Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
كتاب دلائل النبوة ( حديث الذراع )
أحضرتها زينبُ اليهودية ، فأخبرَه الذراعُ بما فيه من السُّمّ، لمَّا نَهَسَ (١) منه نهسةٌ ، كما قدمنا ذلك في
غزوة خيبر مبسوطاً .
طريق أخرى : قال الحافظ أبو يعلى: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدَّثنا زيدُ بن الحُباب ، حدَّثني
فائد مولى عُبيد الله بن أبي رافع ، عن أبي رافع قال :
أتيتُ رسولَ اللهِ وَلَهَ يومَ الخندق بشاةٍ في مِكتل فقال: (( يا أبا رافع، ناولني الذراع)) فناولته، ثم
قال: (( يا أبا رافع، ناولني الذراع)) فناولته، ثم قال: (( يا أبا رافع، ناولني الذراع)) فقلت :
يا رسولَ الله أللشاة إلا ذراعان؟ فقال: «لو سكتَّ ساعةً ناولتنيه ما سألتُك)).
فيه انقطاع من هذا الوجه .
وقال أبو يعلى أيضاً: حدَّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدَّثنا فُضيل بن سليمان ، حدَّثنا فايد مولی
عُبيد الله، حدَّثني عُبيد الله؛ أن جدَّته سلمى أخبرته: أن النبيَّ نَّ بعثَ إلى أبي رافع بشاة، وذلك يومَ
الخندق فيما أعلم ، فَصَلاها أبو رافع ليس معها خبز، ثم انطلق بها ، فلقيَه النبيُّ نَّه راجعاً من الخندق
فقال: (( يا أبا رافع ، ضع الذي معك )) فوضعه ، ثم قال: يا أبا رافع ، ناولني الذراع )) فناولته ، ثم
قال: (( يا أبا رافع، ناولني الذراع)) فناولته، ثم قال: (( يا أبا رافع، ناولني الذراع)) فقلت :
يا رسولَ الله ، هل للشاة غير ذراعين؟ فقال : لو سكتَّ لناولتني ما سألتك .
وقد رُوي من طريق أبي هريرة . قال الإمام أحمد : حدَّثنا الضخَّاك ، حدَّثنا ابن عَجلان ، عن أبيه ،
عن أبي هريرة :
أن شاةً طُبخت، فقال رسول الله وَّه: ((أعطني الذراع)) فناولته إياه، فقال: ((أعطني الذراع))
فناولته إياه، ثم قال: أعطني الذراع)) فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، قال: (( أما إنك لو
التمستَها لوجدتَها )﴾ (٢)
حديثٌ آخر : قال الإمام أحمد : حدَّثنا وكيع ( عن إسماعيل ، عن قيس (٣) ، عن دُكين بن سعيد
الخثعمي، قال: أتينا رسولَ الله وَله، ونحن أربعون وأربعمئة نسألُه الطعامَ، فقال النبيُّبَّهَ لعمرَ: ((قم
فأعطهم)) فقال: يا رسول الله ، ما عندي إلا ما يَقيظني والصِّبية ، قال وكيع : القيظ في كلام العرب
أربعة أشهر. قال: ((قم فأعطِهم)) قال: يا رسول الله، سمعاً وطاعة . قال : فقام عمرُ وقمنا معه فصعِدَ
(١) ((نهسَ)): أخذ من اللحم بأطراف الأسنان، وبكل الأسنان: نهش.
(٢) رواه أحمد في المسند رقم (٢/ ٥١٧) من حديث أبي هريرة ، وإسناده حسن من أصل محمد بن عجلان ، فإن حديثه
لا يرتقي إلى مرتبة الصحيح .
(٣) ما بين القوسين سقط من الأصل، وأثبته من المسند ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، وقيس هو ابن أبي حازم.
١٨٢
كتاب دلائل النبوة (باب انقياد الشجر لرسول الله علية)
بنا إلى غرفةٍ له فأخرجَ المفتاحَ من حُجزته ، ففتح الباب ، قال دُكين : فإذا في الغرفة من التمر شبيه
بالفَصِيلِ الرَّابض ، قال : شأنكم ، قال : فأخذ كلُّ رجل منا حاجتَه ما شاء ، ثم التفتَ وإني لمن آخرهم ،
فكأنا لم نرزا منه تمرة (١) .
ثم رواه أحمد ، عن محمد ويعلى ابني(٢) عبيد ، عن إسماعيل - وهو ابن أبي خالد - عن قيس - وهو
ابن أبي حازم - عن دُكين به(٣) .
ورواه أبو داود٤) عن عبد الرحيم بن مُطرف الرّواسي ، عن عيسى بن يونس ، عن إسماعيل ، به .
حديث آخر : قال عليُّ بن عبد العزيز: حدَّثنا أبو نُعيم ، حدَّثنا حشرج بن نباتة ، حدَّثنا أبو نضرة ،
حدَّثني أبو رجاء ، قال :
خرجَ رسولُ اللهِ وَ له حتى دخلَ حائطاً لبعض الأنصار، فإذا هو يَستوفيه، فقال رسول الله وَلقال: ((ما
تجعلُ لي إن أرويتُ حائطكَ هذا؟)) قال: إني أجهدُ أن أرويَه فما أُطيق ذلك، فقال له رسول الله وَلَّةٍ :
((تجعلُ لي مئة تمرة أختارُها من تمرك؟)) قال: نعم، فأخذ رسولُ اللهَوََّ الغَربَ، فما لبثَ أن أرواهُ،
حتى قال الرجل : غرقت حائطي، فاختارَ رسول الله وَ له من تمره مئة تمرةٍ ، قال : فأكلَ هو وأصحابُه
حتى شبعوا ، ثم ردَّ عليه مئة تمرة ، كما أخذها٥) منه .
هذا حديث غريب، أوردَه الحافظ ابن عساكر في (( دلائل النبوة)) من أول تاريخه بسنده ، عن
علي بن عبد العزيز البغوي ، كما أوردناه .
وقد تقدَّم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسَها رسولُ الله وَلَّه بيده الكريمة
لسلمانَ ، فلم يهلك منهنّ واحدة ، بل أنجبَ الجميعُ وكنّ ثلاثمئة ، وما كان من تكثيره الذهبَ حين قلَّبه
على لسانه الشريف ، حتى قضى منه سلمانُ ما كان عليه من نُجوم كتابته ، وعَتَق رضي الله عنه وأرضاه .
باب انقيادِ الشَّجر لرسول الله ◌ِالَّ
قد تقدَّم الحديث الذي رواه مسلم(٦) ، من حديث حاتم بن إسماعيل ، عن أبي حَرزَةَ يعقوب بن
مجاهد ، عن عُبادةَ بن الوليد بن عُبادة ، عن جابر بن عبد الله ، قال :
(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٧٤) رقم (١٧٥٠٦) وهو حديث صحيح .
ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) في المطبوع: (( أبي)) وهو تحريف.
(٢)
(٣) المسند (٤/ ١٧٤) وقد فصل حديثهما.
في سننه (٥٢٣٨) في الأدب .
(٤)
ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (١٥٣/٢ - ١٥٤).
(٥)
(٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣٠١١) في الزهد والرقائق (باب حديث جابر الطويل). وتقدم في المعجزات الأرضية.
١٨٣
كتاب دلائل النبوة (باب انقياد الشجر لرسول الله محلي )
سِرنا مع النبي ◌ِ ◌ّ حتى نزلنا وادياً أفيحُ(١) فذهبَ رسولُ الله ◌َل يقضي حاجته، فاتّبعته بإداوة من ماء
فنظر فلم ير شيئاً يستترُ به ، وإذا شجرتان بشاطىء الوادي ، فانطلق إلى إحداهما فأخذَ بغصنٍ من
أغصانها، وقال: ((انقادي عليّ بإذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يُصانِعِ قائده، حتى أتى
الشجرة الأخرى ، فأخذ بغصنٍ من أغصانها وقال: (( انقادي عليّ بإذن الله)) فانقادت معه كالبعير
المخشوش الذي يُصانع قائده ، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأمَ بينهما - يعني : جمعَهما - وقال :
التئما عليّ بإذن الله)) فالتأمتا، قال جابر: فخرجتُ أُحضِر٢ُ) مخافة أن يُحسَّ بقربي فيبعد ، فجلستُ
أحدّث نفسي ، فحانت مني لفتة ، فإذا أنا برسول الله مقبلٌ ، وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة
منهما على ساق ، فرأيتُ رسول الله وقفَ وقفةً وقال برأسه هكذا(٣) - يميناً وشمالاً -.
وذكر تمامَ الحديث في قصّة الماء ، وقصة الحوت ، الذي دسَرَه٤) البحرُ ، كما تقدم ، ولله الحمد
والمنة .
حدیث آخر
قال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا أبو معاوية ، حدَّثنا الأعمش ، عن أبي سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن
أنس ، قال :
جاء جبريلُ إلى رسول الله مَل﴿ ذات يوم ، وهو جالس حزين ، قد خُضب بالدماء ، من ضربةٍ بعض
أهل مكة ، قال: فقال له : مالك ؟ قال: ((فعلَ بي هؤلاء وفعلوا)) قال: فقال له جبريل : أتحبُّ أن
أريك آية ؟ قال : فقال : نعم ، قال : فنظرَ إلى شجرةٍ من وراء الوادي فقال : ادع تلك الشجرة ،
فدعاها ، قال : فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه ، فقال : مرها فلترجع ، فأمرَها فرجعت إلى مكانها ،
فقال رسول الله عَ ل: ((حسبي)).
وهذا إسناد على شرط مسلم ، ولم يروه إلا ابن ماجه (٦) ، عن محمد بن طريف ، عن أبي معاوية .
حدیث آخر
روى البيهقي ، من حديث حمَّاد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن عمر بن الخطاب :
(١) ((أفِيحَ)): واسعاً .
((أَحْضر)) : أعدو وأسعى سعياً شديداً .
(٢)
(٣)
في صحيح مسلم (٢٣٠٧/٤): وقال برأسه هكذا - وأشار أبو إسماعيل برأسه يميناً وشمالاً.
(٤)
(( دسره البحر)) : ألقاه .
في مسنده (١١٣/٣) .
(٥)
(٦) في سننه رقم (٤٠٢٨) في الفتن .
١٨٤
كتاب دلائل النبوة (باب انقياد الشجر لرسول الله ◌ٍ لي)
أن رسول الله كان على الحجون كئيباً لما آذاه المشركون، فقال: « اللهم أرني اليوم آية لا أُبالي من
كذَّبني بعدَها )) قال: فأُمِرَ ، فنادى شجرةً من قِبَل عَقَبَةِ أهل المدينة ، فأقبلت تخذُّ الأرضَ حتى انتهت
إليه ، قال : ثم أمرَها فرجعت إلى موضِعها ، قال: فقال: (( ما أبالي من كذَّبني بعدَها من قومي)(١).
ثم قال البيهقي : أخبرنا الحاكم وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالا: حدَّثنا الأصم ، حدَّثنا أحمد بن عبد
الجبار ، عن يونس بن بُكير ، عن مُبارك بن فَضالة ، عن الحسن ، قال :
خرج رسولُ الله ◌ِعَلَه إلى بعض شِعَاب مكة، وقد دخله من الغمّ ما شاء الله من تكذيب قومه إياه ،
فقال: (( يارب أرني ما أطمئن إليه، ويذهب عني هذا الغم)) فأوحى الله إليه : ادعُ إليك أيّ أغصانِ هذه
الشجرة شئتَ ، قال: فدعا غصناً، فانتزعَ من مكانه ثم خدَّ في الأرض حتى جاء رسولَ الله وَلَّل ، فقال له
رسول الله: ((ارجع إلى مكانك)) فرجعَ ، فحمد اللهَ رسولُ الله وطابت نفسُه ، وكان قد قال المشركون :
(( أَفَضَلت أباكَ وأجدادَك يا محمد؟! فأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوَنَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]
الآيات(٢).
قال البيهقي(٣): وهذا المرسل يشهد له ما قبله .
حدیث آخر
قال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش ، عن أبي ظبيان - وهو حصين بن جندب -
عن ابن عباس ، قال :
أتى النبيَّ وَّهَ رجلٌ من بني عامر فقال: يا رسول الله أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإني من أطبِّ
الناس، فقال له رسولُ الله ◌ِ لَه: ((ألا أريك آية؟)) قال: بلى، قال: فنظرَ إلى نخلةٍ، فقال: ((ادعُ
ذلكَ العِذق)) فدعاه، فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله وَّ: ((ارجع)) فرجعَ إلى مكانه، فقال
العامري : يا آل بني عامر، ما رأيتُ كاليوم رجلاً أسحرَ من هذا(٥) .
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٣) في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. و((عقبة)): الطريق الصاعد في
الجبل، و(( تخد)) : تشق.
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٤) وهو مرسل عن الحسن البصري.
في الدلائل : قال البيهقي : وهذا المرسل لما تقدم من الموصول شاهد .
(٣)
(٤) في مسنده (١/ ٢٢٣).
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٢٣) رقم (١٩٥٤) وهو حديث صحيح .
١٨٥
كتاب دلائل النبوة ( باب انقياد الشجر لرسول الله بحال )
هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أسندَه البيهقيُّ(١) من طريق محمد بن أبي عُبيدة ، عن أبيه ، عن
الأعمش ، عن أبي ظِبيان ، عن ابن عباس ، قال :
جاءَ رجلٌ من بني عامرٍ إلى رسول الله ◌ِ ◌ٍّ فقال: إنَّ عندي طِبّاً وعلماً، فما تَشتكي ؟ هل يَريبك من
نفسِك شيءٌ؟ إلى ما٢) تدعو؟ قال: ((أدعو إلى الله والإسلام)). قال: فإنك لتقول قولًا ، فهل لكَ من
آية؟ قال: (( نعم، إن شئتَ أريتُك آية)) وبين يديه شجرةٌ، فقال لغصنٍ منها: (( تعالَ يا غصن)) فانقطعَ
الغصنُ من الشجرة، ثم أقبلَ ينقزُ حتى قامَ بين يديه، فقال: ((ارجع إلى مكانِك)) فرجعَ . فقال
العامريُّ: يا آلَ عامٍ بن صَعصَعة ، لا ألومُكَ على شيءٍ قلتَهُ أبداً .
وهذا يقتضي أنه سلَّم الأمرَ ولم يُجب من كل وجه .
وقد قال البيهقي(٣): أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصَّفار
وحدَّثنا ابن أبي قماش ، حدَّثنا ابن عائشة ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي
الجعد ، عن ابن عباس قال :
جاء رجلٌ إلى رسول الله ، فقال : ما هذا الذي يقول أصحابُك ؟ قال : وحولَ رسول الله أعذاقٌ
وشجرٌ، قال: فقال رسول الله: (( هل لك أن أُريك آيةً ؟)) قال: نعم ، قال: فدعا عِذقاً منها، فأقبلَ
يخذُّ الأرضَ ، حتى وقفَ بين يديه يخدُّ الأرضَ ويسجدُ ويرفعُ رأسه ، حتى وقفَ بين يديه ، ثم أمرَه
فرجعَ .
قال : فخرجُ) العامريُّ وهو يقول: يا آلَ عامر بن صَعصَعة، والله لا أكذِّبُه بشيءٍ يقولُه أبداً .
طريق أخرى ، فيها أن العامريّ أسلم : قال البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أنبأنا أبو علي
حامد بن محمد بن الرفاء ، أنبأنا علي بن عبد العزيز ، حدَّثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني ، أنبأنا
شريك ، عن سِماك ، عن أبي ظِبيان ، عن ابن عباس ، قال :
جاءَ أعرابيٌّ إلى رسول الله بَّه قال: بم أعرفُ أنك رسولُ الله؟ قال: ((أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذق
من هذه النخلة ، أتشهدُ أني رسولُ الله ؟ )) قال : نعم ، قال : فدعا العِذقَ فجعلَ العِذقُ ينزلُ من النخلة
(١)
في دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٦/٦).
(٢)
في دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٦/٦): إلى من تدعو ؟
(٣)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١٦/٦-١٧) وهو حديث صحيح .
كذا في دلائل النبوة ، وفي (أ) : فرجع .
(٤)
١٨٦
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
حتى سقطَ في الأرض، فجعل ينقزُ حتى أتى رسولَ الله، ثم قال له: ((ارجع)) فرجعَ حتى عادَ إلى
مكانه ، فقال : أشهد أنك رسول الله، وآمن (١) .
قال البيهقي: رواه البخاريُّ في ((التاريخ))، عن محمد بن سعيد الأصبهاني(٢).
قلت : ولعله قال أولاً إنه سحرٌ ، ثم تَبَصَّرَ لنفسِه، فأسلمَ وآمنَ لما هداهُ الله عزّ وجلّ ، والله أعلم .
حديث آخر ، عن ابن عمر في ذلك : قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : أخبرنا أبو بكر محمد بن
عبد الله الوراق ، أنبأنا الحسن بن سفيان ، أنبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أَبان الجُعفي، حدَّثنا
محمد بن فضيل، عن أبي حيّان، عن عطاء، عن ابن عمر ، قال: كنا مع رسول الله وَّ في سفر ، فأقبل
أعرابيٌّ، فلما دنا منه قال له رسول الله: ((أين تريد؟)) قال: إلى أهلي، قال: ((هل لك إلى خير؟))
قال: ما هو؟ قال: (( تشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، وأن محمداً عبدُه ورسولهُ)) قال: هل
من شاهد على ما تقولُ؟ قال: ((هذه الشجرة)) فدعاها رسولُ الله ◌ِ لل وهي على شاطىء الوادي ، فأقبلت
تخذُّ الأرض خدّاً ، فقامت بين يديه ، فاستشهدَها ثلاثاً فشهدت أنه كما قال ، ثم إنها رجعت إلى منبتِها ،
ورجعَ الأعرابيُّ إلى قومه ، فقال: إن يتبعوني أتيتُك بهم ، وإلا رجعتُ إليك وكنتُ معك(٣).
وهذا إسنادٌ جيد ولم يخرجوه(٤) ، ولا رواه الإمام أحمد ، والله أعلم .
باب
حنينُ الجِذع ، شَوقاً إلى رسول الله ، وشَغَفَاً من فِراقه
وقد وردَ من حديث جماعة من الصحابة ، بطرق متعددة تفيدُ القطعَ ، عند أئمة هذا الشأن ، وفرسان
هذا الميدان .
( قال القاضي عياض في كتابه (( الشفاء )»(٥) : وهو حديث مشهورٌ منتشرٌ متواتر، خرّجه أهل
الصحيح ، ورواه من الصحابة بضعة عشر ، منهم : أبيٌّ ، وجابر ، وأنس ، وابن عمر ، وابن عباس ،
وسهل بن سعد ، وأبو سعيد ، وبُريدة ، وأم سلمة ، والمطلبُ بن أبي وداعة ، رضي الله عنهم)(٦).
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٥). وفي إسناده شريك وهو ابن عبد الله النخعي سيِّء الحفظ، وسماك هو ابن حرب
صدوق حسن الحديث ، فالحديث حسن بشواهده .
(٢) التاريخ الكبير؛ للبخاري (٤١٦/٢/٣).
(٣) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٤_١٥).
(٤) أي في الكتب الستة .
(٥) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (٤٢٧/١).
(٦) مابين القوسين سقط من المطبوع، وأثبته من (أ).
١٨٧
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
الحديث الأول عن أبيّ بن كعب : قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله(١):
حذَّثنا إبراهيم بن محمد ، قال : أخبرني عبدُ الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبيّ بن كعب ، عن
أبيه ، قال: كان النبيُّ وَ ◌ّهَ يُصَلِّي إلى جِذع نخلةٍ إذ كان المسجدُ عريشاً، وكان يخطبُ إلى ذلك الجذع ،
فقال رجل من أصحابه : يا رسولَ الله ، هل لك أن نجعل لك مِنبراً تقوم عليه يوم الجمعة ، ويَسمعُ الناسُ
خطبتكَ؟ قال: (( نعم )) فصنعَ له ثلاثَ درجات هنّ اللاتي على المنبر ، فلما صُنع المنبرُ ووُضع موضعه
الذي وضعه فيه رسولُ الله ◌َّه، بدا للنبيّ وَّل أن يقومَ على ذلك المنبر فيخطب عليه، فمر إليه ، فلما
جاوز ذلك الجِذع الذي كان يخطبُ إليه، خارَ حتى تصدَّع وانشقَّ، فنزل النبيِ وَِّ لما سمعَ صوتَ الجِذع
فمسحَه بيده ، ثم رجعَ إلى المنبر ، فلما هُدم المسجدُ أخذَ ذلك الجذعَ أبيُّ بن كعب رضي الله عنه ، فكان
عنده حتى بليَ وأكلته الأرضةُ، وعاد رُفات٢ً) .
وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل(٣) : عن زكريا بن عديّ ، عن عُبيد الله بن عمرو الرقي ، عن
عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل ، عن أبيّ بن كعب ، فذكره . وعنده : فمسحَه بيده حتى
سكنَ، ثم رجعَ إلى المنبر ، وكان إذا صلَّى صلَّى إليه . والباقي مثله .
وقد رواه ابن ماجه(٤) عن إسماعيل بن عبد الله الرقي ، عن عُبيد الله بن عمرو الرقي ، به .
الحديث الثاني عن أنس بن مالك : قال الحافظ أبو يَعلى المَوصلي(٥): حدَّثنا أبو خيثمة ، حدَّثنا
عمر بن يُونس الحنفي ، حدَّثنا عكرمة بن عمّار ، حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، حدَّثنا أنس بن
مالك :
أن رسول الله كان يوم الجمعة يُسند ظهره إلى جذعٍ منصوبٍ في المسجد فيخطبُ الناس ، فجاءَه
روميٌّ فقال : ألا أصنعُ لك شيئاً تقعدُ عليه كأنَّك قائم ؟ فصنعَ له مِنبراً درجتان ، ويقعد على الثالثة ، فلما
قعدَ نبيُّ الله على المِنبر خارَ كخُوار الثور، ارتجَّ لخواره ؛ حزناً على رسول الله وَّهِ ، فنزلَ إليه رسولُ الله
من المنبر فالتزمَه، وهو يخورُ، فلما التزمَه سكتَ، ثم قال: (( والذي نفسُ محمّدٍ بيده لو لم ألتزمه لما
زالَ هكذا حتى يوم القيامة حزناً على رسول الله)) فأمر به رسولُ الله ◌َلاَ فِدُفِنَ .
(١) مسند الشافعي (١/ ١٤٢).
(٢) إسناده ضعيف جداً ، فإن شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي متروك ، ولكن سيأتي من غير
طريقه . كما أن في إسناده أيضاً عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف إنما يعتبر به فيتحسن حديثه عند المتابعة ، ولم
يتابع على قصة أخذ أبيّ للجذع ، ولا نعرف مايشهد لها .
(٣)
في مسنده (١٣٧/٥)، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل .
(٤) في سننه (١٤١٤) في الإقامة .
(٥) في مسنده (٣١١/٦) رقم (٣٣٨٤).
١٨٨
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
وقد رواه الترمذي(١)، عن محمود بن غيلان، عن عمر بن يونس ، به . وقال : صحيح غريب من
هذا الوجه .
طريق أخرى عن أنس: قال الحافظ أبو بكر البزَّار في ((مسنده)): حدَّثنا هدبة، حدَّثنا حمَّاد ، عن
ثابت ، عن أنس، عن النبي الطيار:
(وحبيب بن الشهيد، عن الحسن، عن النبي ◌َّةَ(٢) أنه كان يخطبُ إلى جذع نخلةٍ، فلما اتَّخِذَ
المِنبرَ تحوَّلَ إليه، فحنَّ فجاءَ رسولُ اللهِ لّهِ حتى احتضنَه فسكنَ، وقال: ((لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يومٍ
القيامة (٣) وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن خَلاَّد ، عن بهز بن أسد ، عن حمّاد بن سَلمة ، عن
ثابت ، عن أنس ، وعن حمّاد ، عن عمّار بن أبي عمّار ، عن ابن عباس به . وهذا إسناد على شرط
مسلم .
طريق أخرى عن أنس : قال الإمام أحمد : حدَّثنا هاشم ، حدَّثنا المبارك ، عن الحسن ، عن أنس بن
مالك ، قال :
كان رسولُ الله ◌َيَ إذا خطبَ يومَ الجمعةِ يُسند ظهره إلى خَشبةٍ، فلما كَثُرَ النَّاسُ قال: (( ابنوا لي
مِنبراً )) - أراد أن يسمعَهم - فَبَنَوا له عتبتين ، فتحوَّلَ من الخشبة إلى المنبر، قال: فأُخبرَ أنسُ بن مالك أنه
سمعَ الخشبةَ تَحِنُّ حنينَ الوالِهِ ، قال: فما زالت تَحِنُّ حتى نزلَ رسولُ اللهِ وَّر عن المنبر ، فمشى إليها
فاحتضنَها ، فسكنت(٤)
تفرد به أحمد .
وقد رواه أبو القاسم البغوي ، عن شيبان بن فروخ ، عن مُبارك بن فَضَالة ، عن الحسن ، عن أنس
فذكره ، وزاد : فكان الحسنُ إذا حدَّثَ بهذا الحديث بَكى ، ثم قال : يا عبادَ الله ، الخشبةُ تَحِرُّ إلى
رسول الله شوقاً إليه لمكانه من الله، فأنتم أحقُّ أن تَشتاقوا إلى لقائه(٥) .
وقد رواه الحافظ أبو نعيم(٦) ، من حديث الوليد بن مسلم ، عن سالم بن عبد الله الخياط ، عن
أنس بن مالك ، فذكره .
(١) في الجامع رقم (٣٦٢٧) في المناقب .
(٢) ما بين القوسين سقط من المطبوع وأثبته من (أ).
(٣) رواه ابن ماجه في سننه رقم (١٤١٥) في كتاب إقامة الصلاة ، عن ابن عباس وعن أنس ، وقال البوصيري في
الزوائد : إسناده صحيح ، ورجاله ثقات وهو حديث صحيح .
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٢٦/٣) رقم (١٣٢٩٦)، وهو حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.
(٤)
(٥) من طريق البغوي رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٧٠) وهو حديث حسن بشواهده.
(٦) دلائل النبوة لأبي نعيم (٢/ ٥١٣).
١٨٩
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
طريق أخرى عن أنس : قال أبو نُعيم : حدَّثنا أبو بكر بن خَلَّد ، حدَّثنا الحارث بن محمد بن أبي
أسامة ، حدَّثنا يَعلى بن عبَّاد، حدَّثنا الحكم ، عن أنس ، قال :
كانَ رسولُ الله ◌ِّهَ يخطبُ إلى جذع، فحنَّ الِذعُ، فاحتضنَه وقال: (( لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم
القيامة )( ١)
الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال الإمام أحمد٢): حدَّثنا وكيع ، حدَّثنا عبد
الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر قال :
كان رسولُ الله ◌ِّهِ يخطبُ إلى جِدع نخلةٍ، قال: فقالت امرأةٌ من الأنصار - وكان لها غلام نجّار -
يا رسولَ الله، إن لي غلاماً نجاراً أفآمُرهَ أن يتَّخذَ لك مِنبراً تخطبُ عليه؟ قال: (( بلى)) قال: فاتَّخذ له
مِنبراً ، قال : فلما كان يوم الجمعة خطبَ على المنبر ، قال : فأنَّ الجِذعُ الذي كان يقومُ عليه كما يَئِن
الصبيُّ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إن هذا بكى لِمَا فَقَدَ من الذِّكر)).
هكذا رواه أحمد .
وقد قال البخاريّ(٣): حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا عبد الواحد بن أيمن ، قال : سمعتُ أبي ، عن
جابر بن عبد الله :
أن رسولَ الله ◌ِ ◌ّه كان يقومُ يومَ الجمعة إلى شجرة - أو نخلة - فقالت امرأة من الأنصار - أو رجل - :
يا رسولَ الله، ألا نجعلُ لك منبراً؟ قال: ((إن شِئتم» فجعلُوا له منبراً ، فلما كان يوم الجمعة دُفِعَ إلی
المِنبر ، فصاحتِ النَّخلةُ صِياحَ الصبيّ ، ثم نزلَ النبيُّ ◌َّهِ فضمَّه إليه يَيِّنُّ أنينَ الصبيّ الذي يُسَكَّنُ . قال:
(( كانت تبكي على ما كانت تسمعُ من الذكر عندَها )).
وقد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه ، من حديث عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن
أيمن الحبشي المكي ، مولى ابن أبي عمرة المخزومي ، عن جابر ، به .
طريق أخرى عن جابر : قال البخاريُّ : حدَّثنا إسماعيل ، حدَّثني أخي ، عن سُليمان بن بلال ، عن
يحيى بن سعيد ، حدَّثني حفصُ بن عُبيد الله بن أنس بن مالك ؛ أنه سمعَ جابرَ بنَ عبد الله الأنصاري
يقول : كان المسجدُ مسقوفاً على جذوع من نخل، فكان النبيُّ وََّ إذا خطبَ يقومُ إلى جذعٍ منها، فلما
لم أجده في المطبوع من دلائل أبي نعيم ، ومعلوم أن المطبوع هو المختصر .
(١)
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٠٠/١).
(٣) في صحيحه رقم (٣٥٨٤) في المناقب، ورقم (٢٠٩٥) في البيوع.
١٩٠
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
صنع له المنبر، وكان عليه، فسمعنا لذلك الجِذع صوتاً كصوتِ العِشَار، حتى جاء النبيُّ نَ لّ فوضعَ يدَه
عليها فسكنت(١) .
تفرد به البخاري .
طريق أخرى عنه : قال الحافظ أبو بكر البزار ، حدَّثنا محمد بن المثنى ، حدَّثنا أبو المساور ، حدَّثنا
أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح - وهو ذكوان - عن جابر بن عبد الله ، وعن أبي إسحاق ، عن
كُريب ، عن جابر قال :
كانت خشبةٌ في المسجد يخطبُ إليها النبيُّ مَ﴿، فقالوا : لو اتخذنا لك مِثْلَ الكرسي تقومُ عليه؟
ففعلَ ، فحنَّتِ الخشبةُ كما تَحِنُّ الناقةُ الحلوجُ ، فأتاها فاحتضنها فوضعَ يدَه عليها فسكنت (٢) .
قال أبو بكر البزار : أحسبُ أنا قد حدَّثناه عن أبي عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن
جابر ، وعن أبي إسحاق ، عن كريب ، عن جابر بهذه القصة التي رواها أبو المساور ، عن أبي عوانة .
وحدَّثنا محمد بن عثمان بن كرامة ، حدَّثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن
سعيد بن أبي كَرِب(٣)، عن جابر، عن النبي ◌َّ بنحوه.
والصواب إنما هو سعيدُ بن أبي كرب(٣)، وكريب خطأ، ولا نعلم يروي عن سعيد بن أبي كَرِب (٣)
إلا أبا إسحاق .
قلت : ولم يخرجوه من هذا الوجه ، وهو جيد .
طريق أخرى عن جابر: قال الإمام أحمد(٤): حدّثنا يحيى بن آدم ، حدَّثنا إسرائيل ، عن أبي
إسحاق ، عن سعيد بن أبي كرب ، عن جابر بن عبد الله ، قال :
كان النبيُّ وَّهَ يخطبُ إلى خشبةٍ، فلما جُعل له مُنبر حتَّت حنينَ النَّاقة، فأتاها فوضعَ يدَه عليها
فسكنت .
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٨٥) في المناقب، ورقم (٩١٨) في الجمعة .
و (( العِشار)): جمع عُشَراء، وهي الناقة الحامل. وقال الخطابي: العِشار : الحوامل من الإبل التي قاربت
الولادة .
لم أجد هذه الرواية في البحر الزخار ولا في كشف الأستار .
(٢)
في المطبوع: (( كريب )» خطأ .
(٣)
(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٩٣/٣) رقم (١٤٠٥١) وإسناده صحيح ، سعيد بن أبي كرب ثقة ، وثقة أبو زرعة
الرازي ، وناهيك به . ( الجرح والتعديل ٤/ الترجمة ٢٥٣) وكأن الذهبي لم يقف على هذا فذكره في الميزان بسبب
تجهيل علي بن المديني له (١٥٦/٢) .
١٩١
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
تفرد به أحمد .
طريق أخرى عن جابر : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدَّثنا محمد بن مَعْمَر ، حدَّثنا محمد بن كثير ،
حدَّثنا سُليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر بن عبد الله قال :
كان النبيُّ نَّهَ يقومُ إلى جِذع قبلَ أن يُجعل له المنبر، فلما جُعل المنبرُ حَنَّ الجِذعُ حتى سمعنا حنينَه ،
فمسحَ رسولُ اللهِ ل# يدَه عليه فسكنَ .
قال البزار : لا نعلمُ رواه عن الزهري إلا سليمان بن كثير .
قلت : وهذا إسنادٌ جيد، رجاله على شرط الصحيح ، ولم يروه أحدٌ من أصحاب الكتب الستة .
وقال الحافظ أبو نُعيم في (( الدلائل)»(١): ورواه عبدُ الرزاق عن مَعْمَر، عن الزهري ، عن رجل
سمّاه ، عن جابر .
ثم أوردَه(٢) من طريق أبي عاصم بن علي ، عن سُليمان بن كثير ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن
المسيب ، عن جابر مثله .
ثم قال : حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد ، حدَّثنا أحمدُ بن علي الخراز ، حذَّثنا عيسى بن المساور ، حدَّثنا
الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر :
أن رسولَ الله كان يخطبُ إلى جذع، فلما بُني المنبرُ حنَّ الجذعُ فاحتضنَه فسكنَ، وقال: (( لو لم
أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة))(٣) .
ثم رواه(٤) من حديث أبي عَوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر . وعن أبي إسحاق ، عن
كريب ، عن جابر ، مثله .
طريق أخرى عن جابر : قال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا ابنُ جُريج ، ورَوح قال :
حدَّثنا ابن جُريج : أخبرني أبو الزبير ؛ أنه سمعَ جابر بن عبد الله يقول :
كان النبيُّ ◌ََّ إذا خطبَ يستندُ إلى جذعِ نخلةٍ من سَواري المسجد ، فلما صُنع له مِنبرُه واستوى عليه ،
(١) لم أجده في الدلائل المطبوع ؛ لأنه منتخب من الدلائل ؛ لأبي نعيم .
(٢) لم أجده في الدلائل المطبوع.
(٣) دلائل النبوة؛ لأبي نعيم رقم (٣٠٢) طبعة المكتبة العربية بحلب ١٣٩٢ هـ وهو حديث حسن بشواهده.
(٤) دلائل النبوة ؛ لأبي نعيم رقم (٣٠٤) وهو حديث حسن بشواهده .
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٩٥/٣) رقم (١٤٠٧٥).
١٩٢
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
فاضطربت تلك السَّاريةُ كحنين الناقة، حتى سمعَها أهلُ المسجد ، حتى نزلَ إليها رسولُ اللهِوَّلَه فاعتنقَها
فسكنت . وقال رَوح : فسكتت .
وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه .
طريق أخرى عن جابر: قال الإمام أحمد١): حدَّثنا محمد بن أبي عديّ ، عن سُليمان ، عن أبي
نَضرةَ ، عن جابر ، قال :
كان رسولُ اللهِ ◌ّله يقومُ في أصلِ شجرةٍ - أو قال: إلى جِذعٍ - ثم اتَّخذَ منبراً، قال : فحنَّ الجِذعُ،
قال جابر: حتى سمعَه أهلُ المسجد، حتى أتاه رسولُ الله ◌ِّ فمسحَه فسكنَ ، فقال بعضُهم : لو لم يأتِه
لحنَّ أَبَداً إلى يومِ القيامة .
وهذا على شرط مسلم، ولم يروه إلا ابن ماجه (٢) ، عن بكر بن خَلف ، عن ابن أبي عديٍّ ، عن
سُليمان التَّيْمِيِّ، عن أبي نَضرَةَ - المُنذِر بن مالك بن قُطَعَة٣ٌ) العَبديِّ النَّضريِّ ، عن جابر ، به .
الحديث الرابع عن سهل بن سعد : قال أبو بكر بن أبي شيبة(٤) : حدَّثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي
حازم ، قال: أتَوا سهل بن سعد فقالوا: من أيّ شيءٍ منبرُ رسول الله وَّر؟ فقال: كان رسولُ الله ◌َّه
يستندُ إلى جِذع في المسجد يُصلِّي إليه إذا خطبَ، فلما اتَّخِذَ المِنبَرَ فصَعِدَ حنَّ الجِذعُ ، حتى أتاه
رسولُ الله ◌َِّ فَوَطَّنَه حتى سكنَ .
وأصل هذا الحديث في الصحيحينُ(٥) ، وإسناده على شرطهما . وقد رواه إسحاق بن راهويه ، وابن
أبي فديك ، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، ورواه عبدُ الله بن نافع ،
وابنُ وهب ، عن عبد الله بن عمر ، عن عباسٍ بن سهل ، عن أبيه ، فذكره .
ورواه ابنُ لهيعة ، عن عمارة بن عرفة ، عن ابن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، بنحوه .
الحديث الخامس عن عبد الله بن عباس: قال الإمام أحمدً): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّادٌ ، عن
عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس رضي الله عنهما :
(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٠٦/٣).
(٢)
في سننه رقم (١٤١٧) في إقامة الصلاة .
(٣)
في المطبوع: ((قطفة)» وهو تحريف قبيح .
(٤)
مسند ابن أبي شيبة (٨٧) .
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٧٧) في الصلاة ، ومسلم في صحيحه رقم (٥٤٤) (٤٥).
(٥)
في مسنده (٢٤٩/١) .
(٦)
١٩٣
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
أن رسولَ الله وَّه كان يخطبُ إلى جِدعِ قبلَ أن يتَّخِذَ المنبر، فلما انَّخذَ المنبر وتحوَّل إليه ، حنّ
عليه ، فأتاه فاحتضنَه فسكنَ، قال: ((ولو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة)).
وهذا الإسنادُ على شرط مسلم ، ولم يروه إلا ابن ماجه (١) ، من حديث حماد بن سلمة .
الحديث السادس عن عبد الله بن عمر: قال البخاري(٢): حدّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا يحيى بن
كثير أبو غسان ، حدَّثنا أبو حفص واسمُه عمر بن العلاء - أخو أبي عمرو بن العلاء - قال : سمعتُ نافعاً ،
عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال :
كان النبيُّ وَّهَ يخطبُ إلى جِذعِ، فلما أنَّخذَ المِنبَر تحوَّل إليه، فحنّ الجذعُ، فأتاهُ فمسحَ يدَه عليه .
وقال عبد الحميد : أخبرنا عثمان بن عمر ، أخبرنا معاذُ بن العلاء ، عن نافع بهذا . ورواه أبو عاصم ،
عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر . وهكذا ذكره البخاري .
وقد رواه الترمذي(٣)، عن عمرو بن علي الفَلَّس، عن عثمان بن عمرو ويحيى بن كثير أبي غَسَّان
العنبري(٤) ، كلاهما عن معاذ بن العلاء ، به . وقال : حسن صحيح غريب .
قال شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المِزِّي في (( أطرافه)»(٥) : ورواه علي بن نصر بن علي الجهضمي ،
وأحمد بن خالد الخلال، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في آخرين ، عن عثمان بن عمر ، عن معاذ بن
العلاء . قال : وعبد الحميد هذا - يعني : الذي ذكره البخاري - يقال: إنه عبدُ بن حميد ، والله أعلم .
قال شيخُنا : وقد قيل: إن قول البخاري: عن أبي حفص، واسمه عُمر(٦) بن العلاء ، وهمّ ،
والصواب معاذ بن العلاء ؛ كما وقع في رواية الترمذي .
قلت : وليس هذا ثابتاً في جميع النسخ ، ولم أرَه في النسخ التي كتبتُ منها تسميته بالكلية ، والله
أعلم .
وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو نُعيم(٧) ، من حديث عبد الله بن رجاء ، عن عبد الله بن عمر .
ومن حديث أبي عاصم ، عن ابن أبي رواد ، كلاهما عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، قال :
(١) في إقامة الصلاة من سننه (١٤١٥).
(٢) في صحيحه (٣٥٨٣) في دلائل النبوة .
(٣)
رواه في الجامع رقم (٥٠٥) في الصلاة .
في المطبوع: (( ويحيى بن كثير عن أبي غسان العنبري)) وهو تحريف ظاهر .
(٤)
(٥) تحفة الأشراف (٥/ ٦١٠) عقيب حديث ٨٤٤٩ (تحقيق الدكتور بشار).
(٦) في المطبوع ((عمرو)) خطأ، وما أثبتناه من التحفة والبخاري .
(٧) لم أجده في المطبوع من دلائل أبي نعيم .
١٩٤
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
قال تميمٌ الداريّ : ألا نتخذُ لك منبراً . فذكر الحديث .
طريق أخرى عن ابن عمر: قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا حسين، حدَّثنا خلفٌ ، عن أبي جَناب
- وهو يحيى بن أبي حَيّة - عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، قال :
كان جذعُ نخلةٍ في المسجد يُسند رسولُ اللهِوَّ ظهرَه إليه إذا كان يومَ جمعةٍ، أو حدثَ أمرٌ يُريدُ أن
يُكلِّمَ الناسَ، فقالوا: ألا نجعلُ لكَ يا رسولَ الله شيئاً كقَدرٍ قيامِك؟ قال: (( لا عليكم أن تفعلوا))
فصنعوا له منبراً ثلاثَ مراقٍ ، قال : فجلس عليه ، قال : فخارَ الجذعُ كما تخورُ البقرةُ جزعاً على
(٢)
رسول الله {آلێ ، فالتزمَە ومسحَە حتی سكن
تفرد به أحمد .
الحديث السابع عن أبي سعيد الخدري : قال عبدُ بن حُميد الكشي(٣): حدَّثنا علي بن عاصم ، عن
الجريري ، عن أبي نضرة العبدي ، حدَّثني أبو سعيد الخدري ، قال :
كان رسولُ الله ◌َّهَ يخطبُ يومَ الجمعة إلى جذع نخلةٍ، فقال له الناس: يا رسول الله، إنه قد كَثُرُ
الناسُ - يعني: المسلمين - وإنهم ليحبُّون أن يروكَ، فلو أنَّخذتَ مِنبراً تقومُ عليه ليراكَ الناس ؟ قال :
(( نعم، مَن يجعلُ لنا هذا المنبر؟ ) فقامَ إليه رجلٌ فقال: أنا، قال: (( تجعله؟)) قال: نعم، ولم
يقل: إن شاء الله، قال: ((ما اسمك؟)) قال: فلان، قال: ((اقعد)) فقعدَ، ثم عاد فقال: ((مَن
يجعلُ لنا هذا المنبر؟)) فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: ((تجعله؟)) قال: نعم ، ولم يقل: إن
شاء الله، قال: ((ما اسمك؟)) قال: فلان، قال: ((اقعد)) فقعد، ثم عاد فقال: ((مَن يجعلُ لنا هذا
المنبر؟ )) فقام إليه رجلٌ، فقال: أنا، قال: ((تجعلُه؟ )) قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال :
((ما اسمك؟)) قال: فلان، قال: ((اقعد)) فقعد، ثم عاد فقال: ((مَن يجعلُ لنا هذا المنبر)) فقام إليه
(١) في المسند (١٠٩/٢).
(٢) وهو حديث حسن ، وهذا إسناد ضعيف لضعف ابي جناب وهو يحيى بن أبي حية الكلبي ، وأبوه مجهول . هكذا
قال المصنف رحمه الله ، وفي قوله هذا وهم من وجهين ، الأول : أن علي بن عاصم هو ابن صهيب الواسطي ليس
من رجال مسلم إنما روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه حسب ، وهو ضعيف يعتبر به كما بيناه مفصلاً في كتابنا
التحرير (٤٧/٣) ، الثاني: أن الجريري وهو سعيد بن إياس قد اختلط بأخرة ، ولم يذكر أحد أن علي بن عاصم
سمع منه قبل الاختلاط فالراجح أنه سمع منه بعد اختلاطه ، ولعل هذا هو سبب الغرابة في هذا السياق ، والله أعلم
(بشار) .
(٣) كذا في (أ) وفي المطبوع : الليثي. وهو تصحيف ، ويقال فيه الكسي ، بالسين أيضاً، وطبع المنتخب من مسنده ،
وهذا الحديث ليس فيه .
١٩٥
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
رجلٌ، فقال: أنا، قال: ((تجعله؟)) قال: نعم إن شاءَ الله، قال: ((ما اسمك؟)) قال: إبراهيم ،
قال: ((اجعله)).
فلما كان يومُ الجمعة اجتمعَ الناسُ للنبيّ ◌ََِّ في آخر المسجد، فلما صَعِدَ رسولُ اللهِوَّهِ المنبرَ
فاستوى عليه فاستقبل وحنَّتِ النخلةُ ، حتى أسمعتني وأنا في آخر المسجد، قال: فنزلَ رسولُ اللهِ وَلِّ عن
المِنبر فاعتنقَها، فلم يزل حتى سكنت، ثم عاد إلى المنبر فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: (( إن هذه
النَّخلةَ إنما حنَّت شوقاً إلى رسول الله، لمَّا فارقَها ، فوالله لو لم أنزل إليها فأعتنقُها ، لما سكنت إلى يوم
القيامة)) .
وهذا إسناد على شرط مسلم ، ولكن في السياق غرابة ، والله تعالى أعلم .
طريق أخرى عن أبي سعيد: قال الحافظ أبو يَعلى (١): حدَّثنا مسروق بن المَرِزُبَان، حدَّثنا يحيى بن
زكريا ، عن مُجالد ، عن أبي الوداك وهو جبرُ بن نوف ، عن أبي سعيد ، قال :
كان النبيُّ ◌َّه يقومُ إلى خشبةٍ يتوكَّأُ عليها، يخطبُ كلَّ جمعةٍ، حتى أتاه رجلٌ من الرومُ(٢) ، فقال :
إن شئتَ جعلتُ لك شيئاً إذا قعدتَ عليه كنتَ كأنك قائم، قال: (( نعم)» قال : فجعلَ له المنبرَ ، فلما
جلسَ عليه حنَّتِ الخشبةُ حنينَ النَّاقةِ على ولدها، حتى نزلَ النبيُّ ◌َله فوضعَ يدَه عليها، فلما كان الغدُ
رأيتُها قد حُوِّلت، فقلنا: ما هذا؟ قالوا: جاء رسولُ الله ◌َّهِ وأبو بكر وعمر البارحة فحوَّلوها.
وهذا غريب أيضا٣ً) .
الحديث الثامن عن عائشة رضي الله عنها : ورواه الحافظ أبو نُعيم(٤) من حديث علي بن أحمد
الجوربي ، عن قبيصة ، عن حَيّان بن علي ، عن صالح بن حيان ، عن عبد الله بن بريدة ، عن عائشة ،
فذكر الحديثَ بطوله ، وفيه أنه خيَّرَه بين الدنيا والآخرة ، فاختارَ الجِذعُ الآخرةَ ، وغارَ حتى ذهبَ فلم
يُعرف(٥) .
هذا حديث غريب إسناداً ومتناً .
(١) في مسنده (١٠٦٧) .
في مسند أبي يعلى من القوم . وهو تصحيف .
(٢)
(٣) وإسناده ضعيف ؛ لضعف مجالد بن سعيد .
(٤) في (أ) البيهقي، وهو خطأ ؛ لأني لم أجده في دلائل النبوة ؛ للبيهقي ، ووجدته في الدلائل ؛ لأبي نعيم ، بطوله
وبهذا الإسناد .
(٥) دلائل النبوة ؛ لأبي نُعيم رقم (٣١٠) وإسناده ضعيف، لضعف صالح بن حيان. وقد ذكره الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢/ ١٨٢) وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه صالح بن حيان ، وهو ضعيف.
١٩٦
كتاب دلائل النبوة ( حنين الجذع ... )
الحديث التاسع عن أم سلمة رضي الله عنها : روى أبو نُعيم ، من طريق شريك القاضي ، وعمرو بن
أبي قيس ، ومعلّى بن هلال ، ثلاثتُهم عن عمار الدهني ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أم سلمة ،
قالت :
كان لرسول الله وَّل خشبة يستندُ إليها إذا خطبَ، فصُنع له كرسيٌّ - أو منبر - فلما فقدتهُ خارت كما
يخورُ الثور، حتى سمعَ أهلُ المسجد، فأتاها رسولُ الله ◌َّ فسكنت(١).
هذا لفظ شريك .
وفي رواية معلى بن هلال : أنها كانت من دَوم .
وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه .
وقد روى الإمام أحمد والنسائي(٢) ، من حديث عمار الدُّهني، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة ،
قالت: قال رسول الله وَّمَ: ((قوائمُ مِنبري رواتبُ في الجنة)).
وروى النسائيُّ أيضاً بهذا الإسناد: (( ما بينَ بَيتي ومِنبري روضةٌ من رياض الجنة)(٣) .
فهذه الطرق من هذه الوجوه ، تفيدُ القطعَ بوقوع ذلك عند أئمة هذا الفن ، وكذا من تأملَها وأنعمَ فيها
النظر والتأمل ، مع معرفته بأحوال الرجال ، وبالله المستعان .
وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن ،
حدَّثنا عبدُ الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي ، قال : قال أبي - يعني : أبا حاتم الرازي -: قال
عمرو بن سواد ، قال لي الشافعي :
ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمداً وَّر، فقلت له: أعطى عيسى إحياء الموتى ، فقال: أعطى محمداً
الجِذعَ الذي كان يخطبُ إلى جنبه حتى هُيِّىء له المنبر ، فلما هُيِّىءَ له المِنبر حنَّ الجذعُ حتى سُمعَ صوتُه ،
فهذا أكبر من ذلك(٤) .
(١) لم أجده في دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع . ووجدته في مجمع الزوائد بلفظ مقارب عن أم سلمة ، وقال الهيثمي:
رواه الطبراني في الكبير ، ورجاله موثقون . قلت : هكذا قال وهو من رواية شريك القاضي السَّيِّىء الحفظ وكلام
المصنف أجود منه .
(٢) رواه أحمد في المسند (٣١٨/٦) والنسائي في سننه (٢/ ٣٤) في المساجد.
(٣) أخرجه النسائي في الحج من سننه الكبرى (٤٢٩٠). ومن هذا الوجه أخرجه الحميدي (٢٩٠) وأحمد (٢٨٩/٦ و
٢٩٢ و ٣١٨) .
(٤) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦٨/٦) وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٦٠٣) وعزاه إلى ابن أبي حاتم في مناقب
الشافعي .
١٩٧
كتاب دلائل النبوة ( تسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام )
باب
تسبيحِ الحَصَى في كفَّه عليه الصلاة والسلام
قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبَدان ، أنبأنا أحمد بن عُبيد
الصفار ، حدَّثنا الكُدَيميُّ ، حدَّثنا قريش بن أنس ، حدَّثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن رجل
يُقال له : سُويد بن يزيد السُّلمي ، قال : سمعت أبا ذر يقول :
لا أذكرُ عثمانَ إلا بخير بعد شيءٍ رأيتُهُ، كنتُ رجلاً أَتَّبِعُ خلوات رسولِ الله وَيهِ، فرأيتُه يوماً جالساً
وحده ، فاغتنمتُ خلوتَه فجئتُ حتى جلستُ إليه، فجاءَ أبو بكر فسلّم عليه ثم جلسَ عن يمين
رسولِ الله ◌َِّ، ثم جاء عمرُ فسلّم وجلس على يمينِ أبي بكر، ثم جاء عثمانُ فسلَّم ثم جلس عن يمين
عمر ، وبين يدي رسول الله سبعُ حَصَياتٍ - أو قال: تسعُ حصيات - فأخذهنَّ في كفِّه فسبَّحن حتى سمعتُ
لهن حنيناً كحنين النحل ، ثم وضعهن فخرسن ، ثم أخذهن فوضعهن في كفِّ أبي بكر فسبَّحن حتى
سمعت لهن حنيناً كحنين النحل ، ثم وضعهن فخَرِسنَ ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر ، فسبَّحْنَ حتى
سمعتُ لهن حنيناً كحنين النحل ، ثم وضعهن فخرسنَ ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبَّحن حتى
سمعت لهن حنيناً كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبيُّ نَالر: ((هذه خلافة النبوة(١).
قال البيهقيُ(٢): وكذلك رواه محمد بن بشار، عن قريش بن أنس ، عن صالح بن أبي الأخضر ،
وصالح لم يكن حافظاً ، والمحفوظ رواية شُعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، قال : ذكر الوليد بن سُويد
أن رجلاً من بني سليم كبير السنّ كان ممن أدرك أبا ذر بالرَّبَذَة ذكرَ له هذا الحديث عن أبي ذر . هكذا قال
البيهقي .
وقد قال محمد بن يحيى الذهلي(٣) في (( الزهريات)) التي جمعَ فيها أحاديثَ الزهري: حدَّثنا
أبو اليمان ، حدَّثنا شعيب قال :
ذكر الوليدُ بن سُويد أن رجلاً من بني سُليم كبير السن ، كان ممن أدركَ أبا ذر بالرَّبَذة ، ذكر أنه بينما
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٦٤ -٦٥) وفي إسناده: محمد بن يونس الكديمي ، أحد المتروكين ، كان يضع الحديث
وضعاً ، ولعله وضع أكثر من ألف حديث . المجروحين (٣١٢/٣) وصالح بن أبي الأخضر : اختلط عليه ما سمع ،
فقال ابن معين : ليس بشيء . وذكر العقيلي في الضعفاء (١٩٨/٢) وابن حبان في المجروحين (٣٦٨/١) والذهبي
في الميزان (٢٨٨/٢) .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦٥/٦)، وإسناده ضعيف.
(٣) محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي ، الإمام العلامة الحافظ البارع ، عالم أهل المشرق ، وإمام أهل الحديث
بخراسان، جمع علم الزهري ، وصنفه ، وجوّده. توفي سنة ٢٥٨. ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٧٣) .
١٩٨
كتاب دلائل النبوة ( تسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام )
هو قاعدٌ يوماً في ذلك المجلس وأبو ذر في المجلس ؛ إذ ذُكرَ عثمان بن عفان ، يقول السلمي : فأنا أظُ
أن في نفس أبي ذر على عثمان معتبة لإنزاله إياه بالرَّبَذة ، فلما ذُكر له عثمان عرضَ له بعضُ أهل العلم
بذلك ، وهو يظنُّ أن في نفسه عليه مَعتبة ، فلما ذكره قال : لا تقل في عثمان إلا خيراً فإني أشهدُ لقد رأيتُ
منه منظراً ، وشهدتُ منه مَشهداً لا أنساه حتى أموت، كنتُ رجلاً ألتمسُ خلوات النبيِّ يٍَّ لأسمعَ منه أو
لآخذَ عنه، فهجَّرتُ يوماً من الأيام، فإذا النبيُّ نَِّ قد خرج من بيته فسألتُ عنه الخادمَ فأخبرني أنه في
بيت ، فأتيتُهُ وهو جالسٌ ليس عندَه أحدٌ من الناس ، وكأني حينئذٍ أرى أنه في وحي ، فسلَّمتُ عليه فردً
السلام، ثم قال: (( ما جاءَ بك؟ )) فجلستُ إلى جنبه ، لا أسألُه عن شيء، ولا يذكرُه لي، فمكثتُ غيرَ
كثير، فجاءَ أبو بكر يمشي مُسرعاً فسلَّم عليه فردّ السلام ثم قال: (( ما جاء بك؟)). قال: جاء بي الله
ورسولهُ، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مُقابل النبي ◌ََّ، بينَه وبينها الطريق، حتى إذا استوى
أبو بكر جالساً ، فأشار بيده فجلسَ إلى جنبي عن يميني ، ثم جاءَ عمرُ ففعلَ مثلَ ذلك ، وقال له
رسول الله وَ﴿ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر على تلك الربوة، ثم جاءَ عثمانُ فسلّم فردَّ السلام
وقال: (( ما جاء بك ؟)) قال: جاء بي الله ورسولُ، فاشار إليه بيده فقعدَ إلى الربوة ، ثم أشار بيده فقعدَ
إلى جنب عمر، فتكلَّم النبي وَلّ بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال: ((قليل ما يبقين )) ثم قبضَ على حَصيات
سبع - أو تسع ، أو قريب من ذلك - فسبَّحنَ في يده ، حتى سُمع لهن حنينٌ كحنين النحل في كفّي النبي
وَ، ثم ناولَهن أبا بكر وجاوزني، فسبَّحن في كفِّ أبي بكر كما سبَّحن في كفِّ النبيِّ بَّر، ثم أخذَهن منه
فوضعهن في الأرض فخرسنَ فصرنَ حصى ، ثم ناولَهن عمر فسبَّحن في كفِّه كما سبخّن في كفِّ أبي بكر ،
ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن ، ثم ناولهن عثمان فسبَّحن في كفِّه نحوَ ما سبَّحن في كفِّ أبي بكر
وعمر ، ثم أخذهن فرضعهن في الأرض فخرسن(١) .
قال الحافظ ابن عساكر : رواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، فقال : عن رجل يُقال له
سُويد بن يزيد السلمي ، وقول شُعيب أصح .
وقال أبو نُعِيمُ(٢) في كتاب (( دلائل النبوة)): وقد روى داودُ بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن
الجرشي ، عن جُبير بن نُفير ، عن أبي ذر ، مثله .
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر . جزء عثمان بن عفان ص (١٠٧ - ١٠٨).
(٢) دلائل النبوة؛ لأبي نعيم رقم (٣٣٨)، وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٩/٥) وقال: أخرجه الطبراني في
الأوسط وفيه محمد بن أبي حُميد ، وهو ضعيف ، وله طريق أحسن من هذا في علامات النبوة (٢٩٩/٨) وإسناده
صحيح ، وليس فيها قول الزهري : في الخلافة .
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥٩٢/٦): وأما تسبيح الحصى فليست له إلا هذه الطريق الواحدة مع
ضعفها .
١٩٩
كتاب دلائل النبوة ( تسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام )
ورواه شهرُ بن حَوشب وسعيد بن المسيّب ، عن أبي سعيد . قال : وفيه عن أبي هريرة .
وقد تقدَّم ما رواه البخاريّ(١) ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ولقد كنا نسمعُ تسبيحَ الطعام
وهو يُؤكل .
حديث آخر في ذلك : روى الحافظ البيهقي ، من حديث عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن
أبي وقاص ، قال : حدَّثني أبو أمي مالك بن حمزة بن أبي أُسيد السَّاعدي ، عن أبيه ، عن جده أبي أسيد
السَّاعدي ، قال :
قال رسول الله وَلّ للعباس بن عبد المطلب: ((يا أبا الفضل لا تَرِمُ(٢) منزلك غداً أنت وبنوك حتى
آتَكم، فإنَّ لي فيكم حاجة)) فانتظروه حتى جاء بعدما أضحى، فدخلَ عليهم فقال: ((السلام عليكم ))
فقالوا : وعليك السلام ورحمةُ الله وبركاته ، قال: (( كيف أصبحتم ؟ )) قالوا : أصبحنا بخير نحمدُ الله ،
فكيف أصبحتَ بأبينا وأمنا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: (( أصبحتُ بخير أحمدُ الله)) وقال لهم: (( تقاربُوا
تقاربُوا يزحفُ بعضُكم إلى بعض)) حتى إذا أمكنوه اشتملَ عليهم بمُلاءته، وقال: (( يا ربِّ عمِّ وصِنو
أبي ، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النَّار كسَتري إياهم بمُلاءتي هذه)) قال: فأمَّنت أُسكُفَّة٣ُ) الباب
وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين (٤).
وقد رواه أبو عبد الله بن ماجه في (( سننه )) مختصراً°) ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أبي
حاتم الهروي ، عن عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص الوقَّاصي الزهري ( به ،
وعبد الله بن عثمان الوقاصي (٦) روى عنه جماعة .
وقد قال ابن معين : لا أعرفه ، وقال أبو حاتم : يروي أحاديث(٧).
حديث آخر : قال الإمام أحمد(٨): حدّثنا يحيى بن أبي بُكير ، حدَّثنا إبراهيم بن طَهمَان ، حدَّثني
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٩) في المناقب . وقد تقدم .
(٢) ((لا ترم)): لا تبرح.
(٣) ((أَسكُفّة الباب)): عتبة الباب، أو الخشبة التي يطأ عليها الداخل إلى البيت.
(٤) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٧١) وإسناده ضعيف . قال البخاري: مالك بن حمزة، عن أبيه ، عن جده : أن النبي
رَله دعا العباس .. الحديث. لا يُتابع عليه.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٠) وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن. ورواه أبو نعيم في (( الدلائل))
رقم (٣٤٠) . قلت : هكذا قال بحسن إسناده ولا يصح .
(٥) سنن ابن ماجه ، رقم (٣٧١١) في الأدب.
(٦) ما بين الحاصرتين إضافة لابد منها لا يستقيم النص من غيرها .
(٧) ينظر تحرير تقريب التهذيب (٢٣٨/٢).
(٨) في مسنده (٨٩/٥ و٩٥) وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب .
٢٠٠
كتاب دلائل النبوة ( تسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام )
سِمَاك بن حَرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله وَّه: ((إني لأعرفُ حجراً بمكةَ كان يُسَلَّمَ
عليَّ قبل أن أُبعثَ ، إني لأعرفُه الآن )).
رواه مسلم(١) عن أبي بكر بن أبي شيبة (٢) ، عن يحيى بن أبي بُكير ، به .
ورواه أبو داود الطيالسي(٣)، عن سليمان بن معاذ، عن سِماك ، به .
حديث آخر : قال الترمذيُّ (٤): حدَّثنا عبَّدُ بن يعقوب الكوفي، حدَّثنا الوليد بن أبي ثَور ، عن
السُّدي ، عن عبّاد بن أبي يَزيد، عن عليّ بن أبي طالب، قال: كنتُ مع النبيّ وَّه بمكةَ ، فخرجنا في
بعض نواحيها فما استقبلَه جبلٌ ولا شجرٌ إلا قال : السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله . ثم قال : وهذا حديث
حسن غريب ، وقد رواه غيرُ واحد ، عن الوليد بن أبي ثور ، عن عبّاد بن أبي يزيد ، منهم فروة بن أبي
المَغْراء(٥) .
ورواه الحافظُ أبو نُعيم، من حديث زياد بن خيثمة ، عن السُّدي ، عن أبي عمارة الخيواني(٦) ، عن
علي ، قال : خرجتُ مع رسول الله ◌َّةٍ، فجعلَ لا يمُّ على شجرٍ ولا حجرٍ إلا سلَّمَ عليه .
وقدَّمنا في المبعث أنه عليه الصلاة والسلام لمَّا رجعَ وقد أوحي إليه ، جعلَ لا يمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ ولا
مَدَرٍ ولا شيءٍ إلا قال له : السَّلامُ عليكَ يا رسول الله .
وذكرنا في وقعة بدر ، ووقعة حُنين رميه عليه الصلاة والسلام بتلك القبضة من التراب ، وأمره
أصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة ، فيكون النصر والظفر والتأييد عقب ذلك سريعاً ، أما في وقعة بدر
فقد قال الله تعالى في سياقها في سورة الأنفال: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ الآية
[ الأنفال : ١٧ ]
وأما في غزوة حُنين فقد ذكرناه في الأحاديث بأسانيده وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا ، ولله الحمد
والمنة .
حديث آخر: ذكرنا في غزوة الفتح أنَّ رسولَ الله وََّ لمَّا دخلَ المسجدَ الحرامَ فوجدَ الأصنامَ حولَ
(١) صحيح مسلم (٢٢٧٧) في الفضائل .
(٢) وهو في مصنفه ١١ / ٤٦٤.
(٣) في مسنده (١٩٠٧).
(٤) في جامعه (٣٦٢٦).
(٥) فهذه هي العلة التي أعله بها الإمام الترمذي رحمه الله فاقتصر على تحسينه واستغرابه ، بل وقع في بعض النسخ
والتحفة (١٠١٥٩): ((غريب)) فقط، وهو الصواب (بشار).
(٦) نسبة إلى : خيوان ، بلدة في اليمن .