعلمهم وأخشاهم الله عزَّ وجلَّ ، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه [ وقد كان
يعطيهم العطاء الكثير والمال الجزيل فلا زال هذا ذهابهم معه ] حتى كره الحياة وتمنى الموت ، وذلك لكثرة
الفتن وظهور المحن [ والظلم والفساد ] فكان يكثر أن يقول : ما يحبس أشقاها ، أي ما ينتظر ؟ ما له لا يقتل ؟
ثم يقول: والله لتخضين هذه - ويشير إلى لحيته - من هذه - ويشير إلى هامته - [كما روى ذلك عنه عن النبي وَل
من طرق : الطريق الأولى : رواها(٢) البيهقي (٣): عن الحاكم، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق
الصَّغَاني، حدَّثنا أبو الجوَّاب الأحوص بن جوَّاب(٤) ، حدَّثنا عمار بن زريق ، عن الأعمش ، عن حبيب بن
أبي ثابت ، عن ثعلبة بن يزيد قال قال علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضين هذه من هذه للحيته من
رأسه فما يحبس أشقاها))؟ فقال عبد الله بن سَبُعُ(٥): والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلاً فعل ذلك لأبدنا عترته :
فقال أنشدكم بالله أن يُقتل بي غير قاتلي . فقالوا : يا أمير المؤمنين ألا تستخلف ؟ فقال : لا ولكن أترككم كما
ترككم رسول الله اَ لر. قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملاً؟ قال : أقول : اللهم استخلفتني فيهم
ما بدا لك ، ثم قبضتني ، وتركتك فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم [ فيه ضعف في بعض
ألفاظه ] .
طريق أخرى
قال أبو داود الطيالسي في ((مسنده)(٦): حدَّثْنا شريك ، عن عثمان بن المغيرة ، عن زيد بن وهب ،
قال : جاءت الخوارج إلى علي فقالوا : اتق الله [ يا علي ] فإنك ميت . قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ
النسمة ، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقَضاء
مقضي ، وقد خاب من افترى .
في أ : بعد تحكيم الحكمين .
(١)
مكان ما بين الحاصرتين في ط : كما قال .
(٢)
(٣)
دلائل النبوة (٤٣٩/٦).
(٤)
تحرفت في ط إلى : حراب .
في أ : منيع ؛ تحريف ، وما هنا موافق الطبقات الكبرى (٣٤/٣).
(٥)
مسند أبي داود الطيالسي (ص١٩)، وهو موقوف على عليٍّ رضي الله عنه .
(٦)