Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
رجلٌ من بني سلاَمَان بن سعد ، عن أبيه عن أمه ، عن خالِه - أو أن خالَه أو خالَها - حبيب بن فويك
حدَّثها :
أن أباه خرجَ إلى رسول الله وَّه وعينَاه مُبيضَّتان، لا يُبصر بهما شيئاً أصلاً، فسأله: ((ما أصابَك؟ ))
فقالت: كنت أُمرىء(١) جملاً لي فوقعت رجلي على بيض حيّة فأُصبتُ ببصري، قالَ : فنفثَ
رسولُ اللهِوَّه في عينيه فأبصرَ، فرأيتُه وإنه ليُدخِلُ الخيطَ في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة ، وإن عينيه
.(٢)
لمبيضتان(٢).
قال البيهقي : كذا في كتابه . وغيره يقول : حبيب بن مدرك(٣) . قال : وقد مضى في هذا المعنى
حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته ، فردها رسول الله إلى موضعها ، فكان لا يدري
أيهما أصيبت (٤) .
قلت : وقد تقدم ذلك في غزوة أحد .
وقد ذكرنا في مقتل أبي رافع مسحَه بيده الكريمة على رجلٍ عبد الله بن عتيك - وقد انكسرَ ساقُه - فَبَرأ
من ساعته .
وذكر البيهقي بإسناده: أنه مُ ◌ّل﴾ مسح يد محمد بن حاطب - وقد احترقت يده بالنار - فبرأ من ساعته(٥)
وأنه عليه الصلاة والسلام نَفَثَ في كف شُرَحبيل (٦) الجُعفِيِّ، فذهبت من كفِّه سلعَة كانت به .
قلت : وتقدَّم في غزوة خيبر تفلُه في عيني عليٍّ وهو أرمد فبرأ .
وروى الترمذي(٧) عن عليٍّ حديثه في تعليمه عليه السلام ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه .
وفي الصحيح(٨) أنه قال لأبي هريرة وجماعة: ((مَن يَبسطُ رداءَه اليوم فإنه لا ينسى شيئاً من
مقالتي)) ، قال : فبسطته فلم أنس شيئاً من مقالته تلك ، فقيل : كان ذلك حفظاً من أبي هريرة لكل
ما سمعه منه في ذلك اليوم ، وقيل : وفي غيره ، فالله أعلم .
(١) كذا في الأصل ، وفي الاستعياب: أمرّن، وفي المطبوع: أرعى.
(٢)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ١٧٣) وفي إسناده جهالة .
(٣) لم أجد ذلك في دلائل البيهقي المطبوع .
(٤)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٧٣/٦).
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٧٤٦٦ = ١٧٥، ١٧٦) والنسائي في السنن الكبرى وفي عمل اليوم والليلة رقم (١٠٢٤)
(٥)
ورواه أحمد في مسنده(٢٥٩/٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٥٣ و٢٥٤) وهو حديث حسن .
(٦) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٧٦/٦) وإسناده ضعيف.
(٧) رواه الترمذي في الجامع رقم (٣٥٧٠) في الدعوات ، وقال : هذا حديث غريب ( يعني ضعيف ).
(٨) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٤٨) في المناقب.

٢٤٢
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
ودعا لسعد بن أبي وقاص(١) فبرأ .
وروى البيهقي(٢)؛ أنه دعا لعمه أبي طالب في مرضةٍ مرضها، وطلب من رسول الله وَّ ل أن يدعوَ له
ربّه ، فدعا له فبرأ من ساعته .
والأحاديث فى هذا كثيرة جداً يطول استقصاؤها .
وقد أورد البيهقيُّ من هذا النوع كثيراً طيِّباً أشرنا إلى أطراف منه ، وتركنا أحاديث ضعيفة الإسناد ،
واكتفينا بما أوردنا عما تركنا ، وبالله المستعان .
حديث آخر : ثبت في الصحيحين(٣) من حديث زكريا بن أبي زائدة ، زاد مسلم : والمغيرة ، كلاهما
عن شراحيل الشعبي ، عن جابر بن عبد الله :
أنه كان يسيرُ على جمل قد أعيا، فأراد أن يُسَيِّبَه، قال: فلحقني رسولُ اللهُ بَّه فضربَه ودعا لي ،
فسارَ سيراً لم يسر مثلَه .
وفي رواية : فما زال بين يدي الإبل قدَّامَها حتى كنتُ أحبسُ خِطامَه فلا أقدرُ عليه، فقال: (( كيف
ترى جملك؟ )) فقلت: قد أصابتهُ بركتُك يا رسولَ الله، ثم ذكرَ أن رسولَ الله ◌ُ لّ اشتراه منه.
واختلفَ الرواة في مِقدارِ ثمنِه على روايات كثيرة ، وأنه استثنى حِملانَه إلى المدينة ، ثم لما قدِمَ
المدينةَ جاءَه بالجمل فنقدَه ثمنَه وزادَه ، ثم أطلقَ له الجملَ أيضاً ، الحديث بطوله .
حديث آخر : روى البيهقي واللفظ له ، وهو في صحيح البخاري(٤) ، من حديث حسن بن محمد
المروزي ، عن جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك ، قال :
فَزِعَ الناسُ فركبَ رسولُ الله ◌َّلَهَ فرساً لأبي طلحةُ بطيئاً، ثم خرجَ يركضُ وحده ، فركبَ الناسُ
يركضون خلفَ رسول الله ◌ِّله. فقال: ((لن تُراعوا إنه لبحرٌ)) قال: فوالله ما سُبق بعدَ ذلك اليوم.
حديث آخر : قال البيهقي(٥) أخبرنا أبو بكر القاضي ، أنبأنا حامد بن محمد الهروي ، حدَّثنا علي بن
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٦٢٨) (٨) في الوصية.
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٧٠) وفي إسناده: هيثم البكاء؛ وهو ضعيف كما ذكر ذلك البيهقي. وقال ابن معين:
الهيثم بن جماز الحنفي البكاء : كان قاصاً بالبصرة ، وهو ضعيف وقال مرة : ليس بذاك . المجروحين (٩١/٣)
وميزان الاعتدال (٣١٩/٤) والكامل في الضعفاء (٧/ ٢٥٦٠).
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٧١٨) في الشروط، ومسلم في صحيحه رقم (٧١٥) (١٠٩)و(١١٠) في
المساقاة .
(٤) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٥٢-١٥٣) وهو عند البخاري في صحيحه رقم (٢٩٦٨) في الجهاد .
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ١٥٣).

٢٤٣
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
عبد العزيز ، حدَّثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ، حدَّثنا رافع بن سلمة بن زياد ، حدَّثني عبد الله بن أبي
الجعد ( الأشجعي ) ، عن جُعَيل الأشجعي ، قال :
غزوتُ مع رسول اللهِ وَّر في بعض غزواته، وأنا على فرسٍ لي عَجفَاءَ ضعيفة ، قال : فكنتُ في
أخريات الناس، فلحقني رسولُ الله ◌َ ﴿ وقال: (( سر يا صاحبَ الفرس)) فقلت: يا رسولَ الله عَجِفَاء
ضَعيفة، قال: فرفعَ رسول اللهِوَ ه مِخْفَقَةُ(١) معه فضربَها بها وقال: ((اللهم بارك له)) قال: فلقد رأيتني
أمسكُ برأسِها أن تقدَمَ الناسَ ، ولقد بعتُ من بطنها باثني عشر ألفاً .
ورواه النسائي(٢) عن محمد بن رافع ، عن محمد بن عبد الله الرقاشي ، فذكره .
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن عبيد بن يعيش ، عن زيد بن الخُباب ، عن رافع بن سلمة
الأشجعي ، فذكره .
وقال البخاري في (( التاريخ)(٣): وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبي الجعد : حدَّثني أبي ، عن
عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم ، عن جُعيل ، فذكره .
حديث آخر : قال البيهقي(٤) : أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، أنبأنا أبو سهل بن زياد
القطان ، حدَّثنا محمد بن شاذان الجوهري ، حدَّثنا زكريا بن عدي ، حدَّثنا مروان بن معاوية ، عن
يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال :
جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَله فقال: إني تزوّجتُ امرأةً، فقال: (( هلا نظرتَ إليها فإن في أعين الأنصار
شيئاً؟)) قال: قد نظرتُ إليها، قال: ((على كم تزوجتَها؟)) فذكر شيئاً قال: ((كأنَّهم يَنحِتُون الذهبَ
والفضةَ من عُرضِ هذه الجبال ، ما عندنا اليومَ شيءٌ نعطيكَه، ولكن سأبعثُك في وجه تُصيب فيه )) فبعثَ
بَعثاً إلى بني عبس وبعثَ الرجلَ فيهم ، فأتاه ، فقال : يا رسول الله ، أعيَتني ناقتي أن تنبعثَ ، قال :
فناوله رسولُ الله ◌َ لِ يدَه كالمعتمد عليه للقيام ، فأتاها فضربَها برجله .
قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده لقد رأيتُها تسبقُ به القائدَ .
رواه مسلم(٥) في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان .
(١) ((مخفقة)): شيءٌ يضرب به نحو سَيرٍ أو دِرَّة. القاموس.
(٢) في السنن الكبرى رقم (٨٨١٨): في السير ، باب ضرب الفرس .
(٣)
البخاري في التاريخ (٢٤٩/٢/١) .
في دلائل النبوة (١٥٤/٦) .
(٤)
(٥) في صحيحه رقم (١٤٢٤) (٧٥) في النكاح . وفيه : كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج .

٢٤٤
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
حديث آخر : قال البيهقي (١) : أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المُزَكِّي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن
يعقوب، حدَّثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا أبو جعفر بن عون، أخبرنا الأعمش، عن مجاهد:
إن رجلاً اشترى بعيراً فأتى رسولَ اللهِ لّه فقال: إني اشتريتُ بعيراً فادعُ الله أن يُبارك لي فيه ، فقال :
((اللهم بارك له فيه)) فلم يلبث إلا يسيراً أن نَفَقَ، ثم اشترى بعيراً آخر، فأتى به رسولَ الله ◌َّ فقال: إني
اشتريتُ بعيراً فادعُ الله أن يُبارك لي فيه، فقال: (( اللهم بارك له فيه )) فلم يلبث حتى نَفَقَ ، ثم اشترى بعيراً
آخرَ، فأتى رسولَ اللهِوَ ◌ّه فقال: يا رسول الله، قد اشتريتُ بعيرين فدعوتُ الله أن يُبارك لي فيهما ، فادعُ
الله أن يحملني عليه، فقال: ((اللهم احمله عليه)) فمكثَ عندَه عشرين سنة(٢).
قال البيهقي : وهذا مرسل ، ودعاؤه عليه الصلاة والسلام صارَ إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين.
حديث آخر : قال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي ، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله
الميكالي ، حدَّثنا علي بن سعد العسكري ؛ أخبرنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خَلاَّد الواسطيّ ، حدَّثنا
يزيد بن هارون ، أخبرنا المُستلمُ بنُ سعيد ، حدَّثنا خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن إساف ، عن أبيه ،
عن جده خبيب بن إساف قال :
أتيتُ رسولَ اللهِ وَّه، أنا ورجلٌ من قومي في بعض مغازيه، فقلنا : إنا نشتهي أن نشهَد معك
مشهداً، قال: ((أسلمتم؟)) قلنا: لا، قال: ((فإنا لا نستعينُ بالمشركين على المشركين)) قال :
فأسلمنا٣) وشهدتُ مع رسول الله وَّ فأصابتني ضربةٌ على عاتقي فجافتني، فتعلَّقَت يدي ، فأتيتُ
رسولَ الله وَّهِ، فتفْلَ فيها وألزقَها فالتأمت وبرأت، وقتلتُ الذي ضربني، ثم تزوّجتُ ابنةَ الذي قتلته(٤)
وضربني ، فكانت تقول : لا عدمتُ رجلاً وشَّحَكَ هذا الوِشَاح، فأقول: لا عدمت رجلاً أعجلَ(٥) أباك
إلى النار .
وقد روى الإمام(٦) أحمد هذا الحديث، عن يزيد بن هارون بإسناده مثلَه، ولم يذكر : فتفلَ فيها
فبرأَت .
(١) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ١٥٤_١٥٥) وتتمة كلام البيهقي: ثم سأله صاحب البعير الدعاء بأن يحمله عليه؛ وقعت
الإجابة إليه أفضل زكاة وأطيبها وأنماها . وهو حديث مرسل ، والمرسل ضعيف .
(٢) في دلائل النبوة (٦/ ١٧٨).
(٣)
في دلائل البيهقي : فأسلمت .
في دلائل البيهقي : ثم تزوجت ابنة الذي ضربته فقتلته . وفيها تحريف .
(٤)
(٥) في دلائل البيهقي : عجَّلَ .
(٦) في المسند: (٤٥٤/٣)، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤١٨/١) عن أحمد بن منيع ، وإسناده ضعيف ،
لجهالة والد خبيب بن عبد الرحمن ، على أن قوله : إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين . صحيح من غير هذا
الوجه .

٢٤٥
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
حديث آخر : ثبت في الصحيحين ، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن ورقاء بن عمر
السكري ، عن عبد الله بن يزيد ، عن ابن عباس ، قال :
أتى رسولُ الله وَّه الخلاءَ، فوضعت له وَضُوءاً، فلما خرجَ قال: (( من صنع هذا؟ )) قالوا: ابنُ
عباس ، قال: (( اللهم فقهه في الدين ))(١) .
وروى البيهقيُّ عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن عباس الدَّورقي ، عن الحسن بن موسى
الأشيب ، عن زهير ، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس :
أن رسول الله بَّه وضعَ يدَه على كتفي - أو قال: منكبي، شك سعيد - ثم قال: (( اللهم فقهه في
الدين ، وعلمه التأويل))(٢) .
وقد استجاب الله لرسوله بم قر هذه الدعوة في ابن عمه ، فكان إماماً يُهتدى بهداه ، ويُقتدى بسناه في
علوم الشريعة ، ولاسيما في علم التأويل وهو التفسير ، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبلَه ، وما كان عقَلَه
من كلام ابن عمه رسول الله وَله .
وقد قال الأعمش عن أبي الضحى(٣)، عن مسروق، قال: قال عبد الله بن مسعود : لو أن ابن عباس
أدرك أسناننا ما عاشَره أحدٌ منا، وكان يقول لهم : نعم ترجمان القرآن ابن عباس(٤).
هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة ، فما ظنك بما حصله
بعده في هذه المدة ؟
وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال : خطبَ النَّاسَ ابنُ عبَّاسٍ في عشيّة عرفَةَ ففسَّرَ لهم سورةَ البقرة ،
أو قال سورةً ، ففسَّرَها تفسيراً لو سمعه الروم والترك والديلم لأسلمو(٥) . رضي الله عنه وأرضاه .
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٤٣) في الوضوء، ومسلم في صحيحه رقم (٢٤٧٧) في فضائل الصحابة .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٩٢/٦ - ١٩٣) والحاكم في المستدرك (٥٣٤/٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم
يخرجاه ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ١٠٠): وهذه اللفظة اشتهرت على الألسنة (( اللهم فقهه في الدين ، وعلمه
التأويل)) حتى نسبها بعضهم للصحيحين ، ولم يُصب ، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ من طريق ابن خُثَيم عن سعيد بن
جُبير ، عن ابن عباس ، وعند الطبراني من وجهين آخرين . وانظر المسند بشرح أحمد شاكر رحمه الله رقم (٣٠٣٣).
(٣) في دلائل البيهقي : عن مسلم بن صُبيح: وهو أبو الضحى. تقريب التهذيب (ص ٥٣٠) ترجمة رقم (٦٦٣٢) طبعة
دار الرشيد بحلب ١٤٠٦ هـ .
(٤) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٩٣/٦) وهما حديثان عند الحاكم في المستدرك (٥٣٧/٣) وصححهما . وقال الحافظ ابن
حجر في الفتح (٧/ ١٠٠) : وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بإسناد صحيح ، عن ابن مسعود : لو أدرك ابن
عباس أسناننا ...
(٥) رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه بإسناد صحيح عن أبي وائل ، كما رواه أبو نعيم في الحلية من وجه آخر . فتح
الباري (٧/ ١٠٠) .

٢٤٦
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
حديث آخر : ثبت في الصحيح(١) أنه عليه الصلاة والسلام دعا لأنس بن مالك بكثرة المال والولد ،
فكان كذلك ، حتى روى الترمذيُّ(٢) عن محمود بن غيلان ، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي خلدة ،
قال : قلتُ لأبي العالية : سمعَ أنس من النبي ◌َّ؟ فقال : خدمه عشر سنين ودعا له، وكان له بستان(٣)
يحمل في السنة الفاكهة مرتين ، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك .
وقد روينا في الصحيح(٤) أنه ولد له لصلبه قريب من مئة أو ما ينيف عليها، وفي رواية: أنه بَّه قال:
((اللهم أطل عمرَه )) فعمَّره مئة .
وقد دعا ◌َ ◌ّ لأم سُليم ولأبي طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاماً سمَّاه رسولُ اللهِ وَ لِ عبدَ الله،
فجاءَ من صُلبه تسعة كلُّهم قد حفظَ القرآن ، ثبت ذلك في الصحيح(٥) .
وثبت في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي كثير الغُبَريِّ ، عن أبي هريرة :
أنه سألَ رسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ أن يدعوَ لأمِّه فيهديَها الله، فدعا لها، فذهبَ أبو هريرة فوجدَ أمَّه تغتسلُ خلفَ
الباب ، فلما فرغت قالت : أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمّداً رسولُ الله ، فجعلَ أبو هريرة يبكي
من الفرح ، ثم ذهبَ فأعلمَ بذلك رسولَ الله ، وسألَه أن يدعوَ لهما أن يُحبِّبَهما الله إلى عباده المؤمنين ،
فدعا لهما ، فحصلَ ذلك ، قال أبو هريرة : فليس مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا وهو يُحِبُّنا٦).
وقد صدقَ أبو هريرة في ذلك رضي الله عنه وأرضاه ، ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكره في أيام
الجمع حيثُ يذكُره الناسُ بين يدي خُطبةِ الجمعة ، وهذا من التقييض القدَري والتقدير المعنوي .
وثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام ، دعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريضٌ فعُوفِي ، ودعا له
أن يكون مُجابَ الدعوة، فقال: ((اللهم أجبْ دعوتَه وسدِّد رَميَتَه (٧) فكان كذلك ، فنعمَ أميرُ السرايا
والجيوش كان .
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٣٣٤) و(٦٣٤٤) في الدعوات، ومسلم في صحيحه رقم (٢٤٨١) في فضائل الصحابة.
(٢) رواه الترمذي في الجامع رقم (٣٨٣٣)، وقال : هذا حديث حسن غريب.
(٣) بستان : في البصرة .
(٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤٨١) (١٤٣).
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٣٠١) في الجنائز، و(٥٤٧٠) في العقيقة، ومسلم في صحيحه رقم (٢١٤٤) في
الآداب .
(٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٤٩١) في فضائل الصحابة .
(٧) رواه الحاكم في المستدرك (٥٠٠/٣) بلفظ : اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته . وقال : هذا حديث تفرد به
يحيى بن هانىء بن خالد الشجري ، وهو شيخ ثقة من أهل المدينة ، ووافقه الذهبي . وإسناده ضعيف وله شواهد
فهو بها حسن .

٢٤٧
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
وقد دعا١) على أبي سَعدة أسامةَ بن قتادة ، حين شَهِدَ فيه بالزّور بطولِ العمر ، وكثرة الفقر ،
والتعرّض للفتن، فكان ذلك ، فكان إذا سُئل ذلك الرجلُ يقول : شيخٌ كبيرٌ مَفتون أصابتني دعوةٌ
سعد٢) .
وثبت في صحيح البخاري وغيره: أنه ◌َّ دعا السائب بن يزيد، ومسحَ بيده على رأسِه(٣) فطالَ عُمُره
حتى بلغَ أربعاً وتسعين سنة، وهو تامُّ القامةِ مُعتدل، ولم يشب منه موضعٌ أصابت يدُ رسول الله وَثَةٍ،
ومُتِّعَ بحواسه وقواه(٤)
وقال أحمد : حدَّثنا حرمي بن عُمارة، حدَّثَنَا عَزْرَةُ بن ثابت، حدَّثنا عِلبَاءُ بن أحمر ، حدَّثني أبو زيد
الأنصاري ، قال :
قال لي رسول الله وَّل: ((ادنُ مني)) فمسحَ بيده على رأسي، ثم قال: ((اللهم جَمِّله وأدم جمالَه))
قال : فبلغَ بِضعَاً ومئة - يعني سنة - وما في لحيته بياضٌ إلا نُبذ يسيرة(٥)، ولقد كان مُنبسطَ الوجه لم
ینقبض وجهُه حتى مات (٦) .
قال السهيلي : إسناده صحيح موصول .
ولقد أوردَ البيهقيُّ لهذا نظائرَ كثيرة في هذا المعنى ، تشفي القلوب ، وتحصّل المطلوب .
وقد قال الإمام أحمد : حدَّثنا عارم ، حدَّثنا معتمر ، وقال يحيى بن معين : حدَّثنا عبد الأعلى ،
حدَّثنا معتمر - هو ابن سليمان - قال : سمعتُ أبي يُحدِّث عن أبي العلاء قال :
كنتُ عند قتادةَ بن مِلحَان في مرضِه الذي مات فيه ، قال : فمرَّ رجلٌ في مؤخر الدار ، قال : فرأيتُه
في وجهِ قتادةَ ، وقال: كان رسول الله وٍَّ قد مسحَ وجهَهُ، قال: وكنتُ قلَّما رأيته إلا ورأيتُ كأن على
وجهه الدِّهان(٧) .
(١) أي سعد بن أبي وقاص .
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧٥٥) في الأذان، ومسلم في صحيحه رقم (٤٥٣) في الصلاة.
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٤١) في المناقب ( باب خاتم النبوة ) ، ومسلم في صحيحه رقم (٢٣٤٥) في
الفضائل ( باب إثبات خاتم النبوة ) .
(٤) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٩) ما أشار إليه الحافظ ابن كثير من وصف السائب بن يزيد ، وقال : أخرجه
الطبراني في الكبير ، ورجال الكبير رجال الصحيح ، غير عطاء مولى السائب ، وهو ثقة .
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٧٧، ٣٤٠) وإسناده صحيح.
(٦) كذا في الأصل ، وفي المسند نبذ يسير ، وفي المطبوع : نبذة يسيرة.
(٧) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٧/٥ - ٢٨) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣١٩/٩) وقال: رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح .

٢٤٨
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
وثبت في الصحيحين(١) ؛ أنه عليه الصلاة والسلام دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه
ذلك الرَّدعُ(٢) من الزعفران لأجل العُرسِ، فاستجابَ الله لرسوله بََّ، ففتحَ له في المتجر والمغانم،
حتى حصلَ له مال جزيلٌ بحيث إنه لما مات صُولحت امرأةٌ من نسائه الأربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً.
وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غَرقَدَةً ؛ أنه سمع الحي يُخبرون عن عروةَ بن أبي الجَعد
المازني، أن رسول الله وَ ل﴿ أعطاه ديناراً ليشتري له به شاةً ((أُضحيةً)) فاشترى به شاتين ، وباع إحداهما
بدينار، وأتاه بشاةٍ ودينار، فقال له : (( باركَ الله لكَ في صفقة يمينك)) وفي رواية : فدعا له بالبركة في
البيع ، فكان لو اشترى التراب لربح فيه(٣) .
وقال البخاري : حدَّثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا ابن وهب ، حدَّثنا سعيد بن أبي أيوب ، عن أبي
عقيل :
أنه كان يخرج به جدُّه عبدُ الله بن هشام إلى السوق(٤) فيشتري الطعامَ فيلقاهُ ابنُ الزبير وابنُ عمر
فيقولان: أشركنا في بَيعك فإنَّ رسولَ الله ◌ِ له قد دعا لك بالبركة فيشركهم ، فربما أصابَ الراحلةَ كما هي
فيبعثُ بها إلى المنزل(٥)
وقال البيهقي : أخبرنا أبو سعد الماليني ، أنبأنا ابنُ عدي ، حدَّثنا علي بن محمد بن سليمان
الحلبي ، حدَّثنا محمد بن يزيد المستملي ، حدَّثنا شبابة بن عبد الله، حدَّثنا أيوب بن سَيَّار ، عن
محمد بن المنكدر ، عن جابر ، عن أبي بكر ، عن بلال ، قال :
أذَّنتُ في غداة باردة، فخرج النبيُّ ◌َ لَّ فلم يرَ في المسجد أحداً، فقال: (( أين الناس؟)) فقلت:
منعهم البَردُ ، فقال: ((اللهم أذهِب عنهم البَردَ )) فرأيتهم يَتَروَّ حون(٦) .
ثم قال البيهقي : تفردَ به أيوب بن سيّار، ونظيرُه(٧) قد مضى في الحديث المشهور عن حذيفة في
قصة الخندق .
(١) رواه البخاري في صحيحه في النكاح رقم (٢٠٤٩)، ومسلم في صحيحه رقم (١٤٢٧) في النكاح .
(٢)
((الرَّدع)»: أثر الطيب .
رواه البخاري رقم (٣٦٤٢) وأبو داود رقم (٣٣٨٤) وابن ماجه رقم (٢٤٠٢) وهو حديث صحيح .
(٣)
(٤)
في البخاري : من السوق - أو إلى السوق .
(٥)
رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٣٥٣) في الدعوات .
(٦) دلائل النبوة، للبيهقي (٢٢٤/٦) ودلائل النبوة ؛ لأبي نعيم رقم (٣٩٢)، وإسناده ضعيف ، فيه أيوب بن سيار
ضعيف ، وقال النسائي: متروك، وفيه المستملي ضعيف أيضاً. ميزان الاعتدال؛ للذهبي (٢٨٩/١)
والمجروحين (١٧١/١) والكامل في الضعفاء؛ لابن عدي (١/ ٣٤٠).
(٧) في دلائل البيهقي : ومثله .

٢٤٩
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
حديث آخر : قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الأصبهاني - إملاء - أنبأنا أبو إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل، حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله
الأويسي ، حدَّثنا علي بن أبي علي اللهبيّ ، عن ابن أبي ذِئب ، عن نافع ، عن ابن عمر :
أن رسولَ اللهَ وَّه خرجَ وعمر بن الخطاب معه، فَعَرَضَت له امرأةٌ ، فقالت: يا رسولَ الله، إني امرأة
مسلمةٌ محرمةٌ ، ومعي زوجٌ لي في بيتي مِثل المرأة، فقال لها رسول الله مَ ثّل: ((ادعي لي زوجك)) فدعته
وكان جَزَّار(١)، فقال له: (( ما تقول في امرأتك يا عبد الله ؟)) فقال الرجلُ: والذي أكرَمك ما جفَّ
رأسي منها، فقالت امرأته: جاء٢ُ) مرةً واحدة في الشهر، فقال لها رسولُ الله ◌ِلّ: ((أتبغضينه؟))
قالت: نعم ، فقال رسول الله وَ لّ: ((أدنيا رؤوسَكُما)) فوضعَ جبهتَها على جبهةِ زوجِها ثم قال: ((اللهم
ألّف بينهما وحبِّب أحدهما إلى صاحبه)).
ثم مرَّ رسول الله وَّهَ بسوق النَّمَطِ ومعه عمرُ بن الخطاب، فطلعتِ المرأةُ تحملُ أدماً على رأسها ،
فلما رأت رسولَ اللهِبَ ل﴿ طرحته وأقبلَت فقبَّلت رجليه، فقال: ((كيف أنت وزوجك؟)) فقالت: والذي
أكرمَك ما طارفٌ ولا تالدٌ أحبُّ إليَّ منه، فقال رسول اللهَوَّل: ((أشهدُ أني رسولُ الله)) فقال عمر: وأنا
أشهدُ أنك رسولُ الله(٣)
قال أبو عبد الله(٤): تفرَّدَ به علي بن أبي عليٍّ اللهبي، وهو كثير الرواية للمناكير .
قال البيهقي : وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله - يعني هذه
القصة - إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب .
حديث آخر : قال أبو القاسم البغوي : حدَّثنا كامل بن طلحة ، حدَّثنا حمّاد بن سلمة ، حدَّثنا علي بن
زيد بن جدعان ، عن أبي الطفيل :
أن رجلاً وُلد له غلامٌ، فأتى به رسولَ الله وَلَه، فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرةٌ في جبهته
كأنها هُلبَةُ) فرس ، فشبَّ الغلام ، فلما كان زمنُ الخوارج أجابهم فسقطت الشعرةُ عن جبهتهِ ، فأخذهُ
(١) كذا في الأصل ، وفي دلائل البيهقي : خرازاً.
(٢)
في دلائل البيهقي : ما مرةً واحدة في الشهر .
(٣) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٢٨/٦) وإسناده ضعيف، فيه علي بن أبي علي اللّهبي، من ولد أبي لهب ، يروي عن
الثقات الموضوعات ، وعن الثقات المقلوبات ، لا يجوز الاحتجاج به . وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال
أبو حاتم والنسائي: متروك. المجروحين (١٠٧/٢) الكامل في الضعفاء (١٨٣٠/٥) والقصة ظاهرة التكلف
والصنعة . بعيدة كل البعد عن إشراقة نور النبوة .
(٤) قال أبو عبد الله : أي الحاكم . وهذا ليس في المستدرك .
(٥) ((هُلبة فرس)): الهلبة ما فوق العانة إلى قريب من السرّة. النهاية (٢٦٨/٥).

٢٥٠
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
أبوه فحبسَه وقيّده مخافةَ أن يلحقَ بهم ، قال: فدخلنا عليه فوعظنَاه وقلنا له : ألم ترَ إلى بركةٍ
رسولِ الله ◌َّ وقعت؟ فلم نزل به حتى رجعَ عن رأيهم، قال: فردَّ الله تلك الشعرةَ إلى جبهتهِ إذ تابَ(١).
وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم وغيره ، عن الأصم ، عن أبي أسامة الكلبي ، عن
شريح بن مسلمة(٢) ، عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي ، حدَّثني سيف بن وهب ، عن أبي!
الطفيل :
أن رجلاً من بني ليث يُقال له: فِراسُ بن عمرو، أصابَه صداعٌ شديدٌ فذهبَ به أبوه إلى رسول الله الآن
فأجلسَه بين يديه، وأخذَ بجلدةٍ بين عينيه فجذبَها حتى تنقصت(٣)، فنبتت في موضع أصابعٍ رسول اللّه ◌َله
شعرةٌ ، وذهب عنه الصُّداع فلم يُصدع(٤) .
وذكر بقيّةَ القصة في الشعرة كنحو ما تقدم .
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدَّثنا هاشم بن القاسم الحرَّاني ، حدَّثنا يَعلى بن
الأشدق، سمعت عبدَ الله بن جَراد العقيلي، حدَّثني النابغة - يعني الجَعدِيّ - قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَل
فأنشدتُه من قولي :
علونا العبادَ عِفَّةً وتكرُّماً وإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مَظهَرا
قال : (( أين المظهرُ يا أبا ليلى؟)) قال: قلت: أي: الجنّة، قال: ((أجل إن شاءَ الله)) قال:
(( أنشدني )) فأنشدتُه من قولي :
وَلا خيرَ في ◌ِلمٍ إذا لَم يَكُنْ لَهُ بَوادِرُ تَحمي صَفْوَهُ أن يُكَدَّرا
حَلِيمٌ إِذَا مَا أَورَدَ الأمر أصدَرَ(٥)
وَلَا خَيرَ في جَهلٍ إذا لَم يَكُن لَهُ
قال: ((أحسنتَ لا يَفضُضِ الله فاك (٦)
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٢٣٠) وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان ، ضعفه ابن سعد والجوزجاني والنسائي،
وقال غيرهم: ليس بقوي. مات سنة ١٣٠ هـ. الكامل في الضعفاء (١٨٤٠/٥) وتهذيب التهذيب (٣٢٢/٦).
(٢) في المطبوع: ((سريج بن مسلم)) وهو تحريف ، وما أثبتناه من دلائل البيهقي، وهو من رجال التهذيب
(١٢ / ٤٤٨) وقد نص المزي على روايته عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي.
(٣) كذا في الأصل ، وفي دلائل البيهقي: تَنَقَّصَت ، وفي المطبوع : تبعضت : أي تجزأت .
دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٢٣١) وفي إسناده إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيمي كوفي يُكنى أبا يحيى ، ضعفه غير
(٤)
واحد . الكامل في الضعفاء (١/ ٣٠٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٨١) والخبر ظاهر الضعف .
((أورد الأمر وأصدرا)»: طلب تنفيذه ثم تراجع عنه حلماً منه.
(٥)
(٦) رواه البزار رقم (٢١٠٤) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٦/٨) وقال: رواه البزار وفيه يعلى بن الأشدق
ضعيف .

٢٥١
كتاب دلائل النبوة ( قصة الصبي الذي كان يُصرع ... )
هكذا رواه البزار إسناداً ومتناً .
وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال : أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن عبدان ، أنبأنا
أبو بكر بن محمد بن المؤمل ، حدَّثنا جعفر بن محمد بن سَوَّار ، حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد
السكري الرقي ، حدَّثني يَعلى بن الأشدَق قال : سمعتُ النابغةَ - نابغةَ بني جَعدة - يقول : أنشدتُ
رسول الله مَليل هذا الشعر، فأعجبَه :
بَلَغْنَا السَّماءَ مَجدَنَا وثراءَنا وَإِنا لَنرِجُو فَوقَ ذَلِكَ مَظهر(١)
فقال: ((أين المظهر يا أبا ليلى؟)) قلت: الجنة. قال: ((كذلك إن شاء الله)):
بَوادِرُ تَحمي صَفوَهُ أن يُكَدَّرا
وَلا خيرَ في حِلمٍ إذا لَم يَكُنْ لَهُ
حَلِيمٌ إذا ما أَورَدَ الأمر أصدَرَا
وَلَا خَيرَ في جَهلٍ إذا لَم يَكُن لَهُ
فقال النبي وََّ: ((أجدت لا يَفضُضِ الله فاكَ )) .
قال يعلى : فلقد رأيتُه ولقد أتى عليه نيّفٌ ومئة سنة وما ذهب له سِنُ(٢)
قال البيهقي(٣) : ورُوي عن مجاهد بن سليم ، عن عبد الله بن جَرَادٍ : سمعتُ نابغةَ يقول : سمعني
رسولُ اللهِ وَلَّ وأنا أنشدُ من قولي :
بَلَغْنا السَّماءَ عِقَّةً وتكَرُّماً وإِنَّا لَنرجو فَوقَ ذَلِكَ مظهرا
ثم ذكر الباقي بمعناه ، قال : فلقد رأيتُ سِنَّه كلها كأنها البَرَدُ المُنهَلُّ ما سقط له سنٍّ ولا انفلت.
حديث آخر : قال الحافظ البيهقي(٤) : أخبرنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن يوسف أبي عمرو ،
قالا : حدَّثنا الأصم ، حدَّثنا عباس الدوري، حدَّثنا علي بن بحر القطّان، حدَّثنا هشام(٥) بن يوسف ،
حدَّثنا معمر ، حدَّثنا ثابت وسليمان التيمي ، عن أنس :
(١) ((مظهراً)): أي ظهوراً وعلوَّاً وشهرة .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٣٢/٦ - ٢٣٣) ودلائل النبوة؛ لأبي نعيم رقم (٣٨٥)، والإصابة (٥٠٩/٣) وقال الحافظ
ابن حجر بعد أن ذكر مثله : وهكذا أخرجه البزار والحسن بن سفيان في مسنديهما ، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ،
والشيرازي في الألقاب ، كلهم من رواية يعلى بن الأشدق ، قال : وهو ساقط الحديث ... ثم ذكر عن أبي نعيم
شواهد ومتابعات يعتضد بها .
(٣) دلائل النبوة (٢٣٣/٦) والخصائص الكبرى؛ للسيوطي (٢/ ١٦٧) وعزاه لابن السكن . وفي إسناد عبد الله بن جراد
مجهول .
(٤)
في دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٢٣٦/٦) وإسناده صحيح .
(٥) فى المطبوع: ((هاشم)) محرف، وهو هشام بن يوسف الصنعاني من رجال البخاري.

٢٥٢
كتاب دلائل النبوة ( فصل )
أن رسولَ اللهِوَ لَهَ نظرَ قِبَلَ العراق والشام واليمن - لا أدري بأيتهن بدأ - ثم قال: ((اللهم أقبل بقلوبهم
إلى طاعتك وحطّ من أوزارهم (١)
ثم رواه عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، عن علي بن بحر بن بري ،
فذكره بمعناه(٢) .
وقال أبو داود الطيالسي : حدَّثنا عمران القطّان ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن زيد بن ثابت ،
قال: نظَرَ رسولُ اللهِوَلَ قِبَلَ اليمن فقال: ((اللهم أقبل بقلوبهم)) ثم نظرَ قِبَلَ الشام فقال: ((اللهم أقبل
بقلوبهم)) ثم نظرَ قِبَلَ العراق فقال: ((اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صَاعِنا ومُدِّنا (٣).
وهكذا وقعَ الأمرُ ، أسلمَ أهلُ اليمن قبلَ أهل الشام ، ثم كان الخيرُ والبركةُ قِبَلَ العراق ، وَوُعِدَ أهلُ
الشام بالدَّوَام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر الأمر .
وروى أحمدُ في ((مسنده)): (( لا تقومُ الساعة حتى يتحوَّلَ خيارُ أهل العراق إلى الشام ، ويتحوَّلَ
شِرَارُ أهل الشام إلى العراق (٤)
فَصل
وروى مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن زيد بن الحباب ، عن عكرمة بن عمار : حدَّثني
إياس بن سلمة بن الأكوع ؛ أن أباه حدَّثه :
أن رجلاً أكل عند رسول الله وَ له بشماله، فقال له: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع ، قال :
(( لا استطعت)) ما مَنعَه إلا الكبرُ، قال: فما رفعَها إلى فيه(٥)
وقد رواه أبو الوليد(٦) الطيالسي ، عن عكرمة ، عن إياس ، عن أبيه ، قال :
أبصرَ رسولُ اللهِوَ لَ بسرَ بن راعي العَير، وهو يأكل بشماله فقال: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع ،
قال: (( لا استطعت )) قال : فما وصلت یدُه إلى فيه بعد .
(١) كذا في المطبوع ، وفي الأصل والدلائل : وحط من ورائهم .
(٢)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٢٣٦/٦) وفيه : وأحِط من ورائهم .
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٢٣٦/٦) ورواه الترمذي (٣٩٣٤) مختصراً: وقال : حسن غريب، وهو كما قال.
(٣)
(٤)
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٤٩/٥) عن أبي أمامة رضي الله عنه .
رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٠٢١) في الأشربة ، والرجل المذكور هو بُسر بن راعي العَير الأشجعي ، كذا ذكره ابن
(٥)
منده وأبو نعيم الأصبهاني وابن ماكولا وآخرون ، وهو صحابي مشهور .
(٦) في المطبوع ((أبو داود)) وهو غلط، وما أثبتناه هو الذي في دلائل البيهقي (٢٣٨/٦) الذي ينقل منه المصنف.

٢٥٣
كتاب دلائل النبوة ( فصل )
وثبت في صحيح مسلم ، من حديث شعبة ، عن أبي حمزة١) ، عن ابن عباس ، قال :
كنتُ ألعبُ مع الغلمان فجاءَ رسولُ الله ◌ِ ل﴿ فاختبأتُ منه، فجاءَنِي فَحَطَأْنِ (٢) حَطأةً - أو حَطأَتين -
وأرسلني إلى معاوية في حاجة ، فأتيته وهو يأكلُ ، فقلت : أتيتُه وهو يأكلُ ، فأرسلني الثانية ، فأتيتُه وهو
يأكلُ، فقلت: أتيتُه وهو يأكلُ ، فقال: (( لا أشبع الله بطنَه (٣)
وقد روى البيهقي ، عن الحاكم ، عن علي بن حماد ، عن هشام بن علي ، عن موسى بن إسماعيل :
حدَّثني أبو عوانة ، عن أبي حَمزَة : سمعتُ ابن عباسٍ قال :
كنتُ ألعبُ مع الغلمان فإذا رسولُ الله قد جاء ، فقلت : ما جاءَ إلا إليّ ، فذهبتُ فاختبأتُ على
باب، فجاء فحطأني حطأةً ، وقال : (( اذهب فادعُ لي معاوية)) - وكان يكتبُ الوحيَ - قال: فذهبتُ
فدعوتُه له ، فقيل: إنه يأكلُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ﴿ فقلتُ: إنه يأكلُ، فقال: ((اذهب فادعُهُ لي)) فأتيتُهُ
الثانيةَ، فقيل: إنه يأكلُ، فأتيتُ رسولَ الله فأخبرتُه، فقال في الثالثة: (( لا أشبعَ الله بطنَه )). قال : فما
شبعَ بعدَها٤) .
قلت : وقد كان معاويةُ رضي الله عنه لا يشبعُ بعدَها ، ووافقته هذه الدعوةُ في أيام إمارته ، فيُقال :
إنه كان يأكلُ في اليوم سبعَ مرّاتٍ طعاماً بلحم ، وكان يقول : والله لا أشبعُ وإنما أَعْيَا .
وقدمنا في غزوة تبول(٥) أنه مرَّ بين أيديهم وهم يُصَلُّون غلامٌ ، فدعا عليه ، فأُقْعدَ ، فلم يقم بعدَها .
وجاء من طرق أوردها البيهقيّ(٦)، أن رجلاً حاكَى النبيِّ في كلام، واختلجُ(٧) بوجهه ، فقال
رسولُ الله ◌َّ: (( كن كذلك)) فلم يزل يختلجُ ويرتعشُ مدّةً عمره حتى مات .
وقد ورد في بعض(٨) الروايات أنه الحكم بن أبي العاص ، أبو مروان بن الحكم ، فالله أعلم .
وقال مالك: عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في غزوة بني
(١) هو عمران بن أبي عطاء الأسدي أبو حمزة القصاب ، وهو ضعيف يعتبر به في المتابعات وحسب .
(٢)
((فحطأني حَطأةً)) : أي قفدني . وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين.
(٣)
رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٦٠٤) في البر والصلة .
دلائل النبوة للبيهقي (٢٤٣/٦) وقال بعده : ورُوي عن هُريم ، عن أبي حمزة في هذا الحديث زيادة تدل على
(٤)
الاستجابة .
(٥)
تقدم هذا في السيرة النبوية .
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٢٣٩/٦-٢٤٠) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي
(٦)
المليكي المدني ، وهو ضعيف ، والإسناد منقطع .
و ((اختلج)) : تحرَّك واضطرب .
(٧)
(٨) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٤٠/٦).

٢٥٤
كتاب دلائل النبوة ( فصل )
أنمار ، فذكرَ الحديثَ في الرجل الذي عليه ثوبان قد خَلَقَا، وله ثوبان في العَيبَة (١)، فأمرَه رسولُ الله ◌َه
فلبسَهُما، ثم ولَّى، فقال رسول الله: (( ماله ؟ ضرب الله عنقه (٢) ، فقال الرجل : في سبيل الله ، فقال
رسول الله وَّ: ((في سبيل الله)) فقُتِل الرجلُ في سبيل الله(٣)
وقد ورد من هذا النوع كثير .
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيدُ القطعَ كما سنُوردها قريباً
في باب فضائله وَّرَ؛ أنه قال: ((اللهم من سَبَبْتُه أو جددتُه أو لعنتُه وليس لذلك أهلاً ، فاجعل ذلك قربةً له
تقرِّبُه بها عندكَ يومَ القيامة )) .
وقد قدمنا في أوّل البعثة حديث ابن مسعود في دعائه بَّ على أولئك النفر السبعة ، الذين أحدهم
أبو جهل بن هشام وأصحابه ، حين طرَحوا على ظهره عليه الصلاة والسلام سَلاء) الجزور ، وألقته عنه
ابنته فاطمة، فلما انصرفَ قال: (( اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشَيبةً بن
ربيعة، وعُتبةَ بن ربيعة، والوليد بن عتبة )) ثم سمّى بقيّة السبعة ، قال ابن مسعود : فوالذي بعثَه بالحق
لقد رأيتُهم صرعى في القَلِيبٍ(٥) قليبِ بدر(٦) ... الحديث . وهو متفق عليه.
١
حديث آخر: قال الإمام أحمد(٧): حدَّثني هاشم ، حدَّثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت،
عن أنس بن مالك ، قال :
كان مِنَّا رجلٌ من بني النجار قد قرأَ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ لرسول الله بِّه، فانطلقَ هارباً
حتى لَحِقَ بأهل الكتاب ، قال : فرفعُوه ، وقالوا : هذا كان يكتُبُ لمحمّد، وأُعجبُوا به ، فما لبث أن
قصمَ الله عنقَه فيهم ، فحفروا له فَوارَوه ، فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتهُ على وجهِها ، ثم عادُوا فحفروا له
ووَارَوه ، فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتهُ على وجهِها ، فتركُوه مَنبوذاً .
(١) ((العَيبَة)): مستودع الثياب.
في الموطأ: فقال رسولُ الله وَّل: ما له؟ ضرب الله عنقه، أليس هذا خيراً له؟ والحافظ ابن كثير ذكره باختصار.
(٢)
دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٤٤/٦) وهو عند مالك في الموطأ (٩١٠/٢) في اللباس من حديث زيد بن أسلم عن
(٣)
جابر . ورواه الحاكم (٤/ ١٨٣) من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن جابر ، وإسناده حسن .
((سلا الجزور)) : الذي يكون فيه الولد في بطن أمه ، وقيل : هو الكرش .
(٤)
(٥)
((القليب)) : البئر لا ماء فيه .
(٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٤٠) في الوضوء وغيره، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٩٤) في الجهاد ، والنسائي
في سننه (١/ ١٦١ -١٦٢) في الطهارة .
(٧) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٢٣/٣) وفيه تكرار الحفر والنبذ ثلاث مرات . ومعنى نبذته : طرحته على وجهها
عبرة للناظرين .

٢٥٥
كتاب دلائل النبوة ( باب : المسائل التي سُئل عنها رسول الله ◌ِيمٍ)
ورواه مسلمٌ(١) ، عن محمد بن رافع ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، به .
طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد(٢) : حدَّثنا يزيدُ بن هارون، حذَّثنا حُميد ، عن أنس :
أن رجلاً كان يكتبُ للنبيِ وَّهَ، وكان قد قرَأ البقرةَ وآل عمران، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرة وآل عمران
عز٣ّ) فينا - يعني عَظُمَ - فكان رسول الله وَالهل يُملي عليه: غفوراً رحيماً، فيكتبُ : عليماً حكيماً ، فيقول
له النبيُّ وَّ: ((اكتب كذا وكذا)) فيقول: أكتبُ كيفَ شِئتُ، ويُملي عليه: عليماً حكيماً ، فيكتبُ :
سميعاً بصيراً ، فيقول : أكتبُ كيف شئتُ ، قال : فارتدَّ ذلكَ الرجل عن الإسلام فلحِقَ بالمشركين .
وقال : أنا أعلمُكم بمحمد، وإني كنتُ لا أكتبُ إلّا ما شئتُ، فماتَ ذلك الرجل، فقال النبي ◌ِّرَ: ((إن
الأرض(٤) لا تقبله )).
قال أنس : فحدَّثني أبو طلحة أنه أتى الأرضَ التي ماتَ فيها ذلك الرجل فوجدَه منبوذاً ، فقال
أبو طلحة : ما شأنُ هذا الرجل ؟ قالوا : قد دفنّاه مِرَاراً فلم تقبله الأرضُ .
وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجوه .
طریق أخری عن أنس
وقال البخاري(٥): حدَّثنا أبو مَعمر، حدَّثنا عبد الرزاق، حذَّثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك ، قال:
كان رجلٌ نصراني فأسلمَ وقرأَ البقرةَ وآل عمران ، وكان يكتبُ للنبيّ ◌َّهِ فعادَ نصرانياً ، وكان يقولُ :
لا يدري محمّدٌ إلا ما كتبتُ له ، فأماتَه الله فدفنوه ، فأصبحَ وقد لَفَظَّته الأرض ، فقالوا : هذا فعل محمد
وأصحابه - لما هربَ منهم نَبَشُوا عن صاحبنا فألقَوه - ، فحفروا له فأعمَقُوا له في الأرض ما استطاعوا ،
فأصبحوا وقد لفظَته الأرضُ ، فعلِمُوا أنه ليس من الناس فألقَوه .
باب
المسائل التي سُئل عنها رسُول الله ◌َ لِّ فأجابَ عنها بما
يُطابقُ الحقَّ الموافقَ لها في الكتب الموروثة عن الأنبياء
قد ذكرنا في أول البعثة ما تَعنَّتَت به قريشٌ ، وبعثت إلى يهود المدينة يَسألونَهم عن أشياء يسألونَ عنها
(١) في صحيحه رقم (٢٧٨١) في صفات المنافقين.
(٢)
في مسنده (١٢٠/٣) .
(٣)
في المسند : جدَّوهي بمعنى عَظُم .
(٤)
في المسند : لم تقبله .
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦١٧) في المناقب ( باب علامات النبوة في الإسلام ) .

٢٥٦
كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول اللّه ◌ِمَلَّل)
رسولَ الله وَّل، فقالوا: سَلوه عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يُدرى ما صَنعوا، وعن رجل
طوَّافٍ في الأرض بلغَ المشارقَ والمغاربَ، فلما رجعوا سألُوا عن ذلك رسولَ الله وََّ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ
قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [ الإسراء: ٨٥].
وأنزلَ سورةَ الكهف يشرحُ فيها خبرَ الفِتية الذين فارقوا دينَ قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد ، وأفردُوه
بالعبادة ، واعتزلُوا قومَهم ، ونزلوا غاراً وهو الكهف ، فنامُوا فيه ، ثم أيقظَهم الله بعد ثلاثمئة سنة وتسع
سنين ، وكان من أمرهم ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز ، ثم قصَّ خبرَ الرجلين المؤمن والكافر ، وما كان
من أمرِهما ، ثم ذكرَ خبرَ موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ .
ثم قال: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣].
ثم شرحَ ، ثم ذكرَ خبرَه وما وصلَ إليه من المشارق والمغارب ، وما عَمِلَ من المصالح في العالم ،
وهذا الإخبارُ هو الواقعُ في الواقع ، وإنما يُوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب ، ما كان منها حقاً ،
وأما ما كان مُحرَّفاً مُبدَّلًا فذاك مردود ، فإن الله بعثَ محمداً بالحقِّ وأنزل عليه الكتاب ليبيِّنَ للناس
ما اختلفوا فيه من الأخبار والأحكام، قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
◌ِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وذكرنا في أول الهجرة قصّة إسلام
عبد الله بن سَلام ، وأنه قال :
لما قدِمَ رسولُ اللهِ ◌ّ المدينة انجفلَ الناسُ إليه، فكنتُ فيمنِ انجفلَ، فلما رأيتُ وجهه علمت (١) أن
وجهَه ليسَ بوجه كذَّب، فكان أول ما سمعته يقول: (( أيها النَّاسُ، أفشُوا السَّلامَ، وصِلُوا الأرحامَ ،
وأطعموا الطَّعامَ، وصَلُّوا بالليل والناسُ نيام ، تَدخُلُوا الجنَّة بسلام(٢) .
وثبتَ في صحيح البخاري وغيره ، من حديث إسماعيل بن عَطيّة ، وغيره ، عن حُميد ، عن أنس :
قصة سؤاله رسول الله وَ لقول: عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ، ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام
يأكلُه أهلُ الجنّة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال رسول الله وَّه: ((أخبرني بهنَّ جبريل آنفاً ،
ثم قال : أما أوَّلُ أشراط الساعة فنارٌ تحشرُ الناسَ من المشرق إلى المغرب ، وأما أوّلُ طعامٍ يأكلُه أهلُ
الجنّةِ فزيادَةُ كَبدِ الحوت ، وأما الولدُ فإذا سبقَ ماءُ الرجل ماءَ المرأة نَزَعَ الولدُ إلى أبيه ، وإذا سبقَ مَاءُ
المرأةِ ماءَ الرجلِ نَزَعَ الولدُ إلى أمّه (٣) .
(١) كذا في الأصل ، وفي المطبوع: قلت .
رواه الإمام أحمد في المسند (٤٥١/٥) وابن أبي شيبة في المصنف (٥٣٦/٨ و٦٢٤) و (١٤ /٩٥) والترمذي في
(٢)
الجامع رقم (٢٤٨٥) في صفة القيامة، وابن ماجه في سننه رقم (١٣٣٤) في إقامة الصلاة وهو حديث صحيح .
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٩٣٨) في مناقب الأنصار، وهو عند الإمام أحمد في المسند (١٠٨/٣) كلاهما عن

٢٥٧
كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول الله ◌ِية)
وقد رواه البيهقيُّ ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بُكير ، عن
أبي مَعشر ، عن سعيد المقبري ، فذكر مُساءَلةَ عبد الله بن سلام إلا أنه قال : فسأله عن السَّوَاد الذي في
القمر، بدلَ أشراط الساعة، فذكرَ الحديث إلى أن قال: (( وأما السَّوادُ الذي في القمر فإنهما كاناً(١)
شمسين، فقال الله عز وجل: ﴿ وَجَعَلْنَا الَِّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتَّلِ ﴾ [الإسراء: ١٢]. فالسَّوَادُ الذي
رأيتَ هو المحو)) فقال عبدُ الله بن سلام: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأن محمّداً رسولُ الله(٢).
حديث آخر في معناه : قال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي ، أنبأنا
أبو الحسن - أحمد بن محمد بن عبدوس(٣) - حدثنا عثمان بن سعيد ، أخبرنا الرَّبِيعُ بن نافع ، أبو توبة ،
حدَّثنا معاويةُ بن سَلام ، عن زيد بن سَلام ؛ أنه سمع أبا سَلامٍ يقول : أخبرني أبو أسماء الرَّحَبيّ ؛ أن
ثَوبانَ حدَّثه ، قال :
كنتُ قائماً عندَ رسول الله وَهَ فجاءَه حَبرٌ من أحبارِ اليهود ، فقال : السَّلامُ عليك يا محمّد ، فدفعتُه
دفعةً كاد يُصرع منها ، قال : لمَ تدفعني ؟ قال : قلت : ألا تقول : يا رسول الله ؟ قال : إنما سمّيته
باسمه الذي سمَّاه به أهلُه، فقال رسول الله وَّرَ: ((إن اسمي الذي سمَّاني به أهلي محمد)) فقال
اليهودي: جئتُ أسألُكَ، فقال رسول الله وََّ: ((ينفعُك شيءٌ إن حدَّثْتُك؟)) قال: أسمعُ بأذني،
فنكتَ بعودٍ معَه فقال له : سل ، فقال له اليهودي : أينَ النَّاسُ يومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض والسَّموات ؟
فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((في الظُلمة دون الجسر)) قال: فمن أوّل الناس إجازةً؟ فقال: ((فقراء
المهاجرين)) قال اليهودي: فما تُحفَتُهم حين يدخلونَ الجنّة؟ قال: ((زيادةُ كَبِدِ الحُوت)) قال: وما
غذاؤهم على إثره؟ قال: (( يُنحَرُ لهم ثَورُ الجنّةِ الذي كان يأكلُ من أطرافِها)) قال: فما شرابُهم عليه ؟
قال: ((من عين فيها تُسمَّى سَلسَبيلاً )) قال: صدقت .
قال : وجئتُ أسألُك عن شيءٍ لا يعلمُه أحدٌ من الأرض إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلان. قال: (( ينفعُك
إن حدَّثْتُك؟ )) قال: أسمع بأذني، قال: جئتُ أسألُك عن الولد، قال: (( ماءُ الرجل أبيض وماءُ المرأة
أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل أنََّا
=
أنس رضي الله عنه ، والسائل هو عبد الله بن سَلام .
(١) في دلائل البيهقي : فإنهما كأنهما شمسين .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٦٢/٦) وإسناده ضعيف، لضعف أبي معشر نجيح السندي ؛ قال ابن أبي شيبة : كان
يحدّث عن المقبري بأحاديث منكرة .
(٣) كذا في الأصل ودلائل البيهقي ، وفي المطبوع : عيدروس.

٢٥٨
كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول اللّه ◌ِيّ )
بإذن الله)) فقال اليهودي: صدقتَ، وإنك لنبيّ، ثم انصرفَ، فقال النبي ◌ََّ: ((إنه سألني عنه وما أعلم
شيئاً منه حتى أتاني الله به)» (١) .
وهكذا رواه مسلم(٢) ، عن الحسن بن محليّ الحلواني ، عن أبي توبة ، الربيع بن نافع ، به ، وهذا
الرجلُ يُحتملُ أن يكونَ هو عبد الله بن سلام ، ويُحتمل أن يكون غيره ، والله أعلم .
، حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدَّثنا عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، حدَّثني
ابنُ عباس ، قال :
حضرت عصابة من اليهود يوماً عند رسولِ الله وَّل فقالوا: يا رسولَ الله حدِّثنا عن خلالٍ نسألُك عنها
لا يعلمُها إلا نبيّ، قال: (( سَلوني عما شِئتم، ولكن اجعلُوا لي ذمَّةَ الله وما أخذَ يعقوبُ على بنيه إن أنا
حدَّثتُكم بشيءٍ تعرفونَه صِدقاً لتُتَابِعُنِّي(٣) على الإسلام)) قالوا: لك ذلك، قال: (( سَلُوا عما شِئتم))
قالوا : أخبرنا عن أربع خِلال ثم نسألُك ، أخبرنا عن الطعام الذي حرَّمَ إسرائيلُ على نفسه من قبل أن تنزلَ
التوراة ، وأخبرنا عن ماءِ الرجلِ كيف يكونُ الذكرُ منه حتى يكونَ ذكراً ، وكيف تكونُ الأنثى حتى تكونَ
أنثى، وأخبرنا عن هذا النبيِّ في النوم، ومن وليّك من الملائكة؟ قال: ((فعليكم عهدُ الله لئن أنا حدَّثْتُكم
لتُتَابِعُنِّي)) فأعطوه ما شاءَ من عهد وميثاق، قال: ((أنشدُكم بالله الذي أنزلَ التوراةَ على موسى ، هل
تعلمون أن إسرائيلَ - يعقوب - مَرِضَ مرضاً شديداً طال سقمُه فيه ، فنذرَ لله نَذْرَاً لئن شفاهُ الله من سقمِه
ليحرمَنَّ أحبَّ الشرابِ إليه وأحبَّ الطعام إليه ، وكان أحبَّ الشرابِ إليه ألبانُ الإبل ، وأحبّ الطعام إليه
لحمان الإبل؟)) قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله: ((اللهم اشهد عليهم)) قال: فأنشُدُكُم الله الذي
لا إلهَ إلا هو ، الذي أنزلَ التوراةَ على موسى، هل تعلمونَ أنَّ ماءَ الرجلِ أبيض ، وأن ماء المرأة رقيقٌ
أصفر، فأيُّهما علا كان له الولد والشَّبَه بإذن الله، وإن علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة كان ذكراً بإذن الله ، وإن
علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجل كان أنثى بإذن الله؟)) قالوا: اللهم نعم. قال رسول الله: ((اللهم اشهد
عليهم )) .
قال: ((وأنشدُكم بالله الذي لا إلهَ إلا هو ، الذي أنزلَ التوراةَ على موسى، هل تعلمونَ أن هذا النبيَّ
تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه؟)) قالوا: اللهم نعم. قال: ((اللهم اشهد عليهم)).
قالوا: أنت الآن حدِّثنا عن وليِّك من الملائكةِ، فعندَها نجامعُكَ أو نفارِقُكَ، قال: (( وليّي جبريلُ
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٦٣/٦ -٢٦٤) وإسناده صحيح. ومعنى فنكت: خط في الأرض بعود وأثَّر فيها.
والجسر : الصراط . وتحفتهم : ما يهدى إلى الرجل ويخصف له ويُلاطف . وآنثا : كان الولد أنثى .
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣١٥) في الحيض .
(٣) في دلائل البيهقي (٢٦٦/٦) لتبايعني. والتحريف فيها قريب.

٢٥٩
كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سْئل عنها رسول الله ثا)
عليه السلام ، ولم يبعثِ الله نبيَّاً قطُ إلا وهو وليّه)) فقالوا: نفارقُك، لو كان وليُّك غيره من الملائكة
لبايعنَاك وصدَّقناكَ، قال: (( فما يمنعُكم أن تُصدِّقوه؟)) قالوا: إنه عدُّنا من الملائكة، فأنزل الله
عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّحِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ الآية [البقرة ٩٧]، ونزلت
﴿فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ الآيَه١ُ) [ البقرة: ٩٠].
حديث آخر : قال الإمام أحمد ، حدَّثنا يزيد ، حذَّثنا شعبة عن عمرو بن مُرّةَ ، سمعت عبدَ الله بن
سلمة يُحدِّث عن صفوان بن عسال المرادي ، قال :
قال يهوديٌّ لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبيِّ حتى نسألَه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ
بَيِنَتِّ﴾ [الإسراء: ١٠١] فقال: لا تقل له شيئاً، فإنه لو سمعَك لصارت له أربعُ أعين ، فسألاه: فقال النبي
وَلّة: ((لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا
تسحروا ، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي سلطان ليقتلَه ، ولا تقذفوا محصنةً ، أوقال :
لا تَفِرُّوا من الزحف - شعبةُ الشَّاكُ - وأنتم يا معشرَ يهود عليكم خاصة ألَّ تَعدُوا في السَّبت)) قال: فقبَّلا
يديه ورجليه وقالا : نشهدُ أنَّك نبيّ ، قال: فما يمنعُكما أن تَتَّبِعَاني؟ قالا : إن داود عليه السلام دعا ألا
يزالَ من ذريته نبيّ ، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنَا يهودُ .
وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم والبيهقي(٢) من طرق ، عن شُعبة ، به ،
وقال الترمذيُّ : حسنٌ صحيح .
قلت: وفي رّله من تُكُلِّمَ فيه(٣)، وكأنه اشتُبِهِ علَى الراوي التسعُ الآيات بالعشر الكلمات ، وذلك
أن الوصايا التي أوصاها الله إلى موسى وكلَّمه بها ليلة الطور بعدما خرجوا من ديار مصر ، وشعبُ بني
إسرائيل حول الطور حضورٌ ، وهارون ومن معه من العلماء وقوف على الطور أيضاً ، وحينئذ كلَّم الله
موسى آمراً له بهذه العشر كلمات، وقد فُسِّرَت في هذا الحديث ، وأما التسعُ الآيات فتلك دلائلُ وخوارق
عاداتٍ أُيِّدَ بها موسى عليه السلام ، وأظهَرها الله على يديه بديار مصر ، وهي العصا ، واليد ،
والطوفان ، والجراد ، والقُمّل ، والضفادع ، والدم ، والجدب ، ونقص الثمرات .
وقد بسطتُ القولَ على ذلك في (( التفسير (٤) بما فيه الكفاية ، والله أعلم .
(١) رواه أبو داود الطيالسي رقم (٢٧٣١) ولكن المصنف نقله من دلائل البيهقي (٢٦٦/٦ - ٢٦٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٧٣٣) في الاستئذان، والنسائي (٧/ ١١١) وهو في الكبرى (٣٥٤١) و (٨٦٥٦)، وابن ماجه
(٣٧٠٥) في الأدب، وابن جرير في تفسيره (١٥ /١٧٢)، والحاكم (٩/١)، والبيهقي في السنن (١٦٦/٨).
(٣) لعله يشير إلى عبد الله بن سلمة المرادي ، فهو ضعيف يعتبر به كما هو مبين في تحرير التقريب (٢/ ٢١٧) .
(٤) تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٦٦/٣).

٢٦٠
كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول الله محلية)
فَصل
وقد ذكرنا في ((التفسير)) عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ
خَالِصَةٌ مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا ◌َلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾
[البقرة: ٩٤ -٩٥]، ومثلها في سورة الجمعة، وهي قوله: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآَةُ لِلَّهِ
مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ اَلْوْتَ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَلَا يَنَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦-
٧]، وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك ، وأن الصوابَ أنه دعاهم إلى المباهلة ، وأن يدعُوا بالموت على
المبطل منهم أو المسلمين ، فَنَكلُوا عن ذلك لعلمِهم بظلم أنفسهم ، وأن الدعوةَ تنقلبُ عليهم ، ويعودُ
وَبَالُها إليهم .
وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجُوه في عيسى ابن مريم ، فأمرَه الله أن يدعوَهم إلى
المباهلة في قوله: ﴿ فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ
وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
وهكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّأَ ﴾
[ مريم: ٧٥]. وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا ((التفسير)) بما فيه كفاية، ولله الحمد
والمنة .
حديثٌ آخر : يتضمّن اعترافَ اليهود بأنه رسولُ الله ◌ِلّه
ويتضمّن تحاكُّمَهم إليه ، ولكن بقصدٍ منهم مذموم
وذلك أنهم ائتمروا بينهم : أنه إن حكمَ بما يُوافق هواهُم اتَّبعوه ، وإلا فاحذَرُوا ذلك، وقد ذمَّهم الله
في كتابه العزيز على هذا القصد .
قال عبد الله بن المبارك: حدَّثنا معمر ، عن الزهري ، قال : كنتُ جالساً عند سعيد بن المسيب ،
وعند سعيد رجلٌ وهو يوقّره ، وإذا هو رجلٌ من مُزينة ، كان أبوه شهدَ الحُدَيبية ، وكان من أصحاب أبي
هريرة ، قال : قال أبو هريرة : كنتُ جالساً عندَ رسول الله وَ ل# إذ جاءَ نفرٌ من اليهود - وقد زنى رجل منهم
وامرأة - فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبيِّ فإنه نبيٌّ بُعث بالتخفيف ، فإن أفتانا حَدَّاً دون الرجم
فعلنَاه واحتجَجنا عند الله حين نلقاهُ بتصديق نبيٍّ من أنبيائه .
قال مُرّة : عن الزهري : وإن أمرنا بالرجم عصينَاه ، فقد عَصَينَا الله فيما كتبَ علينا من الرجم في
التوراة .