Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
خدّامه الّ من الصحابة من غير مواليه
ومنهم رضي الله عنهم سعد(١) مولى أبي بكر رضي الله عنه، ويقال: مولى النبي مَثّر .
قال أبو داود الطّيالسي (٢): ثنا أبو عامرٍ عن الحسنِ، عن سعد مولى أبي بكر الصديق: أنّ رسول الله
قال لأبي بكر - وكان سعد مملوكاً لأبي بكر ، وكان رسول الله تُعْجِبُهُ خِدْمَتُه ــ ((أعْتِقْ سَعْداً)) فقال :
يا رسولَ اللهِ، ما لنا خادمٌ هاهنا غيرُه، فقال: ((أعتق سعداً، أتتك الرجال، أتتك الرجال )) . وهكذا
رواه أحمد (٣) عن أبي داود الطيالسي .
وقال أبو داود الطيالسي(٤) : ثنا أبو عامر ، عن الحسن ، عن سعد ، قال : قَرَّبْتُ بين يَدَيْ رسول الله
وَ تَمْراً، فجعلوا يَقْرِنونُ(٥)، فنهى رسول الله وَلَه عن القِران.
ورواه ابن ماجه (٦) عن بندار عن أبي داود به .
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن رواحة(٧). دخلَ يوم عمرة القضاءِ مكةً وهو يقودُ بناقةِ رسول الله ◌ِص ◌َلّل
وهو يقول(٨): [ من الرجز ]
خَلُّوا بني الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمُ(٩) نَضْرِبِّكُمْ على تأويلهِ
ضَرْباً يُزِيلُ الهَامَ عنْ مَقيلِهِ
كَما ضَربناكُم على تَنْزِيلِهِ
ويُشغِلُ(١٠) الخليلَ عنْ خَلیلِهِ
كما قدمنا ذلك بطوله . وقد قتل عبد الله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضاً .
ومنهم رضي الله عنهم ( عبد الله بن مسعود(١١) بن غافل بن حبيب بن شَمْخ أبو عبد الرحمن الهُذلي ،
(١) ترجمته في الاستيعاب (٦١٢)، وأسد الغابة (٤٢٢/٢)، والإصابة (٣٩/٢ - ٤٠).
(٢) تاريخ دمشق (٣٢١/٤ - ٣٢٢).
(٣) مسند الإمام أحمد (١٩٩/١)، وإسناده ضعيف.
(٤) وأخرجه أحمد (١٩٩/١) عن الطيالسي به، وإسناده ضعيف، أقول: ولكن ثبت النهي عن القران في الصحيحين
من حديث ابن عمر .
(٥) أي يقرنون بين التمرتين في الأكل، وإنما نهى عنه وَّ لأنّ فيه شرهاً، وذلك يزري بصاحبه ، أو لأنَّ فيه غبناً برفيقه
( النهاية : قرن ) .
(٦) ابن ماجه (٣٣٣٢)، وإسناده ضعيف ، لكن المتن صحيح.
(٧) ترجمته في الاستيعاب (٨٩٨)، وتاريخ دمشق، وأسد الغابة (٢٣٤/٣) وسير أعلام النبلاء (٢٣٠/١ - ٢٤٠)،
والإصابة ( ٦/ ٧٧ ) .
(٨) الأسطر في ديوان ابن رواحة: د . وليد قصاب (١٤٤).
(٩) في الديوان ( نحن ) .
(١٠) في الديوان: ( ويذهل ) .
(١١) ترجمته في حلية الأولياء (١٢٤/١ - ١٣٩)، والاستيعاب (٢٠/٧)، وتاريخ بغداد (١٤٧/١ - ١٥٠)، وأسد
الغابة (٣٨٤/٣)، والإصابة (٣٦٨/٢ _ ٣٧٠).

٤٨٢
خدامه مية من الصحابة من غير مواليه
أحد )١) أئمة الصحابة، هاجر الهجرتين وشهد بدراً وما بعدها، كان يَلِي حَمْلَ نَعْلَي النبيّ ◌ََّ ، وَيَلي
طهورَهُ ، ويرخِّلُ دابته إذا أراد الركوب ، وكانت له اليدُ الطُّولى في تفسير كلام الله ، وله العلمُ الجمّ
والفضلُ والحلمُ .
وفي الحديث(٢) أنَّ رسولَ الله قال لأصحابه - وقد جَعَلوا يعجبون من دِقَّةِ ساقَيْهِ - فقال: ((والذي
نَفْسي بيدِه لهما في الميزان أثقلُ من أُحُدٍ )) .
وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود(٣): هو كنيف(٤) مليء علماً .
وذكروا أنه نحيف الخَلْق، حسن الخُلُقِ ، يقال : إنّه كان إذا مشى يُسامِتُ الجُلوسُ(٥) وكان يشبه
النبي ◌َّ فِي هَذْيه ودَلّه وسَمْته، يعني أن يُشبَّه بالنبي ◌ِّ لَ في حركاته وسَكَناته وكلامه ويَتشَبَّه بما استطاع
من عبادته .
توفي رضي الله عنه في أيام عثمان [ بن عفان ] سنة اثنتين - أو ثلاث - وثلاثين بالمدينة عن ثلاث
وستين سنة ، وقيل : إنه توفي بالكوفة ، والأول أصحُ .
ومنهن رضي الله عنهم عُقْبَةُ بن عامر الجُهَنِيُ(٦)
قال الإمام أحمد(١): ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ابن جابر ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة بن
عامر، قال: بينما أنا١) أقود برسول الله وَ لل في نقب من تلك النقاب، إذ قال لي ((يا عقبة ألا تركب؟))
قال : فأشْفَقْتُ أن تكونَ مَعْصيةً، قال: فنزلَ رسولُ الله وركبتُ هُنَيْهةً، ثم ركب، ثم قال: يا عقبةُ(٩)
ألا أُعَلِّمُكَ سورتَيْن من خَيْرِ سورتين قرأ بها الناسُ؟)) قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبٍ
اُلْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ فَتَقَدَّمَ رسولُ اللهِ وَلَه فقرأ بهما. ثم مرَّبي،
فقال: ((اقرأ بهما كُلَّما نِمْتَ وكُلَّما قُمْتَ)). وهكذا رواه النَّسائي(١٠) من حديث الوليد بن مسلم
(١) ليس ما بين القوسين في ط .
مسند الإمام أحمد (٤٢٠/١ -٤٢١)، وهو حديث صحيح لغيره ، وهذا إسناد حسن.
(٣) طبقات ابن سعد (٢/ ٣٤٤).
(٢)
قال ابن الأثير معلقاً على قول عمر: ( كُنَيْف : هو تصغير تعظيم للكِنْفِ وهو الوعاء ( النهاية: كنف )) .
(٤)
(٥) أ: (الخلق ) وهو تحريف .
ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٤٣/٤ - ٣٤٤)، والاستيعاب (١٠٧٣/٣)، وأسد الغابة (٥٣/٤)، وسير
(٦)
أعلام النبلاء (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٩)، والإصابة (٤٨٩/٣).
(٧) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٤٤).
(٨) ليس اللفظ في ط .
(٩) ط : ( يا عقب ) .
(١٠) النسائي (٥٤٥٢) وفي ((الكبرى)» (٧٨٤٤)، وهو حديث صحيح .

٤٨٣
خدّامه لةٍ من الصحابة من غير مواليه
وعبد الله بن المبارك عن ابن جابر، ورواه أبو داود(١) والنسائي (٢) أيضاً من حديث ابن وهب ، عن
معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة به .
ومنهم رضي الله عنهم، قَيْس بن سَعْد بن عُبادة الأنصاري الخزرجي(٣)
روى البخاري(٤) عن أنس قال: كان قيسُ بن سَعْدِ بن عُبادة من النبيِوَله بمنزلةٍ صاحب الشُّرَط من
الأمير ، وقد كان قيس هذا رضي الله عنه من أطول الرجال ، وكان كَوْسجا٥ً) . ويقال : إن سَراويله كان
يضَعُه على أنْفِهِ منْ يكون من أطول الرجال(٦) فَتَصِلُ رجلاه الأرضَ ، وقد بعثَ معاوية بن أبي سفيان رضي
الله عنه سراويله إلى ملك الروم(٧) يقول له: هل عندكم رجلٌ تجيء(٨) هذه السّراويلٌ(٩) على طوله .
فعجب ملك(١٠) الرُّوم من ذلك .
وذكروا أنّه كان كريماً مُمَدَّحاً ذا رأي ودهاء . وكان مع علي بن أبي طالب أيّام صفّين .
وقال مِسْعَر ، عن مَعْبَد بن خالد: كان قيس بن سعد لا يزال رافعاً أَصْبُعَهُ المُسَبِّحَة يدعو ، رضي الله
عنه وأرضاه .
وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما(١) : توفي بالمدينة في آخر أيام معاوية .
وقال الحافظ أبو بكر البزار(١٢) ثنا عمر بن الخطاب السجستاني ، ثنا علي بن يزيد الحنفي ، ثنا
سعد بن الصلت ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس ، قال : كان عشرون شاباً من الأنصار يَلْزَمون
رسول الله وَّ لحَوائِجِهِ ، فإذا أراد أمراً بعثهم فيه .
(١) أبو داود (١٤٦٢)، وهو حديث صحيح.
(٢) النسائي (٥٤٥١)، وهو حديث صحيح .
(٣) ترجمته في طبقات ابن سعد (٥٢/٦)، والاستيعاب (١٢٨٩)، وتاريخ بغداد (١٧٧/١)، وأسد الغابة
(٢١٥/٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (٦١/٢/١) وسير أعلام النبلاء (١٠٢/٣ - ١١٢)، وتهذيب التهذيب
(٣٩٥/٨)، والإصابة (٢٤٩/٣).
(٤) البخاري ( ٧١٥٥) .
(٥) الكوسج : الذي لا شعر على عارضَيْه (اللسان: كسج ).
(٦) ط : ( الرجل ).
(٧) ط : ( وقد بعث سراوله معاملة إلى ملك الروم ).
(٨) ط : ( يجيء ).
(٩) أ : ( سراويله ).
(١٠) ط : ( فتعجب صاحب الروم ).
(١١) طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣).
(١٢) (كشف الأستار : ١٤٤٥) وإسناده ضعيف .

٤٨٤
خدّامه * من الصحابة من غير مواليه
ومنهم رضي الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفي(١) رضي الله عنه .
كان بمنزلة السلحدار(٢) بين يدي رسول الله وَّير، كما كان رافعاً السيف في يده، وهو واقفٌ على
رأس النبيّ مَّ﴿ في الخيمة يوم الحُدَيْبية، فجعلَ كُلَّما أهْوى عَمُّه عروة بن مسعود الثقفي حينَ قدمَ في
الرَّسيلةِ إلى لحية رسول الله بِ ◌ّهــ على ما جَرَتِ به عادةُ العَرَبِ في مُخاطباتها - يقرعُ يدَه بقائِمَةِ السَّيف ،
ويقول: أخِّرْ يَدَكَ عن لحية رسول الله وَ لَ قبلَ أن لا تَصِلَ إِلَيْكَ ... الحديث كما قدمناه .
قال محمد بن سعد وغيره(٣): شهد المشاهدَ كلَّها مع رسول الله ◌ِِّ، وولاه مع أبي سفيان الإمرةَ
حين ذَهَبَا فَخَرَّبَا طاغوتَ أهلِ الطّائِفِ ، وهي المَدْعُوَّة بالربّة ، وهي اللات ، وكان داهيةً من دُهاة
العرب . قال الشعبي : سمعتُه يقول: ما غَلَبَني أحدٌ قطُ . وقال الشعبي : سمعتُ قَبيصة بن جابر يقول :
صَحِبْتُ المغيرةَ بن شُعْبَة ، فلو أنَّ مدينةً لها ثمانيةُ أبوابٍ لا يُخْرَجُ من بابٍ منها إلا بمَكْرٍ لخرج من
أبوابها . وقال الشعبي (٤): القُضاةُ أربعةٌ: عمر، وعلي (٥)، وابن مسعود، وأبو موسى . والدهاة
أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة ، وزياد. وقال الزهريّ(٦): الدُّهاة خَمْسةٌ ، معاوية
وعمرو بن العاص(٧) والمغيرة، واثنان مع عليٍّ وهما قيسُ بن سَعْدِ بن عُبادة، وعبدُ الله بن بُدَيْل بن
وَزْقاء .
وقال الإمام مالك(٨): كان المغيرة بن شعبة رجلاً نَكّاحاً للنساء ، وكان يقول : صاحبُ الواحدةِ إن
حاضَتْ حاضَ معها ، وإن مَرِضَتْ مَرض معها، وصاحب الثنتين بين نارين تَشْتَعِلالُ(٩) . قال : فكان
يَنْكِحُ أربعاً جميعاً(١) ويُطَلّقُهُنَّ جميعاً. وقال غيره (١) تَزَوَّجَ ثمانينَ امرأةً، وقيل: ثلاث مئة امرأة ،
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٨٤/٤) و(٢٠/٦)، والأغاني (٧٩/١٦ -١٠١)، وتاريخ بغداد (١٩١/١)،
والاستيعاب (١٤٤٥) وتاريخ دمشق (١٣/٦٠ - ٦٢) وأسد الغابة (٤٠٦/٤)، وسير أعلام النبلاء (٢١/٣ -
٣٢) والإصابة (٤٥٢/٣ - ٤٥٣).
(٢) السلحدار: حامل السلاح (الألفاظ الفارسية المعربة ٩٢ ).
(٣)
تاريخ دمشق ( ٦٠ /١٥ - ١٦ ).
تاريخ دمشق ( ٤٩/٦٠) وتهذيب الكمال ( ١٨ / ٩٧).
(٤)
(٥) أ، ط : ( أبو بكر وعمر ) وهو خطأ صححته عن تاريخ دمشق.
(٦)
تاريخ البخاري (٣٠٦/٧).
ط : ( وعمر ) خطأ .
(٧)
تاريخ دمشق (٦٠/ ٥٥ ) .
(٨)
(٩) ط : (يشتعلان).
(١٠) ليس اللفظ في ط .
(١١) الاستيعاب (١٤٤٦).

٤٨٥
خدامه مع من الصحابة من غير مواليه
وقيل: أحصن ألف(١) امرأة. وقد اختُلِفَ في وفاته على أقوالٍ ، أشهرها وأصخُها ، وهو الذي حكى
عليه الخطيبُ البغدادي(٢) الإجماع أنه توفي سنة خمسين .
ومنهم رضي الله عنهم المِقْداد بن الأسود أبو معبد الكندي(٣) . حليف بني زهرة .
قال الإمام أحمد(٤) : ثنا عَفّان، ثنا حَمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن
المِقْداد بن الأسود قال : قدمت المدينة ، أنا وصاحبان لي (٥)، فَتَعرَّضْنا للناس، فلم يُضِفْنا أحدٌ ، فأتَيْنا
إلى النبي ◌َّ فذكرنا له، فذهبَ بنا إلى منزله، وعنده أربعُ أعْنُزِ، فقال: ((احْلُبُهُنَّ يا مِقْدادُ، وجَزَّتْهنَّ
أربعةَ أجزاءٍ، وأعْطِ كُلَّ إنسانٍ جُزءاً)) فكنتُ أفْعلُ ذلك، فرفعتُ للنبيّ وَِّ ذات ليلة جُزْأَه(٦) ، فَاخْتَبَس
واضجعتُ على فراشي، فقالت (٧) لي نفسي: إنّ النبيَّ وَِّ قد أتى أهلَ بيتٍ من الأنصار، فلو قمتَ
فشربتَ هذه الشربةَ ، فلم تَزَلْ بي (٨) حتى قمتُ فشربتُ جُزْأَهُ ، فلمَّا دَخَلَ في بَطْني وتقار(٩) أخَذَني ما قَدُم
وما حَدثَ، فقلت: يجيءُ الآن النبيُّ بِّهَ جائعاً ظمآنٌ( ١٠)، فلا يرى في القدح شيئاً. فَسَجَّيْتُ ثوباً على
وَجْهِي. وجاء النبي ◌ََّ فسلّمَ تسليمة تُسْمِعُ الْيَقْظان، ولا تُوقطُ النّائِمَ، فكشَفَ عنه فلم يَرَ شيئاً ، فرفعَ
رأسَه إلى السَّماء فقال: ((اللهم اسقِ من سَقَاني، وأطْعِمْ من أطْعَمَني)) فاغتنمتُ دعوتَه، وقمت فأخذتُ
الشَّفْرَة فدنوتُ إلى الأعنز ، فجعلت أجُسُّهُن أيتهن أسمن لأذْبَحها ، فوقعت يدي على ضَرْع إحداهن فإذا
هي حافل(١١)، ونظرتُ إلى الأخرى فإذا هي حافلٌ، فنظرت فإذا هُنَّ كُلُّهن حُفَّلٌ، فَحَلَبْتُ فَي الإِناءِ فَأَتَيْتُهُ
به ، فقلتُ: اشْرَبْ، فقال: (( ما الخبرُ يا مقداد؟ )) فقلتُ: اشرب ثُمَّ الخَبَر، فقال: (( بعض سَوْءاتِكَ
يا مقداد )) فشرب ثم قال: ((اشرب)). فقلت: اشرب يا نبيَّ الله، فشرب حتى تَضَلَّع١٢ُ) ثم أخذتُه
فشربتُه، ثم أخبرتُه الخبر. فقال النبي ◌َِّ ((هِيهِ)) كان كذا وكذا، فقال النبي ◌ََّ: «هذه بَرَكَةٌ مُنْزَلٌ من
(١) ط : (بألف ).
(٢) تاريخ بغداد (١/ ١٩١).
(٣) ترجمته في حلية الأولياء (١٧٢/١ - ١٧٦)، والاستيعاب (١٤٨) وتاريخ دمشق (١٤٣/٦٠ - ١٨٣) وأسد
الغابة (٢٥١/٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (١١١/٢ -١١٢)، والإصابة (٤٥٤/٣ - ٤٥٥).
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/٦ -٥).
(٥) ليس اللفظ في ط .
(٦) ليست في الأصلين واستدركتها عن المسند.
(٧) ط : ( فقال) .
(٨) زيادة عن أ، وليست في ط .
(٩) ط : (معائي) وتقارّ بمعنى استقرّ (النهاية: قرر).
(١٠) أ، ط : (ظمآناً) وما أثبته للسياق.
(١١) حافل: كثيرة اللبن وجمعها حُفَّل ( النهاية : حفل ) .
(١٢) تضلّع أي أكثر من الشرب حتى تمدّد جنبه وأضلاعه ( النهاية : ضلع ).

٤٨٦
خدّامه ◌ِيّ من الصحابة من غير مواليه
السماء ، أفلا أخْبَرْتَني حتى أسْقِي صاحِبَيْكَ؟)) فقلت: إذا شربتُ البركةَ أنا وأنت ، فلا أَبالي من
أخطأَت. وقد رواه الإمام أحمد١) أيضاً ، عن أبي النضر ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن المقداد . فذكر ما تقدم ، وفيه : أنَّ حَلَبَ في الإناء الذي كانوا
لا يطعمون٢) أن يحلبوا فيه، فحلب حتى علَيْهُ الرَّغْوةُ، ولمّا جاء به قال له رسول الله وَ الر: ((أما
شَرِبْتُمْ شَرابكم الليلةَ يا مِقدادُ؟ )) فقلت: اشربْ يا رسولَ الله، ( فشرب ثم ناولني، فقلت: اشرب
يا رسول الله، فشرب (٣) ثم ناولني فأخذتُ ما بَقيَ ثم شربت . فلما عرفتُ أنّ رسول الله قد رَوِي
فأصابتني دعوته ، ضحكتُ حتّى أَلْقيتُ إلى الأرضِ، فقال رسول الله: ((إحدى سوءاتك يا مقداد))
فقلت : يا رسول الله، كان من أمري كذا، صنعت كذا. فقال: (( ما كانت هذه إلا رحمةَ الله ، ألا كنت
أذَنْتني نُوقِظ صاحبَيْكَ هذين فيُصيبان منها٤) ؟ )) قال: قلت : والذي بَعَثَكَ بالحقّ ، ما أبالي إذا أصَبْتَهَا
وأصبتُها مَعَكَ منْ أصابَها من الناس. وقد رواه مسلمُ(٥) والترمذي(٦) والنسائي(٧) من حديث سليمان بن
المغيرة به .
ومنهم رضي الله عنهم ، مهاجر(٨) مولى أم سلمة .
قال الطبراني(٩): ثنا أبو الزِّنباعِ رَوْحُ بن الفَرَج، ثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر ، حدّثني إبراهيم بن
عبد الله، سمعت بُكَيْراً يقول: سمعتُ مُهاجراً مولى أم سلمة قال: خدمت رسول الله وَّل سنين ، فلم
يقل لي لشيء صَنَعْتُه، لمَ صَنَعْتَه ، ولا لشيءٍ تَرَكْتُهُ. لِمَ تَرَكْتَهُ. وفي رواية : خدمتُه عشرَ سنين أو خمس
سنينٌ(١٠) .
٥_(١١)
ومنهم رضي الله عنهم أبو السَّمْحُ
قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي : ثنا مجاهد بن موسى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا
(١) مسند الإمام أحمد (٣/٦).
(٢) ط : ( لا يطيقون ) .
(٣) ليس ما بين القوسين في ط ، واستدركته عن أ.
ط : ( منهما ) تحريف . لأن الضمير يعود إلى الرحمة.
(٤)
(٥)
مسلم ( ١٧٤ ، ٢٠٥٥).
(٦)
الترمذي ( ٢٧١٩) .
(٧)
السنن الكبرى للنسائي (١٠١٥٥).
(٨) ترجمته في الاستيعاب (١٤٥٤)، والإصابة ( ٤٦٦/٣).
(٩) المعجم الكبير للطبراني (٣٣٠/٢٠) (٧٨٣) وتاريخ دمشق (٣٢٣/٤)، وإسناده ضعيف .
(١٠) ط : ( أو خمسة عشرة سنة ).
(١١) ترجمته في الاستيعاب (١٦٨٤)، والإصابة (٩٥/٤).

٤٨٧
كُتّاب الوحي بین یدیه صلوات الله وسلامه عليه
يحيى بن الوليد، حدّثني مُحِلّ بن خليفة، حدّثني أبو السَّمْح قال: كُنْتُ أخْدُم رسول اللهِّ، قال:
كان إذا أراد أن يَغْتسلَ قال: ناولني إداوتي(١)، قال: فأناولُهُ وأسترُه(٢)، فأُتيَ بحسنٍ أو حسينٍ فبال على
صدره، فجئتُ لأَغْسِلَه فقال: (( يُغْسلُ من بولِ الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام)) وهكذا رواه أبو داود٣ً)
والنسائي(٤) وابن ماجه(٥) عن مجاهد بن موسى.
ومنهم رضي الله عنهم أفْضَلُ الصَّحابة على الإطلاق أبو بكر رضي الله عنه، تولَّ خِذْمَتَه بنفسه في
سَفْرَةِ الهِجْرَة ، لا سيّما في الغار ، وبعد خروجهم منه ، حتَّى وصلوا إلى المدينة ، كما تقدم ذلك
مَبْسوطاً ، ولله الحمد والمنة .
فصل
أما كُتّابُ الوَحْي وغَيْرِه بينَ يَدَيْه ، صلواتُ اللهِ وسلامُه
عليه ، ورضي عنهم أجمعين
فمنهم الخلفاء الأربعة ، أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وسيأتي ترجمةُ
كلِّ واحدٍ منهم في أيّامٍ خِلافَتِهِ إن شاء اللهُ وبه الثقةُ .
ومنهم رضي الله عنهم أبان بن سَعيد(٦) بن العاص بن أُميَّة بن عَبْدٍ شَمْس بن عَبْدِ مَناف بن قُصَيِّ
الأموي. ( أسلم بعدَ أخَوَيْه خالد وعمرو، وكان إسلامُه بعد الحُدَيْبية (٧) ، لأنه هو الذي أجار(٨) عثمان
حينَ بعثَه رسولُ اللهَ بِّهَ إلى أهل مكة يومَ الحُدَيْبية، وقيل: خيبر، لأنَّ له ذِكراً في ((الصَّحيح(٩) من
حديث أبي هريرة في قِسْمَة غَنائِمِ خَيْبَر ، وكان سببَ إسلامه أنّه اجْتَمَعَ براهبٍ ، وهو في تجارةٍ بالشام ،
فذكر له أمرَ رسولِ اللهِ بَله، فقال له الراهب: ما اسمه؟ قال: محمد، قال: فأنا أنعتُهُ لكَ، فوصفَهُ
(١) ط : ( أدواتي ) تحريف .
(٢) ط : ( وأستتره ) .
(٣) أبو داود ( ٣٧٦)، وهو حديث صحيح .
(٤)
النسائي (٢٢٤)، وهو حديث صحيح .
ابن ماجه (٥٢٦، ٦١٣)، وهو حديث صحيح .
(٥)
ترجمته في نسب قريش (١٧٤ _ ١٧٥)، والاستيعاب (٦٢/١)، وأسد الغابة (٤٦/١ - ٤٨)، وسير أعلام
(٦)
النبلاء (٢٦١/١)، والإصابة (١٣/١ - ١٤).
(٧) ليس ما بين القوسين في أ .
(٨) ط : ( أجاز) تحريف.
(٩) صحيح البخاري ( ٤٢٣٨).

٤٨٨
كتَّاب الوحي بین یدیه صلوات الله وسلامه علیه
بصفَتِه سواءً ، وقال : إذا رجعتَ إلى أهلك فأَقْرِتْهُ السلامَ . فأسلمَ بعدَ مَرْجِعِه ، وهو أخو عمرو بن سعيد
الأشدق(١) الذي قتله عبد الملك بن مروان.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: كانَ أولَ منْ كتبَ الوحيَ بِينَ يَدَيْ رسولِ اللهِوَّ أَبِيُّ بن كَعْبٍ ، فإذا لم
يَحْضُرْ كَتَبَ زَيْدُ بن ثابت، وكَتَبَ له عثمانُ وخالدُ بن سَعيد وأبانُ بن سَعيد . هكذا قال - يعني بالمدينة -
وإلا فالشُّوَرُ المكيَّةِ لم يكن أُبِيُّ بن كَعْبٍ حالَ نُزولها ، وقد كَتَبَها الصَّحابةُ بمكة رضي الله عنهم .
وقد اختُلِفَ في وفاةٍ أبانٍ بن سعيد هذا ، فقال موسى بن عقبة ، ومصعب بن عبد الله ، والزبير بن
بكار ، وأكثر أهل النسب: قُتل يومَ أجْنادين ، يعني في جُمادَى الأولى سنة اثنتي عشرة (٢) . وقال
آخرون : قُتل يوم مرج الصفّر سنة أربعَ عشرةَ .
وقال محمد بن إسحاق : قتل هو وأخوه عمرو يومَ ( اليرموك لخمسٍ مَضيْنَ من رجب سنة خمس
عشرة . وقيل : إنه تأخّر إلى أيام عثمان ، وأنّه أمره عثمان أن يُملي المصحف الإمام على زيد بن ثابت ،
ثم تُوفّي سنة تسعٍ وعشرين . فالله أعلم ) .
ومنهم رضي الله عنهم أَبيُّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري(٣)، أبو المنذر، ويقال:
أبو الطفيل : سيِّدُ القُرّاء ، شهدَ العقبة الثانية وبَدْراً وما بعدها. وكان رَبْعَةً نَحيفاً أبيضَ الرَّأسِ واللّخْيَة
لا يُغَيِّ شَيْبَه .
قال أنس : جمع القرآن أربعة - يعني من الأنصار - أُبَيّ بن كعب ، ومُعاذُ بن جَبَل ، وَزَيْدُ بن ثابت ،
ورجلٌ من الأنصار ، يُقال له : أبو زيد(٤) أخرجاهُ(٥) .
وفي الصحيحين(٦): عن أنس أنَّ رسول الله وَِّ قال لأُبيّ: ((إن الله أمرني أنْ أقْرَأ عليكَ القُرآن)).
قال: وسَمّاني لكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم)). قال: فَذَرَفَتْ عيناهُ. ومعنى: أنْ أقرأَ عليكَ؛ قراءةٌ
إبلاغٍ وإسماعٍ، لا قراءةُ تعلُّمٍ منه، هذا لا يَفْهَمُهُ أحدٌ من أهلِ العلم . وإنّما نَّهْنا على هذا لِئِلا يُعْتَقَدَ
خلافُه .
(١) ليس الأشدق أخا أبان، وإنما أخوه هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية. وقد أورد الذهبي أباناً وأخويه سعيداً
وخالداً وقال : إنهم أعمام عمرو بن سعيد الأشدق ( انظر سير أعلام النبلاء ٢٥٩/١ - ٢٦٢).
(٢) في معجم البلدان: ((أجنادين)): ( سنة ثلاث عشرة).
(٣) ترجمته في حلية الأولياء (١/ ٢٥٠ - ٢٥٦)، والاستيعاب (١٢٦/١)، وتاريخ دمشق (٣٠٨/٧ - ٣٤٨)،
واسد الغابة (٦١/١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٠٨/١ - ١١٠)، والإصابة (٢٦/١).
(٤) ط : ( يزيد ) .
(٥) البخاري (٥٠٠٣)، ومسلم (٢٤٦٥).
(٦) البخاري (٤٩٥٩، ٤٩٦١)، ومسلم (٧٩٩) (١٢١).

٤٨٩
كُتّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
وقد ذكرنا في موضع آخر سببَ هذه القراءة عليه، وأنَّه ◌ِوَّهِ قرأ عليه سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِنَةُ ﴿ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةَ (٥) فِيَهَا كُنُبٌّ قَيِّمَةٌ﴾ [ البينة: ١ -٢]
وذلك أنَّ أَبَّ بن كعب كان قد أنْكَرَ على رجلٍ قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أُبي، فرفَعَهُ أُبيّ إلى
رسول الله، فقال: ((اقرأ يا أَبِيّ)) فقرأ، فقال: ((هكذا أنزلت)) ثم قال لذلك الرجل ((اقرأ)) فقرأ،
فقال: ((هكذا أُنزلت)) قال أبي : فأخذني من الشكّ ولا إذ كنتُ في الجاهليّة ، قال : فضربَ رسولُ الله
في صدره فِفِضْتُ(١) عرفاً، وكأنّما أنظرُ إلى الله فَرَقاً، فبعدَ ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورةَ كالتثبيت
له والبيان له أنَّ هذا القرآن حقٌّ وصدقٌ . وإنّه أنْزِل على أحرفٍ كثيرةٍ رحمةً ولطفاً بالعباد .
وقال ابن أبي خيثمة : هو أولُ منْ كتب الوحي بينَ يَدَيْ رسول اللهِ ◌ّره. (وقال محمد بن سعد(٣):
كان يكتب الوحي بين يدي رسول الله وَالَّ(٣) وقد اختُلِفَ في وفاته. فقيل: في سنة تسعَ عشرةَ ، وقيل :
سنة عشرين ، وقيل : ثلاثٍ وعشرين ، وقيل : قبل مَقْتَل عُثمان بجُمعةٍ ، فالله أعلم .
ومنهم، رضي الله عنهم، أرْقَمُ بن أبي الأرقمُ(٤)، واسمه عبدُ منافٍ(٥) بن أسَدِ بن جُنْدَب بن
عبد الله بن عمر بن مَخْزوم المَخْزومي .
أسلم قديماً، وهو الذي كان رسول الله وَ ◌ّر. مُسْتَخفياً في داره عند الصفا، وتُعْرَفُ تلك الدارُ بعدَ
ذلك بالخَيْزُران. وهاجرَ وشهد بَدْراً وما بعدها، وقد آخى رسولُ اللهِ وَّه بينه وبين عبد الله بن أُنَيَّس ،
وهو الذي كتب أقطاعَ عُظَيْم بن الحارث المُحاربي بأمر رسول اللهَ لاَ بِفَخِّ وغيره ، وذلك فيما رواه الحافظ
ابنُ عساكر(٦) من طريق عَتيقِ بن يَعْقوب الزُّبَيْري ، حدّثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
خَزْم ، عن أبيه ، عن جده عن (٧) عمرو بن حزم . وقد تُوفّي في سنة ثلاثٍ ، وقيل : خَمْسٍ وخمسين .
وله خَمْسٌ وثمانونُ(٨) سنة .
وقد روى الإمام أحمد له حدیثین :
(١) ط : ( فضضت ) .
طبقات ابن سعد ( ٤٩٨/٣)، وتاريخ دمشق (٣٢٤/٤).
(٢)
ليس ما بين القوسين عن أ وحدها .
(٣)
ترجمته في طبقات ابن سعد ( ٢٤٢/٣)، والاستيعاب (١٣١/١)، وأسد الغابة (٧٤/١)، وسير أعلام النبلاء
(٤)
(٤٧٩/٢ - ٤٨٠)، والإصابة (٤٠/١).
(٥) ليس اللفظ في ط .
تاريخ دمشق (٤ /٣٢٥) .
(٦)
(٧) ليس اللفظ في ط .
(٨) أ : ( وثلاثون ) .

٤٩٠
كُتَّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
الأول: قال أحمد(١) والحسن بن عرفة - واللفظ لأحمد : ثنا عَبّاد بن عَبّاد المُهَلْبي ، عن هشام بن
زياد، عن عمَّار بن سعد، عن عثمان بن أرْقَم بن أبي الأرقم، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي ◌َّ - أنَّ
رسول الله قال: ((إن الذي يَتَخطَّى رقابَ الناس يوم الجُمُعَة ويُفَرَّقُ بينَ الاثنين بعدَ خُروج الإمام كالجارّ
قُصْبَهُ(٢) في النار )) .
والثاني ، قال أحمد(٣) : ثنا عصام بن خالد، ثنا العَطّاف بن خالد، ثنا يحيى بن عمران ، عن
عبد الله بن عثمان بن الأرقم، عن جده الأرقم، أنّه جاء إلى رسول الله وَ ◌ّله فقال: ((أين تُريدُ؟)) قال
أردتُ يا رسولَ اللهِ هاهنا، وأومأ بيده إلى حَيِّز بيتِ المَقْدِس، قال: (( ما يُخْرِجُكَ إليه أتِجارَةٌ ؟)) قال:
لا، ولكن أردتُ الصلاةَ فيه، قال: ((الصلاة هاهنا)) - وأومأ بيده إلى مكة ـــ ((خيرٌ من ألف صلاة)) وأومأ
بيده إلى الشام . تفرد بهما أحمد .
ومنهم ، رضي الله عنهم، ثابتُ بن قَيْس بن شَمّاس الأنصاري الخَزْرَجي(٤) ، أبو عبد الرحمن ،
ويقال : أبو محمد المدنى خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب النبي وَخير.
قال محمد بن سعد(٥) : أخبرنا علي بن محمد المدائني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على
رسول الله بَّهَ، قالوا: قدم عبد الله بن عَلَس الثُّمالي ومُسْلية بن هِزَّان الحُدّاني (٦) على رسول الله في رهط
من قومهما ، بعد فَتْح مكة ، فأسلموا وبايعوا على قومهم ، وكتب لهم كتاباً بما فُرضَ عليهم من الصدقة
في أموالهم ، كَتَبه ثابتُ بن قيس بن شمّاس ، وشهد فيه سعدُ بن عبادة ، ومحمد بن مسلمة رضي الله
عنهم. وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم(٧) أن رسول الله وَله: بَشَّرَهُ بِالجَنَّة.
وروى الترمذي في ((جامعه )(٨) بإسنادٍ على شرط مسلم، عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال: (( نِعْمَ
(١) مسند الإمام أحمد ( ٤١٧/٣)، وإسناده ضعيف .
(٢)
القُصْبُ - بالضم - المِعَى ( النهاية : قصب ) .
(٣) هو من آخر مسند الأنصار الساقط من مطبوعة المسند، وإسناده ضعيف، وأورده المصنف في ((جامع المسانيد))
(١٩٦/١) وابن حجر في ((أطراف المسند)) (١/ ٢٣٢).
(٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٠٦/٥) والاستيعاب (٧٢/٢)، وتاريخ دمشق - السيرة - طبعة المجمع (٣٣٠/٢
-٣٣٢) وأسد الغابة (٢٧٥/١)، وسير أعلام النبلاء (٣٠٨/١ -٣١٦)، والإصابة (١٤/٢).
(٥) طبقات ابن سعد (٣٥٣/١).
(٦) ط : ( قدم عبد الله بن عبس اليماني ومسلمة بن هاران الحدابي) وفي أ ( عبد الله بن عبس الثمالي ومسيلمة بن ضرار
الحراني ) وكلاهما تحريف . وما أثبته عن طبقات ابن سعد الذي ينقل منه المصنف ، وتاريخ دمشق - السيرة - ط
المجمع - (٣٣٠/٢) .
(٧) مسلم (١١٩).
(٨) الترمذي (٣٧٩٥).

٤٩١
كُتّاب الوحي بین یدیه صلوات الله وسلامه عليه
الرجلُ أبو بكر ، نِعْمَ الرَّجُل عمرُ ، نِعْمَ الرجلُ أبو عُبَيْدة بن الجراح ، نِعْمَ الرجلُ أُسَيْد بن حُضَيْر ،
نِعْمَ الرجلُ ثابتُ بنُ قَيْس بن شَمّاس، [ نعم الرجل معاذ بن جبل] نِعْمَ الرجلُ معاذُ بنُ عمرو بن
الجَموح )) .
وقد قُتِلَ رضي الله عنه شهيداً يومَ اليَمامة سنة اثنتي عشرة ، في أيام أبي بكر الصديق ، وله قصة
سنوردها إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذلك ، بحول الله وقوته وعونه ومعونته .
ومنهم رضي الله عنهم حَنْظَلهُ(١) بن الرَّبيع بن صَيْفي بن رَباح بن الحارث بن مُخَاشِن بن معاوية بن
شُرَيْف بن جِرْوة بن أُسَيِّد بن عمرو بن تميم التميمي الأُسَيِّدي الكاتب . وأخوه رَباحٌ صحابي أيضاً ، وعَمُّه
أكثم بن صَيْفي كان حكيم العرب .
قال الواقدي (٢): كتَبَ للنبيّ وَّرَ كتاباً. وقال غيره: بعثه رسولُ اللهِ وَّل إلى أهل الطائف(٣) في
الصلح، وشهدَ مع خالد حروبَه بالعراق وغيرها ، وقد أدرك أيام عَليّ وتَخَلَّف عن القتال معه في الجَمَل
وغيره ، ثم انتقل عن الكوفة لمّا شُتِمَ بها عثمانُ ، ومات بعد أيام عليّ .
وقد ذكر ابن الأثير في (( الغابة)(٤) ، أنّ امرأتَه لما ماتَ جَزِعَتْ عليه ، فلامها جاراتُها في ذلك ،
فقالت : [ من السريع ]
تَبْكي علي ذِي شَيْبَةٍ شَاحِب
تَعَجَّبَتْ دَعْدٌ لِمَحْزونَةٍ
أُخْبِرْكِ قَوْلًا لَيْسَ بالكَاذِبِ
إِنْ تَسْأليني(٥) اليَوْمَ ما شَفَّني
حُزْنٌ على حَنْظَلَةَ الكَاتِبِ
إِنَّ سَوَادَ العَيْن أَوْدَی بهِ
قال أحمد بن عبد الله بن البرقي(٦): كان مُعْتزلًا للفتنة حتى مات بعدَ عليّ ، جاء عنه حديثان .
قلت : بل ثلاثة .
قال الإمام أحمد (٧) : ثنا عبد الصمد وعفّان، قالا : ثنا هَمّام ، ثنا قتادة ، عن حنظلة الكاتب ،
قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ََّ يقول: ((مَنْ حَافَظَ على الصلوات الخَمْس ركوعهن(٨) وسجودهن ووضوئهن
(١) ترجمته في تاريخ دمشق - السيرة - مجمع دمشق (٣٣٢/٢).
(٢) طبقات ابن سعد (٥٥/٦).
(٣) ط : ( الطوائف ) تحريف .
(٤) أسد الغابة (٦٥/٢).
(٥) ط : ( تسألني ) ولا يستقيم الوزن بها .
(٦) في أ، ط: (الرقي) واستدرك الصحيح في هامش (أ).
(٧) مسند الإمام أحمد (٢٦٧/٤)، وهو حديث صحيح بشواهده .
(٨) ط: ( بركوعهن) وأ : ( وركوعهن) .

٤٩٢
كُتّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
ومواقيتهن، وعَلمَ أنَّهن حقٌّ من عند الله، دخل الجنة)) أو قال: ((وَجَبَتْ له الجنة(١) تَفَرَّد به أحمدُ ،
وهو مُنْقَطِعٌ بين قتادةَ وحنظلةَ ، والله أعلم .
والحديث الثاني : رواه أحمد(٢) ومسلمُ(٣) والترمذيُ(٤) وابن ماجه(٥) من حديث سَعيد الجُرَيْري ،
عن أبي عثمان النَّهْدي، عن حنظلة: (( لو تَدومون كما تَكونون عندي لصافَحَتْكُم الملائكةُ في
مجالسكم، وفي طُرُقِكُمْ وعلى فُرُشِكُمْ، ولكن ساعةً وساعةً)). وقد رواه أحمد والتّرمذي أيضاً من
حديث عِمْران بن داور القطان ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن حنظلة٦) .
والثالثُ رواه أحمدُ(٧) والنّسائي(٨) وابن ماجه(٩) من حديث سُفيان الثَّوري ، عن أبي الزّناد ، عن
المُرَقَّع بن صَيْفي بن حَنْظَلة عن جدِّه في النَّهْي عَنْ قَتْلِ النساء في الحربِ . لكن رواه الإمام أحمدٌ (١) ،
عن عبد الرزاق ، عن ابن جُرَيْج قال : أُخبرتُ عن أبي الزّناد عن مُرَفَّع بن صَيْفي بن رباح بن رَبيع ( عن
جدّه رباح بن ربيع أخي حَنْظَلة الكاتب ... فذكره . وكذلك رواه أحمد أيضاً عن حسين بن محمد ،
وإبراهيم بن أبي العبّاس ، كلاهما عن ابن أبي الزناد عن أبيه (١) .
وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزّناد ، عن
مُرَقَّع عن جده رباح. ومن طريق المغيرة رواه النّسائي(١٢) وابن ماجه(١٣) كذلك. وروى أبو داولاً(١)
والنسائي(١٥) من حديث عمر بن مُرَقَّع، عن أبيه، عن جدّه رباح ... فذكره. فالحديث عَنْ رَباحٍ لا عن
حَنْظَلَة . ولذا قال أبو بكر بن أبي شيبة : كان سُفْيان الثَّوري يُخْطىءُ في هذا الحديث .
(١) ليس اللفظ في ط .
(٢) مسند الإمام أحمد (٣٤٦/٤).
(٣)
مسلم ( ٢٧٥٠ ) .
الترمذي (٢٥١٤) .
(٤)
(٥)
ابن ماجه ( ٤٢٣٩ ).
رواه أحمد في المسند (٣٤٦/٤) رقم (١٩٠٤٥)، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٦)
مسند الإمام أحمد (١٧٨/٤ ).
(٧)
السنن الكبرى للنسائي ( ٨٦٢٧).
(٨)
(٩) سنن ابن ماجه ( ٢٨٤٢).
(١٠) مسند الإمام أحمد (٤٨٨/٣) و(٣٤٦/٤).
(١١) في الأصول : عن المغيرة بن عبد الرحمن بن أبيه، والتصحيح من المسند وأطرافه (٢/ ٢٢٨١).
(١٢) السنن الكبرى للنسائي ( ٨٦٢٦).
(١٣) ابن ماجه بعد رقم (٢٨٤٢) .
(١٤) أبو داود ( ٢٦٦٩).
(١٥) السنن الكبرى للنسائي (٨٦٢٥).

٤٩٣
كتّاب الوحي بین یدیه صلوات الله وسلامه عليه
قلت : وصح قول ابن البرقي : إنه لم يرو سوى حديثين ، والله أعلم .
ومنهم ، رضي الله عنهم ، خالدُ بن سَعيد بن العاص (١) بن أُميَّة بن عَبْدِ شَمْس بن عبد مَناف،
أبو سعيد الأموي. أسلم قديماً يقال(٢) بعد الصّدّيق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل خمسة . وذكروا أنّ
سببَ إسلامه أنه رأى في النوم كأنّه واقف٣ٌ) على شفير جَهَّم، فذكر من سَعَتها ما الله به عليمٌ . قال :
وكأنَّ أباه يَدْفَعُه فيها، وكأنّ رسولَ الله وَ ليهِ آخذٌ بيده ليمنعه من الوقوع فيها٤)، فَقَصَّ هذه الرؤيا على
أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ، فقال له : لقد أُريدَ بكَ خيرٌ، هذا رسولُ الله فاتَّبِعِهْ تَنْجُ مما خِفْتَه.
فجاء رسولَ اللهَ بَّرَ فأسلم، فلما بلغَ أباه إسلامُه غضبَ عليه ، وضربَه بعصاةٍ في يَدِه حتى كَسَرها على
رأسه، وأخْرَجَهُ من منزله، ومنعه القوتَ، ونهى بقيةَ إخْوَتِهِ أن يُكَلّموه، فلزم خالدٌ رسولَ الله وَلّ ليلاً
ونهاراً، ثم أسلم أخوه عمْرو ، فلما هاجَرَ الناسُ إلى أرض الحَبَشة هاجر(٥) معهم، ثم كان هو الذي
وَلِيَ العقد في تَزْوِج أم حبيبة من رسول الله وَ ◌ّ كما قدمنا. ثم هاجرا من أرض الحبشة صُحبةَ جَعْفَر ،
فقدما على رسول الله وَّة بخيبر وقد افتتحها ، فأسهم لهما عن مَشورة المسلمين ، وجاء أخوهما أبان بن
سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا ، ثم كان رسول الله بَل﴿ يولِّيهم الأعمال. فلما كانت خلافَةُ الصِّديق
خَرَجوا إلى الشام للغزو ، فقُتل خالد بأجنادين ، ويقال: بمَرْج الصُّفَّر . والله أعلم .
قال عتيق بن يعقوب(٦) ، حدّثني عبد الملك بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن جده ، عن عَمْرو بن حَزْم ،
يعني أنَّ خالد بن سعيد كَتَب عن رسول الله وَلاَ كتاباً:
(( بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعْطَى محمدٌ رسولُ الله راشدَ بن عبدِ ربِّ السُّلَمي(٧) أعطاه
غَلْوَتَيْنُ(٨) وغَلْوةَ بحَجَرٍ برُهاط٩ٍ)، فمن حاقَّه ١) فلا حَقَّ له، وحقُّه حَقٌّ. وكتب خالد بن سعيد )) .
(١) ترجمته في نسب قريش (١٧٤ - ١٧٥) والاستيعاب (٤٢) وتاريخ دمشق - السيرة - مجمع (٣٣٣/٢) وأسد الغابة
(٩٧/٢) والإصابة (٤٠/١) وبدران (٤٨/٥ - ٥٥) .
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) ط : ( واقفاً ) خطأ .
(٤) زيادة عن أ.
(٥) ط : ( هاجر ) .
(٦)
تاريخ دمشق - السيرة - مجمع دمشق - ( ٢ / ٩٣٣ ) .
(٧) أ : ( السلامي) وهو تحريف انظر الإصابة (٢/ ٤٣٤).
(٨) ط : (علوتين وعلوة) وهما تحريف . والغَلوة مقدار رمية بسهم (اللسان: غلو).
(٩) رُهاط: موضع على ثلاث ليال من مكة ( معجم البلدان : رهاط).
(١٠) أ، ط : ( خافه) تحريف .

٤٩٤
كُتَّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
وقال محمد بن سعد(١) عن الواقدي : حدّثني جعفر بن محمد بن خالد ، عن محمد بن عبد الله بن
عمرو بن عثمان بن عفان ، قال : أقام خالد بن سعيد بعد أن قَدِمَ من أرض الحبشة بالمدينة ، وكان
يكتب لرسول الله وَلل وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف، وسعى في الصّلح بينهم وبين
رسول الله اله .
ومنهم، رضي الله عنهم، خالد بن الوليد(٢) [بن المغيرة ] بن عبد الله بن عمرو (٣) بن مخزوم
أبو سليمان (٤) المخزومي ، وهو أمير الجيوش المنصورة الإسلامية ، والعساكر المحمدية ، والمواقف
المشهودة ، والأيّام المحمودة . ذو الرأي السَّديد ، والطريق الحميد ، أبو سليمان خالد بن الوليد ،
رضي الله عنه، ويقال : إنه لم يكن في جيش فكُسِر ، لا في جاهلية ولا إسلام . قال الزبير بن بكار : كانت
إليه في قريشِ القبةُ وأعِنَّةُ الخَيْل . أسلم هو وعمرو بن العاص ، وعثمان [ بن طلحة ] بن أبي طلحة بعد
الحديبية، وقيل: خيبر ، ولم يزل رسول الله وَ لَه يَبْعثه فيما يبعثه أميراً. ثم كان المُقَدَّم على العساكر كلها
في أيام الصدِّيق ، فلما ولي عمرُ بن الخطّاب عَزَلَه وولَّى أبو عُبَيْدة أمينَ الأُمة ، على أن لا يَخْرُجَ عن رأي
أبي سليمان . ثم مات خالد في أيام عمر، وذلك في سنة إحدى وعشرين ، وقيل : اثنتين وعشرين
- والأول أصح - بقريةٍ على ميلٍ من حمص .
قال الواقدي(٥): سألت عنها فقيل لي دَثَرَت. وقال دحيم: مات بالمدينة . والأول أصح . وقد
روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها .
قال عتيق بن يعقوب (٦): حدّثني عبد الملك بن أبي بكر ، عن أبيه، عن جده ، عن عَمْرو بن حَزْم :
أنَّ هذه قطائع أقطَعَها رسولُ اللهِوَّ: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين أن
◌ِضَاه وَجِّ لا يُعْضَدُ، وصَيْدُهُ لا يُقْتَلُ(٧)، فمنْ وُجِدَ يفعلُ من ذلك شيئاً، فإنه يُجْلَدُ وتُنْزَع(٨) ثيابه، وإن
(١) طبقات ابن سعد ٤/ ٩٦ .
(٢) ترجمته في نسب قريش (٣٢٠ - ٣٢٢)، والاستيعاب (٤٢٧)، وتاريخ دمشق - السيرة - مجمع - (٢٣٤/٢)
وأسد الغابة (١٠٩/٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٧٢/١ - ١٧٤)، والإصابة (٤١٣/١ - ٤١٥).
(٣) ط : ( عمر ) تحريف .
(٤) ط : ( أبو سلمان ) وهو تحريف .
(٥) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٩٧).
(٦)
تاريخ دمشق - السيرة - طبعة المجمع (٢ /٣٣٤) .
(٧) ط، أ: ( أن صيدوح وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل) وما أثبته عن ابن عساكر ووج هي الطائف وقيل : واد
بالطائف ( معجم البلدان : وج ) والعضاه شوك عظيم له شوك ( النهاية : عضه ) .
(٨) ط : ( ينزع).

٤٩٥
كُتّاب الوحي بین یدیه صلوات الله وسلامه علیه
تَعَدَّى ذلك أحدٌ فإنّه يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ به النبيِ وََّ، وإن هذا من مُحمّد النبي، وكتب خالد بن الوليد بأمر
رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد .
ومنهم، رضي الله عنهم، الزُّبَيْرِ بن العَوّامُ(١) بن خُوَيْلد بن أَسَد بن عَبْدِ العُزَّى بن قُصَيّ ،
أبو عبد الله الأسَدي: أحدُ العَشَرة، وأحدُ السّتة أصحابِ الشُّورى الذين تُوفّي رسول الله بِّه وهو عنهم راضٍ،
وحواريُّ رسولِ الله وَّر وابنُ عَمَّتَه صَفيّة بنتِ عبد المطلب، وزوجُ أسماء بنتِ أبي بكر الصديق(٢) رضي
الله عنه .
روى عتيق بن يعقوب بسنده المُتَقَدِّم أنّ الزُّبَيْر بن العَوَّام هو الذي كتب لبني معاوية بن جَرْوَل الكتابَ
الذي أمره به رسول الله مَيقول أن يكتبه لهم. رواه ابنُ عساكر بإسناده عن عَتيقٍ(٣) به.
أسلم الزبير ، رضي الله عنه، قديم٤ً) وهو ابنُ ستّ عشرة سنة ، ويقال : ابنُ ثمانٍ سنين . وهاجر
الهجرتين، وشهد المشاهدَ كلَّها، وهو أولُ من سَلَّ سيفأٌ) في سبيل الله. (وقد جمع له رسول الله تَّ يوم
الخندق أبويه ، وقال : إنّ لكل نبيِّ حوارياً ، وحواريَّ الزبير )(٦) وقد شهد اليَزْموك، وكان أفضلَ مَن
شَهِدَها، واخْتَرَق يومئذ صفوفَ الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين، ويَخْرُجُ من الجانب الآخر سالماً، لكن
جُرِح في قفاه بضربتين، رضي الله عنه. وله فضائلُ ومناقبُ كثيرةٌ. وكانت وفاته يومَ الجَمَل ، وذلك أنه کرَّ
راجعاً عن القتال، فلحقه عَمْرو بن جُزْمُوز وفضالة بن حابسٍ ورجلٌ ثالثٌ يقال له : نُفَيْعُ التَّميميّون، بمكانٍ
يُقال له: وادي السباع، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله ، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من
جمادى الأولى سن ستٍّ وثلاثين ، وله من العمر يومئذ سبعٌ وستّون سنة ، وقد خَلَّفَ رضي الله عنه بعده
تركةً عظيمةً، فأوصى من ذلك بالثُّلْث بعد إخراج ألْفَيْ ألفٍ ومِثَتَيْ ألف ديناً، فلما قضي دينه ، وأُخرج ثلث
ماله ، قسم الباقي على ورثته ، فنال كلَّ امرأة من نسائه - وكنَّ أربعاً - ألْفُ ألْفٍ ومئتا ألف ، فمجموع
ما ذكرناه مما تركه رضي الله عنه تسعةٌ وخمسون (٧) ألف ألفٍ وثمانِمئة ألف . وهذا كله من وجوه حِلِّ ،
نالها في حياته، مما كان يصيبه من الفَيْءِ والمَغانم، ووجوه مَتاجِرِ الحَلالِ، وذلك كلُّه بعد إخراج الزكوات
في أوقاتها ، والصِّلاتِ البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنات
(١) ترجمته في حلية الأولياء (٨٩/١)، والاستيعاب (٥١٠)، وتاريخ دمشق - السيرة - مجمع - (٣٣٤/٢ - ٣٣٥)
وأسد الغابة (٢٤٩/٢ - ٢٥٢)، وسير أعلام النبلاء (٤١/١ - ٦٧)، والإصابة (٥٤٥/١ - ٥٤٦).
(٢) زيادة من أ .
(٣) ط : ( روى ابن عساكر بإسناد عن عتيق به ).
(٤) ط : ( أسلم الزبير قديماً رضي الله عنه ) .
(٥) ط : ( سيفاً أفضل ) .
(٦) ما بين القوسين جاء في ط بعد الخبر التالي.
(٧) أ، ط : ( وخمسين ) وما أثبته للسياق .

٤٩٦
كُتَّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
الفردوس مثواه - وقد فعل - فإنه قد شهد له سيّد الأولين والآخرين ، ورسول ربّ العالمين بالجنة ، ولله
الحمد والمنة .
وذكر ابن الأثير في ((الغابة (١) أنه كان له ألفُ مملوك، يُؤَدّون إليه الخَراج ، وأنه كان يَتَصدَّق بذلك
كله . وقال فيه حَسّان بن ثابتٍ يَمْدِحُه ويُفَضِّلُه بذلك(٢): [ من الطويل ]
حَوارِيُّهُ والقَوْلُ بالفعلُ(٣) يُعْدَلُ
أقامَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وهَدْيِهِ
يُوالي وَليَّ الحَقّ والحَقُّ أَعْدَلُ
يَصُولُ إذا ما كانَ يَوْمٌ مُحَجَّلُ
وَمِنْ أَسَدٍ فِي بَيْتِهِ لمُرَفَّلُ(٥)
ومنْ نُصْرةِ الإسْلامَ مَجْدٌ مُؤْثَّلُ
عَنِ المُصْطَفى واللّهُ يُعطي ويُجْزِلُ(٦)
بأبيض سبَّاقٍ(٧) إلى الموتِ يُرْقِلُ
وَلَيْسَ يَكُونُ الدّهْرَ مَا دَامَ يَذْبُلُ
أقام على مِنْهَاجِهِ وطَريقِهٍ(٤)
هُوَ الفَارسُ المَشْهُورِ وَالبَطَلُ الذي
وإنَّ امرأَ كانَتْ صَفيّةُ أُقَهُ
لَهُ مِنْ رَسول اللهِ قُرْبَى قَريبةٌ
فَكَمْ كُرْبةٍ ذَبَّ الزُّبَيْر بسیَفِهِ
إذا كشفَتْ عنْ سَاقِها الحَرْبُ حَشَّها
فَمَا مِثْلُه فِيهِمْ وَلا كَانَ قَبْلَهُ
وقد تَقَدَّمَ أنَّه قتله عَمْرو بن جُزْموزٍ التَّميمي بوادي السباع وهو نائم ، ويقال : بل قام من آثار النوم ،
وهو دَهِشٌ، فركب وبارزه ابن جُرْمُوز، فلما صَمَّم عليه الزبير أنجده صاحباه فَضالةٌ ونُفيحُ(٨) فقتلوه ،
وأخذ عمرو بن جرموز رأسَه وسيفَه . فلما دخَل بهما على عليٍّ ، قال علي رضي الله عنه ، لما رأى سيفَ
الزبير: إن هذا السيفَ طالما فَرَّجَ الكُرَبَ عن وجه رسول الله وََّر. وقال عليّ فيما قال: بَشِّرْ قاتلَ ابنِ
صفيةَ بالنّار. فيقال : إنَّ عمرو بن جُزْمُوزٍ لما سمع ذلك قتل نفسَه، والصحيحُ أنّه عُمِّرَ بعدَ عليٍّ حتّى
كانَتْ أيّامِ ابن الزُّبير ، فاستنابَ أخاه مُصْعباً على العراقِ ، فاختفى عمرو بن جُرْموز خوفاً من سَطْوَتِه أن
يقتله بأبيه . فقال مُصعبٌ: أبلغوه أنه آمن ، أيَحْسَبُ أني أقتلُه بأبي عبد الله ؟ كلا ، والله ، ليسا سواءً ،
وهذا من حلم مُصعبٍ وعقله ورئاسته .
(١) أسد الغابة (٢٥١/٢).
دیوان حسان - دار صادر - (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤ ).
(٢)
ط : ( بالفضل ) وما هنا عن أويوافق ما في الديوان .
(٣)
ط : ( وطرقه ) . ولا يستقيم الوزن بها .
(٤)
(٥)
ط : ( لمرسل ) .
أن : ( فكم كربةٍ جَلّى ... » ... فيجزل
(٦)
(٧) ط : ( سياف ) .
(٨) ط : ( النعر) وهو تحريف . وقد تقدم.

٤٩٧
كُتّاب الوحي بین یدیه صلوات الله وسلامه عليه
وقد روى الزبير عن رسول الله وَّل أحاديث كثيرة يَطولُ ذكرها. ولما قُتل الزبيرُ بن العوّام بوادي
السِّباعِ ، كما تقدّم ، قالت امرأتُه عاتكةُ بنتُ زيدِ بنِ عمرٍو بن نُفَيْل تَرْثيه رضي الله عنها وعنه :
يَومَ اللَّقاءِ وكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ
غَدَرَ ابْنُ جُرْموزٍ بفارسِ بُهْمةٍ
لا طائشاً رَعشَ الجَنان ولا اليَدِ
يا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ
عَنْها طِرادُك(١) يا بنَ فَقْع القَرْدَدِ
كَمْ غَمْرَةٍ قد خاضَها لمْ يَثْنِهِ
فيمن مَضَى مِمَّن يروحُ ويَغْتدي
ثُكِلَتْكَ أمُّك إنْ ظَفِرْتَ بمثلِهِ(٢)
حَلَّت عَلَيْكَ عُقوبةُ المُتَعَمِّدِ(٣)
والله رَبِّك إنْ قَتَلتَ لَمُسلماً
ومنهم رضي الله عنهم زَيْدُ بن ثابتٍ(٤) بن الضّحّاك بن زَيْد بن لَوذان بن عَمْرو بن عبد(٥) بن عوف بن
غَنْم بن مالك بن النّجّار الأنصاري النجاري، أبو سعيد، ويقال : أبو خارجة، ويقال : أبو عبد الرحمن
المدني .
قدم رسول الله مَّ المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، فلهذا لم يَشْهَدْ بَدْراً لصغره، قيل: ولا
أُحُد٦ُ) وأول مشاهده الخندق، ثم شَهِدَ ما بعدها. وكان حافظاً لبيباً عالماً عاقلاً، ثبت عنه في ((صحيح
البخاري)(٧). أنَّ رسول الله وَ ي أمره أن يتعلّم كتاب يَهود ليقرأه على النبيّ ◌َّ إذا كتبوا إليه، فتعلَّمه في
خمسة عشر يوماً .
وقد قال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا سليمان بن داود ، ثنا عبد الرحمن ، عن أبي الزّناد ، عن خارجة بن
زيد: أنّ أباه زيداً أخبره أنه لما قدم رسولُ الله ◌ِّر المدينة قال زيد: ذُهب بي إلى رسول الله وَّهِ فَأُعجب
بي ، فقالوا : يا رسولَ الله، هذا غلامٌ من بني النَّجار، معه مما أنزل اللهُ عليك بضعَ عشرةَ سورةً ،
فَأَعْجَبَ ذلك رسولَ اللهِ وَّه وقال: ((يا زيدُ تَعَلَّمْ لي كتابَ يهود، فإنّي والله، ما آمَنُ (٩) يَهودَ على
(١) ط : ( كم غمرة خاضها لم يثنيه * عنها طراد ) فيها نقص وخطأ.
(٢) ط: ( ... إن طرت بمثله * فيم مضى فيمن ... ) منها تحريفان.
(٣) ط : ( المعتمد ) تحريف .
(٤) ترجمته في الاستيعاب (٥٣٧/٢)، وتاريخ دمشق - السيرة - مجمع دمشق (٣٣٥/٢ - ٣٣٧)، وأسد الغابة
(٢٧٨/٢) وسير أعلام النبلاء (٤٢٦/٢)، والإصابة (٥٦١/١ - ٥٦٢).
(٥) ط : (عبيد) تحريف.
(٦) ط : ( أحد ) .
(٧) البخاري (٧١٩٥) تعليقاً .
(٨) مسند الإمام أحمد (١٨٦/٥)، وهو حديث صحيح .
(٩) أ : ( لا آمن ).

٤٩٨
كُتَّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
كتابي)). قال زيد: فَتَعَلَّمْتُ له (١) كتابهم، ما مَرَّتْ خَمْسَ عَشْرَةَ ليلةً حتى حَذَقْتُهُ ، وكنتُ أقرأ له كتبَهم
إذا كتبوا إليه، وأُجيبُ عنه إذا كتبَ. ثم رواه أحمد(٢) عن سُرَيْجُ(٣) بن النعمان ، عن ابن أبي الزِّناد ، عن
أبيه ، عن خارجة ، عن أبيه ... فذكر نحوه . وقد عَلّقَه البُخاري في الأحكام ، عن خارجة بن زيد بن
ثابت بصيغة الجَزْم ، فقال : وقال: خارجة بن زيد ... فذكره . ورواه أبو داود(٤) عن أحمد بن يونس ،
والترمذي(٥) عن علي بن حُجْرٍ ، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد ، عن أبيه عن خارجة ، عن أبيه ،
به نحوه . وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ . وهذا ذكاءٌ مُفْرِطٌ جداً .
وقد كان مِمَّنْ جَمَعَ القُرآن على عَهْدِ رسول الله ◌ََّ من القُرّاء كما ثبت في ((الصحيحين)(٦) عن أنس.
وورى أحمد(٧) والنّسائي(٨) من حديث أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله أنه قال: ((أرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي
أبو بكر ، وأَشَدُّها في دين اللهِ عُمر، وأصدقُها حياءً عثمانُ ، وأَقْضَاهُمْ عليّ بن أبي طالب ، وأعْلَمُهم
بالحَلالِ والحَرامِ مُعاذُ بن جَبَلٍ ، وأعْلَمُهُمْ بالفَرائضِ زَيْدُ بن ثابتٍ ، ولكلِّ أمةٍ أمينٌ ، وأمينُ هذه الأمّةِ
أبو عبيدة بن الجراح)) ومن الحُفّاظ من يجعله مُرْسَلاً إلا ما يتعلق بأبي عُبَيدة ففي (( صحيح البخاري)(٩)
من هذا الوجه .
وقد كتب الوحي بين يدي رسول الله وَّر في غير ما مَوْطنٍ، ومن أوضحُ"(١) ذلك ما ثبت في
((الصحيح(١) عنه أنه قال: لمّا نَزَلَ قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَّهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، دعاني رسول الله وَ ل فقال: اكتب: ((لا يستوي القاعِدون من المؤمنين
والمجاهدون في سبيل الله)) فجاء ابنُ أم١٢ُّ) مكتوم فجعل يشكو ضَرارته، فنزلَ الوَحْيُ على رسول الله ◌ِلَه
فَتَقُلَتْ فَخِذُهُ على فَخِذي حتى كادت تَرُضُّها ، فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ ﴾ فأمرني فألحقتها ، فقال زيد :
فإنّي لأعرفُ موضعَ مُلْحَقِها عند صَدْعٍ في ذلك اللَّوْح - يعني من عظامٍ -... الحديث.
(١) ط : (لهم ) .
(٢) مسند الإمام أحمد (١٨٦/٣ -١٩١)، وهو حديث صحيح.
(٣) أ، ط: (شريح). وانظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢١٩).
(٤) أبو داود (٣٦٤٥)، وهو حديث صحيح .
(٥)
الترمذي ( ٢٧١٥)، وهو حديث صحيح .
البخاري ( ٣٨١٠، ٥٠٠٣، ٥٠٠٤)، ومسلم (٢٤٦٥).
(٦)
مسند الإمام أحمد ( ٢٨١/٣)، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده .
(٧)
(٨) السنن الكبرى للنسائي (٨٢٤٢).
(٩) البخاري (٣٧٤٤، ٤٣٨٢، ٧٢٥٥).
(١٠) ط : ( أفضح ) تحريف .
(١١) البخاري (٢٨٣٢، ٤٥٩٢).
(١٢) زيادة عن أ.

٤٩٩
كُتّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
وقد شهد زيدٌ اليمامةَ، وأصابه سهمٌ فلم يَضُرُّه ، وهو الذي أمره الصّدّيق بعد هذا بأن يَتَتَبَّعَ القرآن
فَيَجْمَعَهُ(١) ، وقال له: إنك شاب عاقل لا نَتَّهِمُكَ، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسول الله ◌ََّ، فَتَتَبَّعِ القُرآن
فاجْمَعْهُ ، ففعل ما أمَرَهُ به الصّدّيق ، فكان في ذلك خيرٌ كثيرُ ، ولله الحمد والمنة . وقد استنابه عُمرَ مَرَّتَيْن
في حَجَتَيْن على المدينة ، واستنابه لمّا خَرَجَ إلى الشام ، وكذلك كان عثمان يَسْتَنيبهُ على المدينة أيضاً ،
وكان عليٍّ يُحبّه ، وكان يُعَظِّم عليّاً، ويعرفُ له قدرَهُ، ولم يشهد معه شيئاً من حُروبه. وتأخَّر بعدَهُ حتى
تُوفّى سنةَ خَمْس وأربعين ، وقيل : سنة إحدى، وقيل : خمس وخمسين . وهو مِمَّن كانَ يكتبُ
المصاحفَ الأئمةَ التي نَفَذَ بها عثمانُ بنُ عفان إلى سائر الآفاقِ اللائي وَقَعَ على التّلاوة طِبْقَ رَسْمِهِنّ
الإجماعُ والاتِّفاقُ، كما قَرَّرْنا ذلك في (( كتاب فضائل القرآن)» الذي كتبناه مقدّمة في أول كتابنا ((التفسير))
ولله الحمد والمنة .
ومنهم ، رضي الله عنهم، السَّجِلُّ(٢)، كما ورد به الحَديثُ المَرْويُّ في ذلك عن ابن عباس - إن
صَحَّ - وفيه نظرٌ .
قال أبو داود(٣) : حدَّثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا نوح بن قيس ، عن يزيد بن كعب ، عن عمرو بن مالك ،
عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: السّجِلُّ كاتبٌ للنبيّ وَّهِ.
وهكذا رواه النسائي(٤) عن قتيبة به. وعن(٥) ابن عباس أنه كان يقول: في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَطْوِى
السَّمَآءَ كَطَيّ السجل للكتاب(٦)﴾ [الأنبياء: ١٠٤] قال: السِّجِلّ: الرجل. هذا لَفْظُهُ. ورواه أبو جعفر بن
جرير في (( تفسيره )) عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ للكتاب (٧)﴾! عن نصر بن علي، عن
نوح بن قيس ، وهو ثقةٌ من رجال مسلم ، وقد ضَعَّفَه ابنُ مَعين في روايةٍ عنه . وأما شيخُه يزيد بن كعب
العَوْذِيُ(٨) البصري ، فلم يَرْوِ عنه سوى نوح بن قيس، وقد ذكره مع ذلك ابن حِبّان في ((الثّقات)(٩) .
وقد عرضتُ هذا الحديث على شيخنا الحافظِ الكبير أبي الحَجّاج المِزّي ، فأنكره جداً، وأخْبَرْته أن
(١) ط : ( فأجمعه ) .
(٢) تاريخ دمشق - السيرة - مجمع دمشق (٣٣٥/٢ - ٣٣٧).
(٣) أبو داود (٢٩٣٥)، وإسناده ضعيف.
(٤)
السنن الكبرى للنسائي ( ١١٣٣٥ ).
(٥) ليست الواو في ط ولا في أ.
(٦) وهي قراءة ما سوى حفص وحمزة والكسائي وخلف .
(٧) ط : ( للكتب ) .
(٨) ط: (العوفي) وانظر تهذيب الكمال (٢٣٠/٣٢).
(٩) الثقات (٩/ ٢٧١) .

٥٠٠
كُتّاب الوحي بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
شيخَنا العلامة أبا العباس ابن تَيْميَّة كان يقول: هو حديثٌ موضوعٌ، وإن كان في ((سنن أبي داود)) . فقال
شيخنا المزي ، وأنا أقوله .
قلت : وقد رواه الحافظُ ابن عَديٍّ في ((كامله)(١) من حديث محمد بن سليمان الملقب بيومة ، عن
يحيى بن عمرو بن (٢) مالك النُّكْري ، عن أبيه ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : كان لرسول الله
وَلَ كاتبٌ يُقالُ له: السِّجلّ، وهو قوله (تعالى): ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيِّ السِِّلّ للكتاب﴾ قال : كما
يطوي السّجِلّ للكتَاب كذلك نَطْوي(٣) السماء. وهكذا رواه البيهقي(٤) ، عن أبي ناصر بن قتادة ، عن
أبي علي الرّفّاء عن علي بن عبد العزيز ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن يحيى بن عمرو بن مالك به . ويحيى
هذا ضعيف جداً ، فلا يصلُح للمتابعة . والله أعلم .
وأغرب من ذلك أيضاً ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب(٥) وابن مَنْدَة من حديث أحمد بن سعيد
البغدادي المعروف بحمدان ، عن ابن نُمير(٦) ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان للنبيّ
وَال﴿ كاتبٌ، يقال له: سِجِلٌّ، فأنزل الله ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّلّ للكتاب﴾ قال ابن منده : غريب
تَفَرَّد به حمدان . وقال البَرْقاني: قال أبو الفتح الأزدي: تَفَرَّدَ به ابن نُمَيْر ، إن صَحَّ .
قلت : وهذا أيضاً مُنْكرٌ عن ابن عمر كما هو مُنْكَر عن ابن عباس ، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر
خلاف (٧) ذلك ، فقد روى الوالبيُّ والعَوْفي ، عن ابن عباس : أنَّه قال في هذه الآية : قال : كطي
الصحيفة على الكتاب . وكذلك قال مجاهد ، وقال ابن جرير : هذا هو المعروف في اللغة أن السّجلّ هو
الصحيفة . قال : ولا يعرف في الصحابة أحدٌ اسمُه السّجل ، وأنكر أن يكون السّجلُ اسمَ مَلَكِ من
الملائكة ، كما رواه عن أبي كُرَيْب ، عن ابن يَمانٍ ، ثنا أبو الوفاء الأشجعي ، عن أبيه ، عن ابن عمر في
قوله ﴿ يَوَمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّلّ للكتاب﴾ قال: السجل مَلَكٌ، فإذا صعِد بالاستغفار قال الله :
اكْتُبُها نوراً . وثنا بُنْدار، عن مُؤَمّل، عن سفيان ، سمعت الشُّدِّيّ يقول ( فذكر مثله .
وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كُرَيْب، عن ابن (٨) المبارك عن (٩) معروف بن خَرَّبوذ، عمَّن
(١) الكامل في أسماء ضعفاء الرجال (٧/ ٢٦٦٢).
(٢) ط : ( وعن ) وسيأتي بعد بوجهه الصحيح .
(٣) ط : ( السجل للكتاب كذلك تطوي ) .
(٤) في ((السنن الكبرى) (١٢٦/١٠).
تاريخ بغداد (١٧٥/٨). قال بشار: وانظر بلابد تعليقي على هذا الحديث في طبعتي من تاريخ الخطيب (٤٧/٩ -٤٨).
(٥)
في الأصول : بهز .
(٦)
(٧) ط : ( خلال ) تحريف .
(٨) ليس في ط .
(٩) ليس ما بين القوسين في أ .