Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ ذكر عمره مة وقت بعثته وتاريخها واعية - عن بعض أهل العلم، أنَّ رسول الله وَ ل حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوّة ، كان إذا خرج لحاجته أَبْعَدَ حتى يحسر البيوت عنه(١) ، ويُفضي إلى شعاب مكة وبُطونٍ أوديتها، فلا يمرُّ بحجرٍ ولا شجر إلَّ قال : السلام عليك يا رسول الله . قال : فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلَّ الشجرَ والحجارة ، فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكثَ ، ثمَّ جاءه جبريل عليه السلام بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان ]٢) . قال ابن إسحاق(٣) : وحدّثني وَهْبُ بن كَيْسان مولى آلِ الزُّبير قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ الزبير وهو يقول لِعُبيد بن عُمير بن قتادةَ اللَّيثي: حدِّثنا يا عُبيد كيف كان بُدُ ما ابتدىءَ به رسولُ اللهِ وَلَه من النبوة حين جاءه جبريل . قال : فقال عُبيد - وأنا حاضر، يحدِّثُ عبدَ الله بنَ الزبير ومن عندَهُ من الناس - : كان رسول الله وَ ◌ّ يجاور في حِرَاء في كلِّ سنةٍ شهراً. قال: وكان ذلك مما تحنَّثُ(٤) به قريش في الجاهلية ، والتحنُّث التبرُّر(٥) . فكان رسول الله وَ لا يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يُطعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى جِوارَهُ من شهرِه ذلك ، كان أولُ ما يبدأ به إذا انصرف من جِوارِه الكعبة ، قبل أنْ يدخلَ بيتَه فيطوف بها سبعاً ، أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجِعُ إلى بيته ، حتى إذا كان الشهرُ الذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته ، من السنة التي بعثَهُ فيها ، وذلك الشهر رمضان ، خرج إلى حِرَاء كما كان يخرج لجواره ، ومعه أهلُه ، حتى إذا كانتِ الليلةُ التي أكرمَهُ الله فيها برسالته، ورحِمَ العبادَ به(٦) جاءه جبريلُ بأمر الله تعالى . قال رسولُ الله مَ: ((فجاءني وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج(٧)، فيه كتاب فقال: اقرأ . قلت: ما أقرأ ؟ قال : فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت (٨)، ثم أرسلني فقال: اقرأْ . قلت : ما أقرأ؟ قال : فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلت : ما اقرأ ؟ فقال : فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلتُ : ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا اقتداءً منه أنْ يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى فَلَقَ (٤ خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿ اقْرَأْ وَرَبِّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِنْسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]. قال: (١) في ط : لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب . والمثبت من سيرة ابن هشام والروض. (٢) سقط الخبر من ح وهو في ط وسيرة ابن هشام (٢٣٤/١) والروض (٢٦٦/١) وفيهما : عبد الملك بن عبيد الله. تصحيف ، وقد تقدمت الإشارة إلى ترجمته في (ص ١٩١) ح (٧). (٣) سيرة ابن هشام (٢٣٥/١، ٢٣٦) والروض (٢٦٧/١، ٢٦٨). (٤) في ط : يحبب ، وفي ح بإهمال الحروف ، والمثبت من السيرة والروض . (٥) ومن معانيه أيضاً التعبُّد كما مر (ص١٩٢ في المتن). (٦) في السيرة والروض : بها . (٧) انظر (ص ١٨٧) ح (٢) . (٨) الغت والغط سواء ، كأنه أراد عصرني عصراً شديداً حتى وجدت منه المشقة ، كما يجد من يُغمس في الماء قهراً . النهاية ( غتت ) . ٢٠٢ ذکر عمره م و قت بعثته وتاريخها فقرأتُها ، ثم انتهى وانصرف عني وهببتُ من نَوْمي فكأنما كتب في قلبي كتاب١ٌ) . قال فخرجتُ حتى إذا كنتُ في وسطٍ من الجبل ، سمعتُ صوتاً من السماء يقول : يا محمد ، أنت رسولُ الله وأنا جبريل . قال : فرفعتُ رأسي إلى السماء ، فأنظر(٢) ، فإذا جبريلُ في صورةِ رجلٍ صافٍّ قدمَيْه في أُفقِ السماء يقول : يا محمد أنت رسولُ الله وأنا جبريل. فوقفت أنظر إليه . فما أتقدَّم وما أتأخر ، وجعلتُ أصرِف وجهي عنه في آفاق السماء . فما أنظر في ناحيةٍ منها إلا رأيتُه كذلك، فما زلتُ واقفاً ما أتقدَّم أمامي وما أرجعُ ورائي حتى بعثَتْ خديجةُ رُسلَهَا في طلبي، فبلغوا [ أعلى }٣) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ؛ ثم انصرف عني . وانصرفتُ راجعاً إلى أهلي حتى أتيتُ خديجة فجلستُ إلى فَخذها مُضيفاً إليها٤) فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثتُ رُسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ . ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت : أبشِرْ يا ابن العم واثْبُتْ، فوالذي نفسُ خديجةَ بيده، إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة . ثم قامتْ فجمعتْ عليها ثيابها، ثم انطلقتْ إلى ورقةَ بنِ نوفل، فأخبرتْهُ بما أخبرها به رسولُ اللهِ عَلّ فقال ورقة : قُدُّوس قدُّوس ، والذي نفسُ ورقةَ بيدِه ، لئن كنتِ صدقْتِني يا خديجة ، لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وإنَّه لنبيُّ هذه الأمة ، وقولي له فَلْيَثْبُتْ. فرجعتْ خديجةُ إلى رسولِ اللهِوَّ فأخبرتْه بقولِ ورقة، فلما قضى رسولُ اللهِوَ له جِوارَهُ وانصرف صنع كما كان يصنع ، بدأ بالكعبةِ فطاف بها ، فلَقِيَهُ ورقةُ بن نوفل وهو يطوفُ بالكعبةِ ، فقال : يا ابنَ أخي ، أخبرني بما رأيتَ وسمعت . فأخبره ، فقال له ورقة : والذي نفسي بيده ، إنَّكَ لنبيُّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموسُ الأكبرُ الذي جاء موسى ، ولتكذَّبَنَّة، ولتؤذَينَّهُ، ولتخرجَنَّة ، ولتقاتَلنَّة ، ولئن أنا أدركتُ ذلك اليوم لأنصرَنَّ الله نصراً يعلمه. ثم أدنى رأسَهُ منه فقبَل يا فُوخَهُ(٥)، ثم انصرف رسول الله وَل إلى منزله . وهذا الذي ذكره عُبيد بن عُمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعدَهُ من اليقظة كما تقدم من قولِ عائشة رضي الله عنها : فكان لا يرى رؤيا إلا جاءتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْحُ(٦). ويحتمل أنَّ هذا المنام كان بعدَ ما رآه (١) انظر ما تقدم (ص١٨٩) والروض للسهيلي (٢٦٩/٢٦٨/١). (٢) في السيرة والروض : أنظر وهو أشبه . (٣) ما بين معقوفين من السيرة والروض. (٤) مضيفاً إليها : من أضاف إليه: إذا مال ودنا . التاج ( ضيف ) راجع الخشني . (٥) ((اليافوخ)): الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل أو الليِّن منه قبل أن يتلاقى العظمان، معنى وسط الرأس. التاج ( أفخ ) وقال السهيلي في الروض (١/ ٢٧٤): لا يقال في رأس الطفل يافوخ حتى يشتد وإنما يقال له الغاذية . (٦) انظر ما تقدم (ص١٨٩) . ٢٠٣ ذكر عمره مخلل وقت بعثته وتاريخها في اليقظة صبيحةً ليلتئذ ، ويحتمل أنه كان بعده بمدَّة. والله أعلمُ(١) وقال موسى بن عُقْبَة٢ً) ، عن الزّهري ، عن سعيد بن المسيِّب قال : وكان فيما بلغنا أولُ ما رأى يعني رسولَ الله ◌َّي أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه ، فذكرها لامرأته خديجةَ فعصمها الله عن التكذيب ، وشرح صدرَها للتصديق ، فقالت : أبشرْ فإنَّ الله لم يصنع بك إلا خيراً ، ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها ، فأخبرها أنه رأى بطنَهُ شُقَّ، ثم غُسل وطُهِّر ، ثم أعيد كما كان . قالت : هذا والله خيرٌ فأبشر ، ثم استعلَنَ له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلسٍ كريم مُعْجب، كان النبيُّ نَّ يقول: (( أجلسني على بساطٍ كهيئةِ الدُّرْنو(٣)، فيه الياقوت واللُّؤْلُؤْ)). فبَشَرَهُ برسالةِ اللهِ عزَّ وجلّ ، حتى اطمأنَّ رسولُ الله ◌َّه فقال له جبريل: اقرأ. فقال: كيف أقرأ؟ فقال: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴿٥ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ ﴿ آقْرَأْ وَرَبِّكَ الْأَكْرُ جَ الَّذِى عَلَّمَ بِالْعَلَمِ ﴿ عَلََّ الْإِنْسَنَ مَا لَزْيَعْلَمْ ﴾ [العلق: ١ - ٥]. قال: ويزعم ناسٌ أنَّ ﴿ يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ أولُ سورةٍ نزلَتْ عليه ، والله أعلم . قال (٤): فقبل رسولُ اللهِ وَّه رسالةَ ربِّه واتَّبع ما جاءه به جبريل من عند الله، فلما انصرف مُنقلباً إلى بيته ، جعل لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجرٍ إلا سلّم عليه، فرجع إلى أهله مسروراً موقناً ، قد رأى أمراً عظيماً ، فلما دخل على خديجة قال : أرأيتكِ التي كنتُ أُحدِّتُكِ أني رأيتُه في المنام ؟ فإنَّهُ جبريلُ استعلَنَ إليّ ، أرسله إليَّ ربِّي عزَّ وجل)). وأخبرها بالذي جاءَهُ من الله وما سمع منه، فقالت: أبشرْ، فواللهِ لا يفعلُ الله بك إلا خيراً ، واقْبَلِ الذي جاءك من أمرِ الله، فإنه حقّ ، وأبشرْ ، فإنَّكَ رسولُ الله حقاً . ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاماً لعُتْبَةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس نصرانياً من أهل نِينوى(٥) ، يقال له عَدَّاس ، فقالت له : يا عدَّاس، أُذَكِّرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علمٌ من جبريل ، فقال: قدُّوسٌ قدُّوس ، ما شأنُ جبريلَ يُذكَرُ بهذه الأرض التي أهلُها أهلُ الأوثان ! فقالت : أخبرني بعلمك فيه : قال : فإنَّهُ أمينُ الله بينه وبين النبيِّيْن ، وهو صاحبُ موسى وعيسى عليهما السلام . فرجعتْ خديجةُ من عنده ، فجاءت ورقةَ بنَ نوفل ، فذكرت له ما كان من أمر النبي وَّر وما ألقاه إليه (١) انظر ما تقدم ص (١٨٩). (٢) أورده البيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٤٢) عن موسى بن عقبة، وبه أيضاً ذكره السيوطي في الخصائص (٩٣/١) وذكر تخريج أبي نعيم به أيضاً ولم أجده فيه . (٣) ((الدرنوك)): سِتْرٌله خَمْل. النهاية ( درنك ). (٤) يعني سعيد بن المسيب . ((نينوى)): هي قرية يونس بن متى عليه السلام بالموصل. معجم البلدان (٣٣٩/٥) وجاء في التاج ( عدس ) عن (٥) الروض للسهيلي: أن عداساً حين سمع رسولَ الله ◌ِ له يذكر يونس بن متي عليه السلامٍ قال: والله لقد خرجت منها - يعني نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متَّى، فمن أين عرفت متَّى وأنت أَمِّ وفي أَمَّة أَمِّيّة؟ فقال ◌ََّ: هو أخي، كان نبياً وأنا نبي . ٢٠٤ ذکر عمره څټ وقت بعثته وتاريخها جبريل . فقال لها ورقة : يا بُنِيَّةَ أخي ، ما أدري لعلَّ صاحبَكِ النبيُّ الذي ينتظرُ أهلُ الكتاب ، الذي يجدونَهُ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، وأُقسمُ بالله لئن كان إيَّاه ، ثم أظهر دعواهُ وأنا حيٌّ لأبْلينَّ اللهَ في طاعةِ رسولِه وحسنٍ مؤازرته (١) ، للصبر(٢) والنصر . فمات ورقةُ رحمه الله . قال الزهري : فكانت خديجة أولَ مَنْ آمن بالله وصدَّق رسوله وَلّ . قال الحافظ البيهقي بعد إيرادِهِ ما ذكرناه(٣) ؛ والذي ذُكر فيه من شَقِّ بطنه، يحتمل أن يكونَ حكايةً منه لما صُنع به في صباه - يعني شقَّ بطنه عند حليمة - ويحتمل أن يكون شُقَّ مرّةً أخرى ثم ثالثة حين عُرجَ به إلى السماء . والله أعلم . وقد ذكر الحافظُ ابن عساكر في ترجمةِ ورَقَةُ(٤) بإسناده إلى سليمان بن طَرْخان التَّيِّمِيِّ قال : بلغَنا أنَّ الله تعالى بعث محمداً رسولًا على رأسِ خمسينَ سنةً من بناءِ الكعبةُ(٥) ، وكان أول شيء اختصَّهُ به من النبوّة والكرامة رؤيا كان يراها ، فقصَّ ذلك على زوجته خديجة بنت خُويلد ، فقالت له : أبشرْ ، فوالله لا يفعَلُ اللهُ بك إلا خيراً . فبينما هو ذات يوم في حِرَاء ، وكان يفرُّ إليه من قومِهِ إذْ نَزَل عليه جِبْريل ، فدنا منه ، فخافه رسولُ اللهِ وَّهِ مخافةً شديدة، فوضع جبريلُ يدَهُ على صدره ومن خلفه بين كتفَيْه . فقال: اللهم اخْطُطْ وِزْرَه ، واشرَحْ صدره ، وطهِّرْ قلبه ، يا محمد أبْشِرْ! فإنك نبيُّ هذه الأمة ، اقرأْ . فقال له نبيُّ الله وهو خائفٌ يُرْعَد: (( ما قرأتُ كتاباً قطُ ولا أُحْسِنُهُ، وما أكتبُ وما أقرأ )) فأخذه جبريلُ فعتَّهُ غّاً شديداً ، ثم تركه ثم قال له : اقرأْ. فأعادَ عليه مثلَه، فأجلسه على بساطٍ كهيئةِ الدُّرْنُوك، فرأى فيه من صفائِهِ وحسنِهِ كهيئةِ اللُّؤْلُؤِ والياقوت، وقال له: ﴿ اقْرَأْ بِأُسِ رَِكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾ الآيات، ثم قال له: لا تخفْ یا محمد، إِنَّكَ رسولُ الله. ثم انصرف وأقبل على رسول الله وَّه هُّه فقال: (( كيف أصنعُ وكيف أقولُ لقومي ؟ )) ثم قام رسولُ اللهَ بٌَّ وهو خائف، فأتاه جبريل من أمامِه وهو في صورته (٦) ، فرأى رسولُ الله وَ ليِ أمراً عظيماً ملأ صَدْرَه، فقال له جبريل: لا تخَفْ يا محمد، جبريلُ رسولُ الله ، جبريلُ رسولُ الله إلى أنبيائِهِ ورُسُله ؛ فأيقنْ بكرامةِ الله، فإنك رسولُ اللهِوَ له، فرجع رسولُ اللهِ وَ لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجر إلا هو ساجدٌ يقول: السلامُ عليك يا رسولَ الله . فاطمأنَّتْ نفسُه، وعرفَ كرامةَ الله إياه ، فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرتْ ما بوجههِ من تغيُّر لونه ، فأفزَعَها ذلك، فقامتْ إليه : فلما دنَتْ منه جعلتْ تمسَحُ عن وجهه (١) ((لأبلين)): لأخبرَنَّ، وأصله من قولهم: أبليت فلاناً يميناً: إذا حلفت له بيمين طيّبتَ بها نفسه. اللسان ( بلو) . (٢) كذا في ح ، ط وفي الدلائل : الصبر من غير لام . (٣) الدلائل (١٤٦/٢). في تاريخ ابن عساكر (١٧/٦٣)، وهو خبر ضعيف. (٤) (٥) إن كان يريد بناء قريش فهذا لا يصح لأن رسول الله وَّير شهدها كما هو معروف في كتب السيرة ، وإن كان يريد أول بنائها ، فهذا بعيد جداً ( بشار) . (٦) في ط : صعرته . تحريف . ٢٠٥ ذکر عمره ټژ وقت بعثته وتاريخها وتقول : لعلك لبعض ما كنتَ ترى وتسمع قبلَ اليوم! فقال: (( يا خديجة ، أرأيت الذي كنتُ أرى في المنام ، والصوتَ الذي كنتُ أسمع في اليَقَظة وأُهالُ منه، فإنَّهُ جبريلُ قد استعلن لي ، وكلَّمني وأقرأني كلاماً فزِعْتُ منه ، ثم عاد إليّ ، فأخبرني أنِّي نبيُّ هذه الأمة ، فأقبلتُ راجعاً فأقبلتُ على شجرٍ وحجارة ، فقلْنَ : السلامُ عليكَ يا رسول الله )) فقالتْ خديجة : أبشرْ، فوالله لقد كنتُ أعلم أنَّ الله لنْ يفعلَ بك إلا خيراً، وأشهدُ أنَّك نبيُّ هذه الأمةِ الذي تنتظرُهُ اليهود ، قد أخبرني به ناصحٌ ، غُلامي وبَحِيرَى الراهب(١) ، وأمرني أن أتزوَّجَك منذُ أكثرَ من عشرين سنة . فلم تزَلْ برسولِ اللهِ وَلِّ حتى طعِمَ وشرب وضحِك، ثم خرجتْ إلى الراهب وكان قريباً من مكة ، فلما دنتْ منه وعرفها قال : ما لكِ يا سيدةَ نساءِ قريش ؟ فقالت : أقبلتُ إليك لتخبرَني عن جبريل ، فقال : سبحان اللهِ ربِّنا القدُّوس! ما بالُ جبريلَ يُذكَرُ في هذه البلادِ التي يَعبُدُ أهلُها الأوثان؟ جبريلُ أمينُ اللهِ، ورسُولُه إلى أنبيائه ورسُلِه ، وهو صاحبُ موسى وعيسى. فعرفتْ كرامةَ اللهِ لمحمد ، ثم أتتْ عبداً لِعُتْبَّةَ بنِ ربيعةَ يقالُ له : عدَّاس ، فسألَّتْهُ ، فأخبرها بمثلِ ما أخبرها به الراهب وأزيد ، قال : جبريلُ كان مع موسى حين أَغْرَق اللهُ فِرْعَوْنَ وقومه ، وكان معه حين كلَّمه الله على الطُّور ، وهو صاحبُ عيسى بن مريمَ الذي أيَّدَهُ الله به . ثم قامتْ من عنده فأتت ورقَةَ بنَ نوفل ، فسألتُهُ عن جبريل ، فقال لها مثلَ ذلك ، ثم سألها : ما الخبر ؟ فأحلفتهُ أنْ يكتُم ما تقولُ له ، فحلف لها ، فقالت له : إنَّ ابنَ عبد الله ذكر لي - وهو صادق ، أحلفُ بالله ما كَذَبَ ولا كُذِّبَ - أنه نزل عليه جبريلُ بحراء وأنه أخبره أنه نبيُّ هذه الأمة، وأقرأه آياتٍ أُرسل بها . قال: فَذُعِرَ ورقَةُ لذلك وقال: لئنْ كان جبريلُ قد استقرَّتْ قدماهُ على الأرض ، لقد نزل علی خیرِ أهل الأرض ، وما نزل إلا على نبيّ ، وهو صاحبُ الأنبياء والرسل ، يُرْسله الله إليهم ، وقد صدَّقْتُكِ عنه ، فأرسلي إليَّ ابنَ عبد الله أسأله وأسمعُ من قوله وأحدِّثُه ، فإني أخافُ أنْ يكونَ غيرَ جبريل ، فإنَّ بعضَ الشياطينِ يتشَبَّهُ به لِيُضِلَّ به بعضَ بني آدم ويفسِدَهم ، حتى يصيرَ الرجلُ بعدَ العقلِ الرضيّ ، مُدَلَّهاً مجنوناً . فقامت من عنده وهي واثقةٌ بالله أنْ لا يفعلَ بصاحبها إلَّ خيراً، فرجعت إلى رسول الله وَ لَه فأخبرتْهُ بما قال ورقَة، فأنزل الله تعالى: ﴿ت، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾(٢) الآيات . فقال لها : ((كلا والله، إنَّه لجبريل)) فقالت له: أُحِبُّ أن تأتيَهُ فتخبرَه، لعلَّ الله أنْ يَهْدِيَه. فجاءَهُ رسولُ اللهِوَّ فقال له ورقة: هذا الذي جاءك، جاءك في نورٍ أو ظُلْمة؟ فأخبره رسولُ اللهِ لَ عن صفةِ جبريل وما رآه من عظمتِهِ وهيئته(٣)، وما أوحاهُ إليه . فقال ورقة: أشهدُ أنَّ هذا جبريل، وأنَّ هذا كلامُ الله ، فقد أمرك (١) أين لقيت سيدتنا خديجة بحيرى الراهب حتى يخبرها ؟ ( بشار) . (٢) القلم الآيتان (١ و٢) وسقط لفظ (ن) من ح . (٣) سقطت اللفظة من ط . ٢٠٦ ذکر عمره چ﴾ وقت بعثته وتاريخها بشيءٍ تبلِّغُه قومَك وإنه لأمر نبوة ، فإنْ أُدْرِكْ زمانَك أَتَّبِعْك. ثم قال: أبشرِ ابنَ عبد المطلب بما بشَّرك اللهُ به. قال: وفشا١) قولُ ورقةَ وتصديقُه لرسولِ اللهِ وَ ل ◌َ فشقَّ ذلك على الملأ من قومه. قال وفَتَر الوخي ، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكنَّ الله قلاهُ. فأنزل الله ﴿ وَالضُّحَى﴾ و﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما٢). وقال البيهقي(٣): حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو العباس، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدّثنا يونس، عن ابن إسحاق [ قال: ] حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزُّبير، أنه حدَّثه عن خديجةَ بنتِ خُويلد أنها قالت لِرسولِ الله وَلِّ فيما تُثَُّهُ فيما أكرمه الله به من نبوَّته : يا ابنَ عمّ ، تستطيع أنْ تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ فقال: ((نعم)) فقالت : إذا جاءك فأخبرني . فبينا رسولُ الله وَل﴿ عندها إذْ جاء جبريل فرآه رسولُ اللهِوَ لَه فقال: ((يا خديجة، هذا جبريل)) قالت: أتراهُ الآن؟ قال: (( نعم)) قالت : فاجْلِسْ إلى شِقِّ الأيمن، فتحوَّل فجلس، فقالت: أتراه الآن ؟ قال: ((نعم)) قالت : فتحوَّلْ فاجلسْ في حِجْري فتحوَّل فجلس في حِجْرها ، فقالت: هل تراهُ الآن؟ قال: ((نعم )) فتحسَّرَتْ رأسَها فشالَتْ خمارَها ورسولُ اللهِ ◌ّهِ جالسٌ في حجرها، فقالَتْ هل تراهُ الآن؟ قال: ((لا)) قالت: ما هذا بشيطان ، إنَّ هذا الملكُ يا ابنَ عمّ ، فاثْبُتْ وأَبْشِرْ. ثم آمنتْ به وشهدت أنَّ ما جاء به هو الحقّ . قال ابن إسحاق(٤) فحدثتُ عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال : قد سمعتُ أمي فاطمةَ بنتَ الحسين تحدِّثُ بهذا الحديث عن خديجة ، إلا أنّي سمعتُها تقول: أدخلَتْ رسولَ الله ◌ِّل بينها وبين دِرْعِها فذهب عند ذلك جبريلُ عليه السلام . قال البيهقي(٥) : وهذا شيءٌ كان من خديجةَ تصنَعُه تستَشْبِتُ به الأمر احتياطاً لدينها وتصديقاً ، فأما النبيُّ وَّه فقد كان وَثِقَ بما قال له جبريلُ وأراه من الآيات التي ذكرناها مرَّةً بعد أخرى ، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه ماله تسليماً . وقد قال مسلم في ((صحيحه (٦) : حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدّثنا يحيى بن أبي بكير ، حدّثنا إبراهيم بن طَهْمان ، حدّثني سماكُ بن حَرْب عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ لّه قال: (( إني لأعرِفُ حجراً بمكة كان يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبْعَث، إني لأعرفُهُ الآنَ)). وقال أبو داود الطيالسي(٧): حدثنا سليمان بن معاذ، عن سِمَاك بن حَرْب، عن جابر بن سَمُرَة ، أنَّ (١) في ط : وذاع. (٢) هما سورتا الضحى والشرح ورقمهما (٩٣ و٩٤). (٣) في الدلائل (٢/ ١٥١) وما يأتي بين معقوفين منه. (٤) لا يزال ينقل من دلائل البيهقي (٢/ ١٥٢). (٥) عقب الحديث السابق . (٦) صحيح مسلم (٢٢٧٧) (٢) كتاب الفضائل باب فضل نسب النبي وَله وتسليم الحجر عليه قبل النبوة. (٧) مسند الطيالسي رقم (٧٨١) في مسند جابر. وأخرجه الترمذي عن الطيالسي به في جامعه (٣٦٢٤) المناقب باب في= ٢٠٧ ذكر عمره مه لة وقت بعثته وتاريخها رسولَ الله ◌ِ لّه قال: ((إنَّ بمكة لحجراً كان يسلِّم عليّ لياليَ بُعثت، إني لأعرفُه إذا مرَرْتُ عليه)). وروى البيهقي(١) من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّيِّ الكبير ، عن عباد بن عبد الله ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله وَ له بمكة فخرج في بعض نواحيها ، فما استقبله شجرٌ ولا جبلٌ إلا قال : السلام عليك يا رسول الله . وفي رواية٢ٌ) : لقد رأيتُني أدخلُ معه الوادي ، فلا يمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ إلَّا قال : السلام عليك يا رسول الله وأنا أسمعُه . فصل قال البخاري في روايتِهِ المتقدِّمة٣ُ): ثم فتر الوحْيُ حتى حزِن النبيُّ وَل ◌َ فيما بلَغَنا حُزْناً غد(٤) منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهقِ الجبال ، فكلما أوفى بِذِرْوَةِ جبلٍ لكي يُلقي نفسَه تبدَّى لهُ جبريلُ فقال : يا محمد ، إنَّك رسولُ الله حقاً فيسكنُ لذلك جأْشُه وتَقِرُ نفسُه، فيرجع ، فإذا طالتْ عليه فترةُ الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذِرْوَةِ جبل تبدَّى له جبريلُ ، فقال له مثل ذلك . وفي الصحيحينُ(٥) من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزُّهري قال : سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدِّث عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّهَ يحدِّث عن فترةِ الوَحْي قال: ((فبينما أنا أمشي سمعتُ صوتاً من السماء ، فرفعتُ بصري(٦) فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِرَاء قاعدٌ على كُرْسيٍّ بين السماء فجُئِّئْتُ(٧) منه فَرَق(٨) حتى هَوَيْتُ إلى الأرض، فجئتُ أهلي فقلت: زَمَّلُوني زَمَّلُوني آيات إثبات نبوة النبي وَل# وقال : هذا حديث حسن غريب . وهو كما قال من أصل سماك بن حرب . (١) في الدلائل (٢/ ١٥٣، ١٥٤) وأخرجه أيضاً الترمذي في سننه رقم (٣٦٣٠) المناقب باب (٦) عن عباد بن يعقوب عن الوليد بن أبي ثور عن عباد بن أبي يزيد عن علي وقال : هذا حديث غريب . أقول : يعني ضعيف . (٢) عند البيهقي أيضاً في الدلائل (١٥٤/٣). (٣) المتقدمة ص (١٨٧ موضع الحاشية ٥)، وقول البخاري هذا رقم (٦٩٨٢). وقال ابن حجر (٣٥٩/١٢): والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر ، والزيادة في الحديث من قوله : حتى حزن إلى آخره ، من بلاغات الزهري ، وليست موصولة فهي منقطعة . (٤) قال ابن حجر (١٢/ ٣٦٠): عدا بعين مهملة من العدو، وهو الذهاب بسرعة، ومنهم من أعجمها من الذهاب غدوة. فتح الباري رقم (٤٩٢٥) تفسير سورة المدثر (٧٤) باب وثيابك فطهر، وصحيح مسلم (٢٥٥ - ١٦١) الإيمان باب (٥) بدء الوحي . (٦) زادت نسخة ط : قبل السماء . وليست هذه الزيادة في هذا الحديث عن البخاري ، وإنما هي في الحديث الذي يليه رقم (٤٩٢٦) . (٧) ((جثثت منه)): أي : ذعرت وخفت، ويروى : جثثت ، وقيل معناه قُلعت من مكاني. وقال الحربي: أراد جُثثت - وهي رواية ح والصحيحين - فجعل مكان الهمزة ثاءً. النهاية (جأث - جثث). (٨) في ح فزعاً وفي البخاري ((رعباً)). ٢٠٨ ذكر عمره محطة وقت بعثته وتاريخها فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ (أَ قُرْ فَأَنْذِرْ (٥َ وَرَبَّكَ فَكَيِّرْ ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ﴾ [ المدثر: ١ - ٥]. قال : (( ثم حَمِيَ الوحْيُ وتتابع . فهذا كان أولَ ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي، لا مطلقاً، ذاك قوله ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اُلَّذِى خَلَقَ﴾ وقد ثبتَ عن جابر أنَّ أوَّلَ ما نزل ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ﴾ واللائق حَمْلُ كلامِه ما أمكن على ما قلناه، فإنَّ في سياقٍ كلامه ما يدلُّ على تقدُّم مجيء الملَكِ الذي عرفه ثانياً بما عرفه به أولًا إليه . ثم قوله: يحدِّثُ عن فترة الوحي ، دليلٌ على تقدُّم الوحي على هذا الإيحاء والله أعلم . وقد ثبت في الصحيحين(١) من حديث عليٍّ بن المبارك، وعند مسلم عن (٢) الأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال: سألتُ أبا سَلَمة بنَ عبد الرحمن: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ قبلُ؟ فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ ﴾ فقلت: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَكَ﴾ فقال: سألتُ جابرَ بن عبدِ الله: أيُّ القرآنِ أُنزل قبلُ؟ فقال: ﴿يََّتُهَا الْمُدَّثِرُ﴾ فقلت: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾؟ فقال: قال رسولُ الله ◌ِّرَ: ((إني جاورتُ بحِرَاء شهراً، فلما قَضَيْتُ جِوَاري نزلتُ فاستبطَنْتُ الوادي ، فنُوديتُ ، فنظرتُ بين يديَّ وخَلْفي وعن يميني وعن شِمالي فلم أر شيئاً ، ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء ، فأخذَتْني رِعْدَة - أو قال وحشةً(٣) - فأتيتُ خديجةَ ، فأمرتُهم يُدَثِّروني، فأنزل الله: ﴿يَتُهَا الْمُدَّثِرُ﴾ حتى بلغ ﴿ وَثِيَكَ فَطَهِرْ ﴾. وقال في رواية(٤): « فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِرَاء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض ، فجَئِئْتُ منه )) . وهذا صريحٌ في تقدُّم إتيانِهِ إليه ، وإنزالِهِ الوحيَ من الله عليه كماذكرناه والله أعلم . ومنهم من زعم أنَّ أول ما نزل بعد فترةِ الوحي سورة ﴿ وَالضُّحَىِ ﴿ وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها . قاله محمد بن إسحاق(٥). وقال بعضُ القراء(٦): ولهذا كَبَّرَ رسولُ الله ◌َّهِ فِي أولها فرَحاً وهوقولٌ بعيد، يردُّه ما تقدَّم من روايةِ صاحِبَي الصحيح من أنَّ أولَ القرآنِ نزولًا بعد فترةِ الوحي: ﴿يَتُّهَا الْمُدَُّ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴾ ولكنْ نزلتْ سورةٌ والضحى بعد فترةٍ أُخرى كانت لياليَ يسيرة ، كما ثبت في الصحيحَيْن(٧) وغيرهما من حديث الأسود بن (١) فتح الباري (٤٩٢٢) تفسير سورة المدثر (٧٤) وصحيح مسلم (١٦١) (٢٥٧) الإيمان باب بدء الوحي . (٢) في ط: ((وعند مسلم والأوزاعي)) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه ، فقد رواه مسلم زهير بن حرب ، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي . ( بشار) . (٣) في صحيح مسلم رجفة . وهي رواية البخاري رقم (٤٩٢٥) باب وثيابك فطهر . (٤) (٥) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤١) والروض (٢٨١/١). (٦) النشر لابن الجزري (٢ /٤٠٥، ٤٠٦). (٧) فتح الباري (٤٩٥٠) تفسير سورة والضحى (٩٣) باب ما ودعك ربك. وصحيح مسلم (١٧٩٧) (١١٥) الجهاد = ٢٠٩ فصل في منع الجانّ ومردة الشياطين من استراق السمع قيس عن جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي قال: اشتكى رسول الله مَّ فلم يقمْ ليلةً أو ليلتَيْنِ أو ثلاثاً فقالت امرأة١ً): ما أرى شيطانك إلَّا تركك فأنزل الله ﴿ وَالضُّحَى ﴾ وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى (٥) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وبهذا الأمر حصل الإرسالُ إلى الناس ، وبالأول حصلتِ النبوة . وقد قال بعضُهم : كانت مدَّة الفترة قريباً من سنتَيْن أو سنتين ونصفاً ، والظاهر والله أعلم أنها المدَّةُ التي اقترن معه ميكائيل ، كما قال الشعبي وغيرُه(٢)، ولا ينفي هذا تقدُّم إيحاءِ جبريل إليه أولاً: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ ثم [ حصلتِ الفترةُ التي اقترن معه ميكائيل، ثم ]٣) اقترن به جبريلُ بعد نزولِ ﴿بَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُّ ◌ِيَ قُرْ فَذِرْ (٥) وَرَبَّكَ فَكَِّرْ ﴿ وَثِيَبَ فَطَّهِّرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾ ثم حَمِيَ الوَحْيُ بعدَ هذا وتتابع - أي: تدارك شيئاً بعد شيء - وقام حينئذٍ رسول الله وَّهِ في الرسالة أتمَّ القيام، وشمَّرَ عن ساقِ العَزْم، ودعا إلى الله القريب والبعيد، والأحرار والعبيد ، فَآمن به حينئذٍ كلُّ لبيبٍ مُجيبٍ(٤) سعيد ، واستمر على مخالفته وعصيانه كلُّ جبارٍ عنيد ، فكان أولَ من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكرٍ الصديق ، ومن الغلمان عليّ بن أبي طالب ، ومن النساء خديجةُ بنتُ خُويلد زوجتُه عليه السلام ، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثةَ الكلبي رضي الله عنهم وأرضاهم . وتقدَّم الكلام على إيمانِ ورَقَةَ بنِ نوفل بما وَجَدَ من الوحي(٥) ، ومات في الفترة رضي الله عنه . (٦) فصل(٦) في منع الجانّ ومَرَدةِ الشياطين من استراقِ السَّمْع حين أُنزل القرآن لئلا يختطف أحد منهم ولو حرفاً واحداً فيلقيه على لسان وليِّهِ فيلتبس الأمر ويختلط الحقّ فكان من رحمةِ الله وفضله ولطفه بخلقه أنْ حجَبَهم عن السماء ، كما قال الله تعالى إخباراً عنهم في قوله: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِّشَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبً ◌ِ﴾ وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلِسَّمْعْ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ ) وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اَلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ -١٠]. وقال تعالى: يَجِدْ لَهُ شِهَاَبَا رَصَدًا ﴿ وَمَا نََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿ وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ [الشعراء: ٢١٠ -٢١٢]. والسيرباب ما لقي النبي ◌َّطلقة من أذى المشركين والمنافقين . وفيهما بألفاظ متقاربة . = (١) قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٧١٠): هي أم جميل بنت حرب ، امرأة أبي لهب. (٢) قول الشعبي تقدم في ص (١٩٠) في المتن وفيه : إسرافيل لا ميكائيل. (٣) ما بين المعقوفين سقط من ط . (٤) في ط : نجيب . (٥) انظر ص (١٩٦). (٦) في الهامش ما نصه : بلغ مقابلة . ٢١٠ فصل في منع الجانّ ومردة الشياطين من استراق السمع قال الحافظ أبو نعيم (١): حدّثنا سليمان بن أحمد - وهو الطبراني - حدّثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، حدّثنا محمد بن يوسف الفِرْيابي ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : كان الجنُّ يصعَدُون إلى السماء يستمعون الوحي ، فإذا سمعوا الكلمةَ زادوا فيها تسعاً ، فأما الكلمة فتكونُ حقّاً، وأمَّا ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بُعث النبيُّ نَّ مُنعوا مقاعِدهم، فذكروا ذلك لإبليس ، ولم تكنِ النجومُ يُرْمَى بها قبل ذلك ، فقال لهم إبليس : هذا لأمرٍ قد حدث في الأرض ، فبعث جنودَه فوجدوا رسول الله قائماً يصلِّي بين جبلَيْن، فأتوه فأخبروه فقال: ((هذا الأمْرُ الذي قد حَدَث في الأرض )) . وقال أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلق رسولُ اللهِ وَانه وأصحابه عامدين إلى سُوق عكاظ ، وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأُرسلَتْ عليهم الشُّهُب ، فرجعتِ الشياطينُ إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ قالوا : حيلَ بيننا وبين خبرِ السماء ، وأُرسلتْ علينا الشُّهُب ، فقالوا : ما ذاك إلا من شيءٍ حدَث، فاضْرِبُوا مشارقَ الأرضِ ومغاربها ، [ فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء . فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها (٢)، فمرَّ النَّفَرُ الذين أخذوا نحو تهامة - وهو بنَخْل(٣) - عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وهو يصلِّي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن ، استمعوا له فقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبرِ السماء ، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَا ﴿لَ يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ -٢]. فأوحى الله إلى نبيِّه وَّهِ: ﴿قُلْ أُوْجِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [ الجن: ١] الآية. أخرجاه في الصحيحين(٤) . وقال أبو بكر بن أبي شيبة(٥) : حدّثنا محمد بن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال : إنه لم تكن قبيلةٌ من الجِنِّ إلا ولهم مقاعدُ للسمْعِ ، فإذا نزل الوحي سمعتِ الملائكة صوتاً كصوتِ الحديدة ألقيتها على الصَّفَا، قال: فإذا سمعتْهُ(٦) الملائكةُ خَرُوا سجَّداً فلم يرفعوا رؤوسَهُمْ (١) لم أجده في المطبوع من الدلائل ، وهو عند الطبراني في المعجم الكبير رقم (١٢٤٣١) فيما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٢٧٤/١) من طريق إسرائيل به ، والترمذي في جامعه (٣٣٢٤) تفسير سورة الجن من طريق الفريابي به وقال : هذا حديث حسن صحيح . (٢) ما بين معقوفين ساقط من ح ، ط فاستدركته من صحيح مسلم واللفظ له. (٣) في فتح الباري ((بنخلة)) وقال فيه ابن حجر (٦٧٤/٨): موضع بين مكة والطائف . قال البكري : على ليلة من مكة ، وهي التي ينسب إليها بطن نخل ، وقع في رواية مسلم بنخل بلا هاءٍ والصواب إثباتها . (٤) فتح الباري (٤٩٢١) تفسير سورة ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ﴾، وصحيح مسلم (١٤٩ - ٤٤٩) الصلاة باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن . وأخرجه أيضاً عن أبي عوانة به الترمذي في جامعه (٣٣٢٣) التفسير (٧٠) باب ومن سورة الجن وقال : حديث حسن صحيح . (٥) في المصنف (١٨٣٩١) المغازي باب ما رأى النبي ◌َّة قبل النبوة. (٦) في ح ، ط : سمعت ، والمثبت من المصنف. ٢١١ فصل في منع الجانّ ومردة الشياطين من استراق السمع حتى ينزل ، فإذا نزل قال بعضُهم لبعض : ماذا قال ربّكم ؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا : الحق وهو العليُّ الكبير ، وإنْ كان مما يكون في الأرض من أمر الغَيْبِ أو موتٍ أو شيءٍ مما يكون في الأرض تكلَّموا به فقالوا: يكون كذا وكذا ، فتسمَعُه الشياطين فينزلونه على أوليائهم، فلما بُعث النبيُّ محمد ◌َلَّدُحِروا بالنجوم ، فكان أولَ مَنْ علم بها ثقيف ، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه ، فيذبح كلَّ يومٍ شاة وذو الإبل ينحَرُ(١) كلَّ يومٍ بعيراً ، فأسرع الناس في أموالهم ، فقال بعضهم لبعض : لا تفعلوا فإنْ كانت النجومُ التي يُهتدَى بها ، وإلا فإنه لأمرٍ حدث . فنظروا فإذا النجومُ التي يُهتدى بها كما هي لم يَزُلْ منها شيء (٢)، فكفُوا ، وصرف الله الجِنَّ ، فسمعوا القرآن ، فلما حضروه قالوا : أنصتوا . وانطلقتِ الشياطين إلى إبليسَ فأخبروه ، فقال : هذا حدَثٌ حدَثَ في الأرض ، فأُتُوني من كلِّ أرضٍ بتربة ، فأتَوْهُ بتربةِ تهامة ، فقال .. هاهنا الحدث . [ ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب ]٣) . وقال الواقدي : حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمرو بن عبد الله العبسي(٤) ، عن كعب قال : لم يُرْمَ بنجم منذ رُفع عيسى حتى تنبّأ رسولُ اللهِ ◌ّهَ فِرُمي بها، فرأت قريشٌ أمراً لم تكن تراه، فجعلوا يُسَيِّبُونَ أنعامهم ويعتقون أرقَّاءَهم يظنُّون أنه الفَنَاء ، فبلغ ذلك من فعلهم أهلَ الطائف ففعلتْ ثقيفٌ مثل ذلك ، فبلغ عبدَ يا ليل بنَ عمرو ما صنعتْ ثقيف . قال : ولم فعلتُم ما أرى ؟ قالوا : رُمي بالنجوم ، فرأيناها تهافَتُ من السماء . فقال : إنَّ إفادةَ المال بعد ذهابه شديد ، فلا تعجلوا وانظروا ، فإنْ تكنْ نجوماً تُعرف فهو عندنا من فناء الناس ، وإن كانت نجوماً لا تعرف فهو لأمر قد حدث . فنظروا فإذا هي لا تُعرف ، فأخبروه فقال : الأمر فيه مُهْلَةٌ بعدُ ، هذا عند ظهور نبي . فما مكثوا إلا يسيراً حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله ، فجاءَهُ عبدُ يا ليل فذاكره أمر النجوم ، فقال أبو سفيان : ظهر محمد بن عبد الله يدَّعي أنه نبيٌّ مرسل . فقال عبدُ يا ليل : فعند ذلك رُمي بها٥) وقال سعيد بن منصور عن خالد ، عن(٦) حصين ، عن عامر الشعبي قال : كانت النجومُ لا يُرمى بها (١) في ح ، ط : فينحر . والمثبت من المصنف. (٢) في المصنف : لم يرم منها بشيء . (٣) ما بين المعقوفين ساقط من ح وقد أورده البيهقي في الدلائل بألفاظ مقاربة (٢٤٠/٢). (٤) كذا في ح وفي ط : عمر بن عبدان العبسي . ولم أقف على ترجمة له ، والخبر ساقه أبو الفرج بن الجوزي في الوفا (١٧٤/١) وروى فيه عن أبي بن كعب. (٥) إسناده تالف ، الواقدي متروك، وأسامة بن زيد بن أسلم ضعيف ، وشيخه عمرو بن عبد الله العبسي مجهول . ( بشار ) . (٦) في ح ، ط : خالد بن حصين. تصحيف ، والمثبت من دلائل البيهقي (٢/ ٢٤١) ومما ثبت من رواية خالد بن عبد الله الواسطي ، عن حصين بن عبد الرحمن في تهذيب الكمال للمزي في ترجمتيهما ، ورواية سعيد بن منصور عن خالد . ٢١٢ فصل في منع الجانّ ومردة الشياطين من استراق السمع حتى بُعث رسول الله بَّه فسيَّبوا أنعامَهم، وأعتقوا رقيقهم. فقال عبدُ يا ليل : انظروا، فإنْ كانتِ النجومُ التي تُعرف فهو عند فناء الناس ، وإن كانت لا تعرف فهو لأمرٍ قد حدث . فنظروا فإذا هي لا تُعرف . قال: فأمسكوا فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاءهم خروجُ النبيِّ ◌َّل. وروى البيهقي(١) والحاكم من طريق العَوْفي عن ابن عباس قال: لم تكن سماءُ الدنيا تحرسُ في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه ، فلعل مرادَ مَنْ نَفَى ذلك أنها لم تكنْ تُحْرَسُ حراسةً شديدة ، ويجب حمل ذلك على هذا، لما ثبت في الحديث (٢) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر عن الزُّهْري عن علي بن الحسين، عن ابن عباس رضي الله عنهما: بينا رسولُ اللهِ وَّر جالسٌ إذْ رُمي بنجم فاستنار فقال : (( ما كنتم تقولون إذا رُمي بهذا؟)) قال : كنا نقول: مات عظيم، وولد عظيم، فقال: ((لا ولكن)). فذكر الحديث كما تقدَّم عند خلق السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق ولله الحمد(٣) وقد ذكر ابن إسحاق في (( السيرة (٤) قصة رمي النجوم وذكر عن كبير ثَقِيف أنه قال لهم في النظر في النجوم : إنْ كانت أعلامُ السماء أو غيرها٥) ، ولكن سماه عمرو بن أمية . فالله أعلم . وقال الشُّدِّي : لم تكن السماء تُحرس إلا أن يكونَ في الأرض نبيٌّ أو دِينٌ للهِظاهر ، وكانتِ الشياطينُ قبل محمد ◌َّ قد اتخذتِ المقاعد في سماءِ الدنيا ، يستمعون ما يحدثُ في السماء من أمر ، فلما بَعَثَ الله محمداً بَّر نبيّاً رُجموا ليلةً من الليالي ، ففزِعَ لذلك أهلُ الطائف ، فقالوا : هلك أهلُ السماء لما رأوا من شدَّةِ النار في السماء ، واختلاف الشهب ، فجعلوا يعتقون أرقَّاءهم ، ويُسَيِّبون مواشيَهم ، فقال لهم عبدُ يا ليل بن عمرو بن عمير : ويحكم يا معشر أهلِ الطائف أمسكوا عن أموالكم ، وانظروا٦) في معالم النجوم ، فإن رأيتموها مستقرة(٧) في أمكنتها فلم يهلك أهلُ السماء ، وإنما هو(٨) من ابن أبي كبشة ، وإنْ أنتم لم ترَوْها فقد أُهلك أهل السماء ، فنظروا فرأوها ، فكفُّوا عن أموالهم ، وفزِعَتِ الشياطين في تلك الليلة ، فأتَوا إبليس فقال : ائتوني من كلِّ أرضٍ بقبضةٍ من تراب . فأتَّوْه ، فشمَّ فقال : صاحبُكم بمكة . فبعث سبعةَ نفَرٍ من جِنِّ نَصِيبين ، فقدموا مكة، فوجدوا رسولَ الله ◌ِوَّ في المسجد الحرام يقرأُ القرآن ، (١) دلائل البيهقي (٢/ ٢٤١)، وإسناده ضعيف لضعف العوفي واسمه عطية، وما قبله مجاهيل. (٢) كما في دلائل البيهقي (٢٣٨/٢) وبنحوه أخرجه مسلم (٢٢٢٩) (١٢٤) في السلام باب تحريم الكهانة من طريق صالح عن ابن شهاب به . وبنحوه أورده ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق به . (٣) انظر ما تقدم (١٥/١) وما بعدها . سيرة ابن إسحاق (ص١١٣) وسيرة ابن هشام (٢٠٦/١) والروض (٢٣٦/١). (٤) (٥) في السيرة والروض : فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها ... (٦) في ح : إلى . (٧) في ح : مستمرة . (٨) في ح : هذا . ٢١٣ فصل في منع الجانّ ومردة الشياطين من استراق السمع فدنَوْا منه حِرْصاً على القرآن حتى كادت كلاكِلُهم تصيبُه، ثم أسلموا، فأنزل الله أمْرَهم على نبيِّه ◌َارِ . وقال الواقدي(١) : حدّثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم - يعني إسحاق - عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: لما بُعث رسولُ اللهِ وَلَه أصبح كلُّ صنم منكَّساً، فأتت الشياطينُ فقالوا له : ما على الأرض من صنم إلَّ وقد أصبح منكَّساً . قال : هذا نبيٌّ قد بُعث، فالتمسوه في قرى الأرياف ، فالتمسوه فقالوا : لم نجده . فقال : أنا صاحبه . فخرج يلتمسه ، فنودي عليك بحَبَّةِ القلب (٢) - يعني مكة - فالتمسه بها فوجده بها عند قَرْن الثعالب (٣) ، فخرج إلى الشياطين فقال : إني قد وجدتُه معه جبريل ، فما عندكم ؟ قالوا : نزيِّن الشهواتِ في أعْيُنِ أصحابه ، ونحبِّها إليهم قال : فلا آسى إذاً . وقال الواقدي(٤) : حدّثني طلحةُ بن عمرو ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عمرو قال : لما كان اليوم الذي تنبّأ فيه رسولُ اللهِ وَّهَ مُنعتِ الشياطينُ من السماء، ورُموا بالشهب، فجاؤوا إلى إبليس فذكروا ذلك له ، فقال : أمرٌ قد حدث ، هذا نبيٌّ قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مَخْرَجَ بني إسرائيل . قال : فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا : ليس بها أحد . فقال إبليس : أنا صاحبُه فخرج في طلبه بمكة، فإذا رسولُ اللهِ وَ لَهَ بِحِرَاء منحدراً معه جبريل فرجع(٥) إلى أصحابه فقال: قد بُعث أحمد ومعه جبريل فما عندكم ؟ قالوا : الدنيا نحيِّبُها إلى الناس قال : فذاك إذاً . قال الواقدي(٦) : وحدّثني طلحة بن عمرو، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : كانت الشياطين يستمعون الوحي ، فلما بُعث محمد ◌َِّ مُنعوا، فشكَوْا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فَرَقِيَ فوق أبي قُبيس - وهو أولُ جبلٍ وُضع على وجه الأرض - فرأى رسولَ الله وَ لَهَ يصلِّي خلف المقام ، فقال : اذهب فاكسرْ عُنقه . فجاء يخطِرُ وجبريل عنده، فركضَه جبريل ركضةً طرحَهُ في كذا وكذا ، فولَّى الشيطانُ هارباً . ثم رواه الواقدي(٧) وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبي معروف ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد فذكر مثل هذا وقال : فركضَهُ برجله فرماه بِعَدَن . (١) لم أجده فيما نقله عنه ابن سعد في الطبقات وأورده أبو نعيم في الدلائل (١/ ٢٩٤) وأبو الفرج بن الجوزي في الوفا (١٧٦/١). وذكره أيضاً السيوطي في الخصائص (١/ ١١٠). (٢) في ط : بجنبة الباب ، والمثبت من ح والدلائل والوفا . قرن الثعالب ، هو قرن المنازل : ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة. معجم البلدان (٤/ ٣٣٢). (٣) (٤) لم أجده فيما نقله عنه ابن سعد في الطبقات وأورده أبو نعيم في الدلائل (٢٩٥/١) وذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١١١). (٥) في ح : فدفع . ومعناه : انتهى إلى أصحابه . (٦) أورده أبو نعيم في الدلائل (٢٩٦/١) وذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١١٢). (٧) ذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١١٢). ٢١٤ فصل في كيفية إتيان الوحي فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله وَال قد تقدم كيفيةُ ما جاءَهُ جبريلُ في أول مرة ، وثاني مرة أيضاً . وقال مالك (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها، أنَّ الحارثَ بن هشام سأل رسولَ اللهِوَ ◌ّه قال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوَحْيُ؟ فقال: ((أحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلَهُ(٢) الجرَس - وهو أشدُّهُ عليّ - فيفصِمُ عني وقد وعَيْتُ ما قال، وأحياناً يتمثَّلُ لي الملَكُ رجلاً يُكلِّمُني فأعِيَ ما يقول)). قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيتُهُ وَ لَ ينزل عليه الوحيُّ في اليوم الشديدِ البَرْد فيفصِمُ عنه وإنَّ جبينَهُ ليتفَصَّدُ عَرَقاً . أخرجاه في الصحيحَيْن من حديث مالكٍ به(٣) . ورواه الإمام أحمد(٤) عن عامر بن صالح ، عن هشام بن عروة به نحوه . وكذا رواه عَبْدَة بن سليمان ، وأنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ، وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال : سألتُ رسول الله ◌َّ فقلت: كيف يأتيك الوحي ؟ فذكره ، ولم يذكر عائشة . وفي حديث الإفك(٥) قالت عائشة: فوالله ما رام رسولُ اللهِ وَله ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتى أُنزل عليه، فأخَذَهُ ما كان يأخذُهُ من البُرَحَاء ، حتى إنه كان يتحدَّرُ منه مثلُ الجُمَان من العَرَق ، وهو في يومٍ شاتٍ من ثقلِ الوحي الذي نزل عليه . وقال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا عبدُ الرزاق ، أخبرني يونس بن سُليم قال : أملى عليَّ يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن (٧) عبد الرحمن بن عبد القارِيّ : سمعتُ عمر بن الخطاب يقول : كان (١) الموطأ (٢٠٢/١) القرآن باب ما جاء في القرآن . (٢) في ح ، ط : صلصة تصحيف ، والمثبت من الموطأ . والصلصلة في الأصل : صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ثم أطلق على كل صوت له طنين. فتح الباري (١/ ٢٠). (٣) فتح الباري (١٨/١) بدء الوحي باب حدثنا عبد الله بن يوسف. وصحيح مسلم (٢٣٣٣) الفضائل باب عرق النبي (وَّل في البرد وحين يأتيه الوحي . (٤) في مسنده (١٥٨/٦) . (٥) انظر حديث الإفك مخرَّجاً فيما سيأتي في الجزء الرابع . (٦) في مسنده (٣٤/١)، وإسناده ضعيف لجهالة يونس بن سليم. (٧) في ح ، ط : عروة بن عبد الرحمن ، وهو تصحيف ، والمثبت من المسند . وما يأتي بين معقوفين منه . ٢١٥ فصل في كيفية إتيان الوحي إذا نزل على رسولِ الله وَ ◌َّ الوَحْي، يُسمع عند وجهه [دَوِيٌّ] كدَوِيِّ النَّحْل، وذكر تمام الحديث في نزول ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ المؤمنون: ١]. وكذا رواه الترمذي والنسائي(١) من حديث عبد الرزاق ، ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحداً رواه غير يونس بن سليم ، ولا نعرفه . وفي صحيح مسلم وغيره (٢) من حديث الحسن ، عن حِطَّانَ بنِ عبد الله الرَّقاشي ، عن عُبادة بن الصامت قال: كان رسولُ اللهِ بَل﴿ إذا نزل عليه الوحي كُرِب لذلك وتربَّد وجهه - وفي رواية وغمض عينيْه - وكنا نعرفُ ذلك منه . وفي الصحيحين (٣) حديث زيد بن ثابت حين نزلت ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ فلما شكا ابنُ أمِّ مَكْنُوم ضرارَتَه نزلت]٤) ﴿ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. قال: وكانت فخذُ رسولِ الله وَّهِ على فَخِذي وأنا أكتب ، فلما نزل الوحي كادَتْ فخِذُه تَرُضُّ فَخِذي . وفي صحيح مسلمُ(٥) من حديث همَّام بن يحيى ، عن عطاء ، عن يَعْلى بن أمية قال : قال لي عمر : أَيَسُؤُك أنْ تنظُرَ إلى رسولِ اللهِوََّ وهو يُوحَى إليه؟ فرفع [عمرُ] طرفَ الثوب عن وجهه وهو يُوحَى إليه بالجِعْرَانةُ(٦) ، فإذا هو محمُ الوَجْه، وهو يَغِطُّ كما يَغِطُ البَكْر(٧) وثبت في الصحيحَيْنُ(٨) من حديث عائشة لما نزل الحِجَاب، وأنَّ سَوْدَةَ خرجتْ بعد ذلك إلى المَنَاصِعُ(٩) ليلاً، فقال عمر: قد عرفناكِ يا سَوْدَة. فرجعتْ إلى رسولِ اللهِوَلَ فسألَتْهُ وهو جالسٌ يتعشَّى (١) أخرجه الترمذي (٣١٧٣)، و(٣١٧٣° م)، والنسائي في الصلاة من سننه الكبرى (١٤٣٩) عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق به . وتنظر تحفة الأشراف (٢٦٧/٧ - ٢٦٨) حديث (١٠٥٩٤) بتحقيقنا ( بشار) . (٢) صحيح مسلم (١٦٩٠) (١٢) الحدود باب حد الزنى. وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في المسند (٣١٧/٥) به. (٣) صحيح البخاري (٢٨٣٢) الجهاد باب قول الله عز وجل [ النساء: ٩٥]، و(٤٥٩٢) التفسير باب لا يستوي القاعدون ، وصحيح مسلم (١٨٩٨) في الإمارة باب فرض الجهاد عن المعذورين. (٤) ما بين المعقوفين ساقط من ح ، وهو مروي بالمعنى وبألفاظ مقاربة لما جاء في البخاري . (٥) صحيح مسلم (١١٨٠) (٦) الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. وما يأتي بين معقوفين منه. (٦) مضى التعريف بها في ص (٦٠ ح٩) . ١) ((الْبَكْر)): الفتي من الإبل، وغَطَّ: صوَّت في شقشقته، فإن لم يكن له شقشقة فهو هدير، وغطَّ النائم غطيطاً: تردَّد نفسه صاعداً إلى حلقه حتى يسمعه من حوله . المصباح ( غطط ) . (٨) فتح الباري (٤٧٩٥) التفسير باب ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُتَ النَّبِ إِلََّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وصحيح مسلم (٢١٧٠) (١٧) في السلام باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان . (٩) ((المناصع)): هي المواضع التي يُتخلَّى فيها لقضاء الحاجة، واحدُها مَنْصَع، لأنه يُبرز إليها ويُظهر. النهاية (٦٥/٥/ نصع) . ٢١٦ فصل في كيفية إتيان الوحي والعَزْقُ في يده(١)، فأوْحَى الله إليه والعَرْقُ في يده، ثم رفع رأسه فقال: ((إنَّهُ قد أُذِنَ لكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لحاجَتِكُنَّ )» . فدلَّ هذا على أنه لم يكنِ الوحْيُ يُغَيِّبُ عنه إحساسَهُ بالكُلَّةِ ، بدليلٍ أنه جالس لم يسقُطْ ولم يسقطِ العَرْقُ أيضاً من يده صلواتُ الله وسلامه دائماً عليه . وقال أبو داود الطيالسي(٢): حدّثنا عباد بن منصور، حدّثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسولُ اللهِوَّه إذا أنزل(٣) عليه الوَحْي تربَّدَ لذلك جسدهُ ووجههُ، وأمسك عن أصحابه ، ولم يكلِّمْه أحدٌ منهم . وفي مسند أحمد (٤) وغيره من حديث ابن لَهِيعة ، حدّثني يزيدُ بنُ أبي حبيب ، عن عمرو بن الوليد ، عن عبد الله بن عمرو قلت: يا رسولَ الله، هل تُحِسُّ بالوَحْي؟ قال: ((نعم، أسمع صَلاصِلَ ثم أَسْبُتُ(٥) عند ذلك، وما من مزَّةٍ يُوحَى إليَّ إلا ظننتُ أنَّ نفسي تَفِيضُ منه)(٦) . وقال أبو يعلى المَوْصلي(٧): حدّثنا إبراهيم بن الحجاج، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا عاصم ابن كُليب، حدّثنا أبي عن خاله الفَلَتَانُ(٨) بن عاصم قال: كُنا عند رسولِ الله وَلِّ وأَنزل عليه، وكان إذا أُنزل عليه دامَ بصَرُه، ومفتوحةً عيناه(٩) ، وفرَّغَ سمعَهُ وَقَلْبَهُ لما يأتيهِ من الله عزَّ وجل(١٠). وروى أبو نعيمُ(١) من حديث قتيبة، حدّثنا عليُّ بن غُرَاب ، عن الأحوص بن حكيم ، عن أبي (١) ((العرق)): بفتح العين وإسكان الراء: وهو العظم الذي عليه بقية اللحم. شرح النووي لصحيح مسلم (١٤ / ١٥١) . (٢) مسند الطيالسي (٢٦٦٧) . (٣) في ح : نزل . (٤) مسند أحمد (٢٢٢/٢)، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة . (٥) كذا في ح ، وفي ط : أثبت ، وفي مسند أحمد: أسكت . وأسبت من السَّبْت، وهو الراحة والسكون أو من القطع وترك الأعمال . النهاية ( سبت/ ٢/ ٣٣١). (٦) ((فاض الرجل)): مات؛ وفاضت نفسه: خرجت. اللسان (فيض ). وفي ط تغيظ، وهما بمعنى. (٧) مسند أبي يعلى (١ - ١٥٨٣) من حديث الفلتان. وقد خرجه الحافظ ابن حجر في ترجمة الفلتان في الإصابة فقال: رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى في مسنديهما وابن حبان في صحيحه ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩) وقال رواه أبو يعلى والبزار بنحوه والطبراني بنحوه ، ورجال أبي يعلى ثقات . (٨) في ح بمهملات ، وفي ط : العليان ، وفي مجمع الزوائد ( الغلبان ) وهو تصحيف ، والمثبت من مسند أبي يعلى الإصابة في ترجمة الفلتان . (٩) كذا في ح ، وفي مسند أبي يعلى ومجمع الزوائد والإصابة من غير واو ، وفي ط : وعيناه مفتوحة . (١٠) لم أجده فيما طبع من الدلائل وأورده السيوطي في الخصائص (١/ ١٢٠). (١١) تتمته في مسند أبي يعلى: قال: فكنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب: اكتب ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ...= ٢١٧ فصل في كيفية إتيان الوحي عوانة (١)، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللهِ وَّ إذا نزل عليه الوحي صُدِّع ، وغَلَّف رأسه بالحِنّاء . هذا حديث غريب جدّاً . وقال الإمام أحمد(٢): حدّثنا أبو النضر، حدّثنا أبو معاوية شيبان، عن ليث ، عن شَهْرٍ بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت: إني آخذةٌ بزمام العَضْباء ناقةِ رسولِ الله وَّهِ، إِذْ نزلت(٣) عليه المائدةُ كلّها ، وكادت من ثقلها تَدُقُّ عَضُدَ الناقة . وقد رواه أبو نعيم(٤) من حديث الثوري عن ليث بن أبي سُليم به . وقال الإمام أحمدُ أيضاً): حدثنا حسن ، حدّثنا ابن ◌َهِيعة، حدّثني حُيَيُّ(٦) بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: أُنْزِلتْ على رسول الله وَلَه سورة المائدة وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تَحْمِله ، فنزل عنها . وروى ابنُ مَرْدويه من حديث صباح بن سهل ، عن عاصم الأحول : حدّثتني أمُّ عمرو عن عمها ، أنه كان في مسيرٍ مع رسول اللّهَوَّ فَأُنزلتْ عليه سورةُ المائدة ، فاندقَّ عُنق الراحلة من ثِقْلِها . وهذا غريبٌ من هذا الوجه (٧). ثمّ قد ثبت في الصحيحَيْنُ(٨) نزولُ سورة الفتح على رسول الله وَّل مَرْجِعَهُ من الحُدَيبية، وهو على راحلته، فكأنَّه (٩) يكون تارة وتارة بحسب الحال . والله أعلم . وقد ذكرنا أنواع الوَحْي إليه بَّ في أول شرح البخاري وما ذكره الحَليمي وغيره من الأئمة رضي الله عنهم . وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] قال: فقام الأعمى فقال: يا رسول الله، ما ذنبنا؟ فأنزل الله، فقلنا للأعمى: = إنه ينزل على النبي ◌َّير فخاف أن يكون ينزل عليه شيء من أمره فبقي قائماً يقول : أعوذ بغضب رسول الله . قال : فقال النبي وَّرَ للكاتب: ((اكتب ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾)). (١) في ح : عن أبي عون ، ولم يتبين لي وجه الصواب فيهما . في مسنده (٦/ ٤٥٥) . قال بشار : وإسناده ضعيف لضعف ليث ، وهو ابن أبي سليم ، وشيخه شهر بن حوشب . (٢) (٣) في المسند : أنزلت . (٤) لم أجده فيما طبع من الدلائل وقد ذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١٢٠) عن أبي نعيم ، وإسناده ضعيف مثل سابقه . (٥) في مسنده (٢/ ١٧٦)، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة . في ط : جبر بن عبد الله ، تصحيف ، والمثبت من ح والمسند والإكمال (٢/ ٥٨١). (٦) (٧) صباح بن سهل منكر الحديث ( الميزان ٢/ ٣٠٥) . (٨) سيأتي من سياق البخاري في غزوة الحديبية (١٧٧/٣) ط . (٩) في ط : فكان . ٢١٨ فصل في كيفية إتيان الوحي فصل قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، فَ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُم ◌ْلَا فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنَِّعْ قُرْءَانَهُم ◌ِثْلَمْ ثُمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ -١٩] وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِی عِلْمًا﴾ [ طه : ١١٤] وكان هذا في الابتداء ، كان عليه الصلاة والسلام من شِدَّةِ حِرْصِه على أخْذِهِ من المَلَكِ ما يوحيه إليه عن الله عزَّ وجلَّ ليساوقه في التلاوة ، فأمرَهُ الله تعالى أنْ يُنْصِتَ لذلك حتى يَفْرُغ من الوحي ، وتكفَّلَ له أن يجمعَهُ في صدرِه ، وأن يُيَسِّرَ عليه تلاوته وتبليغَه، وأن يُبَيِّنَهُ له ، ويفسِّرَهُ ويوضِّحَه ، ويُوقِفَه على المرادِ منه. ولهذا قال: ﴿فَنَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىّ إِلَيْكَ وَحْيُهٌ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿لَ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ أي في صدرك ﴿ وَقُرْءَانَهُ﴾ أي وأنْ تقرأهُ ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ أي تَلاهُ عليكَ المَلَكُ ﴿ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ [ القيامة: ١٨ ] أي فاستمِعْ له وتدبّرْهُ ﴿ ثُمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وهو نظيرُ قوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ . وفي الصحيحين (١) من حديث موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : كان رسولُ الله ◌َّهِ يُعالجُ من التنزيلِ شِدَّة، فكان يحرِّكُ شفتَيْه، فأنزلَ اللهُ ﴿ لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ= () إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَاتَهُ ﴾ قال: جَمْعَهُ في صدْرك، ثم تقرَأُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ فاستمعْ له وأنصتْ ﴿ثُمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: فكان إذا أتاه جبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذهبَ قرأَهُ كما وعدَهُ الله عزَّ وجلَّ. فصل قال ابن إسحاق (٢): ثم تتابع الوحيُّ إلى رسولِ اللهِ وَّه وهو مصدِّقٌ بما جاءَهُ منه، قد قبله بقَبُوله ، وتحملَّ منه ما حمله على رضا العبادِ وسخطهم ، وللنبوَّةِ أثقالٌ ومُؤْنة ، لا يحملُها ولا يستضلعُ بها(٣) إلا أهلُ القوة والعَزْم من الرسل ، بعون الله وتوفيقه ، لما يَلْقَوْن من الناس ، وما يُرَدُّ عليهم مما جاؤا به عن الله عزَّ وجلَّ ، فمضى رسولُ الله ◌ِِّ على ما أمر الله، على ما يَلْقَى من قومه من الخلاف والأذى . قال ابن إسحاق (٤) : وآمنتْ خديجةُ بنت خُويلد وصدَّقتْ بما جاءه من الله ، ووازرَتْهُ على أمره ، وكانت أوَّلَ مَنْ آَمنَ بالله ورسوله وصدَّق بما جاء منه ، فخفَّفَ الله بذلك عن رسوله ، لا يسمع شيئاً (١) فتح الباري (٤٩٢٩) التفسير (٧٥) سورة القيامة باب فإذا قرآناه فاتبع قرآنه. وصحيح مسلم (٤٤٨) الصلاة باب الاستماع للقراءة . (٢) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤٠) والروض (٢٧٦/١). (٣) كذا في ط وفي ح : يستظلع ، وفي سيرة ابن هشام والروض يستطيع ، ولعل الصواب : يضطلع . من اضطلع افتعل من الضلاعة وهي القوة ، يقال : اضطلع بحمله أي قوي عليه ونهض به . انظر اللسان ( ضلع ) . (٤) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤٠) والروض (١/ ٢٧٧). ٢١٩ فصل في كيفية إتيان الوحي يكرهه ، مِن ردّ عليه، وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك ، إلافرّج الله عنه بها، إذا رجع إليها تثبته وتخفِّفُ عنه ، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس ، رضي الله عنها وأرضاها . قال ابن إسحاق (١): وحدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسولُ الله ◌َِله : ((أُمرتُ أنْ أُبَشِّرَ خديجةَ ببيتٍ من قصَب، لا صَخَب فيه ولا نصَب)) . وهذا الحديث مخرَّجٌ في الصحيحَيْنُ(٢) من حديث هشام . قال ابنُ هشام : القصَب هاهنا : اللُّؤْلُؤْ المجوَّف . قال ابن إسحاق (٣): وجعل رسولُ الله ◌ِ له يذكر(٤) ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من أهله . وقال موسى بن عقبة عن الزُّهْري : كانت خديجةُ أولَ من آمن بالله وصدَّق رسوله ، قبل أن تُفرَض الصلاة . قلت : يعني الصلواتِ الخمس ليلة الإسراء . فأمَّا أصْلُ الصلاة فقد وجب في حياةِ خديجةَ رضي الله عنها كما سنبيِّنْهُ . وقال ابن إسحاق(٥) : وكانت خديجةُ أولَ من آمن بالله ورسوله ، وصدَّق بما جاء به . ثم إنّ(٦) جبريل أتى رسولَ الله ◌ِّ حين افتُرضتْ عليه الصلاة فهمَزَ له بِعَقبه في ناحيةِ الوادي فانفجرتْ له عينٌ من ماء زَمْزَم، فتوضَّأ جبريلُ ومحمد عليهما السلام، ثم صلَّى ركعتَيْن وسجد أربع سجدات ، ثم رجع النبيُّ ◌َّه قد أقرَّ الله عينَه، وطابتْ نفسُه، وجاءه ما يُحبُّ من الله، فأخذ يدَ خديجة حتى أتى بها إلى العين ، فتوضَّأ كما توضَّأ جبريل ، ثم ركع ركعتَيْن وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصلِّان سرّاً . قلت : صلاةُ جبريلَ هذه غيرُ الصلاة التي صلاها به عند البيت مرَّتيْن ، فبيَّن له أوقاتِ الصلوات الخمس ، أولها وآخرها ، فإنَّ ذلك كان بعد فرضيَّتها ليلة الإسراء ، وسيأتي بيانُ ذلك إنْ شاء الله وبه الثقة ، وعليه التكلان (٧). (١) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤١) والروض (١/ ٢٧٧). (٢) فتح الباري (٣٨١٧) مناقب الأنصار باب تزويج النبي ◌َّفقر وصحيح مسلم (٢٤٣٢) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين . (٣) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤٣). (٤) في ط : يذكر جميع . وليست هذه الزيادة في ح ولا في سيرة ابن هشام . (٥) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤٠) والروض (١/ ٢٧٧). (٦) سيرة ابن هشام (٢٤٤/١) والروض (١/ ٢٨٣) بنحوه . (٧) سيأتي في ص (٣٥١، ٣٥٢) من هذا الجزء . ٢٢٠ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم قال ابن إسحاق(١): ثم إنَّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه جاء بعد ذلك بيوم وهم(٢) يصلِيان، فقال علي : يا محمد ما هذا؟ قال: ((دينُ الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رُسُلَه، فأدعوكَ إلى الله وحده لا شريك له ، وإلى عبادته وكفرٍ باللاتِ والعُزَّى)) فقال علي: هذا أمْرٌ لم أسمعْ به قبل اليوم ، فلستُ بقاضٍ أمراً حتى أحدِّث به أبا طالب. فكره رسولُ اللهِوَّرَ أَنْ يُهُشيَ عليه سرَّهُ قبل أن يستعلن أمْرُه . فقال له : (( يا علي، إذ لم تُسْلِمُ(٣) فاكتُمْ)) . فمكث عليٌّ تلك الليلة، ثمَّ إنَّ الله أوقع في قلب عليّ الإسلامَ، فأصبح غادياً إلى رسولِ اللهِ وَ ل﴿ حتى جاءه فقال: ماذا عرضتَ عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله الطيار : (( تشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وتكفر باللاتِ والعُزَّى، وتبرأ من الأنداد )) ففعل عليٍّ وأسلم ، ومكث يأتيه على خوفٍ من أبي طالب ، وكتم عليٍّ إسلامه ولم يظهره . وأسلم ابنُ حارثة - يعني زيداً - فمكثا(٤) قريباً من شهر يختلف عليٍّ إلى رسول الله بَّر، وكان مما أنعم الله به على عليّ أنه كان في حَجْر رسولِ الله وَّل قبل الإسلام. قال ابن إسحاق(٥) : حدَّثني ابنُ أبي نَجيح ، عن مجاهد ، قال: وكان من نعمة الله على عليّ أنَّ قريشاً أصابتهم أزمةٌ شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثيرة(٦)، فقال رسول الله وَّرَ لعمه العباس - وكان من أيسر بني هاشم -: (( يا عباس ، إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناسَ ما ترى من هذه الأَزْمة، فانطلقْ حتى نخفّفَ عنه من عياله)) فأخذ رسولُ الله ◌ِوَ ◌ّهِ عليّاً فضمَّهُ إليه، فلم يزلْ مع رسول الله وَلّ حتى بعثه الله نبياً، فَاتَّبَعَهُ عليٌّ وآمن به وصدَّقه . وقال يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق (٧) : حدّثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي - من أهل الكوفة - حدّثني إسماعيلُ بن إياس بن عفيف ، عن أبيه ، عن جدِّه عفيف - وكان عفيف أخا الأشعث بن (١) سيرة ابن إسحاق (ص ١٣٧). (٢) كذا في ح ، وفي ط : وهما ، وعند ابن إسحاق : بيومين فوجدهما . وهو أشبه بالصواب . (٣) جاء في حاشية ط ما نصه: في المصرية: إذ لم تسمع فاكتم . قلت : وما هو مثبت من ح وسيرة ابن إسحاق . (٤) كذا في ح ، ط وفي سيرة ابن إسحاق : فمكث . وهو أشبه بالصواب . (٥) سيرة ابن هشام (٢٤٦/١) والروض (٢٨٥/١) بأوعب مما هنا. (٦) في السيرة والروض : كثير . (٧) في سير ابن إسحاق (ص١٣٧) وما يأتي بين معقوفين منه، وساقه الذهبي في الميزان (٢٢٣/١) وروى نحوه سعيد بن خثيم الهلالي بسنده إلى إسماعيل ولم يصححهما البخاري قاله الذهبي .