Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ وفيات سنة ٣٢هـ ثم سار الأحنف من مرو الرّوذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعئمة ألف واستناب(١) ابن عمه أسيد بن المُتَشمِّس(٢) على قبض المال، ثم ارتحل يُريد الجهادَ ، وداهمه الشتاء فقال لأصحابه : ما تشاؤون ؟ فقالوا : قد قال عمرو بن معدي كرب(٣): [ من الوافر ] إذا لم تَسْتَطِعْ شَيْئاً فَدَعْهُ وجَاوِزْهُ إلى ما تستَطيعُ فأمر الأحنف بالرَّحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء ، ثم عاد إلى[ ابن ] عامر فقيل لابن عامر : ما فتح على أحد ما فتح عليك ، فارس وكرمان وسجستان وعامة خراسان ، فقال : لا جرمَ ، لأجعلنَّ شُكْري لله على ذلك أن أحرم بعمرةٍ من موقفي هذا مُشمِّراً فأحرمَ بعمرة من نيسابور ، فلما قدم على عثمان لامه على إحرامه من خراسان . وفيها أقبل قارن في أربعين ألفاً فالتقاه عبد الله بن حازم في أربعة آلاف ، وجعل لهم مقدمة ستمئة رجل ، وأمر كلاً منهم أن يحمل على رأس رمحه ناراً ، وأقبلوا إليهم في وسط الليل فبيتوهم فثاروا إليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم ، وأقبل عبد الله بن حازم بمن معه من المسلمين فاتفقوا هم وإياهم ، فولى المشركون مدبرين ، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا وكيف شاؤوا ، وغنموا شيئاً كثيراً وأموالاً جزيلة ، ثم بعث عبد الله بن حازم [ بالفتح إلى ابن عامر ، فرضي عنه وأقره على خراسان - وكان قد عزله عنها - فاستمر بها عبد الله بن حازم ]٤) إلى ما بعد ذلك . ذكر من توفي من الأعيان في هذه السنة العباس بن عبد المطلب(٥) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الفضل المكي عم رسول الله صلآ ، ووالد الخلفاء العباسيين ، وكان أسنَّ من رسول الله بِّهِ بسنتين أو ثلاث، أسر يوم بدر فافتدى نفسه بمالٍ ، وافتدى ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث . وقد ذكرنا أنه لما أُسر وشُدَّ في الوثاق وأمسى الناس، أرقَ رسول الله بَ ل# فقيل يا رسول الله مالك؟ فقال (( إني أسمع أنين العباس في وثاقه فلا (١) في أ : واستشار. في ط: ((المشمس)) خطأ، وما أثبتناه يعضده ما في تاريخ البخاري الكبير (١٢/٢)، وثقات ابن حبان (٤٢/٤)، (٢) وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٢١٢/١). (٣) البيت في تاريخ الطبري (٣١٣/٤) وديوان عمرو بن معديكرب . ما بين الحاصرتين ساقط من أ ومستدرك عن الطبعة المصرية . (٤) ترجمة - العباس بن عبد المطلب - في الطبقات (٥/٤ - ٣٣) والاستيعاب (٢/ ٨١٠) وجامع الأصول (٥) (١٤ / ٤٣٢) وتاريخ دمشق - عبادة، عبد الله - (١٠٤ - ٢٠٨) وأسد الغابة (١٦٤/٣ - ١٦٧) وتاريخ الإسلام (٩٨/٢) وسير أعلام النبلاء (٧٨/٢ -١٠٣) والإصابة (٢٧١/٢ - ٢٧٢). ٣٠٢ وفيات سنة ٣٢ هـ أنام)(١) فقام رجل من المسلمين فحلّ من وثاق العباس حتى سكن أنينه فنام رسول الله مَّةٍ ، ثم أسلم عام الفتح، وتلقَّى رسول الله وَّه إلى الجحفة فرجع معه ، وشهد الفتح ، ويقال إنه أسلم قبل ذلك ولكنه أقام بمكة بإذن النبي ◌ُّ له في ذلك، كما ورد به الحديث(٢) ، فالله أعلم. وقد كان رسول الله وَلّه يُجلُّه ويُعظّمُه ويُنْزله منزلةَ الوالدِ من الولد، ويقول: ((هذا بقيةُ آبائي))(٣) وكان من أوصل الناس لقريش وأشفقهم عليهم ، وكان ذا رأي وعقل تام وافٍ(٤) ، وكان طويلاً جميلاً أبيض بضّأُ®) ذا ضغيرتين ، وكان له من الولد عشرةُ ذكور سوى الإناث ، وهم تمام - وكان أصغرهم - والحارث ، وعبد الله ، وعبيد الله ، وعبد الرحمن ، وعون ، والفضل ، وقثم ، وكثير ، ومعبد . وأعتق سبعين مملوكاً من غلمانه . وقال الإمام أحمد٦): حدّثنا علي بن عبد الله قال: حدَّثني محمد بن طلحة التيمي(٧) من أهل المدينة ، حدَّثني أبو سهيل نافع بن مالك ، عن سعيد بن المسيب ، عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله وَ ﴿ للعباس: ((هذا العباس بن عبد المطلب أجودُ قريش كَفّاً وأوصلُها)) تفرَّد به (٨). وثبت في الصحيحين(٩): أن رسول الله وَ ل قال لعمر حين بعثه على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله وَ له، فقال له رسول الله وح له: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه ، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله ، وأما العباس فهي عليَّ ومثلُها)) ثم قال (( يا عمر أما شعرت أن عمَّ الرجل صنو أبيه(١٠) ؟ . وثبت في صحيح البخاري عن أنس : أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي به ، وقال : اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا ، قال : فيسقون . أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٢/٤، ١٣) وابن عساكر (١١٩). (١) أورد الذهبي هذا الحديث وهو قول رسول الله وَ له: ((اطمئن يا عمُّ، فإنك خاتم المهاجرين، كما أنا خاتم النبيين)). (٢) واذن له بالرجوع إلى مكة . إسناده ضعيف ... وأورده الهيثمي في المجمع (٢٦٩/٩) وهو حديث ضعيف . (٣) الحديث أورده ابن عساكر في تاريخه - عبادة ، عبد الله - ( ص١٤١). (٤) في أ : تام وافر . الرجل البضُّ : الناصع البياض في سمن . اللسان ( بضض ) . (٥) مسند الإمام أحمد (١٨٥/١)، وإسناده حسن . (٦) في ط : التميمي ، تحريف ، والتصحيح من مسند أحمد وتقريب التهذيب . (٧) (٨) هكذا قال ، وهو وهم منه رحمه الله، فقد أخرجه النسائي في الكبرى (٨١٧٤) عن حميد بن مخلد عن علي بن عبد الله ، به ، وحميد بن مخلد ثقة ثبت ، وهو من رجال التهذيب (بشار) . (٩) صحيح البخاري ( ١٤٦٨) في الزكاة ، ومسلم ( ٩٨٣ ) في الزكاة . (١٠) الصنو: المِثْل، يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد، وهو مثل أبي أو مثلي وجمعه صنوان. النهاية لابن الأثير (٥٧/٣). (١١) صحيح الإمام البخاري (١٠١٠) في الاستسقاء. ٣٠٣ وفيات سنة ٣٢ هـ ويقال : إن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا إذا مرا بالعباس وهما راكبان ترجّلا إكراماً له . قال الواقدي وغير واحد : توفي العباس في يوم الجمعة لاثنتي (١) عشرة ليلة خلت من رجب ، وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين ، عن ثمان وثمانين سنة ، وصلى عليه عثمان بن عفان ، ودفن بالبقيع وقيل توفي سنة ثلاث وثلاثين ، وقيل سنة أربع وثلاثين ، وفضائله ومناقبه كثيرة جداً . عبد الله بن مَسْعُود٢ُ) بن غَافِل بن حبيب بن شَمْخ بن فار(٣) بن مَخْزُوم بن صاهِلَة بن كاهِل بن الحارث بن تميمُ(٤) بن سعد بن هُذَيْل بن مُدْركة بن إلياس بن مضر الهُذَلي، أبو عبد الرحمن(٥) حليف بني زهرة ، أسلم قديماً قبل عمر ، وكان سبب إسلامه حين مرَّ به رسول الله وَ له وأبو بكر رضي الله عنه، وهو يرعى غنماً فسألاه لبناً فقال: إني مؤتمن، قال فأخذ رسول الله (مَّل عناقا٦ً) لم ينز(٧) عليها الفحل ، فاعتقلها ثمَّ حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: ((أقلص )(٨) فقلص ، فقلت : علّمني من هذا الدعاء فقال: ((إنك غلامُ(٩) معلّم)) الحديث(١٠). وروى محمد بن إسحاق(١١)، عن يحيى بن عروة [ عن عروة ١٢)، عن أبيه: أنَّ ابن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بمكة، بعد النبي بَ له عند البيت، وقريش في أنديتها قرأ سورة ﴿الرَّحْمَنُ شْ عَلَّمَ اُلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] فقاموا إليه فضربوه، ولزم رسول الله وَّل حين أسلم، وكان يحمل نعليه وسواكه، وقال له : ((إذنك عليَّ أن تسمعَ سوادي ١٣٨) ولهذا كان يقال له صاحب السواك والسِّوا(١٤)، (١) في أ : لثنتي . ترجمة - عبد الله بن مسعود - في الطبقات (٣٤٢/٢-٣٤٤) والاستيعاب (٩٨٧/٢) وتاريخ بغداد (١٤٧/١) (٢) وجامع الأصول (١٤ / ٤٨٢) وأسد الغابة (٣٨٤/٣) وسير أعلام النبلاء (١/ ٤٦١ - ٥٠٠) وتاريخ الإسلام (٢/ ١٠٠) والإصابة (٣٦٨/٢_٣٧٠). في جامع الأصول (١٤ / ٤٨٤) : قار ؛ بالقاف وقيل بالفاء والراء . (٣) في ط والإصابة : تيم ؛ تحريف لا بدَّ من تصحيحه . (٤) (٥) في أ : أبو عبد الرحمن الهذلي . العناق : الأنثى من أولاد المعز له سنة . النهاية ( ٣١١/٣). (٦) لم ينز عليها الفحل : لم يثب عليها للنسل . النهاية ( ٥/ ٤٤). (٧) قال للضرع : اقلص فقلص : أي اجتمع . النهاية (٤ / ١٠٠ ). (٨) (٩) في أ : غليم . (١٠) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٧٩/١) والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٧٢) وإسناده حسن. (١١) الخبر في السيرة النبوية لابن هشام (٣٣٦/١). (١٢) ساقط من أ . (١٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢١٦٩) في السلام ، وابن ماجه في سننه ( ١٣٩) في المقدمة . (١٤) في ط: والوساد؛ خطأ. والسِّواد بالكسر: السّرار. النهاية (٤١٩/٢). ٣٠٤ وفيات سنة ٣٢ هـ وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة ، وشهد بدراً ، وهو الذي قتل أبا جهل بعد ما أثبته ابنا عفراء(١)، وشهد بقية المشاهد . وقال له رسول الله وَ لل يوماً: ((اقرأ علي)) فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: (( إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فبكى رسول الله مح ليه وقال: ((حسبك) ٢) وقال أبو موسى : قدمت أنا وأخي من اليمن وما كنا نظن إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي وَلَه، لكثرة دخولهم بيت النبي وَ ل. وقال حذيفة: ما رأيت أحداً أشبه برسول الله وَ لّ في هَدْيهِ ودَلَّه وسَمْتهِ من ابن مسعود . ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ◌ّ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى ، وفي الحديث (( وتمسكوا بعهد ابن أم عبد )(٣) وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد٤ُ) ، عن محمد بن فضيل ، عن مغيرة ، عن أمِّ موسىٌ(٥) ، عن علي : أن ابن مسعود صعد شجرة يجتني الكَبَاثُ(٦) فجعل الناس يعجبون من دِقة ساقيه ، فقال رسول الله وَّة: ((والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحُد )). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وقد نظر إلى قصره وكان يوازي بقامته الجلوس - فجعل يتبعه ثمَّ قال : هو كُنَيف (٧) مليء علماً . وقد شهد ابن مسعود بعد النبي ◌َّ مواقف كثيرة ، منها اليرموك وغيرها، وكان قدم من العراق حاجاً فمر بالرَّبذة فشهد وفاة أبي ذر ودفنه ، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائداً ، فيروى (١) الخبر في تاريخ الإسلام (١٠٢/٢). (٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٤٩) في فضائل القرآن، ومسلم في صحيحه (٨٠٠) في المسافرين ، والترمذي في جامعه رقم (٣٠٢٥) في التفسير . (٣) الحديث رواه بهذا اللفظ الترمذي رقم (٣٨٠٥) واستغربه والحاكم في المستدرك (٣/ ٧٥) وإسناده ضعيف جداً، فإنه من رواته إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن جده ، وإبراهيم ضعيف وأبوه وجده متروكان. أما ما ورد في بعض نسخ الترمذي أنه قال: ((حسن غريب)) فلا يصح ، كما بيناه في طبعتنا من الترمذي وأخرجه الترمذي بلفظ: (( وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه)) (٣٧٩٩) من حديث حذيفة ، وحسنه ، وهو حديث لا يتحسن إلا بالطرق المتعددة والشواهد (بشار). مسند الإمام أحمد (١١٤/١) ومستدرك الحاكم (٣١٧/٣) وهو حديث صحيح. (٤) (٥) تحرفت في ط ، أ : إلى: حرسي ؛ والتصحيح من مسند أحمد وسير أعلام النبلاء ( ١/ ٤٧٧). (٦) الكباث : هو النضيج من ثمر الأراك. النهاية (٤/ ١٣٩). كنيف : هو تصغير تعظيم للكنف وهو الوعاء . النهاية (٢٠٥/٤) والخبر في طبقات ابن سعد (٣٤٤/٢). (٧) ٣٠٥ وفيات سنة ٣٢ هـ أنه قال له : ما تشتكي ؟ قال ذنوبي ، قال فما تشتهي ؟ قال رحمة ربي ، قال ألا آمر لك بطبيب ؟ فقال : الطبيب أمرضني ، قال : ألا آمر لك بعطائك ؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال: لا حاجة لي فيه . فقال : يكون لبناتك من بعدك . فقال : أتخشى على بناتي الفقر ؟ إني أمرتُ بناتي أن يقرأْنَ كلَّ ليلةٍ سورةَ الواقعة، وإني سمعتُ رسولَ الله وَ له يقول: (( منْ قرأ الواقعةَ كلَّ ليلةٍ لم تُصِبْهُ فاقةٌ أبداً)(١). وأوصى عبد الله بن مسعود إلى الزّبير بن العوّام ، فيقال إنه هو الذي صلى عليه ليلاً، ثمّ عاتب عثمانُ الزبير على ذلك، وقيل بل صلَّى عليه عثمان، وقيل عمَّار ، فالله أعلم . ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة . عبد الرحمن بن عوف (٢) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي، الزُّهري، أسلم قديماً على يدي أبي بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله وَّه بينه وبين سعد بن الربيع ، وشهد بدراً وما بعدها ، وأمَّره رسول الله وَ ل حين بعثه إلى بني كلب وأرخى له عذبة(٣) بين كتفيه ، ليكون أمارة عليه للإمارة ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام ، وأحد الستة أصحاب الشورى ، ثمَّ أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم ، كما ذكرنا ، ثمّ كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان رضي الله عنه ، وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله بَّر قال (( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أَحُدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )) وهو في الصحيح " . وقال معمر ، عن الزُّهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي ◌َّ بشطر ماله أربعة آلاف ، ثم تصدَّق بأربعين ألفاً ، ثمّ تصدّق بأربعين ألف دينار ، ثمّ حمل على خمسمئة فرس في سبيل الله ، ثمّ حمل على خمسمئة راحلة في سبيل اللهُ(٥) . وكان عامة ماله من التجارة ، فأمّا الحديث الذي قال عبْدُ بن حُميد في ((مسنده)(٦) حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك، أن عبد الرحمن بن عوف لمّا هاجر آخى رسول الله وَّ بينه وبين عثمان بن عفان فقال له: إن لي حائطين فاختر أيهما شئت ، فقال : بارك الله لك في حائطيك ، ما لهذا أسلمت ، دلَّني على السوق ، قال (١) أخرجه ابن السنى رقم (٦٨٠) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٩٨) و(٢٤٩٩) وإسناده ضعيف. (٢) ترجمة - عبد الله بن عوف - في الطبقات (١٢٤/٣) والاستيعاب (٨٤٤ - ٨٥٠) وجامع الأصول (٣١٧/١٢) وأسد الغابة ( ٣/ ٤٨٠ - ٤٨٥) وسير أعلام النبلاء (٦٨/١ - ٩٢) وتاريخ الإسلام (١٠٥/٢ - ١٠٧) والإصابة ( ٢ /٤١٦ - ٤١٧ ) . (٣) العذبة : طرف الشيء . النهاية ( ١٩٥/٣). صحيح الإمام البخاري ( ٣٦٧٣) في فضائل الصحابة ، وصحيح مسلم ( ٢٥٤٠) في فضائل الصحابة . (٤) (٥) الخبر في معجم الطبراني رقم (٢٦٥) والحلية لأبي نعيم (٩٩/١). مسند عبد بن حميد ( ٤٠٧ ) رقم (١٣٨٣). (٦) ٣٠٦ وفيات سنة ٣٢ هـ فدلّه فكان يشتري السمنة(١) والأُقَيْطة(٢) والإهاب(٣)، فجمع فتزوج فأتى النبي وَّ فقال: (( بارك الله لك أولمْ ولو بشاة)) قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمئة راحلة تحمل البرّ وتحمل الدقيق والطعام ، قال : فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجّة ، فقالت عائشة : ما هذه الرجّةُ ؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمئة تحمل البُرَّ والدقيقَ والطعامَ. فقالت عائشة: سمعتُ رسول الله وَلَه يقول (( يدخلُ عبد الرحمن بن عوف الجنة حَبْواً )(٤) فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال : أُشهدكِ يا أمه أنَّها بأحمالها وأحلاسها" وأقتابها في سبيل الله . وقال الإمام أحمد(٦): حذَّثنا عبد الصمد بن حسان ، حدَّثنا عمارة - هو ابن زاذان - عن ثابت ، عن أنس قال : بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتاً في المدينة قالت : ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمتْ من الشّام تحملُ كلَّ شيء - قال وكانت سبعمئة بعير - قال فارتجَّتِ المدينةُ من الصوت ، فقالت عائشة: سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((قد رأيتُ عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْواً )) فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال : لئن استطعتُ لأدخلنَّها قائماً ، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله . فقد تفرّد به عمارة بن زاذان الصيدلاني وهو ضعيف . وأما قوله(١) في سياق عبد بن حميد: إنه آخى بينه وبين عثمان بن عفان، فغلط (٨) محض مخالف لما في صحيح البخاري(٩) من أن الذي آخى بينه وبينه إنما هو سعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنهما . وثبت في الصحيحُ (١) أن رسول الله ( صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار ، وهذه منقبةٌ عظيمةٌ لا تُبارى . ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمئة دينار - وكانوا مئة - فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: اذهب يا بن عوف فقد أدركت صفوها ، وسبقت زيفها ، وأوصى لكلّ امرأةٍ من أمُّهات المؤمنين بمبلغ كثيرٍ حتَّى كانت عائشةُ تقولُ : سقاهُ اللهُ من السَّلْسَبيل . وأعتقَ خلقاً من مماليكه . في أ : السميذ ، وفي مسند ابن حميد : السمينة . (١) الأقيطة : تصغير الأقط ، وهو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به . النهاية ( ١ / ٥٧). (٢) (٣) الإهاب : الجلد. النهاية (٨٣/١). الحديث في مسند أحمد (١١٥/٦) ومعجم الطبراني (٢٦٤) وطبقات ابن سعد (٩٣/٣) وإسناده ضعيف كما (٤) سيأتي . الحلس : كساء على ظهر البعير ، أو كل شيء وليَ ظَهْرَ البعير والدابة تحت الرحل . اللسان ( حلس ) . (٥) (٦) مسند الإمام أحمد (١١٥/٦). في أ : وقوله . (٧) في أ : غلط محظى . (٨) صحيح البخاري رقم ( ٣٧٨٠ ) في مناقب الأنصار . (٩) (١٠) صحيح البخاري رقم (١٨٢) في الوضوء. ٣٠٧ وفيات سنة ٣٢ هـ ثمّ تركَ بعد ذلك كلّه مالاً جزيلاً، من ذلك ذهبٌ قُطِّعَ بالفُؤوس حتى مجلت (١) أيدي الرجال ، وتركَ ألفَ بعيرٍ ومئةَ فرسٍ ، وثلاثةَ آلافِ شاةٍ تَرْعى بالبقيع . وكان نساؤُهُ أربعاً فصُولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا٢ً) ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحَمَلَ في جنازته سعدُ بن أبي وقاص ، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة . وكان أبيضَ مُشْرَباً ( حمرةً)، حسنَ الوجه ، دقيقَ البشرة، أعينُ(٣)، أهدبَ الأشفار(٤)، أقنى (٥) ، له جمةٌ ، ضخم الكفّين ، غليظ الأصابع ، لا يغيِّر شيبه رضي الله عنه . أبو ذَرَّ الغِفَارِيّ(٦) واسمه جُنْدُبُ بنُ جُنَادَة على المشهور ، أسلم قديماً بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة . وقصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة، وهو أول من حيًّا رسول الله وَ له بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله وَ له إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزمَ رسولَ الله ◌َّ حضراً وسفراً، وروى عنه أحاديث كثيرة . وجاء في فضله أحاديث كثيرة من أشهرها : ما رواه الأعمشُ ، عن أبي اليقظانِ عثمان بن عُمَيْر ، عن أبي حَرْب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله بَّله قال ((ما أظلَّتِ الخَضْراء، ولا أقلَّت الغَبْراء أصدقَ لهجةً من أبي ذر )(٧) وفيه ضعف . ثمَّ لما٨) مات رسول الله وَليه، ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمانُ إلى المدينة ، ثمَّ نزل الرَّبَذَة فأقامَ بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة ، وليس عنده سوى امرأتِهِ وأولادِه ، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه ، فحضروا موته ، وأوصاهم كيف يفعلون به ، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله (١) في أ : دكلت . ومجلت يده تمجُلُ ومَجَلت تمْجَلُ مَجَلاً إذا ثخن جلدها وتعجَّر وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة . النهاية ( ٤ / ٣٠٠ ) . (٢) الخبر في طبقات ابن سعد ( ١٣٦/٣ ). (٣) الأعين : واسع العين . النهاية (٣٣٣/٣). (٤) أهدب الأشفار : أي طويل شعر الأجفان . النهاية ( ٢٤٩/٥). أقنى : القنا في الأنف طوله ورقة أرنبته مع حَدَب في وسطه. النهاية (١١٦/٤). (٥) (٦) ترجمة - أبي ذر الغفاري - في طبقات ابن سعد (٢١٩/٤ - ٢٣٧) وحلية الأولياء (١٥٦/١ - ١٧٠) والاستيعاب (١٦٩/١ - ١٧٧) وأسد الغابة (٢٥٧/١) و(٩٩/٦ -١٠١) والإصابة (٦٢/٤). (٧) الحديث أخرجه الترمذي (٣٨٠١) في فضائل الصحابة ، وابن سعد في الطبقات (٢٢٨/٤) والحاكم في المستدرك (٣ /٣٤٢) . (٨) فى أ : ومات . ٣٠٨ أحداث سنة ٣٣ هـ ودفنه ، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاةً من غنمه ليأكلوه بعد الموت ، وقد أرسلَ عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم إلى (١) أهله . ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين فيها كانَ فتحُ قبرص في قولِ أبي معشرٍ ، وخالفه الجمهورُ فذكروها قبل ذلك كما تقدم . وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانيةً ، حين نقض أهلها العهد . وفيها سيَّر أميرُ المؤمنين جماعةً من قُرَّاءِ أهلِ الكوفة إلى الشام ، وكان سببُ ذلك أنَّهم تكلّموا بكلام قبيحٍ في مجلسٍ سعيد بن العاص ، فكتب إلى عثمان في أمرهم ، فكتب إليه عثمان أن يُجْلِيَهم عن بلده إلى الشام، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشّام أنه قد أخرج٢) إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم . فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتّباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد(٣) ، فأجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعةٌ وشناعةٌ ، فاحتملهم معاوية لحلمه، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله وَ الير ، والثناء عليه ، والصلاة والتسليم . وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه ، وقال فيما قال : ( وأظن ) أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازماً ، فقال له صَعْصَعةُ بن صُوحان : كذبت ، قد ولد الناس كلُّهم لمن هو خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ، ونفخَ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البرّ والفاجرُ، والأحمقُ والكيّسُ . ثمَّ بذل لهم النصح مرةً أخرى فإذا هم يتمادون(٤) في غيّهم ، ويستمرّون على جهالتهم وحماقتهم ، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام ، لئلا يُشَوِّشوا عقولَ الطغامُ(٥) ، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريشٍ كونهم فرَّطوا وضيَّعوا ما يجب عليهم من القيام فيه ، من نُصْرَة الدين وقمع المفسدين . وإنما يريدون بهذا التنقيصَ والعيبَ ورجمَ الغيب، وكانوا يشتمون عثمانَ وسعيد بن العاص ، وكانوا عشرةً ، وقيل تسعة وهو الأشبه، منهم كُمَّيْل بن زياد، والأشتر النَّخعي - واسمه مالك بن [ الحارث، وصَعْصَعة بن صوحان وأخوه زيد بن صوحان، وكعب بن مالك الأرحبي، والأسود بن ]٦) يزيد - وعلقمة بن قيس النَّخعيّان، وثابت بن في ط : مع أهله . (١) (٢) في أ : خرج . (٣) في أ : والانتفاء . في أ : متمادون . (٤) في أ : الطغاة ، تحريف . والطغام من لا عقل معه ولا معرفة ، وقيل هم أوغاد الناس وأراذلهم . النهاية (٥) (١٢٨/٣). (٦) ما بين الحاصرتين عن أوحدها، وهي موافقة لما في تاريخ الطبري (٣٢٦/٤). ٣٠٩ أحداث سنة ٣٤ هـ قيس النَّخَعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعُروة بن الجَعْد وعمرو بن الحَمِقِ الخُزاعي . فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان نائباً على الجزيرة . ثمَّ ولي حمص بعد ذلك - فهددهم وتوعدهم ، فاعتذروا إليه وأنابوا إلى الإقلاع عمّا كانوا عليه ، فدعا لهم وسيَّر مالكاً الأشتر النَّخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه ، فقبل ذلك منهم وكف عنهم وخيّرهم أن يقيموا حيث أحبّوا ، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقدموا عليه حمص ، فأمرهم بالمقام بالسّاحل ، وأجرى عليهم الرزق . ويقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ، فردّهم إليه، فلما رجعوا كانوا أَذْلَقَ (١) ألسنة، وأكثرَ شرّاً، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان ، فأمره أن يسيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص ، وأن يلزموا الدروب(٢). وفي هذه السنة سَيَّر عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسِّوغة لما فعله رضي الله عنه ، فكان هؤلاء ممن يؤلّب عليه ويمالىء الأعداء في الحط والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك ، وهو البارّ الراشد رضي الله عنه . وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وتَقَبَّل الله منه . ثم دخلت سنة أربع وثلاثين قال أبو معشر : فيها كانت وقعة الصواري ، والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك(٣) كما تقدم . وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن ( طاعة ) عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وهم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة ، وثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة ، وتألَّبوا عليه ، ونالوا منه ومن عثمان ، وبعثوا إلى عثمان منْ يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثيرٍ من الصحابة وتولية جماعة من بني أمية من أقربائه ، وأغلظوا له في القول ، وطلبوا منه أن يعزل عمّاله ويستبدل أئمة غيرهم ( من السابقين ومن الصحابة ) ، حتى شقَّ ذلك عليه جداً ، وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم ، فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام ، وعمرو بن العاص ( أمير مصر ) ، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أمير المغرب ، وسعيد بن العاص أمير الكوفة ، وعبد الله ابن عامر أمير البصرة ، فاستشارهم فيما حدث من الأمر ( وافتراق الكلمة ) ؛ فأشار عبد الله بن عامر (١) أذلق: أفصح وأبلغ. النهاية (١٦٥/٢). (٢) في أ : بالدروب . في أ : أنها قبل كما تقدم . (٣) ٣١٠ أحداث سنة ٣٤ هـ أن يشغلهم بالغزو عمّا هم فيه من الشرّ ، فلا يكون همّ أحدهم إلا نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته وقمل(١) فروته ( فإنّ غوغاء الناس إذا تفرغوا وبطلوا اشتغلوا بما لا يُغْني وتكلّموا بما لا يُرضي وإذا تفرَّقوا نفعوا أنفسهم وغيرهم ) . وأشار سعيد بن العاص بأن يستأصل(٢) شأفة المفسدين، ويقطع دابرهم(٣)، وأشار معاوية بأن يردّ عمَّالَه إلى أقاليمهم وأن لا يلتفت إلى هؤلاء وما تألبوا عليه من الشرّ ، فإنَّهم أقلُّ وأضعفُ جنداً . وأشار عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح بأن يتألّفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكفّ به شرَّهم ، ويأمن غائلتهم٤ُ) ، ويعطف به قلوبهم إليه . وأما عمرو بن العاص فقام فقال : أما بعدُ يا عثمانُ فإنَّك قد ركبت الناس ما يكرهون ، فإما أن تعزلَ عنهم ما يكرهون ، وإما أن تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه ، وقال له كلاماً فيه غلظةٌ ، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضراً من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا ، فعند ذلك قرَّر عثمانُ عمالَه على ما كانوا عليه، وتألَّف قلوبَ أولئك بالمال ، وأمر بأن يُبعثوا إلى الغزو إلى الثغور ، فجمع بين المصالح كلها ، ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص ، ولبسوا السلاح وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان ويولّي عليهم أبا موسى الأشعري ، وكان اجتماعهم بمكانٍ يقال له الجرعة ، ( وقد قال يومئذ الأشتر النخعي : والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا ، وتواقف الناس بالجرعة ) وأحجم سعيدٌ عن قتالهم وصمَّموا على منعه ، وقد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة وأبو مسعود عقبة بن عمرو ، فجعل أبو مسعود يقول : [ والله لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء . فجعل حذيفة يقول أث) : والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم، وما أعلم اليوم شيئاً إلا وقد علمته ومحمد ◌َ ل حي. والمقصود أن سعيد بن العاص كر راجعاً إلى المدينة وكسر الفتنة ، فأعجب ذلك أهل الكوفة ، وكتبوا إلى عثمان ( أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري ) بذلك ، فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم ، وإزالة لشبههم ، وقطعاً لعللهم . وذكر سيف بن عمر٦ً) أن سببَ تألُّبِ الأحزاب على عثمان أن رجلاً يقال له عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأظهر الإسلام وصار إلى مصر ، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاماً اخترعه من عند نفسه ، مضمونه أنه يقول للرجل : أليس قد ثبت أن عيسى ابن مريم سيعود إلى هذه الدنيا ؟ فيقول الرجل : نعم ! فيقول له في أ : وحمل فروته ، وأشار سعيد . (١) في أ : تستأصل . والشأفة الأصل . اللسان ( شأف ) والتعبير بمعنى أن يُقضي عليهم . (٢) (٣) دابر القوم : آخر من بقي منهم ، وقطع دابرهم : أي جميعهم حتى لا يبقى منهم أحد . النهاية ( ٢/ ٩٨ ). (٤) الغائلة : أمر منكر داهٍ . اللسان ( غول ) . ما بين الحاصرتين ساقط من ط . (٥) الخبر في تاريخ الطبري (٣٤٠/٤) . (٦) ٣١١ أحداث سنة ٣٤ هـ فرسول الله من أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، وهو أشرف من عيسى ابن مريم عليه السلام ، ثم يقول : وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب ، فمحمد خاتم الأنبياء ، وعليّ خاتم الأوصياء ، ثُمَّ يقول : فهو أحق بالإمرة من عثمان ، وعثمان معتدٍ في ولايته ما ليس له . فأنكروا عليه وأظهروا الأمرَ بالمعروفِ والنهي عن المنكر . فافتتن به بشرٌ كثيرٌ من أهل مصر ، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة ، فتمالؤوا على ذلك ، وتكاتبوا فيه ، وتواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان ، وأرسلوا إليه من يناظره ويذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوي رحمه وعزله كبار الصحابة . فدخل هذا في قلوب كثير من الناس ، فجمع عثمان بن عفان نوّابه من الأمصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له ، فالله أعلم . وقال الواقدي (١) فيما رواه عن عبد الله بن محمد ، عن أبيه قال : لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس ( بالمقالة) على عثمان بن عفان ونالوا منه ٢) أقبح ما نيل من أحد ، فكلَّم الناس علي ( بن أبي طالب ) أن يدخلَ على عثمان ، فدخل عليه فقال له : إِنَّ الناس ( ورائي و) قد كلَّموني فيك ، ووالله ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلُّكَ على أمرٍ لا تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلغكه ، وما خُصصنا بأمورٍ خَفيَ عنك إدراكُها ، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله بَّله ونلت صهره، ( وما ابن أبي قحافة بأولى بعملِ الحقِّ منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيءٍ من الخيرِ منك، وإنك أقربُ إلى رسول الله وَلّ رحماً، ولقد نلت من صهر رسول الله بَ ◌ّر ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء)، فاللهَ اللهَ في نفسك، فإنَّك واللهِ ما تُبصرُ من عَميّ ، ولا تعلمُ من جَهْلٍ . وإنَّ الطريقَ لواضحٌ بيّنٌ ، وإن أعلام الدين لقائمةٌ ، تعلَّم يا عثمان أن أفضلَ عباد الله عند الله إمامٌ عادلٌ، هُديَ وهَدَى، فأقام سُنّة معلومةً، وأماتَ بدعةً معلومةً ، فوالله إن كُلاَّ لبَيّنٌ ، وإن السنن لقائمةٌ لها أعلامٌ ، وإن البدعَ لقائمةٌ لها أعلامٌ ، وإن شرَّ الناس عندَ الله إمام جائر ضل وأضل به فأمات سنةً معلومة وأحيا بدعةً متروكةً، وإني سمعت رسول الله بَّ ه يقول: (( يُؤْتى يومَ القيامة بالإمام الجائر، وليس معه نصير ولا عاذر(٣) ، فيُلْقى في جهنم، فيدورُ فيها كما تدورُ الرَّحا، ثُمَّ يرتطم في غمرة جهنّم )(٤) وإنِّي أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقمته ، فإن عذابه أليم شديد ، واحذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول ، فإنه كان يُقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتلبس أمورها عليها ، ويتركون شيعاً لا يبصرون الحق من الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرحون فيها مرحاً . فقال عثمان : قد والله علمتُ لتقولن الذي قلت ، ( أما والله) لو كنت مكاني ما عنفتك تاريخ الطبري (٣٣٦/٤ ). (١) في أ : لما كان سنة أربع وثلاثين كثر الناس على عثمان ونالوا منه . (٢) (٣) مكان اللفظة بياض في أبقدر ثلاث كلمات . هو من رواية الواقدي ، وهو متروك عند المحدثين . (٤) ٣١٢ أحداث سنة ٣٤ هـ ( ولا أسلمتك ) ، ولا عبت (١) عليك، ولا جئت منكراً، إني وصلتُ رحماً، وسددتُ خلة، وآويتُ ضائعاً ، ووليت شبيهاً بمنْ كان عمرُ يُولِّي ، أنشدك الله يا علي هل تعلم أنَّ المغيرةَ بن شعبة ليس هناك ؟ قال : نعم ! قال : فتعلمُ أن عمرَ ولاه ؟ قال : نعم ! قال : فلم تلوموني(٢) أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته (٣) ؟ فقال علي: سأخبرك أنَّ عمر كان كلما ولى أمير(٤) فإنما يطأ على صماخيه (٥)، وأنه ( إن ) بلغه حرف جاء به ، ثمَّ بلغ به أقصى الغاية في ( العقوبة ) ، وأنت لا تفعل ، ضعفت ورفقت (٦) على أقربائك. فقال عثمان: هم أقرباؤك أيضاً ، فقال علي: لعمري (٧) إنَّ رحمَهم مني لقريبةٌ ، ولكنَّ الفضلَ في غيرهم . قال عثمان : هل تعلمُ أنَّ عمرَ ولَّى معاويةَ خلافته كلَّها ، فقد وليتُه ، فقال عليٍّ : أنشدك ( الله) هل تعلم أن معاوية كان أخوفَ من عمر من يَرْفأ غلام عمرَ منه ؟ قال : نعم! قال علي : فإنَّ معاويةً يقطعُ الأمورَ دونك ( وأنت تعلمها ) ويقول للناس : هذا أمر عثمان ، فليبلغك(٨) ( فلا تنكر) ولا تغير على معاوية ثم خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على إثره فصعد المنبر [ فخطب الناس }٩) فوعظ وحذَّر وأنذرَ ، وتهدَّد وتوعد ، وأبرقَ وأرعدَ ، فكان فيما قال : ألا فقد ( والله ) عبتُم عليَّ بما أقررتُمْ به لابن الخطّاب، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده ، وقمعكمٌ"(١) بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ، ولنت لكم ، وأوطأت لكم كتفي ، وكففتُ يدي ولساني عنكم ، فاجترأتم عليَّ، أما واللهِ لأنا أعزُّ نفراً وأقربُ ناصراً وأكثرُ عدداً وأقْمن ، إن قلت : هلمّ إليّ إليّ، ولقد أعددت لكم أقرانكم ، وأفضلتُ عليكم فضولً ، وكثرت لكم عن نابي ، فأخرجتم مني خُلُقاً لم أكن أُحسنه ، ومنطقاً لم أنطق به ، فكفّوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم ، فإنّي قد كففتُ عنكم منْ لو كان هو الذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ، ألا فما تفقدون من حقكم ؟ فوالله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي ، ثمّ اعتذر عما كان يعطي أقرباءه(١١) بأنه من فضل ماله . فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم والله حكَّمنا بيننا وبينكم السيف ، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر : [ من الطويل ] في أ : ولا بحثت عليك . (١) في أ : قال يلومونني أن . (٢) مكان اللفظة بياض في أ بقدر كلمة أو كلمتين . (٣) في أ : أن عمر كان كل من ولى فإنما يطأ . (٤) (٥) الصماخ هنا بمعنى الأذن . اللسان ( صمخ ) . (٦) في أ : وزققت . في أ : فقال علي : أجل إن رحمهم . (٧) الأصوب أن يقال : فيبلغك . (٨) ما بين الحاصرتين ساقط من ط . (٩) (١٠) في أ: وقهركم، وكذلك في تاريخ الطبري (٣٣٨/٤). (١١) في أ : أقاربه . ٣١٣ أحداث سنة ٣٤ هـ فرشنا لكم أعراضنا فَنَبَتْ بكمْ مغارسُكُمُ(١) تبنونَ فِي دِمنِ الثرى فقال عثمان : اسكت لا سكتّ، دعني وأصحابي ، ما منطقك في هذا٢) ، ألم أتقدَّمْ إليكَ أن لا تنطق . فسكتَ مروان ونزل عثمان رضى الله عنه . وذكر سيف بن عمر(٣) وغيره : أن معاوية لما ودّعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء. فقال: لا أختار بجوار رسول الله وَليه سواه . فقال: أجَهّز لك جيشاً من الشام يكونون(٤) عندك ينصرونك ؟ فقال : إني أخشى أن أضيِّق بهم بلد رسول الله وَ لّ على أصحابه من المهاجرين والأنصار. قال معاوية: فو الله يا أمير المؤمنين لتُغْتالن - أو قال : لتُغْزَين - فقال عثمان : حسبي الله ونعم الوكيل . ثم خرج معاوية من عنده وهو مُتَقِّلدٌ السيفَ وقوسُه في يده ، فمرّ على ملأ من المهاجرين ( والأنصار ) ، فيهم علي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلّم بكلام بليغ يشتمل(٥) على الوصاة بعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، والتحذير من إسلامه إلى أعدائه ، ثُمَّ انصرف ذاهباً . فقال الزبير : ما رأيتُه أهيبَ في عيني من يومه هذا . وذكر ابنُ جرير(٦) أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة ، وذلك أنه سمع حادياً يرتجز في أيام الموسم في هذا العام وهو يقول : [ من الرجز ] وضمَّراتُ عَوَجِ القِسيِّ قَدْ علمتْ ضَوامرُ المَطيِّ أنَّ الأميرَ بَعْدهُ عليٌّ وفي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ رَضِيُّ وطلحةُ الحافي لها وليُّ [ فقال كعب الأحبار وهو يسير خلف عثمان: والله إن الأمير بعده صاحب البغلة الشهباء . وأشار إلى معاوية (٧) فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه ، حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة . في أ : وتاريخ الطبري (٣٣٩/٤) : معارسكم . (١) في أ : وما منطقك وبعدها بياض بقدر كلمة واحدة . (٢) (٣) تاريخ الطبري (٣٤٤/٤ - ٣٤٥). (٤) في أ : يكون . في أ : مشتمل . (٥) في تاريخه (٤/ ٣٤٣) . (٦) ما بين الحاصرتين زيادة من أ ، وهي موافقة لما عند الطبري . (٧) ٣١٤ أحداث سنة ٣٥ هـ - مقتل عثمان - رضي الله عنه - قال ابن جرير(١) : وفي هذه السنة مات : أبو عبس بن جبير٢) بالمدينة وهو بدري . ومات أيضاً مسطح بن أثاثة(٣) وعاقل بن البكير(٤) وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه . ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان [ بن عفان رضي الله عنه }(٥) وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولَّى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح . وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص ، ( مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلَّموا بسوء في خليفة ولا أمير ) . فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويُؤَلِّي عليهم من هو ألينُ منه . فلم يزل ذلك دأبُهم حتى عزل عَمرا١ً) عن الحرب وتركه على الصلاة ، وولَّ على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح. ثمَّ سَعَوْا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما ، حتى كان بينهما كلامٌ قبيحٌ . فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر ، خراجها ( وحربها ) وصلاتها ، وبعث إلى عمرو يقول له : لا خير لك في المقام) عند من يكرهك ، فاقدم إليَّ ، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير ، فكلّمه فيما كان من أمره بنفس ، وتقاولا في ذلك ، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على في تاريخه (٣٣٩/٤). (١) تحرفت في ط إلى : جبير ، وهو عبد الرحمن بن جبر بن عمرو . ترجمته في سير أعلام النبلاء (١/ ١٨٨). (٢) (٣) ترجمة - مسطح بن أثاثة - في طبقات ابن سعد ( ٣٦/٣) وأسد الغابة (٥٦/٥) وسير أعلام النبلاء (١/ ١٨٧) والإصابة ( ٤٠٨/٣). تحرف في ط إلى غافل ، وترجمة - عاقل بن البكير - في الطبقات (٢٨٢/٣) وسير أعلام النبلاء (١٨٥/١) (٤) والإصابة ( ٢/ ٢٤٧) . (٥) زيادة من أ . في أ : فجعلوا يعملون عليه حتى شكوه . (٦) في أ : عمرو بن العاص . (٧) في أ : يقول إنه لا خير لك في الإقامة . (٨) ٣١٥ مقتل عثمان - رضي الله عنه - عثمان(١)، وأنه كان أعز منه. فقال له عثمان: دَعْ هذا فإنّه من أمر الجاهلية . وجعل عمرو بن العاص يؤلِّبُ الناسَ على عثمان . وكان بمصر جماعة يبغضون(٢) عثمان ويتكلَّمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا ، وينقمون عليه ( في عزله جماعة من عليّة ) الصحابة وتوليته من دونهم ، أو منْ لا يصلح عندهم للولاية . وكره أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، بعد عمرو بن العاص ، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب ، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية . ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلِّبون الناس على حربه والإنكار عليه ، وكان عظم ذلك مسنداً إلى محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة ، حتى استنفر(٣) نحواً من ستمئة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب ، لينكروا على عثمان ، فساروا إليها تحت أربع رفاق(٤)، وأمرُ الجميع إلى عمرو بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزاعي ، وعبد الرحمن بن عُدَيْس ( البلوي ، وكنانة بن بشر) التُّجيبي، ( وسُودان بن حُمْران السَّكُوني ) . وأقبل معهم محمد بن أبي بكر ، وأقام بمصر محمد بن أبي حُذَيْفة يُؤَلِّبُ الناسَ ويدافع عن هؤلاء ( وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء ) القوم إلى المدينة مُنْكرين عليه في صفة مُعْتمرین . فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي(٥) بن أبي طالب أن يخرجَ إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة . ويقال : بل ندب الناس إليهم ، فانتدب علي لذلك فبعثه ، وخرج معه جماعة الأشراف وأمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر . فقال علي لعمار فأبى عمار أن يخرج معه ، فبعث عثمان سعد بن أبي وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرِّضه على الخروج مع علي إليه، فأبى عمار كلَّ الإباء ، وامتنع أشدَّ الامتناع ، وكان متعصباً على عثمان بسبب ( تأديبه له فيما تقدم على أمر وضربه إياه في ذلك ، وذلك بسبب ) شتمه عباس بن عتبة بن أبي لهب ، فأدبهما عثمان ، فتآمر عمّارٌ عليه لذلك، وجعل يحرِّضُ الناسَ عليه ، فنهاه سعد بن أبي وقاص عن ذلك ولامه عليه ، فلم يُقْلِعْ عنه ولم يرجع ولم ينزع ، فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة ، وكانوا يعظمونه ويبالغول(٦) في أمره ، فردَّهم وأنَّبهم وشَتَمهم ، فرجعوا على أنفسهم بالملامة ، وقالوا : هذا الذي تحاربون الأمير بسببه ، وتحتجون عليه (٧) به. ويقال إنه ناظرهم في عثمان ، وسألهم ماذا ينقمول(٨) عليه ، فذكروا أشياء منها أنه حمى في أ : على أبي عثمان . (١) (٢) في أ : ينقصون . (٣) في أ : استنفروا . في أ : أربع رايات . وفي تاريخ الطبري (٣٤٨/٤) : أربع رفاق في أربعة أمراء . (٤) (٥) في أ : علياً رضي الله عنه . في أ : ويتغالون . (٦) في أ : عليهم . (٧) في أ : ينقمون . (٨) ٣١٦ مقتل عثمان - رضي الله عنه - الحمى(١)، وأنَّه حرقَ المصاحف وأنّه أتم الصلاة، وأنه ولَّى الأحداث ( الولايات وترك الصحابة الأكابر ) وأعطى (٢) بني أمية أكثر من الناس . فأجاب علي(٣) عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن ، ولم يَحْمِهِ لإبله ولا لغنمه ، وقد حماه عمر من قبله . وأما المصاحفُ فإنّما حرق ما وقع فيه اختلاف ، وأبقى لهم المتفق عليه ، كما ثبت في العرضة الأخيرة ، وأما إتمامه الصلاة بمكة ، فإنه كان قد تأهَّلَ بها ونوى الإقامة فأتمها ، أما توليته الأحداث فلم يولِّ إلا رجلاً سوياً عدلًا، وقد ولَّى رسول الله وَلّر عتاب بن أسيد (على مكة) وهو ابن عشرين (سنة)، وولَّى أسامة بن زيد بن حارثة، وطعن(٤) الناس في إمارته فقال: (( إنه لخليقٌ بالإمارة )(٥) وأما إيثارُهُ قومَه بني أمية فقد كان رسول الله وَ ل﴿ يُؤْثِر قريشاً على الناس، ووالله لو أن مفتاحَ الجنة بيدي لأدخلتُ بني أمية إليها . ويقال : إنهم عتبوا عليه في عمّارٍ ومحمد بن أبي بكر ، فذكر عثمان عذره في ذلك ، وأنه أقام فيهما٦) ما كان يجب عليهما . وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله وَّليه إلى الطائف ، فذكر أن رسول الله بَ لَهكان قد نفاه إلى الطائف ثمَّ ردَّه، ثمَّ نفاه إليها، قال: فقد نفاه رسول الله وَل ثم رَدَّه. وروي أنَّ عثمان خطب الناس بهذا كلَّه بمحضرٍ من الصحابة ، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له ، ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت (٧) الأعذار ، وانزاحت عللهم ، ولم يبق لهم شبهة ، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم [ وتركهم]، رضي الله عنه. وردّهم إلى قومهم ، فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئاً مما كانوا أمَّلوا وراموا ، ورجع عليٍّ إلى عثمان ، فأخبره برجوعهم عنه ، وسماعهم منه ، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبةً يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه ، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك ، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله(٨) ، وأنه لا يحيد عنها ، كما كان الأمر أولًا في مدة ست سنين الأول ، فاستمع عثمان هذه النصيحة ، وقابلها بالسمع والطاعة . ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس ، رفع يديه في أثناء الخطبة ، وقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب في ط : أنه في الحمى . (١) (٢) في أ : وأنه أعطى . (٣) في أ : عثمان . في أ : فطعن . (٤) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٠) والبخاري في صحيحه (٣٧٣٠) في الفضائل، ومسلم في صحيحه (٢٤٢٦) (٥) (٦٣) في المناقب . في أ : فإنه أقام فيها . (٦) تمهيد العذر : بسطه وقبوله . (٧) في أ : سيرة الشيخين فيه . (٨) ٣١٧ مقتل عثمان - رضي الله عنه - إليك ، اللهم إني أول تائب مما كان مني ، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون ، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم ، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك ، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان ، ' أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وأنه قد سبل(١) بابه لمن أراد الدخول عليه ، لا يمنع أحد من ذلك ، ونزل فصلّى بالناس ثمَّ دخل منزله ، وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال ، لا يمنع أحد من ذلك مدة . قال الواقدي : فحدَّثني علي بن عمر ، عن أبيه قال : ثمَّ إن علياً جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له : تكلم كلاماً يسمعه(٢) الناس منك ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا آمن ركباً آخرين(٣) يقدمون من قبل الكوفة ، فتقول : يا علي اركب إليهم ، ويقدم آخرون من البصرة فتقول : يا علي اركب إليهم ، فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك . قال : فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها ، وأعلم الناس من نفسه التوبة ، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فوالله ما عاب من عاب شيئاً أجهله، وما جئتُ شيئاً إلا وأنا أعرفه، ولكن ضلَّ رشدي، ولقد سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((من زلَّ فليتبْ ، ومن أخطأ فليتب ، ولا يتمادى في الهلكة ، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق )(٤) فأنا٥) أولُ من اتَّعظَ ، أستغفر الله مما فعلتُ وأتوبُ ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم ، فوالله لأكوننَّ كالمرقوق إن مُلِكَ صبر ، وإن عُتِقَ شكر ، وما عن الله مذهبٌ إلا إليه. قال : فرقَّ الناسُ له [ يومئذٍ (٦) وبكى منْ بكى ، وقام إليه سعيد بن زيد فقال : يا أمير المؤمنين ! الله الله في نفسك ! فأتمم على ما قلت . فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعةً من أكابر الناس ، وجاءه مروان بن الحكم فقال : أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت ؟ فقالت امرأة عثمان - نائلة بنت الفرافصة الكلبية - من وراء الحجاب : بل اصمت ، فو الله إنهم لقاتلوه ، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها . فقال لها : وما أنت وذاك؟ فوالله لقد مات أبوك وما يحسن ( أن) يتوضَّأ . فقالت له : دع (ذكر) الآباء ، ونالت من أبيه الحكم ، فأعرض عنها مروان . وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين أتكلّم أم أصمت ؟ فقال له عثمان : بل تكلّم ؛ فقال مروان : بأبي أنت وأمي ، لوددتُ أنَّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنعٌ(٧) سَبَّلْتُ الشيء إذا أبحته كأنك جعلت إليه طريقاً مطروقة . اللسان ( سبل ). (١) (٢) في ط : تسمعه . (٣) في أ : آخر . هو من رواية الواقدي ، وهو متروك عند المحدِّثين . (٤) (٥) في أ : وأنا . زيادة عن تاريخ الطبري (٣٦١/٤) . (٦) في ط : ممنع ، وما هنا عن أوتاريخ الطبري (٣٦٢/٤). (٧) ٣١٨ مقتل عثمان - رضي الله عنه - منيعٌ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت حين جاورُ(١) الحزام الطُّبَيْنَ، وبلغُ(٢) السيلُ الزُّبَى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لإقامةٌ على خطيئةٍ يُسْتَغْفَرُ منها ، خيرٌ من توبة خُوِّفَ عليها ، وإنك لو شئت لعزمت(٣) التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة ، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس . فقال عثمان : ( قم ) فاخرج إليهم فكلّمهم ، فإني أستحيي أن أكلمهم . قال : فخرج مروان إلى الباب ، والناسُ يركب بعضهم بعضاً ، فقال : ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت(٤) الوجوه ( كل إنسان آخذ بأُذن صاحبه ) إلا من أريدَ ، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ، اخرجوا عنا ، ( أما والله لئن رمتمونا (٥) ليمرَّن عليكم أمرٌ يسوؤكم ولا تحمدوا غبّه ، ارجعوا إلى منازلكم ، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدينا . قال : فرجع الناس ، وخرج بعضهم حتى أتى علياً فأخبره الخبر ، فجاء علي مغضباً حتى دخل على عثمان ، فقال : أما رضيتَ من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك ؟! وإن مثلك مثل جمل الظعينة٦) سار حيث يسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ، وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك (٧)، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبتَ سوقك(٨)، وغُلبت على أمرك . فلما خرج عليٍّ دخلت نائلةُ على عثمان فقالت: أتكلّم أو أسكت ؟ فقال : تكلَّمي ، فقالت: [ قد ] سمعتُ قولَ عليٍّ أنه ليس يعاودك، وقد أطعتَ مروان [ يقودك }٩) حيث شاء ، قال : فما أصنع ؟ قالت : تَتَّقي اللهَ وحده لا شريك له ، وتَّبع سُنَّةَ صاحِبَيْكَ من قبلك ، فإنك متى أطعت مروان قَتَلَك ومروان ليس له عند أحد ١٠) قدرٌ ولا هَيْئَةٌ ولا محبةٌ ، فأرسلْ إلى علي فاستصلحه فإن له قرابةً منك وهو (١) في أ: بلغ، والروايتان واردتان للمثل: انظر معجم الأمثال العربية لرياض عبد الحميد مراد (١/ ٢٠١ و٣٧٧ و٤٤٢) وفيه ذكر لمصادر المثل ، ويضرب هذا المثل للأمر يبلغ غايته في الشدّة والصعوبة ، وهو أيضاً في جمهرة الأمثال للعسكري (٢٢٠/١). في أ: وخلف ، والمثل في معجم الأمثال العربية (٢٢/١) وفيه ذكر لمصادره : ويضرب أيضاً للأمر يبلغ غايته في (٢) الصعوبة والشدة . في أ : تقريب التوبة ، وما هنا موافق للطبري (٤/ ٣٦٢) . (٣) شاهت الوجوه : قبحت . اللسان ( شوه ) . (٤) مكان القوسين بياض في أ بقدر ثلاث كلمات . (٥) (٦) الظعينة : الهودج تكون فيه المرأة أو لا تكون . اللسان ( ظعن ) . (٧) الصَّدَر نقيض الوَرْد ومعناه الرجوع ، ويقال للذي يبتدىء أمراً ثم لا يتمّه يورد ولا يُصْدر . اللسان ( صدر). (٨) كذا في أ، ط وفي تاريخ الطبري (٣٦٢/٤) : شرفك؛ ولعلها هي الأشبه . الزيادة عن تاريخ الطبري (٣٦٢/٤). (٩) (١٠) في ط : عند الله، وفي تاريخ الطبري : عند الناس. ٣١٩ ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان لا يُعصى . قال فأرسل عثمان إلى علي فأبى أن يأتيه ، وقال : قد أعلمته أني لست بعائد . قال : وبلغ مروان قول نائلة ( فيه فجاء إلى عثمان فقال : أتكلّم أو أسكت ؟ فقال : تكلّم ، فقال : إن نائلة) بنت الفرافصة . - فقال١) عثمان لا تذكرها بحرف فأسوِّى( ٢) لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك . ( قال : فكف مروان ) . ذِكْرُ مجىء الأحزابِ إلى عثمان للمرَّةِ الثانية من مصر [ وغيرها في شوال من هذه السنة ] وذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان ، وغضب علي على عثمان بسببه ، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ( ولم يسلك سيرة صاحبيه ) فكاتب أهل مصر وأهل الكوفة و( أهل ) البصرة وتراسلوا ، وزُوِّرتْ كتبٌ على لسان الصحابة الذين بالمدينة ، وعلى لسان عليٍّ وطلحة والزبير ، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونُصرة الدين ، وأنه أكبر الجهاد اليوم . وذكر(٣) سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان ، وقاله غيرهم أيضاً ، قالوا : لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين ، خرج أهل مصر في أربع رِفاق على أربعة أمراء ، المُقَلِّلُ لهم يقول ستمئة، والمُكْثِرُ يقول : ألف . على الرفاق عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَوي . وكنانة بن بشر اللَّيْنِيُ(٤)، وسُودان بن حُمْران السَّكوني، وقُتَيْرة٥ُ) السَّكوني ، وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العَكّي ، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجاً ، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذمياً فأظهر الإسلام وأحدث بدعاً قوليةً وفعليةً ، قبحه الله - وخرج أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق ( أيضاً )، وأمراؤهم : زيد بن صُوحان ، والأشتر النَّخعي، وزياد بن النَّضْر الحارثي ، وعبد الله بن الأصمّ ، وعلى الجميع عمرو بن الأصَمّ. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضاً في أربع رايات مع حُكَيْم بن جَبَلَة العَبْدي ، وبشر بن شُرَيْح بن ضُبَيْعة القيسي ، وذَريح بن عباد العبدي ، وعليهم كلّهم حرقوص بن زهير السعدي ، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب ، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزُّبير ، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة . لا تشكّ كلّ فرقةٍ أن أمرها سيتمّ ، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة ، كما تواعدوا في كتبهم ، في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خُشُبٍ ، وطائفة بالأغْوَص ، والجمهور بذي المروَة ، وهم على وجل من أهل المدينة ، فبعثوا قصَّاداً وعيوناً بين أيديهم ليخبروا الناس في أ : فقال له . (١) في ط : فأسوء إلى وجهك . (٢) في أ: وأنه أكبر الجهاد البر، وقال سيف .. والخبر في تاريخ الطبري (٣٤٨/٤). (٣) (٤) في تاريخ الطبري : التجيبي . وقد تقدم . في تاريخ الطبري : قتيرة بن فلان السَّكوني . (٥) ٣٢٠ ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان أنهم [ إنما ] جاؤوا للحجّ لا لغيره ، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله ، ما جئنا إلا لذلك ، واستأذنوا للدخول(١) ، فكُلُّ الناس أبى دخولهم ونهى عنه ، فتجاسروا واقتربوا من المدينة ، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في (٢) عسكر عند أحجار الزيت (٣)، عليه حلّة أفواف (٤)، معتم بشُقَيْقَةٍ(٥) حمراء يمانية ، متقلداً السيف وليس عليه قميص . وقد سَرَّحُ(٦) ابنَه الحسنَ إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فسلّم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم ، وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خُشُبٍ ملعونون على لسان محمد بَّ ، فارجعوا لا صبَّحكم الله، قالوا : نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك ، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلّموا عليه فصاح بهم واطّردهم وقال لهم كما قال عليّ لأهل مصر ، وكذلك كان ردّ الزُّبير على أهل الكوفة ، فرجع كل فريق ( منهم ) إلى قومهم ، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم ، وساروا أياماً راجعين ، ثم كرّوا عائدين إلى المدينة ، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير ، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها ، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان وقالوا للناس : منْ كفَّ يده فهو آمنٌ ، فكفَّ الناسُ ولزموا بيوتَهم ، وأقام الناسُ على ذلك أياماً . هذا كلُّه ولا يدري ( الناس ) ما القوم صانعون ، ولا على ما هم عازمون ، وفي كل ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه يخرج من داره فيصلّ بالناس ، فيصلّي وراءه أهلُ المدينة وأولئك الآخرون ، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم ، حتى قال علي لأهل مصر : ما رَدَّكُم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا : وجدنا مع بريد كتاباً بقتلنا - وكذلك قال البصريون لطلحة ، والكوفيون للزبير . وقال أهل كل مصر: إنما جئنا٧) لننصر أصحابنا . فقال لهم الصحابة : كيف علمتم بذلك من أصحابكم ، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل ؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه ، فقالوا : ضعوه على ما أردتم ، لا حاجة لنا في هذا الرجل ، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون ( أنه ) إن نزل عن الخلافة تركوه آمناً - وكان المصريون فيما ذكر ، لما رجعوا إلى بلادهم(٨) وجدوا في الطريق بريداً يسير ، في أ : واستأذنوا في الدخول . (١) (٢) في أ : وهو على عسكر . أحجار الزيت : موضع بالمدينة قريب من الزوراء ، وهو موضع صلاة الاستسقاء . معجم البلدان ( ١٠٩/١) . (٣) في أ : حلّة أثواب ، والفوف : ضرب من برود اليمن . وفي حديث عثمان : خرج وعليه حلة أفواف . الأفواف جمع فوف وهو القطن ، وواحدة الفوف : فوفة ، يقال برد أفواف وحلةٍ أفواف . اللسان ( فوف ) . (٤) (٥) (٦) الشُّقة : جنس من الثياب ، وتصغيرها شُقَيقة ، وقيل هي نصف ثوب . اللسان ( شقق ) . في ط : أرسل، وهما بمعنى. والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ٣٥٠). (٧) في أ : رجعنا . في أ : بلدتهم . (٨) -