Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ردة أهل عمان ومهرة اليمن
أنتَ في شأنٍ ، وعلمتَ اللَّهم كلَّ شيءٍ علماً ، قال : فعلمتُ أنَّ القوم لم يعانوا بالملائكة إلَّ وهم على أمر
الله ، قال : فحسُنَ إسلامه وكان الصحابةُ يسمعون منه .
ذكرُ ردَّةٍ أَهل عُمان ومَهَرَةُ(١) الیَمَنِ
أما أهل عُمان فنبغُ(٢) فيهم رجلٌ يقال له : ذو التّاجِ لَقيطُ بن مالك الأَزدي ، وكان يُسَمَّى في الجاهلية
الجُلَنْدَى ، فادّعى النُّوَّة أيضاً ، وتابعَهُ الجَهَلَةُ من أهل عُمان ، فتغلّب عليها وقهر جيفراً وعباداً وألجأهما
إلى أطرافها ، من نواحي الجبال والبحر ، فبعثَ جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه ، فبعث إليه
الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري ، وعرفجة البارقي من الأزد ؛ حذيفة إلى عمان ،
وعرفجة إلى مهرة ، وأمرهما أن يجتمعا ويتّفقا ويبتدئا بعُمان ، وحذيفة هو الأمير فإذا ساروا إلى بلاد مهرة
فعرفجة الأمير .
وقد قدمنا أن عكرمة بن أبي جهل لمّا بعثه الصديقُ إلى مسيلمةَ وإتباعِه بشرحبيل بن حسنة ، عجّل
عكرمةُ وناهضَ مسيلمةَ قبلَ مجيءٍ شرحبيل ليفوز بالظّفر وحدَه ، فناله من مسيلمة قرحٌ والذين معه ،
فتقهقر حتى جاء خالدُ بن الوليد ، فقهرَ مسيلمة كما تقدّم ، وكتب إليه الصديق يلومُه على تسرُّعه ، قال :
لا أرينَّك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، وأمره أن يلحقَ بحذيفة وعرفجة إلى عُمان، وكل منكم أميرٌ على
جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس ، فإذا فرغتُم فاذهبوا إلى مهرة ، فإذا فرغتُم منها فاذهب إلى
اليمن وحضرموت فكن مع المُهاجر بن أبي أمية ، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن
فنكِّلْ به ، فسار عكرمةُ لما أمره به الصديق ، فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان ، وقد كتب
إليهما الصديق إن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ من السير من عُمان أو المقام بها ، فساروا فلما اقتربوا
من عمان راسلوا جيفراً ، وبلغَ لقيطَ بن مالك مجيءُ الجيش ، فخرجَ في جموعه فعسکر بمكانٍ يقال له :
دب(٣) ، وهي مصر تلك البلاد وسوقُها العُظمى ، وجعل الذراري والأموال وراءَ ظهورهم ليكونَ أقوى
لحربهم ، واجتمع جيفر وعباد بمكانٍ يقال له صُحار(٤) ، فعسكرا به وبعثا إلى أمراء الصديقِ فقدموا على
المسلمين ، فتقابل الجيشان هنالك ، وتقاتلوا قتالاً شديداً ، وابتُلي المسلمون وكادوا أن يُولُّوا ، فمنَّ الله
(١) خبر ردة أهل عمان ومهرة اليمن في تاريخ الطبري (٣١٣/٣) والكامل لابن الأثير (٣٧٢/٢)، وقال ياقوت :
ومَهْرة - بالفتح ثم السكون - هكذا يرويه عامة الناس ، والصحيح : مَهرة بالتحريك وجدته بخطوط جماعة من أئمة
العلم القدماء لا يختلفون فيه . وباليمن لهم مخلاف يقال بإسقاط المضاف إليه ، وبينه وبين عمان نحو شهر وكذلك
بينه وبين حضرموت . معجم البلدان ( ٢٣٤/٥) .
(٢)
نبغ منه شاعر : خرج ، ونبغ الشيء : ظهر اللسان ( نبغ ) .
(٣)
دبا بفتح أوله والقصر : سوق من أسواق العرب بعمان وكانت قديماً قصبة عمان. معجم البلدان ( ٤٣٦/٢) .
(( صُحار)): قصبة عُمان مما يلي الجبل ، وتؤام قصبتها ممايلي الساحل ، وقال البكري صحار في بلاد بني تميم
(٤)
باليمامة أو ما يليها . معجم البلدان ( ٣/ ٣٩٣) ومعجم ما استعجم ( ٨٢٥).

٤٢
ردة أهل عمان ومهرة اليمن
بكرمه ولطفه أن بعثَ إليهم مَدداً ، في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس ، في جماعةٍ من الأمراءِ ،
فلما وصلوا إليهم كان الفتحُ والنصرُ ، فولَّى المشركون مُدْبرين ، وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم
عشرة آلاف مقاتل، وسَبَوا الذراري ، وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخُمْس إلى الصديق
رضي الله عنه مع أحد الأمراء ، وهو عرفجة ، ثم رجع إلى أصحابه .
وأما مهرة فإنهم لما فرغوا من عُمان كما ذكرنا ، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة ، بمن معه من
الجيوش ومن أضيف إليهم ، حتى اقتحم على مَهرة بلادها ، فوجدهم جندين ؛ على أحدهما - وهم
الأكثر - أميرٌ يُقالُ له : المصبح ، أحد بني محارب ، وعلى الجند الآخر أمير يُقال له : شخريت ، وهما
مختلفان ، وكان هذا الاختلاف رحمةً على المؤمنين ، فراسل عكرمةُ شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة
فقوي بذلك المسلمون ، وضعف جأش المصبح ، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة ،
فاغترّ بكثرةٍ منْ مَعهُ ومخالفةً لشخريت ، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمةُ بمنْ معه من الجنود فاقتتلوا
مع المصبح أشدَّ من قتال دبا المتقدم ، ثم فتحَ اللهُ بالظفر والنصر ، ففر المشركون وقتل المصبح ، وقتل
خلقٌ كثيرٌ من قومه ، وغنم المسلمون أموالهم ، فكان في جملة ما غنموا ألفا نجيبة ، فَخْمَّسَ عكرمة ذلك
كله وبعثَ بخُمْسه إلى الصديق مع شخريت ، وأخبره بما فتح الله عليه ، والبشارة مع رجل يقال له :
السائب ، من بني عابد من مخزوم ، وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم : [ من الطويل ]
وَفِرضمَ إذ سارَت إلينا الحلائبُ
جَزَى اللهُ شخريتاً وأفناء هاشمُ(١)
ولم يَرْجُها فيما يُرجّى الأقاربُ
جَزاءَ مُسيءٍ لم يُراقب لذمَّةٍ
لضاقَت عليكُم بالفَضاءِ المذاهبُ
أعِكْرِمُ لولا جَمعُ قومي وفِعلُهُم
وَحلَّتْ علينا في الدُّهورِ النوائِبُ
وكُنَّا كمَن إقتادَ كَفَّاً بأختِها
وأما أهل اليمن فقد قَدَّمنا أن الأسود العنسي لعنه الله لما نبغ باليمن ، أضلَّ خلقاً كثيراً من ضعفاء
العقول والأديان حتى ارتدَّ كثير منهم أو أكثرهم عن الإسلام ، وأنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح
وفيروز الديلمي ، وداذويه، وكان ما قدمنا ذكره، ولما بلغهم موت رسول الله وَل ازداد بعضُ أهل اليمن
فيما كانوا فيه من الحيرة والشك ، أجارنا الله من ذلك ، وطمعَ قيسُ بن مكشوح في الإمرة باليمن ، فعمل
لذلك، وارتدّ عن الإسلام وتابَعَهُ عوامُ أهل اليمن ، وكتب الصدِّيق إلى الأمراء والرؤساء ، من أهل اليمن
أن يكونوا [ عوناً إلى ] فيروز والأبناء(٢) على قيس بن مَكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعاً ، وحرص قيس
على قتل الأميرين الأخيرين ، فلم يقدر إلا على داذويه ، واحترز منه فيروز الديلمي ، وذلك أنه عملَ
في تاريخ الطبري (٣١٧/٣): هيْشم .
(١)
(٢)
الأبناء : قوم من أبناء فارس أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجدهم على الحبشة فنصروه وملكوا
اليمن وتديّروها وتزوجوا من العرب . فقيل لأولادهم الأبناء وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس
آبائهم . اللسان ( بنى ) .

٤٣
وفيات سنة ١١ هـ
طعاماً وأرسل إلى داذويه أولاً ، فلما جاءه عجَّلَ عليه فقتلَهُ ، ثم أرسلَ إلى فيروز ليحضرَ عنده فلما كان
ببعض الطريق سمع امرأةً تقول لأخرى : وهذا أيضاً والله مقتولٌ كما قُتل صاحبُه ، فرجع من الطريق وأخبر
أصحابه بقتل داذويه ، وخرج إلى أخواله خولان فتحصَّن عندهم وساعدته عقيلٌ ، وعٌّ وخلقٌ .
وعمد قيسٌ إلى ذراري فيروز وداذويه والأبناء فأجلاهم عن اليمن ، وأرسل طائفة في البر وطائفة في
البحر ، فاحتدّ فيروزُ فخرجَ في خلقٍ كثيرٍ ، فتصادفَ هو وقيسٌ فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزم قيساً وجنده من
العوام ، وبقية جند الأسود العنسي ، فهزموا في كل وجه وأسر قيسٌ وعمرو بن معديكرب ، وكان عمرو
قد ارتدَّ أيضاً ، وبايع الأسودَ العنسيَّ ، وبعث بهما المُهاجر بن أبي أمية إلى أبي بكر أسيرين ، فعنَّفَهما
وأنّبهما ، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما ، ووكل سرائرهما إلى الله عزَّ وجلَّ ، وأطلقَ سراحهما
وردّهما إلى قومهما .
ورجعت عمَّالُ رسول الله ◌َّ الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته عليه السلام بعد
حروبٍ طويلة ، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها ، ومُلَخصُها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصلَ
في أهلها ردَّةٌ لبعض الناس ، فبعثَ الصدِّيقُ إليهم جيوشاً وأمراء يكونون عوناً لمن في تلك الناحية من
المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطنٍ من تلك المواطن إلا غلب جيشُ الصدِّيق لمن هناك
من المرتدين ، ولله الحمد والمنة ، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً ، وغنموا مغانم كثيرة ، فيتقوون بذلك على
منْ هنالك ، ويبعثون بأخماسٍ ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوةُ أيضاً ويستعدُّون به
على قتال من يريدون قتلهم من الأعاجم والروم ، على ما سيأتي تفصيله .
ولم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلَّا أهل طاعة لله ولرسوله ، وأهل ذمة من الصديق ،
كأهل نجران وما جرى مجراهم ولله الحمد .
وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة ثنتي عشرة .
ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث منْ توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير وبالله المستعان .
وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن .
وفيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
ذكر من توفي في هذه السنة
أعني سنة إحدى عشرة من الأعيان والمشاهير ، وذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت سنة إحدى
عشرة على قول بعضهم ، وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتي عشرة .
توفي فيها رسول الله مخ لل محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، وذلك في ربيعها الأول يوم
الإثنين ثاني عشرِهٍ على المشهور ، كما قدمنا بيانه .

٤٤
وفيات سنة ١١ هـ
وبعده بستة أشهر على الأشهر ، توفيت ابنته فاطمة ١) رضي الله عنها، وتُكْنَى بأم أبيها ، وقد كان
صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقاً به ، وقال لها مع ذلك: (( أما ترضين أن تكوني
سيدةَ نساء أهل الجنة؟)(٢) وكانت أصغرَ بناتِ النبي ◌َّرَ على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عَظم
أجرها لأنّها أُصيبت به عليه الصلاة والسلام، ويقال: إنها كانت توأماً لعبد الله ابن رسول الله وَّةٍ وليس له
عليه الصلاة والسلام نسلٌ إلَّ من جهتها .
قال الزبير بن بكار : وقد رُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام ليلةَ زفافِ عليٍّ على فاطمةَ توضَّأ وصبَّ عليه
وعلى فاطمةَ ودعا لهما أن يباركَ في نسلهما . وقد تزوجها ابنُ عمها عليُّ بن أبي طالب بعد الهجرة ،
وذلك بعد بدر . وقيل: بعد أحدٍ، وقيل: بعد تزويج رسول الله وَلَو عائشةَ بأربعة أشهر ونصف، وبنى
بها بعد ذلك بسبعةِ أشهرٍ ونصف، فأصدقَها درعَه الخُطَميةُ(٣) وقيمتُها أربعمئة درهم ، وكان عمرُها إذ ذاك
خمسَ عشرةَ سنةً وخمسة أشهر ، وكان عليٍّ أسنَّ منها بستٌّ سنين .
وقد وردتْ أحاديثُ موضوعةٌ في تزويج عليٍّ بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها .
فولدت له حسناً وحسيناً ومحسناً وأم كلثوم - التي تزوجَ بها عمرُ بن الخطاب بعد ذلك - .
وقد قال الإمام أحمد(٤) : حدَّثنا عفان، حدَّثنا حماد ، أنبأنا عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن علي:
أنَّ رسول الله لما زوَّجهُ فاطمةَ بعَثَ معها بخميلةٍ ووسادةٍ من أدم حشوها ليفٌ ، ورحى وسقاء وجرَّتين ،
فقال علي لفاطمة ذات يوم : والله لقد سنوتُ(٥) حتى لقد اشتكيتُ صدري ، وقد جاء الله أباك بسبيٍ فاذهبي
فاستخدميه، فقالت: وأنا واللهِ لقد طحنتُ حتى مجلت(٦) يداي، فأتت النبيَّ وَّ فقال: ((ما جاء بك
أي بنية ؟ )) قالت: جئتُ لأسلِّم عليك - واستَحْيَتْ أن تسألَه ــ ورجعتْ، فقال: ما فعلتِ؟ قالت :
استحييتُ أن أسأله ، فأتياه جميعاً، فقال علي : يا رسولَ الله والله لقد سَنَوْتُ حتى اشتكيتُ صدري ،
وقالت فاطمة: لقد طَحَنْتُ حتى مَجَلَتْ يداي، وقد جاءكَ الله بسبي وسَعة فأخدمنا، فقال: (( والله
لا أعطيكما وأدع أهل الصفَّة تَطْوَى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم)(٧) فرجعا فأتاهما رسول الله وَ له وقد
(١) ترجمة فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - في طبقات ابن سعد (٢٢٢/٨) والاستيعاب (١٨٩١/٤) وأسد الغابة
(٢١٧/٧) وسير أعلام النبلاء (١١٨/٢ - ١٣٤) والإصابة (٣٧٧/٤ - ٣٨٠).
(٢)
رواه البخاري رقم (٣٦٢٤) ومسلم رقم (٢٤٥٠) (٩٨) و(٩٩).
الحُطميَّةُ : دروع كانت تنسب إلى رجل كان يعملها وكان لعلي رضي الله عنه درع يقال لها : الحطميَّة وهي التي
(٣)
تحطم السيوف أي تكسرها ، وقيل : هي العريضة الثقيلة ، وقيل : هي منسوبة إلى بطن من عبد قيس يقال لهم
حُطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع. قال : وهذا أشبه الأقوال . اللسان ( حطم ) .
مسنده (١٠٦/١ - ١٠٧) رقم (٨٣٨) وإسناده حسن ، وهو حديث صحيح .
(٤)
(٥)
سنوت ، ونسنو أي نستقي. النهاية (٤١٥/٢) واللسان ( سنا ).
(٦)
مجلت : تقرَّحت من العمل .
(٧) بعد هذا في المسند: (( ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم)).

٤٥
وفيات سنة ١١ هـ
دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما ، وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما ،
فثارا ، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قال: بلى، قال: (( كلمات
علمنيهن جبريل ، تُسَبِّحانِ اللهَ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عشراً ، وتحمدانِ عشراً ، وتكبِّران عشراً ، وإذا آويتما إلى
فراشكما فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعا وثلاثين)) قال : فوالله ما تركتهن منذ
علمنيهن رسول الله بِّه، قال: فقال له ابن الكوا : ولا ليلة صفّين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق ،
نعم ولا ليلة صفين .
وآخر هذا الحديث ثابتٌ في الصَّحيحينُ(١) من غير هذا الوجه ، فقد كانت فاطمةُ صابرةً مع عليٍّ على
جَهْدِ العيشِ وضيقِه ، ولم يتزوجْ عليها حتى ماتَتْ، ولكنّه أرادَ أن يتزوجَ في وقتٍ بدرةً(٢) بنت
أبي جهل، فأنف رسول الله وَّه من ذلك، وخطب الناسَ فقال: ((لا أحرِّمُ حلالاً ولا أحلّ حراماً، وإنّ
فاطمةَ بضعةٌ مني ، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها ، وإني أخشى أن تُفْتن عن دينها ، ولكن إني أحبُّ
ابنَ أبي طالب أن يطلِّقَها ويتزوجَ بنتَ أبي جهل ، فإنّه واللهِ لا تجتمعُ بنتُ نبيِّ الله وبنت عدوّ اللهِ تحتَ
رجُلٍ واحدٍ أبداً)(٣) قال : فترك عليٍّ الخطبة .
ولما مات رسول الله وَلهل سألت من أبي بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله مُ ل قال: ((لا نورث،
ما تركنا فهو صدقةٌ)(٤) فسألتْ أن يكونَ زوجُها ناظراً على هذه الصدقة فأبى ذلك ، وقال : إني أعول منْ
كان رسول الله يعول، وإني أخشى إن تركتُ شيئاً مما كان رسول الله وَلَهل يفعله أن أضلَّ، ووالله لقرابةُ
رسول الله وَل أحبُّ إليَّ أن أصل من قرابتي ، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك ، فلم تزل تبغضه مدة
حياتها ، فلما مرضت جاءها الصديقُ فدخلَ عليها فجعلَ يترضّاها وقال : واللهِ ما تركتُ الدارَ والمالَ
والأهلَ والعشيرةَ إلَّ ابتغاء مرضاة الله ومرضاةٍ رسوله ومرضاتكم أهل البيت ، فرضيتْ رضي الله عنهما.
رواه البيهقي(٥) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ، ثم قال : وهذا مرسل حسن بإسناد
صحيح .
ولما حضرتها الوفاة أوصتْ إلى أسماء بنت عُمَيْس - امرأة الصديق - أن تُغَسِّلَها، فَغَسَّلَتْها هي
وعليُّ بن أبي طالب ، وسلمى أم رافع ، قيل : والعبّاسُ بنُ عبد المطلب.
(١) الحديث رواه البخاري في صحيحه - (٣٧٠٥) في فضائل الصحابة، ومسلم في صحيحه - ( ٢٧٢٧) (٨٠) فى
الذكر والدعاء .
(٢)
في جامع الأصول (١٣/ ٢٨٠) هي جويرية، وقيل جميلة .
الحديث رواه أحمد في مسنده (٣٢٦/٤) بألفاظ متقاربة ، والبخاري في صحيحه (٣١١٠) في فرض الخمس ،
(٣)
ومسلم في صحيحه ( ٢٤٤٩) (٩٥) في فضائل الصحابة .
حديث صحيح سبق تخريجه في خلافة أبي بكر الصديق من هذا الجزء .
(٤)
في السنن الكبرى (٢٩٨/٦) ودلائل النبوة (٢٨٠/٧).
(٥)

٤٦
وفيات سنة ١١ هـ
وما رُوي من أنّها اغتسلتْ قبلَ وفاتها وأوصتْ أن لا تُغسَّلَ بعد ذلك فضعيفٌ لا يُعوَّلُ عليه، والله أعلم.
وكان الذي صلَّى عليها زوجُها عليٌّ، وقيل : عمُّها العباسُ ، وقيل أبو بكر الصديق ، فالله أعلم .
ودُفنت ليلاً وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلونَ من رمضان سنة إحدى عشرة وقيل : إنها توفيت بعدَه عليه
السلام بشهرين ، وقيل : بسبعين يوماً ، وقيل : بخمسة وسبعين يوماً ، وقيل : بثلاثة أشهر ، وقيل :
بثمانية أشهر ، والصحيح ما ثبت في الصحيح (١) من طريق الزُّهري عن عروة عن عائشة: أن فاطمة عاشت
بعد النبي ◌ِّل ستة أشهر، ودفنت ليلاً، ويقال إنّها لم تَضْحك في مدة بقائها بعده عليه السلام ، وأنّها
كانت تذوبُ من حُزْنها عليه ، وشوقها إليه .
واختلف في مقدار سنّها يومئذ فقيل : سبع ، وقيل : ثمانٍ وقيل : تسع وعشرون ، وقيل : ثلاثون ،
وقيل : خمس وثلاثون سنة ، وهذا بعيد وما قبله أقرب منه ، والله أعلم .
ودفنت بالبقيع ، وهي أول من سُتر سريرها .
وقد ثبت في الصحيح(٢) أن عليَّاً كان له وجهٌ من الناس حياة فاطمة ، فلما ماتت التمس مبايعة الصدِّيق
فبايعه كما هو مروي في البخاري ، وهذه البيعة لإزالة ما كان وقع من وحشةٍ حصلت بسبب الميراث ،
ولا ينفي ما ثبتَ من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا ، والله أعلم .
وممَّنْ تُوفِّي هذه السنة :
أَمَ أيمن بَرَكةُ(٣) بنت ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن حِصْنُ(٤) بن مالك بن سَلَمة بن عَمْرو بن النُّعْمان، مولاةٌ
رسول الله وَلّه ورثها من أبيه، وقيل من أمه، وحضنتْهُ وهو صغير، وكذلك بعد ذلك، وقد شربت بولَهُ،
فقال لها : لقد احتظرت بحظار(٥) من النار، وقد أعتقها وزوجها عُبيد٦ً) فولدت منه ابنها أيمن فعرفت
به ، ثم تزوجها زيد بن حارثة ، مولى رسول الله ، فولدت أسامة بن زيد ، وقد هاجرت الهجرتين إلى
صحيح الإمام البخاري ( ٤٢٤٠) و(٤٢٤١) في المغازي، وصحيح مسلم (١٧٥٩) (٥٢) في الجهاد والسير.
(١)
نفس المصادر السابقة وصحيح ابن حبان ( ٤٨٢٣ ) في السير .
(٢)
ترجمة - أم أيمن - في طبقات ابن سعد ( ٢٢٣/٨ - ٢٢٧) والاستيعاب (١٧٩٣/٤) وأسد الغابة (٧/ ٣٧) وجامع
الأصول (١٢ / ١٧٧) وسير أعلام النبلاء (٢٢٣/٢ - ٢٢٧) وتهذيب التهذيب (٤٥٩/١٢) والإصابة (٤٣٢/٤ -
(٣)
٤٣٤) والشذرات (١٣٥/١).
(٤) في ط: ((حُصين)) محرف، وما أثبتناه يعضده ما في تهذيب الكمال (٣٢٩/٣٥) وفروعه، والاستيعاب (١٧٩٣/٤)
والإصابة وغيرها .
(٥) في ط : احتضرت بحضار ؛ خطأ . ومعنى احتظرت بحظار : لقد احتميت بحمى عظيم من النار يقيك حرّها
ويؤمنك دخولها . النهاية (١/ ٤٠٤) واللسان ( حظر ) .
(٦) هو عُبيد بن الحارث الخزرجي .

٤٧
وفيات سنة ١١ هـ
الحبشة والمدينة ، وكانت من الصالحات ، وكان عليه السلام يزورها في بيتها ويقول : هي أمي بعد أمي ،
وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها ، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي ، وقد توفيت بعده عليه
الصلاة والسلام بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر .
ومنهم :
ثابتُ(١) بن أقْرم بن ثَعْلبة بن عَدِيّ بن العَجْلان البَلَوي، حليف الأنصار ، شهدَ بدراً وما بعدها، وكان
ممَّن حَضَرَ مُؤْتَةَ فلما قُتِلَ عبدُ الله بن رَوَاحةَ دُفعت الرايةُ إليه فسلَّمها لخالدِ بن الوليد ، وقال : أنت أعلمُ
بالقتالِ منّي، وقد تقدَّم أن طُليحة الأسدي قَتَله وقتلَ معه عُكَّاشةَ بن مِحْصن وذلك حين يقول طُلَيْحة (٢) :
[ من الطويل ]
عشِيَّةَ غادرتُ ابن أقرم ثاوِياً وعُكَّاشَةَ الغَنميَّ تحتَ مَجالٍ
وذلك في سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثِنْتي عشرةَ، وعن عروة أنه قُتل في حياةِ النبيِ وَّ وهذا
غريب ، والصحيح الأول ، والله أعلم .
ومنهم :
ثابتُ بن قيس بن شَمَّس(٣) الأنصاري الخَزْرجي، أبو محمد خطيبُ الأنصار ويقال له أيضاً : خطيب
النبي وَّل وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه بشَّره بالشهادة، وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقُتل
يوم اليمامة شهيداً ، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده .
وروى الترمذي(٤) بإسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله وَ له قال: (( نعم الرجل
ثابتُ بن قيس بن شمّاس )) .
وقال أبو القاسم الطبراني(٥): حدثنا أحمد بن المعلَّى الدمشقي: حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن ،
حدَّثنا الوليد بن مسلم ، حدَّثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عطاء الخراساني قال : قدمتُ المدينةَ
فسألتُ عمَّن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شَمّاس ، فأرشدوني إلى ابنته ، فسألتها فقالت : سمعت
أبي يقول :
(١) ترجمة - ثابت بن أقرم ـ في الاستيعاب (١٩٩/١)، وأسد الغابة (٢٦٥/١) والإصابة (١٩٠/١).
(٢)
مر تخريج الأبيات وخبر قتله ص ١٧ من هذا الجزء .
ترجمة - ثابت بن قيس - في طبقات ابن سعد ( ٢٠٦/٥) والاستيعاب (٢٠٠/٢) وجامع الأصول (٢١٨/١٣ -
(٣)
٢١٩) وأسد الغابة (٢٧٥/١ -٢٧٦) وسير أعلام النبلاء (٣٠٨/١ - ٣١٤) والإصابة (١٩٥/١ -١٩٦).
(٤) الجامع (٣٧٩٥) في المناقب . وقال هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل . قال بشار : وهو كما قال ،
وإنما اقتصر على تحسينه لغرابة في متنه وللاختلاف في وصله وإرساله ، كما هو مبين في تخريجه .
(٥) في المعجم الكبير رقم (١٣٢٠).

٤٨
وفيات سنة ١١ هـ
لما أُنزِلَ على رسول الله وَلِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [ لقمان: ١٨ ] اشتدَّتْ على ثابتٍ وغلقَ
عليه بابَه ، وطفِقَ يبكي ، فأُخبر رسول الله ، فسأله فأخبره بما كَبُرَ عليه منها ، وقال : أنا رجلٌ أحبُّ
الجَمال، وأن أَسُودَ قومي، فقال: (( إنّك لست منهم ، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويُدْخلكَ اللهُ
الجنةَ)). فلما أنزل على رسول الله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوّلِ ﴾
[ الحجرات ٢] فعلَ مثلَ ذلك، فأخبر النبيُّ نَّه فأرسلَ إليه فأخبره بما كَبُر عليه منها، وأنه جَهيرُ الصَّوت ،
وأنه يتخَوَّفُ أن يكونَ ممَّنْ حَبِطَ عملُه، فقال: (( إنك لستَ منهم ، بل تعيشُ حميداً وتُقْتَلُ شهيداً
ويُدخلكَ اللهُ الجنة)) فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردَّةِ واليمامةِ ومُسَيْلمة الكذاب ، سار ثابت
فيمنْ سارَ ، فلما لَقُوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات ، فقال ثابتٌ وسالمٌ مولى
أبي حذيفة: ما هكذا كنَّا نقاتلُ مع رسول الله ◌َّه، فجعلا لأنفسهما حفرةً فدخلا فيها فقاتلا حتى قُتلا .
قالت : وأُرِيَ رجلٌ من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال : إني لما قُتلت بالأمس مرَّ بي رجلٌ من
المسلمين فانتزعَ منيّ درعاً نفيسةً ومنزلُه في أقصى العسكر وعند منزله فرسٌ يَسْتُ(١) في طوله ، وقد أكفأ
على الدرع بُرْمةً، وجعل فوق البُزْمة رَحْلا، وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها ، فإذا قدمتَ
على خليفة رسول الله فأعلمه أنَّ عليَّ من الدَّين كذا، ولي من المال كذا ، وفلان من رقيقي عتيق ، وإيّاك
أن تقول : هذا حلم فَتُضيِّعه ، قال: فأتى خالداً فوجَّه إلى الدرع فوجدها كما ذكر ، وقدم على أبي بكر
فأخْبَرَهُ، فأنفذَ أبو بكر وصيّتْهُ بعد موته ، فلا نعلم أحداً جازَتْ وصيَّتَهُ بعد موته إلَّ ثابت بن قيس بن
شمّاسُ(٢) .
ولهذا الحديث وهذه القصة شواهد أخر . والحديث المتعلق بقوله: ﴿ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيّ﴾ في صحيح مسلمُ (٣) عن أنس .
وقال حماد بن سلمة : عن ثابت عن أنس : أن ثابت بن قيس بن شمَّاس ، جاء يوم اليمامة وقد تحنّط
ونشر أكفانه وقال : اللهم إنّي أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذرُ إليك مما صنعَ هؤلاء ، فقُتل وكانت له
درٌ فسُرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال : إن درعي في قدر تحتَ الكانون في مكان كذا وكذا ، وأوصاه
بوصايا ، فطلبوا الدرع فوجدوها، وأنفذوا الوصايا. رواه الطبراني (٤) أيضاً .
(١) في ط : تبن، وهو تحريف . وما هنا عن مصادره، واستنّ الفرسُ يَسْتنُّ استناناً أي: عَدا لمرحه ونشاطه لطول
حبله . النهاية ( ٣/ ٤١٠) واللسان ( سنن ) .
في إسناد هذا الحديث بنت ثابت بن قيس بن شماس مجهولة ، ولكن القصة كما قال المصنف لها شواهد .
(٢)
(٣)
صحيح مسلم (١١٩) (١٨٨) في الإيمان .
المعجم الكبير رقم ( ١٣٠٧ ) .
(٤)

٤٩
وفيات سنة ١١ هـ
ومنهم :
حَزْنُ(١) بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ٢) بن عمران المَخْزُومي ، له هجرةٌ : ويقال : أسلم عامَ
الفتح، وهو جدُّ سعيد بن المُسَيّب. أراد رسولُ الله ◌َ ﴿ أن يسميه سَهْلاً فامتنعَ وقال: لا أغيّرُ اسماً
سمانيه أبواي ، فلم تزل الحزونة فينا٣ً) . استُشهد يومَ اليمامة . وقتل معه أيضاً ابناه عبد الرحمن
ووهب ، وابن ابنه حكيمُ بن وَهْبٍ بن حزن .
وممَّنِ استشهد في هذه السنة داذَويه الفارسي أحدُ أمراءِ اليمنِ الذين قتلوا الأسودَ العَنْسي ، قتله غيلةً
قيسُ بن مَكْشوح حين ارتدَّ قبل أن يرجعَ إلى الإسلام، فلما عنَّفه الصدِّيقُ على قتله أنكر ذلك ، فقبل
علانيته وإسلامه .
ومنهم :
زيد(٤) بن الخطاب بن نُفَيْل القُرشي العَدوي أبو محمد ، وهو أخو عمر بن الخطّاب لأبيه ، وكان زيدٌ
أكبر من عمر، أسلم قديماً، وشهدَ بدراً، وما بعدها، وقد آخى رسول الله وَ ل ◌ّ بينه وبين معن بن عديّ
الأنصاري وقد قُتلا جميعاً باليمامة ، وقد كانت رايةُ المهاجرين يومئذ بيده ، فلم يزل يتقدَّم بها حتى قُتل
فسقطت ، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة ، وقد قتل زيد يومئذ الرّجّال بن عُنفوة ، واسمه نهار ، وكان
الرَّجَّال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتدَّ ورجعَ فصدَّق مسيلمةً وشهد له بالرسالة ، فحصل به فتنة عظيمة ،
فكانت وفاته على يد زيد ، رضي الله عن زيد ، ثم قتلَ زيداً رجل يقال له : أبو مريم الحنفي ، وقد أسلم
بعد ذلك وقال لعمر : يا أميرَ المؤمنين إن الله أكرم زيداً بيدي ولم يُهنِّي على يده ، وقيل : إنما قتله
سلمةُ بن صبيح ابن عمٌ(٥) أبي مريم هذا، ورجَّحه أبو عمر(٦) وقال : لأن عمر استقضى أبا مريم ، وهذا
لا يدلّ على نفي ما تقدم ، والله أعلم .
وقد قال عمر لما بلغَهُ مقتلُ زيد بن الخطاب : سبقني إلى الحُسَنيينِ ، أسلمَ قبلي ، واستُشهد قبلي .
(١) ترجمة - حزن بن أبي وهب - في الاستيعاب (٤٠١/١) وجامع الأصول (٣١٣/١٣) وأسد الغابة (٤/٢)
وتهذيب الكمال (٥/ ٥٩٠) وتهذيب التهذيب (٢٤٣/٢) والإصابة (٣٢٥/١).
(٢)
في ط: ((عامر)) محرف، وما أثبتناه يعضده ما في مصادر ترجمته.
(٣)
صحيح البخاري ( ٦١٩٠) في الأدب .
ترجمة - زيد بن الخطاب - في طبقات ابن سعد ( ٢٧٤/٣) وحلية الأولياء (٣٦٧/١) والاستيعاب (٥٥٠/٢ -
٥٥٣) وجامع الأصول (١٤ /١٠٩) وأسد الغابة (٢٨٥/٢) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٠٣/١ - ٢٠٤) وسير
أعلام النبلاء (٢٩٧/١ - ٢٩٩) وتهذيب الكمال (٦٥/١٠) وتهذيب التهذيب (٤١١/٣) والإصابة (٥٦٥/١).
(٤)
في ط : ابن عمر ؛ تصحيف ، وما هنا عن الاستيعاب .
(٥)
قال أبو عمر رحمه الله : النفس أميل إلى هذا، لأن أبا مريم لو كان قاتل زيد ما استقضاه عمر ، والله أعلم .
(٦)
الاستيعاب ( ٥٥٢ ).

٥٠
وفيات سنة ١١ هـ
وقال لمُتَمِّم بن نويرة حين جعلَ يرثي أخاه مالكاً بتلك الأبيات المتقدم ذكرها : لو كنتُ أحسنُ الشعرَ
لقلتُ كما قلت ، فقال له متمِّم : لو أن أخي ذهب على ما ذهبَ عليه أخوك ما حزنتُ عليه ، فقال له
عمر : ما عزّاني أحد بمثل ما عزَّيْتني به ، ومع هذا كان عمرُ يقول: ما هبَّتِ الصَّبا إلا ذَكَّرَتْني زيدَ بن
الخطاب ، رضي الله عنه .
ومنهم :
سالمُ(١) بن عبيد ويقال: ابن مَعْقل(٢) مولى أبي حذيفة بن عُتْبة بن ربيعة، وإنما كان مُعْتقاً لزوجته ثُبَيْتَة
بنت يَعَارُ(٣) وقد تَبنّاهُ أبو حُذَيْفهُ(٤) وزوَجَهُ بابنةِ أخيه فاطمة بنت الوليد بن عُتْبة، فلما أنزل الله ﴿آدْعُوهُمْ
لِأَبَآئِهِمْ ﴾ [الأحزاب: ٥] جاءت امرأة أبي حُذَيْفة سَهْلة بنت سَهْل بن عمرو فقالت: يا رسولَ الله إنَّ سالماً
يدخل عليَّ وأنا غفلٌ، فأمرها أن تُرْضِعهُ فَأرْضَعَتْهُ فكانَ يدخلُ عليها بتلك الرضاعة ، وكان من سادات
المسلمين ، أسلمَ قديماً وهاجرَ إلى المدينة قبل رسول الله بَ ◌ّفكان يُصلِّ بمن بها من المُهاجرين ، وفيهم
عمر بن الخطاب لكثرة حفظِهِ القرآن ، وشهد بدراً وما بعدها، وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم
رسول اللّه بَّهُ: ((استقرئوا القرآنَ من أربعةٍ(٥) فذكر منهم سالماً مولى أبي حذيفة .
وروي عن عمر أنه قال لما احتُضِر : لو كانَ سالمٌ حيّاً لما جعلتها شُورى ، قال أبو عمر بن
عبد البر(٦) . معناه أنّه كان يصدرُ عن رأيه فيمن يُولّيه الخلافةَ . ولما أخذ الرايةَ يومَ اليمامةِ بعد مَقْتل
زيدٍ بن الخطاب قال له المهاجرون : أتَخْشَى أنْ نُؤْتى من قبلك ؟ فقال : بئسَ حاملُ القرآن أنا إذاً .
انقطعت يدُه اليمنى فأخذها بيساره، فقُطعت فاحتضنها وهو يقول: ﴿ وَمَا مُحَمَّهُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿وَكَيِّنِ مِّن نَّبِيِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرُ﴾ [آل عمران: ١٤٦] فلما صرع قال
لأصحابه : ما فعل أبو حُذَيْفة ؟ قالوا : قُتل ، قال : فما فعلَ فلانٌ ؟ قالوا : قُتل ، قال : فأضجعوني
بينهما . وقد بعثَ عمرُ بميراثه إلى مولاته التي أعْتَقَتْه ((بثينة (٧) فردَّتْه وقالتْ: إنّما أعْتَقَتْهُ سائبةٌ ، فجعله
عمر في بيت المال .
(١) ترجمة - سالم مولى أبي حذيفة - في حلية الأولياء (١٧٦/١ - ١٧٧) والاستيعاب (٢/ ٥٦٧) وجامع الأصول
(١٤ /١٥٤ - ١٥٧) وأسد الغابة (٢ /٣٠٧ - ٣٠٩) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٠٦/١ - ٢٠٧) وسير أعلام
النبلاء (١٦٧/١ - ١٧٠) والإصابة (٦/٢ -٨).
(٢)
في ط ؛ ابن يعمل ؛ تحريف ، والتصحيح من مصادره .
في ط : يعاد ؛ تحريف ، والتصحيح من مصادر الترجمة .
(٣)
(٤)
في ط : حنيفة ؛ تحريف .
تمام الحديث: (( استقرؤوا القرآن من أربعة : من ابن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبيّ بن كعب ،
(٥)
ومعاذ بن جبل )) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٦٤) (١١٧) في فضائل الصحابة .
(٦)
الاستيعاب (٥٦٨/٢) .
تقدم قبل أسطر اسمها : ثُبَيْتة؛ وفي اسمها خلاف بين هذين الاسمين وثالث هو عمرة. الاستيعاب (٥٦٨/٢).
(٧)

٥١
وفيات سنة ١١ هـ
ومنهم :
أبو دُجَانة سِماك ١) بن خَرَشَة ويقال سِماك بن أوْس بن خَرَشَة بن لَوْذان بن عَبْدٍ ودٍّ بن زيد بن ثَعْلَبة بن
الخَزْرِجِ بن ساعدة بن كعب بن الخَزْرِجِ الأنْصاري الخَزْرجي . شهدَ بدراً وأبلى يومَ أُحُدٍ ، وقاتلَ شديداً
وأعطاهَ رسولُ اللهِ وَّه يومئِذٍ سَيْفاً فأعطاهُ حَقَّه وكانَ يَتَبَخْتَرُ عندَ الحَرْب، فقال عليه السلام: ((إنَّ هذه
لمشيةٌ يبغضها اللهُ، إلا في هذا الموطن )(٢). وكان يعصبُ رأسَهُ بعصابةٍ حمراء ، شعاراً له بالشجاعة .
وشهدَ اليمامةَ ويُقال إنَّه ممَّنِ اقْتَحم على بني حنيفةَ يومئذٍ الحديقةَ فانكسرت رجلُه ، فلم يزل يُقاتل حتى
قُتل يومئذ . وقد قَتل مُسَيْلمةَ مع وَحْشيٍّ بن حَرْب رماه وَحْشيّ بالحربة وعلاهُ أبو دُجانة بالسَّيف ، قال
وحشي : فَربْك أعلمُ أيُّنا قَتَله . وقد قيل إنه عاش حتَّى شَهدَ صِفِّين مع عليٍّ، والأول أصح . وأما
ما يروى عنه من ذكر الحِرْزِ(٣) المنسوب إلى أبي دُجانة فإسناده ضعيف ولا يُلتفت إليه ، والله أعلم .
ومنهم :
شجاع(٤) بن وَهْب بن رَبيعة الأسَدي ، حليف بني عبد شمس ، أسلمَ قديماً وهاجرَ وشهدَ بدراً
وما بعدها ، وكان رسولَ رسولِ الله إلى الحارث بن أبي شمر الغَسّاني فلم يُسْلم ، وأسلم حاجبُه سوي .
واستُشهد شُجاعُ بن وهب يومَ اليمامةِ عن بضع وأربعين سنة ، وكان رجلاً طوالاً نحيفاً أجنا(٥) .
ومنهم :
الطُّفيل(٦) بن عَمْرو بن طَريف بن العاص بن ثَعْلبة بن سُلَيْم بن فَهْمُ(٧) بن غَنْم بن دَوْس الدَّوْسي ،
أسلم قديماً قبل الهجرة، وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه، فلمّا هاجر النبي وَّ إلى
المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دَوْس مسلمين ، وقد خرج عامَ اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو ،
فرأى الطُفَيْل في المنام كأنّ رأسه قد حُلقَ ، وكأنّ امرأةً أدخلته في فرجها ، وكأنَّ ابنه يجهدُ أن يلحقه فلم
(١) ترجمة - أبي دجانة - في الاستيعاب (٢/ ٦٥١) وجامع الأصول (١٩٥/١٤ - ١٩٦) وأسد الغابة (٤٥١/٢ -
٤٥٢) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٢٧/٢ -٢٢٨) وسير أعلام النبلاء (٢٤٣/١ - ٢٤٥) والإصابة (٢/ ٧٧).
(٢) الحديث رواه أحمد فى مسنده (٣/ ١٢٣) ومسلم في صحيحه (٢٤٧٠) في فضائل الصحابة .
(٣) قال الذهبي في سيره (٢٤٥/١): وحرز أبي دجانة شيء لم يصحّ ما أدري منْ وضعه . وقد أورد المحققان
الفاضلان للجزء الأول من سير أعلام النبلاء هذا الحرز كاملا في الهامش .
ترجمة - شجاع بن وهب - في الاستيعاب (٧٠٧/٢) وأسد الغابة (٥٠٥/٢) والإصابة (١٣٨/٢).
(٤)
(٥)
في ط : أجنى ؛ تحريف وأجناً : أحدب الظهر . اللسان ( جنا ) .
(٦)
ترجمة - الطفيل بن عمرو - في الاستيعاب (٢/ ٧٥٧) وجامع الأصول (٣٨٩/١٤) وأسد الغابة (٧٨/٣ - ٨١)
وسير أعلام النبلاء (٣٤٤/١ - ٣٤٧) والإصابة (٢٢٥/٢ -٢٢٦).
(٧) في ط : فهر ؛ وهو تحريف ، والتصحيح من مصادره .

٥٢
وفيات سنة ١١ هـ
يصل . فأولها بأنه سيقتل ويدفن ، وأن ابنه يحرص على الشهادةِ فلا ينالُها عامَه ذلك . وقد وقع الأمر كما
أوّلها، ثم قُتل ابنُه شهيداً يوم اليرموك كما سيأتي(١).
ومنهم :
عَبَّاد٢ُ) بن بِشْر بن وَقْش الأنصاري : أسلم على يدَيْ مُصْعب بن عُمَيْرِ قبلَ الهجرة قبلَ إسلام مُعاذ ،
وأُسَيْد بن الحُضيْر، وشهد بدراً وما بعدها . وكان ممَّنْ قتل كَعْب بن الأشرف ، وكانت عصاهُ تُضيءُ له
إذا خرج من عند رسول الله في ظلمةٍ .
قال موسى بن عقبة عن الزهري : قُتل يوم اليمامةِ شَهيداً عن خمسٍ وأربعين سنة ، وكان له بلاءٌ
وعناءٌ .
وقال محمد بن إسحاق : عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة
قالت :
تهجَّدَ رسولُ الله فسمع صوتَ عَبّاد فقال: ((اللَّهم اغْفِرْلَهُ )(٣) .
ومنهم :
السَّائِب٤ُ) بن عُثْمان بن مَظْعون : بَدْريٌّ من الرماة ، أصابه يومَ اليمامةِ سَهْمٌ فقتله وهو شابٌّ ، رحمه
الله .
ومنهم :
الشَّائِبَ بنِ العَوَّامُ*) أخو الزُّبَيْرِ بن العَوَّامِ واستُشهدَ يومئذ ، رحمه الله .
ستأتى ترجمته مع وفيات سنة ١٣ من هذا الجزء .
(١)
ترجمة - عباد بن بشر - فى الاستيعاب (٨٠١) وجامع الأصول (٤٢٩/١٤ - ٤٣٠) وأسد الغابة (٣/ ١٥٠ -
(٢)
١٥١) وسير أعلام النبلاء (٣٣٧/١ - ٣٤٠) والإصابة (٢٦٣/٢).
(٣) الحديث رواه البخاري فى صحيحه معلقاً (٢٦٥٥) في الشهادات بلفظ: ((اللهم ارحم عباداً))، ووصله أبو يعلى في
مسنده رقم (٤٣٨٨) من حديث عباد عن عائشة قالت: تهجد النبي ◌ِّ في بيتي وتهجد عباد بن بشر في المسجد ،
فسمع رسول الله مَّر صوته، فقال: ((اللهم ارحم عباداً)) وفيه عنعنة ابن إسحاق وانظر الفتح (٢٦٥/٥).
( ملاحظة : وقع في المطبوع من مسند أبي يعلى : عن يحيى بن عباد ، عن عائشة : وهو غلط بين ، فإن يحيى بن
عباد لم يلق عائشة ، وإنما رواه عن أبيه : عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة، كما صَرَّح به الحافظ ابن حجر في
الفتح . أما كلام محققه ففيه تخبيط عجيب ، وآية ذلك أن يحيى بن عباد ولد بلا شك بعد وفاة عائشة ) (بشار).
(٤)
ترجمة - السائب بن عثمان - في الاستيعاب (٥٧٥) وأسد الغابة (٣١٨/١) وسير أعلام النبلاء (١٦٣/١)
والإصابة ( ٢/ ١١).
(٥) ترجمة - السائب بن العوام - في الاستيعاب (٥٧٥) وأسد الغابة (٣١٨/٢ -٣١٩) والإصابة (١١/٢-١٢).

٥٣
وفيات سنة ١١ هـ
ومنهم :
عبد الله(١) بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عَبْد ودِّ القُرَشي العامري، أسلمَ قديماً وهاجرَ ثم
استُضعِفَ بمكة ، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجَهوا فرَّ إلى المسلمين فشهدها معهم ، وقُتل يومَ
اليمامة، فلما حجَّ أبو بكر عَزَّى أباه فيه، فقال سُهيل: بلغني أن رسول الله وَّةٍ قال: ((إن الشهيدَ ليشفعُ
لسبعين من أهله)(٢) فأرجو أن يبدأ بي .
ومنهم :
عبد الله (٣) بن عبد الله بن أبيّ بن سَلُول الأنصاري الخزرجي ، كان من سادات الصَّحابة وفضلائهم ،
شهدَ بدراً وما بعدَها ، وكان أبوه رأسَ المنافقين ، وكان أشدَّ الناس على أبيه ، ولو أذن له رسول الله فيه
لضربَ عُنُقُه، وكان اسمه الحُباب، فسمّاه رسولُ اللهِوَّرِ عبدَ الله، وقد استشهد يومَ اليمامة رضي الله عنه.
ومنهم :
عبد الله بن أبي بَكْر الصِّدِّيقُ(٤) أسلم قديماً، ويقال: إنه الذي كانَ يأتي بالطعام والشرابِ والأخبار
إلى رسول الله وَّهِ وإلى أبي بكر وهما بغارِ ثَوْرٍ ، ويبيتُ عندهما ويصبحُ بمكة كبائتٍ ، فلا يسمع بأمر
يكادان به إلا أخبرهما به . وقد شهد الطائف فرماه رجلٌ يُقال له أبا محجن الثَّقفي بسهم فَذَوى ، فاندمَلَتْ
ولكنْ لم يزلْ منها حمتا°) حتى مات في شوال سنة إحدى عشرة .
ومنهم :
عُكَّاشة بن مِحْصنٍ(٦) بن حُرْثان بن قيس بن مرة بن كَبِيرٌ(٧) بن غَنْم بن دُودان بن أَسَد بن خُزيمة الأسدي
(١) ترجمة - عبد الله بن سهيل - في الاستيعاب (٩٢٥) وأسد الغابة (٢٧١/٣) والإصابة (٣٢٢/٢ - ٣٢٣).
(٢) الحديث رواه أبو داود في سننه (٢٥٢٢) في الجهاد، وابن حبان في صحيحه رقم (٤٦٦٠) في السير كلاهما عن
أبي الدرداء ، وهو حديث صحيحٍ .
ترجمة - عبد الله بن عبد الله بن أبيّ - في طبقات ابن سعد ( ٨٩/٣ - ٩٠) والاستيعاب (٢٧٣/٦) وجامع الأصول
(٣)
(١٤/ ٤٧٠ - ٤٧١) وأسد الغابة (٢٩٦/٣) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٧٦/١) والإصابة (١٤٢/٦-١٤٣).
(٤) ترجمة - عبد الله بن أبي بكر - في الاستيعاب (٨٧٤-٨٧٥) وجامع الأصول (٤٣٩/١٤) وأسد الغابة (١٨٨/٣
و٢٩٩ - ٣٠٠) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٦٢/١) والإصابة (٢٨٣/٢ - ٢٨٤).
(٥)
حمت ـ كفرح - تغيَّر وفسد. اللسان والقاموس والتاج ( همت ).
ترجمة - عكاشة بن محصن ـ في حلية الأولياء (١٢/٢) والاستيعاب (١٠٨٠ - ١٠٨١) وجامع الأصول
(٦)
(٥٣٢/١٤ - ٥٣٣) وأسد الغابة (٦٧/٤) وتهذيب الأسماء واللغات (٣٣٨/١) وسير أعلام النبلاء
((٣٠٧/١-٣٠٨) والإصابة (٤٩٤/٢_٤٩٥).
(٧) في ط والاستيعاب : كثير ، وفي الإصابة : بكير ؛ وكلاهما تحريف ، وما هنا عن جامع الأصول وتوضيح المشتبه
( ٢٩٧/٧ ) .

٥٤
وفيات سنة ١١ هـ
حليف بني عبد شمس ، يكنى أبا مِحْصن ، وكان من سادات الصّحابة وفضلائهم ، هاجرَ وشهدَ بدراً ،
وأبلى يومئذ بلاءً حسناً ، وانكسر سيفُه ، فأعطاهُ رسولُ الله يومئذ عرجوناً ، فعادَ في يده سيفاً أمضى من
الحديد شديد المتن. وكان ذلك السيف يسمى ((العون)). وشهدَ أَحداً والخندق وما بعدها.
ولما ذكر رسول الله وَ لّه السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عُكاشة: يا رسول الله
ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم. فقال: (( اللَّهُمّ اجعلْه منهم)(١) ثم قام رجل آخر فقال : يا رسولَ الله ادعُ الله أن
يجعلني منهم، فقال: ((سَبَقك بها عُكّاشَة)) . والحديث مروي من طرق تفيد القطع.
وقد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرةِ الصديق بذي القصة فبعثَه وثابتَ بن أقْرم بين يديه طليعةً ، فتلقاهما
طُلَيْحةُ الأسديُّ وأخوه سلمة فقتلاهما، وقد قَتَل عكاشةُ قَبْلَ مَقْتلهِ حِبال بن طُلَيْحة ، ثم أسلم طُلَيْحة بعد
ذلك كما ذكرنا ، وكان عمر عكاشة يومئذ أربعاً وأربعين سنة ، وكان من أجملِ الناس رضي الله عنه .
ومنهم :
مَعْنُ(٢) بن عَدِيّ بن الجد٣ّ) بن عَجْلان بن ضُبَيْعة البَلَوي ، حليف بني عمرو بن عوف . وهو أخو
عاصم بن عدي، شهد العَقَبة وبدراً وأَحداً والخَنْدق وسائرَ المشاهد، وكان قد آخى رسولُ اللهِ وَلَه بينه
وبين زيد بن الخطّاب فقُتلا جميعاً يوم اليمامة رضي الله عنهما .
وقال مالك : عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه قال :
بكى الناس على رسول الله مَّ حين مات وقالوا: والله وددنا أن مُتْنا قبلَه ونخشى أن نُفْتتنَ بعده،
فقال معن بن عدي : لكنّي والله ما أحب أن أموتَ قبله لأصدقه ميتاً كما صدقته حياً .
ومنهم :
الوليد وأبو عُبَيْدة ابنا عُمارة بن الوليد بن المُغيرة (٤) ، قُتلا مع عمِّهما خالد بن الوليد بالبطاح ،
وأبوهما عمارة بن الوليد ، وهو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي ، وقضيته مشهورة .
(١) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٥٦) والبخاري في صحيحه (٥٨١١) في اللباس ، ومسلم في صحيحه
(٢١٦ و٣٦٨) في الإيمان من طرق متعددة .
(٢) ترجمة - معن بن عدي - في الاستيعاب (١٤٤١) وجامع الأصول (٢١٢/١٥ -٢١٣) وتهذيب الأسماء واللغات
(١٠٧/٢) وأسد الغابة (٢٣٨/٥) والإصابة (٤٤٨/٣).
في ط : الجعد ؛ تحريف . والتصحيح من مصادره .
(٣)
ترجمتهما وأخبارهما في الاستيعاب ( ١٥٥٧ - ١٥٥٨) وفيه أن أبا عبيدة أبوه وهو خطأ لا بد من تصحيحه ، وأسد
(٤)
الغابة (٤٥٣/٥) والإصابة (٦٣٨/٣ - ٦٣٩).

٥٥
وفيات سنة ١١ هـ
ومنهم :
أبو حذيفة١) بن عُثْبة بن ربيعة بن عبد شمس القُرشي العَبْشمي : أسلم قديماً قبل دار الأرقم ، وهاجر
إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدراً وما بعدها، وآخى رسول الله بِ ◌ّه بينه وبين عَبَّاد بن بِشْر وقد قُتلا
شَهيدين يومَ اليمامة . وكان عُمْرُ أبي حذيفة يومئذ ثلاثاً أو أربعاً وخمسين سنةً ، وكان طويلاً حسنَ
الوجه ، أثْعل ، - وهو الذي له سِنِّ زائدة - وقيل (٢) اسمه هُشَيْم، وقيل هاشم.
(٣)
ومنهم(٣) :
أبو دجانة واسمه سماك بن خرشة تقدم قريباً
.
وبالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمئة وخمسون من حملة القرآن ومن الصَّحابة
وغيرهم . وإنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم وبالله المستعان .
قلت : وممَّن استُشهدَ يومئذ من المهاجرين :
مالك بن عمرو حلیف بني غنم(٤) ، مهاجريٌّ بدري .
ويزيد بن رُقَيْش بن رئاب(٥) الأسدي ، بدري .
والحَكَم بن سَعيد بن العاص بن أمية الأموي(٦)
وجبير (٧) بن مالك بن بُحينة أخو عبد الله بن مالك الأزدي ، حليف بني المطلب بن عبد مناف .
وعامر بن البُكَيْر(٨) اللَّيْتِي ، حليف بني عدي ، بدري .
ومالك بن ربيعة حليف بني عبد شمس .
(١) ترجمة - أبي حذيفة - في الاستيعاب (١٦٣١ - ١٦٣٢) وفيه: يقال اسمه: مُهشَّم ، وقيل هشيم ، وقيل هاشم ،
وجامع الأصول (٤٩٧/١٥ - ٤٩٨) وفيه: أبو حذيفة هشام، وقيل إن اسمه هُشَيم، وأسد الغابة ( ٢٨٢/٥)
مُهشم و(٤٠٣/٥) هشام و(٤٠٦/٥) هشيم و(٦/ ٧٠ - ٧٢) أبو حذيفة، وسير أعلام النبلاء (١/ ١٦٤ - ١٦٧)
والإصابة (٤٢/٤ - ٤٣) وفيه: قال معاوية: اسمه مهشم، وقيل: هشيم ، وقيل هاشم ، وقيل قيس .
في ط : وكان ، وما هنا للسياق .
(٢)
(٣)
تبين لنا من المقابلة أنَّ هذا الفصل نقله المصنف من تاريخ الإسلام لشيخه الذهبي ، وقد وصلت هذه القطعة منه بخط
الذهبي ( مجلد أياصوفيا ٣٠٠٥) ومصورتها عندي ، فضبطنا الأعلام عليها ( بشار) .
(٤)
في الاستيعاب (١٣٥٥) : مالك بن عمرو السلمي حليف بني عبد شمس.
في ط : رباب ؛ تحريف ، والتصحيح من الاستيعاب (١٥٧٤) وأسد الغابة ( ٤٨٧/٥).
(٥)
(٦)
الاستيعاب (٣٥٥ - ٣٥٦).
في ط : وحسن ؛ وهو تصحيف ، وترجمة جبير في تاريخ خليفة (٩٢/١) والاستيعاب (٢٣٤).
(٧)
في ط : عامر بن البكر ؛ تحريف ، وترجمة ابن البكير في تاريخ خليفة (٩٣) والاستيعاب ( ٧٨٨).
(٨)

٥٦
وفيات سنة ١١ هـ
وأبو أمية صفوانُ (١) بن أمية بن عمرو .
ويزيد بن أوس(٢) حليف بني عبد الدار .
وحُبَّى(٣) ويقال: مُعَلَّى(٤) بن حارثةُ(٥) الثقفي .
وحبيب بن أسيد بن جارية الثقفي .
والوليد بن عبد شمس المخزومي .
وعبد الله بن عمرو بن بُجرة العدوي .
وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي ، وهو من مهاجرة الحبشة .
وعبد الله بن الحارث بن قيس .
وعبد الله بن مَخْرمة بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عَبْد ودّ بن نَصْر العامري ، من المهاجرين الأولين ،
شهد بدراً وما بعدها ، وقتل يومئذ .
وعمرو بن أويسُ(٦) بن سعد بن أبي سرح العامري .
وسَليط بن سليط(٧) بن عمرو العامري .
وربيعة بن أبي خَرشة العامري .
وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بني عامر .
ومن الأنصار غير من ذكرنا تراجمهم :
عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري ، وهو أخو عمرو بن حزم ، كانت معه رايةُ قومه يومَ الفتح ،
وقد شهد بدراً وقُتل يومئذ .
وعُقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام السَّلَمِي ، شهد العقبة الأولى وشهد بدراً وما بعدها .
تاريخ خليفة (٩١) والاستيعاب (٧٢٢).
(١)
(٢)
تاريخ خليفة ( ٩٢) والاستيعاب (٦٤٩/٣) هامش الإصابة .
بضم الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة الممالة ، قيده الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٣١٠) وقبله الأمير في
(٣)
الإكمال (٥٨٣/٢)، وهو كذلك بخط الذهبي في تاريخ الإسلام. ويقال فيه: ((حييٍ)) بياءين آخر الحروف، ويقال
((حيّ)) بالحاء المهملة وياء واحدة، كما في تاريخ خليفة (٩٢) ونص عليه الأمير نقلاً عن الطبري (بشار).
(٤)
هكذا بخط الذهبي ( الورقة ١٨٧ في تاريخ الإسلام ) من مجلد آيا صوفيا .
وقيل: ((جارية)) كما بينه الأمير في الإكمال (٥٨٣/٢ - ٥٨٤)، ووجدناه مجوداً بخط الذهبي في تاريخ الإسلام .
(٥)
هكذا بخط الذهبي أيضاً (الورقة ١٨٧ من مجلد آيا صوفيا ٣٠٠٥)، وفي الاستيعاب (١٧١٩/٣): عمرو بن أبي
(٦)
أويس .
(٧) سقط هذا الاسم من ط ، وأثبتناه من الاستيعاب (٢/ ٦٤٥)، وخط الذهبي.

٥٧
وفيات سنة ١١ هـ
وثابت بن هزَّال من بني سالم بن عوف ، بدري . في قول .
وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بني جَحْجَبى ، شهد بدراً وما بعدها ، فلما كان يوم اليمامة أصابه
سهم فنزعه ثم تحزم وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل ، وقد أصابته جراحات كثيرة .
وعبد الله بن عتيك .
ورافع بن سهل .
وحاجب بن زيد(١) الأشهلي .
وسهل بن عدي .
ومالك بن أوس .
وعمير(٢) بن أوس .
وطلحة بن عتبة من بني جَحْجبى .
ورَباح مولى الحارث .
ومعن بن عدي .
وجزء بن مالك بن عامر من بني جَحْجَبَى .
وودقة (٣) بن إياس بن عمرو الخزرجي بدري .
وجَرْول(٤) بن العباس .
وعامر بن ثابت .
وبشر بن عبد الله الخزرجي .
وكليب بن تميم(٥)
وعبد الله بن عِتْبان .
(١) في تاريخ خليفة (٩٤) والاستيعاب (٢٨٠) وأسد الغابة (٣٧٧/١): حاجب بن يزيد، وفي الإصابة
(٢٧٣/١) : ابن زيد أو يزيد .
في ط : عمر ؛ وما هنا عن تاريخ خليفة (٩٥) وكلاهما أخوان ، وعمير هو المقصود ، وأما عمر فقتل يوم جسر
(٢)
أبي عبيد ، الاستيعاب (١١٦٥ و١٢١٢ ).
في اسمه واسم أبيه خلاف كبير. تاريخ خليفة (٩٤/١) والاستيعاب (٦٧) وأسد الغابة (٤٤٢/٥).
(٣)
في ط : مروان ، وهو تحريف ، والتصحيح من تاريخ خليفة (٩٥) والاستيعاب (٢٦٢).
(٤)
في بعض المصادر : كليب بن بشر بن تميم ، وترجمته في تاريخ خليفة ( ٩٥). والاستيعاب (١٣٢٨) وفي
(٥)
مصادر أخرى : كليب بن تميم بن نسر . الإصابة ( ٣٠٦/٣) .

٥٨
وفيات سنة ١١ هـ
وإياس بن وديعةُ(١)
وأسعد(٢) بن يربوع .
وسعد بن حارثة(٣)
وسعد(٤) بن حمان .
ومخاشن(٥) من (٦) حمير .
وسلمة بن مسعود ، وقيل : مسعود بن سنان .
وضمرة بن عياض .
وعبد الله بن أنيس(٧)
وأبو حَبّة بن غَزِيّة المازني .
(١) هكذا في ط وتاريخ الإسلام للذهبي بخطه ، وكتب الذهبي في حاشية نسخته ((ودفة)) أي أنه يقال فيه ذلك أيضاً .
وقد رجح ابن الأثير في أسد الغابة (( ودفة )» بالفاء .
(٢) هكذا في الأصل والمطبوع، وهو كذلك بخط الذهبي في تاريخ الإسلام (الورقة ١٨٧ من مجلد أيا صوفيا ٣٠٠٥)،
وكذا ترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب (٩٥/١)، وابن حجر في الإصابة (١/ ٥٠) وغيرهم. وذكر ابن عبد البر في
الاستيعاب (٨٢/١) وابن الأثير في أسد الغابة (٨٨/١) وابن حجر في الإصابة (٣٥/١) (( أسعد بن يربوع الأنصاري
الخزرجي الساعدي)) وذكروا جميعاً أنه استشهد يوم اليمامة أيضاً . ولم يشيروا إلى هذا الخلف الواقع في الأسماء ،
فهل هما أخوان استشهدا يوم اليمامة أم هو اختلاف في التسمية بين المؤرخين؟ وأنا أرجح الأخير ، فالذي (( أُسيداً))
هو ابن إسحاق والواقدي والعسكري ووثيمة ، وذكره موسى بن عقبة عن الزهري. أما الذي ذكره باسم ((أسعد )) فهو
سيف بن عمر ومن أخذ عنه ، فهما واحد ، والله أعلم (بشار) .
في تاريخ خليفة (٩٦) والإصابة (٢٣/١): سعد بن جارية، وهو كما هنا فى الاستيعاب (٥٨٣) وأسد الغابة
(٣)
(٣٤٢/٢) وتاريخ الإسلام ( بخط الذهبي) .
(٤)
في ط : سهل؛ وهو تحريف. وفي اسم أبيه خلاف بين حمار وجَمَّاز . تاريخ خليفة (٩٦) والاستيعاب (٥٨٥)
وأسد الغابة (٣٤١/٢) والإصابة (٢٣/٢).
(٦) في ط: ((من)) خطأ، وما هنا يعضده ما في تاريخ الإسلام للذهبي (بخطه) وهو الذي ينقل منه المصنف ، وقال ابن
في ط : محاسن ؛ تحريف . تاريخ خليفة (٩٦) والاستيعاب (١٤٦٥).
(٥)
عبد البر في الاستيعاب: (( مخاشن الحميري )) (بشار).
(٧) هكذا في خ وط وتاريخ الإسلام للذهبي بخطه ، وهي رواية الواقدي فيما ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة
(٢/ الترجمة ٤٥٤٨). ثم ذكر أنه هو الجهني. وأشار ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٧٤٩) أن ضمرة بن عياض
الجهني هو ابن عم عبد الله بن أنيس ، وهو بذلك لا يقر بأن عبد الله بن أنيس صحابي استشهد يوم اليمامة - كما ذكره
الواقدي - بل كأنه يشير إلى عبد الله بن أنيس الذي عاش إلى سنة ٥٤هـ كما في الاستيعاب (٨٦٩/٣ - ٨٧٠) وتهذيب
الكمال (٣١٦/١٤). وإنما ذكر الذهبي رواية الواقدي في أسماء شهداء اليمامة، فتابعه المؤلف ابن كثير (بشار).

٥٩
وفيات سنة ١١ هـ
وحبيب(١) بن زيد .
وحبيب بن عمرو بن محصن .
وثابت بن خالد .
وفروة بن النعمان .
وعائذ بن ماعص .
ويزيد بن ثابت بن الضحاك ، أخو زيد بن ثابت .
قال خليفة بن خياط(٢) :
فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار يوم اليمامة ثمانية وخمسون رجلاً .
يعني وبقية الأربعمئة والخمسين من غيرهم والله أعلم .
وقد قُتل من الكفار فيما سُقْنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون والمشركون في هذه وأوائل التي
قبلها ، ما ينيف على خمسين ألفاً ، ولله الحمد والمنة ، وبه التوفيق والعصمة .
فمن مشاهيرهم :
الأسود العنسي لعنه الله ، واسمه عبهلة بن كعب بن غوث ، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها
كهف خبان ومعه سبعمئة مقاتل ، فما مضى شهر حتى تَملَّك صنعاء ثم استوسقت (٣) له اليمن بحذافيرها في
أقصر مدة ، وكان معه شيطان يحذق له ولكن خانه أحوج ما كان إليه . ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة
أشهر حتى قتله الله على يدي إخوان صدق ، وأمراء حق ، كما قدمنا ذكره وهم داذَوَيْه الفارسي ، وفَيْروز
الديلمي ، وقيس بن مَكْشوح المُرادي ، وذلك في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة ، قبل وفاة
رسول الله وَ لوه بليال، وقيل بليلة، فالله أعلم.
وقد أطلع الله رسوله ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه .
ومنهم :
مُسَيْلمة بن حَبيب اليَماميّ الكَذَّاب: قدمَ المدينةَ وافداً إلى رسول الله وَّل مع قومه بني حنيفة ، وقد
وقف عليه رسول الله وَّر فسمعه وهو يقول: إن جعلَ لي محمدٌ الأمرَ من بعده اتَّبعته، فقال له: ((لو
سألتني هذا العود - لعرجون في يده - ما أعطيتكه ، ولئن أدبرت ليعقرنَّكَ اللهُ، وإني لأراك الذي أريت فيه
كتب الذهبي في الحاشية أنه فى نسخة: ((خباب))، وكذلك جاء في ط .
(١)
في الأصل: حنَّاط ، وهو خطأ ، والخبر في تاريخه ص(١١٥).
(٢)
في ط: ((استوثقت)) محرفة، واستوسق : اجتمع .
(٣)

٦٠
وفيات سنة ١١ هـ
ما أريت)) وكان رسول الله وَل قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمَّه شأنهما، فأوحى الله
إليه في المنام انفخهما ، فنفخهما فطارا ، فأوَّلهما بكذَّابين يخرجان ، وهما صاحب صنعاء ، وصاحب
اليمامة . وهذا وقع ، فإنهما ذهبا وذهب أمرهما ، أما الأسودُ فذُبح في داره ، وأما مُسيلمةُ فعقره الله على
يَدَيْ وَحْشي بن حرب، رماهُ بالحربة فأنفذه كما تُعْقرُ الإبلُ، وضربه أبو دُجانة على رأسه ففَلقَهُ وذلك بعُقْرِ
داره في الحديقةِ التي يقال لها حديقةُ الموتِ(١)
وقد وقف عليه خالد بن الوليد وهو طريحٌ - أراه إياه من بين القتلى مُجَّاعة بن مُرارة - ويقال : كان
أصفر أُخينس، وقيل : كان ضخماً أسمرَ اللون كأنه جملٌ أورقُ ، ويقال : إنه ماتَ وعمرُه مئةٌ وأربعون
سنة ، فالله أعلم .
وقد قتل قبله وزيراه ومستشاراه لعنهما الله ، وهما :
مُحكَّمُ بن الطُّفَيْلِ الذي يقال له مُحكَّمُ اليمامة ، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر ، رماه بسهم. وهو
يخطبُ قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله .
والآخر نَهار بن عُنْقُوة الذي يقال له الرَّجَّالُ بن عُنْفُوة، وكان ممَّن أسلم ثم ارتدَّ وصدَّقَ مسيلمةَ لعنهما
الله في هذه الشهادة ، وقد رزق الله زيد بن الخطاب قتله قبل أن يُقتل زيد رضي الله عنه .
ومما يدل على كذب الرَّجَّال في هذه الشهادة الضرورة في دين الإسلام ، وما رواه البخاري وغيره أن
مسيلمةَ كتبَ إلى رسول الله وَّلَه: بسم الله الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله
سلام عليك : أما بعدُ فإني قد أَشركت معكَ في الأمر ، فلك المدرُ ولي الوبرُ - ويُروى فلكم نصف الأرض
ولنا نصفها - ولكنَّ قريشاً قوم يعتدون .
فكتب إليه رسول الله وَله: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب،
سلامٌ على من اتَّبِعَ الهُدى ، أما بعد فإن الأرضَ لله يورثُها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتقين )).
وقد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمةُ ويتعاناه لعنه الله من الكلام الذي هو أسخفُ من الهَذَيان ، مما كان
يزعمُ أنه وحيٌّ من الرحمن ، تعالى الله عمّا يقولُه وأمثاله علواً كبيراً .
ولما مات رسول الله وَّهِ زعمَ أنه استقلّ بالأمر من بعده واستخفَّ قومَهُ فأطاعوه، وكان يقول: [ من
المتقارب ]
وَبِِّّي محاسِنَ هذا النَّبي
خُذي الدُّفَّ يا هذهِ والعِي
وَقَام نَبِيُّ بني يَعرِبِ
تولَّى نبيُّ بَني هاشم
فلم يُمهله اللهُ بعد وفاةٍ رسول الله وَّيّةٍ إلَّ قليلاً حتى سلَّط اللهُ عليه سيفاً من سيوفه، وحتفاً من حتوفه
(١) الحديث رواه البخاري فى صحيحه (٤٣٧٨) و(٤٣٧٩) في المغازي و(٧٤٦١) في التوحيد.