Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
وفيات سنة ٢٠هـ
الأسلمي . وقد مال ابن الأثير إلى ترجيحه ، والله أعلم. له حديث في الفتنة ١) قال إبراهيم بن المنذر :
توفي في ربيع الأول سنة عشرين .
بلال بن رَبَاحِ الحَبَشي(٢) المُؤَذّن مولى أبي بَكْر : ويُقال له بلال بن حَمامة . وهي أمه . أسلم قديماً
فعُذِّبَ في الله فصبر فاشتراه الصديق فأعتقه . شهد بدراً وما بعدها٣) . وكان عمر يقول : أبو بكر سيدنا
وأعتق سيدنا. رواه البخاري(٤). ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله وقل له
وابن أم مكتوم يتناوبان. تارة هذا وتارة هذا ، وكان بلال نديَّ الصوت حسنهُ، فصيحاً، وما يُروى ((أنَّ
سين بلال عند الله شينا)) فليس له أصل. وقد أذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة. ولما توفي رسول الله وَثل
ترك الأذان ، ويقال أذَّن للصدّيق أيام خلافته ولا يصحّ . ثم خرج إلى الشام مجاهداً . ولمّا قدم عمر إلى
الجابية أذّن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر ، فانتحب الناس بالبكاء . وقيل إنه زار المدينة في غضون
ذلك فأذَّن فبكى الناس بكاءً شديداً ويحق لهم ذلك رضي الله عنهم. وثبت في الصحيح(٥) أن رسول الله وَل
قال لبلال (( إني دخلت الجنة فسمعت خشف(٦) نعليك أمامي فأخبرني بأرجى عمل عملته)). فقال :
ما توضأت إلا وصليت ركعتين. فقال: ((بذاك)). وفي رواية (( ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا
رأيت أن علي أن أصلّ ركعتين)) قالوا: وكان بلال آدم(٧) شديد الأدمة طويلاً نحيفاً كثير الشعر خفيف
العارضين . قال ابن بكير : توفي بدمشق في طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة . وقال محمد بن إسحاق
وغير واحد : توفي سنة عشرين . قال الواقدي : ودفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة . وقال غيره :
مات بداريا، ودفن بباب كيسان. وقيل: دفن بداريا ، وقيل : إنه مات بحلب . والأول أصح ، والله أعلم.
سعيد بن عامر بن حِذْيَمُ(٨): من أشراف بني جُمَح ، شهدَ خيبر وكان من الزُّهّاد والعُبّاد ، وكان أميراً
صحيحه ( ١٦٩٧) في الحدود ، وابن الأثير في جامع الأصول رقم ( ١٨٤٧) (٥٣٦/٣ - ٥٣٧).
=
في أ : الفقه ؛ تحريف ، وما هنا موافق للاستيعاب وتاريخ الإسلام ولم أجد هذا الحديث في المصادر الحديثة
(١)
المتوفرة لدي والله أعلم .
(٢) ترجمة - بلال مؤذن رسول الله - في الطبقات الكبرى (٢٣٢/٣) والاستيعاب (١٧٨/١) وأسد الغابة (٢٤٣/١)
وتهذيب الأسماء واللغات (١٣٦/١ - ١٣٧) وسير أعلام النبلاء (٣٤٧/١ - ٣٦٠) والإصابة (٢٧٣/١).
(٣)
في أ : وما بعدها فأعتقه .
(٤)
صحيح البخاري ( ٣٧٥٤) في المناقب .
صحيح البخاري ( ١١٤٩) في التهجد ، وصحيح مسلم (٢٤٥٨) في الفضائل . والرواية الثانية من حديث أخرجه
(٥)
أحمد في مسنده ( ٣٥٤/٥ و٣٦٠) والترمذي في جامعه (٣٦٨٩) في المناقب .
(٦)
الخشف : الصوت ليس بالشدید .
(٧)
آدم : الأدمة : السمرة .
في ط: خذيم، تحريف، وترجمة ــ سعيد بن عامر - في الاستيعاب (٦٢٤/٢ - ٦٢٥) وأسد الغابة (٣٩٣/٢ -
(٨)
٣٩٤) والإصابة (٤٨/٢ -٤٩) وفيه : حديم .

٢٢٢
وفيات سنة ٢٠ هـ
لعمر على حمص بعد أبي عبيدة ، بلغ عمر أنه قد أصابته حاجة ١) شديدة ، فأرسل إليه بألف دينار فتصدَّق
بها جميعها ، وقال لزوجته : أعطيناها لمن يتجر لنا فيها رضي الله عنه. قال خليفة(٢) : فتح هو ومعاوية
قَيْسارية كل منهما أمير على من معه .
عِيَاضُ بن غَنْمُ(٣) أبو سعد الفِهْري من المهاجرين الأولين ، شهد بدراً وما بعدها ، وكان سمحاً
جواداً ، شجاعاً ، وهو الذي افتتح الجزيرة ، وهو أول من جاز درب الروم غازياً ، واستنابه أبو عبيدة
بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة .
أبو سفيان بن الحارث(٤) بن عبد المطلب ابن عم رسول الله محدثة قيل: اسمه المغيرة . أسلم عام الفتح
فحسُنَ إسلامُه جداً، وكان قبل ذلك من أشد الناس على رسول الله بَّر، وعلى دينه ومن تبعه ، وكان
شاعراً مطبقاً، يهجو الإسلام وأهله ، وهو الذي ردَّ عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله(6) : [ من
الوافر ]
مُغَلْغلةً فَقَدْبَرح الخَفاء(٦)
الا أبْلِغْ أبَا سُفيانَ عَنّي
وعندَ اللهِ في ذاكَ الجَزاءُ
هَجَوْتَ مُحمَّداً وأَجَبْتُ(٧) عنه
فشَؤُكما لخَيْرِكُما الفِداءُ
أَتَهْجوهُ ولَسْتَ لهُ بِكُفْءٍ
ولما جاء هو وعبد الله بن أبي أمية ليسلما لم يأذن لهما عليه السلام حتى شفعتْ أُ سلمة لأخيها فأذن
له ، وبلغه أنّ أبا سفيان هذا قال : والله لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بنيَّ هذا - لولد معه صغير - فلأذهبن فلا
يدرى أين أذهب، فرقَّ حينئذ له رسول الله ◌َ ﴿ وأذن له، ولزم رسول الله وَلَ﴿ يوم حنين(٨) وكان آخذاً بلجام
بغلته يومئذ، وقد روي أن رسول الله وَ ليل أحبه وشهد له بالجنة، وقال: ((أرجو أن تكون خلفاً من حمزة)(٩)
في ط : جراحة ؛ تحريف.
(١)
تاريخ خليفة بن خياط ( ص ١٤١ ).
(٢)
ترجمة - عياض بن غنم ـ في الطبقات الكبرى (٣٩٨/٧) والاستيعاب (١٢٣٤/٣) وأسد الغابة (٣٢٧/٤ -
(٣)
٣٢٩) وسير أعلام النبلاء (٣٥٤/٢ - ٣٥٥) الإصابة (١٨٩/٧).
ترجمة - أبي سفيان بن الحارث ـ في الطبقات الكبرى (٤٩/٤) والاستيعاب (١٦٧٣/٤ - ١٦٧٧) وجامع الأصول
(٤)
(٢٧٩/١٤) وأسد الغابة (١٤٤/٦) وسير أعلام النبلاء (٢٠٢/١ - ٢٠٥) والإصابة (٩٠/٤ - ٩١).
(٥)
الأبيات في ديوان حسان ( ص١٨ ) .
في الديوان : فأنت مجوّف نخب هواء .
(٦)
(٧)
في الديوان : فأجبت .
في أ : يوم خيبر . تحريف .
(٨)
أورده ابن عبد البر في الاستيعاب (١٦٧٥/٤)، والذهبي في تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٢٠) من غير إسناد ، وإنما
(٩)
نقله المصنف من الذهبي .

٢٢٣
وفيات سنة ٢٠ هـ
وقد رَشَى رسول الله بِ ◌ّه حين توفي بقصيدةٍ ذكرناها فيما سلف(١) وهي التي يقول فيها٢): [من الوافر ]
وَلَيْلُ أخِ المُصيبةِ فيهِ طُولُ
أرقْتُ فَبَاتَ لَيْلي لا يَزُولُ
أُصيبَ المسلمونَ بهِ قَليلٌ
وَأَسْعدني البُكاءُ وذاكَ فيما
عَشِيَّةَ قيلَ قد قُبضَ الرَّسُولُ
فقدْ عَظُمتْ مُصيبتنا وجَلّت
يَروحُ به ويَغْدو جِبْرِئِيلُ
فَقَدْنا الوَحْيِ والتَّزِيلَ فينا
ذكروا أنَّ أبا سفيان حجَّ فلما حلق رأسَه قطع الحالق تؤلولاً ( له ) في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك
حتى مات بعد (٣) مرجعه إلى المدينة ، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب . وقد قيل إن أخاه نوفلاً توفي قبله
بأربعة أشهر ، والله أعلم .
أبو الهَيْثَم بن التَّيِّهانُ(٤) هو مالك بن مالك بن عسل بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زَعور بن
◌ُشَم بن الحارث بن الخَزْرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوْسي ، شهد العقبة نقيباً ، وشهد
بدراً وما بعدها ، ومات سنة عشرين ، وقيل إحدى وعشرين ، وقيل إنه شهد صفين مع علي ، قال ابن
الأثير وهو الأكثر . وقد ذكره شيخنا٥) هنا ، فالله أعلم .
زينب بنت جَحْش(٦) بن رياب الأسدية من أسد خزيمة ، أول أمهات المؤمنين وفاةً ، أمها أميمة بنت
عبد المطلب ، وكان اسمها بَرَّة ، فسمّاها رسول الله زينب ، وتكنى أم الحكم ، وهي التي زوَّجه الله بها ،
وكانت تفتخر(٧) بذلك على سائر أزواج النبي وَ لّ فتقول: زوَّجَكُنَّ أهلوكن وزوَجني اللهُ من السماء(٨).
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية . وكانت قبله عند مولاه زيد بن
حارثة . فلما طلقها تزوجها رسول الله وَله. قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل أربع وهو الأشهر. وقيل
(١) تقدم ذكر هذه القصيدة في حوادث سنة ١١ وهذه الأبيات منها: ١، ٢، ٣، ٥ .
الأبيات في الاستيعاب (١٦٧٦/٤) وعددها عشرة، وسير أعلام النبلاء (٢٠٤/١ - ٢٠٥) وعددها اثنا عشر .
(٢)
(٣)
في أ : من بعد .
ترجمة - ابن التيهان - في الطبقات الكبرى ( ٤٤٧/٣) والاستيعاب (١٣٤٨/٣) وجامع الأصول (١٥/ ١٥٧)
(٤)
وأسد الغابة (١٤/٥) وتهذيب الأسماء واللغات (٧٩/٢ - ٨٠) وتاريخ الإسلام (٣٨/٢) وسير أعلام النبلاء
(١٨٩/١) والإصابة (٣٤١/٣) و(٢١٢/٤ -٢١٣) وفي هذه المصادر خلاف كبير في اسمه واسم آبائه وأجداده.
(٥)
يقصد الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام .
(٦) ترجمة - زينب بنت جحش - رضي الله عنها في الطبقات الكبرى (١٠١/٨) والاستيعاب (١٨٤٩/٤ - ١٨٥٢)
وجامع الأصول (١٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤) وأسد الغابة (١٢٥/٧ - ١٢٧) وتاريخ الإسلام (٣٤/٢ - ٣٥) وسير أعلام
النبلاء (٢١١/٢ -٢١٨). والإصابة (٤/ ٣١٣).
(٧)
في أ : تفخر .
(٨) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٤٢٠) والترمذي رقم (٣٢١٣) من حديث أنس رضي الله عنه .

٢٢٤
وفيات سنة ٢٠ هـ
سنة خمس ، وفي دخوله عليه السلام بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين(١) عن أنس وهي التي
كانت تسامي عائشة بنت الصديق في الجمال والحُظْوة ، وكانت ديّنةً ورعةً عابدةٌ كثيرةَ الصّدقة . وذاك
الذي أشار إليه رسول الله بِ الل بقوله ((أسْرَعُكُنَّ لحاقاً بي أطولُكُنَّ يداً)(٢) أي: بالصدقة. وكانت امرأةً
صناعاً تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء ، قالت عائشة (٣) : ما رأيتُ امرأةً قطُ خيراً في الدّين وأنْقَى الله
وأصدقَ حديثاً وأوصلَ للرحم وأعظمَ أمانةً وصدقةً من زينب بنت جحش . ولم تحجّ بعد حجة الوداع
لا هي ولا سودة، لقوله عليه السلام لأزواجه: ((هذه ثم ظهور الحصر)(٤) وأما بقية أزواج النبي ◌َّ فكنّ
يخرجن إلى الحجّ ، وقالت (٥) زينب وسودة : والله لا تحركنا بعده دابة . قالوا : وبعث عمر إليها فرضها
اثني عشر ألفاً فتصدقت به في أقاربها . ثم قالت : اللهمَّ لا يدركني عطاءُ عمر بعدَ هذا . فماتَتْ في سنة
عشرين وصلى عليها عمر. وهي أول من صُنع(٦) لها النعشُ (٧)، ودفنت بالبقيع .
صَفِيَّة بنت عبد المُطَّلب(٨) عمَّة رسول الله ◌َّل: وهي أمّ الزبير بن العوام، وهي شقيقةُ حَمْزَةَ والمُقَوَّم
وحَجْل ، أُمُّهم هالةُ بنت وهيب بن عبد مَنافِ بن زهرة . لا خلافَ في إسلامها وقد حضرت يوم أحدَ
ووجدتْ على أخيها حمزةَ وَجْداً كثيراً، وقَتَلَتْ يومَ الخندقِ رجلاً من اليهود جاء فجعل يطوف (٩) بالحصنِ
التي هي فيه وهو فارع حصن حسّان فقالت لحسان : انزل فاقتله ، فأبى ، فنزلت إليه فقتلته ثم قالت :
انزل فاسلبه فلولا أنه رجل لاستلبته ١٠) . فقال : لا حاجةً لي فيه . وكانت أولَ امرأةٍ قتلتْ رجلاً من
المشركين .
وقد اختُلِف في إسلام من عداها من عَمّاتِ النبيِّهِ فقيل: أسلمتْ أرْوَى وعاتكةُ . قال ابن الأثير
وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ : والصحيح أنه لم يسلم منهن غيرُها . وقد تزوجتْ أولاً بالحارث بن
صحيح الإمام البخاري ( ٦٢٣٨) في الاستئذان، وصحيح مسلم ( ١٤٢٨) (٨٩) في النكاح.
(١)
الحديث في صحيح مسلم ( ٢٤٥٢) (١٠١ ) في فضائل الصحابة .
(٢)
الاستيعاب (١٨٥١/٤).
(٣)
(٤)
الحديث في مسند أحمد ( ٢/ ٤٤٦ و٢١٨/٥) وسنن أبي داود (١٧٢٢) في المناسك ، وهو حديث حسن.
في ط : وقالتا وهي لغة مفضولة .
(٥)
(٦)
في أ : وضع .
(٧)
ذكر الذهبي في السير (٢١٢/٢) أنه لما ماتت زينب بنت جحش أمر عمر منادياً: ألا يخرج معها إلا ذو محرم .
فقالت بنتُ عُميس : يا أمير المؤمنين ؛ ألا أريك شيئاً رأيت الحبشة تصنعُه بنسائهم ؟ فجعلتْ نعشاً وغشته ثوباً .
فقال: ما أحسن هذا وأستره ! فأمر منادياً، فنادى : أن اخرجوا على أمِّكم. وهو في الطبقات الكبرى (٨/ ١١١).
(٨) ترجمة - صفيّة بنت عبد المطلب - في الطبقات الكبرى (٤١/٨) والاستيعاب (١٨٧٣/٤) وجامع الأصول
(١٤/ ٣٦٤) وأسد الغابة (١٧٣/٧) وتاريخ الإسلام (٣٨/٢) وسير أعلام النبلاء (٢٦٩/٢ - ٢٧١) والإصابة
(٣٤٨/٤ - ٣٤٩ ) .
(٩) في أ : يطيف.
(١٠) في أ : استلبته .

٢٢٥
أحداث سنة ٢١ هـ ـ وقعة نهاوند
حرب بن أمية . ثم خلف عليها العوام بن خُوَيلد فولدتْ له الزبيرَ وعبدَالكعبةِ . وقيل تزوَّج بها العوامُ
بكراً ، والصحيحُ الأولُ. توفيتْ بالمدينة سنةَ عشرين عن ثلاثٍ وسبعين سنةً . ودفنتْ بالبقيعِ رضي الله
عنها . وقد ذكر ابن إسحاق من توفي غيرها .
عُوَيْم بن ساعِدَة الأَنْصاريُ(١): شهد العَقَبَتَيْنِ والمشاهدَ كلَّها . وهو أولُ من استنجى بالماء ، وفيه
نزل قوله تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨ ] وله رواياتٌ. توفي
هذه السنة بالمدينة .
بِشْر بن عمرو بن حَنَش يُلَقَّبُ بالجَارُود٢ِ) ، أسلم في السنة العاشرة ، وكان شريفاً مُطاعاً في
عبد القيس ، وهو الذي شهد على قُدامة بن مَظْعون أنه شربَ الخمرَ ، فعزله عمر عن البحرين وحدَّهُ . قُتِلَ
الجارودُ شهيداً .
أبو خِراش (٣) خُوَيْلد بن مُرَّة الهُذَلي، كان شاعراً مجيداً مُخضرماً أدرك الجاهلية والإسلام وكان إذا
جرى سبَقَ الخَيْلَ(٤) . نهشته حية فمات بالمدينة .
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
وكانت وقعة نَهاوَند(٥) [وفتحها على المشهور ]
وهي وقعةٌ عظيمةٌ جداً لها شأن رفيع ونبأ عجيب ، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
قال ابن إسحاق والواقدي : كانت وقعة نَهاوندَ في سنة إحدى وعشرين . وقال سيف : كانت في سنة
سبع عشرة . وقيل في سنة تسع عشرة والله أعلم . وإنما ساق أبو جعفر بن جرير(٦) قصَّتَها في هذه السنة
فتبعناه في ذلك وجمعنا كلامَ هؤلاء الأئمة في هذا الشأن سياقاً واحداً، حتى دخل سياقُ بعضهم في بعض .
(١) ترجمة - عويم عن ساعدة - في الطبقات الكبرى (٤٥٩/٣) والاستيعاب (١٢٤٨/٣) وجامع الأصول (١٤ / ٥٦٨)
وأسد الغابة (٣١٢/٤) وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٠) والإصابة (٤٤/٣).
(٢) ترجمة - بشر بن عمرو - في الطبقات الكبرى (٥٥٩/٥) والاستيعاب (٢٦٢/١) وجامع الأصول (١٥٤/١٣
و٢٣٩) وأسد الغابة (٣١١/١) والوافي بالوفيات (١٥١/١٠) والإصابة (٢١٦/١).
(٣) في ط : أبو خراشة ، وترجمة - أبو خراش - هذا في الطبقات الكبرى (٧/ ٥٠٠ ) وساق له حديثاً، والاستيعاب
(١٦٣٦/٤ - ١٦٣٩) وجامع الأصول (١٣/ ٤٥٠) وضبط خِرَاش بالحرف. والإصابة (٥١/٤).
(٤)
٠
في أ : وكان إذا جرى مع الخيل سبقهم .
نهاوَند : بفتح النون وتكسر ، والواو مفتوحة ، ونون ساكنة ، ودال مهملة : هي مدينة عظيمة في قبلة همذان بينهما
(٥)
ثلاثة أيام، كانت فيها وقعة المسلمين والفرس سنة ٢١ أيام عمر. معجم البلدان (٥/ ٣١٣ - ٣١٤).
(٦) في تاريخه (٤/ ١١٤).

٢٢٦
وقعة نهاوند
قال سيف وغيره : وكان الذي هاجَ هذه الوقعةَ أنَّ المسلمين لما افتتحوا الأهوازَ ومنعوا جيشَ العلاء
من أيديهم واستولَوْا على دار الملك القديم من إصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثاً ، وهي
المدائن ، وأخذو(١) تلك المدائن والأقاليم والكور والبلدان الكثيرة ، فحموا عند ذلك واستجاشهم
يَزْدَجِرْدُ الذي تقهقر من بلدٍ إلى بلدٍ حتى صار إلى أصبهان مُبْعَداً طَريداً ، لكنّه في أسرة من قومه وأهله
وماله ، وكتب إلى ناحية نهاوَنْد وما والاها من الجبال والبلدان ، فتجمّعُوا وتراسلُوا حتى كمل لهم من
الجنود ما لم يجتمع لهم قبل ذلك .
فبعثَ سعدٌ إلى عمر يعلمه بذلك، وثار أهلُ الكوفة على سعد في غضون هذا الحال . فَشَكَوْهُ في كلِّ
شيءٍ حتى قالوا: لا يُحسنُ يُصلِّي . وكان الذي نهضَ بهذه الشكوى رجلٌ يقال له : الجَرَّاح بن سنان
الأسَديّ في نفر معه ، فلمَّا ذهبوا إلى عمر فشكَوْه قال لهم عمر: إنَّ الدليل على ( ما عندكم من الشر(٢)
نهوضكم في هذا الحال عليه ، وهو مستعدٌّ لقتال أعداء الله ، وقد جمعوا لكم ، ومع هذا لا يمنعني أن
أنظرَ في أمركم .
ثم بعث محمد بن مسلمة - وكان رسولَ العُمّال - فلما قدم محمد بن مسلمةَ الكوفة طافَ على القبائل
والعشائر والمساجد بالكوفة . فكلٌّ يُثْني على سعدٍ خيراً إلا ناحية الجَرَّاح بن سنان فإنّهم سكتوا فلم يذمُّوا
ولم يشكروا ، حتى انتهى إلى بني عبس ، فقام رجل يُقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة ، فقال : أما إذا
ناشدتنا٣) فإنَّ سعداً لا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في الرعية ، ولا يغزو في السريّة . فدعا عليه سعدٌ
فقال : اللهمّ إنْ كانَ قالها كذباً ورياءً وسمعةً فأعم بصرَهُ ، وكَثِّرْ عيالَهُ، وعَرِّضْهُ لمُضِلاَّتِ الفِتن . فَعَميَ
واجتمعَ عنده عشرُ بناتٍ ، وكانَ يسمعُ بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فإذا عُثر عليه قال : دعوةٌ سعدٍ
الرجلِ المباركِ . ثم دعا سعد على الجَرّاحِ وأصحابه فكلٌّ أصابته قارعةٌ في جسده ، ومصيبةٌ في ماله بعد
ذلك . واستنفر محمد بن مسلمة أهلَ الكوفة لغزو أهل نَهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب .
ثم سار سعد ومحمد بن مسلمة والجَرّاح وأصحابه حتى جاؤوا عمر فسأله عمر : كيف يُصلي ؟
فأخبره أنه يطوّلُ في الأوليين ويُخفِّفُ في الأُخريين وما آلو ما اقتديتُ به من صلاةٍ رسول الله وَّهِ . فقال له
عمر : ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق .
وقال سعدٌ في هذه القصة: لقد أسلمتُ خامسَ خمسةٍ ، ولقد كنا وما لنا طعام إلا ورق الحُبْلَة٤ِ) حتى
تَفَرَّحتْ أشداقُنا، وإنّي لأولُ رجلٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله، ولقد جمع لي رسولُ اللهِ وَّل أبويه
(١)
في ط : وأخذ .
في أ: من الدليل على شركم . والخبر عند الطبري (١٢١/٤) وقد مرّ أيضاً في حوادث سنة عشرين صفحة
(٢)
( ١٥٧) من هذا الجزء .
(٣)
في أ : أنشدتنا .
الحُبْلَة: بالضم وسكون الباء : ثمر السَّمُر يشبه اللُّوبياء ، وقيل: هو ثمر العضاه. النهاية (٣٣٤/١).
(٤)

٢٢٧
وقعة نهاوند
وما جمعهما لأحد قبلي ، ثم أصبحت بنو أسد يقولون : لا يُحسن يُصلّي - وفي رواية يغرر بي على
الإسلام - لقد خبتُ إذاً وضلَّ عمليّ (١)
ثم قال عمر لسعد : منِ استخلفتَ على الكوفة ؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عِتْبال(٢)، فأقرَّهُ عمر
على نيابته(٣) الكوفة - وكان شيخاً كبيراً من أشراف الصحابة حليفاً لبني الحُبلي من الأنصار - واستمرّ سعدٌ
معزولاً من غير عجْزِ ولا خيانةٍ ويهدّدُ أولئك النفرَ، وكادَ يوقعُ بهم بأساً. ثم تركَ ذلك خوفاً من أن
لا يشكوَ أحد٤) أميراً .
والمقصودُ أنَّ أهلَ فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند ، حتى اجتمع منهم مئة ألف
وخمسون ألف مقاتل ، وعليهم الفيرزان ويقال : بندار ، ويقال ذو الحاجب . وتذامروا فيما بينهم ،
وقالوا : إنَّ محمداً الذي جاء العربَ بالدين لم يتعرَّضْ لبلادنا، ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرَّض لنا في
دار مُلكنا ، وإن عمر بن الخطاب هذا لمّا طال ملكه انتهكَ حرمَتنا وأخذ بلادنا ، ولم يكفه ذلك حتى
أغزانا في عُقْر دارنا ، وأخذ بيتَ المملكة وليس بمُنْتهٍ حتى يخرجكم من بلادكم . فتعاهدوا وتعاقدوا
على أن يقصدوا البصرةَ والكوفةَ ثم يشغلوا عمر عن بلاده ، وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم
كتاباً .
فلما كتب سعد بذلك إلى عمر - وكان قد عزل سعداً في غضون ذلك - شافه(٥) سعد عمر بما تمالؤوا
عليه وقصدوا إليه ، وأنه قد اجتمع منهم مئة وخمسون ألفاً . وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان من
الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظَفَر العَبْدي بأنَّهم قد اجتمعوا وهم منحرفون متذامرون على الإسلام وأهله ،
وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هَمُّوا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا .
فقال عمر لحامل الكتاب : ما اسمُكَ ؟ قال : قريبٌ . قال : ابنُ منْ؟ قال: ابن ظَفَر . فتفاءل عمر بذلك
وقال : ظَفَرٌ قريبٌ . ثم أمر فنُودي: الصلاةُ جامعةٌ ، فاجتمع الناسُ وكان أول من دخل المسجد لذلك
سعد بن أبي وقاص ، فتفاءل عمر أيضاً بسعد ، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال : إن هذا يومٌ له
(١) خبر سعد هذا أخرجه البخاري في صحيحه (٣٧٢٧) و(٣٧٢٨) في فضائل الصحابة ، ومسلم في صحيحه ( ٢٩٦٦)
(١٢) في أول كتاب الزهد. ولكن دون ذكر: ولقد جمع لي رسول الله وَل أبويه وما جمعهما لأحد قبلي. فهذا
خبر آخر أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( ٣٧٢٥) في فضائل الصحابة ، ومسلم في صحيحه (٢٤١٢) في
فضائل الصحابة وينظر تفاصيل تخريجه في مسند سعد من كتاب ((المسند الجامع)) للدكتور بشار وزملائه (٦/ ١٣٤
١٣٨)، الأحاديث (٤١٢٨) و(٤١٢٩) و(٤١٣٠) و(٤١٣١) و(٤١٣٢) و(٤١٣٣) و(٤١٣٤) و(٤١٣٥).
(٢) ترجمته وخبر نيابته في تاريخ الطبري (١٢٢/٤) والكامل (٦/٣ - ٧) وأسد الغابة (٢٩٩/٣) والإصابة (٣٣٦/٢
- ٣٣٧ ) .
(٣)
في أ : نيابة .
في أ، ط : أحداً ؛ وما أثبته للسياق اللّغوي.
(٤)
في أ : شاور .
(٥)

٢٢٨
وقعة نهاوند
ما بعده من الأيام ، ألا وإني قد هممت بأمر (١) فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب
ريحُكم ، إني قد رأيتُ أن أسيرَ بمن قِبَلي حتى أنزل منزلاً وسطاً بين هذين المِصْرين فأستنفر الناس ، ثم
أكون لهم رِدْءاً حتى يفتح اللهُ عليهم . فقام عثمانُ وعليٌّ وطلحةُ والزبيرُ وعبد الرحمن بن عوفٍ في رجالٍ
من أهل الرأي ، فتكلَّم كلٌّ منهم بانفراده فأحسنَ وأجادَ ، واتّفق رأيُهم على أن لا يسير من المدينة ، ولكن
يبعث البعوثَ ويحصرهم برأيه ودعائه .
وكان من كلام عليٍّ رضي الله عنه أن قال: يا أمير المؤمنين، إنَّ هذا الأمرَ لم يكن نصرُهُ ولا خذلانُهُ
بكثرةٍ ولا قلةٍ ، هو دينُهُ الذي أَظْهَرَ ، وجندُهُ الذي أعزَّه وأمدَّه بالملائكة حتى بلغَ ما بلغَ . فنحن على
موعودٍ من الله، واللهُ منْجِزٌ وعده ، وناصرٌ جنده ، ومكانكَ منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخَرز
يجمعه ويمسكه ، فإذا انحلَّ تفرّق وما فيه وذهب ، ثم لم يجتمعْ بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإن كانوا
قليلاً فهم كثيرٌ عزيزٌ بالإسلام ، فأقم مكانَكَ واكتبْ إلى أهل الكوفةِ فهم أعلامُ العرب ورؤساؤهم ،
فليذهبْ منهم التُلثان ويقيم الثُّلث ، واكتب إلى أهلِ البصرة يمدُّوهمُ(٢) أيضاً .
وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدَّهم في جيوش(٣) من أهل اليمن والشام . ووافق عمرُ على
الذهابِ إلى ما بين البصرة والكوفة - فرد عليّ على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة
والكوفة كما تقدم ، وردّ رأيَ عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفاً على بلادهم إذا قلَّ جيوشها
من الروم . ومن أهل اليمن خوفاً على بلادهم من الحبشة . فأعجبَ عمرَ قولُ عليٍّ وسُرَّبه .
وكان عمرُ إذا استشار أحداً لا يبرم أمراً حتى يشاور العباسَ - فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام
عرضه على العباس فقال : يا أمير المؤمنين خَفِّضْ عليكَ ، فإنما اجتمعَ هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم .
ثم قال عمر : أشيروا عليَّ بمن أولّيه أمرَ الحربِ وليكن عراقياً . فقالوا : أنت أبصرُ بجندك يا أميرَ
المؤمنين . فقال : أما والله لأوليَنَّ رجلاً يكون أولَ الأسنّةِ إذا لقيها غداً . قالوا : من يا أميرَ المؤمنين ؟
قال: النُّعمان بن مُقَرِّنٍ. فقالوا٤) : هو لها - وكان النعمانُ قد كتبَ إلى عمر وهو على كَسْكَر(٥) وسأله أن
يعزلَه عنها ويوليه قتالَ أهل نَهاوَنْد - فلهذا أجابه إلى ذلك وَعَّنَه له ، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من
الكوفة بجنود منها ، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بجنود البصرة .
وكتب إلى النعمان - وكان بالبصرة - أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نَهاوند ، وإذا اجتمع الناسُ
فكلُّ أميرٍ على جيشه والأميرُ على الناس كلِّهم النُّعمانُ بن مُقَرِّنٍ . فإذا قُتل فحذيفةُ بن اليَمَان ، فإن قُتل
في أ : عزمت على أمر .
(١)
في ط : يمدونهم ؛ خطأ .
(٢)
(٣)
في أ : بجيوش .
في أ : قالوا .
(٤)
كسكر : كورة واسعة قصبتها واسط التي بين الكوفة والبصرة . معجم البلدان ( ٤/ ٤٦١).
(٥)

٢٢٩
و قعة نهاوند
فجَرير بن عبد الله ، فإن قتل فقَيْس بن مَكْشوح ، فإن قتل قيس ففلان ثم فلان ، حتى عَدَّ سبعةً أحدهم
المُغيرة بن شعبة ، وقيل : لم يُسمَّ فيهم ، والله أعلم .
وصورة الكتاب (١): (( بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين ، إلى النُّعمان بن مُقَرّن
سلامٌ عليكَ ، فإني أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أمّا بعدُ فإنّه قد بلغني أنَّ جموعاً من الأعاجم كثيرةً
قد جمعوا لكم بمدينة نَهاوند ، فإذا أتاكَ كتابي هذا فَسِرْ بأمرِ الله ، وبعونِ الله ، وبنصر الله ، بمن معك من
المسلمين ، ولا توطئهم وعراً فتؤذيَهم، ولا تمنعهم حقَّهم فتكفِّرَهم ، ولا تدخلهم غَيْضَةً ، فإن رجلاً من
المسلمين أحبُّ إليَّ من مئة ألف دينار، والسلام عليك. فَسِرْ في وجهك ذلك حتى تأتي ماه(٢) ؛ فإنّي قد
كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوكَ بها ، فإذا اجتمعَ إليكَ جنودكَ فَسِرْ إلى الفيرُزان ومن جمعَ معه من
الأعاجم من أهل فارس وغيرهم ، واستنصروا وأكثروا مِنْ لا حول ولا قوةَ إلا بالله .
وكتب عمر إلى نائب الكوفة - عبد الله بن عبد الله - أن يعينَ جيشا ويبعثهم(٣) إلى نهاوند ، ولیکُنِ
الأميرُ عليهمٍ حذيفة بن اليَمَان حتّى ينتهيَ إلى النُّعمان بن مُقَرِّنٍ ، فإن قُتل النعمانُ فحذيفة فإن قُتل فنُعيم بن
مقرّن . وولَّى السائب بن الأقرع قَسْمَ الغنائم . فسار حذيفةُ في جيشٍ كثيفٍ نحو النعمان بن مُقَرِّن ليوافوه
بماه ، وسار مع حذيفة خلقٌ كثيرٌ من أمراء العراق ، وقد أرصدَ في كلِّ كورةٍ ما يكفيها من المقاتلة ، وجعل
الحرس في كلِّ ناحية ، واحتاطوا احتياطاً عظيماً ، ثم انتهوا إلى النُّعمان بن مُقَرِّن حيث اتَّعدوا ، فدفع
حُذيفة بن اليمان إلى النُّعمان كتاب عمر وفيه الأمرُ له بما يعتمده في هذه الوقعة ، فكمل جيش المسلمين
في ثلاثين ألفاً من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشَّعبي ، فمنهم من سادات الصحابة ورؤوس العرب خلقٌ
كثيرٌ وجمٌّ غفيرٌ، منهم عبد الله بن عمر أمير المؤمنين ، وجَرير بن عبد الله البَجَلي، وحُذَيْفَة بن اليمان ،
والمُغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب الزُّبيدي ، وطُلَيْحة بن خُوَيْلد الأسدي ، وقَيْس بن مَكْشوح
المُرادي . فسار الناسُ نحو نِهاوند وبعثَ النعمان بن مُقَرّن الأمير بين يديه طليعةً ثلاثة وهم طُلَّيْحة ،
وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، وعمرو بن أبي سلمى (٤) ويقال له عمرو بنُ ثبيّ أيضاً ، ليكشفوا له خبرَ
القوم وما هم عليه . فسارتِ الطليعةُ يوماً وليلةً فرجع عمرو بن ثُبيِّ فقيل له : ما رجعكَ ؟ فقال : كنتُ في
أرض العجم وقَتَلَتْ أرضٌ جاهلَها وقَتَلَ أرضاً عالمُها . ثم رجع بعده عمرو بن معدي كرب وقال : لم
نر(٥) أحداً وخفتُ أن يؤخذَ علينا الطريق ، ونفذ طليحة ولم يحفِل برجوعهما فسار بعد ذلك نحواً من بضعة
(١) بعض هذا الكتاب في تاريخ الطبري (١١٤/٤ _ ١١٥) والكامل لابن الأثير (٩/٣).
(٢) ماه : بالهاء خالصة : قصبة البلد ، ومنه قيل ماه البصرة وماه الكوفة وماه فارس ويقال لنهاوند وهمذان وقمّ ماه
البصرة . معجم البلدان ( ٤٨/٥).
(٣) في أ : ويتبعهم .
(٤) في ط : عمرو بن أبي سلمة ؛ خطأ . وما هنا موافق لتاريخ الطبري .
(٥) في أ : لم أر .

٢٣٠
وقعة نهاوند
عشر فرسخاً حتى انتهى إلى نهاوند ، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحبَّ - ثم رجع إلى النعمان
فأخبره بذلك، وأنه (١) ليس بينه وبين نهاوند شيءٌ يكرهُهُ . فسار النّعمانُ على تعبئته ، وعلى المقدمة
نُعيم بن مقرن ، وعلى المَجْنَبَتَيَّنِ حُذيفة وسُويد بن مُقَرّن، وعلى المجرّدة القعقاع بن عمرو ، وعلى
الساقة مجاشع بن مسعود ، حتى انتهوا إلى الفُرس وعليهم الفيرُزان ، ومعه من الجيش كلّ من غاب عن
القادسية في تلك الأيام المتقدمة ، وهو في مئة وخمسين ألفاً ، فلما تراءى الجمعان كبّر النعمانُ وكبّر
المسلمون ثلاثَ تكبيراتٍ ، فزلزلت الأعاجم ، ورعبوا من ذلك رعباً شديداً .
ثم أمر النعمانُ بحطّ الأثقالِ وهو واقفٌ، فحطَّ الناسُ أثقالَهم ، وتركوا رحالَهم ، وضربوا خيامَهم
وقبابَهم ، وضُربت خيمةٌ للنعمان عظيمةٌ ، وكان الذين ضربوا أربعة عشر من أشرافِ الجيش ، وهم
خُذَيْفة بن اليمان ، وعُتبة بن عمرو ، والمُغيرة بن شعبة ، وبَشير بن الخصاصية ، وحَنظلة الكاتب ، وابن
الهَوْبَر ، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن مَطَر، (وجرير بن عبد الله الحِمْيريّ (٢) ، وجرير بن عبد الله
البَجَلي ، والأقرع بن عبد الله الحِمْيري، والأشْعث بن قَيْس الكِنْدي ، وسعيد بن قيس الهَمْداني ،
ووائل بن حُجْر ، فلم يُرَ بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة ، وحين حَطّوا الأثقال أمرَ النعمانُ
بالقتال وكان يوم الأربعاء ، فاقتتلوا ذلك اليوم والذي بعده والحرب سجالٌ ، فلما كان يوم الجمعة
انحجزوا في حصنهم ، وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله، والأعاجم ( يخرجون ) إذا أرادوا
ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا .
وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلاً من المسلمين ليكلّمه ، فذهب إليه المغيرةُ بن شعبة ، فذكر من
عظمُ(٣) ما رأى عليه من لبسه ومجلسه ، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم ،
وأنهم كانوا أطولَ الناس جوعاً ، وأقلّهم داراً وقدراً ، وقال : ما يمنعُ هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم
بالنُّشاب إلا تنجُّسا٤ً) من جيفكم، فإن تذهبوا نخلِّ عنكم ، وإن تأبَوا؟ نُزِرْكُمُ(٥) مصارٍعَكُم .
قال : فتشهدتُ وحمدتُ الله وقلت : لقد كنا أسوأ حالاً مما٦) ذكرتَ ، حتى بعث الله رسولَه فوعدنا
النصرَ في الدنيا والخيرَ في الآخرة ، وما زلنا نتعرَّف من ربنا النصرَ منذ بعث الله رسولَه إلينا ، وقد جئناكم
في بلادكم وإنا لن نرجعَ إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أو نُقْتلَ بأرضكم .
فقال : أما والله إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه .
في أ : وأن .
(١)
ما بين قوسين ساقط من أوما هنا موافق لتاريخ الطبري (١٢٩/٤).
(٢)
(٣)
في أ : عظمة .
(٤)
فى ط : محاً ؛ خطأ، وما هنا موافق لتاريخ الطبري (١١٨/٤) . .
(٥)
في تاريخ الطبري : نركم .
في أ : كما .
(٦)

٢٣١
و قعة نهاوند
فلما طال على المسلمين هذا الحالُ واستمرّ ، جمع النعمان بن مُقَرّن أهل الرأي من الجيش ،
وتشاوروا في ذلك ، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيدٍ واحدٍ .
فتكلّم عمرو بن أبي سلمى أولاً - وهو أسنُّ من كان هناك - فقال: إن بقاءَهم على ما هم عليه أضرّ
عليهم من الذي يطلبه منهم وأبقى على المسلمين . فردّ الجميعُ عليه وقالوا : إنّا لعلى يقين من إظهار
ديننا ، وإنجاز موعود الله لنا .
وتكلّم عمرو بن معدي كرب فقال : ناهِدْهُم وكائِرُهم ولا تَخَفْهم .
فردّوا جميعاً عليه وقالوا : إنما تناطح بنا الجدران ، والجدرانُ أعوانٌ لهم علينا .
وتكلم طُلَيْحَةُ الأسديُّ فقال : إنهما لم يصيبا ، وإني أرى أن تبعثَ سريةً فتحدق بهم ويناوشوهم
بالقتال ويحمشوهمٌ(١) فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هراباً، فإذا استطردوا وراءهم وانتهو(٢) إلينا عزمنا
أيضاً على الفرار كلّنا ، فإنهم حينئذ لا يشكّون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم ، فإذا
تكاملَ خروجُهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضيَ اللهُ بيننا . فاستجادَ الناسُ هذا الرأيَ ، وأمَّر النعمان
على المجرّدة القعقاع بن عمرو ، وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين أيديهم إذا
برزوا إليهم . ففعل القعقاعُ ذلك ، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاعُ بمنْ معه ثم نكص ثم نكص
فاغتنمها الأعاجمُ ، ففعلوا ما ظنَّ طُلَيْحةُ ، وقالوا : هي هي ، فخرجوا بأجمعهم ولم يبقَ بالبلد من
المُقاتلة إلا من يحفظُ لهم الأبوابَ ، حتى انتهَوْا إلى الجيش ، والنعمانُ بن مقرِّن على تعبئته . وذلك في
صدر نهار جمعة ، فعزم الناس على مصادمتهم ، فنهاهم النعمان وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول
الشمس ، وتهب الأرواح، وينزل النصرُ كما كان رسول الله وَّلَهَ يفعل. وألّ الناس على النعمان في
الحملة فلم يفعل - وكان رجلاً ثابتاً - فلما حانَ الزوالُ صلَّى بالمسلمين ثم ركبَ بِرْذَوْناً له أحْوَى (٣) قريباً
من الأرض ، فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات ، ويقدم على المسلمين أنه
يُكبِّر الأولى فيتأهبُ الناسُ للحملة ، ويُكبِّر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة ، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة .
ثم رجع إلى موقفه . وتعبَّتِ الفرس تعبئةً عظيمةً واصطفّوا صفوفاً هائلة ، في عدد وعُدد لم ير مثله ، وقد
تغلغل(٤) كثيرٌ منهم بعضهم في بعض وألقوا حَسَكَ الحديد وراء ظهورهم حتّى لا يمكنهم الهربُ
ولا الفرارُ ، ولا التحيّز .
ثم إن النعمانَ بن مُقَرّن رضي الله عنه كبَر الأولى وهزّ الرايةَ فتأهّب الناسُ للحملة ، ثم كبّر الثانيةَ وهزَّ
حَمَشَ الرجلَ ؛ أحمشه : أغضبه . اللسان ( حمش ) .
(١)
(٢)
في ط : وانتموا .
الحُوَّة : سواد إلى الخضرة ، ، قيل : حمرة تضرب إلى السواد ، وهو أحوى اللسان ( حوا ) .
(٣)
في أ : ويغلغل .
(٤)

٢٣٢
وقعة نهاوند
الرايةَ فتأهّبوا أيضاً ، ثم كبّر الثالثةَ ( وحمل ) وحمل (١) الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض
على (٢) الفرس كانقضاضِ العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالاً لم يُعْهَدْ مثله في
موقفٍ من المواقف المتقدمة ، ولا سمعَ السامعون بوقعة(٣) مثلها ، قُتل من المشركين ما بين الزوال إلى
الظلام من القتلى ما طبَّقَ وجهَ الأرض دماً ، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه ، حتى قيل : إن الأمير
النعمان بن مُقَرِّن زلق به حصانُه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهمٌّ في خاصرته ( فقتله ) ، ولم يشعر به أحدٌ
سوى أخيه سُوَيْد ، وقيل نُعَيْم ، وقيل غَطّاهُ بثوبه ، وأخفى موتَه ، ودفع الرايةَ إلى حُذيفة بن اليمان ،
فأقام حذيفة أخاه نعيماً مكانَه ، وأمر بكتم موته حتى ينفصلَ الحالُ لئلا ينهزم الناس .
فلما أظلم الليلُ انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون وكان الكُفّار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفاً
بالسلاسل وحفروا حولهم خندقاً ، فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية نحو مئة ألف وجعلوا
يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشرٌ كثيرٌ نحو مئة ألف أو يزيدون ، سوى منْ قُتل في المعركة ،
ولم يُفلت منهم إلا الشَّريد . وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم واتبعه نُعيم بن
مُقَرّن ، وقدم القعقاع بين يديه وقصد الفيرزان هَمَذان فلحقه القَعْقَاعُ وأدركه عند ثنية هَمَذان ، وقد أقبل
منها بغالٌ كثيرٌ وحُمُر تحمل عسلاً ، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم ، وذلك لحينه فترجَّلَ وتعلَّق في
الجبل فاتبعه القعقاعُ حتى قتله ، وقال المسلمون يومئذ : إنَّ لله جنوداً من عسل ، ثم غنموا ذلك العسل
وما خالطه من الأحمال وسُمِّتْ تلك الثَّيَةُ ثَنِيَّةَ العسل . ثم لحق القعقاعُ بقيةَ المنهزمين منهم إلى هَمَذان
وحاصرها وحوى ما حولها ، فنزل إليه صاحبُها - وهو خُسْرَشَنُوم - فصالحه عليها . ثم رجع القعقاع إلى
حُذيفة ومنْ معه من المسلمين ، وقد دخلوا بعد الواقعةِ نهاوند عنوةً ، وقد جمعوا الأسلابَ والمغانمَ إلى
صاحب الأقباض(٤)، وهو السائبُ بن الأقرع. ولما سمع أهلُ ماه بخبر أهل هَمَذان بعثوا إلى حُذَيْفة
وأخذوا لهم منه(٥) الأمان، وجاء رجل يقال له الهِرْبذ(٦) - وهو صاحب نارهم - فسأل من حذيفة الأمان
ويدفع إليهم وديعةً لكسرى ، ادخرها لنوائب الزمان ، فأمَّنه حُذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءين(٧)
جوهراً ثميناً لا يُقَوَّم ، غير أنّ المسلمين لم يَعْبَؤُوا به ، واتَّفق رأيهم على بعثه (٨) لعمر خاصة ، وأرسلوه
(١) في هامش أ : قال : إني داع فأمنوا على دعائي ثم قال : اللهم ارزقني الشهادة بنصر المسلمين وافتح عليهم ؛ فأمن
القوم على دعائه ، ثم إن النعمان بن مقرن رضي الله عنه ...
(٢)
في أ : نحو .
(٣)
في أ : بموقعة .
الأقباض جمع قَبَضَ وهو ما جُمع من الغنائم قبل أن تُقسم . اللسان ( قبض ) .
(٤)
(٥)
في أ : بقية .
في أ ، ط : الهرند وما هنا عن تاريخ الطبري (١٣٣/٤).
(٦)
في ط : مملوءتين . وما هنا أقرب للسياق اللغوي .
(٧
في أ : بعثهم .

٢٣٣
وقعة نهاوند
صحبةَ الأخماس والسبي صحبةَ السائب بن الأقْرع ، وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم ، ثم قسم
حُذَيْفة بقيةَ الغنيمة في الغانمين ، ورضخ ونفل لذوي النجدات ، وقسم لمن كان قد أرصد من الجيوش
لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم ، ومن كان ردءاً لهم ، ومنسوباً إليهم ، وأما أمير المؤمنين فإنّه (١) كان
يدعو اللهَ ليلاً ونهاراً لهم ، دعاءَ الحوامل المقربات ، وابتهال ذوي الضرورات ، قد استبطأ الخبر عنهم
فبينا رجل ( من المسلمين ) ظاهرَ المدينة إذا هو براكبٍ فسأله من أين أقبل ؟ فقال : من نهاوند . فقال :
ما فعلَ الناسُ ؟ قال : فتحَ الله عليهم وقُتل الأميرُ ، وغنم المسلمون غنيمةً عظيمة أصاب الفارسَ ستَةٌ
آلافٍ ، والراجلَ ألفان. ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينةَ فأخبر الناسَ وشاعَ الخبرُ حتى بلغ أمير المؤمنين
فطلبه فسأله عمَّن أخبره ، فقال : راكب . فقال : إنه لم يجئني ، وإنما هو رجل من الجنّ وهو يريدُهم
واسمه عُثَيْم ، ثم قدم طَريف بالفتح بعد ذلك بأيام ، وليس معه سوى الفتح ، فسأله عمَّنْ قتل(٢) النعمانَ ،
فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماسُ ، فأخبروا بالأمر على جليته ، فإذا ذلك الجني قد شهدَ
الوقعةَ ورجع سريعاً إلى قومه نذيراً . ولما أُخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب عمَّنْ قُتل من
المسلمين فقال : فلان وفلان وفلان ، لأعيان الناس وأشرافهم .
ثم قال وآخرون من أفناء(٣) الناس ممَّن لا يعرفهم أمير المؤمنين فجعل يبكي ويقول : وما ضرهم أن
لا يعرفهم أمير المؤمنين ؟ لكنَّ الله يعرفهم وقد أكرمهم الله بالشهادة ، وما يصنعون بمعرفة عمر . ثم أمر
بقسمة الخُمْسِ على عادته ، وحُملت ذانك السفطان إلى منزل عمر ، ورجعت الرسلُ ، فلما أصبح عمر
طلبهم فلم يجدهم ، فأرسل في إثرهم البُرُدَ فما لحقهم البريدُ إلا بالكوفة .
قال السائب بن الأقرع : فلما أنختُ بعيري بالكوفة ، أناخَ البريدُ على عرقوب بعيري ، وقال : أجبْ
أميرَ المؤمنين ، فقلت : لماذا؟ فقال : لا أدري . فرجعنا على إثرنا ، حتى انتهيتُ إليه . قال : مالي
ولك يا ابنَ أمّ السائب ، بل ما لابن أمّ السائب ومالي ، قال : فقلتُ : وما ذاك يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال :
ويحكَ ! والله إن هو إلا أن نمتُ في الليلة التي خرجتَ فيها فباتت ملائكةُ الله تسحبني إلى ذينك(٤) السفطين
وهما يشتعلان ناراً ، يقولون لَنَكْوِيَنَّكَ بهما . فأقول : إني سأقسمهما بين المسلمين . فاذهبْ بهما
لا أبالكَ فبعْهُما فاقسمهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم ، فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تَدْرِ أنتَ معهم .
قال السائب : فأخذتُهما حتى جئتُ بهما مسجدَ الكوفة وغشيتْي التجارُ فابتاعهما مني عمرو بن
حُرَيْث المَخْزومي بألفَيْ ألفٍ . ثم خرج بهما إلى أرضِ الأعاجم فباعَهما بأربعةِ آلافٍ ألفٍ . فما زال أكثرَ
أهلِ الكوفة مالاً بعد ذلك .
(١) في أ : وكان .
(٢) في أ : فسأله عمر عن قتال النعمان .
(٣) أفناد : جماعات متفرقين . اللسان ( فند ) .
(٤) في أ : تستحثني إلى ذلك . والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ١١٧).

٢٣٤
فتح أصبهان
قال سيف : ثم قسم ثمنَهما بين الغانمين فنالَ كلّ فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين .
قال الشعبي : وحصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف وللراجل ألفان وكان المسلمون ثلاثين ألفاً.
قال : وافتُتحتْ نهاوندُ في أول سنة تسعَ عشرةَ لسبع سنين من إمارة عمر .
ورواه سيفٌّ عن عمرو بن محمد عنه. وبه عن الشعبي قال: لما قدم سبي(١) نهاوند إلى المدينة جعل
أبو لؤلؤة - فيروز غلام المغيرة بن شعبة - لا يلقى منهم صغيراً إلا مسح رأسه وبكى وقال: أكل عُمر كبدي
- وكان أصل أبي لؤلؤة من نهاوند ، فأسرته الرومُ أيامَ فارس وأسرته المسلمون بعد ، فنسب إلى حيث
سُبي(٢) - قالوا : ولم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، وأتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين(٣) تشريفاً
لهم وإظهاراً لشأنهم .
[ فتح أصبهان (٤) ]
وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضاً بعد نهاوند مدينة جيّ - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور
طويلة ، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح ، وفرّ منهم ثلاثون نفراً إلى
كرمان لن يصالحوا المسلمين . وقيل : إن الذي فتحُ(٥) أصبهان هو النعمان بن مُقَرّن وأنه قتل بها ، ووقع
أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشقّ بطنه ومات وانهزم أصحابه .
والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان - الذي كان نائب الكوفة .
وفيها افتتح أبو موسى ثُمّ وقاشان(٦) ، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان (٧) .
وذكر ابن جرير(٨) عن الواقدي : أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس قال : وهي برقة
فافتتحها صلحاً على ثلاثة عشر ألف دينار في كل سنة .
في أ : لما قدم بسبي .
(١)
تاريخ الطبري (١٣٦/٤ ) .
(٢)
في أ : وألحق عمر الذين أبلو في ألفين .
(٣)
أصبهان : مدينة عظيمة مشهورة في بلاد فارس. معجم البلدان (١/ ٢٠٦ - ٢١٠).
(٤)
(٥)
في أ : افتتح .
(٦)
قم بالضم ، وتشديد الميم ، وهي كلمة فارسية : مدينة تذكر مع قاشان ، وهي مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر
للأعاجم فيها . معجم البلدان (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨). وقاشان : مدينة قرب أصبهان ، بينهما ثلاث مراحل . معجم
البلدان (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧ ).
كرمان : هي ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان
(٧)
وخراسان .
في تاريخه (٤ / ١٤٤).
(٨)

٢٣٥
وفيات سنة ٢١هـ
قال : وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح ، وصار ما بين برقة
إلى زويلة سلماً للمسلمين .
قال : وفيها ولَّى عمرُ عمار بن ياسر على الكوفة بدل زياد بن حنظلة الذي ولاه بعد عبد الله بن
عبد الله بن عِتْبان ، وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال ، فاشتكى أهل الكوفة من عمار فاستعفى
عمار من عمله ، فعزله وولّى جُبَيْر بن مُطْعم، وأمره أن لا يُعلم أحداً ، وبعث المُغيرة بن شعبة امرأته إلى
امرأة جبير يعرض عليها طعاماً للسفر فقالت : اذهبي فأتيني به . فذهب المغيرة إلى عمر فقال : بارك الله
يا أمير المؤمنين فيمن وليت على الكوفة . فقال : وما ذاك ؟ وبعث إلى جُبير بن مطعم فعزله وولى
المُغيرة بن شعبة ثانية ، فلم يزل عليها حتى مات عمر رضي الله عنهم .
قال : وفيها حجَّ عمر واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، وكان عُمَّالُهُ على البلدان المتقدمون في
السنة التي قبلها سوى الكوفة .
قال الواقدي : وفيها توفي خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب . وقال غيره توفي
سنة ثلاث وعشرين ، وقيل بالمدينة . والأول أصح .
وقال غيره : وفيها توفي العلاء بن الحضرمي فولَّى عمرُ مكانَه أبا هريرة . وقد قيل إن العلاء توفي قبل
هذا كما تقدم ، والله أعلم .
وقال ابن جرير فيما حكاه عن الواقدي : وكان أمير دمشق في هذه السنة عمير بن سعيد ، وهو أيضاً
على حمص وحوران وقنَّسرين والجزيرة ، وكان معاوية على البلقاء والأردن ، وفلسطين والسواحل
وأنطاكية ، وغير ذلك .
ذكر من توفي [ في هذه السنة - أعني ] سنة إحدى وعشرين -
خالد بن الوليد(١) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزوم القرشي أبو سُليمان المَخْزومي ، سيفُ
الله، أحد الشجعان المشهورين ، لم يُقهر في جاهليةٍ ولا إسلام. وأمُّه ، عَصْماء بنت الحارث ، أخت
لبابة(٢) بنت الحارث ، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين .
(١) ترجمة - خالد بن الوليد - في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٥٢ و٣٩٤/٧) والاستيعاب (٤٢٧/١ - ٤٣١) وتاريخ دمشق
- ط دار الفكر - (٢١٦/١٦ - ٢٨٢) ومختصره لابن منظور (٥/٨ - ٢٧) وجامع الأصول ( ٤١٧/١٣ - ٤١٩)
وأسد الغابة (١٠٩/٢ -١١٢) وتهذيب الأسماء واللغات (١٧٢/١ - ١٧٤) وسير أعلام النبلاء (٣٦٦/١ - ٣٨٤)
والإصابة ( ٣/ ٧٠) وبدران (٩٥/٥ - ١١٧).
قال ابن الأثير: وأمه لبابة الصغرى وقيل الكبرى، والأكثر الأول بنت الحارث أخت ميمونة زوج النبي وقَله . جامع
الأصول ( ١٣ / ٤١٨) وقال ابن عساكر (٢٢٢/١٦): وأمه لبابة الكبرى ويقال لها : عصماء بنت الحارث ...

٢٣٦
وفيات سنة ٢١ هـ
قال الواقدي : أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان ، وشهد مؤتة وانتهت إليه الإمارة يومئذ عن غير
إمرة ، فقاتل يومئذ قتالاً شديداً لم يُرَ مثله ، اندقّت في يده تسعةُ أسيافٍ ، ولم تثبت في يده إلا صفيحة
يمانية. وقد قال رسول الله وَالله: ((أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها
عبد الله بن رواحة فأصيب ، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه )(١)
وقد رُويَ أن خالداً سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحثّ في طلبها فعوتب في
ذلك، فقال: إن فيها شيئاً من شعر ناصية رسول الله وَ ل﴿ه، وإنها ما كانت معي في موقف إلا نُصرتُ
بها٢)
وقد روينا في مسند أحمد(٣) من طريق الوليد بن مسلم ، عن وَحْشي بن حرب ، عن أبيه ، عن جدّه
وَحْشي بن حرب ، عن أبي بكر الصديق أنه لما أمَّر خالداً على حرب أهل الردة قال : سمعت
رسول الله وَله يقول: ((نعم عبدُ الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيفٌ من سيوف الله
سلَّه الله على الكفار والمنافقين)). وقال أحمد٤): حدَّثنا حسين الجعفي عن زائدة عن عبد الملك بن
عمير قال : استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد ، فقال خالد : بعث إليكم
أمين هذه الأمة، سمعتُ رسول الله بَّر يقول: ((أمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) فقال أبو عبيدة :
سمعت رسول الله وَلل يقول: ((خالدٌ سيفٌ من سيوف الله نِعْمَ فَتى العشيرة)).
وقد أورده ابن عساكر(٥) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، وأبي هريرة ، ومن طرق مرسلة يقوي
بعضها بعضاً .
وفي الصحيحُ(٦): ((وأما خالدٌ فإنكم تظلمون خالداً وقد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله)).
وشهد الفتح وشهد حنيناً وغزا بني جذيمة أميراً في حياته عليه السلام . واختلف في شهوده خيبر
( وقد دخل مكةَ أميراً على طائفة من الجيش وقتل خلقاً كثيراً من قريش ، كما قدمنا ذلك مبسوطاً في
موضعه ولله الحمد والمنة. وبعثه رسول الله وَّله إلى العزى - وكانت لهوازن - فكسر قمّتها أولاً ثم
(١)
المغازي .
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (٢٠٤/١ ) والبخاري في صحيحه ( ٣٧٥٧) في فضائل الصحابة و(٤٢٦٢) في
(٢)
هذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٩٩/٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤٦/١٦) من طريق هشيم عن
عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، عن خالد بن الوليد . وذكره البوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة (٧٦٦٨)
وقال: ((رواه أبو يعلى بسند صحيح)).
مسند الإمام أحمد (٨/١) وهو حديث حسن ، وهذا إسناد ضعيف لجهالة حرب بن وحشي.
(٣)
(٤)
مسنده ( ٤/ ٩٠ ) وهو حديث حسن .
في تاریخ دمشق (٢٣٩/١٦ - ٢٤٥).
(٥)
صحيح البخاري (١٤٦٨) في الزكاة، وصحيح مسلم ( ٩٨٣) (١١) في الزكاة .
(٦)

٢٣٧
وفيات سنة ٢١ هـ
دعثرها١) وجعل يقول: يا عُزَّى كفرانك لا سبحانك . إني رأيت الله قد أهانك. ثم حرقها) وقد
استعمله الصدّيق بعد رسول الله وَيّ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة ، فشفى واشتفى، ثم وجهه إلى
العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقرُّ بِهَا القلوب والعيون ، وتَتَشَنَّفُ بها
الأسماع . ثم عزله عمر عنها وولَّى أبا عبيدة وأبقاه مستشاراً في الحرب ، ولم يزل بالشام حتى مات على
فراشه رضي الله عنه .
وقد روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال : لما حضرت خالداً الوفاةُ بكى ثم
قال : لقد حضرتُ كذا وكذا زحفاً ، وما في جسدي شبرٌ إلا وفيه ضربةُ سيفٍ ، أو طعنةٌ برمحٍ ، أو رميةٌ
بسهمٍ ، وها أنا أموت على فراشي حتفَ أنفي كما يموت البعيرُ ، فلا نامت(٢) أعينُ الجبناء.
وقال أبو يعلى (٣): حدَّثنا سرَيجُ(٤) بن يونس ، حدَّثنا يحيى بن زكريا ، عن إسماعيل بن أبي خالد ،
عن قيس . قال : قال خالد بن الوليد : ما ليلة يُهدى إليَّ فيها عروس، أو أَبَشَّرُ فيها بغلامٍ بأحبّ إليَّ من
ليلةٍ شديدةِ الجليد في سَريّة من المهاجرين أُصَبِّح بهم العدو(٥).
وقال أبو بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن خَيْئَمة قال: أُتِيَ خالدٌ برجلٍ معه زقُ خمرٍ فقال : اللهمّ
اجعله عسلاً، فصارَ عسلاً . وله طرق ، وفي بعضها مرَّ عليه رجلٌ معه زقُّ خَمرٍ فقال له خالد : ما هذا ؟
فقال: عَسَلٌ فقال : اللهم اجعله خلاً ، فلما رجع إلى أصحابه قال : جئتكم بخمرٍ لم يشربِ العربُ
مثلَه ، ثم فتحه فإذا هو خلٌّ ، فقال أصابته والله دعوة خالدٍ رضي الله عنه .
وقال حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أنس. قال: لقي(٦) خالد عدواً له فولَّى عنه المسلمون منهزمين
وثبتَ هو وأخو البراء بن مالك ، وكنت بينهما واقفاً ، قال : فنكسَ خالدٌ رأسه ساعةً إلى الأرض ثم رفع
رأسه إلى السماء ساعةً - قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا - ، ثم قال لأخي البراء : قم ، فركبا ،
واختطب خالد منْ معه من المسلمين وقال : ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل. ثم حمل بهم فهزم
المشركين .
وقد حكى مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكر : اكتب إلى خالد أن لا يعطي شاةً ولا بعيراً إلا
بأمرك . فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك ، فكتب إليه خالد : إما أن تدعني وعملي ، وإلا فشأنك بعملك .
فأشار عليه عمر بعزله ، فقال أبو بكر : فمن يجزي عني جزاء خالد ؟ قال عمر : أنا . قال : فأنت ،
(١) دعثر: هدم وصرع وكسر. اللسان (دعثر) .
(٢)
في أ : فلا عاشت .
مسند أبي يعلى الموصلي (١٣/ ١٤١) رقم (٧١٨٥) وإسناده صحيح .
(٣)
(٤)
في ط : شريح ؛ تحريف .
في مسند أبي يعلى : بها .
(٥)
في أ : التقى .
(٦)

٢٣٨
وفيات سنة ٢١ هـ
فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار(١) ، ثم جاء الصحابة فأشاروا على الصديق بإبقاء عمر بالمدينة وإبقاء
خالد بالشام . فلما ولي عمر كتب إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد بمثل ذلك فعزله ، وقال : ما كان
( الله ) ليراني آمر أبا بكر بشيء لا أنفذه أنا .
وقد روى البخاري في (( التاريخ))(٢) وغيره من طريق عُلَي بن رباح عن ناشرة بن سُمي اليَزَني(٣)،
قال : سمعتُ عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد ، فقال : أمرتُه أن يحبسَ هذا المالَ على ضعَفَةِ
المهاجرين ، فأعطاه ذا البأس ، وذا الشرف واللسان ، وأمَّرْتُ أبا عبيدة . فقال أبو عمرو بن حفص بن
المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعتَ عاملاً استعمله رسول الله وَّل، ووضعتَ لواءً رفعه
رسول الله وَّله، وأغمدت سيفاً سلَّه الله، ولقد قطعتَ الرحم، وحسدتَ ابنَ العمّ. فقال عمر: إنك
قريبُ القرابة ، حديثُ السن مغضبٌ في ابن عمك .
قال الواقدي رحمه الله ، ومحمد بن سعد وغيرُ واحد : مات سنة إحدى وعشرين بقريةٍ على ميلٍ من
حمص ، وأوصى إلى عمر بن الخطاب . وقال دُحيم وغيره : مات بالمدينة . والصحيحُ الأولُ . وقدمنا
( فيما سلف ) تعزير عمر له حين أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف ، وأخذه من ماله عشرين ألفاً أيضاً .
وقدمنا عتبهُ عليه لدخوله الحمّام وتدلكه بعد النورة بدقيقِ عصفرٍ معجونٍ بخمر ، واعتذار خالد إليه بأنه
صار غسولاً .
وروينا عن خالد أنه طلَّق امرأةً من نسائه وقال : إني لم أطلقها عن ريبة ، ولكنها لم تمرض عندي ولم
يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها .
وروى سيف وغيره : أن عمر قال حين عزل خالداً عن الشام ، والمثنى بن حارثة عن العراق : إنما
عزلتهما ليعلم الناسُ أنَّ اللهَ نصرَ الدِّين لا بنصرهما وأن القوةَ لله جميعاً .
وروى سيفٌ أيضاً أن عمر قال حين عزل خالداً عن قِنَّسرين وأخذ منه ما أخذ : إنك عليَّ لكريمٌ ،
وإنك عندي لعزيزٌ ، ولن يصل إليك مني أمرٌ تكرهه بعد ذلك .
وقد قال الأصمعي : عن سَلَمة، عن بلال ، عن مُجالد ، عن الشَّعبي قال : اصطرع عمر وخالد
وهما غلامان - وكان خالد ابنَ خالِ عمر - فكسر خالدٌ ساقَ عمر ، فعُولجت وجُبرت ، وكان ذلك سببَ
العداوة بينهما٤) .
وقال الأصمعي ، عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال : دخل خالد على عمر وعليه قميص حرير
في أ : فعزم به حتى أنيخت الركائب في الدار .
١
التاريخ الأوسط المطبوع باسم التاريخ الصغير (٥٧/١) والخبر أيضاً أخرجه أحمد في مسنده ( ٤٧٥/٣).
١)
(٣)
في ط: (( ياسر بن سمي البرني))، والصواب ما أثبتنا ، وهو من رجال التهذيب .
في إسناد هذه القصة مجالد بن سعيد ، وهو ضعيف .
(٤)

٢٣٩
وفيات سنة ٢١ هـ
فقال عمر : ما هذا يا خالد ؟ فقال : وما بأسٌ يا أميرَ المؤمنين ، أليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف ؟
فقال : وأنت مثل ابن عوف ؟ ولك مثل ما لابن عوف ؟ عزمتُ على منْ بالبيت إلا أخذَ كلُّ واحد منهم
بطائفة مما يليه . قال : فمزَّقوه حتى لم يبق منه شيء(١) .
وقال عبد الله بن المبارك : عن حماد بن زيد ، حدَّثنا عبد الله بن المختار ، عن عاصم بن بهدلة عن
أبي وائل - ثم شك حماد في أبي وائل - قال: ولما حضرت خالدَ بن الوليد الوفاةُ قال(٢): لقد طلبتُ
القتلَ في مظانّه فلم يُقَدَّر لي إلا أن أموتَ على فراشي. وما من عملي شيءٌ أَرْجَى عندي بعد لا إله إلا الله
من ليلة بتُّها وأنا مُتَتَرّسٌ والسماء تهلّني ننتظر الصبح(٣) ، حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا متُّ
فانظروا إلى سلاحي وفرسي(٤) فاجعلوه عدّة في سبيل الله . فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله :
ما على آل نساء الوليد أن يَسْفَحْنَ على خالدٍ من دموعِهِنَّ ما لم يكن نَقْعاً أو لَقْلَقَةً .
قال ابن المختار : النقع : التراب على الرأس ، واللقلقة : الصوت .
وقد علّق البخاري في صحيحه(٥) بعض هذا فقال : وقال عمر : دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم
يكن نقعٌ أو لقلقةٌ .
وقال محمد بن سعد(٦) : حدّثنا وكيع وأبو معاوية وعبد الله بن نمير قالوا: حدَّثنا الأعمش ، عن
شقيق بن سلمة قال : لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل
لعمر : إنهنَّ قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهنّ خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره . فأرسلْ إليهنَّ
فانههنَّ . فقال عمر : وما عليهنَّ أن ينزفن من دموعهنّ على أبي سليمان ، ما لم يكن نقعاً أو لقلقة .
ورواه البخاري في (( التاريخ)(٧) من حديث الأعمش بنحوه .
وقال إسحاق بن بشر وقال محمد : مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه
وتقول(٨): [ من الخفيف ]
(١) رخص رسول الله وَ ير لعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير لحكة كانت في جسده والخبر في ذلك أخرجه أحمد في
مسنده (١٢٢/٣ و١٢٧) والبخاري في صحيحه (٢٩١٩ - ٢٩٢٢). في الجهاد ورقم (٥٨٣٩) في اللباس ،
ومسلم في صحيحه ( ٢٠٧٦) في اللباس . وغيرهم .
(٢)
الخبر في سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨١) والإصابة (٧٤/٣).
(٣)
في ط : تهلني تمطر إلى الصبح .
(٤)
في أ : وقوسي .
صحيح الإمام البخاري معلقاً - فتح الباري - ( ٣/ ١٦٠ عقيب الحديث ١٢٩٠ ).
(٥)
(٦)
الطبقات الكبرى (٢٥٣/٤) .
التاريخ الأوسط المنشور باسم الصغير (٤٦/١ - ٤٧).
(٧)
الخبر في سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨١) وقال الذهبي : ويروى بإسناد ساقط أن عمر خرج في جنازة خالد بالمدينة .
(٨)

٢٤٠
وفيات سنة ٢١ هـ
أنتَ خيرٌ من ألفِ ألفٍ(١) من القوم إذا ماكُبَّتْ وُجوهُ الرِّجالِ
فقال : صدقتِ ( واللهِ ) إن كان لكذلك .
وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالمُ(٢) . قال : فأقام خالدٌ في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد
زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به . وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج ، واشتكى(٣) خالد
بعد٤) ، وهو خارج من المدينة زائراً لأمه فقال لها : احدُروني إلى مهاجري ، فقدمت به المدينة ومرّضته
فلما ثقل وأظل(٥) قدوم عمر ( لقيه لاقٍ على مسيرة ) ثلاث صادراً عن حجه فقال له عمر: مَهْيَمُ(٦)
فقال : خالد بن الوليد ثقيلٌ لما به . فطوى عمر ثلاثاً في ليلة فأدركه حين قَضَى ، فرقَّ عليه واسترجع
وجلس ببابه حتى جُهّز ، وبكَتْهُ البواكي ، فقيل لعمر : ألا تسمعُ؟ ألا تَنْهاهن ؟ فقال : وما على نساءٍ
قريشٍ أن يبكينَ أبا سليمان ؟ ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقةٌ . فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محترفة تبكيه
وتقول : [ من الخفيف ]
سِ إذا ما كُبَّتْ وجُوه٧ُ) الرِّجالِ
أنتَ خيرٌ منْ ألف ألفٍ منَ النا
ـثِ عَرِينٍ جِهِمُ(٨) أبي أشبالِ
أَشِّجَاعٌ فأنتَ أشجعُ منْ ليـ
رئاسٍ(٩) يَسيل١٠ُ) بين الجبال
أجَوادٌ فأنتَ أجْودُ منْ سَيْلِ
فقال عمر : مَنْ هذه؟ فقيل له : أمّه . فقال أمُّه - والإلّه - ثلاثاً . وهل قامت النساء عن مثل خالد.
قال : فكان عمر يَتَمثَّل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه : [ من الوافي ]
ولا تبكي فوارسَ كالجبالِ
أتبكي ما وصلْتَ بهِ الندامى
من الإذهابِ والعكرِ ١١) الجلال(١٢)
أولئكَ إنْ بكيتَ أشدُّ فقداً
في أ : ألفِ ألفِ ألفٍ ، ولا يستقيم الوزن بها .
(١)
الخبر في تاريخ دمشق (١٦ / ٢٧٠) .
(٢)
في أ : ظن عمر أن قد سبله ونصر الناس حج وقد عزم على توليته واشتكى خالد .
(٣)
في ط : بعده . وما هنا موافق لتاريخ دمشق .
(٤)
(٥)
في أ : وأطال .
في أ، ط : تهم ؛ تحريف وما هنا عن تاريخ دمشق . ومهيم : كلمة استفهام أي ما حالك ؟ وما شأنك ؟ أو
(٦)
ما وراءك ؟ القاموس ( مهيم ) .
في أ : إذا ما كنت من وجوه .
(٧)
(٨)
في ط : ضمر بن جهم ، وفي تاريخ دمشق : عرين حميم .
في ط وتاريخ دمشق : دياس ؛ وما هنا عن مختصر ابن منظور ، وفي اللسان : رأس السيل الغثاء جمعه واحتمله .
(٩)
(١٠) في أ : من سيل قد سال من الجبال ؛ ولا يستقيم الوزن بها .
(١١) العكر : ما بين الخمسين والمئة من الإبل.
(١٢) البيت في أ: كثير التحريف.