Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ذكر نقض الصحيفة فصل كلُّ هذه القصص ذكرها ابنُ إسحاق معترضاً بها بين تعاقُّدٍ قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصْرهم إياهم في الشعب ، وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها ، وهي أمورٌ مناسبة لهذا الوقت ، ولهذا قال الشافعيُّ رحمه الله : من أراد المغازي فهو عيالٌ على ابن إسحاق . ذكر نقض الصحيفة قال ابن إسحاق(١) : هذا وبنو هاشم ، وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها ، ثمَّ إنَّه قام في نقضِ الصحيفة نفرٌ من قريش، ولم يُبْلِ فيها أحدٌ أحسنَ من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبَيْبٍ(٢) بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي ، وذلك أنه كان ابنَ أخي نَضْلَة بن هاشم بن عبد مناف لأُمه ، وكان هشام لبني هاشم واصلاً ، وكان ذا شرفٍ في قومه ، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشّعْب ليلاً ، قد أوقره طعاماً ، حتى إذا بلغ به فمَ الشّعْب خلَع خِطَامه من رأسه ثم ضرب على جَنْبَيْهِ فدخل الشعبَ عليهم . ثم يأتي به قد أوقره بزّ(٣) فيفعل به مثل ذلك . ثم إنَّه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر(٤) بن مخزوم ، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب . فقال : يا زهير ، أقد رضيتَ أنْ تأكلَ الطعام وتلبس الثياب وتَنْكِحَ النساء وأخوالُك حيثُ علمتَ لا يُباعون ولا يُبتاع منهم، ولا يَنكحون ولا يُنكح إليهم؟ أمَا إنِّي أحْلِفُ بالله لو كانوا أخوالَ أبي الحكم بن هشام ثم دعوتَهُ إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبداً . قال : ويحك يا هشام ، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجلٌ واحد ، والله لو كان معي رجلٌ آخر لقمتُ في نَقْضِها . قال : قد وجدت رجلاً ، قال : مَنْ هو ؟ قال : أنا . قال له زهير : ابْغِنَا ثالثاً . فذهب إلى المُطْعِم بن عدي فقال له : يا مُطْعِم أقد رضيتَ أن يَهْلِكَ بَطْنان من بني عبد مناف وأنت شاهدٌ على ذلك موافق لقريش فيه ، أما (١) السير والمغازي (ص١٦٥) وسيرة ابن هشام (٣٧٤/١) - واللفظ له - والروض (١٢٢/٢). (٢) اختلف في ضبطه: حُبَيْب بياء مخففة أم: حُبَيِّب بالتثقيل. انظر الإكمال (٢٩٥/٢) وحاشية المعلمي اليماني عليه رقم (٣) ص (٢٩٦، ٢٩٧) . (٣) قال السهيلي في الروض : (١٢٧/٢): بزاً، بالزاي المعجمة ، وفي غير نسخة الشيخ أبي بحر : براً ؛ وفي رواية يونس : بزاً أو براً على الشك من الراوي . (٤) في ح ، ط : عمرو ، والمثبت من السير والمغازي وسيرة ابن هشام . ٣٢٢ ذكر نقض الصحيفة والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدُنَّهم إليها منكم سراعاً، قال : ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجلٌ واحد ، قال : قدْ وجدتُ لك ثانياً . قال : مَنْ ؟ قال أنا ؟ قال : ابْغِنَا ثالثاً. قال : قد فعلتُ . قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية . قال : ابْغِنا رابعاً . فذهب إلى أبي البَخْتَرِيِّ بن هشام فقال نحو ما قال للمُطْعِم بن عَدِي ؛ فقال : وهل تجد أحداً يُعينُ على هذا؟ قال : نعم . قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية والمُطْعِم بن عَدِيّ وأنا معك. قال : ابْغِنَا خامساً . فذهب إلى زَمَعَةَ بنِ الأسودِ بن المطلب بن أسد فكلَّمه وذكر له قرابتَهم وحقَّهم . فقال له : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه مِنْ أحد؟ قال: نعم. ثم سمَّى القوم. فاتعدوا خَطْمَ الحَجُون (١) ليلاً بأعلى مكة . فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقُضُوها . وقال زهير : أنا أبدؤكم فأكون أوَّلَ مَنْ يتكلّم . فلما أصبحوا غدَوْا إلى أنديتهم ، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حُلَّةِ ، فطاف بالبيت سبعاً ثمّ أقبل على الناس فقال : يا أهل مكة ، أنأكلُ الطعامَ ، ونَلْبَسُ الثياب ، وبنو هاشم هَلْكَى لا يبتاعونَ ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفةُ القاطعة الظالمة . قال أبو جهل - وكان في ناحيةِ المسجد - : والله لا تُشَقّ. قال: زَمَعَةُ بن الأسود : أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابَها حين كُتبت . قال أبو البَخْتَري : صدق زَمَعة، لا نرضى ما كُتب فيها ولا نُقِرُّ به . قال المُطْعِم بن عدي: صدقتما وكذبَ مَنْ قال غيرَ ذلك، نبرأُ إلى الله منها ومما كُتب فيها . قال هشام بن عمرو نَحْواً من ذلك . قال أبو جهل : هذا أمْرٌ قد قُضِيَ بليل ، تُشوور فيه بغير هذا المكان ، وأبو طالب جالسٌ في ناحيةِ المسجد ، وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقَّها فوجد الأرَضَة قد أكلَتْها إلا (( باسمكَ اللهمّ)) وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة ، فشَلَّتْ يدُهُ فيما يزعمون . قال ابن هشام(٢): وذكر بعضُ أهل العلم أنَّ رسولَ الله وَّل قال لأبي طالب: (( يا عم ، إنَّ الله قد سلَّط الأرَضَة على صحيفةِ قريش ، فلم تدَعْ فيها اسماً هو الله إلا أثبتَتْه فيها ، ونفت منها الظُّلم والقطيعة والبُهْتان)). فقال: أَرَبُّك أخبرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: فوالله ما يدخل عليك أحد. ثمَّ خرج إلى قريش فقال : يا معشر قريش، إنَّ ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا ، فهلمَّ صحيفتكم ، فإنْ كانتْ كما قالوا فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها ، وإنْ كان كاذباً دفعتُ إليكم ابنَ أخي . فقال القوم : قد رَضِينا . فتعاقدوا على ذلك ، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسولُ الله ◌ِ ◌ّل﴿ فزادهم ذلك شرّاً، فعند ذلك صنع الرَّهْطُ من قريش في نَقْض الصحيفة ما صنعوا . (١) ((الحجون)): جبل بأعلى مكة عند مدافن أهلها، وقال السكري: مكان من البيت على ميل ونصف. وقال الأصمعي : الحجون هو الجبل المشرف الذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين . معجم البلدان (٢٢٥/٢) وخطمُه : مقدمة أنفه ، اللسان ( خطم ) . (٢) سيرة ابن هشام (١/ ٣٧٧) والروض (١٢٤/٢). ٣٢٣ ذكر نقض الصحيفة قال ابن إسحاقُ(١) : فلما مُزِّقتْ وبطلَ ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمْر أولئك القوم الذين قاموا في نَقْض الصحيفةِ يمدحُهم : [ من الطويل ] ألا هل أتَى بَحْرِيَّنا صُنْعُ ربّنا فيُخبِرَهم أنَّ الصحيفة مُزِّقت تراوحها إنْكٌ وسِحْرٌ مجمَّع تداعى لها مَن ليس فيها بقرقٍ وكانت كفاءً وقعةً بأثيمةٍ ويظعنُ أهل المَكَّتين فيهربوا ويترك حرَّاثٌ يقلِّب أمْرَهُ [ وتصعد بين الأخشبَيْنِ كتيبةٌ فمَنْ ينْشَ من حُضَّارٍ مكةَ عِزَّةً نشأنا بها والناسُ فيها قلائلٌ على نأيهم واللهُ بالناسِ أزْوَدُ(٢) وأنْ كلُّ ما لم يرضهُ اللهُ مُفْسَدُ ولم يُلْفَ سِحْر آخرَ الدهرِ يصعدُ(٣) فطائرُها في رأسِها يتردّد٤ُ) ليُقطعُ منها ساعدٌ ومقلَّدُ(٥) فرائصُهم من خشيةِ الشرِّ تُرْعَدُ أَيْهِمُ فيهم عندَ ذاك ويُنْجِدُ(٦) لها حُدُجُ سَهْمٌ وقَوْسٌ ومِزْهَدُ }(٧) فعزّتنا في بطنٍ مَّة أتلد(٨) فلم نتفكِكْ نزدادُ خيراً ونُحمدُ (١) السير والمغازي (ص١٦٧) وسيرة ابن هشام (٣٧٧/١) والروض (١٢٤/٢). (٢) قال السهيلي في الروض (١٢٨/٢): بحريَّنا: يعني الذين بأرض الحبشة نسبهم إلى البحر لركوبهم إياه ... أرود: أي أرفق ؛ ومنه : رويدك ، أي رفقاً ، جاء بلفظ التصغير لأنهم يريدون به تقليلاً ؛ أي أرفق قليلاً ، اهـ . (٣) في ح : ترى أوجهاً ، وفي السيرة والمغازي : تداعى لها ، وفي ح ، ط : يلف سحراً . والمثبت من سيرة ابن هشام والروض . (٤) ((من ليس فيها بقرقر)): أي ليس بذليل، لأن القرقر: الأرض الموطوءة التي لا يمنع سالكها، ويجوز أن يريد به: ليس بذي هزل ، لأن القرقرة الضحك . وقوله : وطائرها في رأسها يتردد : اي حظها من الشؤم والشر ، وفي التنزيل: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ،﴾ . (٥) في سيرة ابن هشام والروض : رقعة بأثيمة . في ط : أيتهم فيها . والمثبت من ح والسيرة والروض . (٧) سقط البيت من ح ويبدو أنه سقط من المصرية أيضاً لأنه وضع بين معقوفين في ط . وأثبتناه من السيرة والروض ، (٦) وشرحه السهيلي (١٢٨/٢) نقلاً عن حاشية الكناني بقوله: لعل ((حُدُج)) بضم الحاء والدال جمع ((حِدْج)) وهو من مراكب النساء ونظير سِتْر وسُتُر ، فيكون المعنى : إن الذي يقوم لها مقام الحدُج سهم وقوس ومرهد . ثم قال : وفي العين : الحَدْج : حسك القطب ما دام رطباً ، فيكون الحدج في البيت مستعاراً من هذا ، أي لها حسك ، ثم فسره فقال : سهم وقوس ومِزْهد ، وهكذا في الأصل بالراء وكسر الميم ، فيحتمل أن يكون مقلوباً من مرهد : مفعل من رهد الثوب إذا مزقه ، ويعني به رمحاً أو سيفاً ، ويحتمل أن يكون غير مقلوب ، ويكون من الرهيد ، وهو الناعم ، أي ينعم صاحبه بالظفر . وفي بعض النسخ : مزهد بفتح الميم والزاي ، فإن صحت الرواية به فمعناه : مزهد في الحياة وحرص على الممات . والله أعلم . اهـ . (٨) في السيرة والروض : مكة عزُّه . ٣٢٤ ذكر نقض الصحيفة ونُطِعِمُ حتى يتركَ الناسُ فضلَهم جزى الله رهطاً بالحَجُون تجمّعو(٢) قعوداً لدى خَطْم الحجُونِ كأنهم أعانَ عليها كلُّ صقرٍ كأنه جَرِيءٌ على جَلّ(٥) الخطوبِ كأنه من الأكرمينَ من لؤيٍّ بن غالبٍ طويلُ النِّجادِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ عظيمُ الرمادِ سيّدٌ وابنُ سيّدٍ ويبني لأبناءِ العشيرةِ صالحاً ألظَّ بهذا الصلحِ كلُّ مُبَوَّ(٧) قضوا ما قضوا في ليلِهِم ثم أصبحوا همُ رجعوا سهلَ بن بيضاءَ راضياً متى شُركَ الأقوامُ في حلِّ أمرنا وكنّا قديماً لا نُقِرُ ظَلامةً فيالَ قُصَيِّ هل لكُم في نفوسِكم فإني وإياكُم كما قالَ قائلٌ إذا جَعلت أيدي المُفيضينَ تُرعَد(١) على مَلِأٍ يَهدي لحزم ويُرشد مَقَاولةٌ بل هم أعزُّ وَأمجدٌ(٣) إذا ما مشى في رَفْرَفِ الدِّرْعِ أحْرَهُ(٤) شهابٌ بكفَّيْ قابسٍ يتوقَّدُ إذا سيمَ خسفاً وجهُه يتربَّدٌ(٦) على وجهه يَسقي الغمامُ ويُسْعِدُ يحُضُّ على مقرى الضيوفِ ويحشِدُ إذا نحنُ طُفنا في البلادِ ويمهَدُ عظيم اللواءِ أمرُه ثمّ يُحمدُ على مَهَلٍ وسائرُ الناسِ رُقَّدُ وسُرَّ أبو بكرٍ بها ومحمَّد وكنّا قديماً قبلَها نتودَّ(٨) وندركُ ما شِئنا ولا نتشدَّدُ وهلْ لِكُمُ فيما يجيءُ به غَدُ لديكَ البيانُ لو تكلّمتَ أسودٌ(٩) (١) (( ترعد)): يعني أيدي المفيضين بالقداح في الميسر ، وكان لا يفيض معهم في الميسر إلا سخي ... يريد أبو طالب إنهم يطعمون إذا بخل الناس . والميسر هي الجزور التي تقسم؛ يقال: يسرت إذا قسمت. الروض (١٢٩/٢). (٢) في السيرة والروض : تبايعوا. (٣) مضى شرح المقاول (ص ٢٦٢ ١). وخطم الحجون (ص٣٢٢ ح١). (٤) (( رفرف الدرع)): فضولها ، وقيل في معنى : رفرف خضر : فضول الفرش والبسط ، وهو قول ابن عباس ، وعن علي أنها المرافق ، وعن سعيد بن جبير : الرفارف رياض الجنة . والأحرد : الذي في مشيه تثاقل ، وهو من الحَرَد ، وهو عيب في الرِّجل . (٥) في السيرة والروض : جُلَى . (٦) في حٍ : ابن لؤي . (٧) ((ألظّ)): من الإلظاظ، وهو الإلحاح كما في مختار الصحاح (لظظ)، وفي ط والسيرة والروض: كل مبرّأ. والمثبت من ح . (٨) في السيرة والروض : جل أمرنا بالجيم ، وتقرأ في ح : متى يشرك لكنها من غير نقط . (٩) ((أسود)): اسم جبل كان قد قتل فيه قتيل، فلم يعرف قاتله ، فقال أولياء المقتول هذه المقالة ، فذهبت مثلاً . الروض (١٢٩/٢). وقد زادت (ط) بعد هذا البيت ما نقلتُه هنا عن السهيلي في الروض ، وزادت فيه قوله : أي يا أسود لو تكلمت لأبنت لنا عمن قتلته . ٣٢٥ ذكر نقض الصحيفة ثمَّ ذكر ابن إسحاق (١) شعر حسان يمدحُ المُطْعِمَ بن عديّ، وهشامَ بن عمرو لقيامهما في نقضِ الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة . وقد ذكر الأموي هاهنا أشعاراً كثيرة اكتفينا بما أوردَهُ ابنُ إسحاق . وقال الواقدي : سألتُ محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز : متى خرج بنو هاشم من الشعب ؟ قالا : في السنة العاشرة - يعني من البعثة - قبل الهجرة بثلاث سنين . قلت : وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عمُّ رسولِ الله وَلَه ، وزوجتُه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كما سيأتي بيانُ ذلك إن شاء الله تعالى . فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله بعد إبطال الصحيفة قصصاً كثيرة تتضمَّنُ نَصْبَ عداوة قريش الرسولِ اللّه ◌ُّ﴾، وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحجِّ أو عمرة أو غير ذلك منه، وإظهار الله المعجزاتِ على يديه دلالةً على صدقه فيما جاءهم به من البيناتِ والهدى ، وتكذيباً لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع ، ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقوُّل، واللهُ غالبٌ على أمره ، فذكر قصةً الطفيل بن عمرو الدَّوْسي مرسلةُ(٢) ، وكان سيداً مطاعاً شريفاً في دَوْس ، وكان قد قدم مكة فاجتمع به أشرافُ قريش وحذَّروه من رسول الله بَّهِ ونهَوْهُ أن يجتمع به أو يسمع كلامه ؛ قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمعَ منه شيئاً ولا أكلِّمه ، حتى حشَوْتُ أُذنيَّ حين غدوتُ إلى المجسد كُرْسُفا٣ً) ، فَرَقاً من أنْ يبلُغَني شيءٌ من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه . قال : فغدوتُ إلى المسجد فإذا رسولُ الله ◌َيَ قائمٌ يُصلِّي عند الكعبة؛ قال: فقمتُ منه قريباً فأبَى اللهُ إلا أن يُسمعَني بعضَ قوله ، قال : فسمعتُ كلاماً حسناً . قال : فقلتُ في نفسي: واثكل أُمّي ، والله إني لرجلٌ لَبِيبٌ شاعر ما يَخْفَى عليَّ الحسَنُ من القبيح ، فما يمنعُني أن أسمعَ من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلتُه ، وإنْ كان قبيحاً تركته . قال : فمكثتُ حتى انصرفَ رسولُ اللهِ وَّه إلى بيته فاتبعتُهُ، حتى إذا دخل بيته دخلتُ عليه فقلت : يا محمد، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - قال: فوالله ما بَرِحوا بي يُخَوِّفونني أمرَك حتى سددتُ أُذنيَّ بِكُرْسُفٍ لئلا أسمع قولك ، ثم أبَى اللهُ إلا أن يُسمعني قولك، فسمعتُ قولاً حسناً ، فاعرضْ عليَّ أمرك. قال: فعرض عليَّ رسولُ اللهُ بَّهِ الإسلام وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعتُ قولاً قطُ (١) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٠) والروض (١٢٥/٢). (٢) سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٢) والروض (١٣٠/٢). (٣) ((الكرسف)): القطن . النهاية لابن الأثير ( كرسف). ٣٢٦ ذكر نقض الصحيفة أحسنَ منه ، ولا أمراً أعدلَ منه . قال : فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحق وقلت : يا نبيَّ الله ، إني امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وأنا ١) راجعٌ إليهم وداعيهم إلى الإسلام ، فادعُ اللهَ أنْ يجعلَ لي آيةً تكونُ لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه . قال فقال: (( اللهمّ اجعلْ له آية)) . قال : فخرجتُ إلى قومي ، حتى إذا كنت بثنيَّةٍ تطلعُني على الحاضِر(٢) ، وقع بين عينيّ نورٌ مثلُ المِصْباح . قال فقلت : اللهمَّ في غير وَجْهي ، فإني أخشى أن يظنُّوا أنَّها٣) مثلة وقعَتْ في وجهي لفراقي دينَهم . قال : فتحوَّل فوقع في رأسِ سَوْطي قال : فجعل الحاضرُ يتراءَوْن ذلك النورَ في رأس سَوْطي كالقنديل المعلَّق وأنا أتهبَّطُ(٤) عليهم من الثنيَّة حتى جئتهم فأصبحت فيهم . فلما نزلتُ أتاني أبي - وكان شيخاً كبيراً - فقلت : إليك عني يا أبة فلستُ منك ولستَ مني . قال : ولمَ يا بني؟ قال: قلت: أسلمتُ وتابعتُ دين محمد بَّله قال: أي بني، فدينك ديني(٥). فقلت: فاذهبْ فاغتسلْ وطهِّرْ ثيابك ثم ائتني حتى أعلِّمك مما عُلِّمت. قال: فذهبَ فاغتسل وطهَّر ثيابه ، ثمَّ جاء فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم . قال ثم أتتني صاحبتي فقلت : إليكِ عني ، فلستُ منكِ ولستِ مني . قالت : لم بأبي أنت وأُمّي ؟ قال: قلت : فرَّق بيني وبينكِ الإسلام، وتابعتُ دينَ محمد بَّ قالت: فديني دينُك. قال: فقلت فاذهبي إلى حنا٦ً) ذي الشَّرَى فتطهَّرِي منه - وكان ذو الشرى صنماً لدَوْس، وكان الحمى حِمى حمَوْهُ له ، به وشَلٌ(٧) من ماءٍ يهبط من جبل - قالت: بأبي أنتَ وأُمِّي ، أتخشى على الصبيّة من ذي الشَّرَى شيئاً ؟ قال : قلت : لا ، أنا ضامنٌ لذلك. قال: فذهبَتْ فاغتسلتْ ثمَّ جاءتْ ، فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمتْ . ثم دعوتُ دَوْساً إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ، ثم جئتُ رسولَ الله وَ لَهبمكة. فقلتُ: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوسٍ الزِّنا فادعُ اللهَ عليهم. قال: ((اللهمَّ اهدِ دَوْساً ، ارْجِعْ إلى قومك فادعُهم وازفُقْ (١) في ط : وإني . (٢) ((الحاضر)): القوم النزول على ماءٍ يقيمون به ولا يرحلون عنه. ويقال للمناهل المَحَاضر ، للاجتماع والحضور عليها . النهاية لابن الأثير ( حضر ) . (٣) في ح ، ط : يظنوا بها ، والمثبت من سيرة ابن هشام . (٤) ((أتهبَّط)): أي أتحدَّر. هكذا جاء في الرواية وهو بمعنى نهبط وأهبط. النهاية لابن الأثير ( هبط ). (٥) في ح : ديني دينك ، وفي السيرة : فديني دينك . في ط : حمى، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والروض. قال السهيلي (١٣٦/٢): حنا ذي الشرى، وقد قال (٦) ابن هشام : هو حمى ، وهو موضع حموه لصنمهم ذي الشرى ، فإن صحت رواية ابن إسحاق ، فالنون تبدل من الميم ، كما قالوا : حلان وحلام للجَدي . ويجوز أن يكون من حنوت العود ، ومن محنية الوادي ، وهو ما انحنى منه . اهـ . (٧) ((الوشل)): القليل من الماء، وما بين معترضين هو قول ابن هشام كما في سيرته . ٣٢٧ ذكر نقض الصحيفة بهم)). قال: فلم أزلْ بأرض دَوْس أدعوهم إلى الإسلام ، حتى هاجر رسولُ الله ◌ُمَّه إلى المدينة ومضى بدرٌ وأحدٌ والخندق، ثم قدمتُ على رسولِ اللهِ وَ لَهَ بمن أسلم معي من قومي، ورسولُ اللهِ وَل بخيبر ، حتى نزلتُ المدينة بسبعين - أو ثمانين بيتاً - من دَوْس، فلحقنا برسول الله بِّه بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين . ثم لم أزلْ مع رسولِ الله ◌َّ حتى فتح الله عليه مكة. فقلت: يا رسول الله، ابعثْني إلى ذي الكفَّيْن ، صنم عمرو بن حُمَّمَة حتى أُحرقه . قال ابن إسحاق (١): فخرج إليه فجعل الطفيل وهو يُوقدُ عليه النار يقول: [من الرجز ] يا ذا الكَفَينِ لستُ من عُبَّادئ(٢) ميلادُنا أقْدَمُ من ميلادكا * إني حشَوْتُ النارَ في فؤادكا * قال: ثم رجع رسولُ الله ◌َ ﴿ فكان معه بالمدينة حتى قُبض رسولُ اللهِوَلَ، فلما ارتدَّتِ العرب خرج الطُّفيل مع المسلمين ، فسار معهم حتى فرغوا من طُليحة ومن أرض نَجْدِ كلِّها ، ثمَّ سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطُّفيل ، فرأى رؤيا وهو متوجِّهٌ إلى اليمامة فقال لأصحابه : إنِّي قد رأيتُ رؤيا فاعْبُروها لي ؛ رأيتُ أنَّ رأسي خُلق وأنه خرج من فمي طائر ، وأنه لقيَتْني امرأةٌ فأدخلَتْني في فَرْجها ، وأرى ابني يطلُبني طلِيّاً حثيثاً ، ثم رأيتُه حُبس عني ؟ قالوا : خيراً ، قال : أمَّا أنا والله فقد أوَلْتُها ، قالوا : ماذا ؟ قال : أمَّا حلْق رأسي فوضْعُه ، وأما الطائر الذي خرج منه فرُوحي ، وأمَّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تُحِفَرُ لي فأغَيَّبُ فيها . وأما طلَبُ ابني إيّاي ثم حَبْسه عني ، فإنِّي أراه سيجتهد أنْ يصيبه ما أصابني . فقُتل رحمه الله تعالى شهيداً باليمامة ، وجُرح ابنُه جراحة شديدة ، ثم استَبَّلَّ منها ، ثمَّ قُتل عام اليرموك زمن عمر شهيداً رحمه الله . هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصةَ الطُّفيل بن عمرو مرسلةً بلا إسناد . ولخبره شاهدٌ في الحديث الصحيح . قال الإمام أحمد(٣) : حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزِّنَاد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال: لما قدم الطفيل وأصحابُه على رسولِ الله وَّه قال: إنَّ دَوْساً قد استعصَتْ قال: ((اللهمَّ اهْدِ دوساً وأُتِ بِهِمْ)) . (١) سيرة ابن هشام (٣٨٥/١) والروض (١٣٢/٢). (٢) قال السهيلي في الروض (١٣٦/٢): أراد: الكفَّين ، بالتشديد ، فخفف للضرورة ، غير أن في نسخة الشيخ أن الصنم كان يسمى ((ذا الكفين)) وخفف الفاء بخطه بعد أن كانت مشددة ، فدل أنه عنده مخفف في غير الشعر . فإن صحَّ هذا فهو محذوف اللام ، كأنه تثنية كفاء ، ومن كفأت الإناء . (٣) في المسند (٢/ ٤٤٨) رقم (٩٧٤٦). ٣٢٨ ذكر نقض الصحيفة رواه البخاري(١) عن أبي نعيم ، عن سفيان الثوري . وقال الإمام أحمد(٢) حدَّثنا يزيد ، أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قدِمِ الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسي وأصحابُه فقالوا : يا رسول الله ، إنَّ دَوْساً قد عَصَتْ وأَبَتْ فَادْعُ اللهَ عليها . قال أبو هريرة: فرفَع رسولُ اللهِوَ لَه يدَيْه فقلت: هلكَتْ دَوْس. فقال: ((اللهمَّ اهْدِ دَوساً ، وأتِ بهم )(٣) إسناد جيد ولم يخرجوه . وقال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا سليمان بن حرب ، حدَّثنا حماد بن زيد ، عن حجَّاج الصوَّاف ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسي أتى النبيَّ مَ ﴿ فقال: يا رسول الله ، هل لك في حصن حصين(٥) ومنعة؟ - قال: حصنٌ كان لدَوْسٍ في الجاهلية - فأبَى ذلك رسولُ اللهِوَ ﴿اللذي ذخَرَ اللهُ للأنصار، فلما هاجرَ النبيُّ مَّةِ إلى المدينة هاجر إليه الطُّفيل بن عمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه ، فاجتوَوُا المدينة ، فمرض فجزع ، فأخذ مشاقص [ له ] فقطع بها براجمه فشخبَتْ يداه فما رقأ الدم حتى مات ؛ فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئةٍ حسنة ، ورآه مغطِّياً يديه ، فقال له : ما صنع ربُّك بك ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيِّه ◌ِبَ له. قال: فما لي أراك مغطِّياً يديك؟ قال: قيل لي لن نُصلحُ(٦) منك ما أفسدت. قال: فقصَّها الطُّفَيل على رسولِ الله ◌ِّه، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((اللهمَّ وليدَيْه فاغْفِرْ)). رواه مسلمٌ(٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن سليمان بن حرب به . فإنْ قيل : فما الجمعُ بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحَيْنِ(٨) من طريق الحسن عن جُندب قال: قال رسول الله مَ﴿ل: ((كان فيمن كانَ قبلكم رجلٌ به جُرْحِ فَجزع، فأخذَ سكِّينا، فحزَّ بها يده فما رَقَاً الدمُ حتى مات، فقال الله عزَّ وجل : عبدي بادرني بنفسه ، فحرَّمْتُ عليه الجنة )). فالجواب من وجوه : أحدها أنه قد يكون ذاك مشركاً وهذا مؤمن ، ويكون قد جعل هذا الصنيع سبباً مستقلاً في دخوله النار وإنْ كان شركُه مستقلاً ، إلا أنه نبّه على هذا لتعتبر أمته . (١) فتح الباري (٣٤٩٢) المغازي باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي. (٢) في المسند (٥٠٢/٢) رقم (١٠٤٧٤). (٣) في المسند : وأت بها . (٤) في المسند (٣٧٠/٣) وما سيأتي بين معقوفين منه . (٥) في المسند : حصينة . في ط : يصلح ، والمثبت من مسند أحمد وصحيح مسلم . (٦) (٧) في صحيحه (١١٦) (١٨٤) الإيمان باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر. (٨) فتح الباري (٣٤٦٣) أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل - واللفظ له - وصحيح مسلم (١١٣) (١٨٠) و(١٨١) الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. ٣٢٩ قصة أعشى بن قيس الثاني : قد يكون ذاك عالماً بالتحريم ، وهذا غير عالم لحداثة عهده بالإسلام . الثالث : قد يكون ذاك فعله مستحلاً له ، وهذا لم يكن مستحلاً بل مخطئاً . الرابع : قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصِد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك . الخامس : قد يكون ذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبرَ ذنْبِه المذكور فدخل النار ، وهذا قد يكون كثير الحسنات ، فقاومتِ الذنب فلم يلج النار بل غُفر له بالهجرة إلى نبيِّه ◌ِ ◌ّهِ. ولكنْ بقي الشَّيْنُ في يده فقط، وحسُنَتْ هيئة سائره فغطَّ الشينَ منه ، فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطِّياً يدَيْه قال له : ما لك ؟ قال: قيل لي: لن نُصلح(١) منك ما أفسدت ، فلما قصَّها الطفيل على رسولِ اللهِ مَّ دعا له فقال: ((اللهمَّ وليديهِ فاغْفِرْ)) أي: فأصْلِحْ منها ما كان فاسداً. والمحقَّق أنَّ الله استجابَ لرسولِ الله وَّ في صاحب الطفيل بن عمرو . قصّة أعشى(٢) بن قيس قال ابن هشام(٣): حدَّثني خلاد بن قُرَة بن خالد السَّدُوسي وغيرُه من مشايخ بَكْر بن وائل - من أهل العلم - أنَّ أعشى بن(٢) قيس بن ثعلبة بن عُكَابة بن صَعْب بن علي بن بَكْر بن وائل خرج إلى رسول الله وَّل يُريدُ الإسلام، فقال يمدح النبيَّ ◌َّ: [من الطويل ] ألم تغتمضْ عيناكَ ليلةَ أرمَدَا وما ذاك من عِشْقِ النساءِ وإنما ولكن أرى الدهرَ الذي هو خائرٌ(٥) كُهولا وشُبَّاناً فقدتُ وثروةً وما زلتُ أبغي المالَ مُذْ أنا يافعٌ وأَبتذلُ العيسَ المراقيلَ تَغْتَلي(٦) وبتَّ كما باتَ السَّلِيمُ مسَّدا تناسيتَ قبلَ اليومِ صُحْبَةَ مَهْدَد(٤) إذا أصلحتْ كفَّاي عادَ فأفسدا فللهِ هذا الدهرُ كيفَ تردَّدا وليداً وكهلاً حين شِبْتُ وأمْرَدا مسافةَ ما بين النُّجَيرِ فَصَرْخَدا (١) في ط : يصلح ، والمثبت من مسند أحمد وصحيح مسلم . (٢) في سيرة ابن هشام : بني قيس ، وكله صحيح . (٣) سيرة ابن هشام (٣٨٦/١). والأبيات في ديوان الأعشى (ص ١٣٥). في ط والديوان : خلة مهددا ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام . (٤) (٥) في الديوان : خاتر . (٦) في ح ، ط : تعتلي . بالعين المهملة ، والمثبت من السيرة والديوان وأساس البلاغة ، والبيت فيه ( غلي ) ، وتغتلي : من الاغتلاء وهو الإسراع . ٣٣٠ قصة أعشی بن قیس ألا أيُّهذا السائلي أينَ يَمَّمَتْ فإنْ تسألي عني فيارُبَّ سائلٍ أجدَّتْ برجلَيْها النَّجاءَ وراجعتْ وفيها إذا ما هجَّرَتْ عجرفيَّةٌ وآليتُ لا آوِي لها من كلالةٍ متى ما تُناخي عند بابِ ابن هاشمٍ نبيٌّ يرى مالا تَرَوْن وذِكرُه له صدقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ أجِدَّكَ لم تسمع وصاً محمدٍ إذا أنتَ لم ترحل بزادٍ من التُّقَى ندمتَ على أن لا تكونَ كمثلِهِ فإياكَ والميتاتِ لا تقرَبَنَّها وذا النُصُب المنصوبِ لا تَنْسُكَنَّهُ ولا تقربَنَّ جارةً كان سِؤُها٤) وذا الرحِمِ القُربى فلا تقطعنَّهُ وسبِّخْ على حينِ العشية والضحى(٦) ولا تَسْخَرَنْ من بائسٍ ذِي ضَرارةٍ فإنَّ لها فى أهل يثربَ مَوْعِدا حَفِيٍّ عن الأعشى به حيثُ أصعدا يداها خِنافاً ليّناً غيرَ أحرد(١) إذا خلتَ حرباءَ الظهيرةِ أصيد(٢) ولا من حَفى حتى تُلاقي محمَّد(٣) تُراحي وتلقَيْ من فواضله نَدَى أغارَ لَعمري في البلاد وأنجدًا فليسَ عَطاءُ اليومِ مانعَهُ غدا نبي الإلّهِ حيثُ أوَصى وأَشهدا ولا قيتَ بعد الموتِ مَن قد تزوَّدا فترصدَ للأمر الذي كان أرصدا ولا تأخذنْ سهماً حديداً لِتَفْصِدَا ولا تعبدِ الأوثانَ واللهَ فاعْبُدا عليكَ حراماً فانكحَنْ أو تأْبَّدَ(٥) العاقبةٍ ولا الأسيرَ المقيَّدا ولا تَحَمدِ الشيطانَ واللهَ فَاحْمَدا ولا تحسبنَّ المالَ للمرءِ مُخْلِدا (١) في ح : النجاة . وفي ط : النجاد . والمثبت من السيرة والديوان . وخنافاً من خنفت الناقة تخنف بيديها في السير ، إذا مالت بهما نشاطاً . وليناً غير أحرد : أي تفعل ذلك من غير حرد في يديها ، أي اعوجاج. الروض (٢/ ١٣٧). (٢) يكون الجمل عجرفيَّ المشي، وفيه تعجرف وعجرفية وعجرفة : قلة مبالاة لسرعته . القاموس ( عجرف). والأصيد المائل العنق ؛ ولما كانت الحرباء تدور بوجهها مع الشمس كيفما دارت ، كانت في وسط السماء في أول الزوال كالأصيد ، وذلك أحُّ ما تكون الرمضاء . يصف ناقته بالنشاط وقوة المشي في ذلك الوقت . الروض (٢/ ١٣٧) . (٣) في ح والديوان : حتى تزور محمدا . وآليت لا آوي لها من كلالة ولا من حفى : أي لا أرقُّ لها ولا أرحمها ويروى : ولا من جنى. وهما بمعنى كما في الروض (٢/ ١٣٧). (٤) في سيرة ابن هشام : ولا تقربن حرة ، وفي ح : كان أمرها . (٥) قوله : فالله فاعبدا ، وقف على النون الخفيفة بالألف ، وكذلك فانكحن أو تأبدا ، ولذلك كتبت في الخط بألف ، لأن الوقف عليها بالألف ، وقد قيل في مثل هذا ، إنه لم يرد النون الخفيفة ، وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين ، وزعموا أنه معروف في كلام العرب. الروض (١٣٨/٢). (٦) في السيرة والديوان : العشيات . ٣٣١ قصة أعشى بن قيس قال ابن هشام : فلما كان بمكة - أو قريب منها - اعترضه بعضُ المشركين من قريش ، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريدُ رسولَ اللهَوَ لَه لِيُسلم. فقال له: يا أبا بَصير، إنَّهُ يُحرِّم الزِّنا. فقال الأعشى: والله إنَّ ذلك لأمرٌ مالي فيه من أَرَب. فقال: يا أبا بصير، إنَّه يحرِّمُ الخمر. فقال الأعشى: أمَّا هذه فوالله إِنَّ في نفسي منها لَعُلالات ، ولكني منصرفٌ فأترؤَى منها عامي هذا ، ثمَّ آتيه فأسلم . فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يَعُدْ إلى النبيِّ ◌َّهِ . هكذا أورد ابنُ هشام هذه القصة هاهنا ، وهو كثيرُ المؤاخذات لمحمد بن إسحاق رحمه الله ، وهذا مما يؤاخَذُ به ابنُ هشام رحمه الله ، فإنَّ الخمر إنما حُرِّمت بالمدينة بعد وقعة بني النَّضِير كما سيأتي بيانه ، فالظاهر أنَّ عَزْمَ الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة ، وفي شعره ما يدلُّ على ذلك وهو قوله : [ من الطويل ] ألا أيُّهذا السائلي أين يممتْ فإنَّ لها في أهلِ يثربَ مَوْعِدا وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخِّرَ ذِكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ، ولا يُوردَها هاهنا . والله أعلم . قال السُّهيلي(١) : وهذه غفلةٌ من ابنِ هشام ومَنْ تابعه، فإنَّ الناس مجمعون على أنَّ الخمر لم ينزل تحريمُها إلا في المدينة بعد أُحُد . وقد قال (٢): وقيل : إنَّ القائل للأعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة . وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبلٌ إلى رسولِ الله وَّه. قال وقوله : ثمَّ آته فأُسلم - لا يخرجُه عن كفره بلا خلاف . والله أعلم . ثم ذكر ابن إسحاق(٣) هاهنا قصة الإراشي وكيف استعدى إلى رسول الله وَّطير من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه ، وكيف أذلَّ اللهُ أبا جهلٍ وأرغم أنفَه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة ، وقد قدَّمنا ذلك في ابتداءِ الوحي وما كان من أذيَّة المشركين عند ذلك(٤). (١) في الروض (١٣٦/٢). (٢) يعني السهيلي في الروض. (٣) في سيرة ابن هشام (٣٨٩/١) والروض (٢/ ١٣٣). (٤) مضى الخبر (ص ٢٥٠) . ٣٣٢ قصة مصارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها قصّة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فأقبلتْ مَ له قال ابن إسحاق(١) : وحدَّثني أبي إسحاقُ بن يسار قال : وكان رُكانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ابن عبد مناف أشدَّ قريش (٢) فخلا يوماً برسولِ الله وَ له في بعض شعاب مكة، فقال له رسولُ الله ◌َل: (( يا رُكانة ، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ )) قال: إني لو أعلم أنَّ الذي تقولُ حق لاتَّبعتُك . فقال له رسول الله بَّ: ((أفرأيت إنْ صرعتُك، أتعلم أنَّ ما أقولُ حقّ؟)) قال: نعم. قال: ((فقُمْ حتى أُصارعَك)). قال: فقام رُكانةُ إليه فصارعه، فلما بطش به رسولُ اللهَ وَّ أَضْجعه لا يملك من نفسه شيئاً ثم قال : عُدْ يا محمد ، فعاد فصرعه . فقال : يا محمد ، والله إنَّ هذا للعجب! أتصرعني ؟ قال : ((وأعجب من ذلك إنْ شئت أُريكه إن اتقيت الله واتبعتَ أمري)). قال: وما هو؟ قال: (( أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني)) . قال : فادْعُها . فدعاها فأقبلتْ حتى وقفتْ بين يديْ رسولِ الله ◌ِّ فقال لها: ارجعي إلى مكانك فرجعتْ إلى مكانها . قال : فذهب رُكانةُ إلى قومه فقال : يا بني عبد مناف ، ساحِرُوا بصاحبِكم أهلَ الأرض ، فواللهِ ما رأيتُ أسحرَ منه قطّ . ثمَّ أخبرَهم بالذي رأى والذي صنَع . هكذا روى ابنُ إسحاق هذه القصة مرسلةً بهذا البيان . وقد روى أبو داود والترمذي(٣) من حديث أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن رُكانة، عن أبيه، أنَّ رُكانة صارع النبيَّ ◌َّ فصرعه النبيُّ مَّ. ثمَّ قال الترمذي: غريبٌ ولا نعرف أبا الحسن ولا ابنَ رُكانة(٤). قلت : وقد روى أبو بكر الشافعي بإسنادٍ جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن يزيد بن رُكانة صارَعَ النبيَّ مَِّ فصرعه النبيُّ ◌ََّ ثلاث مرّات، كل مرة على مئةٍ من الغنم ، فلما كان في الثالثة قال : يا محمد، ما وَضَع ظهري إلى الأرض أحَدٌ قبلك، وما كان أحدٌ أبغض إليَّ منك . وأنا أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله. فقام عنه رسولُ اللهَوَّل وردَّ عليه غَنَمه . وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلتْ ، فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طُرقٍ جيدةٍ صحيحة(٥) ، في مرَّات متعدِّدة إنْ شاء الله وبه الثقة . (١) السير والمغازي (ص٢٧٦) وسيرة ابن هشام (١/ ٣٩٠) واللفظ له، والروض (١٣٤/٢). (٢) في ح ، ط : قريشاً، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض. (٣) سنن أبي داود (٤٠٧٨) اللباس باب في العمائم ، وسنن الترمذي (١٧٨٤) اللباس باب العمائم على القلانس. (٤) عبارة الترمذي: ((هذا حديث غريب ( يعني: ضعيف) وإسناده ليس بالقائم ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة)) . (٥) سيأتي في (١٢٣/٦) من ط . ٣٣٣ قصة مصارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها وقد تقدَّم عن أبي الأشدين (١) أنه صارعَ النبيَّ ◌ِّ فصرعَهُ رسولُ الله ◌َِةٍ . ثم ذكر ابن إسحاق (٢) قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحواً من عشرين راكباً إلى مكة ، فأسلموا عن آخرهم ، وقد تقدَّم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة (٣) قال ابن إسحاق(٤): وكان رسولُ اللهَ وَ ◌ّ إذا جلس في المسجد يجلسُ إليه المستضعفون من أصحابه: خَبَّاب، وعمَّار، وأبو فُكيهة يسار(٥) مولى صفوان بن أمية، وصُهيب. وأشباههم من المسلمين هَزِئت بهم قريش ، وقال بعضُهم لبعض : هؤلاء أصحابُه كما ترَوْن ، أهؤلاء منَّ اللهُ عليهم من بيننا بالهدى والحق (٦)، لو كان ما جاء به محمدٌ خيراً ما سبَقَنا هؤلاء إليه، وما خصَّهم اللهُ به دوننا . فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ فيهم: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهٍ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [٥] وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوْ أَهَؤُلَاءٍ مَنَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِيَُّ أَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ إِنْهَا وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً أَنَهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورُ زَّحِيمٌ ﴾ [ الأنعام: ٥٢ -٥٤] . قال: وكان رسولُ الله ◌ِّ كثيراً ما يجلسُ عند المَرْوَة إلى مبيعة غلامُ(٧) نصراني يقال له: جَبْر، عبدٌ لبني الحَضْرَمي . وكانوا يقولون: والله ما يعلِّم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جَبْر ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌ مُبِينٌ﴾ [ النحل : ١٠٣ ] . ثم ذكر(٨) نزولَ سورة الكوثر في العاص بن وائل، حين قال في رسولِ الله وَّل: إنه أبتر، أي: لا عَقِبَ له، فإذا ماتَ انقطع ذِكْرُه. فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ اُلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أي : المقطوع الذِّكْر [ بعده، ولو خلَّف أُلوفاً من النَّسْلِ والذُّرِّيَّة وليس الذِّكر }٩) والصيتُ ولسان الصدق بكثرةِ الأولاد والأنسال والعَقِب ، وقد تكلَّمنا على هذه السورة في التفسير ولله الحمد . (١) كذا في ح، ط ولم يتقدم لهذه الكنية ذِكر، فلعل الصواب: ((أشد قريش)) أو في النص سقطاً أو تصحيفاً. (٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩١) والروض (١٣٥/٢). (٣) مضى الخبر في (ص ٣٠٣ ح ٣). (٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٢) والروض (١٣٥/٢). (٥) في ط : ويسار ، والمثبت من ح والسيرة وترجمته في الإصابة ، ويقال في اسمه : أفلح . أيضاً . (٦) في ط : ودين الحق والمثبت من ح والسيرة . (٧) في ح : ميعه ، والمثبت من سيرة ابن هشام . قال السهيلي في الروض (١٣٩/٢) : المبيعة : مفعلة مثل المعيشة ، وقد يجوز أن يكون مفعلة بضم العين وهو قول الأخفش . (٨) يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٣). (٩) ليس ما بين المعقوفين في ح . ٣٣٤ قصة مصارعة ركانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها وقد رُوي عن أبي جعفر الباقر: أنَّ العاص بن وائل إنما قال ذلك حين مات القاسم بن النبيِّ وَّةٍ ، وكان قد بلغ أنْ يركب الدائّة ويسير على النَّجِيبةُ(١) ثم ذكر(٢) نزول قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [ الأنعام: ٨] وذلك بسبب قول أُبيّ بن خلف، وزَمَعة بن الأسود ، والعاص بن وائل ، والنضر بن الحارث . لولا أنزل عليكَ مَلكٌ يكلِّمُ الناسَ عنك . قال ابنُ إسحاق(٣): ومرّ رسولُ اللهِوَ ل﴿ه- فيما بلغنا - بالوليد بن المغيرة وأميةَ بن خلف وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزؤوا به . فغاظه ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك منْ أمرِهم ﴿وَلَقَدِ اُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ ﴾ [الأنعام: ١٠، والأنبياء: ٤١]. قلت: وقال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُل٤ٌ) مِّن قَبْلِكَ فَصَبِرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوْذُواْ حَتَّىَ أَنَهُمْ نَصْرُناً وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [ الحجر: ٩٥]. قال سفيان عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : المستهزؤن الوليدُ بن المغيرة، والأسود بن عبد يَغُوث الزُّهْري، والأسود بن المطلب أبو زمعة(٥)، والحارث بن غَيْطَلَهُ(٦) ، والعاص بن وائل السَّهْمي، فأتاهُ جبريلُ فشكاهم إليه رسولُ اللهِ وَ ◌ّر فأراهُ الوليد ، فأشار جبريل إلى أنمله(٧) وقال: كُفيتَه ؛ ثم أراه الأسودَ بن المطلب، فأومأ إلى عُنقه وقال: كُفيته ، ثم أراه الأسود بن عبد يَغُوث فأومأ إلى رأسه وقال: كُفيتَه ؛ ثم أراهُ الحارث بن غَيْطَلَةٍ (٦) ، فأومأ إلى بطنه وقال: كُفيتَه ؛ ومرَّ به العاصُ بن وائل فأومأ إلى أخمصه وقال: كُفيتَه . فأما الوليد فمزّ برجُلٍ من خُزَاعة وهو يَرِيشُ نَبَلاً له فأصاب أنمله(٧) فقطعها ؛ وأمَّا الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قُروح فماتَ منها ، وأما الأسود بن المطّلب فعَمِيَ . وكان سببُ ذلك أنه نزل تحت سَمُرَةٍ فجعل يقول : يا بَنيَّ ألا تدفعون عني قد قُتلت . فجعلوا يقولون : ما نرى شيئاً ! وجعل يقول: يا بَنيَّ ألا تمنعون عني قد هلكت، هاهو ذا الطَّعْنُ بالشوك (١) هذه الرواية في الدر المنثور (٨/ ٦٥٢) وذكر السيوطي أن البيهقي أخرجها في الدلائل غير أني لم أجدها فيه . (٢) يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (٣٩٥/١). (٣) سيرة ابن هشام (٣٩٥/١) والروض (٢/ ١٤١). في ح ، ط : ولقد استهزىء برسل ، والمثبت من المصف سورة الأنعام الآية (٣٤) . (٤) في ح : أبو ربيعة تصحيف، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام (٤٠٩/١) ودلائل النبوة للبيهقي (٣١٦/٢) والاشتقاق (٥) (ص ٩٤) . (٦) في ح: عنطل ، وفي ط : عيطل ، وفي دلائل البيهقي : عنطلة ، وكلها تصحيف ، والمثبت من جمهرة الأنساب لابن حزم (ص ١٦٥) والتاج ( غطل) وسيأتي في موضع آخر من الدلائل على الصواب . وسيأتي من رواية ابن إسحاق على أنه الحارث بن الطلاطلة من خزاعة لا من بني سهم، وذكر الروايتين الطبري في تفسيره (١٤/ ٧٠ ، ٧١) . (٧) في دلائل النبوة : أبجله . والأبجل عِرْق غليظ في اليد بإزاء الأكحل . القاموس ( بجل ) . ٣٣٥ قصة مصارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها في عينيّ ، فجعلوا يقولون : ما نَرَى شيئاً! فلم يزل كذلك حتى عَمِيَتْ عيناه . وأما الحارث بن غيطلة فأخذه الماءُ الأصفر في بطنه حتى خرج خُرْؤه من فيه فمات منها . وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوماً إذ دخل في رأسه شِبْرِقة حتى امتلأت منها فمات منها . وقال غيرُه في هذا الحديث : فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شِبْرِقَة - يعني شَوْكَة - فدخلتْ في أخمصِ قدمه شوكة فقتلَتْه. رواهُ البيهقي(١) بنحوٍ من هذا السياق . وقال ابن إسحاق (٢) : وكان عظماءُ المستهزئين كما حدَّثني يزيد بن رُومان عن عروة بن الزُّبير خمسةَ نَفَرَ، وكانوا ذوي أسنانٍ وشرفٍ في قومهم؛ الأسود بن المطلب أبو زَمَعة، دعا عليه رسولُ الله ◌َيَد فقال: ((اللهمَّ أعْم بصَرَه وأثْكِلْهُ ولَدَه)). والأسود بن عبد يَغُوث، والوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل، والحارث بن الطُّلاطِلَة. وذكر أنَّ الله تعالى أنزل فيهم ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ (١٦) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٤ -٩٦]. وذكر أنَّ جبريلَ أتى رسولَ الله ◌َّه وهم يطوفونَ بالبيت، فقام وقام رسولُ اللهَ وَّهَ إلى جَنْبه، فمرَّ به الأسود بن المطلب فَمَى في وجهه بورقةٍ خضراء فعَمِي ، ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنُه فمات منه حَبَنا٢ً) . ومرَّ به الوليدُ بن المغيرة فأشار إلى أثَرِ جُرحٍ بأسفلٍ كعبه كان أصابه قبل ذلك بسنين من مروره برجلٍ يَرِيشُ نَيْلاً له من خزاعة ، فتعلَّق سهمٌ بإزاره فخدشهٌ خَدْشاً يسيراً ، فانتقض بعد ذلك فمات . ومر به العاصُ بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمارٍ له يريد الطائف ، فربض به على شِبْرِقةٍ فدخلت في أخمص رِجلِهِ شوكةٌ فقتلَتْه . ومرّ به الحارث بن الطُّلاطلة فأشار إلى رأسه فامتحض قَيْحاً فقتله . ثم ذكر ابنُ إسحاق (٤) : أنَّ الوليد بنَ المغيرة لما حضره الموتُ أوصى بنيه الثلاثةَ وهم : خالد وهشام والوليد . فقال لهم : أي بَنِيَّ ، أوصيكم بثلاث، دمي في خُزَاعة فلا تُطِلُّوه ، والله إني لأعلم أنهم منه بُرَآء ولكني أخشى أن تُسَبُّوا به بعد اليوم . وربايَ في ثَقِيف فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعُقْرِيُ(٥) عند أبي أُزَيهر الدَّوسيّ فلا يفوتنّكم به - وكان أبو أَزَيْهر قد زوَّج الوليد بنتاً له ثم أمسكها عنه فلم يُدْخِلْها عليه حتى مات ، (١) في دلائل النبوة (٣١٦/٢ - ٣١٨) وأخرجه الطبراني في الأوسط بسند حسن والضياء في المختارة عن ابن عباس كما في الدر المنثور (١٠١/٥) في تفسير الآية. وذكره أيضاً الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٤٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الحكيم النيسابوري ولم أعرفه ، وبقيه رجاله ثقات . (٢) في السيرة والمغازي (ص٢٧٣) وسيرة ابن هشام (٤٠٨/١) والروض (٢/ ١٦٣) والطبري في التفسير (١٤ / ٧٠)، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢٠١) عن حبيب بن الحسن ، حدثنا محمد بن يحيى المروزي ، حدثنا أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق به . (٣) ((الحَبَن)): داء في البطن، يعظم منه ويرم. القاموس (حبن). ووقع في ح، ط: (( فاستسقى باطنه )) والمثبت من السيرة . (٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٤١٠) والروض (١٦٣/٢). (٥) ((العقر)): دية الفرج المغصوب. قاله السهيلي في الروض (١٦٨/٢). ٣٣٦ قصة مصارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها وكان قد قبض عُقْرَها منه ، وهو صَدَاقُها - فلما مات الوليد وثَبَتَ بنو مخزوم على خُزَاعة يلتمسون منهم عَقْلَ الوليد ، وقالوا : إنما قتله سَهْمُ صاحبكم ، فأبَتْ عليهم خُزَاعة ذلك حتى تقاولوا أشعاراً ، وغَلُظَ بينهم الأمر . ثم أعطَتْهم خزاعةُ بعض العَقْل واصطلحوا وتحاجزوا . قال ابن إسحاق(١): ثم عَدَا هشامُ بن الوليد على أبي أُزَيهر وهو بسوق ذي المَجَاز فقتله ، وكان شريفاً في قومه . وكانت ابنته تحت أبي سفيان - وذلك بعد بدر - فعمد يزيدُ بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبوه غائباً ، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنَعَ ابنُه يزيد فلامه على ذلك [ وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه : أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضاً في رجل من دوس ٢٤) ؟ وكتب حسان بنُ ثابت قصيدةً له يُحَرِّض(٣) أبا سفيان في دم أبي أُزيهر ، فقال: بئس ما ظنَّ حسان أن يقتل بعضنا بعضاً وقد ذهب أشرافُنا يوم بَدْر. ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله يَّ سأله في رِبا أبيه من أهل الطائف . قال ابن إسحاق (٤) : فذكر لي بعضُ أهل العلم أنَّ هؤلاء الآيات نزلْنَ في ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوَأْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ البقرة: ٢٧٨ ] وما بعدها. قال ابن إسحاق (٤) : ولم يكنْ في بني أُزَيهِر ثأرٌ نعلمه حتى حجَزَ الإسلامُ بين الناس ، إلا أنَّ ضِرار بن الخطاب بن مِرْداس الأسلمي خرج في نفرٍ من قريشٍ إلى أرض دَوْس ، فنزلوا على امرأةٍ يُقال لها : أم غيلان مولاة لدوس، وكانت تمشُط النساء وتجهز العرائس ، فأرادتْ دَوْس قتلَهم بأبي أُزيهر فقامتْ دونه أُمُ غَيْلان ونسوةٌ كُنَّ معها حتى منعَتْهم . قال السهيلي(٥) : يقال : إنها أدخلته بين درعها وبدنها. قال ابنُ هشامُ(٦) : فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتَتْهُ أمُّ غَيْلان وهي ترى أنَّ ضراراً أخوه ، فقال لها عمر : لستُ بأخيه إلا في الإسلام ، وقد عرفتُ منَّتَك عليه ، فأعطاها على أنها بنتُ سَبيل . قال ابنُ هشام : وكان ضرارُ بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أُحُد فجعل يضربُه بعَرْض الرمح ويقول : انج يا ابنَ الخطاب لا أقتلك . فكان عمر يعرفُها له بعد الإسلام رضي الله عنهما . (١) في سيرة ابن هشام (١/ ٤١٣) والروض (٢/ ١٦٤). (٢) سقط ما بين المعقوفين من ح . في ط : يحض . والمثبت من ط وسيرة ابن هشام . (٣) (٤) في سيرة ابن هشام (٤١٤/١) والروض (١٦٥/٢). (٥) في الروض (١٦٨/٢) والقول فيه لضرار؟ (٦) في السيرة النبوية (٤١٥/١) والروض (١٦٦/٢). ٣٣٧ قصة مصارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها فصل وذكر البيهقيُّ(١) هاهنا دعاءَ النبي ◌ِّ على قريش حين استعصَتْ عليه بسبع مثل سبع يوسف، وأورَدَ ما أخرجاه في ((الصحيحَيْن)(٢) من طريق الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق ، عن ابن مسعود. قال : خمسٌ [قد ] مضَيْن؛ اللِّزَامُ(٣)، والرُّوم، والدُّخان، والبَطْشَة ، والقمر . وفي روايةٍ عن ابن مسعود. قال(٤): إنَّ قريشاً، لما استعصَتْ على رسولِ اللهِ مَّ وأبطؤوا عن الإسلام . قال اللهمَّ أَعِنِّي عليهم بسبعٍ كسبعٍ يوسُف)) قال : فأصابتهم سَنَةٌ فحصَّتْ(٥) كلَّ شيء ، حتى أكلوا الجِيفَ والميتة وحتى إنَّ أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجُوع . ثم دعا فكشف الله عنهم، ثم قرأ عبد الله هذه الآية ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَيِدُونَ ﴾ [الدخان: ١٥] قال : فعادوا فكفروا فأُخِّروا إلى يوم القيامة - أو قال: فأُخِّروا إلى يوم بَدْر - قال عبد الله: إنَّ ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يُكشفُ عنهم ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦ ] قال: يوم بَدْر. وفي روايةٍ عنه، قال(٦): لما رأى رسولُ اللهِوَ ◌ّه من الناس إدْباراً قال: ((اللهمَّ سبع كسبعٍ يوسف)) فأخذتْهُمْ سَنةٌ حتى أكلوا المَيْتَةَ والجلودَ والعظام . فجاءَهُ أبو سفيان وناسٌ من أهل مكةَ فقالوا : يا محمد، إنك تزعمُ أنَّكَ بُعثتَ رحمةً وإنَّ قومَكَ قد هَلكُوا، فَادْعُ اللهَ لهم. فدعا رسولُ الله ◌ٍَّ فسقُوا الغيثَ، فأطبقَتْ عليهم سبعاً فشكا الناسُ كثرة المطَر. فقال: (( اللهمَّ حوالَينا ولا علينا)) فانحدَرَتِ السحابة(٧) عن رأسه ، فسُقي الناسُ حولَهم . قال: لقد مضَتْ آيةُ الدُّخان - وهو الجوع الذي أصابهم - وذلك قوله ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَّيِّدُونَ ﴾ [الدخان: ١٥ ] وآيةُ الروم، والبطشة الكبرى. وانشقاق القمر، وذلك كله يوم بَدْر . (١) في الدلائل (٢/ ٣٢٤). (٢) أورده في الدلائل (٣٢٧/٢) وهو في فتح الباري (٤٨٢٥) التفسير سورة الدخان باب يوم نبطش البطشة الكبرى. وصحيح مسلم (٢٧٩٨) (٤١) صفات المنافقين باب الدخان ، وما سيأتي بين معقوفين منهما . (٣) المراد به قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: يكون عذابهم لازماً. قالوا: وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر ، وهي البطشة الكبرى . مكمل إكمال الإكمال للسنوسي (١٩٨/٧، ١٩٩). (٤) دلائل البيهقي (٣٢٥/٢) واللفظ له والحديث في فتح الباري (٤٨٢٣) التفسير سورة الدخان باب ( أنى لهم الذكرى ) . و(٤٨٠٩) التفسير سورة ص باب ( وما أنا من المتكلفين ) . (٥) في ح، ط: (( حتى فصت))، والمثبت من دلائل البيهقي وصحيح البخاري ، وحصتْ كل شيء : أي أذهبته ، والحص : إذهاب الشعر عن الرأس . بحلق أو مرض . النهاية ( حصص ) . (٦) في دلائل البيهقي (٣٢٦/٢) وهي رواية البخاري كما سيأتي، فتح الباري (٢/ ٥١٠) (١٠٢٠) الاستسقاء باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط . (٧) في ط : فانجذب السحاب . وفي ح : فانحدت ، والمثبت من الدلائل وصحيح البخاري في الفتح . ٣٣٨ قصة مصارعة رُكانة وكيف أراه الشجرة التي دعاها قال البيهقي(١) : يريد - والله أعلم - البطشةَ الكبرى والدخان وآية اللزام ، كلُّها حصلَتْ ببدر. قال : وقد أشار البخاري(٢) إلى هذه الرواية . ثمَّ أورد(٣) من طريق عبد الرزّاق، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جاء أبو سفيان إلى رسولِ اللهَ بَّ يستغيثُ من الجوع، لأنهم لم يجدوا شيئاً، حتى أكلوا العِلْهِزَ بالدَّمُ(٤) ، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابٍ فَمَا أُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] قال : فدعا رسولُ الله ◌ِّ حتى فرَّج الله عنهم . ثم قال الحافظ البيهقي(٥) : وقد رُوي في قصة أبي سفيان ما دلَّ على أنَّ ذلك بعد الهجرة ، ولعله كان مرتّيْن ، والله أعلم . فصل ثمَّ أورد البيهقي(٦) قصة فارس والرُّوم، ونزولَ قوله تعالى: ﴿الّ ﴿ غُلِبَتِ الزُّومُ ®) فِىّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌَ (٢) فِى بِضْعِ سِنِينٌَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ يِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَأَءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١ -٥]. ثم رَوَى (٦) من طريق سفيانَ الثوري، عن حَبيب بن أبي عَمْرَةً(٧) ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : كان المسلمون يُحِبُّون أنْ يظهرَ الرُّوم على فارس لأنهم أهلُ كتاب ، وكان المشركون يحبُّونَ أن تظهر فارسُ على الروم لأنهم أهلُ أوثان ؛ فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر فذكر [ ذلك }٨) أبو بكر للنبيّ وَ ◌ّ فقال: ((أمَا إنَّهم سيظهرون)) فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلاً إنْ ظهروا كان لك كذا وكذا ، وإنْ ظهَرْنا كان بنا كذا وكذا . [ فجعل بينهم أجل خمس سنين ، فلم يظهروا ] (١) في الدلائل (٣٢٧/٢). (٢) مضى في الصفحة السابقة ح٦ . (٣) يعني البيهقي في الدلائل (٣٢٨/٢). (٤) في ط : العهن . والمثبت من ح والدلائل ، وقوله : بالدم مستدرك في هامش ح . والعلهز : هو شيء يتخذونه في سني المجاعة ، يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه . وقيل : كانوا يخلطون فيه القِرْدان . ويقال للقراد الضخم ((عِلْهِز)) . وقيل : العلهز شيء ينبت ببلاد بني سُليم له أصل كأصل البَرْدِي . النهاية لابن الأثير ( علهز ) . في الدلائل (٣٢٩/٢). (٥) (٦) في الدلائل (٣٣٠/٢). (٧) في ح : حبيب عن أبي عمرو ، وفي ط : حبيب بن أبي عمرو ، وكلاهما تحريف ، والمثبت من الدلائل وترجمته في تهذيب الكمال (٣٨٦/٥). (٨) في ط : فذكره ، والمثبت من ح والدلائل ، وما بين معقوفين في هذا الخبر منه . ٣٣٩ فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات فذكر ذلك أبو بكر للنبيِّنَ ◌ّه فقال: ((ألا جَعَلْتَهُ - أُراله١) قال - دون العشر)). فظهرتِ الرُّوم بعد ذلك. وقد أورَدْنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المُبَاحث - أي : المراهن - لأبي بكر أمية بن خلف ، وأن الرَّهْن كان على خمس قلائص، وأنه كان إلى مدة، فزاد فيها الصدِّيق عن أمر رسولِ الله وَل وفي الزَّهن . وأنَّ غلبة الروم على فارس كان يوم بَدْر - أو كان يوم الحُديبية - فالله أعلم . ثم روى (٢) من طريق الوليد بن مسلم، حدَّثنا أُسَيد(٣) الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدِّث عن أبيه قال : رأيتُ غَلَبَة فارس الروم ، ثم رأيتُ غلبة الروم فارس ، ثم رأيتُ غلبة المسلمين فارسَ والرُّوم وظهورَهم على الشام والعراق ، كل ذلك في خمسَ عشرةَ سنة . فصل في الإسراء برسول الله وَلّ من مكة إلى بيت المقدس ثم عروجه من هناك إلى السماوات وما رأى هنالك من الآيات ذكر ابنُ عساكر أحاديثَ الإسراء في أوائل البِعْثَه(٤) ، وأما ابن إسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحوٍ من عشر سنين(٥) . وروى البيهقي(٦) من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: أُسري برسولِ اللهِبُ * قبل خروجه إلى المدينة بسنة . قال : وكذلك ذكره ابنُ لَهيعة عن أبي الأسود عن عروة . ثم روى [ عن ]٧) الحاكم عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبّار ، عن يونس بن بكير ، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السُّدِّيِّ أنه قال: فُرض على رسولِ اللهِ وَّ الخَمْس ببيت المقدس ، ليلة أُسري به قبل مُهَاجَرِهِ بستةَ عشرَ شهراً . فعلى قول السدِّيّ يكون الإسراءُ في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزُّهْرِيّ وعروة يكون في ربيع الأول. (١) في ح : أداه ، وفي ط : أداة . وكلاهما تصحيف ، والمثبت من الدلائل . (٢) أي البيهقي في الدلائل (٣٣٤/٢) بسنده إلى يعقوب بن سفيان، وهو في كتابه المعرفة والتاريخ (٢٧٩/١) وأخرجه ابن الأثير أيضاً في أسد الغابة في ترجمة الزبير بن عبد الله (١٩٦/٢) بسنده إلى يعقوب أيضاً . ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٣١١) وأدرجه تحت من اسمه: أسيد بالتصغير، وكذا ذكره ابن عساكر (٣) في تاريخه (٢٥/٣) (نسخة الظاهرية ) ثم قال : ويقال : أسيد أي بفتح أوله وساق الخبر . (٤) تاريخ ابن عساكر (١/ ٥٦٦) نسخة الظاهرية . ٥١) السير والمغازي (ص ٢٩٥). (٦) في دلائل النبوة (٣٥٤/٢). (١) زيادة يقتضيها السياق، والذي روى البيهقي في الدلائل (٣٥٥/٢). ٣٤٠ فصل في الإسراء والمعراج وما رأى هنالك من الآيات وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا عقَّال(١) ، عن سعيد بن ميناء ، عن جابر وابن عباس قالا: ولد رسول الله ◌َّ عام الفيل يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر ، وفيه مات . فيه انقطاع(٢) . وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته(٣) وقد أورد حديثاً لا يصحُّ سنَدُه، ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب، والله أعلم . ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب ، وهي ليلة الرغائب التي أُحدثت فيها الصلاة المشهورة ، ولا أصل لذلك ، والله أعلم . وينشد بعضُهم في ذلك : ليلةَ الجمعةِ أوّل رجب، ليلةَ الجمعةِ عُرِّج بالنبي وهذا الشعر عليه ركاكة ، وإنما ذكرناه استشهاداً لمن يقول به . وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاةً عند قوله تعالى: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسِ. ١] فلتُكتَبُ من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعَزْو ، والكلام عليها ومعها ففيها مَقْنَعٌ وكفاية ، ولله الحمدُ والمِنَّة . ولنذكُر ملخَّصَ كلام ابنِ إسحاق رحمه الله فإنَّه قال بعد ذكر ما تقدَّم من الفصول(٥) : ثم أُشْرِيَ برسولِ الله ◌ِّ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو بيت المقدس من إيلياء - وقد فشا الإسلامُ بمكة في قريش وفي القبائل كلِّها . وقال : وكان من الحديث فيما بلغني عن مَسْرَاهُ بِّه عن ابن مسعود، وأبي سعيد، وعائشة ، ومعاوية ، وأم هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنهم، والحسن بن أبي الحسن، وابن شهاب الزُّهْرِي وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث، كلٌّ يحدِّثُ عنه بعضَ ما ذُكر لي من أمره وكان في مسراه وما ذُكر لي منه بلاءٌ وتمحيص وأمرٌ من أمْرِ الله [عزَّ وجلَّ ] في قدرته (٦) وسلطانه ، فيه عبرةٌ لأولي الألباب ، وهدى ورحمةٌ وثباتٌ لمن آمَنَ وصدَّق وكان من أمر الله على يقين ، فأسرى به كيف شاء وكما شاء لِيُرِيَهُ من آياته ما أراد ، حتى عايَنَ ما عاين من أمْرِهِ وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يُريد . (١) في ط : عثمان ، والمثبت مما تقدم ص (٣٢) سطر (١) من هذا الجزء، حيث أورد المؤلف الحديث. (٢) يعني : بين عفان وسعيد بن مينا . (٣) يسمى السيرة النبوية ، أو الدرة المضية في السيرة النبوية لعبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، وهو مخطوط. معجم ما ألف عن رسول الله وَ ل﴾ (ص ١١٠ و١١٦). (٤) كذا في ط وزادت ح بين الشطرين مَّة، وفي الشطر الثاني: ليلة جمعة. (٥) السير والمغازي (ص٢٩٥) وسيرة ابن هشام (٣٩٦/١) والروض (٢/ ١٤١). (٦) في ط : وقدرته ، والمثبت من مصادر الخبر عند ابن إسحاق وما بين معقوفين منها .