Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب إني امرؤ أحمي وأحتمي عن النبي المصطفى الأمي وقد ذكر ابن جرير(١) أن نوفلاً لما تورط في الخندق ، رماه الناس بالحجارة ، فجعل يقول : قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب. فنزل إليه علي فقتله ، وطلب المشركون رمته من رسول الله وم طلقه بالثمن ، فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئاً ، ومكَّنهم من أخذه إليهم . وهذا غريب من وجهين . وقد روى البيهقي (٢) ، من طريق حمَّاد بن زيد، عن هشام بن عُروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم ، ومعي عُمر بن أبي سلمة ، فجعل يطأطىء لي فأصعد على ظهره ، فأنظر . قال : فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا ، فما يرتفع له شيء إلا أتاه ، فلما أمسى جاءنا إلى الأطم ، قلت : يا أبت ، رأيتك اليوم وما تصنع . قال : ورأيتني يا بني ؟ قلت : نعم . قال : فدىّ لك أبي وأمي . قال ابن إسحاق(٣) : وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، أخو بني حارثة ، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة . قال : وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن ، قالت عائشة : وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب . قالت : فمرَّ سعد وعليه درع مقلَّصة ، قد خرجت منها ذراعه كلها ، وفي يده حربته يرقد بها ويقول : [ من الرجز ] لِّث قليلاً يشهد الهيجا حمَلْ لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت له أمه : الحق بنيَّ ، فقد والله أخرت . قالت عائشة : فقلت لها : يا أم سعد ، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي . قالت : وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل . قال ابن إسحاق(٤) : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : رماه حبان بن قيس بن العرِقة ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال : خذها مني وأنا ابن العرِقة . فقال له سعد : عزَّق الله وجهك في النار ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم وإن كنتَ وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . (١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٧٤/٢). (٢) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٤٠٤/٣). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٦/٢). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٧/٢). ٣٠٢ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب قال ابن إسحاقُ(١): وحدثني من لا أتَّهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول : ما أصاب سعداً يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي ، حليف بني مخزوم . وقد قال أبو أسامة في ذلك شعراً ، قاله لِعِكْرِمة بن أبي جهل : فداك بآطام المدينة خالدٌ أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي لها بين أثناء المرافق عائد ألست الذي ألزمت سعداً مرشة عليه مع الشمط العذارى النواهِدُ قضى نحبه منها سعيد فأعولت عُبيدة جمعاً منهم إذ يكابد وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا وآخر مرعوب عن القصد قاصد على حين ما هم جائر عن طريقه قال ابن إسحاق(٢): والله أعلم أي ذلك كان . قال ابن هشام : ويقال : إن الذي رمى سعداً خفاجة بن عاصم بن حبان . قلت : وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة ، أقر الله عينه ؛ فحكم فيهم بقدرته وتيسيره ، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك ، كما سيأتي بيانه ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم ، حتى قال له رسول اللّه ◌َّ: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة)(٣). قال ابن إسحاق(٤): وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير ، عن أبيه عَبَّاد ، قال : كانت صفية بنت عبد الله في فارع حصن حسَّان بن ثابت ، قال : وكان حسَّان معنا فيه مع النساء والصبيان . قالت صفية : فمر بنا رجل من يهود ، فجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول الله وَل، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله وَ ل والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آتٍ ، فقلت : يا حسان ، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله وَليل وأصحابه ، فانزل إليه فاقتله . قال : يغفر الله لك يا بنة عبد المطلب ، والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا . قالت : فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئاً ، احتجزت ثم أخذت عموداً ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته ، فلما فرغت منه ، رجعت إلى الحصن ، فقلت : يا حسان ، انزل فاسلبه ، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل . قال : ما لي بسلبه حاجة يا بنة عبد المطلب . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٧/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٢٧). (٣) رواه البخاري ( ٣٠٤٣) ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري ورواه النسائي في الكبرى رقم (٨٢٢٣) بزيادة ((من فوق سبع سموات)) وهي زيادة صحيحة بلفظ ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك )) ورواية كتابنا : رواها ابن إسحاق مرسلة وابن قدامة المقدسي في (( العلو )) مرسلة ، فهي ضعيفة بهذا اللفظ . (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٨/٢). ٣٠٣ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب حكى السهيلي (١) عن بعضهم أنه قال : كان حسان جباناً شديد الجبن . قال : وأنكر آخرون ذلك ، وطعنوا في الخبر ، فقالوا : هو منقطع . قالوا : وقد كان يهاجي المشركين من الشعراء ؛ كابن الزِّبعرى، وضرار بن الخطاب ، وغيرهما ، فلم يعيِّره واحد منهم بالجبن . قال : وممن أنكر ذلك الشيخ أبو عمر النمري . قالوا : وبتقدير صحة هذا الخبر ، لعله كان منقطعاً في الآطام لعلة عارضة . ومال إلى هذا السهيلي . والله أعلم . قال موسى بن عقبة(٢) : وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن بين كتائبهم ، فحاصروهم قريباً من عشرين ليلة ، وأخذوا بكل ناحية ، حتى لا يدري الرجل أتم صلاته أم لا . قال : ووجَّهوا نحو منزل رسول الله وَّيو كتيبة غليظة ، فقاتلوهم يوماً إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر ، دنت الكتيبة ، فلم يقدر النبي ◌َله ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل ، فزعموا أن رسول الله وَلقر قال: (( شغلونا عن صلاة العصر ، ملأ الله بطونهم وقلوبهم - وفي رواية: وقبورهم - ناراً)) . فلما اشتد البلاء ، نافق ناس كثير ، وتكلموا بكلام قبيح ، فلما رأى رسول الله وَّير ما بالناس من البلاء والكرب، جعل يبشرهم ويقول: ((والذي نفسي بيده ليفرَّجن عنكم ما ترون من الشدة ، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً ، أن يدفع الله إليَّ مفاتيح الكعبة ، وليهلكنَّ الله كسرى وقيصر ، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله )) . وقد قال البخاري(٣): ثنا إسحاق، ثناروح، ثنا هشام، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي ، عن النبي ◌ُّر أنه قال يوم الخندق: (( ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)) . وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، به . ورواه مسلم والترمذي(٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي حسان الأعرج ، عن عبيدة ، عن علي ، به ، وقال الترمذي : حسن صحيح . ثم قال البخاري(٥) : حدثنا المكي بن إبراهيم ، حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش ، وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. قال النبي وَلير: ((والله ما صليتها)). فنزلنا مع رسول الله وَلقول بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعدما غربت (١) انظر ((الروض الأنف)) (٣٢٤/٦). (٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي ( ٤٠١/٣). (٣) رواه البخاري رقم (٤١١١). (٤) رواه مسلم رقم (٦٢٧) والترمذي رقم (٢٩٨٤) . (٥) رواه البخاري رقم (٤١١٢) . ٣٠٤ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . وقد رواه البخاري أيضاً ومسلم والترمذي والنسائي ، من طرق ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ، به (١) . وقال الإمام أحمد(٢) : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا ثابت ، حدثنا هلال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قاتل النبي ◌َّلر عدواً، فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها ، فلما رأى ذلك ، قال : (( اللهم مَن حبسنا عن الصلاة الوسطى، فاملأ بيوتهم ناراً واملأ قبورهم ناراً)). ونحو ذلك. تفرد به أحمد ، وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي ، وهو ثقة ، يصحح له الترمذي وغيره . وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث . وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا ؛ لصحة الحديث ، وقد حررنا ذلك نقلاً واستدلالاً عند قوله تعالى: ﴿ حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [ البقرة: ٢٣٨]. وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال ، كمال هو مذهب مكحول والأوزاعي، وقد بوب البخاري على ذلك (٣)، واستدل بهذا الحديث، وبقوله وَّل يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة، كما سيأتي: (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)) . وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ، ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ، ولم يعنِّ واحداً من الفريقين ، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستَر سنة عشرين في زمن عمر ، حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس ؛ لعذر القتال واقتراب فتح الحصن . وقال آخرون من العلماء ، وهم الجمهور ، منهم الشافعي : هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك ، فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك ، فلهذا أخروها يومئذ . وهو مشكل ، فإن ابن إسحاق وجماعة ذهبوا إلى أن النبي ◌َّلقوله صلى صلاة الخوف بعسفان، وقد ذكرها ابن إسحاق، وهو إمام في المغازي ، قبل الخندق ، وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق ، فالله أعلم . وأما الذين قالوا : إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسياناً . كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس ، فهو مشكل ، إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير ، مع شدة حرصهم على المحافظة على الصلاة ، كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء . قال الإمام أحمد(٤) : حدثنا يزيد وحجاج قالا : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه قال : حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هَويٌّ من الليل ، حتى (١) رواه البخاري (٥٩٦) ومسلم (٦٣١) والترمذي (١٨٠) والنسائي (١٣٦٥). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٠١/١)، وإسناده صحيح . (٣) انظر ((صحيح البخاري)) قبل رقم (٩٤٥). (٤) رواه أحمد في المسند (٣/ ٦٧) وإسناده صحيح. ٣٠٥ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب كفينا، وذلك قوله: ﴿ وَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمَّ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [ الأحزاب: ٢٥]. قال: فدعا رسول الله وَ لهول بلالاً، فأمره فأقام ، فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ، وذلك قبل أن يُنزَّل - قال حجاج: في صلاة الخوف - : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقد رواه النسائي(١) ، عن الفلاس، عن يحيى القطان ، عن ابن أبي ذئب ، به : قال : شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس . فذكره . وقال أحمد(٢): ثنا هشيم ، ثنا أبو الزبير ، عن نافع بن جبير ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، أن المشركين شغلوا رسول الله وَ له يوم الخندق عن أربع صلوات ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله . قال: فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلَّى الظهر ، ثم أقام فصلّى العصر ، ثم أقام فصلَّى المغرب ، ثم أقام فصلَّى العشاء . وقال الحافظ أبو بكر البزَّار(٣) : ثنا محمد بن معمر ، ثنا مؤمَّل ، يعني ابن إسماعيل ، حدثنا حمَّاد ، يعني ابن سلمة ، عن عبد الكريم ، يعني ابن أبي المخارق ، عن مجاهد ، عن جابر بن عبد الله ، أن النبيِوَ لّ شُغل يوم الخندق عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام ، فصلَّى الظهر ، ثم أمره فأذَّن وأقام ، فصلى العصر ، ثم أمره فأذَّن وأقام ، فصلى المغرب ، ثم أمره فأذَّن وأقام، فصلى العشاء ، ثم قال: (( ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم)). تفرَّد به البزَّار ، وقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله . فصل في دعائه [ عليه ] السلام على الأحزاب وكيف صرفهم الله تعالى، بحوله وقوته ؛ استجابة لرسوله وَّله(٤)، وصيانة لحوزته الشريفة ، فزلزل قلوبهم ، ثم أرسل عليهم الرِّيح الشديدة ؛ فزلزل أبدانهم . (١) في ((السنن الكبرى)) رقم (٦٦٠). (٢) رواه أحمد في (( المسند)) (٣٧٥/١) وهو حديث حسن . (٣) في ((كشف الأستار)) ( ٣٦٥) وإسناده ضعيف. (٤) فى (آ): ((عليه السلام)) وأثبت لفظ ( ط ). ٣٠٦ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب قال الإمام أحمد(١): ثنا أبو عامر، ثنا الزُّبير - يعني ابن عبد الله - ثنا رُبيح بن أبي سعيد [ الخدري] ، عن أبيه قال: قلنا [ يوم الخندق ]: يا رسول الله ، هل من شيء نقوله؟ [ فقد ] بلغت القلوب الحناجر. قال: (( نعم، اللهم استر عوراتِنا وآمن روعاتنا)). قال: فصرف (٢) الله وجوه أعدائه بالرِّيح ، فهزمهم الله بالرّيح . وقد رواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره (٣) عن أبيه ، عن أبي عامر ، وهو العَقَدُّ(٤)، عن الزّبير بن عبد الله مولى عثمان بن عَفَّان ، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي سعيد . فذكره ، وهذا هو الصواب . وقال الإمام أحمد(٥) : ثنا حسين ، [ عن ] ابن أبي ذئب ، عن رجل من بني سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، أن النبي ◌َّر أتى مسجد الأحزاب فوضع رداءه، وقام ورفع يديه مدَّاً يدعو عليهم ، ولم يصل . قال : ثم جاء ودعا عليهم وصلّى . وثبت في ((الصحيحين)(٦) من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : دعا رسول الله وَ لل على الأحزاب فقال: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم » . وفي رواية (٧): ((اهزمهم وانصرنا عليهم)) . وروى البخاري(٨)، عن قُتيبة، عن اللَّيث، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هُريرة أن رسول الله وَ لّ كان يقول: ((لا إله إلا الله وحده، أعزّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده )). وقال ابن إسحاق(٩): وأقام رسول الله وَّر وأصحابه في ما وصف الله من الخوف والشدة؛ لتظاهر (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٣) وإسناده ضعيف وفيه سقط، فَرُبيح هو ابن عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري ، يروي عن أبيه عن جده ، كما سيأتي في الحديث الذي بعده . (٢) في ( ط): ((فضرب)). (٣) وذكره السيوطي في ((الدّر المنثور)) (١٨٥/٥) وعزاه لابن أبي حاتم. (٤) هو أبو عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي. مات سنة أربع - أو خمس - ومثتين. انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٣٨٦/٢) . (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٣/٣) وإسناده ضعيف. (٦) رواه البخاري رقم (٢٩٣٣) و(٤١١٥) و(٦٣٩٢) و(٧٤٨٩) ومسلم رقم (١٧٤٢). (٧) وهي عند البخاري رقم (٢٩٦٦) و(٣٠٢٥) وعند مسلم رقم (١٧٤٢) (٢٠). (٨) في ((صحيحه)) رقم (٤١١٤). (٩) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٩/٢). ٣٠٧ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب عدوهم عليهم ، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم . قال : ثم إن نُعَيْم بن مسعود بن عامر بن أُنيف [ بن ثعلبة ] بن قنفذ بن هلال بن خُلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله وَّله فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت و(( إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله إليه: ((إنما أنت فينا رجل واحد، فَخَذِّلْ عَنَّا إن استطعت، فإن الحرب خُدْعَة)). فخرج نُعَيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديماً في الجاهلية ، فقال : يا بني قريظة، قد عرفتم وُدِّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم . قالوا : صدقت ، لست عندنا بمتَّهم . فقال لهم : إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نُهْزَةً أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ؛ ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه . قالوا : لقد أشرت بالرأي . ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم وُدِّي لكم وفراقي محمداً ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقاً أن أبلغكموه ؛ نصحاً لكم ، فاكتموه عني . قالوا : نفعل. قال : تعلَّموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه أنَّا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم ، فنُعطيَكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم ؟ فأرسل إليهم أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم ، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً . ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال : يا معشر غطفان ، إنكم أصلي وعشيرتي ، وأحب الناس إليَّ، ولا أراكم تتَّهموني . قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتَّهم . قال : فاكتموا عنِّي . قالوا : نفعل . ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذّرهم ما حذّرهم ، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صنع الله تعالى لرسوله سليم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل ، في نفر من قريش وغطفان ، فقال لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخفّ والحافر ، فأعدُّوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه . فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابهم ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رُهُناً من رجالكم يكونون بأيدينا ؛ ثقة لنا حتى نناجز محمداً ، فإنا نخشى إن ضرَّسَتكمُ(١) الحرب ، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلادنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : والله إن الذي حدَّثكم نُعيم بن مسعود لحق . فأرسلوا إلى بني قريظة : إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا . فقالت بنو قريظة حين (١) أي: إن نالت منكم. انظر ((شرح غريب ألفاظ السيرة)) للخشني (٨/٣). ٣٠٨ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب انتهت إليهم الرسل بهذا : إن الذي ذكر لكم نُعيم بن مسعود لَحق ، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا ، فإن رأوا فرصة إنتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم . فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُناً . فأبوا عليهم ، وخذَّل الله بينهم ، وبعث الله الرِّيح في ليلةُ(١) شاتية شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم . وهذا الذي ذكره ابن إسحاق (٢) من قصة نُعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة . وقد أورده عنه البيهقي في ((الدلائل))٣) ، فإنه ذكر ما حاصله أن نُعيم بن مسعود كان يُذيع ما يسمعه من الحديث ، فاتفق أنه مر برسول الله وَّ ر ذات يوم عشاءً، فأشار إليه أن تعال، فجاء فقال: ((ما وراءك؟)). فقال : إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك ، فقالت بنو قريظة : نعم . فأرسلوا إلينا بالزُّهُن . وقد ذكر ، كما تقدم ، أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حُيي بن أخطب ، بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة، قال: فقال له رسول الله وَّه: ((إني مُسِرّ إليك شيئاً فلا تذكره)). قال: ((إنهم قد أرسلوا إليَّ يدعونني إلى الصُّلح وأَرُدُّ بني النضير إلى دورهم وأموالهم)). فخرج نُعيم بن مسعود عامداً إلى غطفان، وقال رسول الله بَّهِ: (( الحرب خُدْعَة، وعسى أن يصنع الله لنا)» . فأتى نعيم غطفان وقريشاً فأعلمهم ، فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه ، واتفق ذلك ليلة السبت ، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم ، فاعتلت اليهود بالسبت ، ثم أيضاً طلبوا الرهن توثقة ، فأوقع الله بينهم واختلفوا . قلت : وقد يحتمل أن [ تكون ] قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان ، بعثوا إلى رسول الله وَ لي يطلبون منه الصلح على أن يردَّ بني النضير إلى المدينة ، والله أعلم. قال ابن إسحاق(٤): فلما انتهى إلى رسول الله وَّر ما اختلف من أمرهم وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حُذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلاً . قال ابن إسحاق (٥) : فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وَلل وصحبتموه ؟ قال : نعم يا بن أخي قال : فكيف كنتم تصنعون ؟ قال : والله لقد كنا نجتهد . قال : فقال : والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله وَيه بالخندق، وصلى رسول الله بَّ هويّاً من الليل، ثم التفت إلينا فقال: ((مَن رجل يقوم فينظر لنا ما فعل (١) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((في ليالٍ)). (٢) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٢٩/٢). (٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤٠٤/٣). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣١/٢). (٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣١/٢). ٣٠٩ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب القوم ثم يرجع)) فشرط له رسول الله ومية الرجعة ((أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)). فما قام رجل من القوم ؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد ، فلما لم يقم أحد دعاني ، فلم يكن لي بُدٌّ من القيام حين دعاني، فقال: ((يا حُذيفة ، اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ، ولا تحدثنَّ شيئاً حتى تأتينا)) . قال : فذهبت فدخلت في القوم ، والرّيح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقرّ لهم قدراً ولا ناراً ولا بناءً ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤ مَن جليسه . قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت : من أنت ؟ قال : فلان بن فلان . ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخفّ ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ؛ ما تطمئن لنا قِدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا ، فإني مرتحل . ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله وَله إليَّ: ((لا تُحدثْ شيئاً حتى تأتيني)). ثم شئت ؛ لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله وَله وهو قائم يصلي في مِرط لبعض نسائه مراجل ، فلما رآني أدخلني إلى رجليه ، وطرح عليَّ طرف المرط ، ثم ركع وسجد وإني لفيه ، فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم . وهذا منقطع من هذا الوجه . وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجّاج في (( صحيحه(١) من حديث الأعمش ، عن إبراهيم بن يزيد التّيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله وَّه قاتلت معه وأبليت . فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رأيتنا مع رسول الله وَ لفي ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقُرّ ، فقال رسول الله بَّليل: ((ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ )) فلم يجبه منا أحد ، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال: (( يا حُذيفة، قم فأتنا بخبر القوم )) فلم أجد بُدَّاً إذ دعاني باسمي أن أقوم ، فقال: ((ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليَّ)). قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمَّام حتى أتيتهم ، فإذا أبو سفيان يَصْلِي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله وَلير : (( لا تذعرهم عليَّ)). ولو رميته لأصبته، فرجعت كأنما أمشي في حَمَّام، فأتيت رسول الله وَيه ، فأصابني البَرْد حين رجعت وقُررت، فأخبرت رسول الله وَّر، وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله مَ طير: ((قم يا نومان)). وقد روى الحاكم ، والحافظ البيهقي في (( الدلائل )×٢) هذا الحديث مبسوطاً من حديث عكرمة بن عَمَّار ، عن محمد بن عبد الله الدُّؤَليّ ، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال : ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله وَّله، فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنّوا (١) رقم ( ١٧٨٨). (٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٥١/٣). ٣١٠ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب ذلك ، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافُّون قعود ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل منا ، نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً منها ، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي وَالخير ، ويقولون : إن بيوتنا عورة . وما هي بعورة ، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، ويأذن لهم ويتسللون ، ونحن ثلاثمئة ونحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله مَ له رجلاً رجلاً، حتى أتى عليَّ، وما عليَّ جُنَّةٌ من العدو ولا من البرد إلا مِرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي. قال: فأتاني وأنا جاثٍ على ركبتي فقال: (( من هذا؟)) فقلت: حذيفة. فقال: ((حذيفة!)). فتقاصرتُ بالأرض، فقلت: بلى يا رسول الله. كراهية أن أقوم. قال: ((قم)). فقمت، فقال: ((إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم)). قال : وأنا من أشد الناس فزعاً وأشدهم قُرَّاً. قال: فخرجت، فقال رسول الله وَل: ((اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ومن تحته)). قال : فوالله ما خلق الله فزعاً ولا قُرَّاً في جوفي إلا خرج من جوفي ، فما أجد منه شيئاً. قال: فلما ولَّيت قال: (( يا حذيفة ، لا تُحْدِثَنَّ في القوم شيئاً حتى تأتيني)) . قال : فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقَّد ، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ، ويمسح خاصرته ويقول : الرحيل الرحيل . ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك ، فانتزعت سهماً من كنانتي أبيض الريش ، فأضعه على كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار ، فذكرت قول رسول الله وَليل: ((لا تُحدثنَّ فيهم شيئاً حتى تأتيني)) . فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجَّعت نفسي حتى دخلت العسكر ، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر ، يقولون : يا آل عامر ، الرحيل الرحيل ، لا مقام لكم . وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً ، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها ، ثم خرجت نحو رسول الله وَ لقره، فلما انتصفت بي الطريق أو نحو من ذلك ، إذ أنا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك مُعْتَمِّين ، فقالوا : أخبر صاحبك أن الله قد كفاه. قال: فرجعت إلى رسول الله وسلّ وهو مشتمل في شملة يصلّي، فوالله ما عدا أن رجعت ؛ راجعني القُرُ وجعلت أُقَرْقِفُ، فأومأ إليَّ رسول الله بَّه بيده، وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل عليَّ شملته، وكان رسول الله وَ ل﴿ إذا حَزَبَه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم ؛ أخبرته أني تركتهم يرحلون . قال: وأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتَّكُمْ جُوٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودَا لَّهِ تَرَوَّهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ يعني الآيات كلها إلى قوله: ﴿وَرَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيرَاً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٩ -٢٥]. أي صرف الله عنهم عدوهم بالرِّيح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التي بعثها الله إليهم. ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْفِتَالَ﴾ أي؛ لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم ، بل صرفهم القوي العزيز بحوله وقوته . ٣١١ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب لهذا ثبت في ((الصحيحين)(١) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَله يقول: ((لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده )) ، وفي قوله : ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبينهم. وهكذا وقع ، ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين ، كما قال محمد بن إسحاق(٢) ، رحمه الله: فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق؛ قال رسول الله وَّير فيما بلغنا: ((لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم)). قال : فلم تغزهم قريش بعد ذلك ، وكان يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة . وهذا بلاغ من [ ابن ] إسحاق . وقد قال الإمام أحمد (٣) : ثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني أبو إسحاق ، سمعت سليمان بن صُرَدٍ، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله رَله: (( الآن نغزوهم ولا يغزونا)). وهكذا رواه البخاري ، من حديث إسرائيل وسفيان الثوري ، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي ، عن سليمان بن صُرَد ، به(٤) . قال ابن إسحاق(٥) : واستشهد من المسلمين يوم الخندق ستة ؛ ثلاثة من بني عبد الأشهل ، وهم : سعد بن معاذ - وستأتي وفاته مبسوطة - وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو ، وعبد الله بن سهل ، والطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنَمة الجشميان السلميان ، وكعب بن زيد النجاري ، أصابه سهم غرب فقتله . قال : وقتل من المشركين ثلاثة ، وهم : مُنَبِّه بن عثمان بن عبيد بن السبّاق بن عبد الدار ، أصابه سهم فمات منه بمكة ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة ، اقتحم الخندق بفرسه فتورّط فيه فقتل هناك ، وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم ، وعمرو بن عبد ودِّ العامري ، قتله علي بن أبي طالب . قال ابن هشام(٦): وحدثني الثقة أنه حُدِّث عن الزُّهري ، أنه قال : قتل عليٍّ يومئذ عمرو بن عبد ودٌّ وابنه حسل بن عمرو . قال ابن هشام : يقال : عمرو بن عبد ودِّ . ويقال : عمرو بن عبدٍ . (١) رواه البخاري رقم (٤١١٤) ومسلم رقم (٢٧٢٤) . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٥٤/٢). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤/ ٢٦٢)، وإسناده صحيح . (٤) رواه البخاري رقم (٤١٠٩) و(٤١١٠). (٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٥٢). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٥٣). ٣١٢ ذكر غزوة بني قريظة فصل في غزوة بني قريظة (١) وما أحلَّ الله تعالى بهم من البأس الشديد ، مع ما ادخر(٢) الله لهم في الآخرة من العذاب الأليم ، وذلك لكفرهم ونقضهم العهود والمواثيق(٣) التي كانت بينهم وبين رسول الله وَّر، وممالأتهم الأحزاب عليه ، فما أجدى ذلك عنهم شيئاً ، وباؤوا بغضب من الله ورسوله، والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة ، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَرَدَّاللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (في) وَأَنَزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا نَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تََّقُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ -٢٧]. قال البخاري(٤) : ثنا محمد بن مقاتل ، ثنا عبد الله ، ثنا موسى بن عقبة ، عن سالم ونافع ، عن عبد الله أن رسول الله ( كان إذا قفل من الغزو والحج والعمرة، يبدأ فيكبِّر ثم يقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون ، لربنا حامدون ؛ صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )) . وقال محمد بن إسحاق(٥)، رحمه الله: ولما أصبح رسول الله وَ لقل انصرف عن الخندق راجعاً إلى المدينة والمسلمون ، ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر أتى جبريلُ رسول الله وَطير، كما حدثني الزهري ، معتجراً بعمامة من إستبرق ، على بغلة عليها رِحَالةٌ ، عليها قطيفة من ديباج ، فقال : أوَقد وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ قال: (( نعم)) . فقال جبريل : ما وضعتِ الملائكة السلاح بعدُ ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله بَّر مؤذّناً فأذن [في] الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلُّين العصر إلا في بني قُريظة . قال ابن هشام٦) : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم . (١) انظر خبرها في ((عيون الأثر)) (١٠٣/٢)، و((زاد المعاد)) (١١٧/٣)، و((الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٧١)، و ((شذرات الذهب)) (١٢٢/١) بتحقيقي . (٢) في (ط): ((مع ما أعدّ )). (٣) لفظ (( والمواثيق )) انفردت به (آ). رواه البخاري رقم (٤١١٦) . (٤) (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٣٣). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ /٢٣٤). ٣١٣ ذكر غزوة بني قريظة وقال البخاري(١): ثنا [ عبد الله ] بن أبي شيبة، ثنا ابن نُمَير(٢)، عن هشام، عن أبيه ، عن عائشة قالت: لما رجع النبي وٍَّ من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال: قد وضعتَ السلاح، والله ما وضعناه، فأخرج إليهم. قال: (( فإلى أين؟)) قال: هاهنا . وأشار إلى بني قريظة . فخرج النبي وَلة إليهم . وقال أحمد(٣): وثنا حسن ، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، أن رسول الله ◌ّيم لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل، وجاء جبريل ، فرأيته من خلل البيت قد عصب رأسه الغبار، فقال: يا محمد، أوَضعتم أسلحتكم؟ فقال(٤): ((وضعنا أسلحتنا)) فقال(٥): إنّا لم نضع أسلحتنا بعدُ ، انهد إلى بني قريظة . ثم قال البخاري(٦) : ثنا موسى ، ثنا جرير بن حازم ، عن حميد بن هلال ، عن أنس بن مالك قال : كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم ، موكب جبريل حين سار رسول الله وَّه إلى بني قريظة. ثم قال البخاري(٧) : ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، ثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله يوم الأحزاب: ((لا يُصَلّينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة)). فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي العصر حتى نأتيَها . وقال بعضهم : بل نصلي ؛ لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبيّ وَّ فلم يعنِّف واحداً منهم . وهكذا رواه مسلم(٨)، عن عبد الله بن محمد بن أسماء ، به . وقال الحافظ البيهقي(٩): ثنا أبو عبد الله الحافظ ١٠)، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن خالد بن خَلِيٍّ ، ثنا بشر بن شعيب ، عن أبيه ، ثنا الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيد الله أخبره أن رسول الله وَل# لما رجع من طلب الأحزاب ، وضع عنه اللأمة واغتسل واستجمر ، فتبدى له جبريل ، عليه السلام ، (١) رواه البخاري رقم ( ٤١١٧) . (٢) في (أ): ((ابن أبي نمير)) وهو خطأ، واسمه (عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي أبو هشام). انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٢/ ٢٧٣) و (٤ /٣٣١). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٦/ ٢٨٠)، وهو حديث صحيح . (٤) القائل رسول الله وَّيل جواباً على سؤال جبريل عليه السلام. (٥) القائل جبريل عليه السلام تعقيباً على جواب رسول الله اليه . (٦) رواه البخاري رقم (٤١١٨). (٧) رواه البخاري رقم (٤١١٩). (٨) رواه مسلم رقم ( ١٧٧٠ ) . (٩) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٧ -٨). (١٠) يعني الحاكم صاحب ((المستدرك على الصحيحين)). ٣١٤ ذكر غزوة بني قريظة فقال : عَذِيرك من محارب، ألا أراك قد وضعتَ اللأمة وما وضعناها بعدُ. قال: فوثب النبي ◌ُّ فزعاً، فعزم على الناس أن لا يصلّوا صلاة العصر حتى يأتوا بني قريظة . قال : فلبس الناس السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروب الشمس ، فقال بعضهم : إن رسول الله وَلّ عزم علينا أن لا نصلّي حتى نأتيَ بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله بَّر، فليس علينا إثم. وصلى طائفة من الناس احتساباً ، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس ، فصلَّوها حين جاؤوا بني قريظة احتساباً، فلم يعنف رسول الله وَ ليل واحداً من الفريقين . ثم روى البيهقي(١) من طريق عبد الله العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة، أن رسول الله وَ الر كان عندها، فسلَّم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله وَّه فزعاً، وقمت في أثره، فإذا بدِحية الكلبي ، فقال: (( هذا جبريل ، أمرني أن أذهب إلى بني قريظة ، وقال : قد وضعتم السلاح ، لكنا لم نضع ، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد )) . وذلك حين رجع رسول الله وَلّر من الخندق. فقال رسول الله وَ ل فزعاً، وقال لأصحابه: ((عزمت عليكم أن لا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة)). فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله وله لم يرد أن تدَعوا الصلاة. فصلّوا. وقالت طائفة: والله إنَّا لفي عزيمة رسول الله وَّ ، وما علينا من إثم. فصلت طائفة إيماناً واحتساباً ، وتركت طائفة إيماناً واحتساباً، ولم يعنِّف رسول الله وَله واحداً من الفريقين، وخرج رسول الله وسلر فمر بمجالس بينه وبين بني قريظة، فقال: ((هل مرَّ بكم أحد؟)) فقالوا: مرَّ علينا دِحْيَة الكلبي(٢) على بغلة شهباء، تحته قطيفة ديباج. فقال: ((ذلك جبريل ، أُرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب)). فحاصرهم النبيّ وَّر، وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف (٣) حتى يسمعهم كلامه، فناداهم: (( يا إخوة القردة والخنازير)) . فقالوا : يا أبا القاسم، لم تكن فحاشاً . فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، وكانوا حلفاءه ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ونساؤهم . ولهذا الحديث طرق جديدة ، عن عائشة وغيرها . وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ ، من هو ؟ بل الإجماع على أن كلاً من الفريقين مأجور ومعذور ، غير معنّف ؛ فقالت طائفة من العلماء : الذين أخّروا الصلاة عن وقتها المقدّر لها ، حتى صلّوها في بني قريظة ، هم المصيبون ؛ لأن أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاصٌّ ، فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعاً . (١) في ((دلائل النبوة)) (٨/٤). (٢) وذلك لأن جبريل عليه السلام غالباً ما كان ينزل بصورته رضي الله عنه. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي واليه كان يقول: ((يأتيني جبريل في صورة دحية)) وانظر ((المسند)) للإمام أحمد (١٠٧/٢) و (( مجمع الزوائد )) (٣٧٨/٩)، و((الإصابة)) (١٩١/٣). (٣) الحَجَفُ: جمع حجفة: الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب. انظر ((مختار الصحاح)) ( حجف). ٣١٥ ذكر غزوة بني قريظة قال أبو محمد بن حزم الظّاهري في كتابه(١) ((السيرة)(٢): وعلم الله أنا لو كنّا هناك، لم نصلِّ العصر إلا في بني قريظة ، ولو بعد أيام . وهذا القول منه ماشٍ على قاعدته الأصلية الموصلة (٣) إلى الأخذ بالظَاهر . وقالت طائفة أخرى من العلماء : بل الذين صلّوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم ، هم المصيبون ؛ لأنهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بني قريظة ، لا تأخير الصلاة ، فعملوا بمقتضى الأدلّة الدالة على أفضلية(٤) الصلاة في أول وقتها ، مع فهمهم عن الشارع ما أراد ، ولهذا لم يعنّفهم ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها الذي حوّلت إليه يومئذ، كما يدّعيه أولئك ، وأما أولئك الذين أخّروا ، فعذروا بحسب ما فهموا ، وأكثر ما كانوا يؤمرون(٥) بالقضاء ، وقد فعلوه . وأما على قول من يجوِّز تأخير الصلاة لعذر القتال ، كما فهمه البخاري ، حيث احتجّ على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا ، فلا إشكال على من أخّر ، ولا على من قدّم أيضاً ، والله أعلم . ثم قال ابن إسحاق(٦): وقَدَّم رسول الله وَ لّ علي بن أبي طالب ومعه رايته(٧)، [ إلى بني قريظة ] وابتدرها الناس . وقال موسى بن عقبة في ((مغازيه)(٨)، عن الزهري: فبينما رسول الله وَلل في مغتسله ، كما يزعمون ، قد رَجَّلَ أحد شقيه، أتاه جبريل على فرس عليه لأُمَتُهُ ، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله وَله، فقال له جبريل: غفر الله لك، أوَقد وضعتَ السلاح؟ قال : ((نعم)). فقال جبريل : لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو ، وما زِلْتُ في طلبهم حتى هزمهم الله. ويقولون : إن على وجه جبريل لأثر الغبار . فقال له جبريل : إن الله قد أمرك بقتال بني قريظة ، فَأَنَّا عامد إليهم بمن معي من الملائكة ؛ لأَزلزل بهم الحصون، فاخْرُجْ بالناسِ. فخرج رسول الله وَّ في أثر جبريل، فمرّ على مجلس بني غَنْم وهم ينتظرون رسول الله وَلير، فسألهم فقال: (( مرَّ عليكم فارس آنفاً؟ » قالوا: مرَّ علينا دِحْيَةُ الكلبّي على فرس أبيض ، تحته نمط أو قطيفة من ديباج ، عليه اللأُمَةُ . (١) في (ط): ((في كتاب)). (٢) انظر ((جوامع السيرة)) لابن حزم ص (١٩٢) بتحقيق العالمين الفاضلين د. إحسان عباس، ود . ناصر الدين الأسد ، ومراجعة العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله . (٣) لفظ ((الموصلة)) لم يرد في ( ط). في (أ): ( وعلى فضيلة)) وأثبت لفظ ( ط ). (٤) (٥) في (أ): ((وأكثر ما كانوا يؤمروا)) وأثبت لفظ ( ط). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣٤/٢). (٧) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: (( برايته)) وما بين الحاصرتين تكملة منها. (٨) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤/ ١١). ٣١٦ ذكر غزوة بني قريظة فذكروا أن رسول اللّه مَّاه، قال: ((ذاك جبريل)). وكان رسول الله مَّلاَ يُشَبَّهُ دِخْيَةَ الكلبي بجبريل، فقال: (( الحقوني ببني قريظة، فصلّوا فيهم العصر)) . فقاموا ومن شاء الله من المسلمين ، فانطلقوا إلى بني قريظة ، فحانت صلاة العصر وهم بالطريق ، فذكروا الصلاة ، فقال بعضهم لبعض : ألم تعلموا أن رسول اللّه ◌َلل أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟! وقال آخرون: هي الصلاة . فصلى منهم قوم ، وأخَّرت طائفة الصلاة حتى صلَّوها في بني قريظة بعد أن غابت الشمس ، فذكروا لرسول الله مَّ من عجّل منهم الصلاة ومن أخّرها ، فذكروا أن رسول الله وَّله لم يعنّف واحداً من الفريقين . قال : فلما رأى علي بن أبي طالب رسول الله وَ لفر مقبلاً تلقاه وقال : ارجع يا رسول الله ، فإن الله كافيك اليهود . وكان عليٍّ قد سمع منهم قولاً سيئاً لرسول الله ربَّهل وأزواجه ، رضي الله عنهن، فكره عليٍّ أن يسمع ذلك رسول الله ◌َ، فقال رسول الله وَله: ((لم تأمرني بالرجوع؟)) فكتمه ما سمع منهم، فقال: ((أظنُّك سمعت لي منهم أذى ، فامض فإن أعداء الله لو قد رأوني ، لم يقولوا شيئاً مما سمعت)) . فلما نزل رسول الله ◌ُّ بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى صوته نفراً من أشرافهم ، حتى أسمعهم ، فقال: ((أجيبوا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله، عز وجل)). فحاصرهم رسول الله إِله بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ، وردّ الله ◌ُيَي بن أخطب ، حتى دخل حصن بني قريظة ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، واشتد عليهم الحصار ، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر ، وكانوا حلفاء الأنصار ، فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله وَّر. فقال له رسول الله وَّ: ((قد أذنتُ لك)). فأتاهم أبو لبابة فبكوا إليه وقالوا : يا أبا لبابة ، ماذا ترى وماذا تأمرنا ؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال . فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه ، وأمرَّ عليه أصابعه ، يريهم أنما يراد بكم القتل . فلما انصرف أبو لبابة سُقط في يده ، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة ، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله وَ طفل حتى أحدث الله توبة نصوحاً، يعلمها الله من نفسي . فرجع إلى المدينة ، فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد . وزعموا أنه ارتبط قريباً من عشرين ليلة، فقال رسول الله وَطير، كما ذكر(١)، حين راث (٢) عليه أبو لبابة: ((أما فرغ أبو لبابة من حلفائه ؟ )) قالوا : يا رسول الله ، قد والله انصرف من عند الحصن ، وما ندري أين سلك . فقال رسول الله ◌َ: ((قد حدث لأبي لبابة أمر، ما كان عليه)). فأقبل رجل من عند المسجد فقال: يا رسول الله، قد رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد. فقال رسول الله وشعليه: «لقد أصابته بعدي فتنة ، ولو جاءني لاستغفرت له ، وإذ قد فعل هذا فلن أُحَرِّكه من مكانه حتى يقضيَ الله فيه ما يشاء)) . وهكذا رواه ابن لهيعة(٣) ، عن أبي الأسود ، عن عُزْوَة . (١) قوله: (( كما ذكر)) لم يرد في ( ط ). (٢) أي: أبطأ. وفي (ط): ((حين غاب)). (٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤/ ١٤). ٣١٧ ذكر غزوة بني قريظة وكذا ذكره محمد بن إسحاق في (( مغازيه)(١) في مثل سياق موسى بن عقبة ، عن الزُّهري ، ومثل رواية أبي الأسود ، عن عُزْوَة . قال ابن إسحاق(٢): ونزل رسول الله وَليل على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم ، يقال لها: بئر أُنا٣) ، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة ، حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وقد كان حُّي بن أخطب دخل معهم حصنهم ، حين رجعت عنهم قريش وغطفان ؛ وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأن رسول الله وَّ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب بن أسد : يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثاً ، فخذوا بما شئتم منها . قالوا : وما هن ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونُصَدِّقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه لَنبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبداً ، ولا نستبدل به غيره . قال : فإذا أبيتم عليَّ هذه، فهلمَّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالًا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثَقَلاً ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإنْ نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه ، وإنْ نظهر فلعمري لنَجِدَنَّ النساء والأبناء . قالوا : أنقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم! قال : فإن أبيتم عليَّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أَمَّنُونا فيه ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غِرَّة . قالوا : أنفسد سبتنا ونُحدِث فيه ما لم يُحدِث فيه مَن كان قبلنا ، إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يخفَ عنك من المسخ . فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً. ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله وَ ليل أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف - وكانوا حلفاء الأوس - نستشيره في أمرنا . فأرسله رسول الله وَّر، فلما رأوه ، قام إليه الرجال ، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فَرَقَّ لهم ، وقالوا: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: ((نعم)). وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما، حتى عرفت أني قد خُنْتُ الله ورسوله وَّر . ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله وَ لهُ حتَّى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، وقال : لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عليَّ مما صنعت. وعَاهَدَ الله؛ أن لا أطأ بني قريظة أبداً ، ولا ◌ُرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣٤/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣٤/٢). (٣) قال الفيروزابادي في ((المغانم المطابة في معالم طابة)) ص (٣٠): بئر أنا: بضم الهمزة ، وتخفيف النون ، كهنا ، وقيل بالفتح ، والتشديد ، كحتَّى ، وقيل : أنِّي ، بالفتح ، وكسر النون المشدَّدة بعده ياء . وقال السمهودي في ((وفاء الوفا)) (٢/ ١٢٥): وهي غير معروفة اليوم. ٣١٨ ذكر غزوة بني قريظة قال ابن هشامُ(١): وأنزل الله، فيما قال سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن أبي قتادة: ﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٧]. قال ابن هشامُ(٢) : أقام مرتبطاً ست ليال ، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة ، فتحله حتى يتوضأ ويصلي ثم يرتبط، حتى نزلت توبته في قوله تعالى: ﴿ وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَّهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وقول موسى بن عقبة : إنه مكث عشرين ليلة مرتبطاً به ، أشبه ، والله أعلم . وذكر ابن إسحاق(٣) أن الله أنزل توبته على رسوله وّل من آخر الليل، وهو في بيت أُمِّ سلمة، فجعل يتبسّمُ(٤)، فسألته أُمُّ سلمة ، فأخبرها بتوبة الله على أبي لبابة ، فاستأذنته أن تبشّره ، فأذن لها فخرجت فبشّرته ، فثار الناس إليه يبشّرونه ، وأرادوا أن يحلّوه من رباطه فقال: والله لا يحلني منه إلا رسول الله بَّ. فلما خرج رسول الله وَّل إلى صلاة الفجر حلَّه من رباطه، رضي الله عنه وأرضاه . قال ابن إسحاق(٤): ثم إنَّ ثعلبة بن سَعْية، وأُسَيد بن سَعْيَةً، وأسد بن عُبيد، وهم نفر من بني [ هَذْلٍ ] ، ليسوا من بني قريظة ولا النّضير ، نسبُهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم ، أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله وضعليه. وخرج في تلك الليلة عمرو بن سُعدى القرظي ، فمر بحرس رسول الله عليه، وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال : [ أن ] عمرو بن سُعْدى. [ وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله وَّر، وقال : لا أغدر بمحمد أبداً] . فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني [ إقالة ] عثرات الكرام . ثم خلّى سبيله ، فخرج على وجهه ، حتى بات في مسجد رسول الله وَّر بالمدينة تلك الليلة ، ثم ذهب فلم يُذْرَ أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر شأنه لرسول الله وَ له فقال: ((ذاك رجل نجَّاه الله بوفائه)). وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برُمَّة فيمن أُوثق [ من بني قريظة ] ، فأصبحت رُمَّته ملقاة ، ولم يُدر أين ذهب، فقال رسول الله وَ لهم فيه تلك المقالة، والله أعلم أيُّ ذلك كان . قال ابن إسحاق(٦): فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله وَلغيره، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم [ كانوا ] موالينا دون الخزرج ، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمتَ . يعنون عفوه عن بني قينقاع حين سأله فيهم عبد الله بن أبي ، كما تقدم . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٣٧). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٣٨). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٣٧). (٤) في (ط): ((يبتسم)). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣٨/٢). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) (٢٣٩/٢). ٣١٩ ذكر غزوة بني قريظة قال ابن إسحاق(١): فلما كلّمته الأوس قال رسول الله وَليل: ((يا معشر الأوس، ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟)) قالوا: بلى. قال: ((فذلك إلى سعد بن معاذ)) وكان رسول الله مَ﴾ [قد جعل سعد بن معاذ] في خيمة لامرأة من أسلم ، يقال لها : رُفيدة . في مسجده ، وكانت تداوي الجرحى ، فلما حكَّمه في بني قريظة ، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطَّؤوا له بوسادة من أَدَم ، وكان رجلاً جسيماً جميلاً ، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله وَّل وهم يقولون: يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك، فإنَّ رسول الله وَّة إنما ولَّك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا [عليه] قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل ، فنعى لهم رجالَ بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد؛ عن كلمته التي سمع منه، فلمَّا انتهى سعد إلى رسول الله وَّر والمسلمين، قال رسول الله وَلَيهِ: ((قوموا إلى سيِّدكم)). فأما المهاجرون من قريش فيقولون : إنما أراد الأنصار . وأما الأنصار فيقولون : قد عمَّ رسول الله وَّر المسلمين. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله وَ ليل قد ولَّاك أمر مواليك لتحكم فيهم . فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ، أن الحكم [ فيهم ] لما حكمتُ ؟ قالوا : نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله وَ ل، وهو معرض عن رسول الله وَليل؛ إجلالاً له ، فقال رسول الله وَ ل: ((نعم)). قال سعد: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتُسبى الذَّراري والنساء . قال ابن إسحاق(٢): فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو٣) بن سعد بن معاذ ، عن علقمة بن وقّاص اللَّيثي قال: قال رسول الله وَ ل﴿ لسعد: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعةٍ )(٤) . وقال ابن هشامُ(٥) : حدثني من أثق به من أهل العلم ، أنَّ علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة : يا كتيبة الإيمان . وتقدم هو والزبير بن العوَّام ، وقال : والله لأَذوقنَّ ما ذاق حمزةُ أو أقتحم حصنهم . فقالوا : يا محمد ، ننزل على حكم سعد بن معاذ . وقد قال الإمام أحمد(٦) : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، سمعت أبا أُمامة بن سهل ، سمعت أبا سعيد الخدري ، قال : نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ . قال : فأرسل رسول الله وَ ه إلى سعد، فأتاه على حمار، فلمَّا دنا قريباً من المسجد، قال رسول الله بَّل: ((قوموا إلى (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٣٩/٢). انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٤٠). (٢) (٣) في (ط): ((عن عبد الرحمن بن عمر ... )). وهو مرسل ، وكذلك رواه ابن قدامة المقدسي في ((العلو)) مرسلاً . (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٤٠). (٥) (٦) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢٢/٣). ٣٢٠ ذكر غزوة بني قريظة سَيِّدكم(١)، أو: خيركم)). ثم قال: ((إن هؤلاء نزلوا على حُكمك)). قال: تُقْتَلُ مقاتلتهم وتسبى ذُرِّيتهم. قال: فقال رسول الله وَل: ((قضيت بحكم الله)). وربما قال: ((قضيت بحكم الملِك)). وفي رواية (٢): ((المَلَكِ)) أخرجاه في ((الصحيحين)(٣) من طرق عن شعبة . وقال الإمام أحمد(٤): ثنا حُجَينٌ ويونس ، قالا : ثنا اللَّيث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله، أنه قال: رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه(٥) رسول الله وَّه بالنار، فانتفخت يده ، فحسمه أخرى(٦) ، فانتفخت يده فنزفه ، فلما رأى ذلك ، قال : اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرَّ عيني من بني قريظة . فاستمسك عرقه ، فما قطر قطرةً حتى نزلوا على حكم سعد ، فأرسل إليه ، فحكم أن تقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم، وذراريهم ، يستعين بهم المسلمون ، فقال رسول الله الطيار : (( أصبت حكم الله فيهم)) وكانوا أربعمئة ، فلمَّا فرغ من قتلهم ، انفتق عرقه فمات . وقد رواه الترمذي والنسائي جميعاً(٧) ، عن قتيبة ، عن اللَّيث به ، وقال الترمذي : حسن صحيح . وقال الإمام أحمد(٨) : ثنا ابن نُمير ، عن هشام ، أخبرني أبي ، عن عائشة، قالت : لمَّا رجع رسول الله ◌َّ﴾ من الخندق، ووضع السلاح واغتسل ، فأتاه جبريل وعلى رأسه الغبار ، فقال: قد وضعت السلاح فوالله ما وضعتها ، اخرج إليهم. قال رسول الله وَلاير: ((فأين؟)) قال: هاهنا . وأشار إلى بني قريظة، فخرج رسول الله وِّيّة إليهم. قال هشام: فأخبرني أبي أنهم نزلوا على حكم النبي بَّه، فردَّ الحكم فيهم إلى سعد ، قال : فإنِّي أحكم أن تقتل المقاتلة ، وتسبى النساء والذُّرِّيّة ، وتقسم أموالهم . قال هشام: قال أبي: فأُخبرت أن رسول الله بَ ل قال: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله)) . وقال البخاري(٩) : ثنا زكريا بن يحيى ، ثنا عبد الله بن نمير ، ثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أُصيب سعد يوم الخندق ، رماه رجل من قريش يقال له : حِبَّان بن العَرِقة ، رماه في الأكحل ، فضرب النبي ◌َّلل خيمة في المسجد ليعوده من قريب ، فلما رجع رسول الله وَّر من الخندق، وضع السلاح واغتسل ، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار ، فقال : قد وضعت السلاح والله ما وضعته ، اخرج (١) في (ط): ((قوما لسيدكم)). هي في (( المسند)) أيضاً ( ٣/ ٢٢)، لكن عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة . (٢) (٣) رواه البخاري رقم (٦٢٦٢) ومسلم رقم ( ١٧٦٨) . رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٠/٣). (٤) (٥) أي : کواه . في (أ) و (ط): (( .. فانتفخت يده فنزفه، فحسمه أخرى ... )) وأثبت لفظ ((مسند الإمام أحمد)). (٦) (٧) رواه الترمذي (١٥٨٢) والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٨٦٧٩)، وهو حديث صحيح. (٨) في ((المسند)) (٥٦/٦) وهو حديث صحيح. (٩) رواه البخاري رقم (٤١٢٢) .