Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ ذكر أمور مختلفات وقعت في سنة تسع من الهجرة قال يونس بن بكيرٍ ، عن محمد بن إسحاق ، عن بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعبِ القرظيِّ ، عن عبد الله بن مسعودٍ قال: لمَّا سار رسول الله بَّه إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلَّف، فيقولون : يا رسول الله، تخلَّف فلانٌ. فيقول: « دعوه ، إن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه)). حتى قيل: يا رسول الله، تخلَّف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره. فقال: ((دعوه ، إن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه)) . فتلَّوم أبو ذرِّ بعيره ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ، ثم خرج يتّبع رسول الله ◌ِوَ ل# ماشياً، ونزل رسول الله وَّل في بعض منازله، ونظر ناظرٌ من المسلمين ، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل ماشٍ على الطريق. فقال رسول الله وَ ل: ((كن أبا ذرّ)). فلما تأمَّله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذرٍّ. فقال رسول الله وَّول: ((يرحم الله أبا ذرِّ، يمشي وحده، ويموت وحده ، ويبعث وحده )). قال: فضرب الدَّهر من ضربه، وسُيِّر أبو ذرِّ إلى الرَّبذة ، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال : إذا متُّ فاغسلاني وكفّناني من الليل ، ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأوَّل ركبٍ يمرُّون بكم فقولوا : هذا أبو ذرِّ . فلما مات فعلوا به كذلك ، فاطّلع ركبٌ ، فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره ، فإذا ابن مسعودٍ في رهطٍ من أهل الكوفة فقال: ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذرٍّ. فاستهلَّ ابن مسعودٍ يبكي، وقال: صدق رسول الله وَ ل: (( يرحم الله أبا ذرِّ يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)) . فنزل فوليه بنفسه حتى أجنَّه . إسناده حسنٌ ، ولم يُخرِّجوه (١) . قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمرٌ ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيلٍ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]. قال: خرجوا في غزوة تبوك ، الرجلان والثلاثة على بعيرٍ واحدٍ ، وخرجوا في حرِّ شديدٍ ، فأصابهم في يوم عطشٌ حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها ، فكان ذلك عسرةً في الماء وعسرً في النفقة وعسرةً في الظّهر . قال عبد الله بن وهبٍ : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلالٍ ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبيرٍ ، عن عبد الله بن عباسٍ أنه قيل لعمر بن الخطاب : حدِّثنا عن شأن ساعة العسرة . فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظٍ شديدٍ ، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطشٌ حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرَّحْل فلا يرجع حتى يظنّ أن رقبته ستنقطع ، حتى إنَّ الرجل لينحر بعيره (١) هذا اجتهاده رحمه الله في تحسين الحديث ، فالحديث إسناده ضعيف لضعف بريدة بن سفيان الأسلمي، ضعّفه البخاري والنسائي والجوزجاني وأبو حاتم الرازي ، وقال الدارقطني : متروك، وقال العقيلي : سئل أحمد عن حديثه فقال: بلية! ( كما بيناه في ((تحرير تقريب التهذيب ١٦٨/١) ولعل هذا هو الذي دعاهم إلى عدم تخريجه . قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) : وفي السيرة النبوية لابن إسحاق بسند ضعيف . (٢) رواه من طريقه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٢٧/٥)، وهو في ((تفسير عبد الرزاق)) مرسلاً . ٦٦٢ ذكر أمور مختلفات وقعت في سنة تسع من الهجرة فيعتصر فرثه فيشربه ، ثم يجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكرٍ الصديق : يا رسول الله، إن الله قد عوَّدك في الدعاء خيراً ، فادع الله لنا. فقال: (( أتحبُّ ذلك؟ )) قال : نعم . قال : فرفع يديه نحو السماء ، فلم يرجعهما حتى قالت السماء ، فأظلَّت ثم سكبت ، فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . إسناده جيدٌ ، ولم يخرجوه من هذا الوجه . وقد ذكر ابن إسحاق (١) ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن رجالٍ من قومه أن هذه القضيّة كانت وهم بالحجر ، وأنَّهم قالوا لرجلٍ معهم منافقٍ : ويحك! هل بعد هذا من شيءٍ ؟! فقال: سحابةٌ مارَّةٌ . وذكر أن ناقة رسول الله وَّرَ ضلَّت، فذهبوا في طلبها، فقال رسول الله وَّ لعمارة بن حزم الأنصاريِّ - وكان عنده - : (( إن رجلاً قال: هذا محمدٌ يخبركم أنه نبيٌّ ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته . وإني والله ما أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني الله عليها ، هي في الوادي قد حبستها شجرةٌ بزمامها)). فانطلقوا فجاؤوا بها فرجع عمارة إلى رحله، فحدَّثهم عما جاء رسولَ الله وَ﴿ من خبر الرجل ، فقال رجلٌ ممن كان في رحل عمارة : إنما قال ذلك زيد بن اللُّصَيت ، وكان في رحل عمارة قبل أن يأتيَ ، فأقبل عمارة على زيدٍ يجأ في عنقه ويقول : إن في رحلي الداهيةً وأنا لا أدري ، اخرج عني يا عدوّ الله . فلا تصحبني . فقال بعض الناس : إن زيداً تاب . وقال بعضهم : لم يزل مصرّاً حتى هلك . قال الحافظ البيهقيُّ(٢): وقد روينا من حديث ابن مسعودٍ شبيهاً بقصة الراحلة . ثم روى من حديث الأعمش ، وقد رواه الإمام أحمد(٣) ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرة ، أو عن أبي سعيد الخدريِّ - شكَّ الأعمش - قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعةٌ ، فقالوا : يا رسول الله، لو أذنت لنا فتنحر نواضحنا، فأكلنا وادَّهنًّا. فقال رسول الله وَّل: ((افعلوا)». فجاء عمر فقال : يا رسول الله ، إن فعلتَ قلَّ الظّهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ، وادع الله لهم فيها بالبركة ، لعل الله أن يجعل فيها البركة. فقال رسول الله وَالر: ((نعم)) . فدعا بنِطْعِ فبسطه ، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكفِّ ذُرةٍ ، ويجيء الآخر بكفٍّ من التمر ، ويجيء الآخر بكسرةٍ حتى اجتمع على النِّطَع من ذلك شيءٌ يسيرٌ، فدعا رسول الله وَّر بالبركة، ثم قال لهم: ((خذوا في أوعيتكم)) . فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلةٌ ، فقال رسول الله وَ له: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاٌّ فيحجب عن الجنة)). ورواه مسلم(٤) ، عن أبي كُرَيبٍ ، عن أبي مُعَاوية ، عن الأعمش به. (١) ورواه من طريقه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٣١/٥). (٢) في « دلائل النبوة)) (٢٣٢/٥) . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١١/٣). (٤) في ((صحيحه)) (٢٧) (٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ٦٦٣ ذكر مروره - * - بمساكن ثمود في ذهابه إلى تبوك ورواه الإمام أحمد(١) من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . ولم يذكر غزوة تبوك ، بل قال : كان في غزوةٍ غزاها . ذکر مروره مدّ في ذهابه إلى تبوك بمساکن ثمود وصرحتهم بالحِجْرِ قال ابن إسحاق(٢): وقد كان رسول الله وَ لل حين مزَّ بالحِجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله وَ الله: ((لا تشربوا من مياهها شيئاً، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فأعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئاً )) . هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسنادٍ . وقال الإمام أحمد(٣): حدَّثنا يعمر بن بشرٍ، حدَّثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله مَّلَ لمَّا مَرَّ بالحِجر قال: (( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ؛ أن يصيبكم ما أصابهم » . وتقنَّع بردائه وهو على الرَّحل . ورواه البخاريٌّ(٤) من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق ، كلاهما عن معمرٍ بإسناده نحوه . وقال مالكٌ(٥)، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر أن رسول الله وَ ل قال لأصحابه: (( لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم)). ورواه البخاريُّ(٦) من حديث مالكٍ ومن حديث سليمان بن بلالٍ، كلاهما عن عبد الله بن دینارٍ . ورواه مسلم(٧) من وجهٍ آخر ، عن عبد الله بن دينارٍ نحوه . وقال الإمام أحمد(٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا صخرٌ - هو ابن جويرية - عن نافعٍ ، عن ابن عمر (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٢١/٢). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٢١) . (٢) (٣) في ((المسند)) (٦٦/٢). رواه البخاري رقم (٣٣٨٠) و(٤٤١٩). (٤) ورواه من طريقه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٣٣/٥). (٥) رواه البخاري في « صحيحه» رقم (٤٣٣) و(٤٤٢٠) و(٤٧٠٢) من حديث مالك، و(٣٣٧٨) من حديث سليمان بن (٦) بلال . (٧) في ((صحيحه)) رقم (٢٩٨٠) . (٨) في ((المسند)) (٢/ ١١٧). ٦٦٤ ذكر مروره - ٤ - بمساكن ثمود في ذهابه إلى تبوك قال: نزل رسول الله وَ﴿ بالناس عام تبوك الحِجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله وَ الر فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: (( إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، فلا تدخلوا عليهم)) . وهذا الحديث إسناده على شرط (( الصحيحين)) من هذا الوجه ، ولم يخرجوه ، وإنما أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ(١) من حديث أنس بن عياضٍ أبي ضَمْرَة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر به . قال البخاريُّ : وتابعه أسامة ، عن نافعٍ . ورواه مسلم٢ٌ) من حديث شعيب بن إسحاق ، عن عبيد الله ، عن نافعٍ به . وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبد الرزاق ، حدَّثنا معمرٌ ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيمٍ ، عن أبي الزبير، عن جابرٍ قال: لما مرَّ النبيُّ نَ له بالحجر قال: (( لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالحٍ ، فكانت ترد من هذا الفجِّ ، وتصدر من هذا الفجِّ ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً ، فعقروها ، فأخذتهم صيحةٌ أهمد الله من تحت أديم السماء منهم ، إلا رجلاً واحداً كان فى حرم الله)). قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: ((هو أبو رِغالٍ ، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه )) . إسناده صحيحٌ ، ولم يخرجوه . وقال الإمام أحمد(٤) : حدَّثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا المسعوديُّ ، عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماريِّ ، عن أبيه قال : لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحِجر يدخلون عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله وَ له، فنودي في الناس: الصلاةَ جامعةً. قال: فأتيت رسول الله وَله وهو ممسكٌ بعيره وهو يقول: (( ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟ )) فناداه رجلٌ منهم : نعجب منهم [ يا رسول الله]. قال: ((أفلا أنيِّئكم بأعجب من ذلك ؟ رجلٌ من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائنٌ بعدكم ، فاستقيموا وسدِّدوا ، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً ، وسيأتي قومٌ لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً )) . إسناده حسنٌ ، ولم يخرجوه . وقال يونس بن بكير(٥) ، عن ابن إسحاق ، حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعديِّ - أو عن العباس، [ عن سهل ] بن سعدٍ، الشكُّ منِّي - أن رسولَ اللهَوَّه حين مرَّ (١) رواه البخاري رقم (٣٣٧٩) ومسلم رقم (٢٩٨١). (٢) رواه مسلم رقم (٢٩٨١). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢٩٦/٣). رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣١/٤)، وإسناده ضعيف. (٤) (٥) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٤٠/٥). ٦٦٥ ذكر مروره - * - بمساكن ثمود في ذهابه إلى تبوك بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله وع له للناس: ((لا تشربوا من مائها شيئاً ، ولا تتوضَّؤوا منه للصلاة ، وما كان من عجينٍ عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً ، ولا يخرجنَّ أحدٌ منكم الليلة إلا ومعه صاحبٌ له)). ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله وَّةٍ إلا رجلين من بني ساعدة ، خرج أحدهما لحاجته ، وخرج الآخر في طلب بعيرٍ له ؛ فأما الذي ذهب لحاجته ، فإنه خنق على مذهبه ، وأما الذي ذهب في طلب بعيره ، فاحتملته الريح حتى ألقته بجبلي طيِّىءٍ ، فأخبر رسول الله وَّ بذلك فقال: ((ألم أنهكم أن يخرج رجلٌ إلا ومعه صاحبٌ له؟)) ثم دعا للذي أُصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله وَ لَه [حين قدم ] من تبوك - وفي رواية زيادٍ ، عن ابن إسحاق أن طيِّئاً أهدته إلى رسول الله وَ ل حين رجع إلى المدينة - قال ابن إسحاق: وقد حدَّثني عبد الله بن أبي بكرٍ أن العباس بن سهلٍ سمَّى له الرجلين ، لكنه استكتمه إيَّاهما ، فلم يحدِّثني بهما. وقد قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا عَفَّان، حذَّثنا وهيب بن خالدٍ ، ثنا عمرو بن يحيى ، عن العباس بن سهل بن سعد الساعديِّ، عن أبي حميد الساعديِّ قال: خرجنا مع رسول الله وَّل عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأةٌ في حديقةٍ لها فقال رسول الله وَلّ لأصحابه: ((اخرصوا)). فخرص القوم وخرص رسول الله وَّر عشرة أوسقٍ، وقال رسول الله وَله للمرأة: ((أحصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله)). قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله وَّل: ((إنها ستهبُّ علیکم الليلة ريحٌ شديدةٌ، فلا يقومنَّ فيها رجلٌ ، فمن كان له بعيرٌ فليوثق عقاله )) . قال أبو حميدٍ : فعقلناها ، فلما كان من الليل ، هبَّت علينا ريحٌ شديدةٌ ، فقام فيها رجلٌ فألقته في جبل طيِّيْ ، ثم جاء رسول الله ملك أيلة ، فأهدى لرسول الله بغلةً بيضاء ، وكساه رسول الله برداً ، وكتب له ببحرهم ، ثم أقبل وأقبلنا معه ، حتى جئنا وادي القرى ، فقال للمرأة: (( كم جاءت حديقتكِ؟)) قالت : عشرة أوسقٍ ، خرصَ رسول الله وَ﴿. فقال رسول الله وَّهِ: ((إني متعجِّلٌ، فمن أحبَّ منكم أن يتعجَّل فليفعل)). قال: فخرج رسول الله وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة، قال: ((هذه طابة)). فلما رأى أُحداً قال: ((هذا أحدٌ ، يحبُّنا ونحبُّه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟)) قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((خير دور الأنصار بنو النجّار، ثم دار بني عبد الأشهل ، ثم دار بني ساعدة ، ثم في كلِّ دور الأنصار خيرٌ)). وأخرجه البخاريُّ ومسلم(٢) من غير وجهٍ عن عمرو بن يحيى به نحوه . وقال الإمام مالك(٣) ، رحمه الله ، عن أبي الزُبير ، عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة ، أن معاذ بن جبلٍ في (( المسند)) (٤٢٤/٥). (١) (٢) رواه البخاري رقم (١٤٨١) و(١٨٧٢) و (٣١٦١) و(٣٧٩١) و(٤٤٢٢) ومسلم رقم (١٣٩٢). (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) (١٤٣/١ - ١٤٤). ٦٦٦ ذكر خطبته - عن - في تبوك إلى نخلة هناك أخبره أنهم خرجوا مع رسول اللّه يَّةٍ عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء. قال : فأخَّر الصلاة يوماً ، ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ، ثم خرج فصلَّى المغرب والعشاء جميعاً، ثم قال: ((إنكم ستأتون غداً ، إن شاء الله ، عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتى آتيَ)). قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان ، والعين مثل الشراك تبضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فسألهما رسول الله وَّل: ((هل مسستما من مائها شيئاً؟)) قالا: نعم. فسبَّهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيءٍ ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه ، ثم أعاده فيها ، فجرت العين بماءٍ كثيرٍ ، فاستقى الناس ، ثم قال رسول الله وَّهُ: ((يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهنا قد ملىء جناناً)). وأخرجه مسلمٌ(١) من حديث مالك به . ذکر خطبته ، عليه الصلاة والسلام ، في تبوك إلى نخلةٍ هناك روى الإمام أحمد(٢)، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمد المؤدِّب ، وحجَّاج بن محمدٍ ، ثلاثتهم عن اللّيث بن سعدٍ ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ ، عن أبي الخير ، عن أبي الخطاب ، عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قال: إن رسول الله وَّر عام تبوك خطب الناس وهو مسندٌ ظهره إلى نخلةٍ فقال : (( ألا أخبركم بخير الناس وشرِّ الناس ؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه ، أو على ظهر بعيره ، أو على قدميه ، حتى يأتيه الموت ، وإنَّ من شرِّ الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيءٍ منه)). ورواه النسائي(٣)، عن قتيبة، عن الليث به. وقال: أبو الخطاب لا أعرفه . وروى البيهقيُّ(٤) من طريق يعقوب بن محمد الزُّهريِّ، عن عبد العزيز بن عمران، حدَّثنا عبد الله بن مصعب بن منظور بن جَميل بن سنانٍ ، أخبرني أبي ، سمعت عقبة بن عامرٍ الجهنيَّ يقول : خرجنا مع رسول الله ◌َّ في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله وَ ل فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمحٍ ، قال : (١) رواه مسلم رقم (٧٠٦) (١٠) في الفضائل: باب من معجزات النبي وَّر. (٢) رواه أحمد فى ((المسند)) ( ٣٧/٣) و(٤١/٣) و(٥٧/٣). (٣) رواه النسائي رقم (٣١٠٦) وإسناده ضعيف . (٤) رواه البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٢٤١/٥). ٦٦٧ ذكر خطبته - ع - في تبوك إلى نخلة هناك ((ألم أقل لك يا بلال: اكلاً لنا الفجر؟)) فقال: يا رسول الله، ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك . قال: فانتقل رسول اللّه وَّله من منزله غير بعيدٍ، ثم صلّى وسار بقية يومه وليلته، فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (( أيها الناس ، أما بعد ؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العُرى كلمة التَّقوى، وخير الملل ملة إبراهيم ، وخير السُّنن سنة محمدٍ ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشرّ الأمور محدثاتها ، وأحسن الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدي ما اتّبع، وشرّ العمى عمى القلب ، واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفْلَى، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وشرَّ المعذرة حين يحضر الموت، وشرّ النَّدامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دُبْراً، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هَجراً، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذّاب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين ، والارتياب من الكفر ، والنِّياحة من عمل الجاهليّة ، والغلول من جثى جهنم ، والشعر من إبليس ، والخمر جماع الإثم ، والنساء حبائل الشيطان ، والشباب شعبةٌ من الجنون ، وشرَّ المكاسب كسب الرِّبا، وشرّ المآكل أكل مال اليتيم ، والسعيد من وعظ بغيره، والشقيَّ من شقي في بطن أمِّه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرعٍ، والأمر إلى الآخرة ، وملاك العمل خواتمه ، وشرّ الرَّوايا روايا الكذب ، وكلَّ ما هو آتٍ قريبٌ ، وسِباب المؤمن فسوق ، وقتال المؤمن كفرٌ ، وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، ومن يتألَّ على الله يكذبه ، ومن يستغفره يغفر له ، ومن يعف يعف الله عنه ، ومن يكظم يأجره الله ، ومن يصبر على الرَّزيَّة يعوِّضه الله، ومن يبتغ السُّمعة يسمِّع الله به . ومن يصبر يضعّف الله له ، ومن يعص الله يعذِّبه الله ، اللهمَّ اغفر لي ولأمَتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهمَّ اغفر لي ولأمتي)). قالها ثلاثاً، ثم قال: ((أستغفر الله لي ولكم )). وهذا حديثٌ غريبٌ، وفيه نكارةٌ ، وفي إسناده ضعفٌ، والله تعالى أعلم بالصواب . وقال أبو داود(١) : ثنا أحمد بن سعيدِ الهمدانيُّ، وسليمان بن داود قالا : أخبرنا ابن وهبٍ ، أخبرني معاوية ، عن سعيد بن غَزْوَان ، عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاجٌ ، فإذا رجلٌ مقعدٌ ، فسأله عن أمره فقال: سأحدثك حديثاً، فلا تحدِّث به ما سمعت أنِّي حيٍّ؛ إنَّ رسول الله وَلّهِ نزل بتبوك إلى نخلةٍ فقال: ((هذه قبلتنا)). ثم صلَّى إليها. قال: فأقبلتُ وأنا غلامٌ أسعى ، حتى مررت بينه وبينها ، فقال: ((قطع صلاتنا قطع الله أثره )) . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا . ثم رواه أبو داود(٢) من حديث سعيدٍ بن عبد العزيز التَّنوخيِّ ، عن مولى ليزيد بن نمران ، عن يزيد بن (١) رواه أبو داود رقم (٧٠٧)، وإسناده ضعيف . (٢) رواه أبو داود رقم (٧٠٥)، وإسناده ضعيف. ٦٦٨ ذكر الصلاة على معاوية بن معاوية نمران قال: رأيت بتبوك مُقعداً فقال: مررت بين يدي رسول الله وَّه وأنا على حمارٍ، وهو يصلِّي، فقال: ((اللهم اقطع أثره )) . فما مَشَيت عليها بعدُ . وفي رواية: ((قطع صلاتنا قطع الله أثره )(١) . * * ذکر الصَّلَاة على مُعَاوية بن مُعَاويةٌ(٢) إن صحّ الخبر في ذلك روى البيهقيّ(٣) من حديث يزيد بن هارون ، أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفيُّ قال: سمعت أنس بن مالكِ قال: كنا مع رسول الله وَ له بتبوك ، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونورٍ لم أرها طلعت فيما مضى ، فأتى جبريل رسول الله فقال: (( يا جبريل ، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياءٍ ونورٍ وشعاعٍ لم أرها طلعت فيما مضى؟)) قال: ذلك أن معاوية بن معاوية الليثيَّ مات بالمدينة اليوم ، فبعث الله إليه سبعين ألف ملكٍ يصلُّون عليه. قال: ((وممَّ ذاك؟)) قال: بكثرة قراءته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [ الإخلاص: ١] بالليل والنهار ، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلِّي عليه ؟ قال: ((نعم)). فصلَّى عليه ثم رجع. وهذا الحديث فيه غرابةٌ شديدةٌ ونكارةٌ ، والناس يسندون أمره إلى العلاء بن زيدٍ هذا ، وقد تكلَّموا فيه . ثم قال البيهقي٤ُّ) : أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيدِ الصَّفَّار ، حدَّثنا هشام بن عليٍّ ، أخبرنا عثمان بن الهيثم ، حدَّثنا محبوب بن هلالٍ ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أنسٍ قال : جاء جبريل فقال: يا محمد ، مات معاوية بن مُعَاوية المُزَنيُّ، أفتحبُّ أن تصلي عليه؟ قال: ((نعم)). فضرب بجناحه ، فلم يبق من شجرةٍ ولا أكَمةٍ إلا تضعضعت له . قال : فصلَّى وخلفه صفَّان من الملائكة ، في كل صفِّ سبعون ألف ملكٍ. قال: قلت: (( يا جبريل ، بم نال هذه المنزلة من الله؟)) قال: بحبّه ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ يقرؤها قائماً وقاعداً، وذاهباً وجائياً، وعلى كلِّ حالٍ . قال عثمان : وهي عند أبي داود رقم (٧٠٦ ) وهي ضعيفة . (١) ترجمته في («تجريد أسماء الصحابة)) (٨٣/٢) و((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٤٣٦/٣). (٢) (٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٤٥/٥). انظر ((دلائل النبوة)) (٢٤٦/٥). (٤) ٦٦٩ ذكر قدوم رسول قيصر إلى رسول الله جة بتبوك فسألت أبي : أين كان النبيُّ مَّهَ؟ قال: بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة ، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلَّى عليه ، وهذا أيضاً منكرٌ من هذا الوجه . قدوم رسول قيصر إلى رسول الله مخايل بتبوك قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدَّثنا يحيى بن سُلَيم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشدٍ قال: لقيت التَّنوخيَّ رسول هرقل إلى رسول الله وَل بحمص، وكان جاراً لي شيخاً كبيراً قد بلغ الفنَد أو قُرب. فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله وَّةٍ ورسالة رسول الله و لو إلى هرقل؟ فقال: بلى، قدم رسول الله وَ ل تبوك، فبعث دحية الكلبيَّ إلى هرقل، فلما جاءه كتاب رسول الله وَّةٍ دعا فسِّيسي الرُّوم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار ، فقال : قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم ، وقد أرسل إليَّ يدعوني إلى ثلاث خصالٍ ؛ يدعوني إلى أن أتَّبعه على دينه ، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ، أو نلقي إليه الحرب ، والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب ليأخذنَّ [ ما تحت قدميَّ] فهلمَّ فلنتّبعه على دينه أو نعطه مالنا على أرضنا . فنخروا نخرة رجلٍ واحدٍ حتى خرجوا من برانسهم ، وقالوا : تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيداً لأعرابيٍّ جاء من الحجاز ؟ فلما ظنَّ أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفَأهم ولم يكد ، وقال : إنما قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم . ثم دعا رجلاً من عرب تُجيب كان على نصارى العرب ، قال: ادع لي رجلاً حافظاً للحديث عربيَّ اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه . فجاء بي فدفع إليَّ هرقل كتاباً ، فقال : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصالٍ ؛ انظر هل يذكر صحيفته التى كتب إليَّ بشيءٍ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ، وانظر فيظهره هل به شيءٌ يريبك . قال : فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك ، فإذا هو جالسٌ بين ظهراني أصحابه محتبياً على الماء ، فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل : ها هو ذا . فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي ، فوضعه في حجره ثم قال: (( ممن أنت؟)) فقلت: أنا أخو تنوخ. قال: ((هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ )) قلت: إني رسول قومٍ وعلى دين قومٍ ، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. فضحك وقال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [ القصص: ٥٦] يا أخا تنوخ ، إني كتبت بكتابٍ إلى كسرى فمزَّقه، واللهُ ممزِّقه وممزِّقٌ ملكه ، وكتبت إلى النجاشيِّ بصحيفةٍ فخرَّقها، واللهُ مُخَرَّقُه، ومُخَرِّقٌ مُلكه ، وكتبتَ إلى صاحبك بصحيفةٍ فأمسكها ، فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خيرٌ)). قلت : (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤١/٣ - ٤٤٢)، وإسناده ضعيف ، سعيد بن أبي راشد فيه جهالة . ٦٧٠ ذكر مصالحته - جن - ملك أيلة وغيره هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي . فأخذت سهماً من جعبتي فكتبته في جلد سيفي ، ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره ، قلت : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية . فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أَعدَّت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله وَله : (( سبحان الله! أين الليل إذا جاء النهار؟! )) قال: فأخذت سهماً من جعبتي فكتبته في جلد سيفي . فلما أن فرغ من قراءة كتابي، قال: (( إن لك حقاً وإنك رسول، فلو وجدتَ عندنا جائزةً جوَّزناك بها، إنَّا سَفْرٌ مرملون )) . قال : فناداه رجلٌ من طائفة الناس ، قال : أنا أجوِّزه . ففتح رحله ، فإذا هو يأتي بحلةٍ صغُّوريّةٍ فوضعها في حَجري ، قلت : من صاحب الجائزة ؟ قيل لي : عثمان . ثم قال رسول الله : ((أيُّكم ينزل هذا الرجل ؟ )) فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصاريُّ وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال: (( تعال يا أخا تنوخ)) . فأقبلت أهوي إليه حتى كنت قائماً في مجلسي الذي كنت بين يديه ، فحلَّ حُبوته عن ظهره، وقال: (( هاهنا امض لما أمرت به )) . فجُلت في ظهره ، فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحَجمة الضخمة . هذا حديثٌ غريبٌ ، وإسناده لا بأس به ، تفرد به الإمام أحمد . ذکر مصالحته ، عليه الصلاة والسلام ، مَلِكَ أَيْلَة وأهل جَرْبَاء وأَذْرُحَ وهو مُخَيِّمٌ علی تَبُوك قبل رجوعه قال ابن إسحاق (١): ولما انتهى رسول الله وَلَه إلى تبوك أتاه يُحَنَّة بن رُؤبة صاحب أَيلة، فصالح رسول الله وَله وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله و ليل كتاباً فهو عندهم ، فكتب ليُحَثَّة بن رُؤبة وأهل أيلة: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنةٌ من الله ومحمدِ النبيِّ رسول الله ليُحَنَّة بن رؤبة وأهل أيلة، سُفنهم وسيَّارتهم في البرِّ والبحر، لهم ذمَّة الله ومحمدِ النبيِّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طَيِّبٌ لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحلُّ أن يمنعوه ماءً يرِدونه ولا طريقاً يردونه من برِّ أو بحرٍ)). زاد يونس بن بكيرٍ (٢) ، عن ابن إسحاق بعد هذا: وهذا كتابُ جُهيم بن الصَّلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٥/٢). (٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٤٨/٥). ٦٧١ ذكر بعثة حج خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة قال يونس، عن ابن إسحاق(١): وكتب لأهل جرباء وأذرح: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتابٌ من محمدٍ النبيِّ رسول الله لأهل جرباء وأذرح ، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمدٍ ، وأن عليهم مئة دينارٍ في كلِّ رجبٍ ، ومائة أوفيَّةٍ طَيِّةٍ ، وأن الله عليهم كفيلٌ بالنُّصح والإحسان إلى المسلمين ، ومن لجأ إليهم من المسلمين)). قال: وأعطى النبيُّ بِّه أهل أيلة بُرده مع كتابه أماناً لهم. قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمدٍ بثلاثمئة دينارٍ . بَعْتُهُ ، عليه الصلاة والسلام ، خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر دُومة قال ابن إسحاق (٢): ثم إنَّ رسول الله وَ ◌ّ دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دُومة، وهو أُكَيدر بن عبد الملك ؛ رجلٌ من كِندة، كان ملكاً عليها، وكان نصرانياً. وقال رسول الله مَ له الخالدٍ: ((إنك ستجده يصيد البقر )) . فخرج خالدٌ، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين ، وفي ليلةٍ مقمرةٍ صائفةٍ ، وهو على سطحِ له ، ومعه امرأته ، وباتت البقر تحكُ بقرونها باب القصر ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قطُّ ؟! قال : لا والله ! قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد . فنزل فأمر بفرسه فأُسرج له . وركب معه نفرٌ من أهل بيته ، فيهم أخٌ له يقال له : حسَّان . فركب وخرجوا معه بمَطاردهم . فلمَّا خرجوا تلقَّتهم خيل النبيِّ وََّ، فأخذته وقتلوا أخاه ، وكان عليه قَباءٌ من ديباج مخوَّصٌ بالذهب ، فاستلبه خالدٌ ، فبعث به إلى رسول الله وَّير قبل قدومه عليه. قال: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أنس بن مالكِ قال : رأيت قَباء أُكيدرٍ حين قدم به على رسول الله وَّر، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجَّبون منه، فقال رسول الله وَل: (( أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذٍ في الجنة أحسن من هذا)) . قال ابن إسحاق(٣) : ثم إن خالد بن الوليد لمّا قدم بأکیدٍ على رسول الله ێ حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله ، فرجع إلى قريته ، فقال رجلٌ من بني طيِّىءٍ - يقال له: بُجير بن بَجرة - في ذلك : [ من الوافر ] رأيت الله يهدي كلَّ هاد تبارك سائق البقرات إنِّي فإنَّا قد أمرنا بالجهاد فمن يك حائداً عن ذي تبوك (١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٤٨/٥ -٢٤٩). (٢) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٦/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٦/٢ - ٥٢٧). ٦٧٢ ذكر بعثه محطة خالد بن الوليد إلى أُكيدر دومة وقد حكى البيهقيُّ(١) أنَّ رسول الله وَ ل قال لهذا الشاعر: لا يفضض الله فاك)). فأتت عليه تسعون سنةً ما تحرّك له فيها ضرسٌ ولا سنٌّ . وقد روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، أنَّ رسول الله ◌ِ لَّل بعث خالداً مرجعه من تبوك في أربعمائةٍ وعشرين فارساً إلى أكيدر دومة . فذكر نحو ما تقدَّم ، إلا أنَّه ماكره حتى أنزله من الحصن ، وذكر أنَّه قدم مع أُكَيدر إلى رسول الله بِّل ثمانمئةٍ من السَّبِي، وألف بعيرٍ ، وأربعمئة درعٍ، وأربعمئة رُمحٍ ، وذكر أنَّه لمَّا سمع عظيم أيلة يُحَنَّة بن رؤبة بقضية أُكَيدر دومة أقبل قادماً على رسول الله وَّه ليصالحه ، فاجتمعا عند رسول الله وَ له بتبوك ، فالله أعلم . وروى يونس بن بكيرٍ(٢) ، عن سعد بن أوسٍ ، عن بلال بن يحيى ، أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل ، وخالد بن الوليد على الأعراب في غزوة دومة الجندل ، فالله أعلم . فصلٌ قال ابن إسحاق(٣): فأقام رسول الله وَّل بضع عشرة ليلةً بتبوك لم يجاوزها ، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة . قال : وكان في الطريق ماءٌ يخرج من وَشَلٍ ، يروي الراكب والراكبين والثلاثة ، بوادٍ يقال له : وادي المشقّق. فقال رسول الله وَّةِ: ((من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقينَّ منه شيئاً حتى نأتيَه)). قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقَوا ما فيه، فلمَّا أتاه رسول الله وَ لّ وقف عليه فلم ير فيه شيئاً، فقال : (( من سبقنا إلى هذا الماء؟)) فقيل له: يا رسول الله، فلانٌ وفلانٌ. فقال: ((أوَ لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيَه ؟ )) ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوَشل ، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصبَّ ، ثم نضحه به ومسحه بيده ، ودعا بما شاء الله أن يدعوَ ، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إنَّ له حسّاً كحسِّ الصَّواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله وَ له: ((لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعنَّ بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه )) . قال ابن إسحاق(٤) : وحدَّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميُّ، أنَّ عبد الله بن مسعودٍ كان يحدِّث قال : قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك ، فرأيت شُعلةً من نارٍ في ناحية انظر ((دلائل النبوة)) (٢٥١/٥). (١) (٢) انظر (( دلائل النبوة)) (٢٥٣/٥). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٢٧). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٢٧). (٤) ٦٧٣ ذكر بعثه منة خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة العسكر، فاتَّبعتها أنظر إليها. قال: فإذا رسول الله بَّه وأبو بكرٍ وعمر ، وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله وَ ليه في حفرته، وأبو بكرٍ وعمر يدلِّيانه إليه ، وإذا هو يقول: ((أدنيا إليَّ أخاكما)). فدلَّياه إليه، فلمَّا هيَّه لشقِّه قال: (( اللهم إني قد أمسيت راضياً عنه ، فارض عنه)) . قال : يقول ابن مسعودٍ : يا ليتني كنت صاحب الحفرة . قال ابن هشامُ(١): إنَّما سمّي ذا البِجادين، لأنَّه كان يريد الإسلام، فمنعه قومه وضيّقوا عليه ، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجادٌ ، وهو الكساء الغليظ ، فشقَّه باثنتين ، فَأُنزر بواحدةٍ وارتدى بالأخرى ، ثم أتى رسول الله وََّ ، فسمِّي ذا البِجادين. قال ابن إسحاق(٢) : وذكر ابن شهاب الزهريُّ، عن ابن أُكَيْمَة اللَّيثيِّ، عن ابن أخي أبي رُهم الغفاريِّ، أنَّه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين، وكان من أصحاب الشجرة، يقول: غزوت مع رسول الله وَّل غزوة تبوك ، فسرت ذات ليلةٍ معه ونحن بالأخضر ، وألقى الله عليَّ النُّعاس ، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبيِّ ◌َّه، فيُفزعني دنوُها منه؛ مخافة أن أُصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه ، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق ، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز ، فلم أستيقظ إلا بقوله : ((حسِّ)). فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. قال: ((سر)). فجعل رسول الله وَ ل﴿ يسألني عمَّن تخلَّف عنه من بني غفارٍ، فأُخبره به ، فقال وهو يسألني: (( ما فعل النَّفر الحُمر الطّوال الثِّطاط الذين لا شعر في وجوههم؟)) فحدَّثته بتخلُّفهم، قال: ((فما فعل النفَر السُّود الجعاد القصار؟ )) قال: قلت : والله ما أعرف هؤلاء منّا. قال: ((بلى، الذين لهم نَعَمِّ بشبكة شَدَخٍ)) . فتذكّرتهم في بني غفارٍ ، فلم أذكرهم ، حتى ذكرت أنَّهم رهطٌ من أسلم كانوا حلفاء فينا ، فقلت : يا رسول الله، أولئك رهطٌ من أسلم حلفاء فينا . فقال رسول الله وَلي: (( ما منع أحد أولئك حين تخلَّف أن يحمل على بعيرٍ من إبله امرأً نشيطاً في سبيل الله ؟ إنَّ أعزَّ أهلي عليَّ أن يتخلَّف عني؛ المهاجرون والأنصار وغفارٌ وأسلم)). وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قال: لمَّا قفل رسول الله وَّر من تبوك إلى المدينة ، همَّ جماعةٌ من المنافقين بالفتك به ، وأن يطرحوه من رأس عَقَبَةٍ في الطريق ، فأخبر بخبرهم ، فأمر الناس بالمسير من الوادي ، وصعِد هو العقبة ، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثَّموا ، وأمر رسول الله ﴿ عمار بن ياسرٍ وَحُذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمارٌ آخذٌ بزمام الناقة، وحُذَيفة يسوقها ، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم ، فغضب رسول الله رَّه، وأبصر حذيفة غضبه، فرجع إليهم ومعه محجنٌ ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنُّوا أن قد أظهر على (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٧/٢) . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٨/٢). ٦٧٤ ذكر بعثه مميز خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة ما أضمروه من الأمر العظيم، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله وعليه ، فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة، ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله وم لو لحذيفة: (( هل عرفت هؤلاء القوم؟)) قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشِيتُهم. ثم قال: ((علمتما ما كان من شأن هؤلاء الرّكب؟)). قالا: لا . فأخبرهما بما كانوا تمالؤوا عليه، وسمَّاهم لهما، واستكتمهما ذلك، فقالا: يا رسول الله، أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: ((أكره أن يتحدَّث الناس أنَّ محمداً يقتل أصحابه )) . وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة، إلا أنَّه ذكر أنَّ النبيَّ وََّ إنَّما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده ، وهذا هو الأشبه ، والله أعلم ، ويشهد له قول أبي الدَّرداء لعلقمة صاحب ابن مسعودٍ : أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السَّواد والوساد ؟ - يعني ابن مسعودٍ - أليس فيكم صاحب السرِّ الذي لا يعلمه غيره؟ - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمدٍ وَلّ؟ - يعني عماراً. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أنَّه قال لحذيفة : أقسمت عليك بالله ، أنا منهم؟ قال: لا ولا أبرِّىء بعدك أحداً. يعني حتى لا يكون مفشياً سرَّ النبيِّ وَقَد . قلت : وقد كانوا أربعة عشر رجلاً ، وقيل : كانوا اثني عشر رجلاً . وذكر ابن إسحاق أن رسول الله وَ ل بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له، فأخبرهم رسول الله وَل بما كان من أمرهم وبما تمالؤوا عليه . ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم، قال: وفيهم أنزل الله عز وجل: ﴿ وَهَقُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤]. وروى البيهقيُّ(١) من طريق محمد بن سَلَمة، عن ابن إسحاق ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرَّة ، عن أبي البَختريِّ، عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله وَّرِ أَقود به ، وعمارٌ يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمارٌ يقود به - حتى إذا كنّا بالعقبة إذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها . قال : فأنبهت رسول الله وَّ ر، فصرخ بهم فولَّوا مدبرين، فقال لنا رسول الله وَل: ((هل عرفتم القوم؟)). قلنا: لا يا رسول الله، قد كانوا متلقِّمين، ولكنَّا قد عرفنا الرِّكاب. قال: ((هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟)). قلنا: لا. قال: ((أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة ، فيلقوه منها )) . قلنا : يا رسول الله، أو لا تبعث إلى عشائرهم؛ حتى يبعث إليك كلُّ قومٍ برأس صاحبهم ؟ قال: ((لا، أكره أن تحدَّث العرب بينها أن محمداً قاتل بقوم ، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم)). ثم قال: ((اللهم ارمهم بالدُّبَيلة)). قلنا: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: ((شهابٌ من نارٍ يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك )) . (١) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٦٠/٥). ٦٧٥ ذكر بعثه # خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وفي ((صحيح مسلم (١) من طريق شعبة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن قيس بن عبادٍ قال : قلت لعمارٍ : أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر عليٍّ؛ أرأياً رأيتموه، أم شيئاً عهده إليكم رسول الله مَّدٍ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله وَ ﴾ شيئاً لم يعهده إلى الناس كافَّةً، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صل أنَّه قال: (( في أصحابي اثنا عشر منافقاً ، منهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط)). وفي رواية له (٢) من وجهٍ آخر عن قتادة: (( إن في أمتي اثني عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط ، ثمانيةٌ منهم تكفيكهم الذُّبَيلة ؛ سراجٌ من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجُم من صدورهم )) . قال الحافظ البيهقيّ(٣): وروينا عن حُذَيفة أنَّهم كانوا أربعة عشر، أو خمسة عشر، وأشهد بالله أنَّ اثني عشر منهم حربٌ لله ولرسوله وَّ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر ثلاثةً أنَّهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد . وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في « مسنده (٤) قال : حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، عن أبي الطُّفيل قال: لمَّا أقبل رسول الله وَّه من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى: إنَّ رسول الله وَ لَ آخذٌ بالعقبة، فلا يأخذها أحدٌ. فبينما رسول الله وَّل يقوده حذيفة ويسوقه عمارٌ، إذ أقبل رهطٌ متلثّمون على الرَّواحل، فغشُوا عماراً وهو يسوق برسول الله وَّه، وأقبل عمارٌ يضرب وجوه الرّواحل، فقال رسول الله وَ ﴿ لحذيفة: ((قُدُه) قُد)). حتى هبط رسول الله بَّه، فلمَّا هبط نزل ورجع عمارٌ، قال: (( يا عَمَّار، هل عرفت القوم؟)) قال: قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلفِّمون. قال: ((هل تدري ما أرادوا؟)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: (( أرادوا أن ينفروا برسول الله وَ ل﴿ فيطرحوه)). قال: فسارَّ عمارٌ رجلاً من أصحاب النبيِّ وَلّ فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال : أربعة عشر . فقال : إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر . قال : فعذر رسول الله وَله منهم ثلاثةَ قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله بَّه، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمارٌ: أشهد أن الاثني عشر الباقين حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا ، ويوم يقوم الأشهاد . (١) رقم (٢٧٧٩) (٩). أي: للإمام مسلم وهي عنده رقم (٢٧٧٩) (١٠). (٢) (٣) انظر ((دلائل النبوة) للبيهقي (٢٦٢/٥) . (٤) (٤٥٣/٥ - ٤٥٤)، وإسناده حسن . (٥) أي : أسرع . ٦٧٦ ذكر قصة مسجد ضرار قصة مسجد الضِّرَار قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِبِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْناً إِلَّا الْحُسْنَىّ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (َ لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَ اُلتَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ (ْ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرُّ أَم مَنْ أَسَّسَ بُلْيَنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارٍ جَهَنَّمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظّلِمِينَ ﴿َ لَا يَزَالُ بُنْيَئُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمُ﴾ [ التوبة: ١٠٧ - ١١٠ ] . وقد تكلَّمنا على تفسير ما يتعلَّق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا (( التفسير)) بما فيه كفايةٌ(١) ، ولله الحمد . وذكر ابن إسحاق(٢) كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله ، وكيفية أمر رسول الله ټژ بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة . ومضمون ذلك ؛ أن طائفةً من المنافقين بنَوا صورة مسجدٍ قريباً من مسجد قباءٍ، وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله بَّر فيه؛ حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد ، فعصم الله رسوله وسير من الصلاة فيه ؛ وذلك أنه كان على جناح سفَرٍ إلى تبوك ، فلما رجع منها فنزل بذي أوانٍ - مكانٍ بينه وبين المدينة ساعةٌ - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد ؛ وهو قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَقْرِبِقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلَّ ﴾ الآية. أما قوله: ﴿ ضِرَارًا﴾. فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباءٍ، ﴿ وَكُفْرًا ﴾ بالله لا للإيمان به ، ﴿ وَتَغْرِيقًا﴾ للجماعة عن مسجد قباءٍ، ﴿ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَرَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلٌ﴾ وهو أبو عامرِ الراهب الفاسق ، قبَّحه الله، وذلك أنه لما دعاه رسول الله وَله إلى الإسلام فأبى عليه، ذهب إلى أهل مكة فاستتفرهم ، فجاؤوا عام أحدٍ ، فكان من أمرهم ما قدَّمناه ، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر؛ ليستنصره على رسول الله وَّيه، وكان أبو عامرٍ على دين هرقل ممن تنصّر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعِدهم ويمنِّهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كلَّ حينٍ ، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة ، وباطنه دار حربٍ ومقرّ لمن يفد من عند أبي عامٍ الراهب، ومجمعٌ لمن هو على طريقتهم من المنافقين، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾. ثم قال: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ﴾. أي الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. أي؛ إنما أردنا (١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) (١٤٨/٤). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٩/٢). ٦٧٧ ذكر قدومه - ية - المدينة ببنائه الخير. قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. ثم قال الله تعالى لرسوله: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ . فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرِّر أمره، ثم أمره وحثّه على القيام في المسجد الذي أسِّس على التقوى من أول يوم ، وهو مسجد قباءٍ ، لما دل عليه السياق ، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرةٌ إليه، وما ثبت في ((صحيح مسلم)(١) من أنه مسجد رسول الله وٍَّ لا ينافي ما تقدَّم ؛ لأنه إذا كان مسجد قباءٍ أسِّس على التقوى من أول يومٍ ، فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى ، وأثبت في الفضل منه وأقوى ، وقد أشبعنا القول في ذلك في (( التفسير)) ولله الحمد . والمقصود أن رسول الله وَّ لما نزل بذي أَوانٍ، دعا مالك بن الدُّخشم ومعن بن عديٍّ - أو أخاه عاصم بن عديٍّ - رضي الله عنهما، فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرِّقاه بالنار ، فذهبا فحرَّقاه بالنار ، وتفرَّق عنه أهله . قال ابن إسحاق (٢) : وكان الذين بنَوه اثني عشر رجلاً وهم ؛ خِذام بن خالدٍ وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد ، وثعلبة بن حاطبٍ ، ومعتِّب بن قشيرٍ ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وعبَّاد بن حنيفٍ أخو سهل بن حنيفٍ ، وجارية بن عامرٍ ، وابناه مجمِّعٌ وزيدٌ ، ونبتل بن الحارث ، وبَحزجٌ وهو إلى بني ضبيعة ، ويِجاد بن عثمان ، وهو من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابتٍ وهو إلى بني أميّة . قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلَّى رسول الله وَّ خلف عبد الرحمن بن عوفٍ صلاة الفجر، أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله وسلّم ذهب يتوضَّأ ومعه المغيرة بن شعبة ، فأبطأ على الناس ، فأقيمت الصلاة ، فتقدَّم عبد الرحمن بن عوفٍ ، فلما سلَّم الناس أعظموا ما وقع ، فقال لهم رسول الله وَلي: ((أحسنتم وأصبتم)) وذلك فيما رواه البخاريُّ(٣)، رحمه الله، قائلاً: حدَّثنا . [ قدومه لة المدينة ] وقال البخاريُّ(٤): حدَّثنا أحمد بن محمدٍ ، حدَّثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا حميدٌ الطويل ، عن أنس بن مالكِ، رضي الله عنه، أن رسول الله وَ ﴿ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: ((إن بالمدينة أقواماً ، ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم)). فقالوا : يا رسول الله ، وهم بالمدينة؟! قال: (( وهم بالمدينة ، حبسهم العذر )) . تفرد به من هذا الوجه . (١) رقم (١٣٩٨) في الحج: باب لا تشد الرحَّال إلا إلى ثلاثة مساجد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٣٠). (٢) (٣) روى البخاري منه قصة الوضوء فقط رقم (٤٤٢١) وروى مسلم تاماً رقم (٢٧٤). (٤) رواه البخاري رقم (٤٤٢٣) . ٦٧٨ ذكر قدومه - مصر - المدينة وقال البخاريُّ(١): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ ، حدَّثنا سليمان، حدَّثني عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعدٍ ، عن أبي حميدٍ قال: أقبلنا مع رسول الله بَّه من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال : ((هذه طابة، وهذا أحدٌ؛ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه)). ورواه مسلم(٢) ، من حديث سليمان بن بلال به نحوه . وقال البخاريّ(٣): حدَّثنا عبد الله بن محمدٍ، حدَّثنا سفيان ، عن الزهريِّ ، عن السائب بن يزيد قال: أذكر أنِّي خرجت مع الصبيان نتلقَّى رسول الله وَ لل إلى ثنيّة الوداع مقدمه من غزوة تبوك . ورواه أبو داود والترمذيٌّ(٤) من حديث سفيان بن عيينة به ، وقال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ . وقال البيهقي(٥): أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو عمرو بن مطرٍ ، سمعت أبا خليفة يقول : سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله وَل والمدينة٦)، جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: [ من مجزوء الرمل ] مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا . مَا دَعَا للهِ داعٍ وجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا قال البيهقيُّ(١): وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة ، لا أنه لما قدم المدينة من ثنيَّات الوَدَاع عند مقدمه من تبوك ، والله أعلم ، فذكرناه هاهنا أيضاً . قال البخاري(٨)، رحمه الله : (١) رواه البخاري رقم (٤٤٢٢). رواه مسلم رقم (١٣٩٢ ). (٢) رواه البخاري رقم ( ٤٤٢٧). (٣) رواه أبو داود رقم (٢٧٧٩) والترمذي رقم ( ١٧١٨). (٤) في ((دلائل النبوة)) (٢٦٦/٥) وهو ما ذهب إليه ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٤٨١/٣ - ٤٨٢) وقال: ((وبعض الرواة يهم في هذا ويقول : إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة ، وهو وهم ظاهر ، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام ، لا يراها القادم من مكَّة إلى المدينة ، ولا يمرُّ بها إلا إذا توجه إلى الشام ، فلما أشرف على المدينة قال: ((هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه)). وانظر ((المغانم المطابة في معالم طابة)) للفيروزابادي ص (٨٠ - ٨١) بتحقيق شيخنا العلاَّمة حمد الجاسر رحمه الله . (٥) يعني من غزوة تبوك . (٦) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٦٦/٥). (٧) رواه البخاري رقم ( ٤٤١٨ ) . (٨) ٦٧٩ ذكر حديث كعب بن مالك رضي الله عنه حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه حذَّثنا يحيى بن بكيرٍ ، حدَّثنا اللّيث ، عن عقيلٍ ، عن ابن شهابٍ ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكِ ، أن عبد الله بن كعب بن مالكٍ - وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالكِ يحدِّث حين تخلَّف عن قصة تبوك، قال كعبٌ: لم أتخلَّف عن رسول الله بِ ◌ّه في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلَّفت في غزوة بدرٍ ، ولم يعاتَب أحدٌ تخلّف عنها ، إنما خرج رسول الله وَّ﴿ يريد عير قريشٍ ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعادٍ ، ولقد شهدت مع رسول الله وَّل ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكر في الناس منها ، كان من خبري أني لم أكن قطُ أقوى ولا أيسر حين تخلَّفت عنه في تلك الغزاة ، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قطّ ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول الله يريد غزوةً إلا ورَّى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول الله في حزٍّ شديدٍ ، واستقبل سفراً بعيداً ، ومفازاً ، وعدوّاً كثيراً ، فجلَّى للمسلمين أمرهم ؛ ليتأهبوا أُهبة غزوتهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله وَّ﴿ كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ - يريد الدِّيوان - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلا ظنَّ أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله بَّه تلك الغزوة حين طابت الثمار والظِّلال، وتجهّز رسول الله وَّ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً ، فأقول في نفسي : أنا قادرٌ عليه . فلم يزل يتمادى بي ، حتى اشتد بالناس الجدُّ ، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جَهازي شيئاً ، فقلت : أتجهّز بعده بيوم أو يومين ، ثم ألحقهم . فغدوت بعد أن فصلوا لأَتجهّز ، فرجعت ولم أقض شيئاً ، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً ، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، وهممت أن ارتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدَّر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم ، أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموضاً عليه النفاق ، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله وَّل حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك : (( ما فعل كعبٌ؟)) فقال رجلٌ من بني سَلِمة: يا رسول الله، حبسه برداه ، ونظره في عطفيه . فقال معاذ بن جبلٍ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله وَّر. قال كعب بن مالكِ ، قال : فلما بلغني أنه توجّه قافلاً ، حضرني همِّي ، وطفقت أتذكَّر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غداً؟ واستعنت على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله بَّ ه قد أظلَّ قادماً ، زاح عني الباطل ، وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيءٍ فيه كذبٌ ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول الله وَّر قادماً، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد ، فيركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاء المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً ، فقبل منهم ٦٨٠ ذكر حديث كعب بن مالك رضي الله عنه رسول الله وَل علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ، عز وجل ، فجئته ، فلما سلَّمت عليه تبسّم تبتُم المغضب. ثم قال: ((تعال)). فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ((ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ )) فقلت: بلى، إنِّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذرٍ ، ولقد أُعطيت جَدَلاً ، ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني ، لَيُوشِكَنَّ الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدَّثتك حديث صدقٍ تجد عليَّ فيه ، إنِّي لأرجو فيه عفو الله ، لا والله ما كان لي من عذرٍ ، والله ما كنت قطُ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلَّفت عنك. فقال رسول الله مَ طير: ((أمَّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)). فقمت ، وثار رجالٌ من بني سَلِمة فاتَّبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله وَ ل# بما اعتذر إليه المخلَّفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك . فوالله ما زالوا يؤنِبونني حتى هممت أن أرجع فأكذِّب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحدٌ ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العَمْرُّ ، وهلال بن أميّة الواقفيُّ . فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوةٌ ، فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله ◌َّه المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين من تخلَّف عنه، فاجتنَبنا الناس وتغيّروا لنا ، حتى تنكَّرت في نفسي الأرض ، فما هي التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً ، فأما صاحباي فاستكانا ، وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلَدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحدٌ ، وآتي رسول الله وَ ليِ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلِّي قريباً منه ، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس ، مَشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلَّمت عليه ، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام ، فقلت: يا أبا قتادة ، أُنْشُدك بالله هل تعلمني أحبُّ الله ورسوله ؟ فسكت فعدت له فنشدته فسکت ، فعدت له فنشدته ، فقال : الله ورسوله أعلم . ففاضت عيناي ، وتولَّت حتى تسوَّرت الجدار . قال : وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيٍّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعامٍ يبيعه بالمدينة يقول : من يدلُّني على كعب بن مالكِ ؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتاباً من ملك غسّان ، فإذا فيه : أمَّا بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هواٍ ولا مضيعةٍ ، فالحق بنا نواسك . فقلت لما قرأتها : وهذا أيضاً من البلاء . فتيمَّمت بها التَّنُّور فسجرته بها ، حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ◌ِ له يأتيني، فقال: إن رسول الله وَلَه يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت : أطلِّقها أم ماذا أفعل ؟ قال: لا ، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فتكوني عندهم ، حتى يقضيَ الله في هذا الأمر . قال كعب :