Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
ذكر غزوة خيبر
محمد بن الصّاح ، عن سفيان ، وعن عمرو بن رافع ، عن جرير ، كلّهم عن مسلم ، وهو ابن كيسان
الملائيّ الأعور الكوفيّ ، عن أنس، به (١). وقال الترمذيّ : لا نعرفه إلا من حديثه، وهو يضعّف .
قلت: والذي ثبت في (( الصحيح)) عند البخاري(٢) عن أنس، أنّ رسول الله وَ ل أجرى في زقاق
خيبر ، حتى انحسر الإزار عن فخذه . فالظاهر أنّه كان يومئذ على فرس ، لا على حمار . ولعلّ هذا
الحديث - إن كان صحيحاً - محمول على أنه ركبه في بعض الأيّام وهو محاصرها ، والله أعلم .
وقال البخاريّ(٣) : ثنا محمد بن سعيد الخزاعيّ ، ثنا زياد بن الرَّبيع ، عن أبي عمران الجونيّ قال :
نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة ، فرأى طيالسةُ(٤) ، فقال : كأنّهم الساعة يهود خيبر .
وقال البخاري (٥) : ثنا عبد الله بن مسلمة ، ثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عُبيد ، عن سلمة بن الأكوع
قال: كان عليّ بن أبي طالب تخلّف عن رسول الله بَّ في خيبر، وكان رمِداً فقال : أنا أتخلّف عن النبيّ
﴿11؟ فلحق به، فلمّا بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال: ((لأعطينّ الراية غداً - أو: ليأخذنّ الراية غداً -
رجل يحبّه الله ورسوله ، يُفتح عليه)). فنحن نرجوها . فقيل: هذا عليّ. فأعطاه ، ففُتح عليه .
ورواه البخاريّ أيضاً ومسلمُ(٦) ، عن قتيبة ، عن حاتم ، به .
ثم قال البخاري(٧) : ثنا قتيبة ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم قال : أخبرني سهل بن
سعد، أنّ رسول الله وَلّر قال يوم خيبر: (( لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحبّ اللهَ
ورسوله ، ويحبّه اللهُ ورسوله)). قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم ؛ أيّهم يُعطاها؟ فلمّا أصبح الناس
غدَوا على النبيّ وَّر، كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: (( أين عليّ بن أبي طالب؟)) فقالوا: هو
يا رسول الله، يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله وَ ل في عينيه ودعا له ، فبرأ
حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال عليّ : يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال
وَلة: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من
حقّ الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً ، خير لك من أن يكون لك حُمُر النّعم)).
(١) رواه الترمذي رقم (١٠١٧)، وابن ماجه رقم (٢٢٩٦) و(٤١٧٨)، كما بيّنه الترمذي.
(٢) رقم (٣٧١) وانظر ((صحيح مسلم)) رقم (١٣٦٥) (٨٤).
(٣) في ((صحيحه)) رقم (٤٢٠٨) .
الطيالسة : جمع طيلسان ، من لباس العجم، وهو فارسي معرَّب. انظر (( المصباح المنير)) ( طلس).
(٤)
(٥) في (( صحيحه )) رقم (٤٢٠٩).
رواه البخاري رقم (٢٩٧٥) و(٣٧٠٢) ومسلم رقم ( ٢٤٠٧) .
(٦)
(٧) في (( صحيحه )) رقم (٤٢١٠).
٤٠٢
ذكر غزوة خيبر
وقد رواه مسلم والنّسائيّ جميعاً، عن قُتيبة، به (١)
وفي ((صحيح مسلم )) والبيهقيّ(٢) من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله بَّ: ((لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّ اللّهَ ورسوله، ويحبّه اللّهُ ورسوله يفتح الله عليه)). قال عمر:
فما أحببت الإمارة قطّ إلا يومئذ. فدعا عليّاً فبعثه، ثم قال: ((اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ، ولا
تلتفت)). قال عليّ: على ما أقاتل الناس؟ قال: ((قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً عبده
ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقّها، وحسابهم على الله)) لفظ البيهقيّ.
وقال الإمام أحمد(٣) : ثنا مصعب بن المقدام ، وحجين بن المثنّ قالا : ثنا إسرائيل ، ثنا عبد الله بن
عصمة العجليّ ، سمعت أبا سعيد الخدريّ، رضي الله عنه، يقول: إنّ رسول الله مَ ل# أخذ الراية
فهزّها، ثم قال: ((من يأخذها بحقّها؟)) فجاء فلان فقال: أنا. قال: ((أمط)). ثم جاء رجل ، فقال:
(( أمط)). ثم قال النبيّ ◌َّهُ: ((والذي كرّم وجه محمد، لأعطينّها رجلاً لا يفرّ، هاك يا عليّ)). فانطلق
حتى فتح الله عليه خيبر وفدك ، وجاء بعجوتهما ، وقديدهما . تفرّد به أحمد ، وإسناده لا بأس به ، وفيه
غرابة ، وعبد الله بن عصمة - ويقال : ابن عُصَمَ - هذا يكنّى بأبي علوان العجليّ ، وأصله من اليمامة ،
سكن الكوفة ، وقد وثّقه ابن معين ، وقال أبو زرعة : لا بأس به . وقال أبو حاتم : شيخ .
وذكره ابن حبّان في ((الثّقات)(٤) وقال : يخطىء كثيراً .
وذكره في (( الضّعفاء)) وقال(*): يُحَدِّث عن الأثبات ممّا لا يشبه حديث الثّقات ، حتى يسبق إلى
القلب أنّها موهومة أو موضوعة .
وقال يونس بن بكير(٦) ، عن محمد بن إسحاق : حدّثني بريدة بن سُفْيَان بن فَرْوَة الأسلميّ ، عن
أبيه ، عن سلمة بن عمرو بن الأَكْوَع [ رضي الله عنه ] قال: بعث النبيّ ◌َّل أبا بكر، رضي الله عنه، إلى
بعض حُصُون خيبر ، فقاتل ثم رجع ، ولم يكن فتح ، وقد جَهد ، ثم بعث عمر ، رضي الله عنه ، فقاتل
ثم رجع، ولم يكن فتح، فقال رسول الله وَّرَ: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّه اللهُ ورسوله، ويحبّ اللهَ
ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار)). قال سلمة: فدعا رسول الله بَّله عليّ بن أبي طالب،
رضي الله عنه، وهو يومئذ أرمد، فتفل في عينيه، ثم قال: (( خذ الراية وامض بها ، حتى يفتح الله
(١) رواه مسلم رقم (٢٤٠٦)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٨١٤٩) و(٨٥٨٧).
(٢) رواه مسلم رقم (٢٤٠٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٠٦/٤).
(٣) رواء أحمد في ((المسند)) (١٦/٣)، وإسناده ضعيف بسبب عبد الله بن عصمة العجلي. وانظر كلام المصنف عليه.
(٤) انظر ((كتاب الثقات)) (٥٧/٥).
(٥) في ((كتاب المجروحين)) (٥/٢) .
(٦) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٠٩/٤ - ٢١٠).
٤٠٣
ذكر غزوة خيبر
عليك)). فخرج بها واللهِ يأنِحُ(١)، يهرول هرولة، وإنّا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من
حجارة تحت الحصن ، فاطّلع يهوديّ من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : أنا عليّ بن أبي طالب .
فقال اليهوديّ : علَيتم وما أُنزل على موسى . فما رجع حتى فتح الله على يديه .
وقال البيهقيُّ(٢): أنبأ الحاكم، أنبأ الأصمّ ، أنبأ العُطَارديّ، عن يونس بن بُكير ، عن الحسين بن
واقد ، عن عبد الله بن بُرَيدة ، أخبرني أبي قال : لمّا كان يوم خيبر ، أخذ اللواء أبو بكر ، فرجع ولم يُفتح
له، وقتِل محمود بن مسلمة، فرجع الناس، فقال رسول الله وَله: ((لأدفعنّ لوائي غداً إلى رجل يحبّ
اللهَ ورسوله، ويحبّه اللهُ ورسوله، لن يرجع حتى يفتح له )) فبتنا طيّبة نفوسنا أنّ الفتح غداً، فصلّى
رسول الله وَّة صلاة الغداة، ثم دعا باللّواء وقام قائماً، فما منّا من رجل له منزلة من رسول الله وَ ل إلّ وهو
يرجو أن يكون ذلك الرجل ، حتى تطاولتُ أنا لها ، ورفعت رأسي ؛ لمنزلة كانت لي منه ، فدعا عليّ بن
أبي طالب ، وهو يشتكي عينيه . قال : فمسحها ، ثم دفع إليه اللّواء ففتح له . فسمعت عبد الله بن بريدة
يقول : حدّثني أبي أنّه كان صاحب مرحب . قال يونس : قال ابن إسحاق : كان أولُ حصون خيبر فتحاً
حصنَ ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ، أُلقيت عليه رحى منه فقتلته .
ثم روى البيهقيُّ(٣) عن يونس بن بُكَير، عن المسيّب بن مَسْلَمة الأزديّ ، ثنا عبد الله بن بريدة ، عن
أبيه قال: كان رسول الله وَ ﴿ ربما أخذته الشّقيقة ، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج ، فلمّا نزل خيبر أخذته
الشّقيقة، فلم يخرج إلى الناس ، وإنّ أبا بكر أخذ راية رسول الله وَله، ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً ثم
رجع، فأخذها عمر فقاتل قتالاً شديداً هو أشدّ من القتال الأوّل، ثم رجع، فأُخبر بذلك رسول الله وَل
فقال: (( لأعطيّها غداً رجلاً يحبّ اللهَ ورسوله ويحبّه اللهُ ورسوله، يأخذها عنوة)) . وليس ثمّ عليّ ،
فتطاولتْ لها قريش ، ورجا كلّ رجل منهم أن يكون صاحب ذلك ، فأصبح ، وجاء عليّ [ بن أبي طالب ]
على بعير له حتى أناخ قريباً ، وهو أرمد قد عصب عينه بشقّة برد قِطْريّ، فقال رسول الله وَّه: ((ما لك؟))
قال: رمدت بعدك. قال: ((ادن مني)) . فتفل في عينه ، فما وجِعها حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية
فنهض بها ، وعليه جبّة أُرجوان حمراء ، قد أخرج خملها ، فأتى مدينة خيبر ، وخرج مرحب صاحب
الحصن وعليه مغفر يمانيّ ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز ويقول : [من الرجز ]
قَدْ عَلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ شاكٍ سِلاحي بطلٌ مُجَرّبُ
إذا اللّيوث أَقْبَلَتْ تَلَهَبُ وَأَحْجَمَتْ عن صَوْلَةِ المُغَلَّبِ ٤
(١) أي : حملها مثقلا بها .
(٢) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٢١٠).
في (( دلائل النبوة)) (٤ /٢١٠).
(٣)
(٤) في البيت إقواء .
٤٠٤
ذكر غزوة خيبر
فقال عليّ ، رضي الله عنه : [ من الرجز )
أَنَا الذي سَمَّني أُمَي حَيْدَرَه كَلَيْثِ غَابَاتٍ شَديد القَسْوَرِهِ
أكيلكم بالصّاع كيل السَّنْدَرَه
قال : فاختلفا ضربتين ، فبدره عليّ بضربة ، فقدّ الحجر والمغفر ورأسه ، ووقع في الأضراس ،
وأخذ المدينة(١) .
وقد روى الحافظ البزّار(٢) ، عن عبّاد بن يعقوب ، عن عبد الله بن بكير ، عن حكيم بن جبير ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قصة بعثٍ أبي بكر ، ثم عمر يوم خيبر ، ثم بعثِ عليّ ، فكان الفتح على
يديه . وفي سياقه غرابة ونكارة ، وفي إسناده من هو متّهم بالتّشيّع . والله أعلم .
وقد روى مسلم والبيهقيّ(٣) واللفظ له، من طريق عِكْرِمَة بن عَمَّار، عن إياس بن سَلَمة بن الأَكْوَع ،
عن أبيه ، فذكر حديثاً طويلاً ، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة . قال : فلم نمكث إلا ثلاثاً ، حتى
خرجنا إلى خيبر . قال : وخرج عامر ، فجعل يقول : [ من الرجز ]
والله لَولا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِيْنَةً عَلَيْنَا
وَثْبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَقَيْنَا
قال: فقال رسول الله وَ ل: ((من هذا القائل؟)) فقالوا: عامر. فقال: ((غفر لك ربّك)). قال:
وما خصّ رسول الله ◌َ ◌ّ قطّ أحداً [ به ] إلا استُشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متّعتنا بعامر .
قال: فقدمنا خيبر ، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول(٤): [من الرجز ]
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبرُ أَنّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مجربُ
إِذَا الحُروبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَبُ
قال : فبرز له عامر ، رضي الله عنه ، وهو يقول : [من الرجز ]
قد عَلِمَتْ خيبرُ أنّي عَامِرُ شَاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
قال : فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ، فذهب يسفّل له ، فرجع على نفسه ،
(١) انظر ((زاد المعاد)) (٢٨٥/٣).
(٢) انظر ((كشف الأستار)) (٢٥٤٥) وفيه حكيم بن جبير ، وهو ضعيف
(٣) رواه مسلم رقم (١٨٠٧) والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢/ ٢٠٧).
(٤) انظر ((زاد المعاد)) (٢٨٣/٣).
٤٠٥
ذكر غزوة خيبر
فقطع أكحله وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله وَ له يقولون: بطلَ
عمل عامر؛ قتل نفسه. قال: فأتيت رسول الله و اليه وأنا أبكي، فقال: ((ما لك؟)) فقلت: قالوا : إنّ
عامراً بطل عمله. فقال: ((من قال ذلك؟)) فقلت: نفر من أصحابك. فقال: (( كذب أولئك ، بل له
الأجر مرتين)). قال: وأرسل رسول الله وَ لَه إلى عليّ [ رضي الله عنه ] يدعوه وهو أرمد، وقال:
((لأعطينّ الراية اليوم رجلاً يحبّ اللهَ ورسوله)). قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول الله وَّل في
عينيه فبرأ ، فأعطاه الرّاية، فبرز مرحب وهو يقول : [من الرجز ]
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبرُ أنّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذا الحُروب أَقْبَلَتْ تلهّبُ
قال : فبرز له عليّ وهو يقول: [ من الرجز ]
أنا الذي سمّتني أمّ حَيْدَرَه كليث غاباتٍ كريهِ المنظره
أوفيهم بالصّاع كيل السّندرة (١)
قال : فضرب مرحباً ففلق رأسه فقتله ، وكان الفتح .
هكذا وقع في هذا السياق أنّ عليّاً هو الذي قتل مرحباً اليهوديّ ، لعنه الله .
وقال أحمد(٢) : ثنا حسين بن حسن الأشقر ، حدّثني ابن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن
جدّه، [عن] عليّ قال: لما قتلتُ مرحباً جئت برأسه إلى رسول الله وَئيه .
وقد روى موسى بن عقبة(٣) ، عن الزهريّ أن الذي قتل مرحباً هو محمد بن مسلمة .
وكذلك قال محمد بن إسحاق(٤) : حدّثني عبد الله بن سهل ، أحد بني حارثة ، عن جابر بن عبد الله
قال : خرج مرحب اليهوديّ من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول : ( من الرجز ]
شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبرُ أنّي مَرْحَب
إذا الليوث أقبلت تحرّب
أطعُن أحياناً وحيناً أضربُ
إِنّ حِمَايَ لَلْحِمَی لا یُقْرَبُ
قال : فأجابه كَعْبُ بن مَالك(٥): [ من الرجز ]
(١) السَّنْدَرَة : ضرب من الكيل.
رواه أحمد في ((المسند)) (١١١/١) وإسناده ضعيف.
(٢)
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤/ ٢١٤).
(٤) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢١٥/٤).
(٥) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٥٤) مع بعض الخلاف في ألفاظها.
٤٠٦
ذكر غزوة خيبر
مُفَرِّجُ الغمّا جريء صُلبُ
قَدْ عَلِمَتْ خيبرُ أَنّي كَعْبُ
مَعْيَ حُسامٌ كالعقيقِ عَضبُ
إذ شُبّت الحَرْبُ تلتها الحرب
نعطي الجزاء أو يفيء النّهبُ (١)
يطأْكُمو حتى يَذلّ الصّعب
بکف ماضٍ ليس فيه عَتبُ
قال: وجعل مرحب يرتجز، ويقول: هل من مبارز؟ [ فقال رسول الله { 18]: ((من لهذا؟)) فقال
محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول [ الله ]، أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. فقال: (( قم
إليه ، اللهم أعنه عليه )). قال: فلمّا دنا أحدهما من صاحبه دخلتْ بينهما شجرة عُمْرِيّةُ(٢) ، من شجر
العُشَر(٣) ، فجعل كلّ واحد منهما يلوذ من صاحبه بها ، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع [ صاحبه ] بسيفه
ما دونه منها ، حتى برز كلّ واحد منهما لصاحبه ، وصارت بينهما كالرّجل القائم ، ما فيها فَنن ، ثم حمل
على محمد بن مسلمة فضربه فاتّقاه بالدّرقة ، فوقع سيفه فيها ، فعضّت به فأمسكته ، وضربه محمد بن
مسلمة حتى قتله. وقد رواه الإمام أحمد(٤) ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ،
بنحوه .
قال ابن إسحاق(٥) : وزعم بعض الناس أن محمداً ارتجز حين ضربه وقال : [من الرجز ]
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنّي ماضٍ حُلْوٌ إِذَا شئتُ وَسُمّ قاضٍ
وهكذا رواه الواقديّ(٦)، عن جابر وغيره من السَّلَف ، أن [ محمد بن مسلمة ] هو الذي قتل مرحباً ،
وذكر الواقديّ أن محمداً قطع رجلي مرحب ، فقال له : أجهز عليّ . فقال : لا ، ذق الموت كما ذاقه
محمود بن مسلمة. فمر به عليّ وقطع رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله وَله، فأعطى رسول الله
وَ ل محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال: وكان مكتوباً على سيفه: [من مجزوء الرجز ]
هَذَا سيف مَرْحَبْ مَن يذقه يَعْطَبْ
ثم ذكر ابن إسحاق(٧) أن أخا مَرْحَب ، وهو ياسر ، خرج بعده وهو يقول : هل من مبارز ؟ فزعم
هشام بن عروة أن الزبير خرج له ، فقالت أمّه صفية بنت عبد المطلب : يُقتلُ ابني يا رسول الله . فقال :
(١) هذه الشطرة لم ترد في ( ط) .
(٢)
في (أ): ((عمورية)) والعمرية : القديمة.
(٣)
شجر العُشَر : شجر له صمغ .
(٤)
في مسنده ( ٣/ ٣٨٥) ، وإسناده حسن.
انظر ((دلائل النبوة)) (٢١٥/٤).
(٥)
(٦)
انظر ((المغازي)) (٦٥٦/٢ ) .
(٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٤/٢).
٤٠٧
ذكر غزوة خيبر
((بل ابنك يقتله إن شاء الله)). فالتقيا فقتله الزبير. [قال]: فكان الزّبير - إذا قيل له: والله إن كان سيفك
يومئذ لصارماً - يقول : والله ما كان صارماً ، ولكني أكرهته .
وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول اللّه مَ ◌ّ قال: خرجنا مع
عليّ حين بعثه رسول الله وَلَّ [برايته]، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم ، فضربه رجل منهم
من يهود ، فطرح تُرسه من يده ، فتناول عليّ باب الحصن ، فترّس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو
يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده ، فلقد رأيتُني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم ، نجهد على أن نقلب
ذلك الباب ، فما استطعنا أن نقلبه . وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر .
ولكن روى الحافظ البيهقي(١) ، والحاكم من طريق مُطَّلب بن زياد ، عن ليث بن أبي سُليم ، عن أبي
جعفر الباقر ، عن جابر ، أن عليّاً حمل الباب يوم خيبر حتى صعِد المسلمون عليه فافتتحوها ، وأنه جرّب
بعد ذلك ، فلم يحمله أربعون رجلاً . وفيه ضعف أيضاً . وفي رواية ضعيفة ، عن جابر : ثم اجتمع عليه
سبعون رجلاً ، وكان جهدهم أن أعادوا الباب .
وقال البخاريّ(٢): ثنا مكّيّ بن إبراهيم ، ثنا يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة ،
فقلت : يا أبا مسلم ، ما هذه الضربة ؟ قال : هذه ضربة أصابتْها يوم خيبر ، فقال الناس : أصيب سلمة .
فأتيت النبيّ ◌َّ فنفث فيه ثلاث نفَئات ، فما اشتكيت حتى الساعة .
ثم قال البخاريّ(٣): حدّثنا عبد الله بن مسلمة، حدّثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل قال :
التقى النبيّ ◌َّ والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا ، فمال كلّ قوم إلى عسكرهم ، وفي المسلمين رجل
لا يدَع من المشركين شاذّة ولا فاذّة إلّا اتّبعها فضربها [ بسيفه]، فقيل: يا رسول الله، ما أجزأ أحدٌ
ما أجزأ فلان. قال: (( إنه من أهل النار)) . فقالوا : أتنا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار ؟ فقال
رجل من القوم : لأتّبعنّه ، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه . حتى جرح فاستعجل الموت ، فوضع نصاب سيفه
بالأرض وذبابه بين ثدييه ، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل إلى النبيّ وَّ فقال: أشهد أنك
رسول الله. قال: ((وما ذاك؟)) فأخبره، فقال: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ،
وإنه من أهل النار ، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس ، وإنه من أهل الجنة)).
رواه أيضا٤ً) عن قتيبة ، عن يعقوب ، عن أبي حازم ، عن سهل ، فذكر مثله أو نحوه .
(١) في ((دلائل النبوة)) (٢١٢/٤).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٢٠٣ ).
(٣) في ((صحيحه)) رقم (٤٢٠٧).
(٤) يعني البخاري في ((صحيحه)) رقم (٢٨٩٨) و(٤٢٠٢).
٤٠٨
ذكر غزوة خيبر
وقال [ البخاريّ }(١): ثنا أبو اليَمَان، ثنا شعيب، عن الزهريّ ، أخبرني سعيد بن المسيّب أن أبا
هريرة قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله وَله لرجل ممّن معه يدّعي الإسلام: ((هذا من أهل النار)).
فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال ، حتى كثرت به الجراحة ، حتى كاد بعض الناس يرتاب ، فوجد
الرجل ألم الجراحة ، فأهوى بيده إلى كنانته ، فاستخرج منها أسهماً فنحر بها نفسه ، فاشتدّ رجال من
المسلمين فقالوا : يا رسول الله، صدّق الله حديثَك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: ((قم يا فلان ،
فأذِّن أنه لا يدخل الجنة إلّ مؤمن، وأنّ الله يؤيّد الدين بالرجل الفاجر)).
وقد روى موسى بن عقبة ٢) قصة العبد الأسود ؛ الذي رزقه الله الإيمان والشّهادة في ساعةٍ واحدةٍ ،
وكذلك رواها ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عُزْوَة ، قالا : وجاء عبد حبشيّ أسود ، من أهل خيبر ،
كان في غنم لسيده ، فلمّا رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال : ما تريدون ؟ قالوا : نقاتل هذا
الرجل الذي يزعم أنه نبيّ، فوقع في نفسه ذكر النبي ◌َّ، فأقبل بغنمه حتى عمَد لرسول الله ◌ُّه ، فقال:
إلى ما تدعو؟ قال: (( أدعوك إلى الإسلام ؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ، وأن
لا تعبد إلا الله)). قال: فقال العبد: فماذا يكون لي إن شهدتُ بذلك وآمنت بالله؟ قال رسول الله اله:
((الجنة إن متّ على ذلك)) . فأسلم العبد فقال: يا نبيّ الله، إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله
وَ ر: ((أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدّي عنك أمانتك)). ففعل فرجعت الغنم إلى
سيدها ، فعرف اليهوديّ أن غلامه قد أسلم. فقام رسول الله الر فوعظ الناس ، فذكر الحديث في إعطائه
الراية عليّاً ، ودنوّه من حصن اليهود وقتلِه مرحباً ، وقتل مع عليّ ذلك العبد الأسود ، فاحتمله المسلمون
إلى عسكرهم، فأُدخل في الفُسطاط، فزعموا أن رسول الله بَّرَ اطّلع في الفسطاط، ثم اطّلع على أصحابه
فقال: (( لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير ، قد كان الإسلام من نفسه حقّاً ، وقد رأيت عند رأسه
اثنتين من الحور العين)).
وقد روى الحافظ البيهقيّ(٣) من طريق ابن وهب ، عن حيوة بن شريح ، عن ابن الهاد ، عن شرحبيل
ابن سعد، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله وَّر في غزوة خيبر ، فخرجت سريّة ، فأخذوا
إنساناً معه غنم يرعاها ، فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود ، وقال فيه : قتل شهيداً وما سجد لله سجدة .
ثم قال البيهقيّ(٤): أنبأ محمد بن محمد بن مَحْمِش الفقيه (٥) ، أنبأ أبو بكر القطّان ، أنبأ أبو الأزهر ،
(١) رقم (٤٢٠٣) .
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٢١٩/٤).
في (( دلائل النبوة)) (٢٢١/٤).
(٣)
(٤) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٢٢١).
(٥) انظر ((شذرات الذهب)) (٦٠/٥).
٤٠٩
ذكر غزوة خيبر
أنبأ مؤمّل بن إسماعيل، أنبأ حمّاد، أنبأ ثابت، عن أنس، أن رجلاً أتى رسول الله وَ له فقال:
يا رسول الله، إني رجل أسود اللون ، قبيح الوجه ، منتن الريح ، لا مال لي ، فإن قاتلتُ هؤلاء حتى
أقتل، أدخل الجنة؟ قال: ((نعم)). فتقدّم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه رسول الله وَل وهو مقتول،
فقال: ((لقد حسّن الله وجهك، وطيّب ريحك، وكثّر مالك)). و[قال]: ((لقد رأيت زوجتيه من
الحور العين يتنازعان جبّته عنه ؛ يدخلان فيما بين جلده وجبّته )).
ثم روى البيهقيّ(١) ، من طريق ابن جُريج، أخبرني عِكْرِمَة بن خالد ، عن [ ابن ] أبي عمّار ، عن
شدّاد بن الهاد، أن رجلاً من الأعراب جاء رسول الله وَ لَه فآمن به واتّبعه، فقال: أهاجر معك. فأوصى
به النبيّ وَّر بعض أصحابه، فلمّا كانت غزوة خيبر غنم رسول الله بَله، فقسمه وقسم له، فأعطى أصحابه
ما قسم له ، وكان يرعى ظهرهم ، فلمّا جاء دفعوه إليه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك
رسول الله مَّر. فقال: ما على هذا اتّبعتك، ولكني اتّبعتك على أن أُرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم
فأموت فأدخل الجنة . فقال: ((إن تصدق الله يصدقك)) . ثم نهضوا إلى قتال العدّو ، فأُتي به رسول الله
وَ* يحمل، وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبيّ بَّل: ((هو هو؟)) قالوا: نعم. قال: ((صدق الله
فصدقه)). وكفّنه النبيّ (في جبّة النبيّ ] وَّه، ثم قدّمه فصلّى عليه، فكان ممّا ظهر من صلاته: ((اللهم
هذا عَبْدُكَ خرج مهاجراً في سبيلك ، قتل شهيداً ، أنا عليه شهيد )).
وقد رواه النسائيّ(٢) ، عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن ابن جريج ، به نحوه .
*
فصل
قال ابن إسحاق (٣): وتدنّى رسول الله وَّةِ الأموال، يأخُذُها مالاً مالاً، ويفتتحها حِصناً حصناً،
وكان أول حصونهم فُتح حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة ؛ ألقيت عليه رحى منه فقتلته ، ثم
القموص حصن أبي الحُقيق، وأصاب رسول الله وَّ منهم سبايا؛ منهن صَفِيّة بنت حُييّ بن أخطب،
وكانت عند كِنَانَة بن الرّبيع بن أبي الحُقَيق، وبنتا عمّ لها، فاصطفى رسول الله وَل صفيّة لنفسه، وكان
دِخْيَة بن خَليفة قد سأل رسول الله وَال صفيّة، فلمّا اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمّها. قال: وفشت
السَّبَايا من خيبر في المسلمين ، وأكل الناس لحوم الحمر. فذكر نهي رسول الله بِّ إياهم عن أكلها.
(١) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٢٢٢).
(٢) رواه النسائي (٦١/٤)، وهو حديث صحيح.
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) (٣٣٠/٢) و((زاد المعاد)) (٣٠٠/٣).
٤١٠
ذكر غزوة خيبر
وقد اعتنى البخاريّ بهذا الفصل ؛ فأورد النهي عنها من طرق جيدة ، وتحريمُها مذهب جمهور
العلماء سلفاً وخلفاً، وهو مذهب الأئمة الأربعة . وقد ذهب بعض السَّلف - منهم ابن عَبَّاس - إلى
إياحتها ، وتنوّعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهي عنها ، فقيل : [ لأنها كانت ظَهراً يستعينون
بها في الحمولة. وقيل: لأنها لم تكن خُمّست بعد. وقيل ] : لأنها كانت تأكل العَذِرة ، يعني جلالة .
والصحيح أنه نُهي عنها لذاتها؛ فإن في [الأثر] الصحيحُ(١) أنه نادى [منادي] رسول الله وَله: إنَّ
الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ؛ فإنها رجس . فأكفؤُوها والقدور تفور بها٢) ، وموضع تقرير ذلك
في كتاب (( الأحكام)).
قال ابن إسحاق(٣) : حدّثني سلاَّم بن كِرْكِرَة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله - ولم يشهد
جابر خيبر - أن رسول الله بَّ حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل . وهذا
الحديث أصله ثابت في (( الصحيحين)(٤) من حديث حمّاد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن
عليّ، عن جابر، رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله وَل* يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخّص في
الخيل . لفظ البخاريّ .
قال ابن إسحاق (٤): وحدّثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مكحول أن النبيّ ◌َّر نهاهم يومئذ عن أربع؛
عن إتيان الحَبالى من النساء ، وعن أكل الحمار الأهليّ ، وعن أكل كلّ ذي ناب من السّباع ، وعن بيع
المغانم حتى تقسم . وهذا مرسل .
وقال ابن إسحاق : وحدّثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق مولى تُجيب ، عن حنش الصّنعانيّ
قال : غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاريّ المغرب ، فافتتح قريةً من قرى المغرب يقال لها : جَرْبة . فقام
فينا خطيباً فقال: أيها الناس، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله وَّل يقول فينا يوم خيبر ؛ قام
فينا رسول الله ﴿ فقال: ((لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر [ أن يسقي ماءَه زرع غيره)) يعني إتيان
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) (١١/٣)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (١٩٤٠) من حديث أنس .
(٢) قال الإمام ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٣٠٣/٣): ((وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرَّمها ،
لأنها كانت ظهرَ القوم وحمولتهم ، فلما قيل له : فنيَ الظهرُ وأكلت الحُمر ، حَرَّمها ، وعلى قول من قال : إنما
حرَّمها ، لأنها لم تخمس ، وعلى قول من قال : إنما حرمها لأنها كانت حول القرية ، وكانت تأكل العَذرة ، وكل
هذا في (( الصحيح)) لكن قول رسول الله: ((إنها رجسٌ)) مقدم على هذا كله ، لأنه من ظنِّ الراوي ، وقوله بخلاف
التعليل بكونها رجساً )).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣١/٢).
(٤) رواه البخاري رقم (٤٢١٩) و(٥٥٢٤) ومسلم رقم (١٩٤١) (٣٦).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) (٣٣١/٢).
٤١١
ذكر غزوة خيبر
الحَبَالى من السّبي ((ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر ] أن يصيب امرأة من السّبي حتى يستبرئها ،
ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتى يقسم ، ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه ، ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر
أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه ردّه فيه )) .
وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق ، به (١)
ورواه الترمذيّ(٢)، عن عمر بن حفص الشّيبانيّ(٣)، عن ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن
ربيعة بن سُليم ، عن بشر بن عبيد الله ، عن رؤيفع بن ثابت ، مختصراً ، وقال : حسن .
وفي ((صحيح البخاريّ)(٤) عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَ لّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر
الأهليّة وعن أكل الثّوم . وقد حكى ابن حزم ، عن عليّ وشريك بن الحنبل ، أنهما ذهبا إلى تحريم البصل
والثّوم النِّيْءٍ .
والذي نقله الترمذيّ(٥) عنهما الكراهة . فالله أعلم .
وقد تكلّم الناس في الحديث الوارد في (( الصحيحين)(٦) من طريق الزهريّ ، عن عبد الله والحسن
ابني محمد ابن الحنفيّة ، عن أبيهما ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، أن رسول الله ێ+ نھی
عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهليّة. هذا لفظ ((الصحيحين)) من طريق مالك وغيره ،
عن الزهريّ ، وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر ، وهو مشكل من وجهين :
أحدهما، أن يوم خيبر لم يكن ثَمّ نساء يتمتّعون بهنّ؛ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسِّباء عن نكاح
المتعة .
الثاني، أنه قد ثبت في ((صحيح مسلم)(٧) عن الربيع بن سَبْرة بن مَعْبَد، عن أبيه، أن رسول الله وَ ل
أذن لهم في المتعة زمن الفتح، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها ، وقال: (( إن الله قد حرّمها إلى يوم
القيامة)) . فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أذن فيها ، ثم حرّمت؛ فيلزم النّسخ مرتين ، وهو بعيد .
ومع هذا فقد نصَّ الشافعيّ على أنه لا يعلم شيئاً أَبيح ثم حرّم ، ثم أبيح ثم حرّم ، غير نكاح المتعة ،
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٠٨/٤ - ١٠٩) وأبو داود رقم (٢١٥٨) و(٢١٥٩) من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن.
(٢) رقم (١١٣١) ، وهو حديث حسن كما ذكر الترمذي ونقله المصنف .
(٣) في الأصول : حفص بن عمر ، والمثبت من الترمذي .
(٤) رقم (٤٢١٥) .
(٥) رقم ( ١٨٠٨) و(١٨٠٩)، وهو حديث صحيح .
(٦) رواه البخاري رقم (٤٢١٦) و(٥١١٥) و(٦٩٦١) ومسلم رقم (١٤٠٧).
(٧) رقم (١٤٠٦) .
٤١٢
ذكر غزوة خيبر
وما حداه على هذا ، رحمه الله ، إلا اعتماده على هذين الحديثين ، كما قدّمناه .
وقد حكى السهيليُّ(١) وغيره، عن بعضهم أنه ادّعى أنها أبيحت ثلاث مرات ، وحرّمت ثلاث
مرات . وقال آخرون : أربع مرات. وهذا بعيد جدّاً. والله أعلم. واختلفوا ؛ أيّ وقت أول ما حرّمت ؟
فقيل : في خيبر ، وقيل : في عمرة القضاء . وقيل : في عام الفتح . وهو الذي يظهر ، وقيل : في
أوطاس . وهو قريب من الذي قبله . وقيل: في تبوك . وقيل: في حجّة الوداع، رواه أبو داود٢ً)
وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث عليّ ، رضي الله عنه ، بأنه وقع فيه تقديم وتأخير .
وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام الأحمد(٣) : حدّثنا سفيان، عن الزهريّ ، عن الحسن وعبد الله
ابني محمد، عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليّاً قال لابن عباس: إن رسول الله وَالهول
نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر. قالوا: فاعتقد الراوي أن قوله: ((خيبر)).
ظرف للمنهيّ عنهما ، وليس كذلك ، إنما هو ظرف للنّهي عن لحوم الحمر ، فأمّا نكاح المتعة فلم يذكر له
ظرفاً ، وإنما جمعه معه ؛ لأن عليّاً ، رضي الله عنه ، بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ، ولحوم الحمر
الأهلية ، كما هو المشهور عنه، فقال له أمير المؤمنين عليّ: إنك امرؤ تائهٌ، إن رسول الله مَّ نهى عن
نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ، فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة ،
وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزّيّ، تغمّده الله برحمته ، آمين . ومع هذا
ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحة الحمر والمتعة ، أما النهي عن الحمر ، فتأوّله بأنها كانت
حَمولتهم ، وأما المتعة ، فإنما كان يبيحها عند الضّرورة في الأسفار ، وحمل النهي على ذلك في حال
الرّفاهية والوجدان ، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ، ولم يزل ذلك مشهوراً عن علماء
الحجاز ، إلى زمن ابن جريج ، وبعده . وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس ،
وهي ضعيفة ، وحاول بعض من صنّف في الخلاف نقل رواية عن الإمام أحمد بمثل ذلك ، ولا يصحّ
أيضاً ، والله أعلم. وموضع تحرير ذلك في كتاب (( الأحكام)) ، وبالله المستعان .
قال ابن إسحاق(٤): ثم جعل رسول الله وَ ل﴿ل يتدنَّى الحصون والأموال، فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه
حدّثه بعضُ أَسْلَم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله بَّهِ فقالوا: والله يا رسول الله، لقد جهدنا وما بأيدينا
من شيء. فلم يجدوا عند رسول الله بِّله شيئاً يعطيهم إيّاه، فقال: ((اللهم إنك قد عرفتَ حالهم، وأن
(١) انظر ((الروض الأنف)) (٦/ ٥٥٧).
(٢) رواه أبو داود رقم (٢٠٧٢)، وهو شاذ، والصحيح أن تحريم المتعة كان يوم الفتح كما أشار إليه المصنف .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٧٩/١)، وأخرجه البخاري رقم (٥١١٥) ومسلم ( ١٤٠٧) من طريق سفيان وهو
ابن عيينة به .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٢/٢).
٤١٣
ذكر غزوة خيبر
ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إيّاه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عندهم ، وأكثرها طعاماً
وودكاً)». فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصّعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاماً وودكاً منه .
قال ابن إسحاق (١): ولما افتتح رسول الله وُّل من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ،
انتهَوا إلى حصنهم الوطيح، والسّلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتاحاً ، فحاصرهم رسول الله مئات بضع
عشرة ليلة .
قال ابن هشام : وكان شعارهم يوم خيبر : يا منصور ، أمت أمت .
قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني بريدة بن سفيان الأسلميّ، عن بعض رجال بني سلمة، عن أبي اليَسَر
كعب بن عمرو قال: إنّا لمع رسول الله وَ له بخيبر ذات عشيّة، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود ، تريد
حصنهم ونحن محاصروهم، فقال رسول الله مُ له: ((من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟)) قال أبو اليسر:
فقلت: أنا يا رسول الله. قال: ((فافعل)) . قال : فخرجت أشتدّ مثل الظّليم ، فلمّا نظر إليّ رسول الله
وَ يّ مولّياً قال: ((اللهم أمتعنا به)). قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أُولاها الحصن ، فأخذت شاتين من
أُخراها فاحتضنتهما تحت يديّ ، ثم جئت بما أشتدّ ، كأنه ليس معي شيء ، حتى ألقيتهما عند رسول الله
وَّر، فذبحوهما فأكلوهما، فكان أبو اليَسَر من آخر أصحاب رسول الله وَ لّ موتاً، وكان إذا حدّث هذا
الحديث بكى ، ثم قال : أُمتعوا بي لعمري ، حتى كنت من آخرهم [ موتاً ] .
وقال الحافظ البيهقيّ في ((الدلائل)٣٨) : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ ، ثنا
أبو سعيد بن الأعرابيّ ، ثنا سعدان بن نصر ، ثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان
النّهديّ ، أو عن أبي قلابة قال: لما قدم النبيّ ◌َّه خيبر قدم والثمرة خضِرة ، قال : فأسرع الناس فيها ،
فَحُمُّوا ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم أن يقرّسو(٤) الماء في الشّنان ، ثم يحدروا عليهم بين أذاني الفجر ،
ويذكروا اسم الله عليه ، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عُقُل . قال البيهقيّ : ورويناه عن عبد الرحمن بن
رافع موصولاً ، وعنه : بين صلاتي المغرب والعشاء .
وقال الإمام أحمد(٥) : ثنا يحيى وبهز ، قالا : ثنا سليمان بن المغيرة ، ثنا حميد بن هلال ، ثنا
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٢/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٥/٢).
(٣) (٤/ ٢٤٢) .
(٤) أي : أن يبرِّدوه .
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٨٦/٤)، وهو حديث صحيح .
٤١٤
ذكر غزوة خيبر
عبد الله بن مغفّل ، قال : دُلِّيَ جراب من شحم يوم خيبر . قال : فالتزمته ، فقلت : لا أعطي أحداً منه
شيئاً. قال: فالتفتّ فإذا رسول اللّه الجيل يتبسّم.
وقال أحمد١): ثنا عفان، ثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفّل، قال : كنا
محاصرين قصر خيبر، فأُلقي إلينا جراب فيه شحم ، فذهبت آخذه، فرأيت النبيّ مَّ فاستحييت . وقد
أخرجه صاحبا (( الصحيح )) من حديث شعبة .
ورواه مسلمُ(٢) أيضاً عن شيبان بن فرّوخ ، عن سليمان بن المغيرة ، به نحوه .
وقال ابن إسحاق(٣) : وحدّثني من لا أتّهم، عن عبد الله بن مُغَفَّل المزنيّ ، قال : أصبت من فيء
خيبر جراب شحم . قال : فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي . قال : فلقيني صاحب المغانم الذي
جعل عليها ، فأخذ بناحيته ، وقال : هلمّ هذا ؛ حتى نقسمه بين المسلمين . قال : وقلت : لا والله
لا أعطيكه . قال: وجعل يجاذبني الجراب. قال: فرآنا رسول الله وَّل ونحن نصنع ذلك فتبسّم ضاحكاً ،
ثم قال لصاحب المغانم : [ (( لا أبا لك ]، خلّ بينه وبينه)). قال: فأرسله ، فانطلقت به إلى رحلي
وأصحابي فأكلناه . وقد استدلّ الجمهور بهذا الحديث على الإمام مالك ؛ في تحريمه شحوم ذبائح
اليهود - ما كان حراماً عليهم - على غيرهم من المسلمين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [ المائدة ٥] قال: لكم . قال : وليس هذا من طعامهم . فاستدلوا عليه بهذا الحديث ، وفيه
نظر ، وقد يكون هذا الشّحم ممّا كان حلالاً لهم . والله أعلم .
وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يُخمّس .
ويَعْضُدُ ذلك ما رواه الإمام أبو داود(٤) : ثنا محمد بن العلاء ، ثنا أبو معاوية ، ثنا [ أبو ] إسحاق
الشّيبانيّ ، عن محمد بن أبي مجالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : قلتُ : هل كنتم تخمّسون الطعام في
عهد رسول الله وَلير؟ فقال: أصبنا طعاماً يوم خيبر ، فكان الرجل يجيء ، فيأخذ منه قدر ما يكفيه ، ثم
ينصرف ، تفرّد به أبو داود ، وهو حسن(٥) .
(١) رواه أحمد في (( المسند)) (٥٥/٥).
(٢) رقم ( ١٧٧٢ ) ( ٧٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٩/٢).
(٤) رقم (٢٧٠٤) .
(٥) هكذا قال، ولو قال ((صحيح)) لكان أحسن، فقد رواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥) عن هشيم عن أبي إسحاق
الشيباني ، به ، ورجال إسناده رجال الصحيح .
٤١٥
ذكر قصة صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها
ذکر
قصّة صَفِيَّة بنت حُبَي بن أخطب النّضريةُ(١)
رضي الله عنها
وكان من شأنها أنه لما أَجلى رسول الله وَل يهود بني النّضير من المدينة ، كما تقدّم ، فذهب عامّتهم
إلى خيبر ، وفيهم حُبَيّ بن أخطب ، وبنو أبي الحُقَيق ، وكانوا ذوي أموال وشرف في قومهم ، وكانت
صَفِيّة إذ ذاك طفلة دون البُلوغ، ثم لمّا تأهّلت للتّزويج، تزوّجها بعض بني عمّها، فلما زُفّت إليه
وأُدخلت عليه بنى بها ، ومضى على ذلك ليالٍ ، رأت في منامها كأنّ قمر السماء قد سقط في حَجْرِهَا ،
فقصّت رؤياها على ابن عَمِّهَا ، فلطم وجهها ، وقال : أتتمنّين مَلِكَ يَثْربَ أن يَصير بَعْلَكِ. فما كان إلا
مجيء رسول الله بَّه وحصاره إيّاهم، وكانت صَفِيَّة في جملة السّبي، وكان زوجها في جملة القَتْلَى.
ولمّا اصطفاها رسول الله وَ لهر، وصارت في حوزه وملكه، كما سيأتي ، وبنى بها ، بعد استبرائها
[وحِلّها]، وجد أثر [ تلك ] اللَّطمة في خدّها، فسألها: (( ما شأنها؟)) فذكرت له ما كانت رأت من
تلك الرؤيا الصَّالحة ، رضي الله عنها وأرضاها .
قال البخاري (٢): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمّاد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال :
صلى النبيّ ◌َّرِ الصُّبْحَ قريباً من خيبر بغلس ثم قال: ((الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا [ بساحة ] قوم
فساء صباح المنذَرين)) فخرجوا يسعون في السّكك، فقتل النبيّ وَّ المقاتلة وسبى الذُّرِّية، وكان منّ
السّبِي صَفيَّةُ، فصارت إلى دِحْيَةَ الكلبيّ، ثم صارت إلى النَّبِّمَّ، فجعل عِثْقَهَا صَدَاقَها.
ورواه مسلم(٣) أيضاً من حديث حماد بن زيد - وله طرق - عن أنس .
وقال البخاري(٤): ثنا آدم، ثنا شعبة ، عن عبد العزيز بن صهيب [ قال ]: سمعت أنس بن مالك
يقول: سبى النبيّ وَّهِ صَفِيَّة، فأعتقها وتزوّجها. قال ثابت لأنس : ما أصدقها؟ قال : أصدقها نفسها
فأعتقها . تفرّد به البخاريّ من هذا الوجه .
(١) ترجمتها في ((الاستيعاب بمعرفة الأصحاب)) (١٨٧١/٤)، و((الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين))
ص (٤٥)، و((جامع الأصول)) (٢٥٩/١٢)، و((أسد الغابة)) (١٦٩/٧)، و((سير أعلام النبلاء))
(٢٣١/٢)، و((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٣٤٦/٤)، و((شذرات الذهب)) (٢٤٥/١)، و((أعلام النساء))
(٣٣٣/٢).
(٢) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٤٢٠٠).
(٣) رواه مسلم رقم (١٣٦٥) (٨٤ - ٨٨).
(٤) رواه البخاري رقم (٤٢٠١ ) .
٤١٦
ذكر قصة صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها
وقال البخاريّ(١): ثنا عبد الغفّار بن داود، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن. [ح ] وثنا أحمد [ بن
عيسى آ ثنا ابن وهب ، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ ، عن عمرو مولى المطّلب ، عن أنس بن
مالك قال : قدمنا خيبر ، فلمّا فتح الله [ عليه ] الحصن ، ذُكر له جمال صَفِيَّة بنت حُييّ بن أَخْطَب ، وقد
قتل زوجها ، وكانت عروساً ، فاصطفاها النبيّ وَّ لنفسه، فخرج بها حتى بلغ بها سدّ الصّهباء حلّت ،
فبنى بها رسول الله بَّر، ثم صنع حَيْساً في نطع صغير، ثم قال لي: (( آذن من حولك)). فكانت تلك
وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة ، فرأيت النبيّ ◌َليل يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره
فيضع ر کبته وتضع صفية رجلها علی ر کبته حتی ترکب . تفرّد به دون مسلم .
وقال البخاريّ(٢) : ثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ، أخبرني حميد أنه سمع
أنساً يقول : أقام رسول الله وَلّهبين خيبر والمدينة ثلاث ليال ، يُبنى عليه بصفية ، فدعوت المسلمين إلى
وليمته ، وما كان فيها من خبز و[ لا] لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالاً بالأنطاع فبسطت ، فألقى عليها
التمر والأقِط والسّمن ، فقال المسلمون : إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه ؟ فقالوا : إن حجبها
فهي إحدى أمهات المؤمنين ، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه . فلمّا ارتحل وطّأ لها خلفه ، ومدّ
الحِجَاب . انفرد به البُخاريّ .
وقال أبو داود(٣) : ثنا مسدّد ، ثنا حمّاد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك
قال: صارت صفية لدِحية الكلبيّ، ثم صارت لرسول الله وَله .
وقال أبو داود٤) : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، [ قال ] : ثنا ابن عليّة ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن
أنس قال : جمع السّبي - يعني بخيبر - فجاء دحية فقال : يا رسول الله ، أعطني جارية من السّبي . قال :
((اذهب فخذ جارية)). فأخذ صفيّة بنت حييّ، فجاء رجل إلى رسول الله وَله فقال: يا نبيّ الله، أَعطيت
[ دِحْيَةَ ] - قال يعقوب: صفيّة بنت حييّ سيدة قريظة والنّضير؟ - ما تصلح إلا لك. قال: ((ادع بها)).
فلمّا نظر إليها النبيّ وَّ قال: ((خذ جارية من السّبي غيرها)). وإن رسول الله وَل أعتقها وتزوّجها.
وأخرجاه(٥) من حديث ابن عُليّة .
وقال أبو داود٦) : ثنا محمد بن خلاد الباهليّ ، ثنا بهز بن أسد ، ثنا حمّاد بن سلمة ، ثنا ثابت ، عن
(١) رواه البخاري رقم (٤٢١١).
(٢) رواه البخاري رقم ( ٤٢١٣) .
(٣) رواه أبو داود رقم (٢٩٩٦)، وهو حديث صحيح .
(٤)
رواه أبو داود رقم ( ٢٩٩٨).
(٥) رواه البخاري رقم (٣٧١)، ومسلم رقم (١٣٦٥) في النكاح.
(٦) رواه أبو داود رقم (٢٩٩٧) ، وهو حديث صحيح .
٤١٧
ذكر حصار رسول الله ﴾ لحصون خيبر
أنس قال : وقع في سهم دِحْيَة جَارِيَةٌ جميلة، فاشتراها رسول الله بِ ◌ّلهبسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أمّ
سُليم تصنعها وتهيّئها . قال حمّاد : وأحسبه قال : وتعتدّ في بيتها - صفية بنت حُييّ . تفرّد به أبو داود .
قال ابن إسحاق(١): فلما افتتح رسول الله وَ لّ القموص، حصن بني أبي الحُقيق، أُتي بصَفية بنت
حييّ بن أخطب وبأُخرى(٢) معها ، فمرّ بهما بلال ــ وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود ، فلمّا
رأتهم التي مع صفية، صاحت، وصكّت وجهها، وحثَت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله وَّل
قال: ((أعزبو(٣) عني هذه الشيطانة)). وأمر بصَفِيَّة فحِيزت خلفه، وألقى عليها رداءه ، فعرف
المسلمون أن رسول الله وَ ل قد اصطفاها لنفسه. وقال رسول الله وَله لبلال ـ فيما بلغني - [حين رأى بتلك
اليهودية ما رأى] : (( أنُزعتْ منكَ الرحمة يا بلال حتى تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما!)). وكانت
صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق ، أن قمراً وقع في حجرها ، فعرضت
رؤياها على زوجها ، فقال : ما هذا إلّ أنك تمنّين مَلِكَ الحجاز محمداً. فلطم وجهها لطمةً خَضَّر عينها
منها . فأُتي بها رسول الله وَ لَه وبها أثر منه، فسألها: (( ما هذا؟)) فأخبرته الخبر.
قال ابن إسحاق(٤): وأتي رسول الله ◌ِّل بكنانة بن الربيع، وكان عنده كَنْزُ بني النّضير ، فسأله عنه ،
فجحد أن يكون يعلم مكانه ، فأتى رسول الله وَ لو رجل من اليهود، فقال لرسول الله وَل: إني رأيت كنانة
يَطيف بهذه الخرِبة كلّ غداة. فقال رسول الله وَ لَو لكنانة: ((أرأيت إن وجدناه عندك أقتلُكَ؟)) قال:
نعم. فأمر رسول الله و ﴿ بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي ، فأبى أن
يؤدّيه، فأمر به رسول الله وَ ليه الزّبير بن العَوَّام فقال: ((عذّبه حتى تستأصل ما عنده)). وكان الزبير يقدح
بزَنْدٍ في صدره حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول الله ◌ِّل إلى محمد بن مسلمة ، فضرب عنقه بأخيه
محمود بن مسلمة .
فصل
قال ابن إسحاق (٥): وحاصر رسول الله وَ لل أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسُّلالم، حتى [ إذا ]
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٦/٢).
(٢) في (ط): ((وأخرى)).
(٣) أي : أبعدوا .
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٣٦/٢).
(٤)
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٣٧).
٤١٨
ذكر فتح حصون خيبر
أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيّرهمُ(١) و[أن ] يحقن دماءهم، ففعل، وكان رسول الله بَ ل قد حاز الأموال
كلّها ؛ الشّقّ ، والنّطاة ، والكتيبة ، وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنَين ، فلمّا سمع
[بهم] أهل فدك [ قد صنعوا ما صنعوا ] بعثوا إلى رسول اللّه بملا يسألونه أن يسيّرهم ويحقن دماءهم،
ويخلّوا له الأموال ، ففعل .
[وكان ممّن مشى بين رسول الله صل وبينهم في ذلك محيّصة بن مسعود، أخو بني حارثة ] فلمّا نزل
أهل خيبر [ على ذلك ] سألوا رسول اللّه وَّر أن يعاملهم [ في الأموال ] على النصف [وقالوا : نحن أعلم
بها منكم، وأعمر لها ] فصالحهم [ رسول اللّه ◌َوَ على النصف] على أنّا إذا شئنا أن نخرجكم
أخرجناكم ، وعامل أهل فَدَك بمثل ذلك .
فصل
في فتح حصونها٢) وقسم أرضها
قال الواقديّ(٣) : لما تحوّلت اليهود من حصن ناعم وحصن الصّعب بن معاذ إلى قلعة الزَِّير ،
حاصره رسول اللّه ◌َيّ ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له : غزّال . فقال : يا أبا القاسم ، تؤمّنني
على أن أدلّك على ما تستريح به من أهل النّطاة ، وتخرج إلى أهل الشّقّ ، فإن أهل الشّقّ قد هلكوا رُعباً
منك؟ قال: فأمّنه رسول اللّه وَ# على أهله وماله، فقال له اليهوديّ: إنك لو أقمت شهراً تحاصرهم
ما بالوا بك ، إنّ لهم تحت الأرض دُبُولًا يخرجون بالليل فيشربون منها ، ثم يرجعون إلى قلعتهم . فأمر
رسول اللّه ◌َ﴾ بقطع دُبولهم، فخرجوا فقاتلوا أشدّ القتال ، وقتل من المسلمين يومئذ [ نفر ] وأصيب من
اليهود عشرة، وافتتحه رسول الله بَّه، وكان آخر حصون النّطاة، وتحوّل إلى الشّقّ، وكان به حصون
ذوات عُدَد، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أَبيّ، فقام رسول الله وَّل على قلعة يقال لها: سُمْوَانُ(٤)،
فقاتل عليها أهل الحصن أشدّ القتال ، فخرج منهم رجل يقال له : عزول . فدعا إلى البِراز ، فبرز إليه
الحباب بن المنذر ، فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ، ووقع السيف من يده ، وفرّ اليهوديّ راجعاً ،
فاتّبعه الحباب فقطع عُرقوبه ، وبرز منهم آخر ، فقام إليه رجل من المسلمين ، فقتله اليهوديّ ، فنهض إليه
في (أ): ((يسترهم)) وأثبت لفظ (ط) وهو موافق لما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام، ويسيرهم: يجليهم.
(١)
(٢)
أي : خيبر .
(٣) انظر ((المغازي)) (٦٦٦/٢ ).
(٤) في ((المغازي)): ((سمران)).
٤١٩
ذكر فتح حصون خيبر
أبو دُجانة فقتله وأخذ سلبه ، وأحجموا عن البِراز ، فكبّر المسلمون ، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه ،
وأمامهم أبو دجانة ، فوجدوا فيه أثاثاً ومتاعاً وغنماً وطعاماً ، وهرب من كان فيه من المقاتلة ، وتقحّموا
الجُدُر كأنهم الظباء ، حتى صاروا إلى حصن النّزار بالشّقّ ، وتمنّعوا أشدّ الامتناع ، فزحف إليهم
رسول الله بصير وأصحابه، فتراموا، ورمى معهم رسول الله وَ لّه بيده الكريمة، حتى أصاب نبلُهم ثيابَه،
عليه الصلاة والسلام . فأخذ عليه السلام كفّاً من الحصا فرمى حصنهم بها ، فرجف بهم حتى ساخ في
الأرض ، وأخذهم المسلمون أخذاً باليد .
وقال الواقديّ(١): ثم تحوّل رسول الله بَّه إلى أهل الكتيبة والوَطِيح والسُّلالم؛ حِصنَي بني أبي
الحُقيق، وتحضَّنوا أشدَّ التَّحصُن، وجاء إليهم كلُّ فَلِّ كان قد انهزم من النَّطاة والشِّقِّ، فتحصَّنوا معهم في
القموص - وهو في الكتيبة ، وكان حصناً منيعاً - وفي الوطيح والسُّلالم ، وجعلوا لا يطلعون من
حصونهم، حتى همَّ رسول الله وَّر أن ينصب المنجنيق عليهم، فلمَّا أيقنوا بالهلكة - وقد حصرهم
رسول الله وهو أربعة عشر يوماً - نزل إليه ابن أبي الحُقيق، فصالحه على حقن دمائهم ويُسيِّرهم، ويخلُّون
بين رسول الله وَّةٍ وبين ما كان لهم من الأرض، والأموال، والصَّفْرَاء ، والبيضاء ، والكراع والحَلْقة ،
وعلى البزّ، إلا ما كان على ظهر الإنسان، يعني لباسهم، فقال رسول الله وَله: ((وبرئت منكم ذِمَّةُ الله
وذِمَّةُ رسوله إن كتمتم شيئاً )) فصالحوه على ذلك .
قلت : ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفَوا ذلك المسك الذي كان فيه أموال جزيلة ، تبيّن أنه لا عهد
لهم ، فقتل ابن أبي الحقيق وطائفة من أهله ، بسبب نقض العهود منهم والمواثيق .
وقال الحافظ البيهقيُّ(٢): أنبأ أبو الحسن عليُّ بن محمد المقرىء الإسفرايينيُّ بها٣) ، ثنا الحسن بن
محمد بن إسحاق ، ثنا يوسف [ بن ] يعقوب، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حمّاد بن سلمة ، ثنا
عبيد الله بن عمر - فيما يحسب أبو سلمة - عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ لل قاتل أهل خيبر حتى
ألجأهم إلى قصرهم ، فغلب على الأرض والزَّرع والنَّخل ، فصالحوه على أن يُجلَوا منها ، ولهم
ما حملت ركابهم ، ولرسول الله وَالرّ الصّفراء والبيضاء، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا
ولا يغيِّبوا شيئاً ، فإن فعلوا فلا ذمَّة لهم ولا عهد ، فغيَّوا مَسْكَا٤) فيه مال وحليٍّ لحييٍّ بن أخطب ، وكان
احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النَّضير، فقال رسول الله وَّه لعمِّ حييٍّ: (( ما فعل مَسك حييٍّ الذي جاء
به من النضير؟)) فقال: أذهبته النَّفقات والحروب. فقال: (( العهد قريب والمال أكثر من ذلك)).
(١) انظر ((المغازي)) (٢/ ٦٧٠).
في ((دلائل النبوة)) (٢٢٩/٤).
(٢)
لفظ (( بها )) لم يرد في ( ط ) .
(٣)
(٤) المسك : الجلد .
٤٢٠
ذكر فتح حصون خيبر
فدفعه رسول الله :﴿ إلى الزُّبير، فمسَّه بعذاب، وقد كان حُييٌّ قبل ذلك دخل خَرِبةً ، فقال : قد رأيت
حيّاً يطوف في خَرِبةٍ هاهنا. فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة ، فقتل رسول اللّه بية ابني أبي
الحُقيق، وأحدهما زوج صفية بنت حييٍّ بن أخطب، وسبى رسول اللّه ◌َ ﴾ نساءهم وذراريَّهم ، وقسم
أموالهم بالنّكث الذي نكثوا ، وأراد إجلاءهم منا ، فقالوا : يا محمد ، دعنا نكون في هذه الأرض
نصلحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول اللّه وَخٍ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرُغون أن
يقوموا عليها ، فأعطاهم خيبر على أنَّ لهم الشَّطر من كلِّ زرع ونخيل وشيءٍ ما بدا لرسول الله بصل ، وكان
عبد الله بن رواحة يأتيهم كلَّ عام فيخرصها عليهم، ثم يضمّنهم الشَّطر، فشكوا إلى رسول الله مصطفي شدة
خَرصه ، وأرادوا أن يرشوه ، فقال: يا أعداء الله، تطعموني السُّحت، والله لقد جئتكم من عند أحبِّ
الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليَّ من عدَّتكم من القردة والخنازير ، ولا يحملني بغضي إياكم وحبِّي إياه على
أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذه قامت السموات والأرض. قال: فرأى رسول الله وَ ل بعين صفية
خُضرة، فقال: (( ياصفية، ما هذه الخضرة؟)) فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة ،
فرأيت كأنَّ قمراً وقع في حجري ، فأخبرته بذلك فَلَطَمَني ، وقال: تتمنَّين مَلِكَ يثرب ؟! قالت : وكان
رسول الله بٍِّ من أبغض الناس إليَّ؛ قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إليَّ ويقول: ((إن أباكِ ألَّب عليَّ
العرب)). وفعل وفعل، حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول اللّه ◌َ لي يعطي كلَّ امرأة من نسائه ثمانين
وَسقاً من تمر كلَّ عام ، وعشرين وسقاً من شعير ، فلمَّا كان في زمان عمر غشُّوا المسلمين ، وألقَوا ابن
عمر من فوق بيت ففدعوا يديه (١) ، فقال عمر : من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها . فقسمها
بينهم. فقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرَّنا رسول الله بَله وأبو بكر. فقال عمر
لرئيسهم: أتُراني سقط عني قول رسول الله وَّل: ((كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوماً ثم
يوماً ثم يوماً؟)) وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحُديبية .
وقد رواه أبو داود(٢) مختصراً من حديث حمّاد بن سلمة .
قال البيهقيُّ(٣): علَّقه البخاريُّ في ((كتابه)) فقال: ورواه حمّاد بن سلمة. قلت: ولم أره في
((الأطراف (٤) فالله أعلم .
وقال أبو داود(٥): وحدَّثني سليمان بن داود المهريُّ، ثنا ابن وهب، أخبرني أُسَامة بن زيد اللَّيْيُّ،
يعني أن تزول المفاصل عن أماكنها .
(١)
(٢) في (( سننه)) رقم (٣٠٠٦)، وإسناده حسن.
(٣) في ((دلائل النبوة)) (٢٣١/٤).
(٤) إنما علَّقه البخاري بعد الحديث (٢٧٣٠) من حديث ابن عمر عن أبيه، وذكره المزي في ((أطرافه)) كذلك.
(٥) في ((سننه)) رقم (٣٠٠٨)، وإسناده حسن .