Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب هجرة رسول الله يخ بالهاجرة، في ساعةٍ كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآهُ أبو بكر قال: ما جاء رسولُ اللهِمَ ◌ّر في هذه الساعة إلا لأمر حدَث! قالت: فلما دخل تأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسولُ الله بَّه وليس عند رسول الله مَّ﴿١) أحدٌ إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسولُ اللهِوَّرَ: ((أَخْرِجْ عني مَنْ عِنْدَك)) قال: يا رسول الله! إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ قال: ((إن الله قد أذِنَ لي في الخروجِ والهجرة)) قالت: فقال أبو بكر: الصُّحْبَة يا رسولَ الله؟ قال: ((الصُّحبة)) قالت: فوالله ما شعرتُ قطَّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحداً يبكي من الفَرَح حتى رأيتُ أبا بكر يومئذٍ يبكي . ثم قال: يا نبيَّ الله، إنَّ هاتين راحلتينِ كنتُ أعددتهما لهذا، فاستأجرًا عبد الله بن أرقد٢) - قال ابنُ هشام: ويقال عبد الله بن الأُرَيْقط - رجلاً من بني الدُّلِ بن بكر ، وكانت أمُّه من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركاً يدلُّهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما ، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما . قال ابنُ إسحاق (٣): ولم يعلم - فيما بلغني - بخروج رسولِ اللهِ وَّ أحدٌ حين خرج إلا عليٍّ بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآلُ أبي بكر ؛ أمَّا عليّ فإنَّ رسولَ الله وَيَ أمره أن يتخلَّف حتى يؤدِّي عن رسولِ اللهِ وَّ الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسولُ اللهِوَل وليس بمكة أحدٌ عنده شيءٌ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صِدْقِه وأمانته . قال ابن إسحاق(٣): فلما أجمع رسولُ اللهَ وَّ الخروج أتى أبا بكر بن أبي قُحَافة فخرجا من خوخةٍ لأبي بكر في ظهر بيته . وقد روى أبو نُعيم(٤) من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق. قال: بلغني أنَّ رسولَ الله عَليه لما خرج من مكة مهاجراً إلى الله يريد المدينة قال: (( الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً ، اللهم أعنّي على هول الدنيا ، وبوائق الدهر ، ومصائب الليالي والأيام ، اللهم اصحبني في سفري ، واخْلُفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذلِّلْني، وعلى صالح خُلقي فقوَّمْني ، وإليك ربِّ فحبِّبْني ، وإلى الناس فلا تكِلْني ، ربَّ المستضعفين وأنت ربِّي، أعوذُ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض ، وكُشفت به الظلمات، وصَلَح عليه أمرُ الأولين والآخرين ، أنْ تُحلَّ عليَّ غَضَبَك ، وتنزل بي سخطَك، أعوذ بك من زوالِ نعمتك، وفجأة نقمتِك، وتحوُّل عافيتك وجميع سخطك. لك العُتْبَى عندي خير ما استطعت ، لا حول ولا قوة إلا بك )) . (١) كذا في ح ، ط ، وفي سيرة ابن هشام: وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء ... (٢) كذا في ح، ط ، وقال ابن حجر في ترجمته في الإصابة : عبد الله بن أريقط ، ويقال أريقد بالدال بدل الطاء المهملتين ، وهو بقاف بصيغة التصغير اهـ . (٣) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) والروض (٢٢٤/٢). ٤١) لم أجده في دلائل أبي نعيم . أقول : الحديث ضعيف ، لأنه عن ابن إسحاق بلاغاً ، فهو منقطع. ٤٤٢ باب هجرة رسول الله قال ابنُ إسحاق(١): ثم عمدا إلى غارٍ بثَوْر - جبلٍ بأسفلٍ مكة - فدخلاه ، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد الله أن يتسمَّع لهما ما يقولُ الناسُ فيهما نهاره ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر ، وأمر عامر بن فُهَيرة مولاه أنْ يرعى غنمه نهاره ، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى في الغار . فكان عبد الله بن أبي بكر يكونُ في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرونَ به ، وما يقولون في شأن رسولِ الله ◌ِچ وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر . وكان عامرُ بن فُهيرة يرعى في رعيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنمَ أبي بكر فاحتلبا وذبحا . فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثرَهُ بالغنم يُعَفِّى عليه . وسيأتي في سياقِ البخاري ما يشهد لهذا . وقد [ حكى ابنُ جرير٢) عن بعضهم أنَّ رسولَ الله وَ لَّ سبق الصديقَ في الذهاب إلى غار ثور، وأمر عليًَّ أنْ يدلَّه على مسيره ليلحقه ، فلحقه في أثناءِ الطريق . وهذا غريبٌ جداً، وخلاف المشهور من أنهما خرجا معاً ]٣) قال ابنُ إسحاق(٤) : وكانت أسماءُ بنت أبي بكر رضي الله عنها تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. قالت أسماء(٥): ولما خرج رسولُ اللهِ لَه وأبو بكر أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجتُ إليهم ، فقالوا : أين أبوك يا ابنة أبي بكر ؟ قالت : قلت لا أدري والله ، أين أبي ؟ قالت : فرفع أبو جهلٍ يدَه - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خدِّي لطمةً طرح منها قُرْطي ثم انصرفوا . قال ابنُ إسحاق(٦): وحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير أنَّ أباه حدَّثه عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسولُ اللهِ وَلّر، وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر ماله كلَّه معه ، خمسة آلاف درهم - أو ستة آلاف درهم - فانطلق بها معه ، قالت : فدخل علينا جدِّي أبو قُحَافة - وقد ذهب بصره - فقال : والله إني لا أراه قد فجعكم بماله مع نفسه ؟ قالت: قلت كلا يا أبة ، إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً . قالت : وأخذت أحجاراً فوضعَتْها في كُوَّةٍ في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعتُ عليها ثوباً ، ثم أخذت بيده فقلت : يا أبة ضَغْ يدك على هذا المال . قالت فوضع يده عليه فقال : لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغٌ لكم ، ولا والله ما ترك لنا شيئاً ، ولكن أردتُ أنْ أسكِّن الشيخ بذلك. (١) يتابع هنا الخبر السابق عن ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١ / ٤٨٥) ويختلف هنا من سيرة ابن هشام في تقديم وتأخير بعض الفقر . (٢) في تاريخه تاريخ الطبري (٢/ ٣٧٤) . (٣) ما بين المعقوفين ليس في ح . (٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) والروض (٢٢٤/٢). (٥) في سيرة ابن هشام (١ / ٤٨٧) والروض (٢٢٥/٢). (٦) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٨) والروض (٢٢٥/٢). ٤٤٣ باب هجرة رسول الله الخ وقال ابنُ هشامُ (١): وحدَّثني بعضُ أهل العلم أنَّ الحسن بن أبي الحسن البصري قال : انتهى رسولُ الله ◌َّهِ وأبو بكر إلى الغار ليلاً، فدخل أبو بكر قبل رسولِ الله وَّه، فلمس الغار لينظرَ أفيه سَبُعٌ أو حيَّة، يَقيَ رسولَ الله وَل بنفسه. وهذا فيه انقطاعٌ من طرفيه . وقد قال أبو القاسم البغوي : حدَّثنا داود بن عمرو الضبيِّ ، حدثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابنٍ أبي مليكة، أنَّ النبيَّ ◌ََّ لما خرج هو وأبو بكرٍ إلى ثَوْر، فجعل أبو بكرٍ يكون أمامَ النبيِّيََّ مرَّة. وخلفَهُ مرَّة ، فسأله النبيُّ رَّهَ عن ذلك فقال: إذا كنتُ خلفك خشيتُ أنْ تُؤْتَى من أمامك، وإذا كنتُ أمامَك خشيتُ أن تُؤتَى من خلفك . حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر : كما أنتَ حتى أُدخل يدي فَأُحِسَّهُ وأَقُصَّه ، فإنْ كانتْ فيه دابَّةٌ أصابتني قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جُحْرٌ فألقم أبو بكر رِجْلَهُ ذلك الجُحْر تخوُّفاً أن يخرج منه دابَّةٌ أو شيءٌ يؤذي رسولَ اللهَِه . وهذا مرسل . وقد ذكرنا له شواهد أُخر في سيرة الصدِّيق رضي الله عنه (٢) وقال البيهقي(٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق ، أنا موسى بن الحسن بن(٤) عباد ، ثنا عفَّان بن مسلم ، ثنا السريُّ بن يحيى ثنا محمد بن سيرين، قال: ذكر رجالٌ على عهد عمر ، فكأنهم فضَّلوا عمر على أبي بكر ، فبلغ ذلك عمر فقال : والله لليلةٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر، وليومٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر؛ لقد خرج رسولُ الله ◌ِوَ ل ل ليلةَ انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر ، فجعل يمشي ساعةً بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطِن رسولُ اللهِوَ ◌ّر فقال: (( يا أبا بكر ! مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ )) فقال: يا رسولَ الله ! أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرَّصَد فأمشي بين يديك. فقال: (( يا أبا بكر لو كان شيءٌ أحببتَ أن يكون بك دوني؟ )) قال : نعم ، والذي بعثك بالحق [ ما كانت لتكن من ملمّةٍ إلَّا أحببتُ أنْ تكونَ لي دونك ]، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسولَ الله حتى أستبرىء لك الغار ؛ فدخل فاستبرأه ، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرىء الجِحَرَة فقال : مكانك يا رسول الله حتى أستبرىء . فدخل فاستبرأ ثم قال : انزلْ يا رسول الله . فنزل . ثم قال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الللية خيرٌ من آل عمر . وقد رواه البيهقي(٥) من وجه آخر عن عمر وفيه: أنَّ أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله وَّه تارة ، (١) في السيرة (٤٨٦/١) والروض (٢٢٤/٢). (٢) أفرد المؤلف لأبي بكر رضي الله عنه مصنفاً سمَّاه سيرة أبي بكر، وقد أشار إليه في ص ٢٢٧ من هذا الجزء. (٣) في دلائل النبوة (٢/ ٤٧٦) وما يأتي بني معقوفين منه . (٤) في ط : أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ثنا عفان . وهو تصحيف ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣ /٣٧٨). (٥) في الدلائل (٢/ ٤٧٧). ٤٤٤ باب هجرة رسول الله ناز وخلفه أخرى ، وعن يمينه وعن شماله. وفيه أنه لما حفيَتْ رجلا رسولِ الله وَّ حمله الصدِّيقُ على كاهله ، وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرةُ(١) كلَّها، وبقي منها جحرٌ واحد ، فألقمه كعبه فجعلتِ الأفاعي تنهَشُه ودموعُه تسيل، فقال له رسولُ الله وَله: ((لا تحزَنْ إنَّ الله معنا)). وفي هذا السياق غرابةٌ ونَكَارة . ثم قال البيهقي (٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالا : ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا عباس الدُّوري ، ثنا أسود بن عامر شاذان ، ثنا إسرائيل عن الأسود ، عن جندب بن عبد الله، قال: كان أبو بكر مع رسولِ اللهِوَ لّ في الغار، فأصاب يدَه حجَرٌ فقال: ( من الرجز ] إِنْ أنتِ إلا أصبعٌ دَميتِ وفي سَبيل الله ما لَقَيتِ وقال الإمام أحمد(٣) : حدَّثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، أخبرني عثمان الجَزَري أنَّ مِقْسِماً مولى ابنِ عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَكَ ﴾ [ الأنفال: ٣٠] قال: تشاورتْ قريشٌ ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوَثَاق، يريدون النبيَّ بَّر . وقال بعضهم : بل اقتلوه . وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطْلَعَ اللهُ نبيَّهُ بَّهَ على ذلك، فبات عليٍّ على فراش النبيِّ الَّله تلك الليلة، وخرج النبيُّ ◌َّ حتى لحق بالغار، وبات المشركونَ يحرسُون عليّاً يحسبونه النبيَّ ◌ََّ . فلما أصبحوا ثاروا عليه (٤) ، فلما رأوا علياً ردَّ الله مَكْرَهم . فقالوا : أين صاحبُك هذا ؟ فقال : لا أدري . فاقتصُوا٥ْ) أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط (٦) عليهم، فصعَّدوا [ في ] الجبل فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هاهنا أحد لم یکن نسج العنكبوت علی بابه ، فمكث فیه ثلاث ليال . وهذا إسنادٌ حسن (٧) ، وهو من أجود ما رُوي في قصة نسْجِ العنكبوت على فم الغار ، وذلك من حماية الله رسوله الخلية . [ وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر(٨): حدّثنا بشَّارُ الخفَّاف (١) كذا في ح، ط والصواب فيه: سدّ تلك الجِحَرَة . وليست العبارة في دلائل البيهقي بهذا اللفظ . (٢) في الدلائل (٢/ ٤٨٠). (٣) في مسنده (٣٤٨/١) رقم (٣٢٥١) وما يأتي بين معقوفين منه . (٤) في المسند : إليه . (٥) في ط : فاقتفوا . والمثبت من ح والمسند . (٦) في المسند : خُلِّط . وهو أشبه . (٧) من أين يأتيه الحسن وفي إسناده عثمان الجزري وهو ضعيف، وهو غير عثمان بن عمرو بن ساج المذكور في التهذيب ، وانظر تخريجه والكلام عليه مفصلا في تعليقنا على تاريخ الخطيب (٢٥١/١٥ -٢٥٢). (٨) مسند أبي بكر ص ١٤٠ وما يأتي بين معقوفين منه. ٤٤٥ باب هجرة رسول الله حدثنا جعفر بن (١) سليمان، حدَّثنا أبو عمران الجَوْني، حدَّثنا المُعَلَّى بن زياد عن الحسن البصري قال : انطلق النبيُّ رَّه وأبو بكر إلى الغار فدخلا فيه، فجاء العنكبوت فنسجتْ على باب الغار، وجاءت قريشٌ يطلبون النبيَّ ◌َّ، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نَسْجَ العنكبوت قالوا: لم يدخلْ أحد، وكان النبيُّ لَل قائماً يصلِّي، وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي وَلّ: فداك أبي وأمي هؤلاء قومُك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي(٢)، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبيُّ وَالَ: ((يا أبا بكر ، لا تَخَفْ (٣) إنَّ اللهَ معنا)). وهذا مرسلٌ عن الحسن، وهو حسن بحاله (٤) من الشاهد(٥)، وفيه زيادةُ صلاة النبيِّي ◌ََّ في الغار. وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر صلَّى ، وروى هذا الرجل - أعني أبو(٦) بكر أحمد بن علي القاضي(١) - عن عمرو الناقد ، عن خلف بن تميم ، عن موسى بن مُطَير(٨) عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ أبا بكرٍ قال لابنه : يا بني، إذا حدث في الناس حدثٌ فأتِ الغارَ الذي اختبأتُ فيه أنا ورسولُ اللهِ وَّةِ فَكُنْ فيه، فإنَّه سيأتيكَ رزقُك فيه بُكْرَةً وَعَشِيًّا٩) ] . وقد نظم بعضُهم هذا في شعرِه حيث يقول : [ من الخفيف ] نَسْجُ داودَ ما حمى صاحبَ الغا رِ وكان الفخارُ للعنكبوتِ وقد ورد أنَّ حمامتَيْن عشَّشَتَا على بابه أيضاً ، وقد نظم ذلك الصَّرْصَرِيُّ في شعره حيث يقول(١٠) : فعمَّى عليه العنكبوتُ بنسْجِهِ وظلَّ على البابِ الحمامُ يَبيضُ والحديث بذلك رواهُ الحافظ ابنُ عساكر(١١) من طريق يحيى بن محمد بن صاعد ، حدَّثنا عمرو بن علي ، حدثنا عون بن عمرو أبو عمرو القَيْسي - ويُلَقَّب ◌ُوين - حدَّثني أبو مصعب المكِّي ، قال : أدركتُ زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون أنَّ النبيَّ نَّ ليلة الغار، أمرَ اللهُ شجرةٌ فخرجتْ (١) في ح ، ط : جعفر وسليمان ، وهو تصحيف ، والمثبت من مسند أبي بكر . (٢) في ط : أئل . وكذا في ح إلا أنها من غير همز ، والمثبت من مسند أبي بكر . (٣) كذا في ح ، ط ، في مسند أبي بكر : لا تحزن . (٤) في ط : بماله . (٥) بشار بن موسى الخفاف ضعيف جداً لا يصلح حديثه للشواهد والمتابعات . ( بشار ) . (٦) كذا في ح ، ط والصواب : أبا . (٧) مسند أبي بكر (ص ١١٧)، وانظر رواية البزار (ص ٤٤٧ ح ٣). (٨) في ح ، ط: مطر تصحيف ، والمثبت من مسند أبي بكر وميزان الاعتدال (٢٢٣/٤). (٩) في مسند أبي بكر : فإنه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية ، وسيأتي قول المؤلف بتضعيف الرواية . (١٠) هو يحيى بن يوسف بن يحيى الأنصاري أبو زكريا جمال الدين الصرصري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ له ديوان شعر صغير مخطوط و (( المنتقى من مدائح الرسول)) أعلام الزركلي (١٧٧/٨). (١١) الرواية في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (١٧٨/٢). ٤٤٦ باب هجرة رسول الله فِي وَجْهِ النبيِّ وَّهَ تسترُه، وأنَّ الله بعث العنكبوتَ فنسجَتْ ما بينهما، فسترَتْ وجه رسولِ الله وَّل، وأمرَ اللهُ حمامتَيْن وحشيَّتَيْن فأقبلتا١) تدِفَّان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة ، وأقبلَ فتيانُ قريش من كلِّ بطنٍ منهم رجل ، معهم عِصِيُّهم وقِسِتُّهم وهراواتُهم، حتى إذا كانوا من رسولِ الله ◌ِّلَ قَدْرَ مئتي ذراع قال الدليل - وهو سُرَاقَةُ بن مالك بن جُعْشُم المُدْلجي - : هذا الحَجَر ثم لا أدري أين وضع رجله . فقال الفتيان : أنت لم تخطىء منذ الليلة ، حتى إذا أصبحنا . قال : انظروا في الغار . فاستبقه القومُ حتى إذا كانوا من النبيِّ بَّرِ قَدْرَ خمسين ذراعاً، فإذا الحمامتان، فرَجَعَ . فقالوا : ما ردَّكَ أن تنظر في الغار ؟ قال: رأيتُ حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفتُ أنْ ليس فيه أحد. فسمعَها النبيُّ وََّ فعرف أنَّ الله قد دَرَأْ عنهما بهما، فشمَّت(٢) عليهما - أي برَّك عليهما - وأحْدَرهما٣) الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى . وهذا حديث غريبٌ جدّاً من هذا الوجه . قد رواه الحافظ أبو نُعيم(٤) من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره ، عن عَوْن بن عمرو - وهو الملقَّب بِعُوَين - بإسناده مثله . وفيه أن جميعَ حمام مكة من نسل تيك الحمامتَيْن . وفي هذا الحديث أنَّ القائف الذي اقتفى لهم الأثر سراقةُ بن مالك المُدْلجي . وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، أنَّ الذي اقتفى لهم الأثر كُرْز بن علقمة . قلت: ويحتمل أن يكونا جميعاً اقتفيا٥ً) الأثر والله أعلم. وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ٤٠] يقول تعالى مُؤَنِّباً لمنْ تخلَّف عن الجهاد مع الرسول: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ أنتم فإنَّ الله ناصِرُه ومؤيِّدُه ومظفِّره كما نصَرَهُ ﴿ إِذْأَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من أهلِ مكة هارباً ليس معه غيرُ صاحبه وصديقِه أبي بكر ، ليس معه غيره، ولهذا قال: ﴿ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ ﴾ أي: وقد لجأ إلى الغارِ فأقاما فيه ثلاثةَ أيام ليسْكُنَ الطلبُ عنهما، وذلك لأنَّ المشركين حين فقدوهما كما تقدَّم ذهبوا في طلبهما كلَّ مذهب من سائر الجهات ، وجعلوا لمن ردَّهما - أو أحدَهما ۔ مئةً من الإبل ، واقتصُّوا آثارهما حتى اختلط عليهم ، وكان الذي يقتصُّ الأثر لِقُرَيش سُرَاقة بن مالك بن (١) في ح : ومختصر ابن منظور : فأقبلا يدفّان حتى وقعا ، والمثبت من ط وتدفان : تحركان أجنحتهما . (٢) في س : فسمَّت . بالسين وكلاهما صحيح ، وقال ابن الأثير : والمعجمة أعلاهما وهو من الدعاء بالخير والبركة النهاية (٢ / ٣٩٧ و٤٩٩) . (٣) في مختصر ابن منظور : فأخذهما . (٤) في دلائل النبوة (٤١٩/٢). (٥) في ح : اقتصّا . ٤٤٧ باب هجرة رسول الله جُعْثُم كما تقدَّم ، فصعَّدوا [ في ] الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرُّون على باب الغار ، فتُحاذي أرجلُهم لبابِ الغار ولا يرَوْنَهما، حفظاً من الله لهما كما قال الإمامُ أحمد(١): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا همام ، أخبرنا ثابت ، عن أنس بن مالك، أنَّ أبا بكرٍ حدَّثه، قال: قلتُ للنبي وََّ ونحن في الغار: لو أنَّ أحدَهم نظر إِلى قَدَمَيْهِ لأبصَرَنا تحت قدميه فقال: (( يا أبا بكر، ما ظنُّك باثْنَيْنِ اللهُ ثالثُهما )). وأخرجَهُ البخاري ومسلم في صحيحَيْهما٢) من حديث همَّام به . وقد ذكر بعض أهلِ السِّير أنَّ أبا بكرٍ لما قال ذلك، قال النبيُّ ◌َله: ((لو جاؤنا من هاهنا لذهبنا من هاهنا)) فنظر الصدِّيق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتَّصَل به . وسفينةٌ مشدودة إلى جانبه . وهذا ليس بمنكرٍ من حيثُ القدرة العظيمة ، ولكنْ لم يرد ذلك بإسنادٍ قويٍّ ولا ضعيف ، ولسنا نُثْبِتُ شيئاً من تِلْقاءِ أنفسنا ، ولكن ما صحَّ أو حَسُنَ سنَدُه قُلْنا به . والله أعلم . وقد قال الحافظ أبو بكر البزَّارُ(٣): حدَّثنا الفضلُ بن سهل ، حدثنا خلف بن تميم ، حدثنا موسى بن مُطَيرِ القُرشي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنَّ أبا بكرٍ قال لابنه : يا بني ، إنْ حدَث في الناس حَدثٌ فأتِ الغار الذي رأيتني اختبأتُ فيه أنا ورسولُ اللهِوَلَ فَكُنْ فيه، فإنَّه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية (٤) . ثم قال البزَّار : لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم . قلت : وموسى بن مُطَير هذا ضعيفٌ متروك ، وكذَّبه يحيى بن معين فلا يُقْبَلُ حديثه والله أعلم . وقد ذكر يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق أنَّ الصدِّيق قال في دخولهما الغار ، وسَيْرهما بعد ذلك وما كان من قصة سُرَاقة كما سيأتي شعراً فمنه قوله : [ من البسيط ] ونحنُ فِي سُدُفٍ(٥) من ظُلمة الغارِ قال النبيُّ - ولم أجزَعْ - يوقِّرني وقد توقَّل لي منهُ بإظهار لا تخشَ شيئاً فإنَّ الله ثالثُنا وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن إسحاق فذكرها مطوّلةً جدّاً ، وذكر معها قصيدة أخرى(٦) والله أعلم . (١) في مسنده (٤/١) رقم (١١). (٢) فتح الباري (٣٦٥٣) فضائل الصحابة باب مناقب المهاجرين وفضلهم؛ وصحيح مسلم (١ - ٢٣٨١) فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر . (٣) مسند البزار (١٠٢). (٤) في ح : بكرة وعشيا . (٥) في دلائل النبوة لأبي نعيم (٤٣٢/٢) في سدنة . (٦) لأبي بكر أيضاً ومطلعها : ٤٤٨ باب هجرة رسول الله لعدة وقد روى ابنُ لَهِيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير ، قال: فمكث رسولُ الله ◌ِّيل بعد الحج - يعني الذي بايع فيه الأنصار - بقية ذي الحجَّة والمحرَّم وصفر، ثم إنَّ مشركي قريش أجمعوا أمْرَهم ومكرهم على أن يقتلوا رسولَ الله ◌ُّه أو يحبسوه، أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك، فأنزل عليه: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [ الأنفال ٣٠) الآية. فأمر عليّاً فنام على فراشه، وذهب هو وأبو بكر ، فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كلِّ وجه يطلبونهما . وهكذا ذكر موسى بن عقبة في «مغازيه))، وأنَّ خروجه هو وأبو بكر إلى الغار كان ليلاً . وقد تقدَّم عن الحسن البصري فيما ذكره ابنُ هشام التصريح بذلك أيضاً . وقال البخاري(١): حذَّثنا يحيى بن بُكير، حدّثنا اللَّيث، عن عُقَيل، قال ابنُ شهاب: فأخبرني عروةُ بن الزبير ، عن عائشة زوج النبيِّ ◌َّ قالت: لم أعقِلْ أبويَّ قطُ إلا وهما يَدِينانِ الدِّين، ولم يمرّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ الله ◌َِ﴿َ طَرَفي النهارِ بُكْرَةً وعَشِيَّة ، فلما ابتُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحوَ أرض الحبشة ، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَاد لقيه ابنُ الدُّغْنََّ وهو سيِّد القارة . فذكرتْ ما كان من ردِّهِ لأبي بكر إلى مكة وجِوارَهُ له كما قدمناه عند هجرة الحبشة ، إلى قوله فقال أبو بكر : فإني أردُّ عليك جوارك وأرضَى بجوارِ الله. قالت: والنبيُّ نَّه يومئذ بمكة. فقال النبيُّ ◌َّه للمسلمين: ((إني أُريتُ دارَ هجرتكم ذاتَ نخلٍ بين لابَتَيْن وهما الحرّتان . فهاجر مَنْ هاجر قبل المدينة ، ورجعَ بعضُ(٢) من كان هاجر قِبَلَ الحبشة إلى المدينة، وتجهّزَ أبو بكر مهاجراً قبل المدينة. فقال له رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((على رِسْلِكَ، فإني أرجو أنْ يُؤْذَنَ لي)) فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: ((نعم )) فحَبَسَ أبو بكر نفسهُ على رسولِ اللهِ وَّرَ ليصحَبَه، وعلفَ راحلتَيْن كانتا عنده ورقَ السَّمُر - وهو الخَبَط - أربعة أشهر. [ وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر ]٣) - قال ابنُ شهاب: قال عروة : قالت عائشة : فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر في حرِّ الظهيرة، فقال قائلٌ لأبي بكر: هذا رسولُ الله ◌ِّ متقنِّعاً في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها . فقال أبو بكر : فداءٌ له أبي وأُمِّي ، واللهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمْر . قالت: فجاء رسولُ الله ◌َّهِ فاستأذن، فأذِنَ له، فدخل، فقال النبيُّ وََّ: ((أخْرِجْ مَنْ عندك)) فقال أبو بكر : إنما هم أهلُكَ بأبي أنت يا رسول الله . قال : فإنه قد أذن لي في الخروج . فقال أبو بكر : الصُّحْبَة بأبي أنت وأمي؟ قال النبيُّ وَّةِ ((نعم)) قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيَّ هاتين. فقال رسولُ اللهِ وَّله: ((بالثمن)). قالت عائشة: فجهَّزناهما أحثَّ الجَهَازُ(٤)، فصنعنا لهما = ألم ترني صاحبتُ أيمن صاحب على واضح من سُنَّة الحق منهجٍ (١) البخاري (٢٢٩٨) في الحوالة: باب جوار أبي بكر في عهد النبي وَّل والمناقب (٣٩٠٦) باب هجرة النبي وَّر. (٢) في فتح الباري : ورجع عامة من كان هاجر . (٣) ليس ما بين المعقوفين في صحيح البخاري (( فتح)). (٤) ((أحث)): بالمهملة والمثلثة أفعل تفضيل من الحث وهو الإسراع، وفي رواية لأبي ذر: أحب . بالموحدة، = ٤٤٩ باب هجرة رسول الله سُفْرَةً في جِرَاب ، فقطعتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها فربطَتْ به على فم الجِرَاب ، فبذلك سُمِّيت ذات النطاقَيْن. قالت: ثم لحق رسولُ الله ◌ِ وَ لَه وأبو بكر بغارٍ في جبلِ ثَوْر ، فمكثا فيه ثلاثَ ليال ، يبيتُ عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلامٌ شابٌّ تَقِفٌ لَقِن ، فيُدْلج من عندهما بسَحَر، فيُصبح مع قريش بمكة كبائت ، لا يسمع أمراً يُكادان به إلا وَعَاه ، حتى يأتيَهما بخبرٍ ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامرُ بن فُهَيرة مولى أبي بكر مِنْحَةً(١) من غَنَم ، فيريحها عليهما حين يذهب ساعةً من العشاء ، فيبيتانِ في رِسْل (٢) - وهو لَبَنُ مِنْحَتِهِما ورَضِيفُهما٣) - حتى يَنْعِقَ بهما٤) عامرُ بن فُهيرة بِغَلَس ، يفعل ذلك في كلِّ ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسولُ اللهَوَّهِ وأبو بكر رجلاً من بني الدُّئِلُ(٥) وهو من بني عبد بن عَدِي هاديا خِرِّيتاً - والخِرِّيت: الماهر بالهدايةُ(٦) - قد غَمَس حِلْف٧ً) في آل العاص بن وائل السَّهْمي وهو على دين كُفَّار قريش فأمِنَاه فدفعا إليه راحلتيّهما ، وواعداه غارَ ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتَيْهما صُبْحَ ثلاثٍ ليال(٨) . وانطلق معهما عامرُ بن فُهيرة والدليل فأخذ بهم طريقَ السواحل . قال ابنُ شهاب(٩) : فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدْلِجيّ - وهو ابنُ أخي سُرَاقة - أنَّ أباه أخبره أنه سمع سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم . يقول: جاءنا رُسل كُفَّارٍ قريش يجعلونَ في رسولِ اللهِوَّهِ وأبي بكر دِيَةَ كلِّ واحدٍ منهما لمن قَتَله أو أسره ؛ فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالسٍ قومي بني مُذْلج إذْ أقبلَ رجلٌ منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سُراقة إني رأيت آنفا أسْوِدَةً بالسَّاحل١٠ُ)، أراها محمداً وأصحابَه . قال سراقة : فعرفتُ أنهم هم ، فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنَّك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا والأول أصح . والجهاز بفتح الجيم وقد تكسر : ما يُحتاج إليه في السفر. فتح الباري (٧/ ٢٣٥، ٢٣٦). = (١) ((المِنْحَة)): أن يعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويُعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زماناً ثم يردُّها . النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٦٤). (٢) ((الرَّسْل)): اللبن الطَّرِي. قال ابن حجر في الفتح (٢٣٧/٧). (٣) (( الرَّضيف)): اللبن المرضوف، أي الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته، وهو بالرفع ويجوز الجر . فتح الباري (٧/ ٢٣٧) ووقع في ط : ورضيعهما . تصحيف . (٤) ((ينعق بهما)): أي يسمعهما صوته إذا زجر غنمه. قاله ابن حجر في الفتح ، وهي رواية أبي ذر ، وأما رواية ط والصحيح فـ : حتى ينعق بها . أي يصيح بغنمه. (٥) ((الدِّيل)): بكسر الدال وسكون التحتانية، وقيل بضم أوله وكسر ثانيه مهموز. فتح الباري (٧/ ٢٣٧). (٦) هذا التفسير مدرج في الخبر من كلام الزُّهري بيَّنه ابن سعد. فتح الباري (٢٣٨/٧). (٧) أي كان حليفاً ، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيمانهم في دم أو خلوق أو في شيء يكون فيه تلويث فيكون ذلك تأكيداً للحلف . فتح الباري (٢٣٨/٧). (٨) ليست اللفظة في صحيح البخاري . (٩) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٤٠): هو موصولٌ بإسناد حديث عائشة السابق . وهو في الفتح (٣٩٠٦) مناقب الأنصار باب هجرة النبي ◌َّهر . (١٠) ((أسودةً)): أي أشخاصاً. فتح الباري (٧/ ٢٤١). ٤٥٠ باب هجرة رسول الله اد بأعْيُننا ، ثم لبثتُ في المجلس ساعة ، ثم قمتُ فدخلتُ فأمَرْتُ جاريتي أن تخرُجَ بفرسي وهي من وراءٍ أكَمَةٍ فتحبسَها عليَّ، وأخذتُ رُمْحي فخرجتُ به من ظَهْر البيت، فخططت بزُجِّهِ الأرضَ وخفَضْتُ عالِيَهُ(١)، حتى أتيتُ فرسي فركبتُها فرفَعْتُها تُقَرِّبُ بي (٢) حتى دنوتُ منهم ، فعثرَتْ بي فرسي فخرَرْتُ عنها ، فقُمتُ فأهوَيْتُ يدي إلى كنانتي فاستخرَجْتُ منها الأزلام فاستقسمتُ بها : أضرُّهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره، فركبتُ فرسي وعصَيْتُ الأزلام فجعل فرسي يُقَرِّبُ بي، حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ الله ◌ِّ وهو لا يلتفِتُ، وأبو بكرٍ يُكثر الالتفات ساخَتْ يدا فرسي في الأرض(٣)، حتى بلغتا الرُّكْبَتَيْن، فخررتُ عنها فقمتُ فأهويت ، ثم زجرتُها فنهضَتْ ، فلم تكد تُخرج يديها ، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار٤ُ) ساطعٌ في السماء مثل الدخان ، فاستقسمتُ بالأزلام ، فخرج الذي أكره ؛ فناديتُهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبتُ فرسي حتى جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لقيتُ من الحَبْس عنهم أنْ سيظهرُ أمْرُ رسولِ اللهِ وَهُ، فقلتُ له: إنَّ قومك قد جعلوا فيك الدِّيَة . وأخبرتُهم أخبارَ ما يريدُ الناسُ بهم ، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاع فلم يَرْزَآني ولم يسألاني إلا أن قال(٥) : أخْفِ عنَّا. فسألتُه أن يكتُبَ لي كتابَ أمْنٍ ، فأمر عامر بن فُهَيرة فكتب في رقعةٍ من أدَم . ثم مضَى رسولُ الله ◌َليلٍ . [وقد روى محمد بن إسحاق(٦) ، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشُم ، عن أبيه ، عن عمه سُرَاقة فذكر هذه القصة ، إلا أنه ذكر أنه استقسم بالأزلام أولَ ما خرج من منزله ، فخرج السهمُ الذي يكره لا يضرُّه ، وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات ، وكل ذلك يستقسم بالأزلام ويخرج الذي يكره لا يضرُّه. حتى ناداهم بالأمان. وسأل أن يكتب له كتاباً يكون أمارةَ ما بينَه وبين رسولِ الله وَّ؛ قال : فكتب لي كتاباً في عَظْم - أو رقعة أو خِرْقَة - وذكر أنه جاء به إلى رسول الله وَّل وهو بالجِعِرَّانةُ(٧) مرجعه من الطائف ، فقال له: (( يوم وفاءٍ وبرّ، اذْنُه)) فدنَوْتُ منه وأسلمتُ . (١) ((الزُّج)): الحديدة التي في أسفل الرمح. وخفضت: أي أمسكه بيده وجرَّ زُجَّه على الأرض فخطها به لئلا يظهر بريقه لمن بعد منه ، لأنه كره إن تبعه منهم أحد فيشركوه في الجعالة . فتح الباري (٧/ ٢٤١) . (٢) ((فرفعتها)): أي أسرعت بها السير. وتقرّب بي: من التقريب، وهو السير دون العدو وفوق العادة ، وقيل: أن ترفع الفرس يديها معاً وتضعهما معاً . فتح الباري (٧/ ٢٤١) وصحفت العبارة في ط إلى : فدفعتها ففرت بي ، وهي على الصواب في ح . (٣) ((ساخت)): غاصت. فتح (٧/ ٢٤١). (٤) لفظ البخاري في الفتح: عُثَان . بضم المهملة بعدها مثلثة خفيفة ، أي دخان . قال معمر : قلت لأبي عمرو بن العلاء : ما العثان ؟ قال : الدخان من غير نار ، وفي رواية الكشميهني : غبار بمعجمة ثم موحدة ثم راء . قاله ابن حجر . (٥) في ط : قالا ، والمثبت من ح والبخاري . (٦) في سيرة ابن هشام (٤٨٩/١) والروض (٢٢٥/٢) . (٧) مضى التعريف بالجعرانة وضبطها ص (٦٠ ح٩). ٤٥١ باب هجرة رسول الله قال قال ابن هشام : هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جُعْشُم . وهذا الذي قاله جيد . ولما رجع سُرَاقة جعل لا يلقى أحداً من الطلب إلا ردَّه وقال : كُفيتم هذا الوجه ، فلما ظهر أنَّ رسول الله وَّل قد وصل إلى المدينة. جعل سُراقة يقصُّ على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبيِّي لَّه وما كان من قضية جواده ، واشتهر هذا عنه . فخاف رؤساءُ قريش معرَّته، وخَشُوا أن يكون ذلك سبباً الإسلام كثيرٍ منهم ، وكان سُراقة أميرَ بني مُدْلِج ورئيسَهم، فكتب أبو جهل - لعنه الله - إليهم: [ من الطويل ] سُرَاقُةُ مستغوٍ لنصرِ محمدٍ بني مدلج إني أخافُ سفیھَکم فيصبحَ شتَّى بعد عِزِّ وسؤدُدِ عليكم به ألا يفرّق جمعَكم قال فقال سُراقة بن مالك يُجيب أبا جهل في قوله هذا : [ من الطويل ] لأمرٍ جوادي إذ تسُوعُ قوائمُهْ أبا حكم واللهِ لو كنتَ شاهداً رسولٌ وبرهانٌ فمن ذا يقاومُهْ عجبتَ ولم تشكُكْ بأنَّ محمداً إخالُ لنا يوماً ستبدو معالمه عليكَ فَكُفَّ القومَ عنه فإنني وإنّ جميعَ الناسِ طرّاً مُسالمه بأمرٍ توذُّ النصرَ فيه فإنهم وذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبي إسحاق ، وقد رواه أبو نعيم(١) بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق ، وزاد في شعر أبي جهل أبياتاً تتضمّن كفراً بليغاً (٢). وقال البخاري(٣) بسنده إلى ابن شهاب: فأخبرني عروةُ بن الزبير، أنَّ رسولَ اللهِوَ لَقِيَ الزبير في ركبٍ من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكَسًا الزبيرُ رسولَ اللهِوَ لِّ وأبا بكرٍ ثيابَ بياض ، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسولِ اللهِ وَسَلّر من مكة، فكانوا يغدُونَ كلَّ غداةٍ إلى الحرّة فينتظرونه حتى يردَّهم حرُّ الظهيرة ، فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم ، فلما أوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من اليهود على أَطُمٍ من آطامِهِم لأمرٍ ينظرُ إليه، فبصُر برسولِ اللهِوَ لَه وأصحابه مُبَيَّضِينُ(٤)، يزولُ بهم السرابُ(٥) ، فلم يملك اليهوديُّ أنْ قال بأعلى صوتِه : يا معشرَ العرب هذا جدُّكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقَّوْا رسولَ اللهِوَلَهَ بظهر الحَرَّة ، فعدل بهم ذاتَ اليمينِ حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهرٍ ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسولُ الله وَ ل صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسولَ اللهَوَلَهِ يُحيِّي أبا بكر حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ الله وَّر، فأقبل أبو بكر حتى ظلَّلَ عليه (١) في دلائل النبوة (٤٣٥/٢). (٢) ما بين المعقوفين ليس في ح . (٣) فتح الباري (٢٣٩/٧). (٤) أي عليهم الثياب البيض التي كساهم إياها الزبير. فتح (٧/ ٢٤٣) . (٥) أي يزول السراب من النظر بسبب عروضهم له. فتح (٧/ ٢٤٣). ٤٥٢ باب هجرة رسول الله بردائه، فعرف الناسُ رسولَ اللهِوَ لَّهِ عند ذلك، فلبثَ رسولُ اللهِوَّ في بني عمرو بن عوف بضعَ عشرةَ ليلة، وأُسَّسُ(١) المسجدُ الذي أُسِّسَ على التقوى، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ وَّرَ، ثم ركب راحلته، وسار يمشي معه الناسُ حتى بركَتْ عند مسجد رسولِ الله ◌ِِّ بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبداً للتمر ، لسُهيلٍ وسهل، غلامَيْن يتيمين في حَجْر أسعد بن زُرَارة، فقال رسولُ اللهِ له حين بركَتْ به راحلته: ((هذا إنْ شاء الله المنزل))، ثم دعا رسولُ اللهِ وَِّ الغلامَيْن فساوَمَهُما بالمِرْبَدِ ليتَّخِذَهُ مسجداً ، فقالا: بل نهَبُه لكَ يا رسول الله، فأبى رسولُ اللهِ وَيهِ أَنْ يقبلَهُ منهما هِبَةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناء مسجداً. فطفِق رسولُ الله ◌ِّهَ يَنْقُلُ معهم اللَّنَ في بُنْيانه، وهو يقول حين ينقلُ اللَّبِنَ: [من الرجز] هذا الحِمالُ لا حِمالَ خَيْبَرْ هذا أبرُ رَبَّنَا وَأَطْهَر(٢) ويقول : [ من الرجز ] لا هُمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرَه فارْحَم الأنصارَ والمُـ فتمثَّل بشعرِ رجلٍ من المسلمين لم يُسَمَّ لي(٣) قال ابن شهاب : ولم يبلُغْنا في الأحاديث أنَّ رسولَ الله ◌ِّل تمثّل ببيتِ شعرٍ تامّ غير هذه الأبيات. هذا لفظُ البخاري وقد تفرَّد بروايتِهِ دونَ مسلم ، وله شواهد من وجوهٍ أُخَر ، وليس فيه قصةُ أمِّ معبد الخزاعيَّة ، ولنذكُر هنا ما يناسب ذلك مرتباً أوَّلَا فأوّلاً . قال الإمامُ أحمد٤ُ) : حذَّثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العَنْقَزَي ، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن البَرَاء بن عازب ، قال : اشترى أبو بكر من عازب سَرْجاً بثلاثةَ عشرَ درهماً ، فقال أبو بكر لعازب : مُرِ البراءَ فَلْيحملْهُ إلى منزلي. فقال: لا، حتى تحدِّثنا كيف صنعتَ حين خرجَ رسولُ الله ◌ِ لّ وأنت معه ؟ فقال أبو بكر : خرجنا فأدْلجنا فأحْثَثْنا يومنا وليلتَنا حتى أظهرنا ، وقام قائمُ الظهيرة ، فضربتُ بصريُ(٥) هل أرى ظِلاَّ نأوي إليه، فإذا أنا بصخرةٍ فأهويتُ إليها فإذا بقيةُ ظِلِّها، فسوَّيْتُهُ لرسولِ اللهِّهِ وفرشتُ له فروةً وقلت : اضْطَجِعْ يا رسولَ الله فاضطجع ، ثم خرجتُ أنظر هل أرى أحداً من الطلب ، فإذا أنابراعي (١) الضبط من صحيح البخاري . (٢) ((الحِمال)): المحمول من اللَّبن. أبرُّ: عند الله أي أبقى ذُخْراً من حمال خيبر ، أي التي يحمل منها التمر والزبيب ونحو ذلك . قال ابن حجر : ووقع في بعض النسخ في رواية المستملي : الجمال . بفتح الجيم ، وقوله : ربنا . منادى مضاف . اهـ فتح (٢٤٦/٧) . (٣) قال ابن حجر : قال غير الزهري : إن الشعر المذكور لعبد الله بن رواحة فكأنه لم يبلغه . وما في الصحيح أصح وهو قوله : شعر رجل من المسلمين ، وفي الحديث جواز قول الشعر وأنواعه خصوصاً الرجز في الحرب والتعاون على سائر الأعمال الشاقة اهـ . (٤) في مسنده (١/ ٣) وما يأتي بين معقوفين منه . (٥) في المسند : ببصري . ٤٥٣ باب هجرة رسول الله تحخ غنم ، فقلتُ : لمن أنت يا غلام ؟ فقال لرجلٍ من قريش . فسمَّاه . فعرفتُه ، فقلت : هل في غنمكَ من لَن؟ قال : نعم . قلت : هل أنت حالبٌ لي ؟ قال : نعم! فأمرتُه ، فاعتقل شاةً منها ثم أمرتُه فنفض ضَرْعَها من الغبار ، ثم أمرتُه فنفض كفَّيه من الغبار ، ومعي إداوةٌ على فمها خِرْقَة، فحلب لي كُتْبَةً(١) من اللَّبَنِ فصبَبْتُ - [ يعني الماء ] - على القدَحِ حتى بر أسفله، ثم أتيتُ رسولَ اللهِوَّرَ فوافَيَّتُه وقد استيقظ، فقلت : اشرَبْ يا رسول الله فشرِبَ حتى رضيتُ، ثم قلت: هل آن٢َ) الرحيلُ ؟ فارتحلنا والقومُ يطلبوننا ، فلم يُدْركْنا أحد منهم إلا سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم على فرسٍ له ، فقلت : يا رسولَ الله هذا الطلب قد لحِقَنا؟ قال: ((لا تحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا )» حتى إذا دنا منَّاً ، فكان بيننا وبينه قَدْرُ رمح أو رمحين - أو قال : رمحين أو ثلاثة - قلت : يا رسول الله ، هذا الطلب قد لحقنا؟ وبكَيْت ، قال : لم تبكي ؟ قلت : أما والله ما على نفسي أبكي، ولكنْ أبكي عليك. فدعا عليه رسولُ اللهِ وَلَ فقال: ((اللهمَّ اكِفِنَاهُ بما شئت)) فساخَتْ قوائمُ فرسه إلى بطنها في أرض صَلْد ، ووثب عنها وقال : يا محمد ، قد علمتُ أنَّ هذا عملك ، فادعُ الله أنْ يُنجيني مما أنا فيه ، فوالله لأعَمِّيَنَّ على مَنْ ورائي من الطلب ، وهذه كنانتي فخذْ منها سهماً فإنك ستمرُّ بإبلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخُذْ منها حاجتك. قال: فقال رسولُ الله ◌َيٍ : ((لا حاجة لي فيها)) ودعا له رسولُ اللهَ وَّل فأطلق ورَجَع إلى أصحابه؛ ومَضَى رسولُ الله ◌َّ﴾ وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقَّاه الناسُ فخرجوا في الطرق وعلى الأناجي(٣) واشتدَّ الخدم والصبيانُ في الطريق يقولون: الله أكبر جاء رسولُ اللهِ وَله، جاء محمد. قال: وتنازَعَ القومُ أيُّهم ينزلُ عليه، قال: فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((أنزِلُ الليلة على بني النجَّار أخوالِ عبدِ المطلب لأَكْرِمَهُمْ بذلك)) فلما أصبح غدا حيث أُمر . قال البراء : أولُ مَنْ قدم علينا من المهاجرين مُصعب بن عُمير أخو بني عبدِ الدار ، ثم قدِم علينا ابنُ أمّ مكتوم الأعمى أحد٤) بني فهر ، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرينَ راكباً ، فقلنا ما فعل رسولُ الله؟ قال: هو على أثري، ثم قدم رسولُ اللهَ وَّ وأبو بكرٍ معه. قال البراء: ولم يقدَمْ رسولُ الله مَ* حتى قرأتُ سُوراً من المفصَّل . أخرجاهُ في الصحيحَيْن من حديث إسرائيل بدون قولِ البراء : أول من قدم علينا إلخ . فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به(٥) . (١) (( الكُثْبَة)): كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك . النهاية لابن الأثير (٤/ ١٥١). (٢) في المسند: أنى وفي طبعة شاكر: آنى. ووقع في ح: أتى. وفوقها (( ن)). (٣) في ح : في الطرق وفي الأناجير . والمثبت من المسند، وفي النهاية لابن الأثير (٢٦/١): في السوق وعلى الأجاجير والأناجير . وفيه : الإجَّاء والإنجاز : السطح وجمعه أجاجير وأناجير . (٤) كذا في ح ، ط ، وفي المسند : أخو . (٥) فتح الباري (٣٦١٥) المناقب باب علامات النبوة في الإسلام، وصحيح مسلم (٧٥ - ٢٠٠٩) الزهد والرقائق باب في= ٤٥٤ باب هجرة رسول الله جل وقال ابنُ إسحاق(١): فأقام رسولُ الله ◌ِ لَ في الغار ثلاثاً ومعه أبو بكر ، وجعلتْ قريشٌ فيه حين فقدوه مئة ناقة لمن ردّه عليهم(٢) ، فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس ، أتاهما صاحبهما الذي استأجره ببعيرَيْهما وبعيرٍ له ، وأتتهما أسماءُ بنتُ أبي بكر بسُفْرتهما ، ونسيت أن تجعل لها عِصاما ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلَّق السُّفرة فإذا ليس فيها عصام ، فتحل نِطَاقها فتجعله عصاماً ثم علَّقتها به . فكان يقال لها ذات النطاقَيْن لذلك . قال ابنُ إسحاق (٣): فلما قرَّب أبو بكر الراحلتين إلى رسولِ الله وَّل قدم له أفضلهما ثم قال : اركَبُ فداك أبي وأمي، فقال رسول الله وَّر: ((إني لا أركبُ بعيراً ليس لي)) قال: فهي لك يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي. قال: ((لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتَها به؟)) قال: كذا وكذا. قال ((أخذتُها بذلك)) قال : هي لك يا رسول الله . وروى الواقديُّ بأسانيده (٤) أنه عليه السلام أخذ القصواء ، قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمئة درهم . وروى ابن عساكر(4) من طريق أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : وهي الجَدْعاء وهكذا حكى السُّهيلي(٦) عن ابن إسحاق أنها الجدعاء . والله أعلم . قال ابنُ إسحاق(٢): فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامرَ بن فُهيرة مولاه خلفه ليخدمَهما في الطريق . فحُدِّثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسولُ اللهَ وَّه وأبو بكر أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل ؛ فذكر ضربَهُ لها على خدِّها لَطْمَةً طرح منها قُرْطها من أذنها كما تقدَّم . قالت : فمكثنا ثلاث ليالٍ ما ندري أين وجهُ رسولِ اللهِوَ﴿ حتى أقبل رجلٌ من الجِنّ من أسفل مكة يتغنَّى بأبياتٍ من شعر غناءِ العرب، وإنَّ الناس ليتَّبعونه ، يسمعون صوته وما يرَوْنه ، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: [من الطويل ] رفيقَيْن حلاًّ خيمتي أمِّ مَعْبَدٍ جزى اللهُ ربُّ الناسِ خیرَ جزائِهِ فأفلحَ من أمسى رفيقَ محمدٍ هما نزلا بالبرِّ ثم ترؤَّحا حديث الهجرة . قلت : أما قول البراء فقد أخرجه البخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق في الفتح (٣٩٢٥) = مناقب الأنصار باب مقدم النبي ◌َ لهم وأصحابه المدينة. (١) في سيرة ابن هشام (٤٨٦/١) والروض (٢٢٤/٢). (٢) زاد ابن هشام هنا ما حذفه ابن كثير لتقدمه . في سيرة ابن هشام (٤٨٦/١) والروض (٢٢٤/٢). (٣) (٤) طبقات ابن سعد (٢٢٨/١) . مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٣٥٧/٢) . (٥) (٦) في الروض (٢/ ٢٣٠). (٧) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٧) والروض (٢٢٥/٢). ٤٥٥ باب هجرة رسول الله الخ ليهْنِ بني كعبٍ مكانُ فتاتهم ومقعدُها للمؤمنينَ بِمَرْصَدٍ قالت أسماء : فلما سمعنا قوله عرفنا حيثُ وَجْهُ رسولِ اللهِ وَّةِ، وأنَّ وجهه إلى المدينة. قال ابنُ إسحاق (١): وكانوا أربعة؛ رسولُ اللهِ وَله، وأبو بكر، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أرقد ، كذا يقول ابن إسحاق، والمشهور عبد الله بن أُرَيقط الدُّئلي . وكان إذ ذاك مشركاً . قال ابن إسحاق(٢) : ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقد سلك بهما أسفلَ مكة ، ثم مضى بهما على الساحل ، حتى عارض الطريق أسفلَ من عُسْفان، ثم سلك بهما على أسفل أَمَجُ(٣) ، ثم استجاز بهما حتى عارَضَ الطريقَ بعد أن أجاز قُدَيداً ، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخَزَّارُ(٤) ثم أجاز بهما ثنيَّةَ المَرَة، ثم سلك بهما لَقْفٌ) ، ثم أجاز بهما مَدْلَجة لَقْف ، ثم استبطن بهما مَدْلَجَةٍ مِجَاجُ(٦) ثم سلك بهما مَرْجِحَ مجَاج، ثم تبطَّن بهما مَرْجحَ من ذي الغَضَويْنُ(٧) ، ثم بطن ذي كَشْر(٨)، ثم أخذ بهما على الجَدَاجِد، ثم على الأجْرَد ، ثم سلك بهما ذا سَلَم من بطن أعداء مَجْلجة تِعْهِنُ(٩)، ثم على العَبَابيد١٠)، ثم أجاز بهما القاحَةُ (١) ثم هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهم بعضُ ظَهْرِهم، فحمل رسول الله وَّهِ رجلٌ من أسلم يقال له أوس بن حُجْر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة وبعث معه غلاماً له يقال له مسعود بن هُنيدة ، ثم خرج بهما دليلُهما من العَرْج ، فسلك بها ثنية العائر عن يمين رَكوبة - ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم (١) سيرة ابن هشام (٤٨٨/١) والروض (٢٢٥/٢). (٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٩١) والروض (٢٣٦/٢). (٣) ((أمج)): بلد من أعراض المدينة. معجم البلدان (٢٤٩/١). (٤) ((الخرار)): واد من أودية المدينة معجم البلدان (٢/ ٣٥٠). (٥) ويقال: لفتاً وتكسر اللام، الروض (٢/ ٢٤٤) . (٦) اختلف في ضبطه فقيل: مِجَاج، ومِجَاح، ومُجَاح، ومَجاج وقال السهيلي في الروض (٢٤٤/٢): وقد ألغيت شاهداً لرواية ابن إسحاق في لقف ، وفيه ذكر مجاح بالحاء المهملة بعد الجيم وهو قول محمد بن عروة بن الزبير : ومجاحاً وما أحب مجاحاً لعن الله بن لقف مسيلاً بلداً مجدباً وأرضاً شحاحاً لقيت ناقتي به وبلقف وانظر معجم البلدان (٥٥/٥) . (٧) في ح، ط : العَضَوين . بالعين المهملة - وهي رواية كما قال ابن هشام، والمثبت من السيرة والروض ومعجم البلدان (٤ /٢٠٦) . (٨) في ح ، ط : ذي كشد. بالدال المهملة، والمثبت من السيرة والروض ومعجم البلدان (٤/ ٤٦٢). (٩) قيل فيه: تِعْهن وتَعْهن وتَعهن. معجم البلدان (٣٥/٢). (١٠) قال ابن هشام في السيرة (١/ ٤٩١): ويقال : العبابيب. (١١) قال ابن هشام فى السيرة (١/ ٤٩١): ويقال: الفاجَّة. بالفاء والجيم. ٤٥٦ باب هجرة رسول الله الخ بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلةً خلَتْ من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضَّحاء وكادت الشمس تعتدل . وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحواً من ذكر هذه المنازل ، وخالفه في بعضها . والله أعلم(١) . قال أبو نعيم(٢): حدَّثنا أبو حامد بن جبلة، حدَّثنا محمد بن إسحاق - هو (٣) السرَّاج - حدَّثنا محمد ابن عبّاد بن موسى العُكْلِيُ(٤)، حدَّثني أبي موسى بن عبَّاد، حدَّثني عبد الله بن يَسَارُ(٥) ، حدَّثني إياس ابن مالك بن الأوس الأسلمي عن أبيه. قال: لما هاجر رسولُ اللهِ وَلَه وأبو بكر مرُّوا بإبلٍ لنا بالجُحْفة، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((لمن هذه الإبل؟)) فقالوا: لرجلٍ من أسلم. فالتفت إلى أبي بكر فقال: (( سلمت إنْ شاء الله)) فقال: (( ما اسمك؟)) قال: مسعود. فالتفت إلى أبي بكر فقال: ((سعدت إنْ شاء الله)). قال فأتاهُ أبي فحمله على جملٍ يقال له ابن الرداء(٦) . قلت : وقد تقدَّم عن ابن عباس أنَّ رسولَ الله وَله خرج من مكة يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين . والظاهر أنَّ بين خروجِه عليه السلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوماً ، لأنه أقام بغار ثَوْر ثلاثةَ أيام ، ثم سلك طريق الساحل ، وهي أبعدُ من الطريق الجادّ ، واجتاز في مروره على أُمّ معْبَد بنت كعب ، من بني كعب بن خُزَاعة . قال ابن هشام: وقال يونس عن ابن إسحاق: اسمها عاتكة بنت خلف(٧) بن مَعْبَد بن ربيعة بن أصْرَم. وقال الأموي : هي عاتكة بنت تبيع خُليف بن مُنقذ بن ربيعة بن أصْرَم بن ضَبيس بن حَرَام بن حُبْشِيَّة ابن كعب بن عمرو(1) ، ولهذه المرأة من الولد مَعْبَد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد ، واسمه أكتم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن أصرم بن ضَبيس ، وقصته مشهورة مرويّة من طرق يشدُّ بعضُها بعضا . وهذه قصة أُمّ معبد الخُزَاعِيَّة: (١) لم أجد هذه الرواية فيما طبع من دلائل النبوة لأبي نعيم . (٢) لم أجد هذه الرواية فيما طبع من دلائل النبوة لأبي نعيم ، وهي في الإصابة في ترجمة أوس بن عبد الله ومالك بن أوس ، وفي الخصائص الكبرى للسيوطي (١/ ١٩٠). (٣) في ط : عن السرَّاج . والمثبت من ح . في ط : محمد بن عبادة بن موسى العجلي. تصحيف ، والمثبت من ح وأنساب السمعاني (٩/ ٣٣). (٤) (٥) في ح ، ط : سيار تصحيف ، والمثبت من الإصابة . (٦) في ح : ابن الردِّي . (٧) كذا في ح ، ط وفي الإصابة والروض : عاتكة بنت خالد ، وهو أشبه بالصواب . (٨) أصاب النسب في مختلف المصادر تصحيف وتحريف كثير. انظر الاشتقاق لابن دريد (ص ٤٧٤ و٤٧٣) وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص٢٣٨) والروض (٢٣٥/٢) وأثبتُّ ما ظننته أقرب للصواب فيها . ٤٥٧ باب هجرة رسول الله يخ قال يونس عن ابن إسحاق (١): فنزل رسولُ اللهِ وَ ل بخيمة أمِّ معبد، [ واسمها عاتكة بنت خَلَف بن معبد بن ربيعة بن أصرم ]٢) فأرادوا القِرَى، فقالت: والله ما عندنا طعامٌ ولا لنا مِنْحَةُ(٣) ولا لنا شاةٌ إلا حائل، فدعا رسولُ الله ◌ِّهِ ببعض غنمها فمسح ضَرعها بيده، ودعا الله وحلبَ في العُسّ حتى أرْغَى وقال: ((اشربي يا أمَّ مَعْبَد )) فقالت: اشرَبْ فأنت أحقُّ به، فردَّهُ عليها فشربَتْ ، ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه ، ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل بها مثل ذلك فسَقَى دليله ، ثم دعا بحائلٍ أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامراً ، ثم تروَّح . وطلبتْ قريش رسولَ اللهِ وَ لّ حتى بلغوا أمَّ معبد، فسألوا عنه فقالوا: أرأيت محمداً من حليته كذا كذا ؟ فوصفوه لها . فقالت : ما أدري ما تقولون ، قدِمَنا فتّى حالبُ الحائل . قالت قريش : ذاك الذي نريد . وقال الحافظ أبو بكر البزَّار(٤) : حدّثنا محمد بن معمر ، حدّثنا يعقوب بن محمد ، حدّثنا عبد الرحمن بن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : لما خرج رسولُ اللهِ وَّهِ وأبو بكر مهاجرَيْن فدخلا الغار، إذا في الغار جُحْر، فَأَلْقَمَه أبو بكر عَقِبَه حتى أصبح مخافَةً أن يخرُجَ على رسول الله وَّرِ منه شيءٌ، فأقاما في الغار ثلاثَ ليال ، ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أمّ معبد ، فأرسلَتْ إليه أم معبد : إني أرى وجوهاً حساناً ، وإنَّ الحيَّ أقوى على كرامتكم منِّي ، فلما أمْسَوْا عندها بعثَتْ مع ابنٍ لها صغير بشفرةٍ وشاة. فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((اردُدِ الشفرةَ وهاتٍ لنا فَرَقاً)) - يعني القَدَحُ(٥) - فأرسلتْ إليه أن لا لَبَنَ فيها ولا وَلَد. قال: ((هاتِ لنا فَرَقاً)) فجاءت بفرقٍ فضرَب ظهرها فاجترَّتْ ودرَّت ، فَحَلب فملأ القدح ، فشرِبَ وسَقَى أبا بكر ، ثم حلب فبعث به إلى أمِّ معبد . ثم قال البزَّار: لا نعلمه يُروى [ بهذا اللفظ] إلَّ بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحداً حدَّث عنه إلَّ يعقوب بن محمد ، وإن كان معروفاً في النسب . وروى الحافظ البيهقي(٦) من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني ، سمعتُ عبد الرحمن بن أبي ليلى [ يحدث ] عن أبي بكر الصديق. قال : خرجتُ مع رسولِ الله وَ له من مكة، فانتهينا إلى حيٍّ من أحياء العرب، فنظر رسولُ الله وَ ﴿ إلى بيت مُنْتَحياً فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة، فقالت: يا عبد الله، إنما أنا امرأة وليس (١) رواية ابن إسحاق هذه في دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٩٣). (٢) ما بين المعقوفين ليس في ح . (٣) ((المنحة)): الناقة. (٤) كشف الأستار للهيثمي (١٧٤٢) الهجرة والمغازي باب الهجرة إلى المدينة وما يأتي بين معقوفين منه. (٥) (( الفَرَق)): مكيال يسع ثلاثة أصُع عند أهل الحجاز . النهاية لابن الأثير. (٦) في دلائل النبوة (٤٩١/٢). ٤٥٨ باب هجرة رسول الله الشيخ معي أحد ، فعليكما بعظيم الحيِّ إنْ أردتم القِرَى . قال : فلم يُجِبْها وذلك عند المساء ، فجاء ابنٌ لها بأعْنُزٍ يسوقُها ، فقالت : يا بني انطلقْ بهذه العَنْزِ والشَّفْرَة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمِّي اذْبَحًا هذه وكُلا وأطعمانا فلما جاء قال له النبيُّ وَ له: ((انطلق بالشفرة وجئني بالقَدَح)) قال: إنها قد عزَبَتْ وليس بها لبن، قال انطلق، فجاء بقدح فمسح النبيُّ بِّوَ ضَرْعَها، ثم حلب حتى مَلأ القدَح ، ثم قال: (( انطلقْ به إلى أمِّك)) فشربت حتى رويَتْ، ثم جاء به فقال: (( انطلقْ بهذه وجثْني بأخرى)) ففعل بها كذلك، ثم سَقَى أبا بكر ، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبيُّ مَّ فبتنا ليلتنا ، ثم انطلقنا . فكانت تسمِّيه المُبَارَك . وكَثُرَتْ غنمُها حتى جلبَتْ جَلْباً إلى المدينة ، فمرَّ أبو بكرٍ فرأى ابنَها فعرَفَه فقال : يا أُمَّة، هذا الرجل الذي كان مع المُبَارك . فقامت إليه فقالت: يا عبد الله ، من الرجلُ الذي كان معك ؟ قال : أو ما تدرين من هو ؟ قالت : لا ، قال : هو نبيُّ الله . قالت : فأدخلني عليه . قال : فأدخَلَها، فأطعمها رسولُ اللهِ وََّ وأعطاها - زاد ابنُ عبدان في روايته : - قالت: فدُلَّني عليه ، فانطلقتْ معي وأهدَتْ لرسولِ الله شيئاً من أقِطِ ومتاع الأعراب . قال : فكساها وأعطاها . قال : ولا أعلمه إلا قال وأسلمَتْ . إسنادٌ حسن . وقال البيهقي : هذه القصة شبيهةٌ بقصةِ أُمّ معبد ، والظاهر أنها هي والله أعلم . وقال البيهقي(١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا : حدثنا أبو العباس الأصمّ، حدثنا الحسن (٢) بن مُكرم، حدَّثني أبو أحمد بشر بن محمد الشُّكَّري ، حدثنا عبد الملك بن وهب المَذْحِجي، حدثنا الحُرُّ بن الصَّيَّحُ(٣) عن أبي مَعْبَد الخُزَاعِي أَنَّ رسولَ الله ◌ِّل خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة ، هو وأبو بكرٍ وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر ، ودليلُهم عبد الله بن أُرَيْقِط اللَّيْثِي، فمرُوا بخيمتي أمِّ معبد الخزاعيَّة، وكانت أمُّ معبد امرأةً بَرْزَة٤ُ) جَلْدَة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة (١) سقطت هذه الرواية من دلائل النبوة المطبوع للبيهقي وقد تسرّع محققه (٤٩٤/٢) في الحاشية فذكر أن البيهقي لم يعرج على قصة أم معبد ، ولو أنه أمعن النظر في المتن وما هو مثبت هنا لما قال ذلك . قال البيهقي في (٤٩٣/٢) : فيحتمل أن يكون أولًا أي التي في كِسْر الخيمة ، كما روينا في حديث أم معبد ، ثم رجع ابنها بأعنز ، كما روينا في حديث ابن أبي ليلى ، ثم لما أتى زوجها وصفته له والله أعلم . فدل هذا على أن البيهقي روى حديث أم معبد قبل رواية ابن أبي ليلى ولو فتشت عنه قبلها لما وجدته وهذا يعني أنه سقط من النسخ التي اعتمدها في التحقيق والله أعلم . وقد ساق الحاكم إسناد هذه الرواية في المستدرك (١١/٣). (٢) في المستدرك: الحسين بن مكرم. تصحيف، ترجمته في تاريخ بغداد (٧/ ٤٣٢) وسير أعلام النبلاء (١٣ /١٩٢). (٣) في ط : أبجر بن الصباح ، وفي ح : الحر بن الصباح . وكذا في المستدرك وكله تصحيف والمثبت من ترجمته في تهذيب الكمال (٥١٤/٥) والإكمال (١٦١/٥). (٤) (( البَرْزَة)): الكَهْلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم . النهاية لابن الأثير (١١٧/١). ٤٥٩ باب هجرة رسول اللهالبيع فتُطِعِمُ وتَسْقي ، فسألوها هل عندها لحمٌ أو لبنٌّ يشترونه منها ؟ فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك . وقالت : لو كان عندنا شيءٌ ما أعوزكم القِرَى؛ وإذا القومُ مُؤْمِلُون مُسْنِتُون. فنظر رسولُ اللهِ وَيِ فإذا شاةٌ في كِسْرِ خيمتها فقال: (( ما هذه الشاةُ يا أمَّ معبد؟ )) فقالت: شاةٌ خلَّفَها الجَهْدُ عن الغَنَم قال : ((فهل بها من لبن؟ )) قالت: هي أجهدُ من ذلك قال: ((تأذنينَ لي أن أحْلِبَها؟ )) قالت: إنْ كان بها حَلَبٌّ فاحْلبها . فدعا رسولُ الله ◌َِّ بالشاة، فمسحَها وذكر اسْمَ الله، ومسَحَ ضَرْعَها وذكر اسم الله ودعا بإناءٍ لها يُرْبِضُ الرَّهْط١ُ) فتفَاجَّتْ ودَرَّتْ واجْتَتْ (٢)، فحلب فيه ثجاً حتى عَلَاهُ البَهَاءُ(٣) فسقاها وسقى أصحابه، فشربوا عَللاً بعد نَهَل، حتى إذا رَؤُوا شرب آخِرهم وقال: (( ساقي القوم آخرهم )). ثم حلب فيه ثانياً عَوْداً على بَدْء ، فغادره عندها ثم ارتحلوا . قال : فقلَّما لبث حتى جاء زَوَجُها أبو معبد يسوق أعْتُزَأَ بِجافاً يتساوَكْنَ هَزْلَى (٤)، لا نِقْيَ بهن٥ُ)، مُثُهنَّ قليل ، فلما رأى اللبن عَجب وقال من أين هذا اللبن يا أمَّ معبد ولا حلوبةَ في البيت والشاءُ عازب؟ فقالت: لا والله ، إنه مرَّ بنا رجلٌ مبارك ، كان من حديثه كيت وكيت . فقال : صِفيه لي ، فوالله إني لأراهُ صاحبَ قريش الذي تطلب . فقالت : رأيتُ رجلاً ظاهر الوَضَاءة، حَسَن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثَجْلَه٦ُ)، ولم تُزْرِ به صَعْلَهُ(١)، قسيمٌ وسيم ، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَلُ(٨)، أخْوَرُ(٩) أكحل أزَجُ أَقْرَن، في عُنقه سَطع وفي لحيته كَثَاثَةَ . إذا صمَتَ فعليه الوَقَار، وإذا تكلّم سما وعلاهُ البهاء ، حُلْو المَنْطِقِ، فَضْلٌ لا نَزْرَ - قليل - ولا هَذْرَ - كثير - كأنَّ منطقه خَرَرات نَظْم يَتَحَدَّرْن، أبْهَى الناسِ وأجمله من بعيد ، وأحسنه من قريب ؛ رَبْعَة، لا تَشْنَؤُه ١) عينٌ من طولَ، ولا تقتحمُه عينٌ من قِصَر، غُصْنٌ بين غُصنَيْنِ، فهو أنْضَرُ الثلاثةِ منظراً، وأحسنهم قدّاً، له رُفقاء يَحُقُّون به، إنْ قال أنصتوا لقوله، وإنْ أمَرَ تبادروا لأمره . مَحْفُودٌ مَحْشُود ، لا عاِسٌ ولا معتد فقال - يعني بعلُها - : هذا والله صاحبُ قريش الذي تطلب ، ولو صادفتُه لالتمستُ أنْ أصحبه ، ولأجْهَدَنّ إنْ وجدتُ إلى ذلك سبيلاً . قال : وأصبح صوتٌ (١) ((يُرْبِض الرهط )): أي يُرويهم ويُثْقِلُهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. النهاية لابن الأثير (٢/ ١٨٤). (٢) ((تفاجَّت)): من التفاجّ وهو المبالغة في تفريج ما بين الرجلين. النهاية لابن الأثير (٤١٢/٣). (٣) ((التجّ)): اللبن السائل الكثير. ووقع في ح، ط: حتى ملأه إليها. وهو تصحيف، والمثبت من المستدرك والنهاية لابن الأثير (١٦٩/١) وفيه: أراد بَهَاء اللبن، وهو وَبيص رغوته أي بريقها . (٤) أراد أنها تتمايل من ضعفها. النهاية لابن الأثير (٤٢٥/٢). (٥) (( النّفْي)): المخ . النهاية لابن الأثير. (٦) (( الثَّجْلَةَ)): ضِخَمُ البطن. النهاية لابن الأثير (٢٠٨/١). (( الصَّعْلَة)»: صِغَرُ الرأس؛ وهي أيضاً الدقّة والنحول في البدن. النهاية لابن الأثير (٣٢/٣). (١) (١) ((الوَطَف)): طول شعر الأجفان. والصَّحَل: كالبُخَّة وألا يكون حادَّ الصوت. النهاية لابن الأثير. (٩) في ط : أحول ، والمثبت من ح . ١٠٠) ((لا تشنؤه)): أي لا يُبغَض لفرط طوله. هذه رواية ح والمستدرك والنهاية لابن الأثير. وفي الفائق للزمخشري (١/ ٨١): لا يائس من طول. وفي ط: لا تنساه. تصحيف. وتقتحمه : تزدريه كما في الفائق. ٤٦٠ باب هجرة رسول الله ؟ بمكة عالٍ بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرَوْن من يقول وهو يقول : 1 من الطويل ] رفيقَيْنِ حلَّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ جزى الله ربُّ الناسِ خیرَ جزائِهِ فأفلح مَنْ أمسى رفيقَ محمدٍ (١) هما نَزَلا بالبرِّ وارتحلا به به من فَعالٍ لا تُجارَی وسُؤْدُدِ فيالَ قصيّ ما زَوَى اللهُ عنكمُ فإنّكم إنْ تسألوا الشاةَ تَشْهَدٍ سلوا أختكم عن شاتِها وإنائها له بصريحٍ ضرّةُ الشاةِ مُزْبِدٍ(٢) دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلَّبتْ يدرُّ لها في مصدرٍ ثم مَوْرِدٍ(٣) فغادره رهناً لديها لحالب قال وأصبح الناس - يعني بمكة - وقد فقدوا نبيَّهم ، فأخذوا على خيمتَيْ أمِّ معبد حتى لحقوا برسولِ الله ◌َله . قال وأجابه حسان بن ثابت : [ من الطويل ] وقد سُرَّ مَنْ يَسْرِي إليهم ويَغْتدي لقد خابَ قومٌ زال عنهم نبيُّهم ترحّلَ عن قوم فزالتْ عقولُهم (٤) [ هداهم به بعد الضلالة ربّهم وهل يستوي ضُلاَّلُ قومٍ تسفَّهوا نبيِّ يَرَى مالا يرى الناسُ حَوْلَهُ وإِنْ قال في يومٍ مقالةَ غائبٍ ليهنِ أبا بكرٍ سعادةُ جدِّه ويَهْنِ بني كعبٍ مكانُ فتاتِهِم وحلَّ على قوم بنورٍ مجدَّدٍ وأرشدَهم من يتْبَعِ الحقَّ يرشُدِ ﴾(٥) عَمّى وهداةٌ يهتدون بمهتدٍ ويتلو كتابَ الله في كلِّ مَشْهِدِ فتصديقُها في اليوم أو في ضُحى الغدِ بصُحْبته، من يُسْعِدِ اللهُ يَسْعَدِ ومقعدُها للمسلمينَ بِمَرْصَدٍ قال - يعني عبد الملك بن وَهْب ـ: فبلغني أنَّ أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبيِّ وَّل . وهكذا رواه الحافظُ أبو نعيم (٦) من طريق عبد الملك بن وهب المَذْحِجِيّ فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك: بلغني أنَّ أمَّ معبد هاجرتْ وأسلمت ولحقت برسولِ الله وَلِيمٍ . (١) في الفائق ودلائل أبي نعيم : هما نزلاها بالهدى واهتدت بهم . (٢) في ح : لديه بضرع ضرة الشاة مُزْبِدٍ . (٣) في الفائق ودلائل أبي نعيم: يرددها في مصدر ثم مورد . ويروى : غاب عنهم نبيهم وقُدّس من يسري . ديوان حسان (٤٦٤/١) ودلائل أبي نعيم (٤٣٩/٢). (٤) (٥) سقط هذا البيت من ح ، ط فأثبتُّه من مصادر الخبر . (٦) ليست هذه الرواية فيما طبع من دلائل النبوة ؛ غير أنَّ ما ذكره من قول عبد الملك مثبت في الدلائل (٤٣٩/٢).