Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
وكان عبدُ الله بن مسعود - فيما بلغني - يقول: أَتي رسولُ اللهِ وَّه بالبُرَاق - وهي الدابةُ التي كانتْ
تُحمل عليها الأنبياء قبله ، تضَعُ حافرَها في موضع منتهى طَرْفِها - فحُمل عليها ، ثمَّ خرج به صاحبُه یری
الآيات فيما بين السماء والأرض ، حتى انتهى إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في
نَفَرٍ من الأنبياء قد جُمعوا له ، فصلَّى بهم ثم أُتي بثلاثةِ آنيةٍ من لبنٍ وخمرٍ وماءٍ .
فذكر أنه شرِب إناءَ اللبن ، فقال لي جبريل : هُديتَ وهدِيَتْ أُمتك .
وذكر ابنُ إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا١ً) أنَّ جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد
الحرام فأركبَهُ الْبُرَاق وهو دابةٌ أبيض ، بين البَغْلِ والحمار ، وفي فخذيه جناحان يَحْفِزُ بهما رجلَيْهِ ، يضع
حافره في منتهى طَرْفه . ثم حملني عليه ثم خرج معي لا يفوتُني ولا أفوته .
قلت: وفي الحديث وهو عن قتادة، فيما ذكره ابنُ إسحاق (٢) أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّ لما أراد ركوب البُرَاق
شَمَسَ به(٣)، فوضع جبريلُ يدَهُ على مَعْرَفَتِهِ ثم قال : ألا تستحي يا بُراق مما تصنع ، فوالله ما ركبكَ
عبدٌ لله قبلَ محمدٍ أكرمُ عليه منه. قال: (( فاستحى حتى ارفضَّ عرَقاً ثم قم(٤) حتى ركبتُه)) .
قال الحسن في حديثه : فمضَى رسولُ الله ◌ِالر ومضى معه جبريلُ حتى انتهى به إلى بيت المقدس ،
فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نَفَرِ من الأنبياء ، فأمَّهم رسولُ اللهِوَّرِ فصلَّى بهم، ثم ذكر اختيارَهُ
إناءَ اللبن على إناء الخمر وقول جبريل له : هُديت وهديَتْ أُمَّتُك، وحُرِّمَتْ عليكم الخمر .
قال: ثم انصرفَ رسولُ اللهَ وَلّ إلى مكة فأصبح يُخبر قريشاً بذلك، فذكر أنه كذَّبه أكثرُ الناس ،
وارتدَّتْ طائفةٌ بعد إسلامها ، وبادر الصدِّيقُ إلى التصديق وقال: إني لأصدِّقُه في خبر السماء بُكْرَةً
وعشيَّة ، أفلا أصدِّقه في بيت المقدس ؟ وذكر أنَّ الصدِّيقَ سأله عن صفة بيتِ المقدس ، فذكرها له
رسولُ الله ◌َّه قال: فيومئذٍ سُمِّ أبو بكر الصدِّيق.
قال الحسن: وأنزل الله في ذلك ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [ الإسراء: ٦٠] الآية.
وذكر ابنُ إسحاق(٥) فيما بلغَهُ عن أُم هانىء أنها قالت: ما أُسريَ برسولِ اللهِ وَلَه إلا من بيتي ، نام
عندي تلك الليلة بعدما صلَّى العشاءَ الآخرة، فلما كان قُبيل الفَجْر أهَبَّما٦) ، فلما كان الصُّبْح وصلَّينا
معه، قال: (( يا أُمَّ هانىء لقد صلَّيتُ معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي ، ثم جئتُ بيتَ المقدس
(١) سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٧) والروض (٢/ ١٤٢).
(٢) سيرة ابن هشام (٣٩٨/١) والروض (١٤٢/٢).
(٣) ((شمست الدابة والفرس)): شردت وجمحَتْ ومنعَتْ ظهرها فلا تستقر لحدتها وشغبها. اللسان ( شمس).
(٤) في ح : تقدم . وفوقها : قرَّ .
(٥) سيرة ابن هشام (٤٠٢/١) والروض (١٤٤/٢).
(٦) في ح : أنبهنا ، أي أيقظنا ، وهما بمعنى .

٣٤٢
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
فصلَّيتُ فيه، ثم قد صلَّيتُ الغَدَاة معكم الآن كما ترَيْن)». ثم قام ليخرج، فأخذتُ بطرَفِ ردائه،
فقلت : يا نبيَّ الله لا تحدِّثْ بهذا الحديث الناسَ فيكذِّبوك ويُؤذوك. قال: (( والله لأحدِّ ثنَّهموه)).
فأخبرهم فكذَّبوه . فقال : وآيةُ ذلك أنِّي مرَرْتُ بعِيرٍ بني فلان بوادي كذا وكذا ، فأنفرَهُمْ حِسُّ الدابَّة ، فندَّ
لهم بعِيرٌ فدلَّلْتُهم عليه وأنا متوجّهُ إلى الشام، ثم أقبلتُ حتى إذا كنتُ بضَجَنَالُ(١) مررتُ بعيرٍ بني فلان ،
فوجدتُ القومَ نياماً ولهم إناءٌ فيه ماء قد غطّوا عليه بشيء ، فكشفتُ غطاءه وشربتُ ما فيه ، ثم غطَيْتُ عليه
كما كان . وآية ذلك أنَّ عِيرَهم تُصَوِّبُ الآنَ من ثنَّة التنعيم البَيْضَاء يقدُمها جمَلٌ أوْرَق (٢) ، عليه غِرَارتان ،
إحداهما سوداء والأخرى بَرْقاء(٣) . قال : فابتدروا القومَ بالثنيَّةُ(٤) ، فلم يلقَهُمْ أول من الجمل الذي
وصف لهم ، وسألوهم عن الإناء وعن البعير فأخبروهم كما ذكر صلواتُ الله وسلامُه عليه .
وذكر يونس بن بكير ، عن أسباط ، عن إسماعيل السُّدِّي ، أنَّ الشمسَ كادتْ أن تغرُبَ قبل أن يقدُمَ
ذلك العِير(٥) ، فدعا الله عزَّ وجل فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم . قال : فلم تحتبس الشمسُ على
أحدٍ إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون . رواه البيهقي (٦) .
قال ابن إسحاق (٧): وأخبرني من لا أتهم عن أبي سعيدٍ قال: سمعتُ رسول الله وَل يقول: ((لما
فرغتُ مما كان في بيت المقدس أُتي بالمِعْرَاح ولم أر شيئاً قط أحسنَ منه وهو الذي يمدُّ إليه ميِّئُكُم(٨) عينيه
إذا حُضر ، فأصعدني فيه صاحبي حتى انتهى بي إلى بابٍ من أبواب السماء يقال له : باب الحَفَظة ، عليه
بريل(٩) من الملائكة يقال له : إسماعيل ، تحت يده اثنا عشر ألف ملك ، تحت يد كلِّ مَلَكِ منهم اثنا عشر
ألف مَلَك. قال: يقول رسولُ الله ◌ِّهِ إذا حدَّث بهذا الحديث: ﴿ وَمَا يَعْلَُّ جُدَ رَبِّكَ إِلَّهُوَّ﴾ [ المدثر: ٣١].
ثم ذكر بقيةَ الحديث ، وهو مطوّلٌ جداً ، وقد سقناه بإسنادِهِ ولفظه بكماله في التفسير ، وتكلَّمنا
عليه ، فإنه من غرائب الأحاديث وفي إسنادِهِ ضَعْف .
(١) (( ضَجَنَان)): بالتحريك ونونين، جُبَيل على بريد من مكة، وقيل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً. معجم
البلدان (٣/ ٤٥٣).
(٢) الأورق من كل شيء: ما كان لونه لون الرماد ، ومن الإبل : ما في لونه بياض إلى سواد. اللسان (ورق ) .
(٣) (( برقاء)): مؤنث أبرق، وهو كل شيء اجتمع فيه سواد وبياض. القاموس (برق ).
(٤) في ط وسيرة ابن هشام : فابتدر القومُ الثنية .
(٥) كذا في ح ، ط قلت : الصواب أن يقول : قبل أن تقدم تلك العير . لأن العير مؤنثة كما في اللسان ، وهي القافلة أو
الإبل التي تحمل الميرة ، قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. ويبدو أن اللفظ هنا لابن كثير نقلها عن البيهقي
بتصرف كما سيأتي .
(٦) رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٠٤): بنحوه عن الحاكم عن أبي العباس الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس به
أقول : ويونس بن بكير صدوق يخطىء .
(٧) سيرة ابن هشام (٤٠٣/١) والروض (٢/ ١٥٤).
في ح : يمتد إليه منكم . والمثبت من ط وسيرة ابن هشام والروض .
(٨)
(٩) البريدهنا : الرسول. وفي السيرة والروض : ملك من الملائكة.

٣٤٣
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
وكذا في سياق حديث أمّ هانىء، فإنَّ الثابت في الصحيحينُ(١)، من روايةِ شَرِيك بن أبي نَمِر ، عن
أنس أنَّ الإسراء كان من المسجد من عند الحِجْر ، وفي سياقه غَرَابَةٌ أيضاً من وجوه قد تكلَّمنا عليها هناك ،
ومنها قوله: قبلَ أنْ يُوحَى إليهُ(٢) . والجوابُ أنَّ مجيئهم أولَ مرَّةٍ كان قبل أن يُوحَى إليه ، فكانتْ تلك
الليلة ولم يكن فيها شيء ، ثم جاءه الملائكة ليلةً أخرى ولم يقل في ذلك ، وذلك قبل أن يُوحَى إليه بل
جاؤوا بعد ما أوحي إليه ، فكان الإسراءُ قطعاً بعد الإيحاء ، إمّا بقليل كما زعمه طائفة ، أو بكثير نحو من
عشر سنين كما زعمه آخرون ، وهو الأظهر ؛ وغسل صدره تلك الليلة قبل الإسراء غسلاً ثانياً - أو ثالثا -
على قوله أنه مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية ، ثم ركب البُرَاق رِفْعَةً له وتعظيماً وتكريماً ، فلما
جاء بيت المقدس ربطه بالحَلْقة التي كانت تربط بها الأنبياء ، ثم دخل بيت المقدس ، فصلَّى في قبلته تحيَّةً
المسجد .
وأنكر حُذيفة رضي الله عنه دخولَهُ إلى بيت المقدس وربطَه الدَّابّة وصلاته فيه ، وهذا غريب ؛ والنصُّ
المُثْبتُ مقدَّمٌ على النافي .
ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء وصلاته بهم ، أكان قبل عُروجه إلى السماء كما دلَّ عليه ما تقدَّم أو
بعد نزوله منها كما دلَّ عليه بعضُ السياقات ، وهو أنسبُ كما سنذكره على قولين ، فالله أعلم .
وقيل : إنَّ صلاته بالأنبياء كانتْ في السماء، وهكذا تخَيُّرُه بين (٣) الآنية ، اللبن والخمر والماء ، هل
كانت بيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح؟ والمقصود أنه منَ ل لما فرغ من
أمر بيت المقدس نُصب له المعراج - وهو السُّلَّم - فصعِدَ فيه إلى السماء ، ولم يكنِ الصُّعود على البُراق كما
قد يتوهّمُه بعضُ الناس ، بل كان البُراق مربوطاً على باب مسجدٍ بيتِ المقدس ليرجع عليه إلى مكة .
فصعِدَ من سماءٍ إلى سماءٍ في المِعْرَاجِ حتى جاوز السابعة ، وكلما جاء سماءً تلقَّتْهُ منها مقرّبوها ومَنْ فيها
من أكابر الملائكة والأنبياء . وذكَرَ أعيان من رأى(٤) من المرسلين ، كآدم في سماء الدنيا ، ويحيى
وعيسى في الثانية ، وإدريس في الرابعة(٥) ، وموسى في السادسة - على الصحيح - وإبراهيم في السابعة
مسنداً ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبَّدون فيه صلاةً وطوافاً ،
(١) فتح الباري (٣٥٧٠) المناقب باب كان النبي ◌َّ تنام عينه ولا ينام قلبه، وصحيح مسلم (١٦٢) (٢٦٦) الإيمان باب
الإسراء برسول الله اليه.
(٢) وهذه العبارة في رواية البخاري المشار إليها في الحاشية السابقة ، وقد زادت نسخة ط بعد قوله : وذلك .
(٣) في ط : من .
(٤) في ط : رآه .
(٥) كذا، لم يذكر الثالثة ولا الخامسة ، وفي سيرة ابن هشام (١ / ٤٠٦، ٤٠٧) من حديث أبي سعيد الخدري أنه رأى
في الثالثة يوسف بن يعقوب ، وفي الخامسة هارون بن عمران .

٣٤٤
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ، ثم جاوز مراتِبَهُم كلَّهم حتى ظهر لمستوى يسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام ،
ورُفعت لرسولِ الله ◌ِ سِدْرَةُ المُنْتَهى، وإذا ورَقُها كَآذان الفِيَلَة، ونَبِقُها كقِلالِ هَجَر (١) ، وغشيها عند ذلك
أمورٌ عظيمة ، ألوانٌ متعدِّدة باهرة ، وركبتها الملائكةُ مثل الغِربان على الشجرة كثرةً ، وفَرَاش من ذهب ،
وغشيها من نور الربِّ جلَّ جلاله، ورأى هنالك (٢) جبريل عليه السلام له ستمئة جناح ما بين كلِّ جناحَيْن
كما بين السماءِ والأرض وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٢) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَهَى وَإِ) عِندَهَا جَنَّةُ
الْأَوَىّ ◌ِفَ إِذْ يَغْشَى السَّدْرَةَ مَا يَغْشَىِ ﴿أَ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى﴾ [ النجم: ١٣-١٧] أي ما زَاغَ يميناً ولا شمالًا، ولا ارتفع
عن المكان الذي حُدَّ له النظر إليه . وهذا هو الثباتُ العظيم والأدب الكريم ، وهذه الرؤيا الثانية لجبريلَ
عليه السلام على الصفة التي خلقَهُ الله تعالى عليها ، كما نقلَهُ ابنُ مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة رضي
الله عنهم أجمعين. والأُولى هي قوله تعالى: ﴿عَلَّمُ شَدِيدُ الْقُوَىِّ(٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٤) وَهُوَ بِآلْأُمُقِ الْأَعْلَى
دَنَا فَدَلَّى لَا فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ (٢٤﴾ فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ٥ -١٠] وكان ذلك بالأبْطَح، تدلّى
جبريلُ على رسولِ الله ◌ِلّهِ سادّاً عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء والأرض ، حتى كان بينه وبينه قابَ قوسَيْن أو
أَدْنَى ، هذا هو الصحيحُ في التفسير كما دلَّ عليه كلامُ أكابرِ الصحابةِ المتقدِّم ذِكرُهم رضي الله عنهم .
فأمَّا قولُ شريك عن أنس في حديث الإسراء(٣): ثمَّدنا الجبّارُ ربُّ العِزَّةِ فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو
أدنى فقد يكونُ من فَهْم الراوي فأقحمه في الحديث . والله أعلم .
وإنْ كان محفوظاً فليس بتفسير للآية الكريمة [ بل هو شيءٌ آخر غير ما دلَّتْ عليه الآيةُ الكريمة ]٤) .
والله أعلم .
وفرض الله سبحانه وتعالى على عبده محمدٍ وَّ وعلى أمته الصلواتِ ليلتئذ خمسين صلاةً في كلِّ
يوم وليلة ، ثم لم يزَلْ يختلفُ بين موسى وبين ربِّهِ عزَّ وجل حتى وضعها الربُّ جلَّ جلاله وله الحمدُ
والمِنَّة إلى خمس وقد قال: (( هي خمسٌ وهي خمسون ، الحسنَةُ بعشر أمثالها )(٥) فحصل له التكليم
(١) ((النَّبِقِ)): ثمر السِّدر، واحدته: نَبِقَة، وأشبه شيء به العُنَّاب قبل أن تشتد حمرته. وهَجَر : قرية قريبة من
المدينة ، وليست هَجَر البحرين ؛ وكانت تعمل بها القِلال ، تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء ؛ مفردها : قُلّة وهي
الجرّة الضخمة . النهاية لابن الأثير والقاموس ( نبق ، قلل ) .
(٢) في ط : هناك .
(٣) هذا القول رواه البخاري فتح (٧٥١٧) التوحيد باب ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا
الحديث ، اضطرب فيه شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، وساء حفظه ولم يضبط ولذلك ضعفه العلماء لاضطراب
شريك فيه ، قال البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه وَلَّ رأى الله عز وجل ، وحمل
الآية على جبريل أصح . قال بشار: وتعقب الحافظ ابن حجر في الفتح المواضع التي أخطأ فيها شريك وفصّل فيها .
(٤) سقط ما بين المعقوفين من ح .
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦٢) (٢٥٩) الإيمان باب الإسراء برسول الله وم لل وهو عند البخاري بنحوه المشار إليه في
الحاشية (٣) من هذه الصفحة .

٣٤٥
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
من الربِّ عزَّ وجل ليلتئذ ، وأئمة السُّنَّة كالمطبقين على هذا.
واختلفوا في الرؤية ، فقال بعضُهم رآه بفؤادِه مرّتين ، قاله ابن عباس وطائفة ، وأطلق [ ابن
عباس (١) وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد ، وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضي
الله عنهما ، وصرَّح بعضُهم بالرؤية بالعينين ، واختاره ابنُ جرير وبالغ فيه ، وتبِعَهُ على ذلك آخرون من
المتأخرين .
وممن نصَّ على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيليُّ عنه ، واختاره الشيخ
أبو زكريا النووي في فتاويه (٢) .
وقالت طائفة: لم يقع ذلك لحديث أبي ذرّ في صحيح مسلم(٣) : قلت : يا رسول الله هل رأيت
ربك؟ فقال: ((نورٌ أَنَّى أراه)). وفي رواية٤ُ): (( رأيت نوراً)).
قالوا : ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية ؛ ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما رُوي في بعض الكتب
الإلهية : يا موسى إنه لا يراني حيٌّ إلا مات، ولا يابسٌ إلا تدَهْدَه . والخلاف في هذه المسألة مشهورٌ بين
السلف والخَلَف ، والله أعلم .
ثم هبط رسولُ الله ◌ِّ إلى بيت المقدس، والظاهر أنَّ الأنبياء هبطوا معه تكريماً له وتعظيماً عند
رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة كما هي عادة الوافدين ، لا يجتمعون بأحد قبل الذي طُلبوا إليه ،
ولهذا كان كلَّما مرَّ على واحدٍ منهم يقولُ له جبريل - عندما يتقدم ذاك للسلام عليه - : هذا فلان ، فسلِّم
عليه ، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعودِهِ لما احتاج إلى تعرُّفٍ بهم مرة ثانية . ومما يدلُّ على ذلك أنه
قال: ((فلما حانتِ الصلاةُ أمَمْتُهُمْ)(٥) . ولم يحِنْ وقتٌ إذْ ذاك إلى صلاة الفجر فتقدَّمهم إماماً بهم عن
أمر جبريلَ فيما يرويه عن ربِّه عز وجل ؛ فاستفاد بعضُهم من هذا أنَّ الإمام الأعظم يقدَّمُ في الإمامة على
ربِّ المنزِل ، حيثُ كان بيت المقدس محلَّتهم ودارَ إقامتهم ؛ ثم خرج منهم فركب البُرَاق وعاد إلى مكة ،
فاصبح بها وهو في غايةِ الثبات والسَّكينةِ والوَقَار .
وقد عايَنَ في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها - أو بعضها - غيرُه لأصبح مندهشاً أو طائشَ
العقل، ولكنه ◌َّ أصبح واجماً - أي: ساكناً - يَخْشَى إنْ بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه ،
فتلطّف بإخبارهم أولاً بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة ، وذلك أنَّ أبا جهل لعنه الله - رأى رسولَ الله
(١) سقط ما بين المعقوفين من ح .
(٢) الروض الأنف للسهيلي (١٥٦/٢) وفتاوى الإمام النووي (ص ١٥) المسمَّى: المنثورات ((أو المسائل المنثورة)).
(٣) صحيح مسلم (٢٩١، ٢٩٢-١٧٨) الإيمان باب في قوله عليه السلام: نور أنى أراه.
(٤) هي رقم (٢٩٢) المشار إليها في الحاشية السابقة .
(٥) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٨ - ١٧٢) الإيمان باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال.

٣٤٦
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
وَّ في المسجد الحرام وهو جالسٌ واجم، فقال: ((إنِّي أُسْرِيَ بِيَ الليلةَ إلى بيتِ المَقْدِس)). قال: إلى
بيت المقدس !؟ قال: ((نعم)). قال : أرأيتَ إنْ دعَوْتُ قومَك لك لتخبرَهم أتخبرُهم بما أخبرتني به ؟
قال: ((نعم)). فأراد أبو جهل جمعَ قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسولُ الله ◌َّه جمعهم ليخبرَهم ذلك
ويبلغهم . فقال أبو جهل : هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال : أخْبِرْ قَوْمَكَ بما أخبرتني به .
فقصَّ عليهم رسولُ الله ◌َِّ خبرَ ما رأى وأنه جاء بيتَ المقدس هذه الليلة وصلَّى فيه؛ فمن بين مصفِّقٍ وبين
مصفِّر تكذيباً له واستبعاداً لخبره . وطار الخبرُ بمكة ، وجاءَ الناسُ إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه فأخبروه أنَّ
محمداً ◌َّ يقول كذا وكذا. فقال: إنكم تكذبونَ عليه. فقالوا: والله إنه ليقولُه. فقال: إنْ كان قالَهُ
فلقَدْ صَدَق. ثم جاء إلى رسولِ الله وَله وحوله مشركو(١) قريش ، فسأله عن ذلك، فأخبره ، فاستعلمه عن
صفاتٍ بيتِ المقدس ليَسْمَعِ المشركون ويعلموا صِدْقَهُ فيما أخبرهم به (٢) .
وفي الصحيح(٣): أنَّ المشركين هم الذين سألوا رسولَ اللهِ وَ لاَ عن ذلك. قال: (( فجعلتُ أخبرُهم
عن آياته فالتبس عليَّ بعض الشيء(٤)، فجلَّى الله لي بيتَ المقدس حتى جعلتُ أنظرُ إليه دون دارٍ عُقيل
وأنعته لهم)) . فقال : أما الصفة فقد أصاب.
وذكر ابنُ إسحاق ما تقدَّمُ(٥) من إخباره لهم بمرورِهِ بعيرهم وما كان من شربه ماءهم ، فأقام الله عليهم
الحُجَّة واستنارت لهم المَحَجَّة ، فآمن مَنْ آمن على يقينٍ من ربِّه، وكفر من كفر بعد قيام الحُجَّةِ عليه ،
كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىَ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، أي: اختباراً لهم وامتحاناً.
قال ابنُ عباس : هي رؤيا عين أُريها رسولُ اللهِّهِ وهذا مذهب جمهور السَّلَف والخَلَف من أنَّ
الإسراء كان ببدَنِهِ ورُوحه صلواتُ الله وسلامه عليه ، كما دلَّ على ذلك ظاهرُ السِّياقات ، من رُكوبه
وصعوده في المِعْرَاج وغير ذلك. ولهذا قال: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
اَلْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ ﴾ [الإسراء: ١] والتسبيحُ إنما يكونُ عند الآياتِ العظيمةِ الخارقة ، فدلَّ
(١) في ح، ط : وحوله مشركي.
(٢) الحديث أخرجه بنحوه الإمام أحمد في مسنده: (٣٠٩/١) رقم (٢٨٢٠) عن ابن عباس وإسناده صحيح ، وذكره
المؤلف في التفسير عن الإمام أحمد وقال : وأخرجه النسائي من حديث عوف بن أبي جميلة وهو الأعرابي به ( وهو
في التفسير ٣٠٥ وسننه الكبرى ١١٢٨٥). ورواه البيهقي ( في الدلائل ٢/ ٣٦٣ و٣٦٤) من حديث النضر بن شميل
وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي أحد الأئمة الثقات ، وهو في مجمع الزوائد (١/ ٦٤) وقال : رواه
أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ، ورجال أحمد رجال الصحيح .
(٣) يعني البخاري، انظر فتح الباري (٣٨٨٦) مناقب الأنصار باب حديث الإسراء و(٤٧١٠) التفسير سورة بني إسرائيل
(١٧) باب أسرى بعبده ليلا.
(٤) في مسند أحمد : بعض النعت ، ولا ذكر لهذه العبارة في البخاري ، مما يدل على أنه اقتبس هذا النص في مسند
أحمد، وأنه استشهد بالصحيح في ذكر أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله وَ ل فحسب.
(٥) تقدم حديث أم هانىء .

٣٤٧
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
على أنه بالرُّوح والجَسَد ، والعبدُ عبارةٌ عنهما ، وأيضاً فلو كان مناماً لما بادَرَ كُفَّارُ قريشِ إلى التكذيب به
والاستبعاد له ، إذْ ليس في ذلك كبيرُ أمْرٍ ، فدلَّ على أنه أخبرهم بأنه أُسْرِيَ به يقظَةً لا مناماً. وقولُه في
حديث شَرِيك عن أنس: (( ثم استيقظت فإذا أنا في الحِجْر »(١) معدودٌ في غلطاتِ شريك، أو محمولٌ
على أنَّ الانتقالَ من حالٍ إلى حال يُسمَّى يقطَّةً كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها حين ذهبَ رسولُ
اللهَ﴾ [إلى ]٢) الطائف فكذَّبوه، قال: ((فرجعتُ مهموماً، فلم أستفِقْ إلا بقَرْنِ الثعالب)). وفي
حديث أبي أَسيد حين جاء بابنِهِ إلى رسولِ اللهِوَ ﴿ ليحنّكَهُ فوضعه على فَخِذِ رسول الله وَّهِ واشتغل رسولُ
اله ◌َ ◌َّ بالحديث مع الناس، فَرَفَعَ أبو أسيد ابنَه، ثم استيقظ رسولُ اللهِ ◌ّ فلم يجدِ الصبي، فسأل عنه،
فقالوا : رفع ، فسمَّاهُ المنذر(٣) . وهذا الحمل أحسن من التغليط . والله أعلم .
وقد حكى ابنُ إسحاق فقال(٤) : حدَّثني بعضُ آلِ أبي بكرٍ عن عائشةَ أمّ المؤمنين أنها كانت تقول :
ما فُقدَ جسدُ رسولِ اللهِوَ لَّهِ ولكن الله أسْرَى بُرُوحِه .
قال(٥): وحدَّثني يعقوب بن عتبة، أنَّ معاوية كان إذا سُئل عن مَسْرَى رسولِ الله بَّه قال كانت رؤيا
من الله صادقة .
قال ابنُ إسحاق(٥) : فلم يُنكَرْ ذلك من قولهما، لقول الحسن : إنَّ هذه الآية نزلَتْ في ذلك:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِيِّ ◌َرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [ الإسراء: ٦٠ ] وكما قال إبراهيمُ عليه السلام: ﴿يَبُنَّ إِّ أَرَى فِى
الْعَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ [ الصافات: ١٠٢ ] وفي الحديث: ((تنامُ عيني وقلبي يَقْظان)) (٦).
قال ابنُ إسحاق (٧) : فالله أعلم أي ذلك كان ، قد جاءه وعايَنَ فيه ما عاينَ من أمر الله تعالى ، على أيِّ
(١) هو الحديث المشار إليه فيما تقدم .
(٢) زيادة يقتضيها السياق ، والحديث سيأتي .
(٣) أخرجه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد ، فتح الباري (٦١٩١) الأدب باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن
منه ، وصحيح مسلم (٢٩ - ٢١٤٩) الآداب باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته .
(٤) في السير والمغازي (ص ٢٩٥) وسيرة ابن هشام (٣٩٩/١) والروض (١٤٣/٢).
(٥) فى سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٠) والروض (٢/ ١٤٣).
(٦)
رواه ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١ / ٤٠٠) وهو قطعة من حديث عائشة رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
ولفظهم: ((إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)»: فتح الباري (١١٤٧) التهجد باب قيام النبي ◌َّر (٢٠١٣) صلاة التراويح
باب فضل من قام رمضان ، وصحيح مسلم (٧٣٨) (١٢٥) صلاة المسافرين باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي
وَّر . وسنن أبي داود (١٣٤١) الصلاة باب في صلاة الليل، وجامع الترمذي (٤٣٩) الصلاة باب ما جاء في وصف
صلاة النبي ◌َّلية. وأورده البخاري من حديث جابر فتح (٧٢٨١) الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله وعليه بلفظ:
((إن العين نائمة والقلب يقظان)).
(٧) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٠) والروض (١٤٣/٢).

٣٤٨
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
حاله كان ، نائماً أو يقظانا١ً) ، كل ذلك حقٌّ وصدق .
قلت : وقد توقَّف ابنُ إسحاق في ذلك وجوَّز كلاً من الأمرَيْن من حيث الجملة ، ولكنَّ الذي لا يُشكُ
فيه ولا يتمارى أنه كان يقظانا٢ً) لا محالة لما تقدَّم ، وليس مقتضى كلام عائشة رضي الله عنها أنَّ جسده
وَ ◌ّ ما فُقِد، وإنما كان الإسراءُ بُرُوحه أن يكونَ مناماً كما فهمه ابنُ إسحاق ، بل قد يكون وقع الإسراءُ
بروحه حقيقةً [ وهو يقظان لا نائم ، وركب البُرَاقَ وجاء بيت المقدس ، وصعِدَ السمواتِ وعاين ما عاين
حقيقة ]٣) ، ويقظةً لا مناماً. لعل هذا مُرَادُ عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، ومرادُ مَنْ تابعها على
ذلك . لا مافهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام . والله أعلم .
تنبيه: ونحن لا نُنْكِرُ وقوعَ منام قبل الإسراء طِبْقَ ما وقع بعد ذلك، فإنَّه مَّ كان لا يرى رؤيا إلا
جاءَتْ مثل فَلَقِ الصُّبْحِ ، وقد تقدَّم مثل ذلك في حديث بَدْء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظةً مناماً قبله
ليكون ذلك من باب الإزهاص والتَّوْطئة والتثبّت والإيناس . والله أعلم .
وقد(٤) اختلف العلماءُ في أنَّ الإسراء والمعراج : هل كانا في ليلةٍ واحدة ؟ أو كلٌّ في ليلةٍ على حِدَة ؟
فمنهم من يزعم أنَّ الإسراء في اليقظة ، والمعراجَ في المنام . وقد حكى المهلَّبُ بن أبي صُفْرَة في شرحه
البخاري(٥) عن طائفةٍ أنهم ذهبوا إلى أنَّ الإسراء [ كان ]٦) مرتين؛ مرَّةً بُرُوحه مناماً، ومرةً ببدنه ورُوحه
يقظةً ، وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السُّهَيْلي، [ عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه. قال الشُّهيلي ]٧) :
وهذا القول يجمع الأحاديث فإنَّ في حديث شَرِيك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه ، وتنامُ عيناه ولا ينامُ
قلبه، وقال في آخره: (( ثم استيقظتُ فإذا أنا في الحِجْر (٨) وهذا منام، ودلَّ غيرُه على اليقظة .
ومنهم من يدَّعي تعدُّدَ الإسراء في اليقظةِ أيضاً ، حتى قال بعضُهم : إنها أربعُ إسراءات . وزعم
بعضُهم أنّ بعضها كان بالمدينة ، وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله أن يوفق بين اختلاف
(١) كذا في ح، ط ، وفي سيرة ابن هشام والروض : يقظان . وهو أشبه بالصواب لأن مؤنثه : يقظى . إلا أن بعضهم
أجازها على لغة بعض العرب .
(٢) مضى التعليق عليها في الحاشية السابقة.
(٣) سقط ما بين المعقوفين من ح .
(٤) في ط : ثم قد . والمثبت من ح .
(٥)
هو المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأندلسي المريِّي المتوفى سنة ٤٣٥ هـ ـ وهو غير الأزدي البصري قائد الكتائب.
صنف شرحاً لصحيح البخاري ، ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧ / ٥٧٩).
(٦) زيادة يقتضيها السياق منقولة من قول السهيلي في الروض (١٤٩/٢) الذي سيشير إليه المؤلف.
(٧) ما بين المعقوفين ليس في ح وأظنه مقحماً من قبل النساخ ، لأن السهيلي لم يذكر شيخه أبا بكر في هذا الموضع من
الروض (١٤٩/٢) حيث عقد فصلاً: أكان الإسراء يقظه أم مناماً . وإن المؤلف هنا ينقل قول السهيلي بمعناه
لا بلفظه ، ولفظ السهيلي : وهذا القول هو الذي يصح ، وبه تتفق معاني الأخبار . اهـ .
(٨) هو الحديث المشار إليه في الصفحة السابقة .

٣٤٩
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
ما وقع في روايات وحديث الإسراء بالجمع المتعدد(١) فجعل ثلاثَ إسراءات ، مرةً من مكة إلى البيت
المقدَّس فقط على البُرَاق ، ومرةً من مكة إلى السماء على البراق أيضاً لحديث حُذيفة ، ومرة من مكة إلى
بيت المقدس ثم إلى السموات .
فنقول : إنْ كان إنما حمله على القول بهذه الثلاث اختلافُ الروايات فقد اختلف لفظُ الحديث في
ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات ، ومَنْ أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصياً في كتابنا
التفسير عند قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وإن كان إنما حمله أنَّ التقسيم
انحصر في ثلاثِ صفات بالنسبة إلى بيتِ المقدس وإلى السموات فلا يلزم من الحَصْرِ العقلي والوقوع
كذلك في الخارج إلا بدليل . والله أعلم .
والعجب أنَّ الإمام أبا عبد الله البخاري رحمه الله ذكر الإسراء بعد ذكِرِهِ موتَ أبي طالب ، فوافق ابنَ
إسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر ، وخالفَهُ في ذكره بعد موت أبي طالب، وابنُ إسحاق أخَّرَ ذِكر
موت أبي طالب على الإسراء ، فاللهُ أعلم أيُّ ذلك كان .
والمقصود أنَّ البخاري فرَّق بين الإسراء وبين المِعْرَاجِ، فبؤَّبَ لكلِّ واحدٍ منهما باباً على حِدَة فقال(٢):
بابُ حديثِ الإسراءِ وقول الله سبحانَهُ وتعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ حدَّثنا يحيى بن
بُكير ، حدَّثنا الليث ، عن عُقَيل، عن ابن شهاب ، حدَّثني أبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن قال : سمعتُ
جابر بن عبد الله أنه سمع رسولَ الله يقول: ((لما كذَّبَتْني قُريش قمتُ (٣) في الحِجْر، فجلَّى اللهُ لي بيتَ
المقدس، فطفِقْتُ أُخبِرهُمُ(٤) عن آياتِهِ وأنا أنظُرُ إليه )).
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث [ الزهري، عن أبي سَلَمة، عن جابر به(٥).
ورواه مسلم والنسائي(٦) من حديث }٧) عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌َثقة بنحو(٨).
(١) في ح : بالمتعدد .
(٢) فتح الباري (٧/ ١٩٦).
(٣) في ح ، ط : كنت في الحجر ، والمثبت من فتح الباري .
(٤)
في ح ، ط : أحدثهم . والمثبت من فتح الباري .
(٥) صحيح مسلم (١٧٠) (٢٧٦) الإيمان باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال، وجامع الترمذي (٣١٣٣) التفسير
باب سورة بني إسرائيل، والنسائي في التفسير (٣٠٢) وهو في سننه الكبرى (١١٢٨٢)، وبه أخرجه الإمام أحمد
أيضاً في المسند (٣٧٧/٣).
(٦) في ط: ((مسلم والنسائي والترمذي))، وهو خطأ، فإن الترمذي لم يخرج الحديث من هذا الوجه ، ولا ذكره أحد بما فيهم
المزي في تحفة الأشراف (٣٥٣/١٠ حديث ١٤٩٦٥ من طبعتنا). ولا أشك أن لفظة ((الترمذي)) مقحمة من النساخ، فإنها قد
أقحمت في غير موضعها ، ذلك أن من عادة المؤلف تقديم الترمذي على النسائي عند الإحالة ، كما في الذي قبله (بشار ) .
(١) سقط ما بين المعقوفين من ح .
(١) صحيح مسلم (١٧٢) (٢٧٨) الإيمان باب ذكر المسيح عيسى بن مريم والمسيح الدجال ؛ وهو في التفسير من السنن =

٣٥٠
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
ثم قال البخاري باب حديث المِعْراجُ(١): حدَّثنا هُذْبَةُ بن خالد، حدَّثنا همَّام، حدَّثنا قتادة ، عن
أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أنَّ النبيَّ بَّرَ حدَّثهم عن ليلةٍ أُسريَ به. قال: (( بينما أنا في
الحَطِيم - وربما قال في الحِجْر - مضطجعاً إذْ أتاني آتٍ فقدَّ - قال: وسمعته يقول: فشقُ(٢) - ما بين هذه
إلى هذه )) فقلتُ: للجارود - وهو إلى جنبي - : ما يَعني بِه؟ قال: من تُغْرَةٍ(٣) نَحْرِه إلى شِعْرَتِهِ، وسمعتُه
يقول: من قَصِّهُ(٤) إلى شِعرته . (( فاستخرج قلبي ، ثم أُتيتُ بطسْتٍ من ذهب مملوءةٍ إيماناً فغُسل قلبي،
ثم حُشِيَ ثم أُعيد، ثم أتيتُ بدابَّةٍ دون البَغْل وفوق الحمار ، أبيض)) - فقال له الجارود : وهو البراق
يا أبا حمزة ؟ قال أنس نعم - ((يضَعُ خَطْوَهُ عند أقْصَى طَرْفِهِ؛ فحُملْتُ عليه ، فانطلق بي جبريلُ(٥) حتى
أتى السماءَ الدنيا فاستفتحَ ، قيل : مَنْ هذا؟ قال : جبريل قيل : ومَنْ معك؟ قال : محمد . قيل : وقد
أُرسل إليه؟ قال : نعم . قيل: مرحباً به ، فنعمَ المجيءُ جاء! فَفَتح ، فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدم فقال :
هذا أبوك آدمُ فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام ثم قال : مرحباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح .
ثم صعِدَ بي إلى السماءِ الثانية ، فاستفتح قيل : مَنْ هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومَنْ معك ؟ قال :
محمد ، قيل وقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيءُ جاء! ففتح ، فلما خلَصْتُ إذا
يحيى وعيسى وهما ابنا خالة . قال : هذا يحيى وعيسى فسلِّمْ عليهما. فسلمتُ عليهما، فردًا ثم قالا :
مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح .
ثم صعِدَ بي إلى السماء الثالثة ، فاستفتح ، قيل : مَنْ هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومَنْ معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد أُرسل إليه ؟ قال: نعم . قيل : مرحباً به ، فنعمَ المجيءُ جاء! ففتح ، فلما
خلصتُ إذا يوسُف ، قال : هذا يُوسف فسلِّم عليه فسلمتُ عليه ، فردَّ ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح
والنبيِّ الصالح .
ثم صعِدَ بي حتى أتى السماءَ الرابعة فاستفتح ، قيل : مَنْ هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومَنْ معك ؟
=
الكبرى (١١٢٨٤) و(١١٤٨٠).
(١) فتح الباري (٣٨٨٧).
في ط : إذ أتاني آت فقال وسمعته يقول فشق . وفي ح : فقال مال وضرب على اللفظة الثانية ، وكلاهما تصحيف ،
(٢)
والمثبت من صحيح البخاري في الفتح ، قال ابن حجر يشرحه (٧/ ٢٠٤) : القائل قتادة والمقول عنه أنس ،
ولأحمد: ((قال قتادة سمعت أنساً يقول )) فشق.
(٣) في ح : ثعر ، وفي ط : نقرة . وكلاهما تصحيف ، والمثبت من صحيح البخاري ، قال ابن حجر في الفتح
(٢٠٤/٧) : وهي الموضع المنخفض بين الترقوتين .
(٤) ((قصه)): أي رأس صدره. فتح الباري (٧/ ٢٠٤).
(٥) في ط : جبرائيل . وفي كل المواضع ، والمثبت من ح وصحيح البخاري .

٣٥١
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل: مرحباً به ، فنعم المجيءُ جاء ففتح ، فلما
خلصتُ إذا إدريس ، قال : هذا إدريس فسلِّم عليه فسلمتُ عليه فردَّ . ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح
والنبيِّ الصالح .
ثم صعِدَ بي حتى أتى السماءَ الخامسة ، فاستفتح قيل : مَنْ هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومَنْ معك ؟
قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم . قيل: مرحباً به، فنعمَ المجيءُ جاء! فلما خلصتُ
إذا هارون ، قال : هذا هارونُ فسلّم عليه . فسلمتُ عليه . فردّ ، ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح والنبيِّ
الصالح .
ثم صعِدَ بي حتى أتى السماءَ السادسة ، فاستفتح ، قيل : مَنْ هذا ؟ قال : جبريل ، قيل ومَنْ معك ؟
قال : محمد . قيل : وقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل: مرحباً به ، فنعم المجيءُ جاء ! فلما خلصتُ
إذا موسى ، قال : هذا موسى فسلِّمْ عليه . فسلمتُ عليه ، فردّ ، ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح والنبيِّ
الصالح . فلماتجاوزتُ بكى ، فقيل له : ما يُبكيك؟ قال : أبكي لأنَّ غلاماً بُعث بعدي يَدخُل الجنةَ من
أمته أكثرُ ممن يدخلُها من أمتي .
ثم صعِدَ بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، قيل : مَنْ هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومَنْ
معك؟ قال : محمد . قيل : وقد بُعثَ إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيءُ جاء ! فلما
خلصتُ إذا إبراهيم ، قال : هذا أبوك إبراهيم فسلِّمْ عليه ، فسلَّمت عليه ، فرد السلام ثم قال : مرحباً
بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح .
ثم رُفعتْ لي ◌ِدْرَةُ المُنْتَهَى، [ فإذا نَبِقُها مثل قِلالِ هَجَر ، وإذا ورقُها مثلُ آذان الفِيَلَة . قال : هذه
سِدْرَة المنتهى ﴾(١) وإذا أربعةُ أنهار ؛ نهرانٍ ظاهران ، ونهرانٍ باطنان، فقلتُ: ما هذا٢) ، يا جبريل ؟
قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ؛ وأمَّا الظاهرانِ فالنيلُ والفرات ، ثم رُفع لي البيتُ المعمور - [ يدخله
كلَّ يوم سبعون ألف ملك (٣) - ثم أُتيت بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لَبَن وإناءٍ من عَسَل ، فأخذتُ اللََّن ،
فقال : هي الفطرة التي أنت عليها وأُمَّتُك. ثم فرضت على الصلاة خمسينَ صلاة٤) كلَّ يوم ، فرجعتُ
فمررتُ على موسى فقال : بما٥) أُمِرت ؟ قال : أُمرتُ بخمسين صلاة كلَّ يوم . قال : إنَّ أمتك
لا تستطيعُ خمسينَ صلاةً كل يوم ، وإني والله قد جرَّبتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ
(١) ما بين المعقوفين سقط من ط وهو مثبت من ح وصحيح البخاري .
(٢) في فتح الباري: ((ما هذان)).
(٣) ما بين المعقوفين ليس في صحيح البخاري ، وهو زيادة من رواية الكشميهني أشار لها ابن حجر في الفتح
(٢١٥/٧) .
(٤) في ح ، ط : ثم فرض علي الصلوات خمسون ، والمثبت من الفتح .
(٥) إثبات ألف ما المجرورة قليل شاذ، وجائز في بعض لغة العرب، انظر الخزانة (٩٩/٦).

٣٥٢
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
المعالجة ؛ فارجعْ إلى ربّك فاسْأَلْهُ التخفيفَ لأمتك . فرجعتُ ، فوضع عني عشراً . فرجعتُ إلى موسى
فقال مثله ، فرجعتُ فوضعَ عني عشراً . فرجعتُ إلى موسى فقال مثله ، فرجعتُ فوضع عني عشراً .
فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعتُ فأُمرت بعشر صلواتٍ كل يوم ، فرجعت ، فقال مثله فرجعتُ
فأُمرتُ بخمس صلواتٍ كلَّ يوم، فرجعتُ إلى موسى فقال: بمُ(١) أمرت؟ فقلت : أمرت بخمس
صلواتٍ كلَّ يوم. قال: إنَّ أُمَّتَك لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كلَّ يوم ، وإِنِّي قد جرَّبتُ الناسَ قبلك
وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجة ، فارجِعْ إلى ربّك فاسأله التخفيفَ لأَمتك . قال : سألتُ ربِّي حتى
استحيَّيْتُ، ولكنْ أرضى وأُسَلِّم . قال : فلما جاوزتُ نادَى منادٍ : أمضَيْتُ فريضتي ، وخفَّفْتُ عن
عبادي )) .
هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا . وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم والترمذي
والنسائي من طرق ، عن قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة(٢) .
ورويناه من حديث أنس بن مالك ، عن أبي بن كعب ، ومن حديث أنس عن أبي ذر . ومن طرقٍ
كثيرة، عن أنس ، عن النبي ◌َّ. وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطُرقِه وألفاظِه في التفسير(٣) ، ولم يقع في
هذا السياق ذكرُ بيت المقدس ، وكان بعضُ الرواة يحذفُ بعضَ الخبر للعلم به ، أو ينساه ، أو يذكر ما هو
الأهم عنده ، أو يبسط تارةً فيسوقُه كلَّه، وتارة يحدِّث مُخاطِبَه بما هو الأنفعُ له (٤)
ومَنْ جعل كلَّ روايةٍ إسراءٍ على حِدَة كما تقدَّمَ عن بعضهم فقد أبعد جدّاً . وذلك أنَّ كلَّ السياقاتِ فيها
السلامُ على الأنبياء ، وفي كل منها يُعَرِّفه بهم، وفي كلَّها يفرضُ عليه الصلوات . فكيف يمكن أن يدَّعي
تعدُّدَ ذلك ؟ هذا في غاية البُعْد والاستحالة . والله أعلم .
ثم قال البخاري(٥): حدَّثنا الحُميدي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ في
قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىّ أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. قال: هي رُؤْيا عَيْن، أَربها
رسولُ اللهِ وَّ ليلةَ أُسري بهِ إلى بيتِ المقدس؛ والشجرة الملعونةَ في القرآن . قال : هي شجرة
الزَّقُومُ(٦)
(١) في فتح الباري : بما .
(٢) فتح الباري (٣٢٠٧) بدء الخلق باب ذكر الملائكة وفي الأنبياء (٣٣٩٣) و(٣٤٣٠)، وصحيح مسلم (١٦٤)
و(٢٦٤) الإيمان باب الإسراء برسول الله رَئية، وجامع الترمذي (٣٣٤٦) التفسير باب ومن سورة ألم نشرح، وسنن
النسائي (٤٤٨) الصلاة باب فرض الصلاة وذكر اختلاف الناقلين.
(٣) تفسير ابن كثير (٢٣٩/٤) وما بعد عند سورة الإسراء .
في ط : وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده ، والمثبت من ح .
(٥) فتح الباري (٣٨٨٨) مناقب الأنصار باب المعراج.
(٤)
(٦) زادت نسخة ح هنا ما نصه: انفرد به البخاري، وليس كذلك، فقد رواه الترمذي عن ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان به.

٣٥٣
فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات
فصل
ولما أصبح رسول الله وعليه من صبيحة ليلة الإسراء جاءه جبريل عند الزوال فبيَّن له كيفية الصلاة وأوقاتها،
و
وأمرَ رسولَ الله ◌َ يّة أصحابه فاجتمعوا فصلى به جبريل في ذلك اليوم إلى الغد والمسلمون يأتمون بالنبي وَ له
وهو يقتدي بجبريل كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر: ((أَمَّني جبريل عند البيت مرّتين)(١).
فبين له الوقتَيْن الأول والآخِر . فهما وما بينهما الوقت الموسع ، ولم يذكر توسعةً في وقت المغرب .
وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبُرَيدة وعبد الله بن عمرو ، وكلُّها في صحيح مسلم(٢) . وموضع
بسط ذلك في كتابنا الأحكام ولله الحمد .
فأما ما ثبتَ في صحيح البخاري(٣) عن معمر، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : فُرضتِ
الصلاةُ أولَ ما فُرضتْ ركعتَيْن، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَر، وزيدَ في صلاةِ الحَضَر .
وكذا رواهُ الأوزاعي، عن الزهري(٤)، ورواه الشعبي، عن مسروق عنها٥) ؛ وهذا مشكل من جهةٍ أنَّ
عائشة كانتْ تتمُّ الصلاةَ في السفر ، وكذا عثمان بن عفان ، وقد تكلَّمنا على ذلك عند قوله تعالى :
﴿وَإِذَا ضَيْتُمْ فِ آلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ [ النساء: ١٠١] .
قال البيهقي(٦) : وقد ذهب الحسنُ البصريّ إلى أنَّ صلاة الحَضَر أول ما فُرضتْ أربعاً. كما ذكرَهُ
مرسلاً من صلاته وَّ صبيحةَ الإسراء الظهرَ أربعاً، والعصرَ أربعاً، والمغرب ثلاثاً يجهر في الأُوَلَيَيْن
والعشاءَ أربعاً يجهر في الأولَيَيْن ، والصبح ركعتين يَجْهَرُ فيهما . قلت: فلعلَّ عائشةَ أرادتْ أنَّ الصلاةَ
(١) رواه أبو داود في السنن (٣٩٣) الصلاة باب ما جاء في المواقيت، والترمذي في الجامع (١٤٩) الصلاة باب ما جاء
في مواقيت الصلاة ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٣٣ و٣٥٤) وابن خزيمة في صحيحه (٣٢٥) الصلاة باب
ذكر مواقيت الصلاة الخمس ، والدارقطني في السنن (٢٥٨/١) الصلاة باب إمامة جبريل ، وغيرهم.
(٢) يضاف إليها حديث أبي مسعود الأنصاري وهي مروية في صحيح مسلم (٤٢٥/١ - ٤٣٠) الأرقام (٦١٠ - ٦١٤)
كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب أوقات الصلوات الخمس .
(٣) فتح الباري (٣٩٣٥) مناقب الأنصار باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ . وهذه الرواية هي المشار إليها عن معمر.
ولفظها يختلف عن اللفظ الذي ساقه المؤلف وهو من طريق صالح بن كيسان عن عروة به ، وهو في صحيح البخاري
فتح (٣٥٠) الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء ، وهي رواية مسلم في صحيحه (١ - ٦٨٥) صلاة
المسافرين وقصرها باب صلاة المسافرين وقصرها ، وأخرجه مالك في الموطأ (٨) قصر الصلاة في السفر باب قصر
الصلاة في السفر ، والنسائي في السنن (٤٥٤) الصلاة باب كيف فرضت الصلاة .
(٤) وهي رواية النسائي المشار إليها في الحاشية السابقة ، وأخرجه البيهقي بنحوه في الدلائل (٤٠٦/٢).
(٥) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣٠٥) الصلاة باب ذكر فرض الصلوات الخمس من طريق داود بن أبي هند عن
الشعبي به .
(٦) في دلائل النبوة (٢/ ٤٠٧) .

٣٥٤
فصل انشقاق القمر في زمان النبي مصنف
كانتْ قبل الإسراء تكون ركعتين ، ثم لما فُرِضتِ الخمس فُرضت حَضَراً على ما هي عليه ، ورُخِّص في
السفر أنْ يصلي ركعتين كما كان الأمر عليه قديماً ، وعلى هذا لا يَبْقَى إشكال بالكليّة . والله أعلم .
فصل
انشقاق القمر في زمان النبيِّ ◌ِ
وجعل الله آية على صدقِ رسولِ الله ◌َّه فيما جاء به من الهُدَى ودينِ الحق حيث كان وَفْقَ إشارته
الكريمة(١)، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ
وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمٌِ ﴿ وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَ هُمَّ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [ القمر: ١ - ٣ ] وقد أجمع المسلمون
على وقوع ذلك في زمنه بَّه، وجاءَتْ بذلك الأحاديثُ المتواترة، من طُرقٍ متعدِّدة، تفيد القَطْعَ عند مَنْ
أحاط بها ونظر فيها. ونحن نذكرُ من ذلك ما تيسّر إنْ شاء الله، وبه الثقةُ وعليه التُّكْلان. وقد استقصَيْنا(٢)
ذلك في كتابنا التفسير فذكرنا الطُرقَ والألفاظ محرَّرةً ، ونحن نشير هاهنا إلى أطرافٍ من طُرقها ونعزوها
إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته . وذلك مَزْويٌّ عن أنس بن مالك ، وجُبير بن مطعم ، وحُذيفة ،
وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين .
أما أنس فقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا معمر، عن [ الزهري ، عن ] قتادة ، عن
أنس بن مالك قال: سألَ أهلُ مكةَ النبيَّ مَل ◌َ آيَةً، فانشقَّ القمرُ بمكةَ مرَّتَيْن. فقال: ﴿أَفْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴾ .
ورواه مسلم(٤) عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق به . وهذا من مرسلاتِ الصحابة ؛ والظاهر أنه
تلقَّاه عن الجمِّ الغفير من الصحابة، أو عن النبيِّ بَّر ، أو عن الجميع.
وقد روى البخاري ومسلم(٥) هذا الحديث من طريق شَيْبان ؟ زاد البخاري : وسعيد بن أبي عَروبة ،
وزاد مسلم(٦): وشعبة، ثلاثتهم، عن قتادة، عن أنس: أنَّ أهلَ مكة سألوا رسولَ الله وَلِ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً ،
فأراهُم القمرَ شِقَّتَيْنِ ، حتى رأوا حِرَاء بينهما . لفظ البخاري(٧).
(١) في ط : كان ذلك وقت إشارته الكريمة ، والمثبت من ح .
(٢) في ط : تقصينا .
(٣) في المسند (١٦٥/٣) رقم (١٢٦٢٤) وما يأتي بين معقوفين منه.
(٤) في صحيحه (٢٨٠٢) (٤٦) صفات المنافقين وأحكامهم باب انشقاق القمر.
(٥) فتح الباري (٣٦٣٧) المناقب باب سؤال المشركين أن يريهم النبي وَلّ آية. ورواية مسلم هي المشار إليها في الحاشية
السابقة .
(٦) هي رقم (٢٨٠٢) (٤٧) من الكتاب والباب المشار إليه في الحاشية (٤).
(٧) هذا اللفظ في الفتح (٣٨٦٨) مناقب الأنصار باب انشقاق القمر. قال ابن حجر في قوله : حتى يروا حراء بينهما :
أي : بين الفرقتين .

٣٥٥
فصل انشقاق القمر في زمان النبي بخار
وأما جُبير بن مُطْعم، فقال الإمامُ أحمد١): حدَّثنا محمد بن كثير، حدَّثنا سليمان بن كثير ، عن
حصين بن عبد الرحمن ، عن محمد بن جُبير بن مُطْعم ، عن أبيه قال : انشقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ الله
﴿ فصار فِرْقَتين ، فرقة على هذا الجبل ، وفرقة على هذا الجبل . فقالوا : سحرَنَا محمد! فقالوا : إنْ
كان سحَرَنا فإنه لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناسَ كُلَّهم .
تفرَّد به أحمد٢) .
وهكذا رواه ابنُ جرير (٣) ، من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به .
وقد رواه البيهقي(٤) من طريق إبراهيم بن طَهْمان وهُشيم كلاهما عن حُصين بن عبد الرحمن ، عن
جُبير بن محمد بن جُبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن جدِّه به، فزاد رجلاً في الإسناد(٥) .
وأما حُذيفة بن اليمان فروى أبو نعيم في (( الدلائل)(٦) من طريق عن عطاء بن السائب ، عن
أبي عبد الرحمن السلمي . قال : خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن(٧) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ﴾ ألا وإنَّ الساعة قد اقتربتْ، ألا وإنَّ القمرَ قدِ انشقّ [على عهد رسول الله
مَ﴿ ٨٣)، ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذَنَتْ بفراق، ألا وإنَّ اليوم المِضْمارُ(٩) وغداً السِّبَاق١٠ُ). فلما كانت الجمعةُ
الثانية انطلقتُ مع أبي إلى الجُمعة، فحمدَ الله وقال مثله وزاد: ألا وإنَّ السابقَ مَنْ سبقَ إلى الجنةُ(١) .
فلما كنّاً في الطريق قلتُ لأبي : ما يعني بقوله : غداً السباق ؟ قال : مَنْ سبَقَ إلى الجنة .
(١) في المسند (٨١/٤ - ٨٢).
(٢) وإسناده ضعيف لانقطاعه ، فإن حصين بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من محمد بن جبير بن مطعم ، بينهما
جبير بن محمد بن جبير كما سيأتي بعد قليل ، وجبير هذا مجهول . وقد رواه من هذا الوجه: الترمذي (٣٢٨٩)،
والطبراني في الكبير (١٥٥٩)، والبيهقي في الدلائل (٢٦٨/٢). (بشار).
(٣) يعني الطبري في تفسيره (٢٧ /٨٦) في تفسير سورة القمر .
(٤) في الدلائل (٢٦٨/٢) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٧١) في تفسير الاية وقال : أخرجه أحمد وعبد بن
حميد والترمذي وابن جرير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن جبير .
(٥) وهذا هو الأشبه كما بينه الإمام الدار قطني في العلل (٤/ الورقة ١٠٤)، وقال البيهقي: أقام إسناده إبراهيم بن طهمان
وهشيم وأبو كريب والمفضل بن يونس عن حصين .
(٦) أورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٧٢) وقال : أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد
الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال خطبنا حذيفة ... الحديث .
(٧) ليست اللفظة في ح .
(٨) ما بين معقوفين من الدر المنثور .
(٩) في ح والدر المنثور : الضمار ، والمثبت من ط والنهاية لابن الأثير وشرحه فيه : أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق
في الجنة . والمضمار : الموضع الذي تضمَّرُ فيه الخيل ، ويكون وقتاً للأيام التي تضمَّر فيها .
(١٠). إلى هنا في الدر المنثور .
(١١) في ط : الجمعة، والمثبت من ح .

٣٥٦
فصل انشقاق القمر في زمان النبي ◌َ﴾
وأما ابنُ عباس، فقال البخاري(١): حدَّثنا يحيى بن بُكَيْر(٢)، حدَّثنا بكر، عن جعفر، عن عِرَاك بن
مالك ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، عن ابن عباس، قال: إنَّ القمر انْشَقَّ في زمانِ النبيِّ وَلَه.
ورواه البخاري أيضاً ومسلم(٣) من حديث بكر - وهو ابنُ مُضَر(٤) - عن جعفر [ - هو ابن ربيعة - عن
عِرَاك به .
وقال ابنُ جرير(٥): حدّثنا ابن مثنى، حدَّثنا عبد الأعلى، حدَّثنا داود بن أبي هند، عن (٦) ابن
عباس (٧) قوله: ﴿أُقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ () وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمٌِّ﴾. قال : قد
مضى ذلك ، كان قبلَ الهجرة ، انشقَّ القمر حتى رأوا شِقَّيْه .
وهكذا رواهُ العَوْفي عن ابن عباس رضي الله عنه وهو من مرسلاته .
وقال الحافظ أبو نعيم(٨): حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا بكر بن سهل(٩)، حدَّثنا عبد الغني بن
سعيد ، حدَّثنا موسى بن عبد الرحمن ، عن ابن جُريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وعن مقاتل عن
الضحاك، عن ابن عباس في قوله : ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴾، قال ابن عباس: اجتمعَ المشركون
إلى رسولِ اللهِ بَ لّه، منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن
هشام ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، وزَمَعة بن الأسود ، والنضْر بن الحارث ،
ونظراؤهم، فقالوا للنبي بَّ: إنْ كنت صادقاً فشُقَّ لنا القمر فرقتَيْن ، نصفاً على أبي قُبيس ونصفاً على
قُعَيقعان. فقال لهم النبيُّ بِّ: ((إنْ فعلتُ تؤمنوا؟)) قالوا: نعم - وكانت ليلة بَدْر - فسأل اللهَ عزَّ وجل
أنْ يُعطيَهُ ما سألوا، فأمسى القمَرُ قد مَثُلُ(١٠) نصفاً على أبي قُبيس، ونصفاً على قُعَيقِعان، ورسولُ الله ◌ِّ
يُنادي: (( يا أبا سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، اشْهَدُوا)).
(١) فتح الباري (٤٨٦٦) التفسير سورة القمر (٥٤) باب وانشق القمر .
(٢) في ط : يحيى بن كثير، وهو تصحيف ، والمثبت من ط وصحيح البخاري في الفتح .
(٣) فتح الباري (٣٨٧٠) مناقب الأنصار باب انشقاق القمر، وصحيح مسلم (٢٨٠٣) (٤٨) صفات المنافقين وأحكامهم
باب انشقاق القمر .
(٤) في ح، ط: ابن نصر، وهو تصحيف، والمثبت من صحيح البخاري ومسلم وترجمته في تهذيب الكمال (٧/ ٢٢٧).
(٥) يعني الطبري في تفسيره (٢٧ /٨٦) في تفسير سورة القمر.
(٦) كذا في ح ، وزادت مطبوعة تفسير الطبري : عن علي قبل ابن عباس ، وأظنه تصحيفاً ، والصواب : عن داود بن
أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .
(٧) ما بين المعقوفين سقط من ط وهو مثبت في ح .
(٨) في دلائل النبوة (٣٦٨/١) وإسناده ضعيف لضعف بكر بن سهيل، وشيخه عبد الغني بن سعيد الثقفي (الميزان
٦٤٢/٢) .
(٩) في ط : سهيل ، تصحيف ، والمثبت من ح ودلائل أبي نعيم ، وترجمته في الميزان ولسان الميزان .
(١٠) في ح: فانشق القمر نصفاً ... وفي ط: فأمسى القمر قد سلب نصفاً ... ، والمثبت من دلائل النبوة لأبي نعيم.

٣٥٧
فصل انشقاق القمر في زمان النبي رسَايلر
ثم قال أبو نعيم(١): وحدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا الحسن بن العباس الرازي ، عن الهيثم بن
النعمان(٢) ، حدَّثنا إسماعيل بن زياد ، عن ابن جُريج ، عن عطاء عن ابن عباس ، قال : انتهى أهلُ مكة
إلى رسولِ الله وَّ فقالوا: هل من آيةٍ نعرف بها أنك رسولُ الله ؟ فهبط جبرائيل فقال: يا محمد ، قل
الأهل مكَّةَ أَنْ يحتفلوا هذه الليلة فسَيَرَوْا آيةً إن انتفعوا بها. فأخبرهم رسولُ الله ◌ِ لَه بمقالة جبرائيل فخرجوا
[ ليلة الشق (٣) ، ليلة أربعَ عشرة، فانشقَّ القمرُ بنصفَيْن، نصفاً على الصَّفَا ونصفاً على المَرْوَة ،
فنظروا، ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها ، ثمَّ أعادوا النظر فنظروا، ثمَّ مسحوا أعينهم ثمَّ نظروا ، فقالوا :
يا محمد ما هذا إلا سحرٌ ذاهب(٤) فأنزل الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ اُلْقَمَرُ﴾.
ثمّ روى(٥) عن الضحاك، عن ابن عباس قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسولِ اللهِوَّهِ فقالوا: أرِنا آيةً
حتى نؤمن بها . فسأل ربَّهُ فأراهم القمرَ قدِ انشق فصار نصفين(٦) أحدهما على الصَّفَا، والآخر على
المَزْوَة، قَدْرَ ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثمَّ غاب. فقالوا : هذا سحرٌ مستمر(٧).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني(٨): حدَّثنا أحمد بن عمرو البزَّار(٩)، حدَّثنا محمد بن يحيى
القُطَعي ، حدَّثنا محمد بن بكر ، حدَّثنا ابن جُريج ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابنِ عباس ،
قال : كَسَفَ القمَرُ على عهد رسولِ اللهِ وََّ فقالوا: سحر القمر. فنزلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ
الْقَمَرُ ﴿ وَ إِن يَرَوْءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ [القمر: ١ -٢].
وهذا إسنادٌ جَيِّد، وفيه أنه كَسَف تلك الليلة ، فلعلَّه حصل له انشقاقٌ في ليلةٍ كُسوفه ، ولهذا خَفِيَ
أمْرُه على كثيرٍ من أهل الأرض ، [ ولعلَّ ذلك في بعض ليالي الشتاء حيث يكون أكثر الناس في البيوت ،
أو ستره غَيْمٌ عن كثير من الأرض }١٠) ، ومع هذا قد شوهد ذلك في كثيرٍ من بقاعِ الأرض .
ويقال : إنه أُرِّخِ ذلك في بعضٍ بلاد الهند ، وبُني بناء تلك الليلة وأَرِّخ بليلةِ انشقاق القمر .
(١) ليست هذه الرواية في المطبوع من دلائل النبوة لأبي نعيم ، قال بشار: وإسنادها تالف ، فإسماعيل بن زياد كذاب .
(٢) في ط : العمان . والمثبت من ح ولم أقف على ترجمة له .
(٣) ليس ما بين المعقوفين في ح .
(٤) في ط : واهب . وفي المطبوع بتحقيق عبد الواحد : راهب ، والمثبت من ح .
(٥) يعني أبا نعيم في دلائل النبوة (١/ ٣٦٩).
(٦) في ط : انشق بجزأين . والمثبت من ح .
(٧) في ط : مفترى ، والمثبت من ح والدلائل .
(٨) في المعجم الكبير (١١٦٤٢).
(٩) في ح، ط : الرزاز، وهو تصحيف ، والمثبت من معجم الطبراني وترجمة البزار في سير أعلام النبلاء
(١٣ /٥٥٤) .
(١٠) ما بين المعقوفين مثبت في هامش ح بإشارة لَحَق في المتن .

٣٥٨
فصل انشقاق القمر في زمان النبي صل
وأما ابنُ عمر فقال الحافظ البيهقي(١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي
قالا : حدَّثنا أبو العباس الأصمّ ، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدَّثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ،
عن الأعمش ، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله : ﴿ أُقْتَّرَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾ قال : وقد كان
ذلك على عهد رسول الله وَله، انشق فِلْقَتَيْنُ(٢)، فِلْقَة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال
النبيُّ ◌ِّهِ: ((اللهمَّ اشْهَدْ)).
رواه مسلم والترمذي من طرق (٣)، [ عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد }٤) ، به .
قال مسلم(٥) : كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود .
وقال الترمذي(٦) : هذا حديثٌ حسن صحيح .
وأما عبد الله بن مسعود فقال الإمام أحمد (٧) : حدَّثنا سفيان ، عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد ، عن
أبي معمر، عن ابن مسعود، قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله وَلَّ شقتَيْن حتى نظروا إليه، فقال
رسولُ اللهِ وَ خَلَّهِ: ((اشهدوا)).
وهكذا أخرجاه(٨) من حديث سفيان - وهو ابنُ عيينة - به .
ومن(٩) حديث الأعمش، عن إبراهيم ، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود: ١) قال : انشقَّ القمرُ
ونحنُ مع رسولِ اللهِ وَّرَ بمنى، فقال النبيُّ وَ الَ: ((اشهَدُوا)) وذهبَتْ فِرْقَةٌ نحو الجبل. ( لفظ
(١) في الدلائل (٢/ ٢٦٧) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٧١) فقال : وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن
المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل ... فذكر الحديث .
(٢) لفظ الدر المنثور: فرقتين ... فرقة ... وفرقة.
(٣) صحيح مسلم (٢٨٠١) صفات المنافقين وأحكامهم باب انشقاق القمر، وجامع الترمذي (٢١٨٢) في الفتن،
و(٣٢٨٨) في التفسير تفسير سورة القمر.
(٤) ما بين المعقوفين سقط من ط واستعيض عنه بلفظ: به وهو مثبت في ح .
(٥)
يعني أنه ساق الإسناد ثم قال: مثل ذلك. صحيح مسلم (٢٨٠١)، وحديث ابن مسعود برقم (٢٨٠٠).
(٦) يعني بعد رواية الحديث رقم (٢١٨٢).
(٧) في المسند (١/ ٣٧٧) رقم (٣٥٨٣) .
(٨) يعني البخاري ومسلم، فتح الباري (٣٦٣٦) المناقب باب سؤال المشركين أن يريهم النبي وَ ل و آية. وصحيح مسلم
(٢٨٠٠) (٤٣) صفات المنافقين باب انشقاق القمر.
(٩) فتح الباري (٣٨٦٩) مناقب الأنصار باب انشقاق القمر، وصحيح مسلم (٢٨٠٠) (٤٤) صفات المنافقين باب
انشقاق القمر .
(١٠) في ح : عن أبي معمر عن عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود ، وكذا في ط غير: سخبرة . ففيها : سمرة . ويبدو أنه
مقحم من قبل الناسخ فأسقطته وأثبت ما جاء في البخاري ومسلم .

٣٥٩
فصل انشقاق القمر في زمان النبي
البخاري )، ثم قال البخاري: وقال أبو الضُّحَى (١) عن مسروق عن عبد الله (([ انشقَّ] بمكة)). وتابعه
محمد بن مسلم عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله رضي الله عنه .
وقد أسند أبو داود الطيالسي حديثَ أبي الضُّحى عن مسروق [ ذلك في ((مسنده(٢) )) فقال : حدثنا
أبو عوانة عن المغيرة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق (٣) ، عن عبد الله بن مسعود . قال : انشقَّ القمر
على عهدِ رسولِ الله ◌ِّه، فقالت قريش: هذا سِحْرُ ابنِ أبي كبشة، فقالوا: انظرو(٤) ما يأتيكم به
السُّفَّار ، فإنَّ محمداً لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناسَ كلَّهم . قال : فجاء السُّفَّار فقالوا ذلك .
وقال البيهقي(٥): أخبرنا أبو عبد الله الحاخظ، [ ثنا أبو العباس ]٦)، حدَّثنا العباسُ بن محمد
الدُّوريّ ، حدَّثنا سعيد بن سليمان ، حدَّثنا هُشيم ، حدَّثنا مغيرة ، عن أبي الضُّحَى ، عن مسروق ، عن
عبد الله ، قال : انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فِرْقَتَيْن ، فقال كفَّار قريش لأهل مكة : هذا سِحْر ، سحركم به
ابنُ أبي كَبْشَة ، انظروا السُّفَّار ، فإنْ كانوا رأَوْا ما رأيتم فقد صدق ، وإن كانوا لم يرَوْا مثل ما رأيتم فهو
سِحْرٌ سحركم به . قال: فسُئل السُّفَّار، قال: وقد وقدِموا من كلِّ وجهةً(٧) ، فقالوا : رأينا .
وهكذا رواه [ ابنُ جرير(٨) من حديث المغيرة، وزاد: فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ
اٌلْقَمَرُ﴾.
رواهُ}(٩) أبو نعيم من حديث جابر(١٠) عن الأعمش، عن أبي الضُّحى ، عن مسروق عن عبد الله ،
به .
وقال الإمام أحمد(١١): حدَّثنا مؤمّل، حدَّثنا إسرائيل ، عن سماك، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن
عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ اللهِوَ ◌ّ حتى رأيتُ الجبل من بينِ فُرْجتَي القمر.
(١) في ط : أبو الضحاك . تصحيف ، والمثبت من ح وصحيح البخاري ، وما سيأتي بين معقوفين منه.
(٢) في مسنده (٢٩٥) .
(٣) ما بين المعقوفين سقط من ط وهو في ح .
(٤) في مسند أبي داود : انتظروا .
(٥) في الدلائل (٢٦٧/٢).
(٦) ليس ما بين المعقوفين في دلائل البيهقي .
(٧) في الدلائل : وجه .
(٨) يعني الطبري في تفسيره (٨٥/٢٧) تفسير سورة القمر.
(٩) ما بين المعقوفين سقط من ط وهو مثبت في ح .
(١٠) في ح : جرير . وأثبت ما في ط ، وليست هذه الرواية فيما طبع من دلائل أبي نعيم ، وقد روى كل من جابر بن نوح
الحماني وجرير بن حازم وجرير بن عبد الحميد عن الأعمش ، فالله أعلم أيهم المقصود في هذه الرواية . وترجمة
الأعمش في تهذيب الكمال (١٢ / ٧٦ - ٩١).
(١١) في المسند (٤١٣/١).

٣٦٠
فصل انشقاق القمر في زمان النبي رَ
وهكذا رواه ابنُ جرير(١) من حديث أسباط ، عن سماك به .
وقال الحافظ أبو نعيم (٢): حدَّثنا أبو بكر الطَّلْحي، حدَّثنا أبو حَصِين محمد بن الحسين الوادِعي،
حدَّثنا يحيى الحِمَّاني ، حدَّثنا يزيد ، عن عطاء ، عن سماك ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله
قال: كنَّا مع النبيِّ وَهَ بمنى فانشقَّ القمر، حتى صار فِرْقَتَيِّن فتوارت، فِرْقةٌ خَلْف الجَبَل، فقال النبيُّ
وَ ل: ((اشهدوا، اشهدوا)(٣) .
وقال أبو نعيم(٤) : حدَّثنا سليمان بن [ أحمد ، حدَّثنا جعفر بن محمد القلانسي ، حدَّثنا آدم بن
أبي إياس ، حدثنا الليث بن ]°) سعد ، حدَّثنا هشام بن سعد ، عن عتبة ، عن عبد الله بن عتبة ، عن ابن
مسعود ، قال : انشقَّ القمَر ونحن بمكّة، [ فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن
بمكة ](٥) .
وحدَّثنا٦) أحمد بن إسحاق ، حدَّثنا أبو بكر بن أبي عاصم ، حدَّثنا محمد بن حاتم ، حدَّثنا
معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زِرّ ، عن عبد الله ، قال : انشقَّ القمرُ بمكَّة ، فرأيتُه
فِرْقَتَيْن .
ثم روى(٤) من حديث علي بن سعيد بن مسروق ، حدَّثنا موسى بن عمير ، عن منصور بن المعتمر ،
عن زيد بن وهب ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : رأيتُ القمرَ واللهِ منشقاً باثنتَيْن بينهما حِرَاء .
وروى أبو نعيم(٤) من طريق الشُّدِّي الصغير ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . قال :
انشقَّ القمر فِلْقَتَيْن . فِلْقَةٌ ذهبَتْ ، وفلقةٌ بقيتْ . قال ابنُ مسعود : لقد رأيتُ جبلَ حِرَاء بين فِلْقَتي القمر ،
فذهبَتْ فِلْقَة . فتعجَّب أهلُ مَكَّة من ذلك وقالوا : هذا سحرٌ مصنوع، سيذهب . وقال ليث بن
أبي سُليم، عن مجاهد. قال: انشقَّ القمَرُ على عهدِ رسولِ الله وَ ل﴿ فصار فرقتَيْن، فقال النبيُّ رِيُّ
لأبي بكر : (( اشْهَدُ(٧) يا أبا بكر )). وقال المشركون: سحرَ القمرَ حتى انشقَّ.
فهذه طرقٌ متعدِّدةٌ ، قويّةُ الأسانيد ، تفيد القَطْع لمن تأمَّلها وعرف عدالة رجالها . وما يذكره بعضُ
القُصَّاص من أنَّ القمر سقط إلى الأرض حتى دَخَلَ في كُمِّ النبيِّ وَِّ وخرج من الكُمِّ الآخر فلا أصلَ له ،
(١) يعني الطبري في تفسير سورة القمر التفسير (٨٥/٢٧).
(٢) ليست هذه الرواية فيما طبع من دلائل أبي نعيم ، وقد ذكرها السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٧١) فقال: وأخرج ابن
مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق علقمة عن ابن مسعود ... فذكر الحديث .
(٣) في الدر المنثور : اشهدوا مرة واحدة .
(٤) لم أجد هذه الرواية فيما طبع من الدلائل ولا في الدر المنثور .
(٥) ما بين المعقوفين ليس في ح .
(٦) القائل أبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٦٧).
(٧) في ط : فاشهد، والمثبت من ح .