Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
قال الزهري(١): وحدّثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكرٍ خرجَ، وعمر(٢) يُكَلِّم الناس.
فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس . فقال: اجْلِسْ يا عُمَر! فأبى عمرُ أنْ يَجْلِسَ . فَتَشَهَّد
أبو بكر ، فأقبل الناسُ إليه . فقال : أما بعد ، فمَنْ كانَ منكم يَعْبُدُ محمداً فإنّ محمد(٣) قد مات ، ومن
كان يَعْبُدُ اللهَ فإنّ الله حيٌّ لا يموتُ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَُّّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ
قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ﴾ الآية [ آل عمران: ١٤٤] قال: فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ اللهَ أنزلَ هذه الآية ،
حتَّى تلاها أبو بكر ، فتلقّاها منه الناسُ كلُّهم ، فما سُمِعَ بَشَرٌ من النّاس إلا يَتْلوها .
قال الزهري(٤): وأخبرني سعيد بن المُسَيّب أن عمر قال: والله، ما هو إلا أن سَمِعْتُ أبا بكر
تلاها ، فعرَفْتُ أنّه الحَقُّ ، فَعَقِرْتُ(٥) حتى ما تُقِلُّني رِجْلاي، وحتى هَوَيْتُ إلى الأرض ، وَعَرَفْتُ حينَ
سَمِعْتُهُ تلاها أنّ رسولَ اللهِ ◌َ قد مات. ورواه البخاري(٦) عن يحيى بن بُكَيْر(٧) به .
وروى الحافظ البيهقي(٨)، من طريق ابن لَهيعة ، ثنا أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير ، في ذكر وفاة
رسول الله ◌َ ◌ّهِ. قال: وقام عُمَر بن الخطّاب يخطُبُ الناس، ويَتَوَعَّدُ منْ قال مات بالقتل والقطع ، ويقول:
إِنّ رسولَ اللهِّفِي غَشْيتِه٩ُ) لو قد قام قَتَلَ وقطع. وعمرو بن قيسٍ بن زائدة بن الأصمّ بن أمّ مَكْتوم في
مُؤَخَّرِ المسجد يقرأ: ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية والنّاسُ في
المسجد يَبْكون، ويموجون لا يَسْمَعون، فخرَجَ عباسُ بن عَبْدِ المَطَلِب على الناس . فقال : يا أيُّها
النّاسُ، هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله و ليه في وفاته فليحدثنا . قالوا : لا! قال : هل عندكَ
يا عُمرُ من علمٍ ؟ قال: لا، فقال العباس: أَشْهَد١٠ُ) أيُّها الناسُ، أنَّ أحداً لا يَشْهِدُ على رسول الله ◌َِه
بعهدِ عهده إليه في وفاته، والله الذي لا إله إلا هو، لقد ذاقَ رسولُ اللهِ وَّرِ الموتَ. قال : وأقبلَ
أبو بكر ، رضي الله عنه ، من السُّنح على دابته حتى نزلَ ببابِ المَسْجد ، وأقْبَل مَكْروباً حزيناً ، فاستأذنَ
(١) دلائل النبوة (٢١٥/٧ -٢١٦).
(٢) ط : (وهو) .
(٣) عبارة ( فإن محمداً) ليست في ط .
(٤)
دلائل النبوة للبيهقي ( ٢١٦/٧).
العَقَر - بفتحتين - : أن تُسلمَ الرجلَ قوائمُه من الخوف . وقيل : هو أن يفحأه الروعُ ، فيدهش ولا يستطيع أن يتقدّم
(٥)
أو يتأخر ( النهاية : عقر ) .
البخاري ( ٤٤٥٢ - ٤٤٥٤ ) .
(٦)
ليس اللفظ في ط .
(٧)
(٨) دلائل النبوة للبيهقي (٢١٧/٧ - ٢١٩).
(٩) ط : ( غشية ).
(١٠) ط : (اشهدوا) .
٣٤٢
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
في بيتِ ابنِتِهِ عائشة، فَأَذِنَت له فدخَل، ورسول الله وَّهِ قد تُوفّي على الفراش والنِّسوة حوله، فخَمَّرْنَ
وُجوهَهُنَّ، واسْتَتَزْنَ من أبي بكرٍ إلا ما كان من عائشة، فكشفَ عن رسول الله وَرَ، فجَثَى عليه يُقَبِّلُه ،
ويبكي ويقولُ: ليس ما يقولُه ابنُ الخطاب شيئاً ، تُوفِّي رسولُ اللهِ وَِّ والذي نَفْسي بيده، رحمة الله عليك
يا رسول الله، ما أطيَّكَ حيّاً وميّتاً. ثم غَشَّاه بالثوب، ثم خرجَ سَريعاً إلى المسجد يَتَخَطَّى رِقَابَ
النّاس، حتّى أتى المنبرَ ، وجلَسَ عمرُ حينَ رأى أبا بكرٍ مُقْبلاً إليه ، وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ،
ونادى الناسَ فجلسوا وأنْصَتوا ، فَتَشْهَّد أبو بكر بما علمه من التَّشْهُّد ، وقال: إن الله عزَّ وجلَّ نَعَى نبيّه إلى
نفسه ، وهو حَيّ بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم ، وهو الموتُ حتى لا يَبقى منكم أحدٌ إلا الله عزَّ وجلَّ .
قال تعالى: ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤ ] الآية فقال عمر : هذه الآية في
القرآن؟ والله ما علمتُ أنَّ هذه الآية أُنْزلت قبل اليوم. وقد قال الله تعالى لمحمد ◌َّ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم
مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَةٌّ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ القصص: ٨٨] وقال
تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ
المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقال: إن الله عمَّر محمداً ◌َليل وأبقاه حتى
أقام دين الله ، وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله ، وجاهد في سبيل الله ، ثم توفاه الله على ذلك ، وقد ترككم
على الطريقة ، فلن يَهْلِكَ هالكٌ إلا من بعد البيّنة والشفاء ، فمَنْ كانَ اللهُ ربَّه فإنّ الله حيٌّ لا يموتُ ، ومنْ
كانَ يَعْبُدُ محمداً، ويُنَزّله إلهاً فقد هَلَكَ إلهه، فاتقَّوا الله أيّها الناس، واعْتَصموا بدينكم ، وتوكّلوا على
ربكم ، فإن دينَ اللهِ قائمٌ، وإنَّ كلمةَ اللهِ تامةٌ ، وإن اللهَ ناصرٌ منْ نَصَرَه ، ومعزِّ دينَه ، وإنَّ كتاب الله بين
أظْهُرنا، وهو النورُ والشِّفاءُ، وبه هَدَى الله محمداً بَّهِ، وفيه حَلالُ اللهِ وحرامُه، واللهِ لا نُبالي مِنْ أجْلَبَ
علينا من خَلْق الله ، إنّ سُيوف اللهِ لَمَسْلولةٌ ما وَضَعْناها بعدُ ، ولنُجاهِدَنّ منْ خالفنا كما جاهدنا مع
رسول الله ◌َ﴿، فلا يُبْقِيَنُ(١) أحدٌ إلا على نَفْسِهِ. ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول الله وَّه. فذكر
الحديثَ في غُسْلِه وتَكْفينه والصَّلاةِ عليه ودفنه .
قلتُ : كما سنذكُرُهُ مُفَصَّلاً بدلائله وشواهده ، إن شاء الله تعالى .
وذكر الواقديُّ عن شيوخه. قالوا: ولَمّا شُكَّ في موتِ النبيّ ◌َل ـ فقال بعضهم: مات. وقال
بعضهم: لم يمت -، وَضَعَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْس يَدَها بين كَتْفي رسول الله وَلَ. (فقالت : قد توفي
رسول الله ◌َ﴾(٢) وقد رفع الخاتمُ من بين كَتِفِيْه. فكان هذا الذي قد عُرِفَ به موته. هكذا(٣) أوردَهُ
(١) ط : ( يبغين).
(٢) ليس ما بين القوسين في أ .
(٣) ط : (وهكذا).
٣٤٣
أمور مهمة وقعت بعد وفاته پچچ
الحافظُ البَيْهقيّ في كتابه (( دلائل النبوة(١) من طريق الواقدي، وهو ضعيف، وشيوخه لم يُسَمَّوْ( ٢) ثم
هو منقطع بكل حال ، ومخالفٌ لما صحَّ، وفيه غرابةٌ شديدةٌ ، وهو رفع الخاتم . فالله أعلم بالصواب .
وقد ذكر الواقديّ وغيرُه في الوفاة أخباراً كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة أضْرَبْنا عن أكثرها صَفْحاً ؛
لضَعْفِ أسانيدها ، ونكارةِ متونِها ، ولا سيّما ما يوردُهُ كثيرٌ من القُصّاصِ المُتْأَخِّرين ، وغيرهم ، فكثيرٌ منه
موضوع لا محالة . وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المرويَّة في الكتب المشهورة غنيةٌ عن الأكاذيب وما
لا يعرف سندة ، والله أعلم .
فصل
في ذِكْرٍ أُمورٍ مهمةٍ وَقَعَتْ بعد وفاتِه ◌َّه وقبل دَفْنِه عليه الصلاة والسلام
ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله بَيْعَةُ أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ، وذلك لأنه
عليه الصلاة والسلام ، لمّا ماتَ كان الصدّيقُ، رضي الله عنه، قد صلَّى بالمُسلمين صلاةَ الصُّبْحِ ، وكان
إذ ذاكَ قد أفاقَ رسولُ الله ◌ِ له، إفاقةً من غَمْرةِ ما كان فيه من الوَجَعِ، وكشَفَ سِتْرَ الحُجْرَةِ ، ونظر إلى
المسلمين ، وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر ، فأَعْجَبه ذلك وَتَبَشّم ، صلوات الله وسلامه عليه ،
حتَّى هَمَّ المسلمون أن يَتْرُكوا ما هم فيه من الصلاةِ ، لفرحهم به ، وحتّى أراد أبو بكر أن يتأخَّر ، ليصِلَ
الصفَّ، فأشار إليهم أن يَمْكُنوا كما هم، وأزْخَى السِّتارة ، وكان آخرَ العهدِ به ، عليه الصلاة والسلام ،
فلما انصرفَ أبو بكرٍ ، رضي الله عنه، من الصلاةِ دَخَلَ عليه، وقال لعائشة: ما أرى رسولَ اللهِآل﴾ إلا قد
أفْلَع عنه الوجعُ ، وهذا يومُ بنتِ خارجة - يعني إحدى زوجتيه - وكانت ساكنةٌ بالسُّنْحِ شَرْقِيَّ المدينةِ ،
فركبَ على فرسٍ له وذَهَبَ إلى منزله، وتُؤُفِّي رسولُ اللهِوَّه. حين اشتدَّ الضُّحَى من ذلك اليوم. وقيل:
عندَ زوالِ الشمسِ . والله أعلم .
فلمّا ماتَ واختلفَ الصحابةُ فيما بينهم ، فمِنْ قائلٍ يقول: مات رسول الله وَ لَه ومن قائلٍ: لم يَمُتْ.
فذهب سالمُ بن عُبَيْد وراءَ الصّدّيقِ إلى السُّنّحِ، فَأَعْلَمه بموتِ رسولِ اللهِوََّ ، فجاءَ الصّدّيقُ من منزله حينَ
بَلَغَه الخبر، فدخل على رسول الله وََّ منزِلَه، وكَشَفَ الغِطاءَ عن وجهه وقبَّله، وتَحَقَّق أنه قد ماتَ ،
خرجَ إلى الناس فَخَطَبَهُمْ إلى جانب المنبر، وبيَّن لهم وفاةَ رسولِ اللهِ ◌َّ كما قَدَّمنا، وأزاح الجدالَ
وأزال(٣) الإشكال ورجع الناسُ كلُّهم إليه ، وبايعَه في المسجد جماعةٌ من الصَّحابة ، ووقعتْ شُبْهَةٌ لبعضِ
الأنصارِ ، وقام في أذْهان بعضِهم جوازُ اسْتِخْلافِ خليفةٍ من الأنصارِ ، وتوسَّطَ بعضُهم بين أن يكونَ أميرٌ
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٢١٩/٧ .
(٢) ط : ( لم يسمون ) خطأ.
(٣) ط : ( وأزاح الجدل ، أو زال ) .
٣٤٤
قصة سقيفة بني ساعدة
من المهاجرين وأميرٌ من الأنصار ، حتى بيَّن لهم الصِّدّيق أن الخِلافَة لا تكونُ إلا في قريشٍ ، فرجعوا
إليه ، وأجمعوا عليه، كما سَنُبِّتُه ونُنَبَّهُ عليه .
قِصّة سقيفة بني ساعِدَة
قال الإمام أحمد(١): ثنا إسحاق بن عيسى الطَّاع، ثنا مالكُ بن أنس، حدّثني ابن شهاب ، عن
عُبَيْد الله بن ( عبد الله بن (٢) عُتْبَة بن مَسْعودٍ ، أنَّ ابنَ عبّاسٍ أخبره ، أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى
رحله - قال ابنُ عباسٍ : وكنتُ أُقْرىءُ عَبْدَ الرَّحمن بن عوف فوجدني وأنا أنْتَظِرُهُ - وذلك بمنى في آخر
حجةٍ حَجَّها عمرُ بن الخطاب ، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنّ رَجُلاً أتى عمرَ بن الخَطّاب فقال : إنّ
فلاناً يقول : لوْ قَدْ ماتَ عُمَر بايعتُ فُلاناً . فقال عمر : إنّي قائمٌ العَشِيَّةَ، إن شاء الله ، في الناس ،
فُمُحَذِّرُهم هؤلاء الرَّهْط الذين يُريدون أن يَغْصِبوهُمْ أمْرَهم . قال عبد الرحمن : فقلتُ: يا أميرَ
المؤمنين ، لا تَفْعِلْ فإنّ الموسمَ يَجْمَعُ رعاعَ النّاسِ وَغَوْغاءهم، وإنَّهم الذين يَغْلِبون على مَجْلِسِك إذا
قمتَ في الناس ، فأخْشَى أن تقول مَقالةً يَطيرُ بها أولئك فلا يَعوها ، ولا يَضَعوها مواضِعَها ، ولكن حتى
تَقْدَم المدينةَ ، فإنَّها دارُ الهجرةِ والسّنّةِ، وتَخْلُصَ بعلماءِ النّاسِ وأشرافِهِم فتقول ما قلت مُتَمَكِّناً ، فَيَعُون
مَقالَتَك ويَضَعونَها٣) مواضِعَها . قال عمر : لئن قَدِمْتُ المدينةَ صالحا٤ً) لأكلِّمنَّ بها الناسَ في أول مقامٍ
أقومه . فلما قَدِمنا المدينةَ في عَقِب ذي الحجَّة، وكان يومُ الجمعةِ عَجَّلْتُ الرَّواحَ صَكَّةَ الأعمى - قلت:
المالكِ وما صَكَّةُ الأعمى (٥) ؟ قال: إنّه لا يُبالي أيَّ ساعةٍ خرج، لا يعرفُ الحَرَّ والبَرْدَ. أو(٦) نحو هذا -
فوجدت سعيدَ بن زيدٍ عندَ رُكْنِ المِنْبر الأيمن قد سَبَقني ، فجلستُ حِذاءَه تحُكُ ركبتي ركبتَه ، فلم أَنْشَبْ
أن طلَعَ عمر: فلما رأيتُهُ قلتُ: لَيَقولَنَّ العشيَّةَ على هذا المنبر مَقالةً ما قالها عليه أحدٌ قبلَهُ . قال : فأنْكَرَ
سعيدُ بنُ زيد ذلك، وقال : ما عسى أن يقولَ ما لَمْ يَقُلْ أحدٌ ؟ فجلسَ عُمَرُ على المنبر ، فلما سَكَتَ
(١) مسند الإمام أحمد (٥٥/١ - ٥٦)، وإسناده صحيح.
(٢) ليس ما بين القوسين في ط .
(٣) أ، ط : (ويضعوها).
في المسند ( سالماً صالحاً ) .
(٤)
(٥) في معجم الأمثال العربية :
- أتانا صَكة عُمَيّ - مجمع الأمثال (٢/ ١٨٢ ) .
- جاء صكة عُمَيّ - جمهرة الأمثال (٢٩٧/١، ٣١٨).
- لقيته صكة عُمَيّ - مجمع الأمثال (١٨٢/٢)، وأمثال القاسم (٢٣٧٨) شرحه فصل المقال (٥٠٨)،
والمستقصى (٢٨٧/٢)، واللسان ( صكك) . وقال ابن الأثير : يريد في الهاجرة ( انظر النهاية : صكك ).
(٦) ليست ( أو ) في أ .
٣٤٥
قصة سقيفة بني ساعدة
المُؤَذِّنُ قام فأثْنَى على اللهِ بما هُوَ أهْلُه، ثم قال: أما بعد أيُّها الناسُ ، فإنّي قائلٌ مَقالةً قد قُدِّر لي أنْ
أقولَها ، لا أدري لعلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أجَلي، فمَنْ وَعاها وَعَقَلَها فليُحَدِّثْ بها حيث انْتَهَتْ به راحلتُه ، ومنْ لم
يَعِها فلا أُحِلُّ له أن يَكذِبَ عليَّ، إنّ اللهَ بَعَث محمداً ◌َ ◌ّر بالحق، وأنزل عليه الكِتاب ، فكان فيما أنزل
عليه آيةُ الرَّجْم، فقرأناها ووعَيْناها وعَقَلْناها، ورجَمَ رسولُ اللهِوَّهِ وَرَجَمْنا بعدَه فأخْشَى إن طال بالنّاس
زَمان أن يقول قائل لا نَجد آیةَ الرَّجْم في كتاب الله ، فيضلُّوا بتركِ فَريضةٍ قد أنزلها الله عزَّ وجلَّ . فالرجمُ
في كتاب الله حقٌّ على منْ زَنَى إذا أحصنَ من الرّجال والنساء ؛ إذا قامَتِ البَيَّةُ أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف ،
ألا وإنّا قد كنا نقرأ: لا تَرْغَبوا عن آبائكم، فإنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا وإنّ رسولَ الله وَ لِّ قال
لا تُطروني كما أُطْريَ عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ الله ورسولُه . وقد بلغني أنّ قائِلاً منكم
يقولُ لو قد مات عمرُ بايعتُ فلاناً فلا يغترَنَّ امرؤٌ أن يقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكر كانَتْ فَلْتَةً(١) ألا وإنها كانَتْ
كذلك ، ألا إن الله وَقَى شَرَّها، وليسَ فيكم اليومَ منْ تُقْطَعُ إليه الأعناقُ مثلَ أبي بكرٍ ، وإنّه كانَ من خَبَرنا
- حين تُوقِّي رسول الله وَ لَهَ ـ أنّ عَلياً والزبير ومنْ كان معهما تَخَلَّفوا في بَيْت فاطمة بنتِ رسول اللهِ إِلَه
وَتَخَلَّفَ عنها الأنصار بأجمعها في سَقيفة بني ساعدة، واجتمعَ المُهاجرونَ إلى أبي بكر ، فقلت له :
يا أبا بكرٍ ، انطلقْ بنا إلى إخواننا من الأنصار . فانطلقنا نؤُمُّهم حتى لقينا رجلان صالحان ، فذكرالنا الذي
صنعَ القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلت: نريدُ إخواننا هؤلاء(٢) من الأنصار . فقالا:
لا عليكم أن لا تَقْرَبوهم، واقْضوا أمْرَكُمْ يا معشر المهاجرين ، فقلت : والله لنَأْتِنَّهُمْ، فَانْطَلَقنا حتى
جِثْناهم في سَقيفة بني ساعدة ، فإذا هم مُجْتمعون ، وإذا بينَ ظَهرانيهم رجلٌ مُزَمَّلٌ ، فقلت : منْ هذا؟
قالوا : سعدُ بن عُبادة . فقلت : ما له؟ قالوا: وجعٌ. فلما جَلَسْنا قام خَطيبُهم، فأثْنى على الله بما هُوَ
أهْلُه، وقال: أما بَعْدُ فنحنُ أنصارُ الله وكتيبةُ الإسلام، وأنتم يا مَعْشَرَ المُهاجرين رَهْطٌ منّا٣) وقد دَقَّتْ
داقَّة٤ُ) منكم يُريدون(٥) أن يختزلونا٦) من أصلنا ويحضُنونا(١) من الأمر . فلما سكت أردتُ أن أتكلّم ،
وكنتُ قد زَوَّرْتُ(٨) مقالةً أعْجَبَتْني ، أردتُ أن أقولها بينَ يَدَيْ أبي بكر وكنتُ أُداري منه بعضَ الحد٩ّ) ،
(١) بعدها في ط: ( فتمت ) .
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) ط : ( نبينا).
(٤) الدّافة: القوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد ( النهاية : دفف ).
(٥) ط : ( تريدون) وليس اللفظ في أ.
(٦) ط : ( تختزلونا). ويختزلونا من أصلنا، أي: يقتطعونا ويذهبوا بنا منفردين. ( النهاية : خزل).
(٧) ط : ( وتحصنونا ) ويحضنونا أي يخرجونا ( النهاية : حضن ) .
(٨) ط : (رويت). وزَوَّرتُ هيَّأْتُ وأصلحت (النهاية : زور).
(٩) الحَدُّ والحدَّةُ سواء من الغضب، يقال: حدَّ يحدُّ حدّاً وحدّة إذا غضب ( النهاية: حدد).
٣٤٦
قصة سقيفة بني ساعدة
وهو كان أخلمٌ(١) مني وأوْقَرَ ، واللهِ ما تركَ من كلمةٍ أعْجَبَتني في تَزْويري إلا قالها في بديهته وأفضل(٢)
حتى سكت . فقال : أمّا بعدُ ، فما ذكَرْتُم من خير فأنتم أهله ، وما تَعْرف العربُ هذا الأمر إلا لهذا الحيِّ
من قُرَيش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رَضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين ، أيهما شئتم . وأخذ
بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح ، فلم أكره ممّا قال غيرها ، وكان واللهِ أن أُقَدَّم فتُضرب عُنْقي لا يُقَرِّبني
ذلك إلى إثم أحَبِّ إليّ أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر ، إلا أن تَغَيَّر نفسي عند الموت ، فقال قائلٌ من
الأنصار : أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك(٣) وعُذَيْقُهَا المُرَجَّب ، منا أمير، ومنكم أمير ، يا معشر قريش ، فقلت
المالك : ما يَعْني أنا ◌ُذَيْلُها المُحَكَّكِ وعَذَيْقُها المُرَجَّب(٤) قال : كأنه يقول : أنا داهيتُها - قال: فكَثُرُ
اللَّغَطُ وارتَفَعَت الأصْواتُ حتى خشينا الاختلاف . فقلت: ابسُطْ يَدَكَ يا أبا بكرٍ . فَبَسَط يَدَه ، فبايَعْتُهُ
وبايَعَه المُهاجِرون، ثم بايَعَه الأنْصَارُ ، ونَزَوْنا على سَعْدِ بن عبادة ، فقال قائلٌ منهم: قَتَلْتُم سَعْداً .
فقلت : قَتَلَ اللهُ سَعْداً. قال عمر : أما والله ما وَجَدْنا فيما حضرنا أمراً هو أوفقَ من مُبايعة أبي بكر ،
خَشينا إنْ فارَقنا القومَ ولم تَكُنْ بيعةٌ أن يُحْدِثُوا بَعْدَنا بيعةً، فإما نُبايعهمُ(٥) على ما لا نَرْضَى ، وإما أن
نُخالِفَهم فيكون فساد ، فمن بايعَ أميراً عن غير مَشورة المُسلمين فلا بيعةً له ، ولا بيعةَ للذي بايَعه تَغِرَّةَ أن
يُقْتَلا . قال مالك : فأخبرني ابنُ شهاب، عن عروة : أنّ الرجلين اللذين لَقياهما عُوَيْمٌ بنُ ساعِدَة
ومَعْنُ بن عدي . قال ابنُ شهاب : وأخبرني سعيدُ بن المُسَيّب أنَّ الذي قال: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ
وعُذَيْقُها المُرَجَّب . هو الحباب بن المنذر . وقد أخْرَجَ هذا الحديث الجماعة(٦) في كتبهم ، من طرقٍ عن
مالكِ وغيرِه ، عن الزهري به .
وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا معاوية بن(٨) عمرو، ثنا زائدة، ثنا عاصم (ح) وحدّثني حسين بن
علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: لما قُبض رسولُ الله ◌ِهِ .
(١) ط : ( أحكم).
(٢) ط: ( بلغطته وقصر ) .
(٣) جذيل تصغير جِذْل ، وهو العود الذي يُنْصبُ للإبل الجربى لتحتكّ به ، وهو تصغير تعظيم، أي : أنا ممن يُسْتَشفى
برأيه ، كما تستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود . ( النهاية : جذل ) .
الرُّجْبةُ : أن تُعْمَدَ النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها أن تقع ، ورَجَّبْتُها
(٤)
فهي مُرَجَّبة . والعُذيْق : تصغير العَذق - بالفتح - وهي النخلة تصغير تعظيم ( النهاية : رجب ) .
(٥) أ : ( نتابعهم ) .
(٦) البخاري (٦٨٣٠، ٢٤٦٢، ٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٧٣٢٣)، ومسلم (١٦٩١) (١٥) وابن ماجه
(٢٥٥٣) أبو داود (٤٤١٨) والترمذي (١٤٣٢)، والنسائي في السنن الكبرى (٧١٥٦ - ٧١٦٠).
(٧) في المسند (٢١/١) من حديث معاوية بن عمرو، وحسين بن علي و(٤٠٥/١) من حديث معاوية بن عمرو
و(٣٩٦/١) من حديث حسين بن علي ، وهو حديث صحيح .
(٨) ط: (عن) تحريف، وانظر سير أعلام النبلاء (١٠ / ٢١٤).
٣٤٧
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
قالت الأنصار : مِنّا أميرٌ ومِنْكُم أميرٌ، فأتاهم عُمَر فقال: يا معشرَ الأنْصار ألستم تعلمون أن رسولَ الله وَه
قد أمر أبا بكر أن يَؤُمّ الناسَ ؟ فَأَيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذُ بالله أن نتقدم
أبا بكر. ورواه النَّسائي(١)، عن إسحاق بن راهويه. وهنَّاد بن السَّريّ، عن حسين بن علي الجُعْفي، عن
زائدة به. ورواه علي بن المديني ، عن حسين بن علي ، وقال : صحيح ، لا أحفظه إلا من حديث زائدة،
عن عاصم. وقد رواه النسائي(٢) أيضاً من حديث سَلَمَة بن نُبَيْط عن نُعَيْم بن أبي هند، عن نُبَيْط بن
شَريط ، عن سالم بن عُبيد ، عن عمر مثله ، وقد رُوي عن عمر بن الخطاب نحوه من طريقٍ آخر .
وجاء من طريقٍ مُحَمَّد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزُّهْري ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله ،
عن ابن عباس ، عن عمر ، أنّه قال : قلت : يا مَعْشَرَ المسلمين ، إن أوْلى النّاسِ بأمر نبيِّ الله ثانِيَ اثْنَيْن إذ
هُما في الغارِ أبو (٣) بكر السّاقُ المُبينَ(٤)، ثم أخذتُ بيده، وبَدَرَني رجلٌ من الأنصار ، فضربَ على يده
قبلَ أن أضربَ على يده ، ثم ضَرَبْتُ على يدَه وَتَتَابِعُ(٥) الناس .
وقد روى محمد بن سعد(٦) ، عن عامرٍ بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد(٧) عن
القاسم بن محمد ... فذكر نَحْواً من هذه القصة ، وسمَّى هذا الرجل الذي بايع الصدّيقَ قبلَ عمَرَ بن
الخطاب ، فقال : هو بَشير بن سَعْدٍ ، والد النعمان بن بشير .
ذِكْرُ
اعْتِرافِ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ بصِحَّةٍ ما قالَهُ الصِّدِّيقُ يَوْمَ السَّقيفَةِ
قال الإمام أحمد(٨): حدَّثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأوَذي، عن حُمَيْد بن
(١) النسائي (٧٧٦)، وإسناده حسن .
(٢) السنن الكبرى للنسائي (٨١٠٩، ١١٢١٩).
(٣) أ، ط : ( وأبو ) والواو زائدة .
(٤) ط : ( المسنّ ) .
(٥) ط : ( وتبايع ) .
(٦) الطبقات الكبرى (٣/ ١٨٢).
(٧) ط : ( سعد) تحريف . وهو يحيى بن سعد بن قيس بن عمرو، وقيل : يحيى بن سعيد بن قيس بن قهد عالم
المدينة في زمانه أبو سعيد الأنصاري الخزرجي البخاري المدني القاضي . سمع من القاسم بن محمد ، وروى عنه
حماد بن زيد وغيره . توفي سنة ثلاث وأربعين ومئة ( سير أعلام النبلاء ٤٦٨/٥ - ٤٨١).
(٨) مسند الإمام أحمد (٥/١)، وإسناده ضعيف لانقطاعه، فإن حميد بن عبد الرحمن وهو الحميري لم يدرك أبا بكر
ولا عمر. وقوله: ((توفي رسول الله ... )) له شاهد من حديث عائشة عند البخاري رقم (١٢٤١) و(٣٦٦٧).
وقوله: ((لو سلك الناس وادياً .. )) له شاهد من حديث أنس عند البخاري (٣٧٧٨) وآخر من حديث أبي هريرة عند =
٣٤٨
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
عبد الرحمن، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ لَه وأبو بكر رضي الله عنه في طائفة (١) من المدينة . قال : فجاء
فكشف عن وجهه فَقَبَّلَهُ ، وقال: فِدىّ لَكَ (٢) أبي وأمي ما٣) أطيبك حَيّاً ومَيِّتاً، مات محمدٌ وربِّ
الكَعْبة ... فذكر الحديث . ( قال: فانطلقَ أبو بكر وعمر يتقاودان(٤) حتى أتَوْهم ، فتكلَّم أبو بكر ، فلم
يترك شيئاً أُنْزِلَ في الأنصار، ولا ذكره رسول الله من شأنِهِم إلا ذكره (٥) وقال: لقد علمتم أنَّ
رسول الله وَّه قال: لو سلك الناسُ وادياً، وسلكت الأنصارُ وادياً، سلَكْتُ واديَ الأنْصار. ولقد علمْتَ
يا سعدُ أنَّ رسولَ اللهَِّه قال : - وأنتَ قاعدٌ - قريشٌ ولاةُ هذا الأمر، فبرُّ الناس تَبَعّ لبرِّهم، وفاجرُهم تَبَعٌ
الفاجرهم . فقال له سعد: صدقتَ ، نحن الوزراءُ وأنتم الأمراءُ .
وقال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا عليّ بن عيّاش (٧)، ثنا الوليد بن مسلم ، أخبرني يزيد بن سعيد بن ذي
عَصْوان العَبْسي ، عن عبد الملك بن عُمَيْر(٨) اللَّخْمي ، عن رافع الطائي رفيق أبي بكر الصّدّيق في غزوة
ذات السلاسل، قال : وسألتُه عمّا قيل في بيعتهم ، فقال: وهو يُحَدِّثه عما تَقَاوَلَت به الأنصار ، وما
كلَّمَهم به ، وما كلَّم به عمرُ بن الخطاب الأنصار، وما ذكّرهم به من إمامتي إياهم بأمرِ رسولِ الله وَّ فِي
مَرَضِهِ ، فبايعوني لذلك وقبلتُها منهم ، وتحوَّفتُ أن تكونَ فتنةٌ بعدَها رِذَّة. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ . ومعنى
هذا أنه رضي الله عنه، إنما قبل الإمامةَ، تَخَوفاً أن تقعُ(٩) فتنةٌ أزْبَى منْ تَزْكِهِ قبولها رضي الله عنه، وأرضاه.
قلت : كان هذا ١٠) في بقيّةِ يوم الإثنين فلما كان الغدُ صَبيحةَ يومِ الثلاثاء اجْتَمَعَ الناسُ في المسجد
فَتُمَّمَت البيعةُ من المهاجرين والأنصار قاطبةً، وكان ذلك قبل تَجْهيز رسول الله وَلَ .
قال البخاري(١١) : أنبأنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام ، عن مَعْمر ، عن الزُّهري ، أخبرني أنس بن
مالك، أنه سمعَ خطبةَ عُمَرَ الأخيرةَ حينَ جلس على المنبر، وذلك الغدُ من يوم توفِّي رسول الله وَرَ ،
البخاري (٣٧٧٩) وقالت من حديث أبي بن كعب عند الترمذي رقم (٣٨٩٦) وقوله: ((قريش ولاة هذا الأمر .. )) له
=
شاهد من حديث أبي هريرة وعند البخاري (٣٤٩٥) ومسلم رقم (١٨١٨) وغيرهم، فهو حديث صحيح لغيره .
(١) ط : ( صائفة).
(٢) ط : ( فداك ).
(٣) ليس اللفظ في ط .
ط : ( يتعادان ) تحريف .
(٤)
ليس ما بين القوسين في أ .
(٥)
(٦) مسند الإمام أحمد (٨/١).
(٧) ط: ( علي بن عباس). وانظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٣٨).
(٨) ط: (نضير) وانظر سير أعلام النبلاء ٤٣٨/٥.
(٩) ط : ( يقع ) .
(١٠) أ : (هذا كان بقية) .
(١١) البخاري (٧٢١٩) .
٣٤٩
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
وأبو بكر صامتٌ لا يَتَكلَّمُ ، قال: كنت أرجو أن يعيشَ رسولُ اللهِ وَ له حتى يَدْبُرَنا - يريد بذلك(١) - أن
يكون آخرهم - فإنْ يَكُ محمدٌ قد مات فإنَّ الله تعالى قد جعل بينَ أظْهُرِكُم نوراً تهتَدُون به ، هدى الله
محمداً بَّهِ وإن أبا بكر صاحبُ رسول الله وَّهَ وثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين (٢) بأموركم، فقوموا
فبايعوه ، وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سَقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المِنْبَرِ . قال
الزهريّ : عن أنس بن مالك : سمعتُ عمر يقول يومئذ لأبي بكر : اصْعَدِ المِنْبَرَ! فلم يزل به حتى صعد
المنبر فبايعه عامة الناس .
وقال محمد بن إسحاق (٣) : حدّثني الزُّهْري، حدّثني أنس بن مالك، قال: لما بُويعَ أبو بكر في
السَّقيفةِ، وكان الغدُ ، جلسَ أبو بكرٍ على المنبر، وقام عمر فتكلَّم قبلَ أبي بكر ، فَحَمِدَ اللهَ ، وأَثْنَى عليه
بما هو أهله ، ثمَّ قال : أيّها النّاسُ ، إني قد كنتُ قلتُ لكم بالأمس مقالةً ما كانت مما وجدتُها في كتاب
الله، ولا كانت عهداً عَهِدَهُ(٤) إليَّ رسولُ الله ◌َّهِ ولكني كنتُ أرى أن رسولَ الله سيَدْبُرُ أمرنا - يقول : يكون
آخرنا - وإنّ(٥) اللهَ قَد أبْقَى فيكم كتابَهُ الذي هَدَى به(٦) رسول الله ◌َِّ فإن اعْتَصَمْتُم به هداكم الله ، لما كان
هداه له (٧). وإن الله قدْ جَمَعَ أمْرَكُم على خيركم، صاحبِ رسولِ الله وَّل وثاني اثنين إذ هما في الغار ،
فقوموا فَبايعُوه ، فبايع الناسُ أبا بكر بيعةَ العامةِ بعد بيعةِ السَّقيفة، ثمَّ تَكلَّم أبو بكر ، فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه
بما هو أهلُه . ثم قال: أما بعدُ ، أيُّها الناسُ ، فإنّي قد وُلِيتُ عَلَيْكم ولستُ بِخَيْرِكُم ، فإن أحْسَنْتُ
فأعينوني ، وإن أسأتُ فقوِّموني ، الصدقُ أمانةٌ ، والكَذِبُ خيانةٌ، والضَّعيفُ فيكم(٨) قويّ عندي حتى
أُريحَ عليه حقّه(٩) إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذَ منه الحقّ ، إن شاء الله، لا يَدَعُ قومٌ الجِهادَ
في سبيلِ الله إلا ضَرَبَهُم اللهُ بالذُّلِّ، ولا تَشيعُ الفاحشَةُ في قوم قط ١٠) إلّا عَمَّهُمُ اللهُ بالبلاء ، أطيعوني
ما أطَعْتُ اللهَ ورسولَه ، فإذا عَصَيْتُ اللهَ ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .
وهذا إسنادٌ صحيحٌ . فقوله : رضي الله عنه : - وَلِيْتُكُم ولستُ بخَيْركم - من باب الهَضْم والتَّواضعِ ،
فإنَّهم مُجْمِعون على أنه أفضلُهم وخَيْرُهم رضي الله عنهم .
(١) ط : ( ذلك ).
(٢) أ : ( المؤمنين ) .
(٣) سيرة ابن هشام (٦٦٠/٢ - ٦٦١).
(٤)
ط : ( عهدها ) .
(٥) ليس اللفظ في ط .
(٦) أ : ( الذي هو به هدى ) .
(٧) ط : ( هداه الله له ) .
(٨) ط : ( منكم ) .
(٩) ط: (حتى أزيح علته إن شاء الله) وفيها تحريفان ونقص. وأرحتُ على الرجل حقّه: إذا رَدَدْتُه عليه (اللسان: روح).
(١٠) ط : ( ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا).
٣٥٠
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
وقال الحافظُ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن محمد الحافظ الإسْفراييني ، ثنا أبو علي
الحسين بن عليّ الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وإبراهيم(١) بن أبي طالب ، قالا : ثنا
بندار بن بشّار(٢) ، ثنا أبو هشام المَخْزومي، ثنا وُهَيْب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نَضْرة، عن أبي سعيد
الخُذْري، قال: قُبضَ رسولُ اللهِوَّهِ، واجتمعَ الناسُ في دارِ سَعْدٍ بن عُبادة ، وفيهم أبو بكر وعمر . قال:
فقام خطيبُ الأنْصَارِ فقال: أتعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِ وََّ كانَ من المُهاجرين ، وخليفتُه من المهاجرين ،
ونحن كنّا أنصارَ رسول اللهِ ونحنُ أنصارُ خليفَتِه كما كنا أنصارَه . قال : فقام عمرُ بن الخطّاب فقال :
صَدَقَ قائِلُكُمْ، أما لو قُلْتُم غيرَ هذا لم نتابعكم ، وأخذَ بيد أبي بكرٍ ، وقال : هذا صاحبُكُم فبايعوه .
فبايَعَهُ عُمَر، وبايَعُه المهاجرون والأنصارُ . قال : فصَعِدَ أبو بكرِ المِنْبر فنظرَ في وجوه القومِ فلم يَرَ الزُّبَيْرَ.
قال: فَدَعا بالزُّبَيْرِ فجاء، فقال: قلتَ: ابنُ عَمَّةِ رسولِ الله وَّه وحوارِيُّه أردتَ أَن تشُقَّ عصا
المسلمين !؟ فقال: لا تَثْرِيبَ يا خليفة رسولِ اللهِ وَ، فقام فبايعه. ثم نَظَر في وجوهِ القَوْمِ فلم يَرَ
عليّاً ، فدعا بعليٍّ بن أبي طالب فجاء، فقال: قلتَ: ابنُ عمِّ رسول الله بِّهِ وخَتْنُه على ابنته، أَرَدتَ(٣)
أن تشقَّ عصا المُسلمين. قال: لا تَثْرِيبَ يا خليفةَ رسولِ اللهِوَّر. فبايعه. هذا أو معناه. وقال أبو عليّ
الحافظ : سمعتُ محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث.
فكتبتُهُ له في رقعةٍ ، وقرأتُه عليه، وقال(٤) : هذا حديثٌ يَسْوى بَدَنةً (فقلت: يَسْوِى بَدَنَةَ (٥). بل
يَسْوَى بِدْرة .
وقد رواه البيهقي(٦)، عن الحاكم، وأبي محمد بن [ أبي] حامد المُقْرىء، كلاهما عن
أبي العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن عفّانَ بن مسلم ، عن وُهَيْب
به . ولكن ذَكَر أنّ الصّدّيق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر . وفيه : أنَّ زيد بن ثابتٍ أخَذَ بید
أبي بكر ، فقال : هذا صاحبُكم فبايعوه ثم انْطَلِقوا . فلما قَعَد أبو بكر على المنبرِ نظَر في وجوهِ القومِ فلم
يَرَ عَلِيّاً ، فسألَ عنه، فقام ناسٌ من الأنصار فأتوا به ... فذكر نحوَ ما تقدَّم، ثم ذكر قصةَ الزُّبِيرَ بعدَ
عليٍّ ، فالله أعلم(٧) .
(١) ط: (وابن إبراهيم) وفيه لفظ زائد. انظر سير أعلام النبلاء (١٣ / ٥٤٧).
(٢) ط: (ميدار بن يسار) وفيه تحريفان وانظر سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٤٤).
(٣) ط: ( لو قلتم على [ غير ] هذا لم نبايعكم ).
(٤) ليس اللفظ في ط .
ليس ما بين القوسين في ط .
(٥)
(٦) في ((الكبرى)) (٨/ ١٤٣).
(٧) بعد هذا في أ: ((وقد رواه الإمام أحمد عن النضر، عن وهيب، مختصراً)). وهي عبارة غير صحيحة فإن الإمام
أحمد لم يخرج مثل هذا في مسنده ، ولا توجد في المسند رواية للنضر عن وهيب أصلا ( بشار) .
٣٥١
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
وقد رواه علي بن عاصم عن الجُرَيْري ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُذْري ... فذكر نحو ما
تقدم . وهذا إسنادٌ صحيحٌ محفوظٌ من حديث أبي نَضْرَة المُنْذِر بن مالك بن قِطْعَة ، عن أبي سَعيدٍ
سعدِ بن مالكِ بن سِنانِ الخُدريّ ، وفيه فائدةٌ جليلةٌ ، وهي مُبَايَعَةُ عليّ بن أبي طالب ، إمّا في أول يوم ،
أو في اليوم الثاني من الوفاة . وهذا حقٌّ ، فإنَّ عليّ بن أبي طالب لم يفارق الصّدّيق في وقت من
الأوقات ، ولم يَنْقَطِعْ في صلاةٍ من الصلواتِ خَلْفَه ، كما سنذكره ، وخرجَ معه إلى ذي القَصَّةِ ، لما
خَرَجَ الصِّديقُ شاهراً سيفَه يريد قِتالَ أهلِ الرِّدّة، كما سَنُبُيَّنُه قريباً ، ولكن لما حَصَلَ من فاطمة ، رضي الله
عنها ، عَتْبٌ على الصِّدِّيق بسبب ما كانت متوهِّمةً من أنها تَسْتَحِقُّ ميراثَ رسول الله وََّ ، ولم تَعْلَم بما
أخبرها به الصّدّيق، رضي الله عنه، أنه قال: ((لا نُورَثُ ما تَرَكْنا فهو صَدَقَةٌ )) فَحَجَبها وغيرها من أزْواجِهِ
وعَمَّه عن (١) الميراث بهذا النصّ الصَّريح كما سنُبيِّن ذلك في موضعه، فسألَتْهُ أن ينظُرَ عليٍّ زوجها٢)
في صَدَقَّةِ الأرضِ التي بخَيْبَر وفَدك ، فلم يُجِبْها إلى ذلك. لأنَّه رأى أنَّ حقّاً عليه أن يقومَ في جميع ما كان
يتولّه رسولُ الله ◌ِّهَ. وهو الصادِقُ البارُّ الراشدُ التابعُ للحقِّ، رضي الله عنه، فحَصَلَ لها - وهي امرأةٌ
من البشر ليست بواجبة(٣) العِصْمَة ◌ِ عَتْبٌ وتَغَضُّبٌ، ولم تُكَلِّم الصّدِّيقَ حتى ماتت ، رضي الله عنها ،
واحتاجَ عليّ أن يُراعيَ خاطِرَها بعضَ الشيء ، فلما ماتَتْ بعدَ ستَّةِ أشْهُرٍ من وفاةِ أبيها وََّ رأى عليٍّ أن
يُجَدِّد البَيْعَةَ مع أبي بكر ، رضي الله عنه، كما سنذكره من ((الصحيحين)) وغيرهما فيما بعدُ ، إن شاء
الله تعالى، مما تقدَّمَ له من البَيْعَةِ قبلَ دَفْنِ رسولِ الله وَّهَ، ويزيدُ ذلك صحةً قولُ موسى بن عقبة في
((مغازيه )(٤) ، عن سعد بن إبراهيم ، حدّثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأنّ
محمد بن مسلمة كَسَر سَيْفَ الزُّبير، ثم خَطَبَ أبو بكر ، واعتذر إلى الناس ، وقال : ما كنتُ حَريصاً على
الإمارة يوماً ولا ليلةً، ولا سَأَلْتُها في سرٍّ ولا عَلانيةٍ، فقبل المُهاجرون مقالَتَه. وقال عليٌّ والزُّبَيْر :
ما غَضِبنا إلا لأنّا أُخِّرْنا عن المَشورةِ ، وإنا نرَى أنّ أبا بكر أحَقُّ الناسِ بها ، إنّه لصاحبُ الغارِ ، وإنا
لنعرفُ شَرَفَهُ وَخَيْرَه(٥)، ولقد أمَرَهُ رسولُ اللهِ نَّهَ بالصلاةُ(٦) بالناس وهو حيٌّ. إسنادٌ جيدٌ واللهِ الحَمْدُ
والمِنَّةُ(٧) .
(١) ط : (وعن ) والواو زائدة .
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) ط: ( براجيه ) .
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٢/٨ - ١٥٣).
(٥) ط : ( خبره) وعند البيهقي : ( كبره) .
(٦) ط : ( أن يصلّي).
(٧) ليس اللفظ في أ .
٣٥٢
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
فصل
ومن تَأَمَّلَ ما ذَكَرْناهُ ظَهَرَ له إجماعُ الصَّحابة - المُهاجرين منهم والأنصار - على تقديم أبي بكر ، وظَهَر
بُرْهان قوله عليه الصلاة والسلام: ((يَأْبَى اللهُ والمُؤْمنون إلا أبا بكر )). وظَهَرَ له أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ِّ لم يَنُصَّ على
الخلافةِ عَيْناً لأحدٍ من الناس ، لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفةٌ من أهل السنة، ولا لعليَّ كما يقولُه طائفةٌ
الرافِضَةِ ، ولكن أشار إشارة قويةً يفهمُها كلُّ ذي لُبِّ وعقلٍ إلى الصّدّيق كما قدمنا و[ كما ] سنذكره. ولله
الحمد .
كما ثبت في « الصحيحين (١) من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ابن عمر : أن عمر بن
الخطاب لما طُعِنَ قيل له : ألا تَسْتَخْلفُ يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال: إن أَسْتَخْلِفْ فقد استَخْلَف من هو خير
مني. يعني - أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خيرٌ مني. يعني رسول الله وَّه. قال ابن عمر: فعرفتُ
حينَ ذكَر رسولَ اللهِوَ أنّه غير مُسْتَخْلِفٍ .
وقال سفيان الثوري(٢): عن الأسود(٣) بن قيس، (عن عمرو بن سفيان)٤)، قال: لما ظَهَرَ
عليٍّ على الناس [ يوم الجمل]°). قال: يا أيُّها النّاس إن رسول الله وَ له لم يعهدْ إلينا في هذه الإمارة
شيئاً ، حتى رَأَيْنَا مِنَ الرَّأْي أن نستخلف(٦) أبا بكر ، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ، ( ثم إن أبا بكر رأى
من الرأي أن يستخلف عُمَرَ فأقام واستقام حتى مضى لسبيله (٧) - أو قال حتى ضرب الدِّين بِجِرانِهِ(٨) -
إلى آخره . وقال الإمام أحمد(٩) : ثنا أبو نُعيم ، ثنا شريكٌ، عن الأسود بن قيس ، عن عمرو بن
سفيان، قال : خَطَبَ رَجُلٌ يومَ البصرةِ حينَ ظهرَ عليّ، فقال عليّ: هذا الخَطيبُ الشَّحْشَح١٠ُ)، سبقَ
(١) البخاري (٧٢١٨) و(١٨٢٣) (١١).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٢٢٣/٧).
(٣) في ط، أ: ((عمرو بن قيس))، خطأ، وما أثبتناه من دلائل النبوة للبيهقي، نعم ، روى سفيان الثوري عن عمرو بن
قيس ، ولكننا لا نعرف رواية لعمرو بن قيس عن عمرو بن سفيان ، بله تفرد الأسود بن قيس بالرواية عن عمرو بن
سفيان ، وبعضهم يضيف في الرواة عنه (( مساور))، كما في تهذيب الكمال وغيره ( بشار).
(٤) ليس اسم هذا الراوي في أ .
(٥)
ما بين الحاصرتين من دلائل النبوة .
(٦) ط : ( يستخلف ) .
(٧)
ليس ما بين القوسين في أ .
أي قرَّ واستقام ، كما أن البعير إذا برك واستراح مدّ عُنَقه على الأرض والجراب باطن العنق ( النهاية : جرن).
(٨)
(٩) مسند الإمام أحمد (١٤٧/١)، وهو حديث ضعيف لجهالة عمرو بن سفيان ، ولأنه لم يدرك علياً رضي الله عنه ،
فضلاً عن ضعف شريك .
(١٠) الخطيب الشحشح، أي: الماهر الماضي في كلامه (النهاية: شحح) وقد حرف اللفظ في أ، ط إلى (السجسج).
٣٥٣
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
رسولُ الله ◌َّهِ، وصلَّى أبو بكر، وثَلَّثَ عُمر، ثم خَطَبَتْنَا فِتْنَةٌ بعدهم يَصْنَعُ الله فيها ما يشاء .
وقال الحافظ البيهقي(١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد المُزَكِّي (٢) بمَزْؤُ(٣)
ثنا عبد الله بن رَوْحِ المَدائني ، ثنا شَبابةُ بن سَوّار ، ثنا شُعيبُ بن ميمونٍ ، عن حُصَيْن بن عبد الرحمن ،
عن الشعبي ، عن أبي وائل ، قال : قيل لعليّ بن أبي طالب : ألا تَسْتَخْلفُ علينا؟ فقال: ما اسْتَخْلَفَ
رسولُ الله ◌َّهِ فَأَسْتَخْلِفَ، ولكن إن يُردِ اللهُ بالنّاسِ خيراً فَسَيَجْمَعُهم بعدي على خيرهم ، كما جَمَعَهم بعدَ
نبيِّهم على خيرهم. إسنادٌ جيدٌ ولم يخرجوه . وقد قدَّمنا ما ذكره البخاري(٤) من حديث الزُّهْري ، عن
عبد الله بن كعب بن مالك، عن ابن عباس: أنَّ عبّاساً وعَلِيّاً لما خرجا من عند رسول الله وَّر ، فقال رجل
كيفَ أصبحَ رسول الله ◌َّرَ؟ فقال عليّ: أصبحَ بحمدِ الله بارئاً. فقال العباس: إنَّك واللهِ بعدَ ثلاثٍ(٥)
عبد العصا ، إني لأعرف في وجوه بني هاشم الموت، وإني لأرى في وجهِ رسولِ اللهِوََّ الموتَ، فاذهبْ
بنا إليه فنسألَه فيمن هذا الأمرُ؟ فإنْ كانَ فينا عَرَفْناهُ ، وإن كان في غيرنا أمرنا(٦) فَوَصّاهُ بنا . فقال عليّ :
إنّي لا أسأله ذلك ، واللهِ إن مَنَعَناها لا يُعْطِيناها الناسُ بعده أبداً .
وقد رواه محمد بن إسحاق(٧) عن الزُّهري به ... فذكر(٨) .
وقال في آخره : فتُوِّيَ رسولُ الله ◌َِّ حين اشتدَّ الضُّحَى من ذلك اليوم .
قلت : فهذا يكون في يوم الإثنين يوم الوفاة ، فَدَلَّ على أنّه عليه الصلاة والسلام تُوفِّي عن غير وَصِيَّةٍ
في الإمارة. وفي (( الصحيحين)(٩) عن ابن عباس: إنَّ الرزيةَ كلَّ الرَّزيَّة م(١) حالَ بينَ رسولِ الله وَيه
وبينَ أن يَكْتُبَ ذلك الكتابَ . وقد قدَّمنا أنَّه عليه الصلاة والسلام ، كان طلب أن يكتُبَ لهم كتاباً لن يَضِلُّوا
بعدَه ، فلما أكثروا الَّلَغَطَ والاختلافَ عنده، قال: ((قوموا عنِّي، فما أنا فيه خيرٌ ممّا تَدْعونني إليه)).
وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك: (( يَأْبَى اللهُ والمُؤمنون إلا أبا بكر )).
(١) دلائل النبوة (٢٢٣/٧).
(٢) أ، ط : ( الزكي).
(٣)
ليس اللفظ في ط .
تقدم . وانظر أيضاً البخاري ( ٦٢٦٦).
(٤)
ط : ( إنك والله عبد العصا بعد ثلاث ) وتقدم الحديث عن عبد العصا .
(٥)
أي سألناه ، انظر فتح الباري (٦٠/١١) .
(٦)
سيرة ابن هشام (٢/ ٦٥٤).
(٧)
بعدها في ط : ( وقال فيه : فدخلا عليه في يوم قبض ◌َّ# فذكره ) .
(٨)
(٩) البخاري (١١٤، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦) ومسلم (١٦٣٧) (٢٥).
(١٠) ليس لفظا (كل الرزّية) في ط.
٣٥٤
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
وفي (( الصحيحين )(١): من حديث عبد الله بن عَوْنٍ، عن إبراهيم التيمي (٢) ، عن الأسود ، قال :
قيل لعائشة: إنَّهم يقولون إنَّ رسول الله وَّل أوصى إلى عليّ، فقالت: بمَ أوصى إلى عليّ!؟ لقد دَعا بطَسْتٍ
ليبولَ فيها، وأنا مُسْندتُه إلى صدري فانْخَنَثَ(٣) فمات وما شعرتُ فيمَ يقول هؤلاء: إنَّه أوصى إلى علي !! ؟
وفي (( الصحيحين (٤) ، من حديث مالك بن مِغْولٍ، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ ، قال : سألتُ
عبد الله بن أبي أوْفَى: هل أوْصَى رسولُ اللهِّهِ؟ قال: لا . قلتُ: فلمَ أُمِرْنا بالوصِيَّةِ ؟ قال : أوصى
بكتابِ الله عزَّ وجلَّ. قال طلحة بن مُصَرِّفٍ: وقال هُزَيْل(٥) بن شُرَحْبيل : أبو بكر يَتَأْمَّر على وَصِيٍّ
رسولِ الله ◌َِّ؟ وذَّ أبو بكرٍ أَنَّ وَجَدَ عهداً من رسول الله ◌َلاَ فَخَزْمَ أنْفَهُ بِخِزامِهٍ(٦).
وفي ((الصحيحين (٧) أيضاً من حديث الأعمش ، عن إبراهيم التَّيْمي ، عن أبيه . قال: خَطَبنا
عليٌّ بنُ أبي طالب ، رضي الله عنه، فقال: منْ زَعَم أنَّ عندنا شيئاً نقرأه ليس(٨) كتاب الله وهذه الصحيفة
- لصحيفةٍ مُعَلَّقَةٍ في سيفه فيها أسنانُ الإبل وأشياءُ من الجراحات - فقد كذب. وفيها قال رسول الله التالي :
((المدينةُ حَرَمٌ ما بينَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ من أحْدَثَ فيها حَدَثاً أو آوَى مُحْدثاً فَعَليْهِ لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ
أجمعين ، لا يقبلُ اللهُ منه يومَ القيامةِ صرفاً ولا عدلًا ، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه ،
فعليه لعنةُ اللهِ والمَلائكةِ والناسِ أجمعين، لا يَقْبلُ اللهُ منه يومَ القيامةِ صَرْفاً ولا عَدْلًا، (وذِمَّةُ المسلمين
واحدةٌ يَسْعَى بها أدْناهم ، فمنْ أخْفَر مسلماً فعليه لعنةُ اللهِ والملائكة والناس أجْمَعين ، لا يقبلُ الله منه يومَ
القيامةِ صَرْفاً ولا عَدْلًا ) )(٩) .
وهذا الحديث الثَّابِتُ في (( الصَّحيحين)) وغيرهما١٠) عن عليّ، رضي الله عنه ، يردّ على فِرْقَةٍ
الرّافِضَةِ فِي زَعْمِهِم أن رسول اللهِ لَهُ أَوْصَى إليه بالخِلافَةِ ، ولو كان الأمرُ كما زَعَموا لما رَدَّ ذلك أحدٌ منَ
(١) البخاري (٢٧٤١، ٤٤٥٩) ومسلم (١٦٣٦).
(٢) في فتح الباري (٣٦١/٥) و(١٤٨/٨) أنه النخعي لا التيمي.
(٣) ط: ( فانخنف) تحريف . وانخنث . أي انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت (النهاية : خنث ).
(٤) البخاري (٢٧٤٠، ٤٤٦٠، ٥٠٢٢)، ومسلم (١٦، ١٧ / ١٦٣٤).
(٥) أ، ط: ( هذيل) تحريف. وانظر تهذيب التهذيب (١١/ ٣١).
(٦) ط: ( فخرم أنفه بخرامة ) والخِزامةُ حَلَقَةٌ من شعر تجعل في أحد جانبي منخري البعير يشدّ بها الزمام ( النهاية:
خزم ) قال بشار : وقد رأيت نساء أهل الريف والبدو يستعملون الخزامة للمرأة من ذهب على شكل القفل الصغير ،
أو القرط .
(٧) البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠/٤٦٧).
(٨) ط: ( ليس في ) وفي هنا زائدة لأن ليس بمعنى إلا.
(٩) ليس ما بين القوسين في أ .
(١٠) أبو داود (٢٠٣٤) والترمذي (٢١٢٧).
٣٥٥
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
الصحابة ، فإنَّهم كانوا أطْوَعَ للهِ ورسولِهِ وَّلَ في حياته، وبعد وفاته، من أنْ يَفْتاتو{(١) عليه فَيُقَدِّموا غيرَ منْ
قَدَّمَه، ويُؤَخِّروا مِنْ قَدَّمَهُ بنصِّه ، حاشا وكلا ولمَّا ، ومنْ ظنَّ بالصحابة ، رضوان الله عليهم ذلك ، فقد
نَسَبَهُم بأجمعهم إلى الفُجور والتَّواطُئِ على مَعَانَدَةِ الرسولِ لُّ ومَضَادَتِهِم في حُكْمِه ونَصِّه، ومنْ وَصَلَ
من الناسِ إلى هذا المقامٍ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ ، وكَفَرَ بإجماعِ الأئمةِ الأعْلام ، وكانَ إراقَةُ دَمِهِ أحَلَّ من
إراقَةِ المُدامٍ . ثُمَّ لو كانَ مَعَ عليٍّ بن أبي طالب، رضي الله عنهَ، نَصٌّ، فلِمَ لاَ كان يَحْتَجُ به على الصَّحابة
على إثباتِ إمارته عليهم وإمامتِه لهم ؟! فإن لَمْ يَقْدِرْ على تَنْفيذِ ما معه منَ النَّصِّ فهو عاجِزٌ ، والعاجِزُ
لا يَضْلُحُ للإمارةِ، وإن كان يَقْدِرُ ولم يَفعَلْهُ فهو خائنٌ ، والخائِنُ(٢) الفاسقُ مسلوبٌ مَعْزولٌ عن الإمارة،
وإن لم يَعْلَمْ بوجودِ النّصِّ فهو جاهل ، ثم وقد عرفه وعلمه منْ بَعْدِ هذا٣) ، محالٌ وافتراءٌ وجهلٌ
وضَلالٌ . وإنما يَحْسُنُ هذا في أذْمانِ الجَهَلَةِ الطَّعامِ والمغترِّين من الأنام ، يُزَيِّئُهُ لهم الشيطانُ بلا دليلٍ ولا
برهانٍ ، بل بمجردِ التَّحكْمِ والهذيانِ والإفكِ والبُهْتانِ ، عياذاً بالله مما هم فيه من التَّخْليط والخِذُلانِ
والتَّخْبِيطِ والكُفْران ، ومَلاَذَاً بالله بالتَّمِشُّكِ بالسُّنَّة والقرآنِ ، والوفاة على الإسلام والإيمان ، والمُوافاةِ
على الثَّبَاتِ والإيقانِ وتَثْقيل الميزانِ ، والنَّجاةِ من النيرانِ والفَوْزِ بالجِنان ، إنه كريمٌ منَّانٌ رحيمٌ رحمنٌ .
وفي هذا الحديث الثابت في ((الصحيحين)) عن عليَّ الذي قَدَّمْناه، ردٌّ على مُتَقَوّلةِ كثيرٍ من الطُّرُفِيَّةِ
والقُصّاصِ الجَهَلَةِ في دَعْواهم أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ أَوْصَى إلى عليٍّ بأشياء كثيرةٍ يَسُوقُونها مُطَوَّلةً : يا عليُّ افعلْ
كذا ، يا عليُّ لا تَفْعَلْ كذا ، يا عليُّ مِنْ فَعَلَ كذا ، كان كَذَا وكَذا ، بألفاظِ رَكيكةٍ ومعانٍ أكثرُها سخيفةٌ
وكثيرٌ منها ضعيفةً(٤) لا تُساوي تَسْويد الصَّحيفة . والله أعلم .
وقد أورد الحافظ البيهقي(٥) من طريق حمادٍ بن عمرو النَّصيبي - وهو أحدُ الكَذّابين الوضّاعين(٦) - عن
السَّريِّ بن خَلاّدٍ، عن جَعْفَر بن محمد، عن أبيه ، عن جدّه، عن علي بن أبي طالب، عن النبيِ وََّ ،
قال : يا عليُّ أوصيكَ بوَصِيَّةٍ احْفَظُها فإنَّكَ لا تزالُ بخيرٍ ما حَفِظْتها ، يا عليُّ إنّ للمؤمن ثلاثَ علاماتٍ :
الصلاةَ والصِّيامَ والزَّكاةَ . قال البيهقي: فذكَر حديثاً طويلاً في الرَّغائب والآداب ، وهو حديثٌ موضوعٌ ،
وقد شَرَطْتُ في أول الكتاب أنْ لا أُخْرِجَ فيه حديثاً أعْلَمُهُ موضوعاً . ثم روى(٧) من طريق حماد بن عمرو
(١) أفتات هو افتعل من الفوات: السبق يقال لكل من أحدث شيئاً في أمرك دونك: قد افتات عليه فيه. ( النهاية :
فوت ) .
(٢) أ : ( فهو جائر والجائر ) .
(٣) ط : ( من بعده هذا) .
(٤) ط : ( سخيفة ) .
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٢٢٩/٧).
(٦) ط : ( الصواغين ).
(٧) دلائل النبوة (٢٢٩/٧ - ٢٣٠).
٣٥٦
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
هذا، عن زيد بن رُفَيْع، عن مَكْحُولٍ الشامي، قال: هذا ما قال رسولُ اللهَ وَّ لعليٍّ بن أبي طالب حين
رَجَع من غَزْوة حُنَيْن، وأُنْزِلَتْ عليه سورةُ النَّصْرِ. قال البيهقي: فَذَكَرَ حَديثاً طويلاً في الفتنة ، وهو أيضاً
حديثٌ منكرٌ ليس له أصل ، وفي الأحاديث الصَّحيحة كفايةٌ . وبالله التوفيق .
وَلْنَذْكُر هاهنا ترجمةَ حَمادِ بن عمرو أبي إسماعيل النَّصيبي(١)، روى عن الأعمَش وغيره، وعنه
إبراهيم بن موسى ، ومحمد بن مِهْران ، وموسى بن أيوب ، وغيرهم . قال يحيى بن معين(٢): هو مِمَّن
يَكْذِب ويَضعُ الحديث. وقال عَمْرو بن علي الفَلَّس وأبو حاتمُ(٣): مُنْكرُ الحديث، ضعيفٌ جداً. وقال
إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجاني : كان يكذب . وقال البخاري(٤) : منكر الحديث . وقال أبو زرعة :
واهي الحديث . وقال النسائي(٥): متروك. وقال ابن حبان(٦): يضَعُ الحديث وَضْعاً. وقال ابن
عدي (٧) : عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه. وقال الدار قطني(٨): ضعيف . وقال الحاكم
أبو عبد الله : يَزْوى عن الثّقات أحاديثَ موضوعةً ، وهو ساقط بمَرَّةٍ .
فأما الحديث الذي قال الحافظ البيهقي (٩) : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا
حمزة بن العباس العَقَبِي ببغداد ، ثنا عبد الله بن رَوْحِ المَدائنيّ ، ثنا سلام بن سليمان المَدائني ، ثنا
سَلَّمُ بن سُلَيْم الطّويل، عن عبد الملك بن عبد الرحمن، عن الحسن العُرَنيُ (١٠) عن الأشعث بن طَليق ،
عن مُؤَّة بن شَراحيل، عن عَبْدِ الله بن مسعود، قال: لمّا ثَقُلَ رسولُ اللهِ لَ﴿ اجتمعنا في بَيْتِ عائشة ،
فنظرَ إلينا رسول الله بَّرَ فَدَمَعتْ عيناه، ثم قال لنا: قَدْ دنا الفِراقُ ونَعَى إلينا نَفْسه، ثم قال: مَرْحباً بكم
حَيّاكُم اللهُ، حَدَاكُمُ اللهُ، نَصَرَكُمُ اللهُ، نَفَعَكُمُ اللهُ، وَفَّقَكُمُ اللّهُ، سَذَّدَكُمُ اللّهُ، وَقاكُمُ اللهُ ، أعانَكُمُ اللهُ،
قَبِلَكُمُ اللهُ، أوصيكُمْ بِتَقْوَى الله، وأوصي اللهَ بكم وأسْتَخْلِفُهُ عليكم، إنّي لكم منه نذيرٌ مبينٌ أن لا تَعْلُوا
على اللهِ فِي عباده وبلاده؛ فإنّ اللهَ قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا
(١) ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (١٨/٣)، والمجروحين لابن حبان (٢٥٢/١)، والمغني في الضعفاء
(١٨٨/١) والضعفاء الكبير للعقيلي (٣٠٨/١).
(٢) تاريخ يحيى بن معين.
(٣)
الجرح والتعديل ( ١٤٤/٣).
(٥) الضعفاء والمتروكين للنسائي ( ١٦٧).
(٤)
التاريخ الكبير للبخاري (٢٨/٣).
(٦) الضعفاء والمجروحين لابن حبان (٢٥٢/١).
(٧) الكامل في الضعفاء لابن عدي (٢/ ٦٥٧).
(٨) الضعفاء والمتروكين للدار قطني (٧٧).
(٩) في ((دلائل النبوة)) (٢٣١/٧).
(١٠) أ: (القرني)، م: (المقبري). وهو الحسن بن عبد الله العُرَني البجلي الكوفي . انظر تهذيب التهذيب
(٢ /٢٩٠ - ٢٩١).
٣٥٧
اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق
فَسَادًا وَاَلْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وقال: ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِّلْمُتَكَِّينَ ﴾ [ الزمر: ٦٠]. قلنا :
فَمَتِى أَجَلُكَ يا١) رسول الله؟ قال: قَدْ دَنا الأجلُ، والمُنْقَلبُ إلى الله، والسِّدْرةُ المُنْتَهى، والكَأُسُ
الأوْفَى ، والفُرشُ الأَعْلى. قلنا : فَمَنْ يُغَسِّلكَ يا رسولَ الله . قال : رجالُ أهلِ بيتي الأدنى فالأدنى، مع
ملائكةٍ كثيرةٍ يَرَوْنَكم من حيث لا تَرَوْنَهم . قلنا : فَفيمَ نُكَفِّئُكَ يا رسولَ الله . قال : في ثيابي هذه إن
شئتم، أو في يَمنيّةٍ ، أو في بياض مِصْر. قلنا: فَمَنْ يُصلِّي عَلَيْكَ يا رسولَ اللهِ؟ فبكى وَبَكَيْنا . وقال :
مَهْلاً ! غفر الله لكم ، وجزاكم عن نبيّكم خيراً ، إذا غَسَّلْتموني وحَنَّطْتُموني وكَقَّنتموني فَضَعوني على شَغير
قَبْري ، ثم اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّلَ منْ يُصلِّي عليّ خَليلايَ وجَليسايَ جبريلُ وميكائيلُ ، ثم
إسرافيلُ ، ثم ملكُ المَوْتِ ، مع جنودٍ من الملائكةِ عليهم السلام ، وَلْيَبْدأ بالصلاة عليَّ رجالُ أهْلِ بَيْتِي ،
ثم نساؤُهُم ، ثم ادخلوا عليّ أفْواجاً أفواجاً وفُرادَى فُرادى (٢)، ولا تُؤْذوني بباكيةٍ ولا بَرَّةٍ ولا بصَيْحةٍ(٣) ،
ومن كان غائباً من أصحابي فأبلغوه عني السَّلامَ، وأُشْهِدُكُمْ بأنِّي قد سَلّمتُ على مِنْ دَخَلَ في الإسلام ،
ومنْ تَابَعَني في ديني هذا ، منذ اليومٍ إلى يومِ القيامة . قلنا : فمَنْ يُدْخِلُكُ قَبْرَكَ يا رسول الله ؟ قال :
رجالُ أهلِ بَيْتِي الأَدْنَى فالأَدْنَى مع ملائكةٍ كثيرَه٤ُ) يَرَوْنَكُمْ من حيث لا تَرَوْنَهُمْ. ثم قال البيهقي : تابعه
أحمد بن يونُس عن سَلاَّم الطّويل وتَفَرَّدَ به سَلاَّمٌ الطّويلُ .
قلت : وهو سَلَّمُ بن سَلْمُ(٥)، ويقال : ابن سليم، ويقال: ابن سليمان ، والأولُ أصحُ التَّميمي
السَّعْدي الطَّيل. يَرْوي عن جَعْفر الصَّادق، وحُمَيْد الطّويل، وزيد العَمِّي وجماعةٍ ، وعنه جماعةٌ أيضاً
منهم : أحمدُ بن عبد الله بن يونس، وأسَدُ بن موسى، وخلف بن هاشم البَزّار ، وعليّ بن الجَعْدِ ،
وقَبيصةُ بن عُقبة . وقد ضعَّفَه علي بن المَديني ، وأحمد بن حنبل ، ويَحْيَى بن مَعين ، والبخاري ،
وأبو حاتمٍ، وأبو زُرعة، والجُوزَجاني، والنّسائي، وغير واحد، وكذَّبه بعض الأئمة، وتركه
آخرون(٦).
لكن روى هذا الحديثَ بهذا السياق بطوله الحافظُ أبو بكر البزَّار من غير طريق سلام هذا ، فقال : ثنا
محمد بن إسماعيل الأخمسي ، ثنا عبد الرحمن بن محمد المُحاربيّ ، عن ابن الأصبهاني ، أنه أخْبَره عن
مُرَّة ، عن عبد الله ... فذكر الحديثَ بطوله . ثم قال البَزّار: وقد رُوي هذا عن مُرَّةَ من غير وجهٍ بأسانيدَ
(١) ليست ( يا ) في ط .
(٢) أ : ( أفواجاً وفرادى) .
(٣) ط : ( بضجة ).
(٥) ط: (مسلم) تحريف. وانظر تهذيب التهذيب (٢٨١/٤).
(٤)
ليس اللفظ في ط .
(٦) والأشعث بن طليق (ويقال طلق ) ضعيف ، وقد استنكر أصحاب كتب الضعفاء هذا الحديث ، فانظر لسان الميزان
(٥٠٨/١ -٥٠٩) ط. الفكر (بشار).
٣٥٨
وفاته وسنه حال وفاته وم له وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
متقاربةٍ وعبد الرحمن بن الأصبهاني لم يَسْمَع هذا من مُرَّةَ ، وإنما هو عَمَّن أخبره عن مُرَّة ، ولا أعلم أحداً
رواه عن عبد الله غيرَ مُرَّةُ(١).
فَضْلٌ
في ذِكْرِ الوَقْت الذي تُوُفِّي فيه رسولُ الله ◌ِّهِ وَمَبْلَغ ◌ِنَّه حالَ وفاته ،
وفي كيفية غُسْلِه عليه الصلاة والسلام ، وتكفينه (٢) ، والصلاة عليه ودَفْنِه ،
ومَوْضِعٍ قَبْرِهِ صلواتُ اللهُ وسلامُه علیه
لا خلافَ أنّه عليه الصلاة والسلام، توفّيَ يومَ الإثنين. قال ابن عباس: وُلِدَ نَبِيُّكُمْ وَلَه يومَ الإثنين ،
ونُتَّىءَ يَوْمَ الإثنين، وخَرَجَ من مكةَ مُهاجِراً يومَ الإثنين ، ودخلَ المدينةَ يومَ الإثنين ، وماتَ يومَ الإثنين .
رواه الإمام أحمد(٣) والبيهقي (٤) . وقال سفيانُ الثوري: عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ،
قالَتْ: قال لي أبو بكر : أيَّ يومٍ تُوفِّي رسولُ اللهِ وَّ؟ قلتُ: يومَ الإثنين . فقال: إني لأرجو أنْ أموتَ
فيه . فمات فيه . رواه البيهقي من حديث الثوري به .
وقال الإمام أحمد(٥): حدّثنا أسود بن عامر، ثنا هُرَيْمُ(٦) ، حدّثني ابنُ إسحاق ، عن عبد الرحمن ابن
القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفي رسول الله وَ له يومَ الإثنين، ودُفِنَ ليلةَ الأربعاءِ. تَفَرَّدَ به أحمدُ.
وقال عُرْوةُ بن الزبير في ((مغازيه))، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لمَّا اشْتَدَّ برسول الله وَله
وجعُه أرسلت عائشةُ إلى أبي بكر ، وأرسلت حَفْصةُ إلى عمر ، وأرسلت فاطمة إلى عليّ ، فلم يجتمعوا
حتى تُوفي رسولُ الله وهو في صدرِ عائشة وفي يومها ، يوم الإثنين حينَ زاغتِ الشَّمْسُ لهلالِ ربيعِ الأوَّل .
وقد قال أبو يعلى (٧): ثنا أبو خيثمة، ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس، قال: آخرُ نَظْرِةِ
نَظرتُها إلى رسول الله يومَ الإثنين كَشَفَ الستارةَ والناسُ خَلْفَ أبي بكر ، فنظرتُ إلى وجهه ، كأنه ورقةُ
مصحفٍ ، فأراد الناسُ أن ينحرفوا ، فأشارَ إليهم أن امكثُوا وألقَى السجفَ ، وتوفِّي من آخر ذلك اليوم .
(١) ط : (عن مرة) وهو تحريف.
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) مسند الإمام أحمد (٢٧٧/١)، وإسناده ضعيف، ولكن صح منه، الولادة، والبعث، والوفاة انظر مسلم رقم
(١١٦٢) (١٩٧) والبخاري (١٣٨٧).
(٤) دلائل النبوة للبيهقي ( ٢٣٣/٧).
(٥) مسند الإمام أحمد (٦/ ١١٠)، وهو حديث حسن بطرقه.
(٦) تهذيب التهذيب (٣٠/١١).
(٧) في مسنده رقم (٣٥٤٨) .
٣٥٩
وفاته وسنه حال وفاته مل* وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
وهذا الحديث في ((الصحيح (١) وهو يدلُّ على أنّ الوفاةَ وقعت بعدَ الزَّوال. والله أعلم.
وروى يعقوب بن سفيال(٢) ، عن عبد الحميد بن بكّار ، عن محمد بن شعيب ، وعن صفوان ، عن
عمر بن عبد الواحد، جميعاً عن الأوزاعي، أنه قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ يومَ الإثنين قبلَ أنْ يَنْتُصفَ النهار .
وقال البيهقي(٣): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل (٤)، ثنا الحسن بن علي البزَّار ، ثنا
محمد بن عبد الأعلى ، ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، وهو سليمان بن طَرْخان التَّيْمي في كتاب
((المغازي)). قال: إنَّ رسولَ الله وَ لَ﴿ مرضَ لاثنتين وعشرين ليلةً من صفر، وبدأه وجعُه عند وليدة له يقال
لها: ريحانة كانَتْ من سَبْي اليَهودِ، وكان أولَ يوم٥ُ) مرض يوم السبت، وكانت وفاته عليه الصلاة والسلام
يوم الإثنين لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه عليه الصلاة والسلام المدينةَ .
وقال الواقدي(٦): حدَّثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن قيس، قال: اشتكى رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ يومَ الأربعاء
لإحدى عَشْرَة ليلة (٧) بقيت من صفر سنةَ إحدى عَشْرَةً في بيت زينب بنت جحش شكوى شديدة ، فاجتمع
عنده نساؤه كلهن ، فاشتكى ثلاثة عشر يوماً ، وتوفي يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى
عشرة .
وقال الواقدي: وقالوا بُدِىء رسولُ الله وَله يومَ الأربعاء لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيتا من صفرٍ، وتُوفِّي يومَ الإثنين
لِشْيُ(٨) عشرةَ ليلةٌ خَلَتْ من ربيع الأول. وهذا جَزَمَ به محمدُ بن سعدٍ كاتبُه . وزاد: ودفن يوم الثلاثاء .
قال الواقدي(٩) : وحدّثني سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض، عن المقبري ، عن عبد الله بن رافع ،
عن أم سلمة: أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّهِ بُّدىء في بيتِ مَيْمونة .
وقال يعقوب بن سفيان(٢): حدَّثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو مَعْشَر ، عن محمد بن قيس ، قال :
اشْتَكَى رسولُ اللهِ وَّهِ ثلاثةَ عشرَ يَوْماً، فكان إذا وجدَ خِقَّة صلَّى، وإذا ثَقُلَ صَلَّى أبو بكرٍ ، رضي الله
عنه .
(١) البخاري (٦٨٠) ومسلم (٤١٩) .
(٢)
المعرفة والتاريخ (٣٠٨/٣).
(٣) دلائل النبوة (٢٣٤/٧).
ط : ( حنبل ) تحريف .
(٤)
(٥)
ليس اللفظ في ط .
دلائل النبوة (٢٣٤/٧) وطبقات ابن سعد (٢/ ٢٧٢).
(٦)
ليس اللفظ في أ .
(٧)
(٨) ط : ( لاثنتي ).
(٩) دلائل النبوة للبيهقي (٢٣٥/٧).
٣٦٠
وفاته وسنه حال وفاته المالية وكيفية غسله وتكفينه والصلاة عليه وموضع قبره
وقال محمد بن إسحاق : تُوفِّي رسولُ الله ◌َِّ لاثنتي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ من شَهْرِ ربيع الأول ، في اليوم
الذي قدم فيه المدينة مُهاجراً، واسْتَكْمل رسول الله وَ لَّ فِي هِجْرته عَشْرَ سنينَ كوامل . قال الواقدي : وهو
المثبتُ عندنا. وجَزَمَ به محمد بن سعدٍ كاتبُهُ(١) .
وقال يعقوب بن سفيان(٢): عن يَحْيَى بن بُكَير، عن الليث، أنه قال: تُوفِّي رسولُ اللهَوَّهِ يومَ
الإثنين لليلةٍ خَلَتْ من ربيعِ الأوّل، وفيه قَدِمَ المدينةَ على رأسٍ عَشْرِ سنين من مَقْدَمه .
وقال سعد بن إبراهيم الزُّهْري: تُوفِّي رسولُ اللهِ وَهُ يومَ الإثنين لِلَيَّلَتَيْنِ خَلَتا من ربيع الأول، لتمام
عَشْر سنينَ من مَقْدَمِه المدينةَ ، رواه ابن عساكر ، ورواه الواقدي ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس
مثلَه سواء . وقاله خليفة بن خَيَّاط أيضاً .
وقال أبو نعيم الفَضْلُ بن دُكَيْن: تُوفِّي رسولُ اللهِ وَله يوم الإثنين مُسْتَهلّ ربيع الأول سنةً إحدى عَشْرة
من مَقْدَمِه المدينةُ(٣)، ورواه ابن عساكر(٤) أيضاً . وقد تقدَّم قريباً عن عروة ، وموسى بن عُقْبة ،
والزهري مثلُه ، فيما نقلناه عن مغازيهما . فالله أعلم . والمشهور قول ابن إسحاق والواقدي .
ورواه الواقدي(٥) : عن ابن عباس وعائشة، رضي الله عنهما، فقال : حدّثني إبراهيم بن يزيد ، عن
ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، وحدّثني محمد بن عبد الله ، عن الزهري ، عن عروة ، عن
عائشة . قالا: توفي رسول الله وَّ﴿ يوم الإثنين لاثْنَيْ عشرةَ ليلةٌ خَلَتْ من ربيع الأول .
ورواه ابن إسحاق(٦) ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْمٍ ، عن أبيه ، مثله ، وزاد : ودفن ليلة
الأربعاء .
وروى سيف بن عمر ، عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي ، عن الحكم ، عن مِقْسمٍ عن ابن عباس ،
قال: لما قَضَى رسولُ الله ◌َّهِ حجةَ الوداعِ ارتحل، فأتى المدينةَ فأقام بها بقيَّةَ ذي الحجّة والمحرم
وصفراً ، ومات يومَ الإثنين لعشرٍ خَلَوْنَ مَن ربيع الأول . وروى أيضاً عن محمد بن إسحاق ، عن
الزهري ، عن عروة . وفي حديث فاطمة ، عن عمرة ، عن عائشة مثله ، إلا أنّ ابنَ عباسٍ قال في أوله
الأيامٍ مَضَيْنَ منه . وقالت عائشة : بعدَ ما مَضَى أيامٌ منه .
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٣١١/٢).
(٢) المعرفة والتاريخ (٣٠٨/٣).
(٣) هذا آخر لفظ من الورقة (٧٠٧ ) من النسخة ( أ) وبعده انقطاع بقدر ورقة ، وستعود النسخة للانضمام إلى باقي
النسخ في بداية الورقة ( ٧٠٨ ) .
(٤)
مختصر تاريخ دمشق (٣٨٧/٢).
(٥) طبقات ابن سعد الكبرى (٢٧٢/٢ - ٢٧٣).
(٦) انظر الطبري (٢١٧/٣).