Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
مولى عروة - عن عروة ، عن عائشة ؛ أنها قالت : والذي بعث محمداً بالحق ما رأى منخلاً ، ولا أكل
خبزاً منخولًا منذ بعثه الله [ عزّ وجلّ ] إلى أن قُبِض . قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير ؟ قالت : كنا نقول
أف . تفرد به أحمد من هذا الوجه (١)
وروى البخاري(٢) عن محمد بن كثير، عن الثوري ، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة ، عن
أبيه ، عن عائشة ، قالت : إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوماً فنأكله ، قلت : ولم تفعلون ذلك ؟
فضحكت وقالت: ما شبعَ آلُ محمد ◌َّه من خبزِ بُرّ مأدوم حتى لحقَ بالله عزّ وجلّ .
وقال أحمد (٣): حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشام ، أخبرني أبي ، عن عائشة ، قالت : كان يأتي على آل
محمد الشهر ما يُوقدون فيه ناراً ليس إلا التمر والماء ، إلا أن تُؤتى باللحم .
وفي الصحيحين(٤) ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ؛ أنها قالت : إن كنا آل
محمد ليمر بنا الهلال ما نُوقد ناراً ، إنما هو الأسودان : التمر والماء ، إلا أنه كان حولنا أهل دور من
الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم ، فيشربُ ويسقينا من ذلك اللبن .
ورواه أحمد(٥) ، عن يزيد(٦) عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عنها بنحوه .
( وفي مسند (٧) الإمام أحمد(٨): حدَّثنا عبد الله، حدَّثني أبي، حدَّثنا حسين ، حدَّثنا محمد بن
مطرِّف ، عن أبي حازم ، عن عروة بن الزبير ؛ أنه سمع عائشة تقول : كان يمر بنا هلال وهلال ما يُوقد
في بيتٍ من بيوت رسول الله وَّ نار، قال قلت : يا خالة! على أي شيء كنتم تعيشون ؟ قالت : على
الأسودين : التمر والماء . تفرد به أحمد .
وقال أبو داود الطيالسي(٩) ، عن شعبة، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن
(١) إسناده ضعيف لجهالة أبي سهل شيخ دويد ، وسليمان بن رومان.
(٢) في صحيحه رقم (٥٤٢٣) في الأطعمة، ولفظه (( وإن كنا لنرفع الكُراع فنأكله بعد خمس عشرة ليلة . قيل
ما اضطركم إليه ؟ فضحكت ... )).
(٣) في المسند (٦/ ٥٠) وهو عند البخاري رقم (٦٤٥٨) في الأطعمة.
رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٤٥٩) في الرقاق، ومسلم في صحيحه رقم (٢٩٧٢) في الزهد ، وهو فيهما : عن
(٤)
يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة .
(٥) في مسنده (١٨٢/٦ - ٢٣٧).
(٦) في المطبوع: ((بريدة)) محرف، وهو يزيد بن هارون. وينظر المسند الجامع للدكتور بشار ورفاقه (٤١٢/٢٠ -
٤١٣) حديث (١٧٣٢٠).
(٧) في المطبوع: ((وقال)) ولا يصح لأن ساقه من طريق القطيعي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه .
(٨)
مسند الإمام أحمد (٦/ ٧١) وهو حديث صحيح ولكن اختلف فيه على أبي حازم .
(٩) مسند الطيالسي (١٣٨٩).

٨٢
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
الأسود، عن عائشة قالت: ما شبعَ رسولُ اللهِوَ له من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبِض .
وقد رواه مسلمٌ(١) من حديث شعبة .
( وفي مسند) الإمام أحمد(٢): حدَّثنا عبد الله، حذَّثني أبي، حدَّثنا إسماعيل (٣)، حدَّثنا سليمان بن
المغيرة ، عن حُميد بن هلال ، قال : قالت عائشة: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلاً ، فأمسكتُ
وقطعَ رسول الله بَّه، أو قالت: أمسكَ رسولُ اللهِ وَ لَه وقطعتُ. قالت - تقول للذي تحدثه - هذا على
غير مصباح . وفي رواية : لو كان عندنا مصباح لائتدمنا به ، قال : قالت عائشة : إنه ليأتي على آل محمد
الشهر ما يختبزون خبزاً ولا يطبخون قدراً .
وقد رواه أيضاً عن بهز بن أسد(٤) ، عن سليمان بن المغيرة ، وفي روايته(٥) : شهرين ، تفرَّد به
أحمد .
وقال الإمام أحمد(٦): حذَّثنا خَلَف، حدَّثنا أبو معشر، عن سعيد - هو ابن أبي سعيد - عن أبي
هريرة ، قال : كان يمر بآل رسول الله هلال ثم هلال لا يُوقدون في شيء من بيوتهم النار ، لا لخبز ولا
لطبيخ ، قالوا : بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال : الأسودان التمر والماء ، وكان لهم جيران من
الأنصار ، جزاهم الله خيراً ، لهم منائح يُرسلون إليهم شيئاً من لبن ، تفرد به أحمد .
وفي صحيح مسلمٌ(٧) ، من حديث منصور بن عبد الرحمن الحَجَبي ، عن أمه ، عن عائشة ، قالت :
تُوفي رسول الله وقد شبع الناس من الأسودين : التمر والماء .
وقال ابن ماجه(٨): حدَّثنا سُوَيدُ بن سعيد، حدَّثنا علي بن مُسهِر ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ،
(١) في صحيحه (٢٩٧٠) (٢٢).
(٢) مسند أحمد ٦/ ٢١٧ .
(٣) في المطبوع: (( بهز)) ولا يصح، وما أثبتناه هو الصواب ، وهو إسماعيل بن عُلية ، فهذه روايته التي في المسند
(٢١٧/٦) . أما رواية بهز فسيشير إليها المصنف عقيب انتهاء هذا الطريق . ثم إن رواية إسماعيل هي التي فيها :
((إنه ليأتي على آل محمد الشهر)) أما رواية بهز فهي: ((شهرين)) كما سيشير المصنف.
وهذا الحديث ضعيف الإسناد لانقطاعه فإننا لا نعرف سماعاً لحميد بن هلال العدوي من عائشة ( بشار ) .
(٤) رواية بهز بن أسد أخرجها الإمام أحمد في المسند (٦/ ٩٤).
(٥) في المطبوع: ((رواية))، ولا يستقيم النص بها.
(٦) في المسند ٤٠٥/٢، وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي ، لكنه صحيح
بشواهده .
(٧) صحيح مسلم (٢٩٧٥) (٣٠) . وعزوه إلى مسلم فيه تقصير من المصنف رحمه الله فهو في البخاري أيضاً بإسناده
و متنه (صحيح البخاري ٥٣٨٣) ( بشار ) .
(٨) في سننه (٤١٥٠) ، وإسناده حسن من أجل سويد بن سعيد .

٨٣
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
عن أبي هريرة، قال: أَتي رسولُ اللهِ وَ له يوماً بطعام سُخنٍ فأكلَ، فلما فرغ قال: ((الحمد لله، ما دخلَ
بطني طعام سخنٌ منذ كذا وكذا)) .
وقال الإمام أحمد(١): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا ( عمار(٢) أبو هاشم صاحب الزعفراني ، عن
أنس بن مالك؛ أن فاطمة ناولت رسولَ اللهِ وَ ل﴿ كسرةً من خبز شعيرٍ فقال: (( هذا أول طعام أكله أبوكٍ من
ثلاثة أيام)) . تفرد به أحمد(٣) .
وروى الإمام أحمد ، عن عفان ، والترمذي وابن ماجه (٤) جميعاً عن عبد الله بن معاوية ، كلاهما عن
ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خبّاب العبدي الكوفي، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله وَ ل# كان
يبيتُ الليالي المتتابعة طاوياً وأهلَه لا يجدون عشاء ، وكان عامة خبزهم خبز الشعير . وهذا لفظ أحمد .
وقال الترمذي في (( الشمائل(٥): حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، حدَّثنا عمر بن حفص بن
غياث ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي ، عن يزيد بن(٦) أبي أمية الأعور ، عن أبي يوسف
عبد الله بن سلام قال : رأيتُ رسولَ الله أخذ كِسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة ، وقال: ((هذه إدام
هذه )» وأكل .
وفي الصحيحين من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان أحب الشراب إلى
رسول الله الحلو البارد(٧) .
وروى البخاري(٨) من حديث قتادة عن أنس قال: ما أعلم رسول الله وَّ ل رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق
بالله ، ولا شاة سميطاً بعينه قط .
(١) في المسند (٢١٣/٣).
(٢) ما بين الحاصرتين من المسند.
(٣) حديث حسن ، وهذا إسناد منقطع فإن عماراً أبا هاشم لم يسمع من أنس .
رواه الإمام أحمد في المسند (٣٧٣/١ - ٣٧٤) والترمذي في الجامع رقم (٢٣٦٠) في الزهد ، وقال : هذا حديث
حسن صحيح ، وابن ماجه في سننه رقم (٣٣٤٧) في الأطعمة . وهو حديث صحيح كما قال الترمذي .
(٤)
الشمائل رقم (١٨٣) باب ماجاء في إدام رسول الله بَّة ، وإسناده ضعيف، لجهالة يزيد بن أبي أمية .
(٥)
في المطبوع: ((عن يزيد ، عن أبي أمية )) وهو غلط محض .
(٦)
(٧)
لم أجده في الصحيحين ، وهو عند الترمذي في الجامع رقم (١٨٩٥) في الأشربة ، وقال أبو عيسى : هكذا روى غير
واحد عن ابن عيينة مثل هذا عن معمر ، عن الزهري ، عن عائشة ، والصحيح مارُوي عن الزهري ، عن النبي ◌َية
مرسلاً ، ثم ساق الرواية المرسلة (١٨٩٦)، وقال: وهكذا روى عبد الرزاق (في المصنف ١٩٥٨٣) عن معمر عن
الزهري ، عن النبي وسل# مرسلاً، وهذا أصح من حديث ابن عيينة . قلت: وكذلك قال أبو زرعة الرازي كما في العلل
لابن أبي حاتم (١٥٨٨) .
(٨) رواه البخاري في صحيحه رقم (٥٣٨٥) في الأطعمة ، ورقم (٦٤٥٧) في الرقاق .

٨٤
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
وفي رواية له عنه أيضاً : ما أكلَ رسولُ الله وَّ على خوان، ولا في سكرجة، ولا خُبِزَ له مرقق ،
فقلت لأنس : فعلى ما كانوا يأكلون ؟ قال : على السُّفَر .
وله من حديث قتادة أيضاً ، عن أنس؛ أنه مشى إلى رسول الله بَ له بخبز شعير وإهَالةٍ سَنِخَة ، ولقد
رهن درعَه من يهودي ، فأخذ لأهله شعيراً ، ولقد سمعته ذات يوم يقول : ما أمسى عند آل محمد صاع
تمر ولا صاع حب (١) .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا عفان، حدَّثنا أبان بن يزيد ، حدَّثنا قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن
رسول الله وَّ لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضَفَفٍ.
ورواه الترمذي في (( الشمائل(٣) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن عفان . وهذا الإسناد
على شرط الشيخين .
وقال أبو داود الطيالسي(٤): حدَّثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، سمعت النعمان بن بشير يقول :
سمعت عمر بن الخطاب يخطب ، فذكر ما فتح الله على الناس ، فقال: لقد رأيتُ رسولَ الله (ێ يتلوَّى
من الجوع ، ما يجد من الدقل ما يملأُ بطنه . وأخرجه مسلمٌ(٥) من حديث شعبة .
وفي الصحيح أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله وَ لا أعرف فيه
الجوع (٦) ... وسيأتي الحديث في دلائل النبوة .
وفي قصة أبي الهيثم بن التَّيِّهان : أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع ، فبينما هما كذلك إذ خرج
رسول الله، فقال: (( ما أخرجكما؟)) فقالا: الجوع، فقال: (( والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي
أخرجكما)) فذهبوا إلى حديقة أبي الهيثم بن التَّيِّهان ، فأطعمهم رطباً ، وذبح لهم شاة ، فأكلوا وشربوا
الماء البارد، وقال رسول الله بَليل: ((هذا من النعيم الذي تُسألون عنه)(٧).
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٠٦٩) في البيوع .
و((الإهالة)): الدهن الذي يُؤتدم به. و((السنخة)): المتغيرة الرائحة.
(٢) في المسند (٣/ ٢٧٠).
الترمذي في الشمائل رقم (٣٧٦) باب ماجاء في عيش رسول الله وَله.
(٣)
و((الضفف)) : كثرة الأيدي على الطعام ، وقيل : الأكلة أكثر من الطعام .
(٤) مسنده (٥٧) .
(٥) مسلم في صحيحه : رقم (٢٩٧٦) في الزهد .
و((الدَّقل)»: التمر الرديء .
(٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٨٧) في المناقب .
(٧) رواه مسلم رقم (٢٠٣٨) في الأشربة .

٨٥
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
وقال الترمذي في (( الشمائل)(١): حدَّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدَّثنا سيَّار، حدَّثنا سهل بن
أسلم ، عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس، عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله وَّه الجوعَ ورفعنا
عن بطوننا عن حجرٍ حجرٍ، فرفع رسولُ اللهِوَلَّ عن حجرين(٢) . ثم قال : غريب .
وثبت في الصحيحين ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها سُئلت عن فراش
رسول الله ﴾ فقالت: كان من أَدَم حشوه ليف(٣)
وقال الحسن بن عرفة : حدَّثْنا عبَّاد بن عبّاد المُهَلّبي، عن مُجَالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن
مَسروق ، عن عائشة قالت : دخلت عليَّ امرأةٌ من الأنصار فرأت فراشَ رسول الله عباءةٌ مَثْنِيّةً ،
فانطلقت ، فبعثت إليّ بفراش حشوُه الصوفُ، فدخلَ عليَّ رسول الله، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟))
قالت : قلت : يا رسول الله ! فلانةُ الأنصاريّةُ دخلت عليَّ فرأت فراشَك فذهبت فبعثت إليَّ بهذا . فقال :
(ردِّيه)) قالت: فلم أردّه وأعجبني أن يكون في بيتي ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، قالت : فقال :
(( رُدِّيه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذهب والفضة )(٤).
وقال الترمذي في ((الشمائل٥): حدَّثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري ، حدَّثنا عبد الله بن
مَيْمون(٦)، حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: سُئلت عائشةُ ما كان فراشُ رسول اللهَوَّه في بيتك ؟
قالت: من أدَم حشوُه ليف. وسُئلت حفصةُ: ما كانَ فراشُ رسول اللهِ وَّةَ؟ قالت: مَسحاً، نَثْنِيه
ثَنِيّتين ، فينام عليه ، فلما كان ذات ليلة قلت : لو ثنيتُه أربعَ ثنيات كان أوطأَ له ، فثنيناه له بأربع ثنيات ،
فلما أصبح قال: (( ما فرشتُم لي الليلة؟)) قالت: قلنا: هو فراشك إلا أنّا ثنيناهُ بأربع ثنيّات ، قلنا : هو
أو طأُلك، قال: ((ردُّوه لحالته الأولى ، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة)).
وقال الطبراني : حدَّثنا محمد بن أبانٍ الأصبهاني ، حدَّثنا محمد بن عبادة الواسطي ، حدَّثنا
يعقوب بن محمد الزهري ، حدَّثنا محمد بن إبراهيم ، حدَّثنا ابن لَهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ،
(١) ما بين القوسين سقط من المطبوع، وأثبته من (أ). وهو في شمائل الترمذي (٣٧١).
(٢) ورواه الترمذي في الجامع رقم (٢٣٧١) في الزهد ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٤٥٦) في الرقاق، ورواه مسلم في صحيحه رقم (٢٠٨٢) (٣٨) في اللباس.
و(( الأَدَم )) : الجلد المدبوغ .
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٤٥/١). وفي إسناده مجالد بن سعيد ، قال الحافظ : ليس بالقوي ، وتغير بأخرة .
(٤)
(٥) رواه الترمذي في الشمائل (٣٢٢) باب ما جاء في فراش رسول الله رَّةٍ. وإسناده ضعيف جداً بسبب عبد الله بن
ميمون ؛ فهو متروك منكر الحديث .
و((مَسحاً )» : كساء خشناً يعد للفراش من صوف .
(٦) في المطبوع: ((مهدي)) محرف، وهو عبد الله بن ميمون القداح المخزومي.

٨٦
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
عن حكيم بن حِزام، قال: خرجتُ إلى اليمن فابتعتُ حُلّة ذي يزن، فأهديتها إلى النبي ◌َّهِ فردَّها ،
فبعتُها فاشتراها فلبسها ، ثم خرج على أصحابه وهي عليه ، فما رأيت شيئاً أحسنَ منه فيها ، فما ملكتُ
نفسي أن قلت :
مَايَنظُرُ الحُكَّامُ بالفَضلِ بَعدَما بَدَا واضحٌ مِن غُرَّةٍ وحَجُولٍ(١)
إِذَا قَايسَوهُ المَجْدَ أَربَى (٢) عَليهِمُ بِمُسْتَفْرِغْ مَاءِ الذِّنابِ سَجِيلٍ(٣)
فسمعها النبي ◌ِّر، فالتفت إليَّ يتبسم، ثم دخل فكساها أسامة بن زيد(٤)
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثني ( حسين بن(٦) علي، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن
رِبعي بن حراش، عن أم سلمة قالت: دخل عليَّ رسول الله مَ ليل وهو ساهم الوجه ، قالت : فحسبت ذلك
من وجع ، فقلت : يا رسول الله أراك ساهم الوجه، أفمن وجع؟ فقال: (( لا ، ولكن الدنانير السبعة
التي أتينا بها ( أمس ، أمسينا ) ولم ننفقها ، نسيتُها في خصْم الفراش )(٧) . تفرد به أحمد .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا أبو سلمة ، قال: أخبرنا بكرُ بن مُضر ، حدَّثنا موسى بن جُبير ، عن أبي
أمامة بن سهل، قال: دخلتُ أنا وعروةُ بن الزبير يوماً على عائشة، فقالت: لو رأيتُما نبيَّ الله ◌َّل ذاتَ
يوم في مرضٍ مرضه ؟ قالت : وكان له عندي سِتَّةُ دنانير - قال موسى : أو سبعة - قالت : فأمرني
رسولُ اللهِ وَّ أن أفرّقها، قالت: فشغلني وجعُ نبي الله بَّ هَ حتى عافاهُ الله عزَّ وجلَّ، قالت: ثم سألني
عنها، فقال: (( ما فعلتِ الستةُ؟)) - قال: أو السبعةُ - قلتُ: لا والله لقد شغلني عنها وجعُك،
قالت: فدعا بها ثم صفَّها في كفِّه، فقال: (( ما ظنُّ نبيِّ الله لو لقيَ الله وهذه عنده! (٨) . تفرد به
أحمد .
(١) ((غرة وحجول)): الغرة: بياض في الوجه، والحجول: بياض في القوائم.
(٢) ((أربى)): زاد وفضل.
(٣) ((الذناب)): ملء الدلو من الماء، و((السجيل)): الضخم . والبيتان للحطيئة، وقد ذكر البيت الثاني الزمخشري
في الأساس ، مادة ( سجل ) .
(٤) المعجم الكبير للطبراني (١٩٣/٣) رقم (٣٠٩٤).
(٥) في مسنده (٣١٤/٦).
(٦) ما بين القوسين سقط من الأصل ، وأثبته من مسند أحمد .
(٧) ورواه أبو يعلى رقم (٧٠١٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٢٧/٢٣ رقم ٧٥١)، والبيهقي في الدلائل (٣٤٥/١
- ٣٤٦) . وإسناده صحيح .
و (( خصم الفراش)» : جانبه .
(٨) رواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١٠٤) والبيهقي في دلائل النبوة (٣٤٦/١). وإسناده ضعيف.

٨٧
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
وقال قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسولُ اللهِ وَلَهَ لا يَدَّخِرُ شيئاً
لغدٍ(١)
وهذا الحديث في الصحيحين (٢). والمراد أنه كان لا يدخر شيئاً لغد مما يُسرع إليه الفساد كالأطعمة
ونحوها ؛ لما ثبت في الصحيحين (٣) عن عمر أنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله
مما لم يُوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، فكان يعزل نفقة أهله سنة ، ثم يجعل ما بقي في الكراع
والسلاح عُدّة في سبيل الله عز وجل .
ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد(٤): حدَّثنا مروان بن معاوية ، ( قال : أخبرني (٥) هلال بن
سويد أبو مغلى ( قال) : سمعت أنس بن مالك وهو يقول: أهديت لرسول الله وم له ثلاثة طوائر ، فأطعم
خادمَه طائراً ، فلما كان من الغد أتته به ، فقال لها رسول الله وم اله: ((ألم أنهك أن ترفعي شيئاً لغد ،
فإن الله یأتي برزق كل غد )) .
حديث بلال في ذلك: قال البيهقي(٦): حدَّثنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا أبو محمد جعفر بن
نصير ، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ، حدَّثنا بكَّار بن محمد ، أخبرنا عبد الله بن عون ، عن ابن
سيرين ، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله دخل على بلال فوجدَ عندَه صُبراً من تمر ، فقال: (( ما هذا
يا بلال؟)) قال: تمر أدّخره، قال: «ويحك يا بلال، أو ما تخافُ أن تكونَ له بُخارٌ في النار! أنفق
بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً )».
قال البيهقي(٧) بسنده عن أبي داود السجستاني(٨) ، وأبي حاتم الرازي ، كلاهما عن أبي تَوبَةَ
(١) رواه الترمذي في الجامع رقم (٢٣٦٢) في الزهد، والبيهقي في دلائل النبوة (٣٤٦/١). وقال الترمذي : هذا
حدیث غریب ، وهو حديث حسن .
(٢)
لعل الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى أراد أن معناه في الصحيحين من فعل رسول الله وَلقه.
(٣)
رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٩٠٤) في الجهاد ، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٥٧) في الجهاد والسير.
(٤)
في مسنده (١٩٨/٣) وإسناده ضعيف ، لضعف هلال بن سويد الأحمري.
(٥)
ما بين القوسين من المسند (١٩٨/٣).
(٦) في الدلائل (١/ ٣٤٧) وإسناده ضعيف لضعف بكار بن محمد وهو السيريني . ورواه أبو يعلى عن بشر بن سيحان عن
حرب بن ميمون عن هشام بن حَسَّان عن ابن سيرين بنحوه ، وإسناده ضعيف جداً ، فإن حرب بن ميمون متروك
الحديث ولا عبرة بما ذهب إليه محققه حسين سليم الأسد من تجويد إسناده . على أن الهيثمي قد حسن إسناده من
طرق أخرى مجمع الزوائد (١٢٦/٣) .
(٧) دلائل النبوة (٣٤٨/١ - ٣٥٠).
(٨) أخرجه أبو داود في سننه (٣٠٥٥) في الإمارة ، وهو حديث صحيح .

٨٨
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
الربيع بن نافع ، حدَّثني معاويةُ بن سَلام ، عن زيد بن سَلام ، ( أنه سمع أبا سلام قال)١): حدَّثني
عبد الله الهَوْزَنيُ(٢) قال: لقيتُ بلالا مؤذنَ رسولِ الله وَّ بحلبَ، فقلت: يا بلالُ ، حدثني كيف كانت
نفقةُ رسول الله بَّ فقال : ما كان له شيء ، إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن تُوفي ،
فكان إذا أتاه الإنسان المسلمُ فرآه عاري٣ً) ، يأمُرني فأنطلقُ فأستقرضُ فأشتري البردةَ والشيءَ فأكسوه
وأطعمه ، حتى اعترضني رجلٌ من المشركين فقال : يا بلال ، إن عندي سَعَةً فلا تستقرض من أحد إلا
مني ، ففعلتُ ، فلما كان ذات يوم توضأتُ ثم قمت لأؤذِّنَ بالصلاة ، فإذا المشركُ في ◌ِصابة من التُّجار ،
فلما رآني قال : يا حبشيُّ، قال : قلت يا لَتَّيه، فتجهّمني ، وقال قولاً عظيماً أو غليظاً، وقال : أتدري
كم بينك وبين الشهر ؟ قلت : قريب ، قال : إنما بينك وبينه أربع ليال ، فآخذك بالذي لي عليك ، فإني
لم أعطِكَ الذي أعطيتُك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك ، وإنما أعطيتُك لتصير(٤) لي عبداً فأذر(٥)
ترعى في الغنم كما كنتَ قبل ذلك ، قال : فأخذني في نفسي ما يأخدُ في أنفس الناس ، فانطلقت ،
فناديتُ بالصلاة حتى إذا صلّيتُ العَتمَة، ورجعَ رسولُ الله ◌َِّ إلى أهله، فاستأذنتُ عليه فأذنَ لي ،
فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، إن المشركَ الذي ذكرتُ لك أني كنت أَتَّدَيَّن منه قد قال كذا
وكذا، وليس عندك ما يقضي عني ، ولا عندي ، وهو فاضحي ، فائْذَنْ لي أن آتيَ إلى بعض هؤلاء الأحياء
الذين قد أسلموا حتى يرزقَ الله رسولَه ◌ِ لَّ ما يقضي عني. فخرجتُ حتى أتيتُ منزلي، فجعلتُ سيفي
وحِرابي ورمحي ونعلي عند رأسي ، فاستقبلتُ بوجهي الأفقَ فكلما نمتُ انتبهتُ ، فإذا رأيتُ عليَّ ليلاً
نمتُ حتى انشقَّ عمودُ الصبح الأوّل، فأردتُ أن أنطلقَ فإذا إنسان يدعو: يا بلال، أجبْ رسولَ الله وَّل ،
فانطلقتُ حتى آتيهُ ، فإذا أربعُ ركائبَ عليهن أحمالُهُنَّ ، فأتيتُ رسولَ الله فاستأذنتُ ، فقال لي رسول الله :
((أبشر فقد جاءَك الله بقضاءِ دَيْنِكَ))، فحمدتُ الله. وقال: ((ألم تمرَّ على الركائب المُناخَات الأربع؟))
قال: قلت: بلى، قال: ((فإن لك رقابهن وماعليهن)). فإذا عليهن كسوة وطعام أهداهُنَّ له عظيم
فَدَكَ ، فاقبضهنَّ إليك ثم اقضِ دينَك ، قال : ففعلتُ فحططتُ عنهن أحمالَهن ثم علقتهن(٦) ، ثم عمدتُ
إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلَّى رسولُ الله ◌ِ لهَ خرجتُ إلى البقيع ، فجعلتُ أصبعي في أذني
فقلت: من كان يطلبُ من رسول الله مَ ل﴿ِ دَيْناً فليحضر، فما زلت أبيعُ وأقضي وأَعرض ، حتى لم يبقَ على
رسول الله بِ لَّ دَين في الأرض، حتى فضلَ عندي أُوقيّتَان أو أوقية ونصف، ثم انطلقتُ إلى المسجد وقد
(١) إضافة من البيهقي وأبي داود لا يستقيم الإسناد من غيرها.
(٢) في المطبوع: ((الهورِيني)) وهو تحريف قبيح.
(٣)
في المطبوع: ((عائلا)) محرف، وما أثبتناه يعضده ما في أبي داود والبيهقي.
(٤)
في دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٤٩/١): عارياً.
(٥) في دلائل النبوة؛ للبيهقي (١/ ٣٤٩): وإنما أعطيتك لتجب لي عبداً فأردّك.
(٦) في الدلائل (١/ ٣٥٠) فعَقَلْتُهُنَّ: أي: قيدتهن بالعِقَال.

٨٩
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
ذهبَ عامَّةُ النهار، فإذا رسولُ الله ◌َِّ قاعدٌ في المسجد وحده، فسلَّمتُ عليه، فقال لي: (( ما فعلَ
ما قِبَلَكَ؟)) قلتُ: قد قضى الله كلَّ شيءٍ كان على رسول اللهَوَّلَ فلم يبقَ شيءٌ، قال: ((فضلَ شيءٍ؟))
قلتُ : نعم ، ديناران، قال : (( انظر أن تريحني منهما فلستُ بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني
منهما )) فلم يأتنا أحدٌ ، فباتَ في المسجد حتى أصبحَ ، وظلَّ في المسجد اليوم الثاني ، حتى إذا كان في
آخر النهار جاءَ راكبان فانطلقتُ بهما فكسوتُهما وأطعمتُهما، حتى إذا صلَّى العَتَّمَة دعاني فقال: (( ما فعل
ذلك قِبَلَك؟)) قلت: قد أراحَك الله منه، فكبّر وحَمِدَ الله شَفَقاً من أن يدركَه الموتُ وعنده ذلك . ثم
اتبعتُه حتى جاء أزواجَه فسلّم على امرأة امرأة ، حتى أتى مبيتَه ، فهذا الذي سألتني عنه .
وقال الترمذي في ((الشمائل)(١): حدَّثنا هارون بن موسى بن أبي علقمةَ المدِيني، حدَّثني أبي ،
عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ أن رجلاً جاء إلى رسول الله وَ ليه
فسأله أن يُعطيَه ، فقال: (( ما عندي ما أعطيك، ولكن ابتع عليّ شيئاً فإذا جاءني شيءٌ قضيتُه)). فقال
عمر: يا رسولَ الله قد أعطيتَه، فما كلَّفَك الله ما لا تقدر عليه، فكرة النبيُّوَّل قولَ عمر، فقال رجلٌ من
الأنصار: يا رسول الله! أنفقْ ولا تخفْ من ذِي العرش إقلالاً. فتبسّم رسولُ اللهِوَّه، وعُرِف التبسُمُ(٢)
في وجهه لقول الأنصاري، وقال: (( بهذا أمرت)) .
وفي الحديث: ((ألا إنهم ليسألوني ويأبى الله عليَّ البخل)(٣).
وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم: (( والله لو أن عندي عدد هذه العضاة نعماً لقسمتها فيكم ، ثم
لا تجدوني بخيلاً، ولا جباناً، ولا كذَّاباً » وَ .
وقال الترمذي(٤) : حدَّثنا علي بن حِجْر ، حدَّثنا شَريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الرُّبِّعِ
بنتِ معوِّذٍ بن عَفراء، قالت: أتيتُ رسولَ الله بقِنَاعُ(٥) من رُطب، وأَجْرٍ زُغب(٦) ، فأعطاني ملءَ كفِّه
حُلياً أو ذَهَباً .
وقال الإمام أحمد(٧): حدَّثنا سفيان، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّ قال:
(١) الشمائل (٣٥٥) باب ماجاء في خلق رسول الله وَّل ، وهو ضعيف بسبب جهالة والدهارون.
(٢)
في الشمائل : وعُرفَ في وجهه البِشرُ .
رواه الإمام أحمد في المسند (٤/٣) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ويأبى الله لي البخل، وهو حديث صحيح.
(٣)
(٤)
في الشمائل ، رقم (٣٥٦) ، وإسناده ضعيف.
(٦) و((أجر زغب)): أجر : بفتح الهمزة وسكون الجيم ؛ أي قاء صغار، والزغب: جمع أزغب ، وهو صغار الريش
(٥)
بقناع : أي طبق .
أول طلوعه ، شبه ما يكون على القثاء الصغيرة مما يشبه أطراف الريش أول طلوعه .
(٧) في المسند (٧/٣) .

٩٠
كتاب الشمائل ( ذكر زهده ... )
(( كيف أنعم وقد التقمَ صاحبُ القرن القَرنَ، وحنى جبهتَه وأصغى سمعه ينتظر متى يُؤمر)) قال
المسلمون: يا رسول الله فما نقول؟ قال: ((قولوا: حَسبُنَا الله وَنِعمَ الوكيلُ، على الله تَوَكّلنا)).
ورواه الترمذي ، عن ابن أبي عمر (١) ، عن سفيان بن عيينة ، عن مطرّف ، ومن حديث خالد بن
طهمان(٢) ، كلاهما عن عطية وأبي سعيد العَوفي البَجَلي، وأبي الحسن الكوفي ، عن أبي سعيد
الخدري ، وقال الترمذي : حسن .
قلت : وقد رُوي من وجه آخر عنه ، ومن حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه .
ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام : قال أبو عبد الله بن ماجه (٣): حدَّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن
سعيد القطان ، حدَّثنا عمرو بن محمد، حدَّثنا أسباطُ بن نَصر ، عن الشُّدي ، عن أبي سَعدِ الأزدِيّ
- وكان قارىء الأزد - عن أبي الكَنُود، عن خَتَّابٍ في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ
وَاُلْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: جاء الأقرعُ بن حابسٍ
التميميُّ، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسولَ اللهِ وَالل مع صُهيب وبلال وعمار وخبَّاب ، قاعداً في
ناس من الضعفاء من المؤمنين ، فلما رأوهُم حولَ رسول الله وَ لَ حَقَرُوهم، فأتوه فخلَوا به ، فقالوا : نريدُ
أن تجعلَ لنا منك مجلساً تعرفُ لنا به العربُ فضلَنا ، فإن وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العربُ مع
هذه الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنكَ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئتَ. قال: (( نعم)) قالوا :
فاكتب لنا عليك كتاباً ، قال : فدعا بصحيفةٍ ودعا عليّاً ليكتب ونحن قعودٌ في ناحية ، فنزل جبريل عليه
السلام فقال: ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ
حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَِّمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ثم ذكر الأقرعَ بن حابس وعُيينةَ بن
حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَ اَللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِالشَّاكِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ثم قال: ﴿ وَإِذَا جَمَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبتِه، فكان رسولُ اللهَ وَّل يجلسُ
معنا ، فإذا أرادَ أن يقومَ قامَ وتركنا ، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ
وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَمِّ وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ولا تجالس الأشراف ﴿ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ
ذِكْرِنَا﴾ يعني عيينةَ والأقرع ﴿ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال: هلاكاً، قال: أمرُ عيينة والأقرع . ثم
(١) في الجامع (٣٢٤٣) في التفسير .
(٢)
في الجامع (٢٤٣١) في الزهد .
في سننه (٤١٢٧) في الزهد . وإسناده ضعيف لضعف أبي سعيد الأزدي فهو مقبول عند المتابعة ضعيف عند التفرد ،
(٣)
وقد تفرد . وهو بعد ذلك حديث غريب في تفسير الآية ، فإن الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد
الهجرة ، والصحيح مابعده .

٩١
كتاب الشمائل ( فصل : عبادته عليه الصلاة والسلام ... )
ضربَ لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا . قال خَبَّاب: فكنا نقعد مع رسول الله وَّ فإذا بلغنا الساعة التي
يقومُ قمنا وتركناه حتى يقوم .
ثم قال ابن ماجه (١): حدَّثنا يحيى بن حكيم، حدَّثنا أبو داود ، حدَّثنا قيسُ بن الربيع ، عن
المقدام بن شُرَيح ، عن أبيه ، عن سعد ، قال : نزلت هذه الآية فينا ، ستةٍ ، فيّ ، وفي ابن مسعود ،
وصهيب ، وعمّار ، والمقداد ، وبلال . قال : قالت قريش : يا رسول الله ، إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً
لهم، فاطردهم عنك، قال: فدخل قلبَ رسول الله وَ لَّ من ذلك ما شاءَ الله أن يدخلَ، فأنزلَ الله عز
وجل : ﴿ وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهٌ ﴾ الآية [ الأنعام: ٥٢].
وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصفهاني ، أخبرنا أبو سعيد بن
الأعرابي ، حدَّثنا أبو الحسن خلف بن محمد الواسطي ، كردوس ، حدَّثنا يزيد بن هارون ، حدَّثنا
جعفر بن سليمان الضُّبَعي ، حدَّثنا المعلّى - يعني ابن زياد - عن العلاء بن بشير المزني، عن أبي الصدِّيق
النَّاجي ، عن أبي سعيد الخدريّ قال : كنتُ في عصابةٍ من المهاجرين جالساً معهم وإن بعضَهم ليستترُ
ببعضٍ من العُري، وقارىءٌ لنا يقرأ علينا، فكنا نسمعُ إلى كتاب الله، فقال رسول الله: ((الحمدُ لله الذي
جعلَ من أمتي من أُمِرتُ أن أصبرَ معهم نفسي )) قال : فاستدارتِ الحلقةُ وبرزت وجوهُهم ، قال : فما
عرفَ رسولُ الله أحداً منهم غيري، فقال رسول الله: ((أبشروا معاشرَ صعاليك المهاجرين بالنور يوم
القيامة ، تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم ، وذلك خمسمئة عام (٢) .
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ، من حديث حمّاد بن سلمة ، عن حميد ، عن أنس ،
قال: لم يكن شخصٌ أحبّ إليهم من رسول الله مَثّه، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقومُوا؛ لما يعلمون من
كراهيته لذلك(٣) .
فَصل
عبادته عليه الصلاة والسلام واجتهاده في ذلك
قالت عائشة: كان رسولُ اللهِ وَله يصومُ حتى نقولَ لا يُفطر، ويُفطر حتى نقولَ لا يَصومُ(٤) ،
(١) في سننه رقم (٤١٢٨) في الزهد. وهو عند مسلم في صحيحه رقم (٢٤١٣) في فضائل الصحابة .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٥١/١ - ٣٥٢) وفي إسناده العلاء بن بشير المزني مجهول .
(٣) رواه الترمذي في الجامع رقم (٢٧٥٤) في الأدب، وأحمد في المسند (١٣٢/٣)، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وعزو المصنف الحديث لأبي داود لا يصح ، فإن أبا داود لم يخرج هذا الحديث في سننه .
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٩٦٩) في الصوم ، ومسلم في صحيحه رقم (١١٥٦) في الصيام.

٩٢
كتاب الشمائل ( فصل : عبادته عليه الصلاة والسلام ... )
وكان لا تشاء تراهُ من الليل قائماً إلا رأيتَه، ولا تشاءُ تراه نائماً إلا رأيتَه (١).
قالت: ومازاد رسول الله بَ له في رمضان وفي غيره على إحدى عشرة ركعة، يُصلِّي أربعاً، فلا تسأل
عن حسنهن وطولهن ، ثم يُصلِّ أربعاً ، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يوتر بثلاث (٢).
(وقالت حفصة(٣): كان رسول الله وَل يقرأ السورةَ فيرتلها حتى تكونَ أطول من أطول منها،
قالت : ولقد کان یقوم حتى أرثي له من شدة قيامه .
وذكر ابن مسعود أنه صلَّى معه ليلةً فقرأ في الركعة الأولى البقرة والنساء وآل عمران ، ثم ركع قريباً من
ذلك ، ورفع نحوه ، وسجد نحو(٤) .
وعن أبي ذر: أن رسول الله وَّه قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: ﴿إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ المائدة: ١١٨ ] رواه أحمد(٥).
وكل هذا في الصحيحين وغيرهما من الصحاح، وموضع بسط هذه الأشياء في (( كتاب الأحكام
الكبير (٦) .
وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة ، عن زياد بن علاقة ، عن المغيرة بن شعبة : أن
رسول الله ◌ُّ قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال :
(( أفلا أكون عبداً شكوراً )(٧) .
(١) رواه أحمد (٢٨٥/٦) ومسلم في صحيحه رقم (٧٣٣) في صلاة المسافرين، ومالك في الموطأ (١/ ١٣٧) في صلاة
الجماعة ، والترمذي في الجامع رقم (٣٧٣) في الصلاة ، والنسائي في سننه (٢/ ٢٢٣) في قيام الليل .
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (١١٤٧) في التهجد، ومسلم في صحيحه رقم (٧٣٨) في صلاة المسافرين .
(٣) في المطبوع: ((قالت)) ولا يصح ، فإن هذا الحديث هو حديث أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ، كما سيأتي في
تخريجه .
(٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٧٧٢) في صلاة المسافرين عن حذيفة رضي الله عنه ، وأبو داود في (( سننه )) رقم
(٨٧١) و(٨٧٤) في الصلاة، والنسائي في سننه (١٧٦/٢ و١٧٧) في الافتتاح، (٢٢٥/٣ و٢٢٦) في قيام الليل .
أما عبد الله بن مسعود فقال: صليت مع رسول الله وَّر فأطال حتى هممت بأمر سوء .. إلخ وهو في البخاري ومسلم.
(٥) مسند أحمد (١٥٦/٥، ١٧٠، ١٧٧). وهو عند النسائي (١٧٧/٢) وابن ماجه (١٣٥٠)، وينظر المسند الجامع
للدكتور بشار ورفاقه (١٦/ ١١٥) حديث (١٢٢٧٣) ، وهو حديث حسن .
(٦) كتاب الأحكام الكبير: أحال إليه ابن كثير - رحمه الله تعالى - في مواضع كثيرة من (« البداية والنهاية))، كما أحال
إليه في مختصر علوم الحديث ، ص (١٠٨) من الباعث الحثيث. قال الداودي في طبقات المفسرين (١/ ١١١):
وشرع في أحكام كثيرة حافلة ، كتب فيها مجلدات إلى الحج . وقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ (ص٣٦١):
وشرع في كتاب كبير في الأحكام ولم يتمه .
(٧) رواه البخاري في صحيحه رقم (١١٣٠) في التهجد ، ومسلم في صحيحه رقم (٢٨١٩) في صفات المنافقين ،
والترمذي في الجامع رقم (٤١٢) في الصلاة، والنسائي في سننه (٢١٩/٣) في قيام الليل.

٩٣
كتاب الشمائل ( فصل : عبادته عليه الصلاة والسلام ... )
وتقدم في حديث سلام بن سليمان ، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله وسلم قال: (( حبب
إليَّ الطيب والنساء، وجُعِلت قُرّة عيني في الصلاة)(١) . رواه أحمد والنسائي .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا عفان، حدَّثنا حماد بن سَلَمة ، أخبرني علي بن زيد ، عن يوسف بن
مهران ، عن ابن عباس؛ أن جبريلَ قال لرسول الله وَ الَر: ((قد حُبِّبَ إليك الصلاة ، فخذ منها
ما شئت (٢)
وثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله وُ لد في شهر رمضان في حر شديد ،
وما فينا صائم إلا رسول الله وَ ل وعبد الله بن رواحة ٣).
وفي الصحيحين من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال : سألت عائشة هل كان
رسول الله وَ لَو يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله وَليقول
يستطيع (٤)؟
وثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة أن رسول الله وَ لّ كان
يواصل ونهى أصحابه عن الوصال وقال: (( إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني
ويسقيني (٥) .
والصحيح أن هذا الإطعام والسقيا معنويان كما ورد في الحديث الذي رواه ابن ماجه (٦) ؛ أن
رسول الله ◌َ﴿ه قال: ((لاتُكرهوا مَرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله يُطعمهم ويسقيهم)(٧).
وما أحسن ما قال بعضهم :
لهَا أحادِيثُ مِن ذِكراكَ يُشغِلُها عَنِ الشَّرَابِ ويُلهِيهَا عنِ الزَّادِ
(١)
تقدم الحديث .
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٤٥/١) رقم (٢٢٠٥) ولفظه «إنه قد حُبِّبَ إليَّ الصلاة ... )). وإسناده ضعيف.
(٢)
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٩٤٥)، ومسلم في صحيحه رقم (١١٢٢) في الصوم ، وأبو داود في سننه رقم
(٢٤٠٩) في الصوم .
(٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٩٨٧) في الصوم ، ومسلم في صحيحه رقم (٧٨٣) .
(٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٩٦١) و(١٩٦٣) و(١٩٦٤) في الصوم، ومسلم في صحيحه رقم (١١٠٢)
و (١١٠٤) و(١١٠٥) في الصوم.
(٦) في المطبوع: عن ابن عاصم عن .. والتصحيح من (أ)، وهو في سننه (٣٤٤٤).
(٧) إسناده ضعيف ، لضعف بكر بن يونس بن بكير ، وقال ابن أبي حاتم في العلل بعد أن ساق هذا الحديث : قال أبي :
هذا حديث باطل ، وبكر هذا منكر الحديث)) (العلل ٢/ ٢٤٢) . وقد حسنه الترمذي واستغربه مما يدل على أنه
معلول عنده (جامع الترمذي ٢٠٤٠) (بشار).

٩٤
كتاب الشمائل ( فصل : عبادته عليه الصلاة والسلام ... )
وقال النضر بن شميل ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله وَّية: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة)(١).
وروى البخاري : عن الفريابي ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عَبيدة ، عن عبد الله
قال: قال رسول الله وَل: ((اقرأ علي)) فقلت، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: ((إني أحب أن أسمعه
من غيري)) قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلَاءِشَهِيدًا﴾ [ النساء: ٤١] قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان(٢).
وثبت في الصحيح: أنه عليه السلام كان يجد التمرة على فراشه فيقول: (( لولا أني أخشى أن تكون
من الصدقة لأكلتها )(٣) .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا وكيع ، حدَّثنا أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
جده، أن رسول الله وَ ل وجد تحت جنبه تمرة من الليل ، فأكلها فلم ينم تلك الليلة ، فقال بعض نسائه :
يا رسول الله أرقت الليلة، قال: (( إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها ، وكان عندنا تمر من تمر
الصدقة ، فخشيت أن تكون منه)(٤) . تفرد به أحمد . وأسامة بن زيد هو اللَّيثي ، من رجال مسلم .
والذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته عليه السلام ، ولكن من كمال ورعه عليه
السلام أرق تلك الليلة .
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (([ والله إني ] لأتقاكم الله وأعلمكم بما أتقي (٥) . وفي الحديث
الآخر أنه قال: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(٦) .
وقال حماد بن سَلَمة ، عن ثابت ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخِّير ، عن أبيه قال : أتيت رسول الله
وَ ل﴿ وهو يصلّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، وفي رواية: وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء(٧).
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٣٠٧) في الدعوات ، والترمذي في الجامع رقم (٣٢٥٩) في تفسير القرآن .
(٢)
رواه البخاري رقم (٥٠٥٠) في فضائل القرآن ، ومسلم في صحيحه رقم (٨٠٠) في صلاة المسافرين .
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٠٥٥) في البيوع، ومسلم في صحيحه رقم (١٠٧١) في الزكاة .
(٤)
رواه الإمام أحمد في المسند (١٩٣/٢) رقم (٦٨٢٠) وإسناده حسن .
(٥) رواه مسلم في صحيحه رقم (١١٠٨) في الصوم، ولفظه: ((أما والله إني لأتقاكم الله، وأخشاكم له)) . وفي الموطأ
(٢٩١/١ و٢٩٢) بلفظ: ((والله إني لأتقاكم لله، وأعلمُكم بحدوده)).
(٦) رواه الترمذي في الجامع رقم (٢٥١٨) في صفة القيامة، والنسائي في سننه (٣٢٧/٨) في الأشربة ، من حديث
الحسن من علي رضي الله عنهما وإسناده صحيح ، كما رواه أيضاً الإمام أحمد (١/ ٢٠٠) وغيره .
(٧) رواه أبو داود في سننه رقم (٩٠٤) في الصلاة، والنسائي في سننه (١٣/٣) في السهو، ورواه الإمام أحمد في
المسند (٣٥/٤ و٢٦) وهو حديث صحيح .

٩٥
كتاب الشمائل ( فصل : في شجاعته عليه الصلاة والسلام )
وروى البيهقي من طريق أبي كُرَيب محمد بن العلاء الهمداني ، حدَّثنا معاوية بن هشام ، عن شَيبان ،
عن أبي إسحاق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال أبو بكر : يا رسولَ الله ! أراك شِبتَ ، فقال :
(( شيّبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يَتساءلون، وإذا الشَّمسُ كُوَّرت)(١).
وفي رواية له عن أبي كُريب ، عن معاويةً بن هشام ، عن شَيبان ، عن فِراس ، عن عطيّة ، عن أبي
سعيد قال: قال عمرُ بن الخطّاب: يا رسولَ الله! أسرعَ إليك الشَّيبُ، فقال: (( شيّبتني هودٌ وأخواتُها:
الواقعةُ، وعمَّ يَتساءلون، وإذا الشَّمسُ كُوَّرت)(٢) .
فصل
في شجاعته عليه الصلاة والسلام
ذكرنا في (( التفسير)(٣) عن بعض من السلف؛ أنه استنبط من قوله تعالى: ﴿فَقَائِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا
تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَخَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] أن رسول الله مَ ◌ّل كان مأموراً ألا يفر من المشركين إذا واجهوه
ولو كان وحده من قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
وقد كان ◌َِّ من أشجع الناس وأصبرِ الناس وأجلدهم، ما فرَّ قطُ من مصافّ ولو تولى عنه أصحابه.
قال بعضُ أصحابه: كنا إذا اشتدَّ الحربُ وحمي البأسُ، نَتَّقِي برسول الله ◌ِّ ◌َ(٤) ؟ ففي يوم بدر رمى
ألف مشرك بقبضة من حصى ، فنالتهم أجمعين حين قال: ((شاهت الوجوه)) . وكذلك يوم حنين كما
تقدم ، وفرّ أكثر أصحابه في ثاني الحال يوم أحد ، وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه ولم يبق معه إلا اثنا
عشر ، قتل منهم سبعة وبقي الخمسة .
وفي هذا الوقت قَتَلَ أبيَّ بن خلف لعنه الله ، فعجله الله إلى النار .
ويوم حنين ولَّى الناسُ كلُّهم وكانوا يومئذ اثنا عشر ألفاً ، وثبت هو في نحو من مئة من الصحابة ، وهو
راكبٌ يومئذ بغلته وهو يَركُضُ بها إلى نحو العدو ، وهو ينوّه باسمه، ويعلن بذلك قائلاً: (( أنا النبيُّ
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٥٧/١ - ٣٥٨) ورواه الترمذي في الجامع رقم (٣٢٩٧) في تفسير القرآن ، والحاكم في
المستدرك (٣٤٣/٢) وصححه. ولكن قال الإمام الترمذي: (( هذا حديث حسن غريب لانعرفه من حديث ابن
عباس إلا من هذا الوجه ... وقد روي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلاً)). قال بشار : وهذا
يعني أن الحديث عنده معلول بالإرسال ، وقد استقصاه الإمام الدار قطني في العلل (ص ١٧) فأجاد ، والصواب أنه
مرسل وغلَّط من ذكر فيه ابن عباس (العلل لابن أبي حاتم ٢/ ١١٠).
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٥٨/١) وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي.
(٣) تفسير القرآن العظيم؛ للحافظ ابن كثير (١/ ٤١٧).
(٤) غريب الحديث للهروي (٤٧٩/٣).

٩٦
كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... )
لا كذب أنا ابن عبد المطلب)(١) . حتى جعلَ العباسُ وعلي وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطُّئوا
سَيَرَها خوفاً عليه من أن يصلَ أحدٌ من الأعداء إليه . ومازال كذلك حتى نصره الله وأيَّدَه في مقامه ذلك ،
وما تراجع الناسُ إلا والأشلاءُ مُجَنْدَلَةٌ بين يديه ، صلواتُ الله وسلامه عليه .
وقال أبو زرعة : حدَّثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي ، حدَّثنا مروان - يعني ابن محمد - حدَّثنا
سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَّه: ((فُضِّلْتُ على النَّاسِ بشدّة
البطش (٢) .
فصل
فيما يذكر من صفاته عليه الصلاة والسلام
في الكتب المأثورة (٣) عن الأنبياء الأقدمين
قد أسلفنا طرفاً صالحاً من ذلك في البشارات(٤) قبل مولده ، ونحن نذكر هنا غُررَاً من ذلك.
فقد روى البخاريُّ ، والبيهقيُّ واللفظ له ، من حديث فُلَيح بن سليمان ، عن هِلال بن عليّ ، عن
عَطَاءِ بن يَسار، قال: لقيتُ عبدَ الله بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفةٍ رسول الله ربَّ في التوراة ،
فقال : أجل، والله إنّه لموصوفٌ في التوراة بِبَعض صفتِه في الفرقان: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا
وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] وحِرزاً لِلأُميين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيتُك المتوكل، ليس بفظ(٥) ولا غليظٍ
ولا سخَّاب(٦) بالأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة
العوجاء أن يقولوا: ﴿ لا إله إلا الله﴾ وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفا٧ً) .
(١) الحديث رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٣١٦) في المغازي ، وابن حبان في صحيحه رقم (٤٧٧٠) في السير.
(٢) هذه قطعة من الحديث المنسوب إلى أنس رضي الله عنه ونصه: ((فَضِّلت على الناس بأربع: بالسخاء والشجاعة
وكثرة الجماع وشدة البطش)) . وهو حديث باطل كما قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي علي الحسين بن علي النخعي
من الميزان (٥٤٣/١). أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٨١٢)، والإسماعيلي في معجمه (٢٥١) ، والخطيب في
تاريخ مدينة السلام (٨/ ٦٢٠) طبعة الدكتور بشار، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٦٨)، وينظر لسان الميزان
لابن حجر (٣٠٣/٢) وتعليق الدكتور بشار على تاريخ الخطيب .
(٣)
في (أ) سقطت كلمة : المأثورة .
(٤)
تقدم ذلك في مطلع السيرة النبوية .
(٥)
((بفظ)»: الفظ : هو الغليظ الجانب ، الخشن الكلام .
(٦)
((ولا سخّاب)»: السَّخَّاب : الذي يُكثر المشي والتجول في الأسواق.
(٧) ما بين القوسين سقط من المطبوع وأثبته من دلائل النبوة . وقول عطاء ليس في البخاري . وقد روى البخاري حديث
عبد الله بن عمرو في صحيحه رقم (٢١٢٥) في البيوع .

٩٧
كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... )
قال عطاء بن يسار : ثم لقيت كعباً الحَبرَ فسألته ، فما اختلفا في حرفٍ ، إلا أن كعباً قال : أعيناً
( عموميَ، وآذاناً صُمُويَ، وقُلوباً غُلوفى) (١).
ورواه البخاري(٢) أيضاً ، عن عبد الله - غير منسوب - قيل : هو ابن رجاء ، وقيل : عبد الله بن
صالح ، وهو الأرجح ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن هلال بن علي به . قال البخاري(٣):
وقال سعيد : عن هلال ، عن عطاء ، عن عبد الله بن سلام . كذا علَّقه البخاري .
وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حدَّثنا أبو صالح - هو عبد الله بن صالح كاتب الليث -
حدَّثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن سَلام ، أنه كان
يقول: إنا لنجد صفةً رسول الله وَلَه، إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً (ونذيراً، وحِرزاً للأميين(٤) ، أنت
عبدي ورسولي سمَّيته المتوكل ، ليس بفظً ، ولا غليظ ، ولا سخَّاب في الأسواق ، ولايَجزي بالسيئة
مِثلَها ، ولكن يعفو ويتجاوز. ولن أقبضَه حتى يُقيمَ المِلَّةَ العَوجاء: بأن يُشهد ﴿ أن لا إله إلا الله ﴾ يفتحُ
به أعيُنَاً عُميَاً، وآذاناً صُمّاً ، وقُلوباً غُلفا٥) .
قال عطاء بن يسار : وأخبرني اللَّيِيُّ أنه سمع كعبَ الأحبار يقولُ مثلَ ما قال ابنُ سلام .
وقد رُوي عن عبد الله بن سلام من وجه آخر ، فقال الترمذي : حدَّثنا زيد بن أخزم الطائي البصري ،
حدَّثنا أبو قُتيبة - سَلم بن قُتيبة - ، حدَّثني أبو مَودود المدني ، حدَّثنا عثمان بن الضخَّاك ، عن محمد بن
يوسف بن عبد الله بن سَلام ، عن أبيه ، عن جده ، قال : مكتوب في التوراة صفة محمد ، وعيسى ابن
مريم يُدفن معه . فقال أبو مَودُود : قد بقي في البيت (٦) موضع قبر(٧). ثم قال الترمذي : هذا حديث
حسن . هكذا قال : عثمان بن الضخَّاك ، والمعروف : الضخَّاك بن عثمان المدني .
وهكذا حكى شيخُنا الحافظ المِزّي في كتابه (( الأطراف (٨) عن ابن عساكر ؛ أنه قال مثل قول
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١/ ٣٧٤).
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٨٣٨) في التفسير . وذكر الحافظ ابن حجر : أن رواية أبي ذر ، وأبي علي بن
السكن ؛ للبخاري : عن عبد الله بن مسلمة القعنبي . ووقع عند غيرها : عبد الله غير منسوب ، فتردد فيه أبو مسعود
بين أن يكون عبد الله بن رجاء ، وعبد الله بن صالح كاتب الليث . فتح الباري (٨/ ٥٨٥) .
(٣)
في صحيحه عقيب حديث (٢١٢٥) في البيوع .
(٤)
ما بين القوسين سقط من المطبوع ، وأثبته من ( أ) ودلائل النبوة للبيهقي .
(٥)
دلائل النبوة ؛ للبيهقي (١ /٣٧٦) وهو حديث حسن ، فإن كاتب الليث صدوق في حفظه شيء .
(٦)
((في البيت)) : أي في حجرة عائشة رضي الله عنها .
(٧) رواه الترمذي في الجامع رقم (٣٦١٧) في المناقب ، وإسناده ضعيف . لذلك قال الترمذي : هذا حديث حسن
غريب .
(٨) تحفة الأشراف للإمام أبي الحجاج المزي (٢٤٩/٤) حديث (٥٣٣٦).

٩٨
كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... )
الترمذي . ثم قال : وهو شيخٌ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان ، ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه
عثمان .
فقد رُوِي هذا عن عبد الله بن سلام ، وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن . وعبد الله بن عمرو بن
العاص ، وقد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين (١) كان أصابهما يوم اليرموك ، فكان يحدِّث منهما
عن أهل الكتاب . وعن كعب الأحبار ، وكان بصيراً بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط
وتحريف وتبديل ، فكان يقولُها بما فيها من غير نقد ، وربما أحسن بعضُ السلف بها الظن نقلها عنه
مُسلَّمة ، وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملةٌ كثيرة ، لا يَتفطَّنُ لها كثيرٌ من الناس . ثم
ليُعلم أن كثيراً من السلف يُطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب ( سواء كانت هذا(٢) المتلوّ عندَهم ، أو
أعمَّ من ذلك، كما أن لفظ القرآن يُطلق على كتابنا خصوصاً (وقد يُستعمل (٣) ويُراد به غيره ، كما في
الصحيح: (( خُفِّف على داود القرآن ، فكان يأمر بدوابه فتُسرج، فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ منها (٤)
وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع ، والله أعلم .
وقال البيهقي : عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يُونسَ بن بُكير ، عن ابن
إسحاق ، حدّثني محمد بن ثابت بن شُرحبيل ، عن أم الدرداء ، قالت : قلت لكعبِ الحَبر : كيف
تجدون صفةَ رسول الله مَ ◌َّ في التوراة؟ قال: نجدُه: محمدٌ رسولُ الله، اسمُه المتوكّل، ليس بفظّ ولا
غليظٍ ، ولا سخَّابٍ بالأسواق ، وأُعطي المفاتيح ليُبَصِّرَ الله به أعيناً عمياً، ويُسمعَ به آذاناً وُقر(٥) ، ويُقيم
به ألسُناً مُعوجَّة حتى يُشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يُعين المظلوم ويمنعه(٦) .
وبه عن يُونسَ بن بُكير، عن يُونس بن عمروٍ ، عن العَيزَار بن حُرَيثٍ، عن عائشة: أن رسولَ الله وَه
مكتوبٌ في الإنجيل : لافظٌّ ، ولا غليظُ ، ولا سخَّابٌ في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة مثلَها ، بل يعفو
(٧)
ويصفح
وقال يعقوبُ بن سفيان : حدَّثنا فيضٌّ البَجَليّ : حدَّثنا سَلَّمُ بن مِسكين عن مُقاتِل بن حيَّان قال :
(١) ((زاملتين)): الزاملة: التي يُحمل عليها من الإبل وغيرها، وكان عليهما بعض كتب أهل الكتاب ، فكان عبد الله بن
عمرو يحدث منها .
(٢) ما بين القوسين سقط من المطبوع ، وأثبته من ( أ).
(٣)
ما بين القوسين سقط من المطبوع ، وأثبته من ( أ) .
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣١٤/٢) والبخاري في صحيحه رقم (٣٤١٧) في الأنبياء.
(٤)
(٥)
((وُقرأ)): الوَقر : الصمم.
(٦) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٧٦/١ - ٣٧٧). وإسناده ضعيف ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو في البخاري .
(٧) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٧٧/١ - ٣٣٨) وهو حديث حسن.

٩٩
كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... )
أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم. جِدَّ في أمري ولا تهزل ، واسمع وأطع يا بن الطاهر البَتُول ، إني
خلقتُك من غير فحل ، وجعلتُك آيةً للعالمين ، فإيايَ فاعبد ، وعليَّ فتوكل، بيِّنُ(١) لأهل سُوران ٢):
أني أنا الحقُّ القائم الذي لا أزول ، صَدَّقوا بالنبيّ العربيّ، صاحب الجمل والمِدرعَة والعَمامة ( وهي
التَّاجُ (٣)، والنعلين والهِرَاوة، الجَعد الرأس، الصَّلت (٤) الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعجُ(٥)
العينين ، الأقنى الأنف ، الواضح الخدين ، الكثّ اللحية، عَرَقُه في وجهه كاللؤلؤ، ريحُ المسكِ ینفحُ
منه ، كأن عنقَه إبريقُ فضة، وكأن الذهَب يجري في تراقيه ، له شعراتٌ من لَبّته إلى سُرّته تجري
كالقضيب ، ليس على صدره ولا بطنه شعرٌ غيرُه ، شَئْنُ الكفين والقدم ، إذا جاء مع الناس غمرَهم ، وإذا
مشى كأنما يَتقلَّع من الصخر، وينحدرُ في صَبَب ، ذو النسل (٦) القليل (٧)
وروى الحافظ البيهقي بسنده ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال : إن الله عز وجل لما قرّبَ موسى
نجياً قال : ربِّ إني أجدُ في التوراة أمةً خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن
المنكر ، ويؤمنون بالله ، فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمّة أحمد ، قال : ربِّ إني أجد في التوراة أمة هم
الآخرون من الأمم ، السابقون يوم القيامة ، فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمّةُ أحمد .
قال : يا ربِّ إني أجدُ في التوراة أمةً أناجيلُهم في صدورهم يقرؤُونها ، وكان مَن قبلهم يقرؤون كتبَهم
نَظَراً ولا يحفظُونها ، فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد ، قال : ربِّ إني أجدُ في التوراة أمة يُؤمنون
بالكتاب الأول والآخر ويُقاتلون رؤوسَ الضلالة حتى يُقاتلوا الأعورَ الكذاب ، فاجعلهم أمتي ، قال :
تلك أمّهُ أحمد .
قال : ربِّ إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته
بعث الله عليها ناراً فأكلتها فإن لم تقبل لا تقربها النار ، فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد .
قال : ربّ إني أجدُ في التوراة أمةً إذا همّ أحدُهم بسيئة لم تُكتب عليه ، فإن عملَها كُتبت عليه سيئة
واحدة ، وإذا همّ أحدُهم بحسنة ولم يعملها كُتبت له حسنة ، فإن عملها كُتبت له عشر أمثالها إلى سبعمئة
ضعف ، فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد .
(١) في دلائل النبوة: فَسِّر . وفي المطبوع: فَيِّن . وهو تصحيفٍ ظاهر .
(٢) في دلائل النبوة (١/ ٣٧٨): فسِّر لأهل سوران بالسُّريانيّة، بلِّغ من بين يديك: أني أنا الله الحيُّ القُّوم.
(٣) ما بين القوسين سقط من المطبوع، وأثبته من ( أ).
(٤) (( الصلت الجبين)): أي واسع الجبين. وقيل: الصلت: الأملس. النهاية (٤٥/٣).
(٥) ((الأدعج)): يريد أن سواد عينيه كان شديد السواد. النهاية (١١٩/٢).
(٦) ((ذو النسل القليل)). وفي دلائل النبوة تتمة. وكأنه أراد الذكورَ من صُلبه.
(٧) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٣٧٨/١) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (٣٤٤/١) وهو خبر مقطوع عن مقاتل بن حيان ، وهو
ظاهر الصنعة والوضع .

١٠٠
كتاب الشمائل ( فصل : فيما يذكر من صفاته في الكتب المأثورة ... )
قال : ربِّ إني أجد في التوراة أمةً هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة
أحمد(١)
قال : وذكر وهب بن منبه في قصة داودَ عليه السلام ، وما أوحى الله إليه في الزبور : يا داود ! إنه
سيأتي من بعدك نبيٌّ اسمُه أحمد ومحمد ، صادقاً سيداً ، لا أغضبُ عليه أبداً ، ولا يُغضبُني أبداً ، وقد
غفرتُ له قبلَ أن يعصيَني ما تقدَّمَ من ذنب وما تأخر ، وأمتُه مرحومةٌ ، أُعطيهم من النوافل مثل ما أعطيتُ
الأنبياء ، وافترضتُ عليهم الفرائضَ التي افترضتُ على الأنبياء والرسل ، حتى يأتُوني يومَ القيامة ونورُهم
مثلُ نور الأنبياء ، وذلك أني افترضتُ عليهم أن يتطهروا لي لكلّ صلاة ، كما افترضتُ على الأنبياء
قبلَهم ، وأمرتُهم بالغسل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياءَ قبلَهم ، وأمرتُهم بالحجّ كما أمرتُ الأنبياء قبلَهم ،
وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم . يا داودُ إني فضّلتُ محمداً وأمته على الأمم كلِّها ، وأعطيتُهم
ستَّ خِصال لم أعطها غيرَهم من الأمم : لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان ، وكلُّ ذنبٍ رَكبوه على غير عَمد إن
استغفروني منه غفرتُه لهم ، وما قَدَّموا لآخرتهم من شيء طيبةً به أنفسهم عجَّلتُه لهم أضعافاً مضاعفة ،
ولهم في المدخور عندي أضعافٌ مضاعفة ، وأفضل من ذلك ، وأعطيتُهم على المصائب في البلايا إذا
صبروا وقالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ، الصَّلاةَ والرحمةَ والهُدى إلى جنّات النعيم ، فإن دعوني استجبتُ
لهم ، فإما أن يَروه عاجلاً، وإما أن أصرفَ عنهم سوءاً ، وإما أن أدّخِرَه لهم في الآخرة . يا داود من لقيني
من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريكَ له صادقاً بها ، فهو معي في جنتي وكرامتي ، ومَن
لقيني وقد كذَّبَ محمداً أو كذَّبَ بما جاء به ، واستهزأَ بكتابي صببتُ عليه في قبره العذابَ صبّاً ، وضربتِ
الملائكةُ وجهَه ودُبرَه عند مَنشَرِه من قبره ، ثم أدخلُه في الدَّركِ الأسفلِ من النّار(٢)
وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا الشريف أبو الفتح العمري ، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي شريح
الهروي ، حدَّثنا يحيى بن محمد بن صاعد ، حدَّثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي ، حدَّثني محمد بن
عمر بن سعيد - يعني ابن محمد بن جبير بن مطعم - قال : حدَّثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن
جبير بن مطعم، عن أبيها ، عن أبيه قال: سمعت أبي جُبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه وض له وظهرَ
أمرُه بمكة ، خرجتُ إلى الشام ، فلما كنت ببُصرى أتتني جماعةٌ من النصارى فقالوا لي : أمن الحرم
أنت ؟ قلت : نعم ، قالوا : فتعرف هذا الذي تنبّأ فيكم ؟ قلت : نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني دَيراً
(١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٧٩/١ - ٣٨٠) وروى ابن بلبان في المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية (ص ٤٤٣) حديثاً
مشابهاً عن أبي هريرة بسند ضعيف لا يُحتج به .
وهذا الكلام المنسوب إلى وهب بن منبه هنا ظاهر الصنعة والتكلف ، وكان الأولى أن تُصان كتب السيرة فتبعد عنها
مثل هذه الإسرائيليات المصنوعة .
(٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) وهو كلام متكلف مصنوع.