Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين فأقبل النَّضْر وعُقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمَرَنا أحبارُ يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاؤوا رسولَ الله ◌ُ له فقالوا : يا محمد ، أخبرنا فسألوه عما أمروهم به. فقال لهم رسول الله وَ لَّ: ((أخبرُكم غداً بما سألتُم عنه))، ولم يستثن. فانصرفوا عنه، ومكثَ رسولُ اللهِوَ لّ خمسَ عشرةَ ليلةً لا يُحْدِثُ له في ذلك وَحْياً ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهلُ مكة وقالوا : وعَدَنا محمدٌ غداً واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيءٍ مما سألناه عنه، وحتى أحْزَنَ رسولَ اللهَوَّهِ مَكْثُ الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلّم به أهلُ مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عزَّ وجلَّ بسورة الكهف ، فيها معاتبته إياه على حُزْنه عليهم ، وخبر(١) ما سألوه عنه، من أمر الفتية والرجل الطوَّاف، وقال الله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَآَ أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [ الإسراء: ٨٥]. وقد تكلَّمنا على ذلك كلِّه في التفسير مطولاً، فمن أراده فعليه بكشفه من هناك . ونزل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا عَجَبًا﴾ [ الكهف: ٩] ثم شرَعَ في تفصيلِ أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء(٢) تحقيقاً لا تعليقاً في قوله: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ (٤٦) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ثم ذكر قصة موسى لتعلُّقها بقصة الخضِر، ثم ذي القرنَيْن، ثم قال: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [ الكهف: ٨٣ ] ثم شرح أمره وحكى خَبَره. وقال في سورة سبحان: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى﴾ [ الإسراء: ٨٥] أي : خَلْقٌ عجيبٌ من خلقه ، وأمْرٌ من أمْرِه ، قال لها : كوني فكانت . وليس لكم الاطلاع على كل ما خلَقَه ، وتفسير كيفيته(٣)، في نفس الأمر يصعُب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته ، ولهذا قال: ﴿ وَمَآَ أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقد ثبت في الصحيحَيْنُ(٤) أنَّ اليهود سألوا عن ذلك رسولَ الله وَنه بالمدينة ، فتلا عليهم هذه الآية - فإمَّا أنها نزلَتْ مرَّةً ثانية، أو ذَكرها جواب٥ً) - وإن كان نزولُها متقدِّماً ، ومن قال : إنها إنما نزلتْ بالمدينة واستثناها من سورة سُبْحَان ، ففي قوله نظر ، والله أعلم . قال ابنُ إسحاق (٦) : ولما خَشِيَ أبو طالبٍ دَهْمَ العرَبِ أن يركبوهُ مع قومه قال قصيدَته التي تعوَّذَ فيها (١) في ط : فأخبراهم . والمثبت من ح وسيرة ابن إسحاق . (٢) في ح : الأنبياء ، تصحيف . (٣) في ط : وتصوير حقيقته ، والمثبت من ح . (٤) فتح الباري (٤٧٢١) التفسير [ سورة: ١٧ ] باب ويسألونك عن الروح، وصحيح مسلم (٢٧٩٤) (٣٢) صفات المنافقين باب سؤال اليهود النبي وَّ عن الروح. (٦) سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٢) والروض (١٣/٢) وفي سيرة ابن هشام (ص١٥٦) سبعة الأبيات الأولى من القصيدة . = (٥) في ح : أو ذكرنا جوابها . ٢٦٢ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين بحرَم مَّة وبمكانه منها ، وتودَّدَ فيها أشرافَ قومه ، وهو على ذلك يُخبرهم وغيرَهم في شعرِهِ أنَّه غير مسلمٍ لرسولِ الله ◌ِّرُ، ولا تاركه لشيءٍ أبداً حتى يهلِكَ دونه. فقال: (من الطويل ] ولما رأيتُ القومَ لا وُدَّ فيهِمُ وقد صارَحُونا بالعَدَاوةِ والأذى وقد حالَفُوا قوماً علينا أَظِنّةً صبرتُ لهم نفسي بسمراءَ سَمْحةٍ وأحضرتُ عند البيت رَهْطي وإخوتي قياماً معاً مُستقبلينَ رِتاجَه وحيثُ يُنيخ الأشعرونَ ركابهم موسّمةَ الأعضادِ أو قَصَرَاتِها ترى الودعَ فيها والرخامَ وزينةً أَعُوذُ بربّ الناس من كلِّ طاعنٍ ومن كاشحِ يسعى لنا بمَعيبةٍ وثَوْرٍ ومن أَرْسى ثَبِيراً مكانَهُ وقد قطعوا كلَّ العُرَى والوسائلِ وقد طاوَعُوا أمرَ العدوِّ المُزايلِ يَعَضُّونَ غيظاً خَلْفنا بالأناملِ وأبيضَ عَضْبٍ من تُراثِ المَقاولِ(١) وأمسكتُ من أثوابِهِ بالوصائلِ لدى حيث يَقضي حَلفَه كلَّ نافلٍ(٢) بِمُفْضَى السيولِ من إسافٍ ونائلِ مخيَّسةً بين السَّديسِ وبازِل(٣) بأعناقها معقودةً كالعثاكلِ (٤) علينا بسوء أو مُلحّ بباطل(٥) ومن مُلحِقٍ في الدين ما لم نحاول(٦) وراقٍ ليرقى في حِرَاءَ ونازلٍ(٧) والقصيدة في ديوان شيخ الأباطح (ص٢ - ١٢). = (١) ((المقاول)): الملوك. جمع مِقول. اللسان (قول). وأراد بالمقاول آباءه، شبههم بالملوك، ولم يكونوا ملوكاً، ولا كان فيهم من ملك ، بدليل حديث أبي سفيان حين قال له هرقل : هل كان في آبائه من ملك ؟ فقال : لا . ويحتمل أن يكون هذا السيف الذي ذكر أبو طالب من هبات الملوك لأبيه ، فقد وهب بن ذي يزن لعبد المطلب هبات جزلة حين وفد عليه مع قريش، يهنئونه بظفره بالحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله و لو بعامين. الروض (٢٢/٢). (٢) رواية الشطر الأول في السير والمغازي : عكوفاً معاً مستقبلين وتارة . وفي ح : يستقبلون . (٣) قال السهيلي في الروض (٢/ ٢٢): وقوله : موسمة الأعضاد ، يعني معلمة بسمة في أعضادها ، ويقال لذلك الوسم السطاع والخباط في الفخذ ، والرقمة أيضاً في العضد ، ويقال للوسم في الكشح : الكشاح : ولما في قَصَرَةِ العنق العلاط . وقصراتها : جمع قصرة ، وهي أصل العنق ، وخفضها بالعطف على الأعضاد . والمخيَّسة : المذلَّلة التي لم تسرَّح ، ولكنها خُيِّست للنحر أو القَسْم . والسَّديس من الإبل : ما دخل في السنة الثامنة . والبازل : الذي خرج نابه وذلك في السنة التاسعة. الروض (٢٢/٢) واللسان (خيس، سدس، بزل) ولفظ ح : محبَّسة. (٤) (( الوَدْع)): بالسكون والفتح: خرزات تنظم ويتحلَّى بها النساء والصبيان . والرخام : أي ما قطع من الرخام ، فنظم ، وهو حجر أبيض ناصح . والعثاكل : أراد العثاكيل ، فحذف الياء ضرورة كما قال ابن مضاض : وفيها العصافر ، أراد: العصافير. الروض (٢٢/٢). (٥) هكذا في ح ، ط وسيرة ابن هشام والروض : ولعل الصواب : ملجِّ بالجيم . (٦) في ح : لنا بمعشة .. ما لم يجادل . (٧) قال السهيلي في الروض (٢٤/٢): وأصح الروايتين فيه: وراق لبرِّ في حراءَ ونازلِ . قال البرقي : هكذا رواه ابن إسحاق وغيره وهو الصواب . ٢٦٣ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين وبالبيتِ حقِّ البيت من بطن مكةٍ وبالحجَرِ المسودِّ إذْ يمسحونه وموطىءٍ إبراهيمَ في الصخر رطبةً وأشواطٍ بين المروَتَيْن إلى الصَّفَا ومن حجَّ بيتَ الله من كلِّ راكبٍ وبالمشعَرِ الأقصى إذا عمدوا له وتَوقافِهِم فوقَ الجبال عشيَّةً وليلةِ جمعٍ والمنازلِ من مِنَى وجمعٍ إذا ما المقرُبات أجَزْنَه وبالجمرةِ الكُبرى إذا صَمدوا لها وكندةَ إذْ هم بالحِصَابِ عشيَّةً حليفانِ شدَّا عَقْدَ ما احتلفا له وحَطْمِهِمُ سُمرَ الصِّفَاحِ وسَرْحَه وبالله إنَّ اللهَ ليس بغافلِ إذا اكتنفوهُ بالضُّحَى والأصائلُ(١) على قدمَيْه حافياً غيرَ ناعلٍ(٢) وما فيهما من صورةٍ وتماثِلٍ(٣) ومن كلِّ ذي نَذْرٍ ومن كلِّ راجلٍ إلالَ إلى مُفْضَى الشّراجِ القوابلِ(٤) يُقيمون بالأيدي صدورَ الرواحلِ وهل فوقَها من حُرمةٍ ومنازلٍ سِراعاً كما يخرُجْنَ من وقع وابلٍ(٥) يؤثُّون قَذْفاً رأسَها بالجنادلِ تُجِيزُ بهم حجَّاجُ بكرِ بن وائلٍ(٦) وردًّا عليه عاطفاتِ الوسائلِ وشِبْرِقَه وخْدَ النعامِ الجوافلِ(٧) (١) رواية الروض : وبالحجر الأسود . دلّ عليه قوله: وقوله: وبالحجر الأسود ، فيه زحاف يسمى الكف ، وهو حذف النون من مفاعيلن ، وموضع الزحاف بعد اللام من ذلك . اهـ . أما روايته في المتن فقد جاءت المسودّ . وقوله : إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل : جمع أصيلة ، والأصل جمع أصيل . ورواية ح : إذا كشفوه . (٢) وقوله : وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة، يعني موضع قدميه حين غسلت كنته (زوج ابنه ) رأسه ، وهو راكب ، فاعتمد بقدمه على الصخرة حين أمال رأسه ليغسل ، وكانت سارة قد أخذت عليه عهداً حين استأذنها في أن يطالع تركته بمكة ، فحلف لها أنه لا ينزل عن دابته ، ولا يزيد على السلام ، واستطلاع الحال غيرة من سارة عليه من هاجر ، فحين اعتمد على الصخرة أبقى الله فيها أثر قدمه آية. قال الله سبحانه: ﴿ فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِنْزَهِيمٌ﴾ أي : منها مقام إبراهيم ، ومن جعل مقاماً بدلاً من آيات قال : المقام جمع مقامة ، وقيل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه . الروض (٢٥/٢). (٣) بين المروتين : كنحو ما تقدم في بطن المكتين لما ورد مثنى من أسماء المواضع ، وهو واحد في الحقيقة . وتماثل : أراد تماثيل ، كمفاتح ومفاتيح. الروض (٢٥/٢). (٤) ((المشعر الأقصى)): عَرَفَة، وإلال ككتاب وسحاب: جبل عرفة، وسمِّي إلالًا لأن الحجيج إذا رأوه ألُّوا في السير ، أي اجتهدوا فيه ليدركوا الموقف . والشراج: جمع شرج ؛ وهو مسيل الماء ، والقوابل : المتقابلة . الروض (٢٥/٢، ٢٦) وروايته إلالا. معجم البلدان (١/ ٢٤٢، ٢٤٣). (٥) ليس هذا البيت في ح . (٦) ((الحِصَاب)): موضع رمي الجمار بمنى. معجم البلدان (٢/ ٢٦٢). (٧) ((الصفاح)): جمع صفح ؛ وهو سطح الجبل. والسمر: يجوز أن يكون أراد به السمر يقال فيه: سمُر وسمْر بضم الميم وسكونها ، ويجوز نقل ضمة الميم إلى ما قبلها إلى السين ، غير أن هذا النقل إنما يقع غالباً فيما يراد به المدح= ٢٦٤ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين فهل بعدَ هذا من مَعَاذٍ لعائذٍ يُطاع بنا العِدَى ووذُّوا لو أنَّنَا كذبتم وبيتِ الله نترك مكةً كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى محمداً ونسلمه حتى نصرَّعَ حوله وينهضَ قومٌ بالحديد إليكمُ وحتى نرى ذا الضِّغْنِ يركبُ رَدْعَهُ وإنا لعمرُ الله إنْ جدَّ ما أرى بكفَّيْ فَتّى مثلِ الشهابِ سَمَيْدَعِ شهوراً وأياماً وحَوْلاً مُجَرَّماً وما تركُ قومٍ - لا أبا لكَ ــ سيِّداً وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه وهل من مُعيذٍ يتقى اللهَ عادلٌ(١) تُسَدُّ بنا أبوابُ تُرْكٍ وكابُلٍ(٢) ونظعنُ إلَّ أمرُكم في بلابِلٍ(٣) ولمَّا نُطاعنْ دُونَه ونناضلٍ(٤) ونَذهلَ عن أبنائِنا والحلائلِ نهوضَ الروايا تحتَ ذاتِ الصلاصل(٥) من الطَّعنِ فعل الأنكبِ المتحاملِ(٦) لِتَلْتَبِسَنْ أسيافُنا بالأمائلِ أخي ثقةٍ حامي الحقيقةِ باسلٍ علينا وتأتي حِجَّةٌ بعدَ قابل (٧) يحوطُ الذِّمارَ غيرَ ذَرْبٍ مُوَاكِل(٨) تِمَالَ اليتامى عِصْمةً للأراملِ(٩) أو الذم، نحو حسن وقبح. كما قال: ((وحسن ذا أدبا)). وجائز أن يراد بالسمر هاهنا جمع أسمر وسمراء ويكون = وصفاً للبنات ، والشجر يوصف بالدهمة إذا كان مخضرّاً . والسَّرْح : جمع سَرْحة ، وهي الشجرة العظيمة . وقوله : وشبرقه ؛ وهو نبات يقال ليابسه : الحِلّة، ولرطبه الشبرق . والوَخْد : السير السريع . والجوافل : الذاهبة المسرعة . الروض (٢٦/٢) واللسان (وخد ، جفل ، سرح ) . (١) في ح : وهل من مقيل. في ط : يطاع بنا أمر العِدًا ودأننا ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام . (٢) ((البلابل والبلبال)): شدة الهم والوسواس في الصدور وحديث النفس . اللسن ( بلل ). (٣) في ح : نقاتل ، بدل : نطاعن . وقد تقدم شرح البيت . (٤) في ح : وننهض قوماً . الروايا : هي الإبل تحمل الماء ، واحدتها : راوية . والصلاصل : المزادات لها صلصلة (٥) بالماء . الروض (٢٦/٢) . (٦) ركب فلان رَدْعَه : إذا خرَّ لوجهه على دمه ، وطعنه فركب ردعه ، أي مقاديمه وعلى ما سال من دمه ، وقيل: ركب ردعه ، أي خزّ ضريعاً لوجهه على دمه وعلى رأسه وإن لم يمت بعد ، غير أنه كلما همَّ بالنهوض ركب مقاديمه فخر لوجهه. والأنكب: من المنكب، وهو الميل في الشيء وعن الحق، وهي صفة المتطاول الجائر قال رجل من فقعس: إذا الخصم أبزى مائل الرأي أنكب فهلا أعدُّوني لمثلي تفاقدوا اللسان ( ردع ، نكب ) . (٧) في ح ، ط : محرماً بالحاء المهملة ، والمثبت من سيرة ابن هشام، والسنة المجرّمة: التامَّة التي انقضت . اللسان ( جرم ) . (٨) في ح: يحوط الذمار من غير ثوب ثواكل))، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام والروض (٢٦/٢) وجاء فيه: وهو مخفف من ذُرِب ، والذرب اللسان : الفاحش المنطق ، والمواكل : الذي لا جدَّ عنده فهو يكل أموره إلى غيره . (٩) ((ثمال اليتامى)): أي: يثملهم ويقوم بهم، والثِّمال: هو الغياث والملجأ والمطعم في الشدائد. الروض (٢٦/١)= ٢٦٥ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين يلوذُ به الهُلاَّك من آلِ هاشم لعمري لقد أجْرَى أسيدٌ وبكرُهُ وعثمانُ لم يَرْبَعْ علينا وقُنْفُذٌ أطاعا أُبّاً وابنَ عبدِ يَغوثِهم كما قد لقينا من سُبَيْعٍ ونوفلٍ فإِنْ يُلْفَيَا أو يُمْكِنَ اللهُ منهما وذاك أبو عمرٍو أبَى غيرَ بُغضنا يناجي بنا في كلِّ مُمْسَى ومُصْبَحٍ ويؤلي لنا باللهِ ما إنْ يغشُّناً أضاقَ عليه بغضُنا كلَّ تَلْعَةٍ وسائلْ أبا الوليدِ ماذا حَبَوْتنا وكنتَ امرأَ ممَّنْ يُعاشُ برأيِهِ فعتبةُ لا تسمعْ بنا قولَ كاشحِ ومرَّ أبو سفيانَ عنّيَ مُعْرِضاً يَفِرُّ إلى نَجْدٍ وبَرْدِ مياهِهِ فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلٍ(١) إلى بُغضنا وجزَّآنا لآكلٍ(٢) ولكنْ أطاعا أمرَ تلك القبائلِ ولم يرقُبا فينا مقالةَ قائلٍ وكلٌّ تولَّى مُعرِضاً لم يجامِلِ نَكِلْ لهما صاعاً بصاعِ المكايل ليُظْعِننا في أهلِ شاءٍ وجامل(٣) فناجٍ أبا عمرو بنا ثم خَاتِلٍ بلى قد نراهُ جهرةً غيرَ حائلٍ(٤) من الأرض بينَ أخشُبٍ فمَجَادِلِ(٥) بسعيك فينا مُعْرِضاً كالمخاتلِ(٦) ورحمتِهِ فينا ولستَ بجاهلٍ حسودٍ كذوبٍ مبغضٍ ذِي دَغَاوِلٍ(٧) كما مرَّ قَيْلٌ من عظام المَقَاولِ ويزعُمُ أني لستُ عنكم بغافلٍ(٨) واللسان ( ثمل ) . (١) في ح وسيرة ابن هشام : فهم عنده في رحمة . والمثبت من ح . (٢) أسيد هو ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وبكره : هو عتاب ابنه كما في سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٢). (٣) ((الشاء والشوى)): اسم للجمع مثل الباقر والبقير، ولا واحد لشاء والشوى من لفظه، وإذا قالوا في الواحد : شاة ، فليس من هذا ، لأن لام الفعل في شاة هاء بدليل قولهم في التصغير : شويهة ، وفي الجمع شياه . والجامل : اسم جمع بمنزلة الباقر . الروض (٢٦/٢) . (٤) في ط : خائل بالخاء المعجمة ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام ، والحائل : الحاجز بين الشيئين . (٥) في ح : حرشب . والمثبت من ط وسيرة ابن هشام ، وقوله : أخشُب : أراد الأخاشب ، وهي جبال مكة ، وجاء به على أخشب لأنه في معنى أجبُل ، مع أن الاسم قد يجمع على حذف الزوائد كما يصغرونه كذلك ؛ والمجادل : جمع مِجْدَل ، وهو القصر ، كأنه يريد ما بين جبال مكة فقصور الشام أو العراق ؛ والفاء في قوله : فمجادل . تعطي الاتصال بخلاف الواو ... تقول : مطرنا بين مكة فالمدينة ، إذا اتصل المطر من هذه إلى هذه ؛ ولو كانت الواو لم تعط هذا المعنى. الروض (٢٦/٢، ٢٧) . (٦) في ح : بسعيك في تفريقنا كالمخاتل ، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام . (٧) ((الدغاول)): الدواهي: لا واحد لها، والغوائل أيضاً. تاج العروس (غول). (٨) في ح : يحن إلى نجد . ٢٦٦ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين ويخبرُنا فعلَ المناصحِ أنَّهُ أمُطْعِمُ لم أخْذُلكَ في يومٍ نَجْدَةٍ ولا يومَ خَصْمٍ إِذْ أتوكَ الذَّةٍ أمُطْعِمُ إنَّ القومُ سامُوكَ خُطَّةً جزى الله عنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفلاً بميزانِ قسطٍ لا يُخِسُ شَعيرةٌ لقد سفهتْ أحلامُ قومٍ تبدَّلوا ونحن الصَّميمُ من ذُؤابةٍ هاشم وسهم ومخزوم تمالَوْا وألَّبواً فعبدُ منافٍ أنتمُ خيرُ قومِكم لعمري لقد وَهَنْتُمُ وعَجَزْتُمُ وكنتم حديثاً حَطْبَ قِدْرٍ وأنتمُ لِيهنِ بني عبدِ المنافِ عقوقُنا شفيقٌ ويُخْفي عارماتِ الدواخِلِ (١) ولا مُعْظِمٍ عندَ الأمور الجلائلِ أولي جَدَلِ بين الخصومِ المَسَاجِلِ(٢) وإنِّي متى أوكلْ فلستُ بوائلٍ(٣) عقوبةَ شرَّ عاجلاً غير آجلِ له شاهدٌ من نفسِه غيرُ عائلٍ(٤) بني خَلَفٍ قيضاً بنا والغياطل(٥) وآل قُصيٍّ في الخطوبِ الأوائلِ علينا العِدَى من كل ◌ِمْلٍ وخاملٍ(٦) فلا تُشركوا في أمركم كلَّ واغِلٍ وجئتُمْ بأمرٍ مخطىءٍ للمَفَاصلِ(٧) أَلان حِطَابُ أَقْدُرٍ ومَراجلٍ(1 وخذلانُنا وتركُنا في المعاقلِ (١) ((العارمات)): الشديدات. الدواخل: جمع داخلة، وهي النّيَّة والطويَّة والمذهب. اللسان والتاج (عرم، دخل ) . (٢) في ح : أشدَّة بدل ألدَّة. وفي ط : من الخصوم ، وكذا في سيرة ابن هشام ، والمثبت من ح . والمساجل : يروى بالجيم وبالحاء ، فمن رواه بالجيم فهو من المساجلة في القول ، وأصله في استقاء الماء بالسجل وصبه ، فكأنه جمع مساجل على تقدير حذف الألف الزائدة من مفاعل ، أو جمع مِسْجل بكسر الميم ، وهو من نعت الخصوم ، ومن رواه المساحل بالحاء فهو جمع مسحل ، وهو اللسان ، وليس بصفة للخصوم ، إنما هو مخفوض بالإضافة ؛ أي خصماء الألسنة. الروض (٢/ ٢٧) . (٣) ((ساموك)): كلَّفوك. الوائل : الناجي. اللسان ( سوم، وآل). (٤) ((لا يخسُّ)): لا ينقص. ورواية ط : لا يخيس ، ويروى في غير السيرة : يحص بالصاد والحاء مهملة من حص الشعر : إذا أذهبه ، والعائل من قولهم : عال في الميزان : إذا نقص أو زاد . اللسان والتاج ( خسس ، عول ) والروض (٢/ ٢٧) . (٥) ((قيضاً)): أي معاوضة: ومنه قول النبي ◌َّل لذي الجوشن: ((إن شئت قايضتك به المختار من دروع بدر)) فقال : ما كنت لأقيضه اليوم بشيء ، يعني فرساً له . والغياطل : بنوسهم، لأن أمهم الغيطلة . الروض (٢/ ٢٧). (٦) ((الطمل)): اللص والرجل الفاحش والفقير. الروض (٢٧/٢). (٧) في ح : أدهنتم ، بدل : وهنتم . في ط : ألان أحطاب ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام ؛ قال السهيلي في الروض (٢٦/٢): وقوله: وكنتم زماناً (٨) حطب قدر : حطب اسم للجمع من ركب وليس بجمع ، لأنك تقول في تصغيره : حطيب وركيب . وقوله : حطاب أقدر هو جمع حاطب فلا يصغر ، إلا أن تردَّه إلى الواحد فتقول : حويطبون ، ومعنى البيت : أي كنتم متفقين لا تحطبون إلا لقدر واحدة ، فأنتم الآن بخلاف ذلك . اهـ . ٢٦٧ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين فإنْ نكُ قوماً نَبْتَئِرْ ما صنعتُمُ [ وسائطُ كانتْ في لؤيٍّ بن غالبٍ ورهطُ نُفَيِلٍ شرٌّ من وَطِىءَ الحَصَى فأَبلغ قُصَيًّا أنْ سينشَرُ أمْرُنا ولو طرقتْ ليلاً قصياً عظيمةٌ ولو صَدَقوا ضرباً خِلال ديارِهم فكلُّ صديقٍ وابن أُختِ نوذُّه سوى أنَّ رَهْطاً من كلابِ بنِ مرَّة [ وهُنَّا لهمْ حتى تبدَّدَ جمعُهم وكان لنا حوضُ السقايةِ فيهِمُ شبابٌ من المطَيِّيين وهاشمٌ فما أدركوا ذَحْلاً ولا سَفكُوا دماً بضربٍ ترى الفتيانَ فيه كأنهم بني أمةٍ محبوبةٍ مِنْدِ كِيَّة ولكنّنا نَسْلٌ كرامٌ لسادةٍ ونِعم ابنُ أُختِ القومِ غير مكذَّبٍ أشمُّ من الشُّمِّ البهاليلِ يَنْتَمي لعمري لقد كُلَّفْتُ وَجْداً بأحمدٍ فمن مثلُه في الناسِ أُّ مُؤَمَّلٍ وتحتلبوها لَقْحَةً غيرَ باهلٍ(١) نفاهم إلينا كلُّ صَقْرٍ خُلاَحِلٍ وأَلَّمُ حافٍ من معدٍّ وناعِلٍ (٢) وبشِّرْ قصيًّا بعدنا بالتخَاذُلِ إذا ما لجأنا دونهم في المداخل لكنَّا أُسَى عندَ النِّسَا والمطافلِ(٣) لعمري وجدنا غَيْبَهُ غيرَ طائلُ* براء إلينا من مَعقَّةٍ خاذلٍ(٥) ويُحْسَر عِنَّا كلُّ باغٍ وجاهلٍ ونحن الكُدَى من غالبٍ والكواهلِ كبِيض السيوفِ بين أيدي الصياقلِ ولا حالفوا إلا شِرَار القبائل ضواري أُسودٍ فوقَ لحم خرادِل بني جُمَحٍ عُبَيْد قيس بن عاقل بهم نُعِيَ الأقوامُ عند البواطل ] زهيرٌ حساماً مفرَداً من حمائل إلى حسَب في حَوْمةِ المجدِ فاضل وإخوته دَأْبَ المحبِّ المُواصلِ(٦) إذا قاسَهُ الحُكَّامُ عند التفاضلِ (١) في ط وسيرة ابن هشام : نشََّر ، والمثبت من ح وأثبتها الناسخ في هامشها وكتب فوقها كلمة : صح ، ومعنى نبتثر : من ابتأر الشيء إذا خبأه وادَّخره . اللسان ( بأر) وقال صاحب الروض (٢/ ٢٧): وقوله لقحة غير باهل : الباهل : الناقة التي لا صرار على أخلافها ، فهي مباحة الحليب . (٢) ما بين معقوفين ساقط من نسخ البداية والنهاية ، وبعض نسخ سيرة ابن هشام ، وهو مثبت في بعضها فأثبته هنا ناشر المطبوعة نقلا عن سيرة ابن هشام فتبعناه في ذلك . (٣) في ط وسيرة ابن هشام: خلال بيوتهم ... النساء المطافل، والمثبت من ح ، والأسى: جمع أسوى . والمطافل : ذوات الأطفال ، واحدها مطفل . اللسان ( أسو ، طفل ) . (٤) في ط وسيرة ابن هشام : وابن أخت نعده ... وجدنا غبَّه. (٥) ((برا)): بفتح الباء وكسرها، فبالكسر جمع بريْ مثل كريم وكرام ، وأما بَراء فمصدر مثل سلام . الروض (٢٨/٢) . (٦) بعد هذا البيت في سيرة ابن هشام بيت آخر هو : فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها وزيناً لمن والاه ربُّ المشاكلِ ٢٦٨ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين يوالي إلّهاً ليس عنه بغافل حليمٌ رشيد عادلٌ غيرُ طائس كريمُ المساعي ماجدٌ وابنُ ماجدٍ وأيَّدَهُ ربُّ العبادِ بنصره له إرثُ مجدٍ ثابتٌ غيرُ ناصِلٍ(١) وأظهرَ ديناً حقُّه غيرُ زائلٍ تجرُّ على أشياخِنا في المحافِل فواللهِ لولا أنْ أجيءَ بسُبَّةٍ من الدهر جدّاً غير قولِ التهازل لكنّا تَبِعناه على كلِّ حالةٍ لدينا ولا يُعنى بقولِ الأباطل لقد عَلِموا أنَّ ابنا لا مكذَّبٌ تُقَصِّرُ عنها سَورةُ المتطاول(٢) ودافعتُ عنه بالذُّرًا والكلاكلِ(٣) فأصبح فينا أحمدٌ في أرومةٍ حَدِبْتُ بنفسي دونَهُ وحمَيْتُه قال ابن هشام(٤) : هذا ما صحَّ لي من هذه القصيدة ، وبعض أهل العلم بالشعر يُنكر أكثرها . قلت : هذه قصيدةٌ عظيمةٌ بليغة جدّاً لا يستطيعُ أن يقولها إلا من نُسبت إليه ، وهي أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطوّلة بزياداتٍ أُخَرَ . والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق(٥): ثمّ إنهم عدَوْا على من أسلم واتَّبع رسولَ الله وَ لَ من أصحابه فوثبَتْ كلُّ قبيلةٍ على مَنْ فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ويعذُّبونهمُ(٦) بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاءِ مكةَ إذا اشتدَّ الحرّ؛ مَنِ استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم مَنْ يُفتن من شدَّةِ البلاءِ الذي يُصيبهم، ومنهم من يَصْلُبُ لهم ويعصمه الله منهم ؛ فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جُمَح ، مولَّداً من مولَّديهم ، وهو بلال بن رَبَاحِ، واسمُ أُمَّه حَمَامة ، وكان صادقَ الإسلام طاهِرَ القلب ، وكان أميةُ بن خلف يُخرِجُه إذا حميتِ الظّهيرة ثم يأمر بالصخرَةِ العَظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد بَ له، وتعبد اللاتَ والعُزَّى. فيقول : - وهو في ذلك - أحَدٌ أحد . (١) هذا البيت والذي يليه ليسا في سيرة ابن هشام، وفيها تقديم وتأخير في بعض الأبيات. وناصل: لا يزول. (٢) ((السَّورة)): الوَثْبة والرفعة في المجد والمنزلة. اللسان والأساس (سور). (٣) زاد ابن هشام بعدها هذين البيتين : إلى الخير آباءٌ كرام المحاصل رجال كرام غير ميلٍ نماهمُ فلا بد يوماً مرة من تزايل فإن تك كعب من لؤي صقيبة (٤) في السيرة (٢/ ٨٠). (٥) سيرة ابن إسحاق (ص١٩٠) وسيرة ابن هشام (٣١٧/١) والروض (٢/ ٦٧). (٦) ما بعد هذه اللفظة ساقط من سيرة ابن إسحاق . ٢٦٩ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق(١) : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه قال : كان ورَقَةُ بن نَوْفَل يمؤُ به وهو يعذَّب لذلك وهو يقول: أحَدٌ أحَد، فيقول [ ورقة: (٢) أحَد أحَد والله يا بلال، ثم يُقْبِلُ على أميَّة بن خلف ومَنْ يصنع ذلك به من بني جُمح فيقول: أحلفُ بالله، لئنْ قتلتموه على هذا لأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانا٣ً) . قلت : قد استشكل بعضُهم هذا من جهة أنَّ ورَقَة توِّي بعد البِعْثة في فترة الوحي ، وإسلام مَنْ أسلم إنما كان بعد نزول ﴿يَأَتُهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فكيف يمرُّ ورَقَةُ ببلال، وهو يعذَّب؟[ وفيه نظر . ثم ذكر ابنُ إسحاق(٤) مرور أبي بكرٍ ببلال وهو يعذَّب ٥) ، فاشتراه من أمية بعبدٍ له أسود فأعتقه وأراحَهُ من العذاب . وذكر مشتراه لجماعةٍ ممن أسلم من العَبيد والإماء ، منهم بلال ، وعامر بن فُهيرة ، وأم عُبَيس(٦) ، [ وزِنِيرة (٧) التي أُصيب بصَرُها، ثم ردَّه الله تعالى لها ، والنهديّة وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثَتْهما سيدتُهما تطحنانٍ لها فسمعها وهي تقول لهما : والله لا أعتقكما أبداً ، فقال أبو بكر : حِلةٌ) يا أمَّ فلان ، فقالت : حلَّ أنت ، أفسدْتَهما فأعتِقْهما . قال : فبكم هما ؟ قالت : بكذا وكذا . قال : قد أخذتُهما وهما حُرَّتان ، أرْجِعا إليها طحينها . قالتا : أو نفرُغُ منه يا أبا بكر ثم نردُّه إليها ؟ قال: أو ذلك إنْ شئتما . واشترى جاريةَ بني مؤمَّل - حي من بني عَدِيّ - كان عمر يضربها على الإسلام. قال ابن إسحاق(٩): فحدّثني محمد بن عبد الله بن أبي عَتِيق ، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير ، عن (١) سيرة ابن إسحاق (ص ١٩٠) وسيرة ابن هشام (٣١٨/١) والروض (٦٧/٢). (٢) ما بين معقوفين من سيرة ابن إسحاق . (٣) قال ابن الأثير في النهاية (٤٥٢/١): ((الحنان)): الرحمة والعطف، والحنان الرزق والبركة. وكان ورقة على دين عيسى عليه السلام. وهلك قبيل مبعث النبي ◌َّر؛ لأنه قال للنبي نَّو: إن يدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزرًاً. وفي هذا نظر ، فإن بلالاً ما عُذب إلا بعد أن أسلم . اهـ . (٤) سيرة ابن إسحاق (ص١٩١) وسيرة ابن هشام (٣١٨/١) والروض (٢/ ٦٨). (٥) ما بين المعقوفين ليس في ح ولعله سقط من انتقال النظر بين كلمة : يعذب الأولى والثانية . (٦) في ح ، ط والروض : عميس . تصحيف ، والمثبت من السير والمغازي وسيرة ابن هشام والإصابة في ترجمتها في الكنى . (٧) ما بين معقوفين سقط من ح ، ط وأثبته من مصادر الخبر. قال السهيلي في الروض (٧٨/٢): وأول اسمها زاي مكسورة بعدها نون مكسورة مشددة على وزن فِعِّيلة ، هكذا صحّت الرواية في الكتابة ، والزنيرة : واحدة الزنانير ، وهي الحصا الصغار ، قاله أبو عبيدة ، وبعضهم يقول فيها : زنيرة بفتح الزاي وسكون النون وباء بعدها ، ولا تعرف زنيرة في النساء . اهـ . (٨) في ح ، ط وسيرة ابن هشام : حل وفي السير والمغازي : أجل ، والمثبت من الروض . قال ابن الأثير في النهاية ( حلل ) : وفي حديث أبي بكر أنه قال لامرأة حلفت أن لا تعتق مولاة لها ، فقال لها : حِلاً أمَّ فلان ، واشتراها وأعتقها . أي تحلَّلي من يمينك ، وهو منصوب على المصدر. (٩) في السير والمغازي (ص ١٩١، ١٩٢) وسيرة ابن هشام (٣١٩/٢) والروض (٦٨/٢). ٢٧٠ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين بعض أهله ، قال : قال أبو قحافةً لابنه أبي بكر : يا بني إنِّي أراك تُعْتِقُ ضعافاً ، فلو أنك إذْ فعلتَ ما فعلت أعتقتَ رجالًا جُلْداً ، يمنعونك ويقومون دونك ؟ قال : فقال أبو بكر : يا أبة ، إنِّي إنما أريدُ ما أريد . جَ فَسَيَسِّرُهُ ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال : فيتحدَّث أنه ما أنزل هؤلاءِ الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ -٧] إلى آخر السورة . وقد تقدَّم ما رواه الإمام أحمد وابنُ ماجه (١) من حديث عاصم بن بَهْدَلة ، عن زِرّ ، عن ابن مسعود قال: أول من أظهر الإسلامَ سبعةٌ، رسولُ اللهِوَّه، وأبو بكر، وعمار، وأمُّهُ سُمَيَّة، وصُهَيب، وبلال، والمِقْدَاد؛ فأما رسول الله وَّرَ فمنعه الله بعمِّه، و[ أما ] أبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذَهُم المشركون فألبسوهم أدراعَ الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً فإنَّه هانتْ عليه نفسُهُ في الله تعالى ، وهان على قومه ، فأخذوه ، فأعطَوْه الولدان فجعلوا يطوفون به في شِعَابٍ مكة وهو يقول : أحدٌ أحدٌ . ورواه الثَّوْري عن منصور عن مجاهد مرسلاً . قال ابنُ إسحاق (٢) : وكانتْ بنو مَخْزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميتِ الظهيرة يعذِّبونهم برَمْضَاء مكة، فيمرُ بهم رسولُ اللهِ وَ الر فيقول - فيما بلغني -: (( صبراً آلَ ياسر، مَوْعِدُكُمُ الجنَّة )) . وقد روى البيهقيُّ(٣) عن الحاكم، عن إبراهيم بن عِصْمَة العدل، حدَّثنا السَّرِيُّ بنُ خُزيمة ، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام بن أبي عبد الله(٤)، عن أبي الزُبير، عن جابر، أنَّ رسولَ الله وَ لَهَرَّ بعمَّارٍ وأهله وهم يُعَذَّبون فقال: ((أبشرُوا آلَ عمَّار وآل ياسر(٥)، فإنَّ موعدَكُمُ الجنَّة)). فأما أمُّه فيقتلونها فتأبى إلا الإسلام(٦) . وقال الإمام أحمد(٧) : حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال : أول شهيدٍ كان في (١) انظر ما تقدم (ص٢٢٦) موضع الحاشية (٧ و٨) وما يأتي بين معقوفين من ثم، وعاصم بن بهدلة هو ابن أبي النجود. (٢) في المغازي والسير وسيرة ابن هشام (٣١٩/١، ٣٢٠) والروض (٦٨/٢). (٣) في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣٨٨/٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ؛ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٣/٩) وقال : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة . (٤) في ح ، ط : هشام بن أبي عبيد الله ، والمثبت من دلائل النبوة ومستدرك الحاكم وترجمته في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢١٥) . (٥) في دلائل النبوة : أو آل ياسر . (٦) كذا وردت هذه العبارة في ح ، ط ، وليس في دلائل البيهقي. (٧) كذا في الأصول ، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٨٢) عن الحسين بن بشران قال: أخبرنا أبو عمرو بن السماك= ٢٧١ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين الإسلام استشهد أمُّ عمَّار سُمَيَّة، طعنها أبو جهل بحَرْبةٍ في قُبُلها١) وهذا مرسل . قال محمد بن إسحاق (٢) : وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغْري بهم في رجالٍ من قريش، إذا سمع برجل قد أسلم له شرفٌ ومَنَعَة أنَبه(٣) وخَزَاه وقال: تركتَ دينَ أبيك وهو خيرٌ منك، لنسفهنَّ حِلْمك ، ولَنُفَيِّلَنَّ(٤) رأيك، ولنضعَنَّ شرفَك. وإنْ كان تاجراً قال: والله لنكسدَنَّ تجارتك، ولنهلكنَّ مالك. وإن كان ضعيفاً ضربه وأغْرَى به ، لعنه الله وقبَّحه . قال ابنُ إسحاق(٥) : وحدَّثني حكيم بن جُبير ، عن سعيد بن جُبير قال : قلت لعبد الله بن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحابِ رسولِ الله وَّ من العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم ؟ قال : نعم والله! إنْ كانوا ليضربون أحدَهم ويُجيعونه ويُعطشونه ، حتى ما يقدر أنْ يستويَ جالساً من شدَّة الضُّرِّ الذي به ، حتى يُعطِيهمْ ما سألوه من الفِتْنَة، حتى يقولوا له : اللات والعُزَّى إلّهان من دونِ الله ؟ فيقول : نعم ! [ وحتى إنَّ الجُعَلَ ليمُّ بهم فيقولون له: أهذا الجُعَل إلّهك من دون الله ؟ فيقول: نعم ] افتداءً منهم بما يبلغون من جهدهم . قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ [وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }٦) ﴾ الآية ، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والتعذيب (٧) البليغ ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته . وقال الإمام أحمد(٨): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن خَبَّاب بن قال : حدثنا حنبل بن إسحاق قال : حدثني أبو عبد الله أحمد بن حنبل ( في المطبوع : أبو عبد الله يزيد بن أحمد ، = وهو تحريف ) قال : حدثنا وكيع به فذكره . قلت : لم أجد الخبر في مسند أحمد ولا في فضائل الصحابة له ، وذكره صاحب الكنز (٣٧٥٩٧) ورمز إلى أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه وهو فيه (١٧٦١٩) عن وكيع به ، ولم يرمز صاحب الكنز إلى الإمام أحمد ؛ وساقه ابن حجر في ترجمة سمية في الإصابة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن مجاهد وقال : وهو مرسل صحيح السند . قال بشار : هذا من حديث ابن السماك ، وهو يروي عن أحمد بواسطة حنبل ، ولا علاقة له بالمسند . (١) في ح ، ط : قلبها . والمثبت من دلائل النبوة والاستيعاب. (٢) سيرة ابن هشام (٣٢٠/١) والروض (٦٨/٢). (٣) في ح : أباه . تصحيف ، والمثبت من ط . (٤) في ط : ولنفلِّين. تصحيف، والمثبت من ح. وهو فيَّلْتُ رأيه، إذا خطَّأته وصحَّفتُه. انظر اللسان والأساس ( فيل ) . (٥) في المغازي والسير (ص ١٩٢) وسيرة ابن هشام (١/ ٣٢٠) والروض (٦٩/٢) وما بين معقوفين في هذا الخبر من هذه المصادر سقط من الأصول بسبب انتقال النظر . (٦) ما بين المعقوفين ليس في ح وهو من ط حرفت فيه بعض الكلمات والآية هي رقم (١٠٦) من سورة النحل. (٧) في ط : والعذاب . (٨) في مسنده (١١١/٥) رقم (٢٠٩٦٦). ٢٧٢ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين الأَرَتّ . قال : كنتُ رجلاً قَيْناً، وكان لي على العاص بن وائل دَيْن، فأتَّيْتُه أتقاضاه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفُرَ بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تُبعث . قال : فإني إذا مثُّ ثم بُعثت جئتني ولي ثمَّ مالٌ وولد فأعطيك(١). فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَغَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَأْنِيِنَا فَرْدًا﴾ [ مريم: ٧٧ - ٨٠]. أخرجاه في الصحيحين (٢) وغيرهما من طرق عن الأعمش به . وفي لفظِ البخاري(٣) : كنتُ قَيْناً بمكة ، فعملتُ للعاص بن وائل سيفاً ، فجئتُ أتقاضاه فذكر الحديث . وقال البخاري(٤): حدَّثنا الحُميدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا بَيَالُ(٥) وإسماعيل قالا : سمعنا قيساً يقول: سمعتُ خَبَّاباً يقول: أتيتُ النبيَّ ◌َِّ وهو متوسِّدٌ بردة٦ُ) وهو في ظلِّ الكعبة، وقد لَقينا من المشركين شدَّة، فقلت: [ يا رسول الله ]، ألا تدعو الله [لنا]؟ فقعدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فقال: (( قد كان مَنْ كان قبلَكم ليُمشطُ بأمشاطِ الحديد ما دُون عظامِهِ من لحم أوْ عَصَب ، ما يصرِفُه ذلك عن دينه ، ويوضَعُ المنشار(٧) على مفرِق رأسه فيُشَقُّ باثنين، ما يَصْرِفُه ذلكَ عن دينه، ولَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْت ما يخافُ إلا اللهَ عزَّ وجلّ)) زاد بَيَان: ((والذئبَ على غنمه)). وفي رواية(٨): (( ولكنكم تستعجلون )» انفرد به البخاري دون مسلم . وقد رُوي من وجهٍ آخر عن خَبَّاب ، وهو مختصرٌ من هذا . والله أعلم . وقال الإمام أحمد(٩) : حدّثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، وابن جعفر ، حدّثنا شعبة ، عن (١) في مسند أحمد : فأعطيتك . فتح الباري (٢٠٩١) بيوع باب ذكر القين والحداد، وصحيح مسلم (٢٧٩٥) (٣٥) و(٣٦) صفات المنافقين باب (٢) سؤال اليهود النبي ◌َّليل عن الروح . (٣) فتح الباري (٤٧٣٣) التفسير سورة ١٩ باب أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً . فتح الباري (٣٨٥٢) مناقب الأنصار باب ما لقي النبي والقر وأصحابه من المشركين بمكة . وما يأتي بين معقوفين (٤) منه . (٥) في ح ، ط: بنان . تصحيف ، والمثبت من فتح الباري وترجمته في تهذيب الكمال (٣٠٣/٤) وهو بنان بن بشر الأحمسي البجلي ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، وقيس هو قيس بن أبي حازم كما ذكر ابن حجر في الفتح . (٦) في ح ، ط : ببردة ، والمثبت من فتح الباري. (٧) كذا في ج، ط : وفي البخاري والفتح: بميشار. وقال ابن حجر في الفتح (١٦٦/٧) (الميشار) بكسر الميم وسكون التحتانية بهمز وغير همز ، تقول : وشرت الخشبة وأشرتها ، ويقال فيه بالنون ، وهي أشهر في الاستعمال . (٨) فتح الباري (٣٦١٢) مناقب باب علامات النبوة في الإسلام. (٩) في مسنده (١١٠/٥) رقم (٢٠٩٦١). ٢٧٣ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين أبي إسحاق، عن سعيد بن وَهْب، عن خبَّاب قال: شكَوْنا إلى النبيِّ وَلَهِ شِدَّةَ الرَّمْضَاء [ فما أشكانا - يعني في الصلاة - وقال ابنُ جعفر : فلم يُشْكِنا . وقال أيضاً(١): حدثنا سليمان بن داود ، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعتُ سعيد بن وَهْبٍ يقول: سمعت خَبَّاباً يقول: شكونا إلى رسولِ اللهِِّ الرَّمْضَاء]٢) فلم يُشْكِنا. قال شعبة : يعني في الظُّهر(٣). ورواه مسلم والنَّسائي والبيهقي (٤) من حديث أبي إسحاق السَّبيعي ، عن سعيد بن وَهْب ، عن خَبَّاب قال: شكَوْنا إلى رسولِ الله وَِّ حَرَّ الرَّمْضاء - زاد البيهقي في وجوهنا وأكُفِّنا - فلم يُشْكِنا٥). وفي رواية (٦): شكونا إلى رسولِ اللهِ وَّ الصلاة في الرَّمضاء فلم يُشْكنا. ورواهُ ابنُ ماجه(٧) عن علي بن محمد الطَّنَافِسِيّ ، عن وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مُضَرِّب(٨) العَبْدي، عن خباب قال: شكونا إلى رسولِ الله وَّهَ حَرَّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا . والذي يقع لي - والله أعلم - أنَّ هذا الحديث مختصرٌ من الأول، وهو أنهم شكَوْا إليه بِّهِ ما يَلْقَوْن من المشركين من التعذيب بحرِّ الرَّمْضَاء ، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتَّقون بأكفّهم ، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه وَ لّ أن يدعُوَ الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم ، فوعدهم ذلك ولم ينجزْه لهم في الحالة الرّاهنة ، وأخبرهم عمَّن كان قبلهم أنهم كانوا يلقَوْن من العذاب ما هو أشدُّ مما أصابهم ، ولا يصرفُهم ذلك عن دينهم ، ويبشِّرُهم أنَّ الله سيتِمُّ هذا الأمر ويُظهره ويُعلنه وينشره وينصُره في الأقاليم والآفاق، حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حَضْرَمَوت لا يخافُ إلا اللهَ عز وجل والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون ، ولهذا قال: شكَوْنا إلى رسول الله وَّ وَ حرَّ الرمضاء في وجوهنا وأكُفِّنا فلم يُشْكِنا، أي : لم يدْعُ لنا في الساعة الراهنة . فمن استدلَّ بهذا الحديث على عدم الإبراد أو على وجوب مباشرة المصلِّي بالكفِّ كما هو أحد قولي الشافعي ، ففيه نظر . والله أعلم . (١) يعني الإمام أحمد في مسنده (١٠٨/٥) رقم (٢٠٩٥٠). (٢) ما بين المعقوفين سقط من ح . (٣) في ط : الظهيرة . والمثبت من ح ومسند الإمام أحمد . (٤) صحيح مسلم (١٨٩ - ٦١٩) مساجد باب استحباب تقديم ظهر في أول الوقت ، وسنن النسائي (٤٩٧) مواقيت باب أول وقت الظهر ، وسنن البيهقي (١٠٥/٢) كتاب الصلاة باب الكشف عن الجبهة في السجود . (٥) قوله : لم يُشْكِنا : أي لم يُزِل شكوانا . شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١٢١). (٦) وهي رواية مسلم السابقة . (٧) في سننه (٦٧٥) الصلاة باب وقت صلاة الظهر . (٨) وقع في سنن ابن ماجه : مضرَّب. براء مشددة مفتوحة، والصواب براء مشددة مكسورة كما في التقريب (١/ ١٤٥) وكتب الضبط الأخرى . ٢٧٤ باب مجادلة المشركين رسول الله الهيئة وإقامة الحجة الدامغة عليهم باب مجادلة المشركين رسول الله مَّةٍ وإقامة الحُجَّة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإنْ أظهروا المخالفة عِناداً وحسداً وبَغْياً وجُحوداً قال إسحاقُ بن راهويه : حدَّثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيُّوب السّخْتِياني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، أنَّ الوليد بن المغيرة جاء إلى رسولِ الله ◌ِ له فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له ، فبلَغَ ذلك أبا جهل ، فأتاهُ فقال: يا عم، إنَّ قومك يريدون (١) أنْ يجمعوا لك مالاً . قال : لم ؟ قال : ليعطوكه ، فإنك أتيتَ محمداً لتعرض ما قِبَله ، قال : قد علمتْ قريشٌ أَنِّي من أكثرها مالاً . قال : فقل فيه قولاً يبلُغ قومَك أنَّك منكرٌ له . قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما منكم رجلٌ أعرف بالأشعار مني ، ولا أعلم برَجَزِه ، ولا بقصيده مني ، ولا بأشعار الجِنّ ، والله ما يُشبه الذي يقولُ شيئاً من هذا ، ووالله إنَّ لقوله الذي يقوله حلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوة ، وإنَّهُ لمثمرٌ أعلاه، مُغْدِقٌ أسفله، وإِنَّهُ لَيَعْلُو ولا يُعْلى، وإِنَّه لَيَحْطِمُ ما تحته . قال: لا يرضى عنك قومُك حتى تقولَ فيه، قال: قف عني (٢) حتى أفكّر فيه. فلما فكَّر قال: إنْ هذا إلا سحرٌ يُؤثَر يَأْثُرُهُ عن غيره. فنزلتْ: ﴿ذَرْبِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١) وَجَعَلْتُ لَهُ, مَالًا مَمْدُودَا وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [ المدثر: ١١ - ١٣] الآيات. هكذا رواه البيهقي(٣) عن الحاكم ، عن عبد الله بن محمد الصَّنْعاني بمكّة ، عن إسحاق به . وقد رواهُ حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلاً. فيه أنه قرأ عليه ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاُلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [ النحل : ٩٠ ] . وقال البيهقي(٤) : عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار(٥)، عن يونس بن بُكَير(٦)، عن محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة عن ابن عباس - أنَّ الوليد بن المغيرة اجتمع ونفرٌ من قريش، وكان ذا سِنِّ فيهم، وقد حَضَر المواسم(٧) فقال : إنَّ وفود (١) في دلائل البيهقي (١٩٨/٢): يرون. (٢) كذا في ح ، ط ، وفي دلائل النبوة : فدعني ، وهو أشبه بالصواب . (٣) في دلائل النبوة (٢/ ١٩٨). (٤) في دلائل النبوة (١٩٩/٢). (٥) قال الحافظ ابن حجر في (( التقريب)): أحمد بن عبد الجبار العُطاردي ، ضعيف ، وسماعه للسيرة صحيح. (٦) قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يخطىء. (٧) في ح : الموسم . ٢٧٥ باب مجادلة المشركين رسول الله بمايخ وإقامة الحجة الدامغة عليهم العرب ستقدمُ عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا ، فيكذّب بعضكم بعضاً ، ويردُّ قولُ بعضكم بعضاً . فقيل : يا أبا عبد شمس ، فقُلْ، وأقِمْ لنا رأياً نقومُ به . فقال : بل أنتم فقولوا وأنا أسمع . فقالوا : نقولُ كاهن؟ فقال ما هو بكاهن ، رأيتُ الكُهَان ، فما هو بزَمْزَمة الكُهَّان . فقالوا : نقول مجنون؟ فقال ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِهِ ولا وسوسته . فقالوا : نقول شاعر؟ فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر بِرَجَزِه وهَزَجِه وقَرِيضه ومَقْبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر . قالوا : فنقول هو ساحر ؟ قال ما هو بساحر ، قد رأينا الشُّخَّار وسِحْرَهم ، فما هو بنَفْتِهِ ولا بعَقْدِه . قالوا : فما نقولُ يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إنَّ لقوله الحلاوة، وإنَّ أصله لمُغْدق، وإنَّ فَرْعَهُ لجنيٌ(١)، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف (٢) أنه باطل ؛ وإنَّ أقربَ القول لأنْ تقولوا ساحر ، فتقولو(٣) : هو ساحرٌ يفرّقُ بين المرء ودينه ، وبين المرء وأبيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وعشيرته . فتفرَّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون للناس حين قدِموا المَوْسم ، لا يمرُّ بهم أحَدٌ إلا حذَّرُوهُ إِيَّاه ، وذكروا لهم أمره ، وأنزل الله في الوليد : ﴿ ذَرْنِ وَمَنْ خَلَفْتُ وَحِيدًا (٨) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا مَمْدُودًا (١٦) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١١ -١٣] الآيات. وفي أولئك عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: ٩١ - ٩٣ ] . النَّفْرِ: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ قلت : وفي ذلك قال الله تعالى أخباراً عن جهلهم وقِلَّةِ عقلهم ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ افْتَرَهُ بَّ هُوَ شَاعِرُ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اُلْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] فحارُوا ماذا يقولون فيه ، فكلُّ شيءٍ يقولونه باطل ، لأن مَنْ خرج عن الحق مهما قاله أخطأ . قال الله تعالى: ﴿ اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ [ الإسراء: ٤٨، الفرقان: ٩]. وقال الإمام عبد بن حُميد في مسنده(٤)؛ حدثني أبو بكر بن أبي شيبة(٥) ، حدثنا عليٍّ بن مُشْهِر عن الأجْلَح - هو ابن عبد الله الكِنْدِي - عن الذَّيَّال بن حَرْمَلَة الأسَدِي ، عن جابر بن عبد الله قال : اجتمع قريش يوماً فقالوا : انظروا أعلمَكم بالسِّحْر والكهانةِ والشعر، فَلْيأتِ هذا الرجل الذي(٦) فرَّق جماعتنا وشتَّتَ أمرنا ، وعابَ ديننا فلْيُكلِّمْه ولينظر ماذا يردُّ عليه ؟ فقالوا : ما نعلم أحداً غيرَ عتبة بن ربيعة . في ح : وإنْ لفرعه ، وفي دلائل النبوة : إن فرعه لجناً . (١) (٢) في ح : أعرف . كذا في ح ، ط والدلائل ، ولعل الصواب : فتقولون . (٣) ذكره ابن حجر في المطالب العالية (٤٢٨٥) وخرّجه بقوله: لأبي بكر وأبي يعلى وعبد بن حميد . اهـ ، وفي الطبعة (٤) الجديدة بإسناده رقم (٤٢٢٩). وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (٢٥٣/٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وذكره الهيثمي في المجمع ١٩/٦، ٢٠ وقال رواه أبو يعلى وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره وبقية رجاله ثقات . (٥) في مصنفه (١٨٤٠٩) كتاب المغازي باب في أذى قريش للنبي وَطّ. (٦) في ح : الذي قد فرق ، وليست هذه الزيادة في ط ولا في مصنف أبي بكر بن أبي شيبة . ٢٧٦ باب مجادلة المشركين رسول الله يخ وإقامة الحجة الدامغة عليهم فقالوا : أنت يا أبا الوليد. فأتاهُ عتبةُ فقال: يا محمد أنت خيرٌ أمْ عبدُ الله؟ فسكت رسولُ اللهِ وَلَةٍ . فقال: أنت خيرٌ أمْ عبد المطلب؟ فسكت رسولُ اللهِ وََّ. قال: فإنْ كنتَ تزعم أنَّ هؤلاء خيرٌ منك فقد عبدُوا الآلهة التي عِبْتَ ، وإنْ كنت تزعمُ أنك خيرٌ منهم فتكلَّم حتى نسمع قولك ، إنَّا والله ما رأينا سَخْلَةُ(١) قطُ أشأم على قومه منك، فرَّقتَ جماعتنا، وشَّتَّ أمرنا ، وعِبتَ ديننا ، وفضَحْتَنَا في العرب حتى لقد طار فيهم أنَّ في قريش ساحراً ، وأنَّ في قريش كاهناً ؛ والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحُبْلى(٢) أن يقوم بعضُنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ؛ أيها الرجل ، إنْ كان إنما بك الحاجة جمَعْنا لك حتى تكون أغْنَى قريش رجلا، وإنْ كان إنما بك الباءَةً(٣) فاخْتَرْ أي نساء قريش شئت فلنزوجك عَشْراً . فقال حمّ! رسول الله وَله: ((أفرغتَ(٤)؟)) قال: نعم. فقال رسولُ الله وَلَهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (®َ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى أنْ بلغَ ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمُ صَعِقَّةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: ١ -١٣]. فقال عتبة: [حَسْبُك ]°) ما عندك غير هذا؟ قال: ((لا) فرجع إلى قُريش فقالوا : ما وراءك ؟ قال: ما تركتُ شيئاً أرى أنَّكم تكلِّمونه إلا كلَّمتُه [ به (٦). قالوا : فهل أجابك ؟ فقال نعم . ثم قال : لا والذي نصَبَها بنيَّة ، ما فهمتُ شيئاً مما قال ، غير أنه أنذركم صاعقةً مثل صاعقةِ عادٍ وثمود . قال : ويلك يكلِّمُك الرجلُ بالعربية لا تدري ما قال ؟! قال : لا والله ما فهمتُ شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة . وقد رواه البيهقي(٧) وغيره عن الحاكم وغيره(٨) ، عن الأصم ، عن عباس الدُّوري ، عن يحيى بن مَعِين، عن محمد بن فُضَيل، عن الأجْلَح به، وفيه كلامُ(٩) ، وزاد : وإنْ كنتَ إنما بك الرِّياسة عقَدْنا ألويتنا لك ، فكنتَ رأساً ما بقيت . وعنده أنه لما قال: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: ١٣] أمسك عتبةُ (١) في النهاية : سخل ، السخل : المولود المحبب إلى أبويه . وهو في الأصل ولد الغنم. (٢) كذا في ط ومصنف ابن أبي شيبة وفي ح بإهمال الحروف ، وفي المطالب العالية : صيحة الخيل . وهو أشبه بالصواب . في ح ، ط : الباه ، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة والمطالب . (٣) في ح ، ط : فرغت من غير همزة ، والمثبت من مصادر الخبر . (٤) (٥) الزيادة من المصنف والمطالب . (٦) الزيادة من المصنف والمطالب . في دلائل النبوة (٢٠٢/٢ - ٢٠٤). (٧) (٨) ليست اللفظة في ط وأثبتها من ح . يعني الأجلح ، وقد ضعفه أحمد وأبو داود والنسائي وابن سعيد والجوزجاني والساجي وابن حبان وابن الجارود ، (٩) وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . واختلف فيه قول ابن معين بين ثقة وصويلح ، كما بيناه في تحرير التقريب (١٠٦/١) (بشار). ٢٧٧ باب مجادلة المشركين رسول الله وضعية وإقامة الحجة الدامغة عليهم على فيه وناشدَهُ الرَّحِمَ أنْ يَكُفَّ عنه؛ ولم يخرجْ إلى أهله واحتَبَسَ عنهم . فقال أبو جهل : والله يا معشر قريش ، ما نرى عتبة إلا صَبَأ إلى محمدٍ وأعجبَهُ طعامُه ، وما ذاك إلا من حاجةٍ أصابَتْه ، انطلقوا بنا إليه ، فأتوه ، فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما جئنا١) إلا أنَّك صبَوْتَ إلى محمد وأعجبَك أمْرُه ، فإنْ كان بك حاجة جمَعْنا لك من أموالنا ما يُغنيك عن طعام محمد . فغضِبَ وأقسم بالله لا يكلِّمُ محمداً أبداً . وقال : لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً ، ولكنِّي أتيتُه - وقص عليهم القصة - فأجابني بشيءٍ والله ما هو بسحرٍ ا تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ حتى بلغ D جَحمَ ولا بشعر ولا كَهانة، قرأ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُكُمْ صَحِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [ فصلت: ١ -١٣] فأمسكتُ بفيه وناشدتُه الرحمَ أنْ يَكُفّ ، وقد علمتم أنَّ محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب ، فخفتُ أنْ ينزلَ عليكم العذاب . ثم قال البيهقي (٢)، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس(٣)، عن محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم ، عن محمد بن كعب قال : حُدِّثتُ أنَّ عتبة بن ربيعة - وكان سيداً حليماً - قال ذات يوم وهو جالسٌ في نادي قريش، ورسولُ اللهِوَّلِ جالسٌ وَحْدَه في المسجد : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى هذا [فأُكلِّمَهُ ] فأعرضَ عليه أموراً لعلَّه يقبلُ بعضَها ويكفُّ عنا ؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله وَله، فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه(٤) من المال والمُلْك وغير ذلك(٥)، حتى إذا فَرَغ عتبة قال له النبيُّ لَهُ: ((أفرغْتَ(٦) يا أبا الوليد؟)) قال: نعم. قال: ((اسمَعْ مني)) قال: أفعل. فقال رسولُ الله ◌َيَت: (١) في الدلائل : حسبنا وهو أشبه بالصواب. (٢) في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٤) وما يأتي بين معقوفين منه . (٣) هو يونس بن بكير . (٤) في ط : على رسول الله رَّيه. بدل عليه، والمثبت من ح والدلائل. (٥) زادت نسخة ط ما سيأتي ، وليست هذه الزيادة في ح ولا في دلائل النبوة للبيهقي ، ويبدو أن هذه الزيادة هي التي اختصرها البيهقي من حديث عتبة ، فأعادها بعض النساخ دون أن ينتبه إلى ذلك ، والزيادة هي قوله : وقال زياد بن إسحاق : فقال عتبة : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا .. وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله وَّطل يزيدون ويكثرون .. فقالوا : بلى يا أبا الوليد، فقم إليه وكلمه. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله وَ الر فقال: يا بن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب ، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفَّرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني حتى أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، قال فقال رسول الله وَلقول: ((يا أبا الوليد أسمعٍ)). قال: يا بن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه . أو كما قال له . (٦) في الدلائل : أفرأيتَ ، ولعله تصحيف . ٢٧٨ باب مجادلة المشركين رسول الله # وإقامة الحجة الدامغة عليهم كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًّا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [٥]، حَمَلَ [ فصلت: ١ - ٣] فمضى رسولُ الله ◌ِ لَهَ يقرؤها، فلما سمع بها عتبةُ أنصتَ لها وألْقَى بيديه خلْفَه - أو خلْفَ ظهره - معتمداً عليهما يسمع منه، حتى انتهى رسولُ اللهَ وَّه إلى السجدة فسجد فيها ثم قال: ((سمعتَ يا أبا الوليد؟)) قال: سمعتُ. قال: ((فأنتَ وذاك)) فقام عتبةُ إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغيرِ الوَجْه الذي ذهب به . فلما جلسوا إليه قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أَنِّي والله قد سمعتُ قولاً ما سمعتُ مثله قط، والله ما هو بالشعر [ ولا السِّحْر ] ولا الكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه ، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعتُ نبأٌ ، فإن تُصِبْهُ العرب فقد كُفيتموهُ بغيركم ، وإنْ يظهرْ على العرب فملْكُه ملْكُكم ، وعِزُّه ◌ِزُّكم، وكنتم أسعدَ الناسِ به . قالوا : سحَرَكَ والله يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم . ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعراً قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة . وقال البيهقي(١) : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الأدَمي بمكة ، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بِشْر الطَّيَالسي، حدثنا داود بن عمرو الضَّبِّ ، حدثنا المثنى بن زُرْعَة عن محمد بن إسحاق، عن نافع ، عن ابن عمر قال: لما قرأ رسولُ اللهِ وَّهِ على عتبة بن ربيعة ﴿حَمّ ◌َ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم ، أطيعوني في هذا الأمر اليوم ، واعْصُوني فيما بعده ، فوالله لقد سمعتُ من هذا الرجل كلاماً ما سمعتْ أُذناي كلاماً مثله ، وما دَرَيْتُ ما أردُّ عليه . وهذا حديثٌ غريبٌ جدّاً من هذا الوجه . ثم روى البيهقي(٢) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس (٣) ، عن ابن إسحاق: حدثني الزُّهْري قال: حُدِّثتُ أنَّ أبا جهلٍ وأبا سفيان والأخنس بن شُريق خرجوا ليلةً ليسمعوا من رسولِ الله ◌ََّ، وهو يصلِّي بالليل في بيته ، فأخذ كلُّ رجلٍ منهم مجلساً ليستمع منه ، وكلٌّ لا يعلمُ بمكانٍ صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا أصبحوا وطَلَع الفجر تفرَّقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعضُ سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً . ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلةُ الثانية عاد كلُّ رجلٍ منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طَلَع الفجرُ تفرَّقوا ، فجمعهم الطريق ، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرَّة . (١) في دلائل النبوة (٢٠٥/٢) . (٢) في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٦). (٣) هو يونس بن بكير ، وهو أحد رواة سيرة ابن إسحاق . ٢٧٩ باب مجادلة المشركين رسول الله بحيث وإقامة الحجة الدامغة عليهم ثم انصرفوا ، فلما كانتِ الليلةُ الثالثة أخذ كلُّ رجل منهم مجلسَه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرَّقوا فجمعهم الطريق ، فقالوا : لا نبرحُ حتى نتعاهد أن لا نعود . فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس بن شُرَيق أخَذَ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيانَ في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعتَ من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة والله لقد سمعتُ أشياءَ أعرفُها وأعرفُ ما يُرادُ بها . فقال الأخنس : وأنا والذي حلفتَ به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيُكَ فيما سمعتَ من محمد؟ فقال : ماذا سمعت! تنازَعْنا نحن وبنو عبد مَنَافٍ الشَّرَف ، أطعموا فأطعَمْنا، وحمَلوا فحملنا، وأعطَوْا فأعطَيْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكب ، وكنّا كَفَرَسَيْ رِهان قالوا : منا نبيٌّ يأتيهِ الوَحْيُ من السماء ، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمعُ(١) به أبداً ولا نصدِّقُه . فقام عنه الأخنس بن شُريق . ثم قال البيهقي(٢) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس ، حدثنا أحمد ، حدثنا يونس ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم، عن المغيرة بن شعبة قال: إنَّ أوَّلَ يوم عرفتُ رسولَ الله وَ لِ أَنِّي [ كنتُ] أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزِقَّة مكة، إذْ لَقِينا رسول اللهِنَّهِ، فقال رسولُ اللهِ وَه لأبي جهل : (( يا أبا الحكم ، هَلُمَّ إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله)) . فقال أبو جهل : يا محمد ، هل أنتَ مُنْتهِ عن سَبِّ آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهدَ أنك قد بلَّغْت؟ فنحن نشهد أنْ قد بلغت ، فوالله لو أني أعلمُ أنَّ ما تقول حقٌّ لاتَبعتُك. فانصرف رسول الله وَلَ وأقبلَ عليَّ فقال : والله إني لأعلم أن ما يقولُ حق، ولكنَّ بني قُصَيُّ(٣) قالوا : فينا الحِجَابة . فقلنا : نعم ؛ ثم قالوا : فينا السقاية ، فقلنا : نعم ، ثم قالوا : فينا الندوة . فقلنا : نعم. ثم قالوا: فينا اللُّواء . فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمْنا. حتى إذا تحاكَّت الرُّكب قالوا : منَّا نبيّ . والله لا أفعل . وقال البيهقي(٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر، قال(٥) : أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، حدّثنا محمد بن خالد ، حدّثنا أحمد بن خالد(٦)، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: مرَّ النبيُّ ◌َّه على أبي جهل وأبي سفيان، وهما جالسان، فقال أبو جهل : هذا نبيِّكم يا بني عبد شمس. (١) في الدلائل : لا نؤمن . وهو أشبه بالصواب . (٢) في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٧) وما يأتي بين معقوفين منه . في ح : ولكن شيء أن بني قصى . وزادت ط بين معقوفين [ يمنعني ] بعد: ولكن . وما أثبتُّه من الدلائل . (٣) (٤) في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٤) وما يأتي بين معقوفين منه. (٥) قوله: وأبو بكر سقط من ط وهو في ح والدلائل وزاد الدلائل ((القاضي)). في ح ، ط : أحمد بن خلف وهو تحريف ، والمثبت من دلائل البيهقي وترجمة كل من محمد بن خالد بن خَلِيٍّ (٦) الكلاعي وأحمد بن خالد بن موسى الوهبي في تهذيب الكمال (٢٩٩/١) المطبوع أو (١١٩٣/٣) (مصورة المخطوطة ) . ٢٨٠ باب مجادلة المشركين رسول الله ◌َّةٍ وإقامة الحجة الدامغة عليهم قال أبو سفيان : وتعجَبُ أنْ يكون منَّا نبيّ ؟ فالنبيُّ يكون فيمنْ [ هو ] أقلّ منا وأذلّ . فقال أبو جهل : أعجب أن يخرج غلامٌ من بين شيوخ نبياً ، ورسولُ اللهِوَ ل يسمع. فأتاهما فقال: ((أما أنتَ يا أبا سفيان، فمالله ورسولِهِ غضِبت ، ولكنك حَميتَ للأصل ؛ وأمَّا أنت يا أبا الحكم ، فوالله لتضحكَنَّ قليلاً ولتبكيَنَّ كثيراً )) فقال : بئسما تَعِدُني يا ابن أخي من نبوَّتِك . هذا مرسلٌ من هذا الوجه وفيه غرابة . وقولُ أبي جهلٍ - لعنه الله - كما قاله الله تعالى مخبراً عنه وعن أضرابه ﴿ وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا (١) إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْءَالِهَتِّنَا لَوْلَا أَنْ صَبْنَا عَلَيْهَأَ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [ الفرقان: ٤١ -٤٢]. وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا هُشَيم، حدّثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال : نزلَتْ هذه الآيةُ ورسولُ اللهِوَّه متوارٍ بمكة: ﴿ وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [ الإسراء: ١١٠] قال: كان إذا صلَّى بأصحابه رفَعَ صوتَهُ بالقرآن ، فلما سمع ذلك المشركون سَبُّوا القرآن وسَبُّوامن أنزلَهُ ومَنْ جاء به ، قال: فقال الله تعالى لنبيِّه محمدٍ رَّ: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي بقراءَتك فيسمعَ المشركونَ فَيَسُبُّوا القرآن ﴿ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عن أصحابك، فلا تُسْمِعْهِمُ القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وهكذا رواه صاحبا الصحيح(٢) من حديث أبي بشر جعفر بن أبي وَحْشِيَّة به(٣). وقال محمد بن إسحاق(٤) : حدَّثني داودُ بن الحُصَين عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسولُ الله ◌ِ ◌َّ إذا جهر بالقرآن - وهو يصلِّي - تفرَّقوا عنه وأبَوْا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعضَ ما يتلو ، وهو يصلِّ ، استرق السمع دونهم فرَقَاً منهم ، فإنْ رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإنْ خَفَضَ رسولُ الله ◌ِ له لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ فيتفرَّقوا عنك ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع من أرادَ أن يسمعَها ممن يَسْتَرِقُ ذلك، لعلَّه يَرْعَوِي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [ الإسراء: ١١٠ ] . (١) في مسنده (٢١٥/١) . (٢) البخاري في فتح الباري (٤٧٢٢) التفسير سورة الإسراء باب ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، و(٧٤٩٠) التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿ أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَبِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، ومسلم في صحيحه (٤٤٦) (١٤٥) الصلاة باب التوسط في القراءة في الصلاة . (٣) في ط : جعفر بن أبي حية. وهو تحريف ، والمثبت من ح وفتح الباري وترجمته في تهذيب الكمال (٥/٥) وهو جعفر بن إياس . (٤) في السير والمغازي (ص٢٠٦) وسيرة ابن هشام (٢١٤/١) والروض (٢/ ٤٧) على خلاف في نهاية الخبر .