Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
ذكر غزوة مؤتة
قال ابن إسحاق(١): ولما أصيب القوم، قال رسول الله وَ ل، فيما بلغني: ((أخذ الراية زيد بن حارثة،
فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيداً)). قال: ثم صمت رسول الله وَل
حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنُّوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: «ثم أخذها
عبد الله بن رواحة، فقاتل بها حتى قتل شهيداً)). ثم قال: ((لقد رفعوا إليَّ في الجنة ، فيما يرى النائم ،
على سُرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سريري صاحبيه ، فقلت : عمَّ هذا؟))
فقيل لي : مضيا ، وتردّد عبد الله بن رواحة بعض التردُّد ثم مضى)) . هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعاً.
وقد قال البخاريُّ(٢): ثنا أحمد بن واقد، ثنا حمَّاد بن زيد ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن
أنس بن مالك، أن رسول الله وَ ل﴿ل نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس ، قبل أن يأتيَهم خبرهم ، فقال :
(( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها ابن رواحة فأصیب ۔ وعيناه تذرفان - حتى
أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم)). تفرَّد به البخاريُّ، ورواه في موضع آخر(٣) ،
وقال فيه وهو على المنبر: ((وما يسؤُّهم أنهم عندنا)).
وقال البخاريُّ(٤): ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا مُغِيْرَة بن عبد الرحمن - المَخْزُوميُّ وليس بالخزاميِّ -
عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أمَّر رسول الله وَّر في غزوة مؤتة زيد بن
حارثة، فقال رسول الله وَ له: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة)). قال عبد الله :
كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب ، فوجدناه في القتلى ، ووجدنا في جسده بضعاً
وتسعين من طعنة ورمية . تفرّد به البخاريُّ أيضاً .
وقال البخاريُّ أيضا٥ً): حدَّثنا أحمد، ثنا ابن وهب، عن عمرو، عن ابن أبي هلال - هو سعيد بن أبي
هلال اللَّيْئِيُّ - قال : وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل ،
فعددت به خمسين ، بين طعنة وضربة ، ليس منها شيء في دُبره . وهذا أيضاً من أفراد البخاريُّ . ووجه
الجمع بين هذه الرواية والتي قبلها ، أن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، اطّلع على هذا العدد ، وغيره اطّلع
على أكثر من ذلك. أو أن هذه في قُبُله أصيبها قبل أن يقتل ، فلمَّا صرع إلى الأرض ، ضربوه أيضاً ضربات
في ظهره ، فعدَّ ابن عمر ما كان في قُبُله وهو في وجوه الأعداء قبل أن يقتل ، رضي الله عنه .
ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ، ثم شماله ، ما رواه
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨٠).
(٢) في (( صحيحه )) رقم ( ٤٢٦٢) .
(٣) في ((صحيحه)) رقم (٢٧٩٨) .
(٤) في ((صحيحه)) رقم (٤٢٦١) .
(٥) في (( صحيحه)) رقم (٤٢٦٠) .

٤٨٢
ذكر غزوة مؤتة
البخاريٌّ(١) ، ثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا عمر بن علي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر قال : كان
ابن عمر إذا حيًّا ابن جعفر قال : السلام عليك يا بن ذي الجناحين .
ورواه أيضا٢ً) في المناقب ، والنسائيُّ من حديث يزيد بن هارون ، عن إسماعيل بن أبي خالد به .
وقال البخاريّ(٣) : ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت
خالد بن الوليد يقول : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية .
ثم رواه٤) عن محمد بن المثنَّى ، عن يحيى ، عن إسماعيل ، حدَّثني قيس ، سمعت خالد بن الوليد
يقول : لقد دُقَّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وصبرت في يدي صفيحة يمانية . انفرد به البخاريُّ .
قال الحافظ أبو بكر البيهقيّ(٥): أخبرنا أبو نصر بن قَتَادَة، أخبرنا أبو عمرو بن مَطَر ، ثنا أبو خليفة
الفضل بن الحُبَابِ الجُمَحِيُّ ، ثنا سليمان بن حَرْب ، ثنا الأسود بن شيبان ، عن خالد بن سُمَير قال : قدم
علينا عبد الله بن رباح الأنصاريُّ ، وكانت الأنصار تفقِّهه ، فغشيه الناس ، فغشيتُه في من غشيه فقال :
حدَّثنا أبو قتادة، فارس رسول الله به خير قال: بعث رسول الله وَّل جيش الأمراء، وقال: ((عليكم زيد بن
حارثة ، فإن أصيب زيد فجعفر ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة)) . قال : فوثب جعفر وقال :
يا رسول الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيداً عليَّ. قال: ((امض، فإنك لا تدري أيُّ ذلك خير)).
فانطلقوا فلبثوا ماشاء الله، فصعِد رسول الله وَ ل و المنبر، فأمر فنودي : الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى
رسول الله وَ له فقال: ((أخبركم عن جيشكم هذا؛ إنَّهم انطلقوا فلقوا العدوّ، فقتل زيد شهيداً - فاستغفر
له - ثم أخذ اللواء جعفر ، فشدَّ على القوم حتى قتل شهيداً - شهد له بالشهادة ، واستغفر له ـ ثم أخذ اللواء
عبد الله بن رواحة ، فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من
الأمراء، هو أمَّر نفسه)). ثم قال رسول الله وَّل: ((اللهمَّ إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره)). فمن
يومئذ سمي خالد سيف الله .
ورواه النسائي(٦) من حديث عبد الله بن المبارك، عن الأسود بن شيبان، به نحوه . وفيه زيادة حسنة،
وهو أنه ، عليه الصلاة والسلام، لمَّا اجتمع إليه الناس قال: ((ثاب خبر، ثاب خبر ... )) وذكر الحديث .
في (( صحيحه)) رقم (٣٧٠٩) و(٤٢٦٤).
(١)
(٢) يعني البخاري وهو عنده رقم (٣٧٠٩) وهو عند النسائي أيضاً في ((السنن الكبرى)) رقم (٨١٥٨).
(٣)
في « صحيحه )) رقم (٤٢٦٥ ).
(٤)
يعني البخاري وعو عنده رقم (٤٢٦٦).
(٥)
في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٦٧).
(٦) في (( السنن الكبرى)) رقم (٨١٥٩)، وهو حديث صحيح .

٤٨٣
ذكر غزوة مؤتة
وقال الواقدي١ٌّ): حدَّثني عبد الجَبَّار بن عُمَارَة بن غزيَّة، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم
قال: لمَّا التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله وَ له على المنبر، وكشف الله له ما بينه وبين الشام ، فهو
ينظر إلى معتركهم، فقال: ((أخذ الراية زيد بن حارثة ، فجاءه الشيطان ، فحبَّب إليه الحياة ، وكرَّه إليه
الموت ، وحبَّب إليه الدُّنيا ، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين ، تحبِّب إليَّ الدُّنيا ؟!
فمضى قدماً حتى استشهد)). فصلى عليه رسول الله اص ليه، وقال: ((استغفروا له ، فقد دخل الجنة وهو
یسعی )) .
قال الواقديٌّ(٢): وحدَّثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله وَ ليل قال:
(( لمَّا قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، فجاءه الشيطان ، فحبَّب إليه الحياة ، وكره إليه الموت ،
ومنَّاه الدُّنيا ، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تُمنِّيني الدنيا ؟! ثم مضى قدما حتى
استشهد)). فصلى عليه رسول الله وَّل، ثم قال: ((استغفروا لأخيكم، فإنَّه شهيد، دخل الجنة ، فهو
يطير في الجنة بجناحين من ياقوت، حيث يشاء من الجنة)). قال: (( ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ،
فاستشهد ، ثم دخل الجنة معترَضاً)). فشقَّ ذلك على الأنصار ، فقيل: يا رسول الله، ما اعتراضه ؟
قال: ((لمَّا أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فتشجَّع، واستشهد فدخل الجنة)) . فسُرِّي عن قومه .
قال الواقديّ(٣): وحدَّثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه قال: لمَّا أخذ خالد بن الوليد
الراية، قال رسول الله وَلَهُ: ((الآن حَمِيَ الوَطِيس)).
قال الواقدي٤ٌّ): فحدَّثني العَطَّاف بن خالد قال: لمَّا قتل ابن رواحة مساءً ، بات خالد بن الوليد ،
فلمَّا أصبح ، غدا وقد جعل مقدمته ساقته ، وساقته مقدمته ، وميمنته ميسرته . قال : فأنكروا ما كانوا
يعرفون من راياتهم وهيئتهم ، وقالوا : قد جاءهم مدد . فرُعبوا وانكشفوا منهزمين . قال : فقتلوا مقتلة
لم يُقتلها قوم. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة، رحمه الله، في ((مغازيه))، فإنَّه قال بعد عمرة
الحديبية: ثم صدر رسول الله وَ له إلى المدينة، فمكث بها ستة أشهر، ثم إنه بعث جيشاً إلى مؤتة، وأمَّر
عليهم زيد بن حارثة، وقال: ((إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن
رواحة أميرهم)» . فانطلقوا، حتى لقوا ابن أبي سبرة الغسَّانيَّ بمؤتة ، وبها جموع من نصارى العرب
والروم ، بها تنوخ وبهراء ، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام ، ثم خرجوا فالتقوا على
(١) انظر ((المغازي)) (٢/ ٧٦١).
(٢) انظر ((المغازي)) (٢/ ٧٦١).
(٣) انظر ((المغازي)) (٧٦٤/٢).
(٤) انظر ((المغازي)) (٢ /٧٦٤).

٤٨٤
ذكر غزوة مؤتة
رَدَعُ(١) أحمر ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل ، ثم أخذه جعفر فقتل ، ثم أخذه
عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله وَ لل على خالد بن الوليد المخزوميِّ،
فهزم الله العدوّ، وأظهر المسلمين. قال: وبعثهم رسول الله وسلّ في جمادى الأولى، يعني سنة ثمان .
قال موسى بن عقبة: وزعموا أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال: ((مزَّ عليَّ جعفر في الملائكة، يطير كما يطيرون،
له جناحان)). قال: وزعموا، والله أعلم، أنَّ يعلى بن أميّة قدم على رسول الله وَل بخبر أهل مؤتة،
فقال له رسول الله وَ له: ((إن شئت فأخبرني، وإن شئت أخبرتُك)). قال: أخبرني يا رسول الله. قال:
فأخبرهم رسول الله وَ ل خبرهم كلَّه ووصفه لهم. فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما تركت من حديثهم حرفاً
لم تذكره، وإنَّ أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله وَ له: ((إنَّ الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم)).
فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق ، من أنَّ خالداً
إنَّما حاشى بالقوم ، حتى تخلَّصوا من الروم وعرب النصارى فقط ، وموسى بن عقبة والواقديُّ مصرِّحان
بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم ، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعاً: (( ثم أخذ
الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه)). رواه البخاريُّ(٢)، وهذا هو الذي رجَّحه ومال إليه
الحافظ البيهقيُّ(٣) بعد حكاية القولين ؛ لما ذكره من الحديث .
قلت : ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين ، وهو أن خالداً لمَّا أخذ الراية حاشى
بالقوم المسلمين ، حتى خلَّصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة ، فلمّا أصبح وحوَّل الجيش
ميمنةً وميسرة ، ومقدمة وساقة ، كما ذكره الواقديُّ ، توهّم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين ،
فلما حمل عليهم خالد ، هزموهم بإذن الله ، والله أعلم .
ولكن قال ابن إسحاق(٤): حدَّثني محمد بن جعفر ، عن عروة قال : لمَّا أقبل أصحاب مؤتة ،
تلقاهم رسول الله وَّلة والمسلمون معه، قال: ولقيهم الصِّبيان يشتدون، ورسول الله وَّةو مقبل مع القوم
على دابة، فقال: ((خذوا الصِّبيان فاحملوهم ، وأعطوني ابن جعفر)). فأُتي بعبد الله ، فأخذه فحمله
بين يديه . قال : وجعل الناس يحثون عليهم بالتراب ويقولون : يا فرَّار ، فررتم في سبيل الله ؟ ! . فقال
رسول الله وَل: ((ليسوا بالفرَّار، ولكنهم الكرَّار إن شاء الله تعالى)) . وهذا مرسل من هذا الوجه ، وفيه
غرابة . وعندي ، أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق ، فظنَّ أن هذا لجمهور الجيش ، وإنمَّا كان
للذين فرُّوا حين التقى الجمعان، وأما بقيَّتُهم فلم يفُّوا، بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله وَفيه
(١) في (أ) و(ط): ((زرع)) والتصحيح من ((النهاية)) لابن الأثير (٢/ ٢١٥) والردغ : الطين والوحل الكثير .
(٢) في ((صحيحه )) رقم (٤٢٦٢) .
(٣) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٧٥).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٢/٢).

٤٨٥
ذكر غزوة مؤتة
المسلمين وهو على المنبر، في قوله: (( ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه)). فما
كان المسلمون ليسمُّوهم فُرَّاراً بعد ذلك، وإنما تلقَّوهم ؛ إكراماً لهم وإعظاماً ، وإنما كان التأنيبُ وحَتي
التُّراب للذين فرَّوا وتركوهم هنالك ، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما .
وقد قال الإمام أحمد(١) : ثنا حسن، ثنا زهير ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن عبد الله بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله وَلير، فحاص الناس حيصة، وكنت
فيمن حاص ، فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبُؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا : لو دخلنا المدينة فبتنا .
ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله وَ له، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا . فأتيناه قبل صلاة الغداة ،
فخرج فقال: ((مَن القوم؟)) قال: فقلنا: نحن الفرَّارون. فقال: (( لا، بل أنتم العكَّارون، أنا
فئتكم ، وأنا فئة المسلمين)) . قال : فأتيناه حتى قبّلنا يده .
ثم رواه عن غُنْدرٍ(٢) ، عن شعبة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن ابن أبي ليلى ، عن ابن عمر قال : كنّا
في سريّة ففررنا، فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله وَ له فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرَّارون.
فقال : ((لا ، بل أنتم العگَّارون )) .
ورواه أبو داود ، والترمذيُّ ، وابن ماجه (٣) من حديث يزيد بن أبي زياد ، وقال الترمذيُّ : حسن ،
لا نعرفه إلا من حديثه .
وقال أحمد(٤) : ثنا إسحاق بن عيسى ، وأسود بن عامر قالا : ثنا شريك ، عن يزيد بن أبي زياد ،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله وَّ في سريّة، فلمَّا لقينا العدوَّ انهزمنا
في أول غادية ، فقدمنا المدينة في نفر ليلاً فاختفينا، ثم قلنا: لو خرجنا إلى رسول الله بص له واعتذرنا إليه.
فخرجنا إليه ، فلمَّا لقيناه قلنا: نحن الفرّارون يا رسول الله. قال: (( بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتكم)).
قال الأسود: (( وأنا فئة كلِّ مسلم )) .
وقال ابن إسحاق(٥) : حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عامر بن عبد الله بن
الزُّبير، [ عن بعض آل الحارث بن هشام، وهم أخواله ] أنَّ أمَّ سلمة زوج النبي ◌َّ قالت لامرأة سلمة بن
هشام بن المغيرة : ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ومع المسلمين ؟ قالت : ما يستطيع أن
(١) رواه أحمد فى ((المسند)) (٢/ ٧٠)، وإسناده ضعيف.
(٢) يعني الإمام أحمد في ((المسند)) (٨٦/٢)، وإسناده ضعيف .
(٣) هو عند أبي داود رقم (٢٦٤٧) و(٥٢٢٣) والترمذي رقم (١٧١٦) وابن ماجه رقم (٣٧٠٤)، ويزيد بن أبي
زياد ، ضعيف .
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ١١٠)، وإسناده ضعيف.
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨٢).

٤٨٦
ذكر غزوة مؤتة
يخرج ، كلمَّا خرج صاح به الناس : يا فَزَّار ، فررتم في سبيل الله ؟! حتى قعد في بيته ما يخرج . وكان
ـو
في غزاة مؤتة .
قلت : لعلَّ طائفة منهم فرُّوا لمَّا عاينوا كثرة جموع العدوِّ ، وكانوا أكثر منهم بأضعاف مضاعفة ؛ فإنَّ
الصحابة ، رضي الله عنهم ، كانوا ثلاثة آلاف ، وكان العدُّو - على ما ذكروه - مئتي ألف، ومثل هذا يسوِّغ
الفرار ، على ما قد تقرّر ، فلمَّا فرَّ هؤلاء ، ثبت باقيهم ، وفتح الله عليهم ، وتخلصوا من أيدي أولئك ،
وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، كما ذكره الواقديُّ وموسى بن عقبة من قبله .
ويؤيّد ذلك [ أيضاً ويزيده قوة ويشهد له ] بالصحة، ما رواه الإمام أحمد(١): ثنا الوليد بن مسلم ،
حدَّثني صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجعيّ
قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين ، في غزوة مؤتة ، [ ورافقني }٢) مدديٍّ من
اليمن ، ليس معه غير سيفه ، فنحر رجل من المسلمين جزوراً ، فسأله المدديُّ طائفة من جلده ، فأعطاه
إياه ، فاتخذه كهيئة الدَّرقة ، ومضينا فلقينا جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس له أشقر ، عليه سرج
مذهَّب وسلاح مذهَب ، فجعل الروميُّ يغري بالمسلمين ، وقعد له المدديُّ خلف صخرة ، فمرَّ به الروميُّ
فعرقب فرسه ، فخرّ وعلاه ، فقتله ، وحاز فرسه وسلاحه ، فلمَّا فتح الله للمسلمين ، بعث إليه خالد بن
الوليد فأخذ منه السلب . قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمتَ أنَّ رسول الله مَليل قضى بالسلب
للقاتل؟ قال: بلى، ولكنِّي استكثرته. فقلت: لتردَّنَّه إليه أو لأعرِّفنَّكها عند رسول الله وِّر. فأبى أن يردّ
عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله وَّله، فقصصت عليه قصة المدديِّ وما فعل خالد، فقال
رسول الله وَّ: ((يا خالد، ردَّ عليه ما أخذت منه)). قال عوف: فقلت : دونك يا خالد ، ألم أفِ
لك ؟! فقال رسول الله وَ له: ((وما ذاك؟)) فأخبرته، فغضب رسول الله وَ له وقال: ((يا خالد، لا تردَّ
عليه ، هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره )) . قال الوليد: سألت ثوراً عن هذا
الحديث ، فحدَّثني عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن عوف ، بنحوه .
ورواه مسلم وأبو داود(٣) ، من حديث جبير بن نفير ، عن عوف بن مالك ، به نحوه .
وهذا يقتضي أنَّهم غنموا منهم ، وسلبوا من أشرافهم ، وقتلوا من أمرائهم ، وقد تقدَّم فيما رواه
البخاريُّ(٤) أن خالداً ، رضي الله عنه ، قال : اندقّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وما ثبت في يدي إلا
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٦/ ٢٧).
(٢)
في (ط): ((ووافقني)).
(٣) رواه مسلم رقم (١٧٥٣) وأبو داود رقم (٢٧١٩).
(٤) في (( صحيحه )) رقم (٤٢٦٦) .

٤٨٧
ذكر غزوة مؤتة
صفيحة يمانية . وهذا يقضي أنَّهم أثخنوا فيهم قتلاً ، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلّص منهم ،
وهذا وحده دليل مستقلٌّ ، والله أعلم .
وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقديِّ والبيهقيِّ، وحكاه ابن هشامُ(١) عن الزهريِّ.
قال البيهقيُّ(٢)، رحمه الله: اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم ، فمنهم من ذهب إلى
ذلك ، ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين ، وأن المشركين انهزموا . قال : وحديث
أنس بن مالك، عن النبيّ وَّ: (( ثم أخذها خالد، ففتح الله عليه)) يدلُّ على ظهورهم عليهم. والله أعلم.
قلت : وقد ذكر ابن إسحاق(٣) أنَّ قُطبة بن قتادة العذريَّ، وكان رأس ميمنة المسلمين ، حمل على
مالك بن زافلة - قال ابن هشام : ويقال : رافلة . بالراء - وهو أمير أعراب النَّصارى ، فقتله ، وقال يفتخر
بذلك : [ من المتقارب ]
برُمحِ مضى فيه ثم انحطَمْ
طعنتُ ابن زافلةَ بن الإراش
فمال كما مال غصن السَّلَمْ
ضربت على جيده ضربة
غداة رقوقين سوق النَّعَمْ
وسقنا نساء بني عمِّه
وهذا يؤيِّد ما نحن فيه ؛ لأنَّ من عادة أمير الجيش إذا قتل ، أن يفرّ أصحابه ، ثم إنَّه صرَّح في شعره
بأنهم سبوا من نسائهم ، وهذا واضح فيما ذكرناه . والله أعلم . وأمَّا ابن اسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن
إلا المخاشاة والتخلّص من أيدي الروم ، وسمَّى هذا نصراً وفتحاً ؛ أي : باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة
العدوِّ بهم ، وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادة أن يصطلموا بالكليّة ، فلمَّا
تخلَّصوا منهم وانحازوا عنهم ، كان هذا غاية المرام في هذا المقام ، وهذا محتمل ، لكنَّه خلاف الظاهر
من قوله عليه الصلاة والسلام: (( ففتح الله عليهم )).
والمقصود أن ابن اسحاق يستدلُّ على ما ذهب إليه ، فقال : وقد قال ــ فيما كان من أمر الناس ، وأمر
خالد بن الوليد ، ومخاشاته بالناس ، وانصرافه بهم - قيس بن المحسَّر اليعمريُّ ، يعتذر ممَّا صنع يومئذ
وصنع الناس : [ من الطويل ]
على موقفي والخَيل قابعةٌ قُبْلُ
فوالله لا تَنْفَكُ نفسي تَلُومني
ولا مانعاً من كان حمَّ لَهُ القَتْلُ
وقفت بها لا مُستجِيراً فنافذاً
أَلا خالدٌ في القوم ليس له مِثْلُ
على أنَّني آسيت نفسي بخالدٍ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٣/٢).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٧٥/٤).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨١).

٤٨٨
ذكر غزوة مؤتة
بِمُؤْتَةَ إذ لا يَنْفَعُ النّابِلَ النَّبْلُ
وجاشت إليَّ النفسُ من نحو جعفرٍ
وضَمَّ إلينا حُجْزَتَيْهِمْ كِلَيْهِمَا مُهَاجِرَةٌ لا مُشْركون ولا عُزْل
قال ابن اسحاق(١) : فبيّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره ؛ أن القوم حاجزوا وكرهوا
الموت ، وحقّق انحياز خالد بمن معه . قال ابن هشام : وأمَّا الزهريُّ فقال، فيما بلغنا عنه: أقَّر
المسلمون عليهم خالد بن الوليد ، ففتح الله عليهم ، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة .
فصل
قال ابن إسحاق(٢): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر ، عن أمّ عيسى الخُزَاعَّة ، عن أمِّ جعفر بنت محمد بن
جعفر بن أبي طالب ، عن جدَّتها أسماء بنت عُمَيس قالت : لمَّا أُصيب جعفر وأصحابه ، دخل عليَّ
رسول الله ◌َ﴿، وقد دبغت أربعين مَنّاً، وعجنت عجيني، وغَسَّلْت بَنِيَّ ودهَّنتهم ونظّفتهم .
قالت: فقال رسول الله وَ الر: ((ائتيني ببني جعفر)). فأتينه بهم فشمَّهم وذرفت عيناه ، فقلت :
يا رسول الله، بأبي أنت وأمِّي، ما يُبكيك، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: (( نعم، أُصيبوا هذا
اليوم)). قالت: فَقُمت أَصيح، واجتمع إليَّ النساء، وخرج رسول الله بَّه إلى أهله فقال: (( لا تغفلوا
عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً ؛ فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم)).
وهكذا رواه الإمام أحمد (٣) من حديث ابن اسحاق .
ورواه ابن ماجه (٤) من طريق محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أمّ عيسى ، عن أمّ
عون بنت محمد بن جعفر ، عن أسماء ، فذكر الأمر بعمل الطعام ، والصواب أنَّها أمُّ جعفر وأمّ عون .
وقال الإمام أحمد(٥) : ثنا سفيان ، ثنا جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لمَّا جاء
نَعي جعفر حين قتل، قال النبيُّ وَلير: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم أمر يشغلهم)). أو:
(( أتاهم ما يشغلهم )) .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٣/٢).
(٢)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨٠).
في « المسند» (٦/ ٣٧٠) وإسناده ضعيف بطوله.
(٣)
(٤) رواه ابن ماجة رقم (١٦١١) : وهو حديث حسن .
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٥/١) وإسناده حسن ، له شواهده حسب جمع من العلماء .

٤٨٩
ذكر غزوة مؤتة
وهكذا رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه (١) من حديث سُفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد بن سَارَة
المَخْزُوميِّ المكيِّ ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، وقال الترمذيُّ : حسن .
ثم قال محمد بن إسحاق(٢): حدَّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيِّ بَّه
قال: لما أتى نعيُّ جعفر، عرفنا في وجه رسول الله وَ لَّ الحُزْنَ. قالت : فدخل عليه رجل ، فقال :
يا رسول الله، إن النساء عنَّيننا وفتنَّنَا. قال: ((ارجع إليهنَّ فأسكتْهنَّ)). قالت: فذهب ثم رجع، فقال
له مثل ذلك. قالت: وربما ضرّ التَّكلَّف، يعني أهله. قالت: قال: (( فاذهب فأسكتْهن ، فإن أَبين
فاحثُ في أفواههنَّ التُراب )) . قالت : وقلت في نفسي: أبعدك الله ، فوالله ما تركتَ نفسك، وما أنت
بمطيع رسول الله وَ لَه. قالت: وعرفت أنَّه لا يقدر [على أن ] يحثي في أفواههنَّ التراب . انفرد به ابن
إسحاق من هذا الوجه ، وليس في شيء من الكتب .
وقال البخاريٌّ(٣) : ثنا قتيبة ، ثنا عبد الوهّاب، سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عَمْرَة قالت :
سمعت عائشة تقول : لمَّا قُتل ابن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رَوَاحة ، جلس رسول الله
وَلّم يُعرف في وجهه الحُزن. قالت عائشة: وأنا أطَّلع من صائر الباب - شقِّ - فأتاه رجل فقال: أي
رسول الله، إن نساء جعفر . وذكر بكاءهنَّ، فأمره أن ينهاهنَّ . قالت : فذهب الرجل ، ثم أتى فقال :
والله لقد غلبننا. فَزَعَمَتْ أنَّ رسول الله وَ لَ قال: ((فاحث في أفواههنَّ من التُّرَاب)). قالت عائشة،
رضي الله عنها : فقلت: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، فو الله ما أنت تفعل، وما تركتَ رسول الله بَّه من العناء.
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ(٤) من طُرُقٍ، عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ، عن عَمْرَة، عنها.
وقال الإمام أحمد(٥) : ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي ، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدِّث عن
الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ومسير جيشاً ، استعمل عليهم زيد بن حارثة ،
وقال: ((إِن قُتِلَ زيدٌ أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة)) فلقوا
العدوّ ، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها عبد الله بن
رواحة فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرُهم النبيَّ ◌َّ فخرج إلى
(١) رواه أبو داود رقم (٣١٣٢) والترمذي رقم (٩٩٨) وابن ماجه رقم (١٦١٠)، وهو حديث حسن.
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨١).
(٣) رواه البخاري رقم ( ٤٢٦٣).
رواه مسلم رقم (٩٣٥) وأبو داود رقم (٣١٢٢) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (١٨٤٦).
(٤)
رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٥،٢٠٤/١)، وإسناده ضعيف، فإن خالد بن سارة والد جعفر مجهول الحال فقد
(٥)
روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في الثقات ، لذلك قال ابن القطاف : لا تعرف حاله ولا أعلم له إلا حديثين . أما قول
الحافظ ابن حجر في التقريب أنه ((صدوق)) ففيه نظر، كما بيناه في ((تحرير تقريب التهذيب)) (٣٤٤/١).

٤٩٠
ذكر غزوة مؤتة
الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : إنَّ إخوانكم لقوا العدوَ، وإنَّ زيداً أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو
استشهد ، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية عبد الله بن
رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ؛ خالد بن الوليد ، ففتح الله
عليه)). قال: ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: ((لا تبكوا على أخي بعد اليوم ، ادعوا
لي بني أخي)). قال: فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال: ((ادعوا لي الحلاق)) . فجيء بالحلاق ، فحلق
رؤوسنا، ثم قال: (( أما محمد فشبيه عمِّنا أبي طالب، وأمَّا عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي)). ثم أخذ
بيدي فأشالها وقال: ((اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه)). قالها ثلاث
مرات . قال : فجاءت أُمُّنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له ، فقال: (( العيلة تخافين عليهم وأنا وليُّهم
في الدنيا والآخرة ؟!)) ورواه أبو داود ببعضه ، والنسائيُّ في السِّير بتمامه من حديث وهب بن جرير ،
به(١) . وهذا يقتضي أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ، ثم نهاهم عنه بعدها .
ولعلَّه معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد(٢) ، من حديث الحكم ، عن عبد الله بن شداد ، عن
أسماء، أنَّ رسول الله بَ ◌ّه قال لها لمَّا أصيب جعفر: ((تسلَّبي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت)). تفرد به أحمد .
فيحتمل أنه أذن لها في التسلُّب ، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب ، ويكون هذا من باب التخصيص لها
بهذا ؛ لشدَّة حزنها على جعفرٍ أبي أولادها ، وقد يحتمل أن يكون أمراً لها بالتسلُّب ، وهو المبالغة في
الإحداد ثلاثة أيام ، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت ؛ مما يفعله المعتدات على أزواجهنَّ ، من الإحداد
المعتاد ، والله أعلم .
ويُروى: ((تسلَّي ثلاثاً)) أي: تصبَّري، ثلاثاً، وهذا بخلاف الرِّواية الأخرى، والله أعلم.
فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد(٣) : ثنا يزيد ، ثنا محمد بن طلحة ، ثنا الحَكَم بن عُتيبة ، عن
عبد الله بن شدَّاد، عن أسماء بنت عُميس قالت: دخل عليَّ رسول الله وسلّ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال:
((لا تُحِدِّي بعد يومك هذا)» فإنه من أفراد أحمد أيضاً، وإسناده لا بأس به(٤)، ولكنَّه مشكل إن حمل على
ظاهره؛ لأنَّه قد ثبت في «الصحيحين)(٥) أن رسول الله و ◌ّر قال: ((لا يَحِلّ لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر
أن تُحدَّ على ميتها أكثر من ثلاثة أيام ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)»، فإن كان مارواه الإمام أحمد
(١) رواه أبو داود رقم (٤١٩٢) والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٨٦٠٤) وهو حديث صحيح.
في (« المسند » (٤٣٨/٦)، وهو حديث ضعيف.
(٢)
(٣) في ((المسند)) (٣٦٩/٦).
قال الإمام أحمد : إنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد .
(٤)
قال الحافظ ابن حجر: وهو مصير منه إلى أن يُعِلَة بالشذوذ. انظر ((فتح الباري)) رقم (٥٣٣٤).
(٥) رواه البخاري رقم (١٢٨٠) ومسلم رقم ( ١٤٨٦).

٤٩١
ذكر غزوة مؤتة
محفوظاً ، فتكون مخصوصة بذلك ، أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم ، والله
أعلم .
قلت : وَرَثَتْ أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها : [ من الطويل ]
فَآليت لا تَنْفَكُّ نفسي حزينةً عليكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرا
فلله عينا مَنْ رأى مثلَه فتىَّ أَكَرَّ وَأَحْمَى في الهِيَاجِ وَأَصْبَرا
ثم لم تَنْشَبْ أن انقضت عدَّتُها ، فخطبها أبو بكر الصِّدِّيق ، رضي الله عنه ، فتزوَّجها ، فأَولم ، وجاء
الناس للوليمة ، فكان فيهم عليُّ بن أبي طالب، فلمَّا ذهب الناس استأذن عليُّ أبا بكر ، رضي الله
عنهما ، في أن يكلَّم أسماء من وراء السِّتر ، فأذن له ، فلما اقترب من السِّتر نفحه ريح طيبها ، فقال لها
عليٍّ ، على وجه البَسْطِ : من القائلة في شعرها: [من الطويل ]
فَآليتُ لا تَنْفَكُّ نفسي حزينةً عليك ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أَغْبَرا
قالت : دعنا منك يا أبا الحسن ، فإنَّك امرؤ فيك دُعَابة ، فولدت للصِّدِّيق محمد بن أبي بكر ، ولدته
بالشجرة بين مكة والمدينة، ورسول الله وَّم ذاهب إلى حَجَّة الوَدَاعِ، فأمرها أن تغتسل وتُهِلَّ ، وسيأتي
في موضعه ، ثم لمَّا توفي الصِّدِّيق ، تزوّجها بعده عليُّ بن أبي طالب ، وولدت له أولاداً ، رضي الله عنه
وعنها وعنهم أجمعين .
* :
فصل
قال ابن إسحاق(١): فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُرْوَة بن الزُّبير قال : فلما دنوا من
المدينة تلقَّاهم رسول الله وَّه والمسلمون. قال: ولقيهم الصِّبيان يشتدُّون، ورسول الله وَّل مقبل مع
القوم على دابة، فقال: (( خذوا الصِّبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر)). فأُتي بعبد الله بن جعفر ،
فأخذه فحمله بين يديه . قال : وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون : يا فرَّار ، فررتم في
سبيل الله؟! قال: فيقول رسول الله بقوله: ((ليسوا بالفرَّار، ولكنهم الكرَّار إن شاء الله)) وهذا مرسل.
وقد قال الإمام أحمد(٢): ثنا أبو مُعَاوية، ثنا عاصم، عن مُورِّق العِجْليِّ، عن عبد الله بن جعفر
قال : كان رسول الله بَ لّه إذا قدم من سفر تُلقِّي بالصبيان من أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه.
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨٢).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٣/١).

٤٩٢
ذكر غزوة مؤتة
قال : فحملني بين يديه . قال : ثم جيء بأحد ابنَي فاطمة ، إما حَسَنٌ وإما حُسَين ، فأردفه خلفه ، فدخلنا
المدينة ثلاثة على دابة .
وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه (١) من حديث عاصم [ الأحول ] عن مورِّق به.
وقال الإمام أحمد٢) : [ ثنا روح ] ، ثنا ابن جريج، ثنا جعفر بن خالد بن سَارَة ، أن أباه أخبره أن
عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابنَي العباس ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبيُّ بَلَه على
دابة فقال: ((ارفعوا هذا إليَّ)). [فحملني أمامه وقال لقثم: ((ارفعوا هذا إليَّ)) ] فجعله وراءه، وكان
عبيد الله أحبَّ إلى عباس من قثم ، فما استحى من عمِّه أن حمل قثم وتركه . قال : ثم مسح على رأسي
ثلاثاً، وقال كلَّما مسح: ((اللهم اخلف جعفراً في ولده)) . قال : قلت لعبد الله : ما فعل قثم؟ قال:
استُشهد . قال : قلت : الله ورسوله أعلم بالخير ، قال : أجل .
ورواه النسائيُّ في (( اليوم والليلة (٣) من حديث ابن جُريج ، به .
وهذا كان بعد الفتح ؛ فإن العَبَّاس إنما قدم المدينة بعد الفتح .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد(٤) : ثنا إسماعيل ، ثنا حبيب بن الشَّهيد، عن عبد الله بن أبي
مليكة ، قال : قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقَّينا رسول الله وَّل أنا وأنت وابن العباس ؟
قال : نعم . فحملنا وتركك .
هكذا رأيته في (( المسند ))، وكأنه غلط في النسخة ، فإنه من مسند عبد الله بن جعفر ، فصوابه :
قال : قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر: أتذكر إذا تلقَّينا رسول الله وَ ل أنا وأنت وابن العباس ؟
قال : نعم ، فحملنا وتركك .
وبهذا اللفظ أخرجه البخاريُّ، ومسلمُ(٥) من حديث حبيب بن الشَّهيد. وهذا يعدُّ من الأجوبة
المسكتة ، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضاً ، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد
الفتح ، كما قدَّمنا بيانه ، والله أعلم .
(١) رواه مسلم رقم (٢٤٢٨) وأبو داود رقم (٢٥٦٦) والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٤٢٤٦) وابن ماجة رقم
( ٣٧٧٣) .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١/ ٢٠٥) ، وهو حديث حسن .
(٣)
رواه النسائي في « السنن الكبرى )) رقم (١٠٩٠٥).
(٤)
رواه أحمد في «المسند)) (٢٠٣/١).
(٥) رواه البخاري رقم (٣٠٨٢) ومسلم رقم (٢٤٢٧) وقد جاء الحديث عند مسلم مقلوباً ، وقال الحافظ ابن حجر
العسقلاني في ((فتح الباري)) في ذلك منبّهاً: جعل - يعني مسلم - المستفهم عبد الله بن جعفر، والقائل ((فحملنا))
عبد الله بن الزبير ، والذي في ((صحيح البخاري)) أصح .

٤٩٣
ذكر غزوة مؤتة
فصل
في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة ؛ زيد وجعفر وعبد الله ،
[ رضي الله عنهم ]
أما زيد بن حارثة١) بن شَرَاحيلَ بن كعب بن عبد العُزَّى بن امرىء القيس بن عامر بن النّعمان بن
عامر بن عبد ودِّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذْرَة بن زيد اللاّت بن رُفَيدة بن ثَور بن كلب بن
وَبَرَةَ بِن تَغْلِبَ بن حُلْوَان بن عِمْرَان بن الحافِ بن قُضَاعة الكلبيُّ القضاعي، مولى رسول الله وَّ ؛ وذلك
أن أُمَّه ذهبت تزور أهلها ، فأغارت عليهم خيل بلقَين فأخذوه ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمَّته خديجة بنت
خويلد . وقيل: اشتراه رسول الله وَّر لها ، فوهبته من رسول الله قبل النبوة ، فوجده أبوه ، فاختار المقام
عند رسول الله وَ اليه، فأعتقه وتبنَّاه فكان يقال له: زيد بن محمد، وكان رسول الله وَ له يحبُّه حُبّاً شديداً ،
وكان أول من أسلم من الموالي ، ونزل فيه آيات من القرآن ؛ منها قوله [ تعالى]: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ
أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. وقوله تعالى: ﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾ [ الأحزاب: ٥].
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقوله : ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ
مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَنَّهُ فَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْتَكَهَا ﴾ [ الأحزاب: ٣٧].
أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه ، ومعنى ﴿ أنعم الله عليه﴾ أي بالإسلام، ﴿وأنعمتَ عليه ﴾ أي
بالعِثْقِ ، وقد تكلَّمنا عليها في ((التفسير)(٢).
والمقصود أن الله تعالى لم يسمِّ أحداً من الصحابة في القرآن غيره ، وهداه إلى الإسلام ، وأعتقه
رسول الله وَلّ، وزوَّجه مولاته أمَّ أيمن، واسمها بركة، فولدت له أسامة بن زيد ، فكان يقال له :
الحِبُّ بن الحِبِّ . ثم زوَّجه بابنة عمَّته زينب بنت جحش ، وآخى بينه وبين عمِّه حمزة بن عبد المطلب ،
وقدَّمه في الإمرة على ابن عمِّه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة ، كما ذكرناه .
وقد قال الإمام أحمد(٣) ، والإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة - وهذا لفظه ـ : ثنا محمد بن عُبيد ،
(١) ترجمته في ((الاستيعاب)) (٤٧/٤) و((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٠٢/١) و((جامع الأصول)) (١٤/ ١٠٥)
و((أسد الغابة)) (٢٨١/٢) و((الإصابة)) (٥٦٣/١) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٠/١) و((شذرات الذهب))
(١٢٦/١) بتحقيقي .
(٢) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) (٣٧٧/٦ - ٣٧٩ ٤١٩ -٤٢٦).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٦/٦) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) رقم (١٨٨٢٤).

٤٩٤
ذكر غزوة مؤتة
عن وائل بن داود، سمعت البَهِيَّ(١) يُحَدِّث أن عائشة كانت تقول: ما بَعَثَ رسولُ الله ◌ُ له زيد بن حارثة
في سريةٍ إلَّ أمَّره عليهم ، ولو بقي بعده لاستخلفه .
ورواه النسائيُّ(٢) ، عن أحمد بن سليمان، عن محمد بن عبيد الطَّنافسيِّ، به ، وهذا إسناد جيد قويٌّ
على شرط الصحيح ، وهو غريب جداً ، والله أعلم .
وقال الإمام أحمد (٣) : ثنا سليمان، ثنا إسماعيل، أخبرني ابن دينار ، عن ابن عمر ، رضي الله
عنه، أن رسول الله وَ ل بعث بعثاً، وأمَّر عليهم أُسامةَ بن زيد، فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام
رسول الله وَ ل* فقال: ((إنْ تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقاً
للإمارة ، وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإن هذا لمن أَحبِّ الناس إليَّ بعده)).
وأخرجاه في (( الصحيحين)(٤) عن قُتيبة ، عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدنيُّ - عن
عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ... فذكره .
ورواه البخاريُّ(٥) من حديث موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن أبيه .
ورواه البزّار من حديث عاصم بن عمر ، عن عبيد الله بن عمر العُمَريِّ ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ثم
استغربه من هذا الوجه .
وقال الحافظ أبو بكر البزَّار(٦): ثنا عمر بن إسماعيل [ بن مجالد، حدثني أبي ] عن مجالد ، عن
الشعبيِّ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما أُصيب زيد بن حارثة ، جيء بأُسامة بن زيد ، فأُوقف بين
يدي رسول الله مَّ، فدمعت عينا رسول الله وَّرَ، فَأَخِّرَ، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال: ((أُلاقي
[ مِنْكَ] اليوم ما لقيت منك أَمس)) وهذا الحديث فيه غَرَابة ، والله أعلم .
وقد تقدم في (( الصحيحين )(٧) أنه لما ذكر مُصَابهم وهو - عليه الصلاة والسلام - فوق المنبر ، جعل
يقول: ((أَخَذَ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها [ عبد الله ] بن رَوَاحَة [ فأُصيب ] ثم
أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم)). قال: وإن عينيه لتَذْرِفَان . وقال: ((وما يسرُّهم أنهم عندنا)).
(١) وهو (عبد الله مولى مصعب بن الزبير). انظر ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) للخزرجي (٣٤٧/٣).
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (٨١٨٢).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ١١٠).
(٤) رواه البخاري رقم (٦٦٢٧) ومسلم رقم (٢٤٢٦).
(٥) في (( صحيحه )) رقم ( ٤٤٦٨ ) .
(٦) كما في ((كشف الأستار عن زوائد البزَّار)) رقم (٢٦٧٥) وفيه عمر بن إسماعيل بن مجالد وهو متروك، كما قال
الحافظ في (( التقريب)).
(٧) هو عند البخاري رقم (٤٢٦٢) وليس هو عند مسلم ، كما أومأ إليه المصنف سابقاً .

٤٩٥
ذكر غزوة مؤتة
وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة ، فهم ممن يقطع لهم بالجنَّةُ(١)
وقد قال حَسَّان بن ثابت(٢) يرثي زيد بن حارثة وابن رَوَاحَة: [من الخفيف ]
عَينُ جُودي بدمعِكِ المنزُورِ
واذكري مُؤْتَةً وما كان فيها
حينَ راحوا وغادروا ثَمَّ زَيداً
حِبَّ خير الأنام طُرّاً جميعاً
ذاكُمُ أحمدُ الذي لا سِوَاهُ
إنَّ زيداً قد كَان مِنَّا بأمرٍ
ثم جُودي للخَزْرجيِّ بدمعٍ
قد أَتَانًا من قتلهم ما كَفَانَاً
واذكُري في الرَّحَاءِ أَهْلَ القُبُورِ
يوم راحوا في وقعة التَّغويرِ
نعم مَأوى الضَّريكِ(٣) والمأسورِ
سَيّدِ الناسِ حُّهُ في الصُّدورِ
ذاك حُزْني له معاً وَسُرُوري
ليس أَمْرَ المُكَذَّب المَغْرورِ
سَيِّداً كان ثَمَّ غير نَزُورٍ
فَبِحُزنٍ نَبِيتُ غيرِ سرورٍ
وأما جعفر بن أبي طالب(٤) بن عبد المطلب بن هاشم، فهو ابن عُمِّ رسول الله مَّةٍ، وكان أكبر من
أخيه عليٍّ بعشر سنين ، وكان عَقيلٌ أَسَنَّ من جعفر بعشر سنين ، وكان طَالب أَسَنَّ من عَقيلٍ بعشر سنين ،
أسلم جعفرٌ قديماً ، وهاجر إلى الحبشة ، وكانت له هنالك مواقف مشهورة ، ومقامات محمودة ، وأجوبة
سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدَّمنا ذلك في هجرة الحبشة، ولله الحمد. وقد قَدِم على رسول الله وَله
يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أدري بأيهما أنا أسر ؛ أبقدوم جعفرٍ ، أم بفتح خيبر ؟ )) وقام
إليه واعتنقه وقبّل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية: ((أشبهت خَلقي وخُلقي)). فيقال :
إنَّه حجل عند ذلك فرحاً . كما تقدَّم ذلك في موضعه . ولله الحمد والمنة . ولمّا بعثه إلى مؤتة جعله في
الإمرة مصلِّياً - أي: ثانياً - لزيد بن حارثة ، ولمّا قتل وجدوا فيه بضعاً وتسعين ما بين ضربة بسيف ،
وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، وهو في ذلك كلِّه مقبل غيرُ مدبر ، وكانت قد قطعت يده اليمنى ثم اليسرى
وهو ممسك اللواء ، فلمَّا فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك . فيقال : إنَّ رجلاً من الرُّوم ضربه بسيف
فقطعه باثنتين ، رضي الله عن جعفر ولعن قاتله . وقد أَخبر عنه رسول الله وَّر بأنه شهيد، فهو ممن يُقطع
له بالجنَّة ، وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجَنَاحين .
(١) وقد خرجه المصنف من كتاب ((دلائل النبوة)) للبيهقي.
(٢) الأبيات في ((ديوانه)) (١/ ٢٩٥) مع بعض الخلاف اليسير.
(٣) الضريك : الفقير السَّيىء الحال .
ترجمته في ((الاستيعاب)) (١٤٩/٢) و(تهذيب الأسماء واللغات)) (١٤٨/١) و((جامع الأصول)) (٢٤٦/١٣)
(٤)
بتحقيقي و((أسد الغابة)) (٣٤١/١) و((الإصابة)) (٨٥/١) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٦/١) و((شذرات
الذهب )) (١٢٦/١) بتحقيقي .

٤٩٦
ذكر غزوة مؤتة
وروى البخاريٌّ(١)، عن ابن عُمَرَ أنَّه كان إذا سَلَّم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول : السلام عليك
يا بن ذي الجَنَاحَين .
وبعضهم يرويه عن عمر بن الخَطَّاب نفسِه، والصحيح ما في (( الصحيح )) عن ابن عمر .
قالوا : لأن الله تعالى عَوَّضه عن يديه بجَنَاحين في الجَنَّة ، وقد تقدَّم بعض ما رُوي في ذلك .
قال الحافظ أبو عيسى الترمذيٌّ(٢): ثنا عليُّ بن حجر، ثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقال: ((رأيت جعفراً يطير في الجنة مع
الملائكة )) .
وتقدَّم في حديث أنَّه ، رضي الله عنه ، قُتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة .
وقال ابن الأثير في (( الغابة)٣٨): كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة . قال : وقيل غير ذلك .
قلت : وعلى ما قيل : إنَّه كان أسنَّ من عليٍّ بعشر سنين . يقتضي أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون
سنة ؛ لأن علياً أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وهاجر وعمره
إحدى وعشرون سنة ، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة ، والله أعلم .
وقد كان يقال لجعفر بعد قتله : الطَّيَّار. لما ذكرنا، وكان كريماً جواداً ممدَّحاً، وكان لكرمه يُقال
له : أبو المَسَاكين ، لإحسانه إليهم .
قال الإمام أحمد(٤) : ثنا عقَّان، ثنا وُهيب ، ثنا خالد، عن عِكْرمة، عن أبي هريرة قال: ما احتذى
النعال ولا انتعل ، ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله وَ لل أفضلُ من جعفر بن أبي
طالب . وهذا إسناد جيِّد إلى أبي هريرة، وكأنه [إنَّما ] يفضِّله في الكَرَم ، فأما في الفضيلة الدِّينية ،
فمعلوم أنَّ الصِّديق والفَاروق بل وعثمان بن عفَّان أفضل منه ، وأمَّا أخوه عليٍّ، رضي الله عنهما،
فالظَّاهر أنَّهما متكافئان ، أو عليٌّ أفضل منه .
وإنَّما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم، بدليل ما رواه البخاريٌّ(٥) ؛ ثنا أحمد ابن أبي بكر، ثنا
محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجُهَنيُّ ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة أنَّ
(١) في ((صحيحه)) رقم (٣٧٠٩) و(٤٢٦٤).
(٢) في ((جامعه)) رقم ( ٣٧٦٣)، وهو حديث حسن بشواهده، من حديث ابن عمر ، وابن عباس وعلي بن أبي
طالب ، والبراء ، وغيرهم.
(٣) يعني ((أسد الغابة في معرفة الصحابة)) وهو فيه (١/ ٣٤٤).
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٣/٢).
(٥) في ((صحيحه)) رقم (٣٧٠٨).

٤٩٧
ذكر غزوة مؤتة
الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإنّي كنت ألزم رسول الله مَ له بشِبَع بطني حين لا آكل الخمير ، ولا
ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان وفلانة ، وكنت أُلصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإنِّي كنت لأستقرىء
الرجل الآية هي معي ؛ كي ينقلب [ بي ] فيطعمني ، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ،
وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان ليُخرج إلينا العكَّة التي ليس فيها شيء فنشقُّها فنلعق
ما فيها . تفرّد به البخاريُّ .
وقال حسَّان [ بن ثابت ] يرثي جعفر(١): [ من الكامل ]
ولقد بَكیتُ وَعَزَّ مَهْلِكُ جعفٍ
ولقد جَزِعْتُ وقُلْتُ حين نُعِيْتَ لي
بالبيض حين تُسَلُّ من أَغمادِهَا
بعد ابنٍ فَاطمةَ المُبَاركِ جعفرٍ
رُزْءاً وأَكرَمِهَا جميعاً مَحْتِداً
للحَقِّ حين يَنُوب غير تَنَخُلٍ
فُخْشاً وأكثرها إذا ما يُجتدى
بالعرفِ غيرَ مُحمدٍ لا مثلُه
حبِّ النبيِّ على البريَّة كُلِّهَا
مَن للجِلادِ لدى العُقَاب وظِلِّهَا
ضرباً وإنهال الرِّماح وعلَّهَا
خيرِ البريَّة كُلِّهَا وأجلِّهَا
وأَعزِّها متظلِّماً وأذلَّهَا
كَذِباً وأنداهَا يَداً وأقلِّهَا
فَضْلاً وأبذَلِهَا ندىّ وأبلِّهَا
حَيٍّ مِنَ احياء البرِيَّة كُلِّهَا
وأمَّا ابن رَوَاحَة، فهو عبد الله بن رَوَاحَةُ(٢) بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس
الأكبر بن مالك بن الأغرِّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج أبو محمد - ويقال :
أبو رواحة . ويقال : أبو عمر - الأنصاريُّ الخزرجيُّ ، وهو خال النعمان بن بشير ، أخته عمرة بنت
رواحة ، أسلم قديماً وشهد العقبة ، وكان أحد النُّقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج ، وشهد بدراً وأُحداً
والخندق والحديبية وخيبر ، وكان يبعثه صلى الله عليه وسلم على خرصها كما قدَّمنا ، وشهد عمرة
القضاء، ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله وَ ل ـ وقيل: بغرزها. يعني الرِّكاب - وهو
يقول :
خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله
الأبيات ، كما تقدَّم .
وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة ، كما تقدَّم ، وقد شجّع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في
(١) الأبيات في ((ديوانه)) (١/ ٣٢٣) مع بعض الخلاف اليسير .
(٢) ترجمته في ((الاستيعاب)) (٨٩٨/٣) و((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٦٥/١) و((الإصابة)) (٣٠٦/٢) و((سير
أعلام النبلاء )) (١/ ٢٣٠) و((شذرات الذهب)) (١٢٦/١) بتحقيقي.

٤٩٨
ذكر غزوة مؤتة
ذلك، وشجَّع نفسه أيضاً حتى نزل بعدما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله مص له بالشهادة ، فهو ممن
يقطع له بدخول الجنة. ويروي أنَّه لمَّا أنشد النبيَّ مَّ شعره - حين ودَّعه، الذي يقول فيه: [ من البسيط ]
فتَّت الله ما أَتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالَّذي نُصروا -
قال رسول الله العملية: ((وأنت فثبّتك الله)).
قال هشام بن عروة : فثبّته الله حتى قتل شهيداً ودخل الجنَّة .
وروى حَمَّاد بن زيد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أنَّ عبد الله بن رَوَاحة أتى رسول الله
وَ جّة وهو يخطب فسمعه يقول: ((اجلسوا)). فجلس مكانَه خارجاً من المسجد، حتى فرغ النبيُّ من
خطبته، فبلغ ذلك النبيَّ وَّ# فقال: ((زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله)).
وقال البخاريُّ في ((صحيحه )( ١) :
وقال مُعاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة .
وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك ، عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك ، فقال الإمام أحمد (٢):
حدَّثنا عبد الصمد ، عن عمارة ، عن زياد النُّميريِّ ، عن أنس قال : كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل
من أصحابه يقول : تعال نؤمن بربّنا ساعة . فقال ذات يوم لرجل ، فغضب الرجل فجاء فقال :
يا رسول الله، ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبيُّ ◌َّه: ((يرحم الله ابن
رواحة ، إنه يحبُّ المجالس التي تتباهى بها الملائكة)) . وهذا حديث غريب جداً .
وقال البيهقيُّ : أنبأ الحاكم ، أنبأ أبو بكر ، أنبأ محمد بن أيوب ، أنبأ أحمد بن يونس ، ثنا شيخ من
أهل المدينة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار أنَّ عبد الله بن رواحة قال لصاحب [ له ] : تعال
[ حتى ] نؤمن ساعة. قال : أولسنا بمؤمنين؟ قال: بلى ، ولكنَّا نذكر الله فنزداد إيماناً.
وقد روى الحافظ أبو القاسم اللَّكائيُّ، من حديث أبي اليمان، عن صفوان بن سُلَيم، عن شريح بن
عبيد ، أنَّ عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول : قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في
مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين، وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول (( شرح البخاري)).
ولله الحمد والمنة .
(١) في الباب قبل الحديث رقم (٨) في الإيمان: باب الإيمان وقول النبي ◌َّر: ((بني الإسلام على خمس)) تعليقاً،
ووصله أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٢٦/١١) و(٣٤٦/١٣) عن الأسود بن هلال قال : قال لي معاذ بن
جبل : اجلس بنا نؤمن ساعة، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٤٨/١).
(٢) رواه أحمد في (( المسند)) ( ٢٦٥/٣)، وإسناده ضعيف .

٤٩٩
ذكر غزوة مؤتة
وفي ((صحيح [البخاري])١) عن أبي الدَّرداء قال: كنَّا مع رسول الله بَّهِ في سفر في حرِّ شديد، وما
فينا صائم إلا رسول الله علي وعبد الله بن رواحة. رضي الله عنه. وقد كان من شعراء الصّحابة المشهورين.
وممَّا نقله البخاريُّ(٢) من شعره قوله في رسول الله وَّةَ(٣): [ من الطويل ]
[ إذا ] انشقَّ معروف من الفجر ساطعُ
وَفِينا رسولُ الله يتلو كتابَهُ
إذا استَثْقِلَتْ بالمشركين المَضَاجِعُ
يَبِيْتُ يُجَافي جَنْبُهُ عَنْ فِرَاشِهِ
به مُوقنِاتٌ أنَّ ما قال واقعٌ
أتى بالهُدى بعد العمى فُقُلوبُنَا
وقال البخاريّ(٤): ثنا عِمْرَان بن مَيْسَرة، ثنا محمد بن فضيل، عن حصين ، عن عامر ، عن
النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، فجعلت أخته عمرة تبكي : واجبلاه ، واكذا ،
واكذا تعدِّد عليه ، فقال حين أفاق : ما قلت شيئاً إلا قيل لي : أنت كذلك ؟!
ثنا قتيبة، ثنا عَبْثَرٌ ، عن حصين ، عن الشعبيِّ، عن النعمان بن بشير قال : أُغمي على عبد الله بن
رواحة ... بهذا ، فلمَّا مات لم تبك عليه .
وقد قدَّمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره .
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ، رضي الله عنهم :
كفى حزناً أنِّي رجعت وجعفر وزيد وعبد الله في رَمس أقْبُرٍ
وخلِّفت للبلوى مع المتغيِّرِ
قضوا نحبهم لمَّا مضوا لسبيلهم
وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الأمراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت ، وكعب بن
مالك ، رضي الله عنهما وأرضاهما .
فصل
في ذكر من استشهد يوم مُؤْتَةً من المسلمين(٥)
فمن المهاجرين : جعفر بن أبي طالب ، ومولاهم زَيد بن حارثة [الكلبيُّ ] ومسعود بن الأسود بن
(١) صحيح البخاري رقم (١٩٤٥)، ورواه مسلم في ((صحيحه)) أيضاً رقم (١١٢٢).
(٣) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٦٢) مع بعض الخلاف والتقديم والتأخير ، ومع بيت رابع هو :
(٢)
في (( صحیحه )) رقم (١١٥٥) .
إلى الله محشورٌ هناك وراجِعُ
وأعلم عِلماً ليس بالظنّ أنني
(٤) في ((صحيحه)) رقم (٤٢٦٧) و( ٤٢٦٨).
(٥) انظر ((جوامع السيرة)) لابن حزم ص (٢٢٢) وقد زاد على ما ذكره المؤلف شهداء آخرين .

٥٠٠
ذكر غزوة مؤتة
حارثة بن نضلة العَدَويُّ ، وَوَهْب بن سعد بن أبي سَرْح ، فهؤلاء أربعة نفر .
ومن الأنصار : عبد الله بن رَوَاحَة ، وعبَّاد بن قيس الخزرجيَّان ، والحارث بن النُّعمان بن إساف بن
نَضْلَة النجّارِيُّ، وسُرَاقة بن عمرو بن عطيّة بن خَنْسَاء المازنيُّ ، أربعة نفر .
فمجموع من قتل من المسلمين يومئذٍ هؤلاء الثمانية ، على ما ذكره ابن إسحاق(١)
لكن قال ابن هشامُ(٢): وممَّن استشهد يوم مؤتة، فيما ذكره ابن شِهَاب الزّهرُّ، أبو كُلَيب،
وجابر ، ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيَّان ، وهما شقيقان لأب وأم ، وعمرو ، وعامر ، ابنا
سعد بن الحارث بن عبَّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى . فهؤلاء أربعة من الأنصار
أيضا٣ً) ، فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلاً ، وهذا عظيم جداً أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين ؛
أحدهما ، وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله ، عدَّتها ثلاثة آلاف مقاتل ، وأخرى كافرة عدَّتها مئتا ألف
مقاتل ؛ من الروم مئة ألف ، ومن نصارى العرب مئة ألف ، يتبارزون ويتصاولون ، ثم مع هذا كله لا يُقتل
من المسلمين إلا اثنا عشر رجلاً ، وقد قتل من المشركين خلق كثير . هذا خالد وحده يقول : لقد اندقّت
في يدي يومئذ تسعة أسياف ، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية . فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف
كلّها ؟! دع غيره من الأبطال والشجعان ، من حَمَلَةِ القرآن ، وقد تحكَّموا في عبدة الصُّلبان ، عليهم لعائن
الرحمن، في ذلك الزمان، وفي كلِّ أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى
فِتَتَبْنِ الْتَّقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [آل عمران: ١٣].
حديثٌ
فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السّريّة
وهم : زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رَوَاحة ، رضي الله عنهم .
قال الإمام العالم الحافظ أبو زُرْعَة عُبَيْدُ الله(٤) بن عبد الكريم الرَّازيّ - نضَّر الله وجهه - في كتابه
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٨/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٨/٢ -٣٨٩).
(٣) وهو ما ذكره ابن حزم في ((جوامع السيرة)).
(٤) في (آ) و( ط): ((عبد الله)) وهو خطأ، والتصحيح من ((شذرات الذهب)) ( ٢٧٨/٣) بتحقيقي.