Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام عليك ، فامْنُنْ علينا مَنَّ الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صُرَد فقال: يا رسول الله . إنَّ ما في الحظائر(١) من السبايا خالاتُك وحواضنك اللاتي كن يكفُلْنك، فلو أنَّا مَلَحْنا٢) ابنَ أبي شَمِر، أو النعمان بن المنذر ، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجَوْنا عائدتَهما وعطفَهما ، وأنت خيرُ المكفولين . ثم أنشد : [ من البسيط ] فإنَّك المرءُ نَرْجُوهُ ونَدَّخِرُ أُمْنُنْ علينا رسولَ الله في كَرَمٍ أُمْنُنْ على بَيْضَةٍ قد عاقَها٣) قَدَرٌ أبقتْ لنا الدهرَ هتَّفاً على حَزَنٍ إِنْ لَمْ تُداركها نَعْمَاءَ تَنْشُرُها أُمنُنْ على نسوةٍ قد كنتَ ترضعُها أُمننْ على نسوةٍ قد كنتَ ترضَعُها لا تجعلنَّا كمن شالتْ نَعَامَتُه إنا لنشكرُ للنُّعمى وإِنْ كُفرتْ ممزّقٌ شَمْلُها في دهرها غِيَرُ على قلوبهمُ الغَمَّاءُ والغُمَر(٤) يا أرجحَ الناسِ حِلْماً حين يُخْتَبَو(٥) إِذْ فُوكَ يَمْلَؤهُ من مَحْضِها دِرَرُ(٦) وإِذْ يَزينُك ما تأتي وما تَذَرُ واستَبَّقِ منّا فإنَّا معشرٌ زُهُو(٧) وعندنا بعدَ هذا اليومٍ مُدَّخَرُ وقد رُويتْ هذه القصة من طريق عبد الله(٨) بن رُمَاحِس الكلبي الرملي، عن زياد بن طارق الجُشَميّ ، = معجم البلدان (٢/ ١٤٢) . (١) في ح : الحضائر ، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام ، والحظيرة : المحيط بالشيء ، سواء كان خشباً أو قصباً، جمعها الحظائر . التاج ( حظر ) . (٢) ((ملحنا)): أرضعنا. الشرح من حاشية ح، وكتب فوقه: ش صحاح ، يعني الشرح من صحاح الجوهري . وجاء في اللسان ( ملح): وفي حديث وفد هوازن: أنهم كلموا رسول الله بَّر في سبي عشائرهم، فقال خطيبهم: إنا لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزل منزلك هذا منا لحفظ ذلك لنا ، وأنت خير المكفولين فاحفظ ذلك ؛ قال الأصمعي : في قوله ملحنا ، أي : أرضعنا لهما . (٣) في ح : .. بيضة أعثانها قدر ، والمثبت من ط ومصادر التخريج . والبيضة : من قولهم : بيضة القوم : أصلهم ومجتمعهم ، وعشيرتهم . التاج ( بيض ) . (٤) ((الغماء)): الكرْب. الغُمَر: جمع غَمْرة، وهي الشدة، كغمرة الهم والموت. اللسان (غمم ، غمر ) . وقال الزرقاني في شرح المواهب: ((والغَمَرُ: بفتح المعجمة وتكسر وميم مفتوحة وراء : الحقد )). (٥) الشطر الأول مختل الوزن بهذه الرواية ، ويستقيم برواية الواقدي وهي : ألا تداركها ، أو رواية الخطيب البغدادي والسهيلي وابن عساكر وهي : تُداركهُمُ . (٦) ((دِرر)): أي الدفعات الكثيرة من اللبن. قاله الحلبي في السيرة الحلبية (١٢٦/٣) قلت: هو جمع دِرَّة بكسر الدال ، وهي كثرة اللبن وسيلانه . اللسان ( درر ). (٧) ((شالت نعامة القوم)): خفت منازلهم منهم، وذهب عزهم، وتفرقت كلمتهم. اللسان (شول). (٨) كذا في ح والتاج رمحس، وفي ط واللباب (٣٦/٢) ومختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٤٧١/٥) وميزان الاعتدال (٦/٣). ٦٢ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام عن أبي صُرَد زهير بن جَرْوَل(١) - وكان رئيسَ قومه - قال: لما أسَرَنا رسولُ الله ◌ِ ◌ّله يوم حُنين ، فبينا هو يَمِيزُ بين الرجال والنساء وثبتُ حتى قعدتُ بين يديه ، وأسمعتُه شعراً ، أذكره حين شبَّ ونشأ في هوازن حيث أرْضعوه : [ من البسيط ] أُمْنُنْ علينا رسولَ الله في دَعَةٍ أُمننْ على بَيْضةٍ قد عاقها قَدَرٌ أبقت لنا الحربُ هتَّافاً على حَزَنٍ إِنْ لم تُداركها نعماءَ تنشرُها أُمننْ على نسوةٍ قد كنتَ تَرِضَعُها إذْ أنْتَ طفلٌ صغيرٌ كنتَ تَرضعها لا تجعلنَّا كمن شالَتْ نعامَتُهُ إِنَّا لنشكُرُ للنُّعمى وإِنْ كُفِرَتْ فَأَلبسِ العَفْوَ مَن قد كنتَ تَرضعُه إنّا نَؤمِّلُ عفواً منك تُلْبِسُهُ فاعفو(٣) عفا الله عمَّا أنت رَاهبُهُ(٤) فإنَّك المرءُ نرجوهُ ونَنْتَظِرُ ممزّقٌ شَمْلُها في دهرها غِيرُ على قلوبهمُ الغَمَّاءُ والغُمَرُ يا أرجحَ الناس حِلْماً حين يُختبر إذْ فُوك يملؤُه٢ُ) من مَخْضِها الدِّرَرُ وإِذْ يَزينُكَ ما تأتي وما تذَرُ واسْتَبَّقِ منا فإنَّا معشرٌ زُهُرُ وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخَرُ مِن أُمَّهاتِكَ إنَّ العفوَ مُشْتَهرُ هذي البرِيَّةَ إذْ تعفو وتنتصرُ يومَ القيامة إذْ يُهْدى لك الظَّفَرُ قال: فقال رسول الله بَ له: ((أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو الله ولكم)) فقالت [ قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. وقالت °) الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله اَله . (١) كذا في ح، ط: وفي المصادر السابقة: عن أبي جرول زهير بن صرد، وقال السهيلي في الروض ١٦٦/٤: وأما زهير الذي ذكره يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (٤٨٨/١) فهو ابن صرد ، يكنى أبا صرد ، وقيل : أبا جرول . وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٩٠): زياد بن طارق عن أبي جرول ؛ نكرة لا يُعرف . تفرد عنه عبيد الله بن رماحس . (٢) في ح : يملؤها وفي ط : تملؤه ، والمثبت من مختصر تاريخ ابن عساكر . (٣) في ط : فاغفر . (٤) في ح: واهبه، والمثبت من ط ومصادر التخريج، وهي مغازي الواقدي (٩٥٠/٣، ٩٥١) وتاريخ بغداد (١٠٦/٧) والروض الأنف (١٦٦/٤) ومختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (١٧١/٥، ١٧٢) وشرح المواهب للزرقاني (٤/٤) ما بعدها، وفيه: راهبه، بموحدة: خائفه. والسيرة الحلبية (١٢٦/٣). (٥) ما بين معقوفين استدركته من تاريخ بغداد ومختصر تاريخ ابن عساكر. والحديث أخرجه البخاري فتح (٤٣١٨) (٤٣١٩) في المغازي باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ... ﴾ وفي الوكالة (٢٣٠٧) و(٢٣٠٨) باب إذا وهب شيئاً لوكيل أو شفيع ، وفي العتق (٢٥٣٩) و (٢٥٤٠) باب من ملك من العرب رقيقاً، وفي الهبة (٢٥٨٣) و(٢٥٨٤) باب من رأى أن الهبة الغائبة جائز ، وباب إذا وهب جماعة لقوم ، وفي الجهاد (٣١٣١) و(٣١٣٢) باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ، وفي الأحكام (٧١٧٦) و(٧١٧٧) ، باب العرفاء للناس ، وأخرجه أبو داود (٢٦٩٣) في الجهاد باب في فداء الأسير بالمال. ورواه أيضاً الواقدي في المغازي (٩٤٩/٣، ٩٥٠) مطولاً، وكذا ابن سعد في الطبقات (١١٤/١، ١١٥) وابن الأثير في جامع الأصول رقم (٦١٧١) في غزوة حنين. ٦٣ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام وسيأتي أنه عليه الصلاة والسلام أطلق لهم الذرية ، وكانت ستة آلاف ما بين صبيٍّ وامرأة ، وأعطاهم أنعاماً وأناسيَّ كثيراً . حتى قال أبو الحسين بن فارس : فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمئة ألف ألف درهم . فهذا كلُّه من بركته العاجلة في الدنيا ، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة ؟ . فصل قال ابن إسحاق بعد ذِكر رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى أمه آمنة بعد رَضاعة حليمة له١): فكان رسول الله ◌َّ﴿ مع أمه آمنةَ بنتِ وَهْب، وجدِّه عبد المطلب في كَلاءَةِ الله وحِفْظه، يُنبته الله نباتاً حسناً لِمَا يريدُ به من كرامته ، فلما بلغ ستَّ سنين توفيت أُمُّه آمنة بنت وَهْب . قال ابن إسحاق(٢): حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أن أُمَّ رسولِ الله وَيه. آمنة توفيت وهو ابنُ ستِّ سنين بالأبْواء ، بين مكة والمدينة ، كانت قد قدِمَتْ به على أخواله من بني عَدِيِّ بن النجَّار ، تُزيره إيَّاهم ، فماتتْ وهي راجعة به إلى مكة . وذكر الواقديُّ بأسانيده(٣)، أنَّ النبيَّ مََّ خرجتْ به أمُّه إلى المدينة ومعها أمُّ أيمن وله ستُّ سنين ، فزارتْ أخوالَه . قالت أمُّ أيمن : فجاءني ذات يومٍ رجلان من يهودِ المدينة فقالا [ لي (4) : أخرجي إلينا أحمد ننظر إليه . فنظرا إليه وقلَّباه ، فقال أحدُهما لصاحبه : هذا نبيُّ هذه الأمة ، وهذه دارُ هِجْرته ، وسيكونُ بها من القتل والسَّبْي أمْرٌ عظيم . فلما سمعتْ أُمُّه خافتْ وانصرفت به ، فماتتْ بالأبواء وهي راجعة . وقد قال الإمام أحمد(٥): حذَّثنا حسين بن محمد، حدّثنا أيُّوب بن جابر، عن سِماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن(٦) بريدة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله وَ ل﴿ حتى إذا كنا بوَدَّارُ(٧) قال: ((مكانكم حتى آتيكم)) فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل(٨)، فقال: (( إني أتيتُ قبر أُم محمد ، فسألتُ ربي الشفاعة - يعني لها - فمنعنيها ، وإني كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فَزُوروها ، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة في سيرة ابن هشام (١٦٨/١). (١) بهذا اللفظ في سيرة ابن هشام (١٦٨/١) وبلفظ مختلف في سيرة ابن إسحاق (ص ٤٢). (٢) (٣) طبقات ابن سعد (١١٦/١) . ما بين معقوفين ليس في ح وهو من ط . (٤) (٥) في مسنده (٣٥٦/٥، ٣٥٧) . وقع في المسند : أبي بريدة ، وهو تصحيف ، وهو سليمان بن بُريدة . (٦) ((وَدَّان)): قرية جامعة من نواحي الفَرْع، بينها وبين هَرْش ستة أميال ، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال ، (٧) قريبة من الجحفة . معجم البلدان (٣٦٥/٥) . (٨) في المسند: ((سقيم)) خطأ (وهي كما هنا في طبعة مؤسسة الرسالة ٣٨/ ١٢٤) وهو الصواب . ٦٤ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام أيام ، فكُلوا وأمْسِكُوا ما بدا لكم ، ونهيتكم عن الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا ما بدا لكم (١) . وقد رواه البيهقي(٢) من طريق سفيان الثوري، عن عَلْقَمة بن مَرْثَدُ(٣) ، عن سليمان بن بُرَيدة ، عن أبيه قال: انتهى النبيُّ نَّهِ إلى رَسْم قبر فجلس، وجلس الناسُ حوله، فجعل يحرِّك رأسَه كالمخاطب ، ثم بكى ، فاستقبله عمر، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: (( هذا قبر آمنة بنت وَهْب، استأذنتُ ربي في أنْ أزورَ قبرها فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ، وأدركتني رِقَّتها فبكيت )). قال : فما رأيتُ(٤) ساعةً أكثر باكياً من تلك الساعة . تابعه محارب بن دِثَار عن ابن بريدة عن أبيه . ثم روى البيهقي عن الحاكم ، عن الأصمّ، عن بَحْر بن نصر(٥)، عن عبد الله بن وَهْب، حدَّثنا ابنُ(٦) جُرَيج ، عن أيوب بن هانىء ، عن مَسْروق بن الأجْدَع ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : خرج رسول الله وَلَه ينظر في المقابر، وخرَجْنا معه، فأمَرَنا(٥) فجلسنا ، ثم تخطَّ القبورَ حتى انتهى إلى قبرٍ منها ، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نَحيبُ رسولِ اللهِوَ لَّ باكياً، فبكينا لبكاءِ رسول اللهَ وَّل؛ ثم إنَّ رسول الله وَل ﴿ أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ما الذي أبكاك ؟ لقد أبكانا وأفزعنا . فجاء فجلس إلينا فقال: ((أفزَعَكم بكائي))؟ قلنا: نعم. قال: ((إنَّ القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبرُ آمنة بنت وَهب ، وإني استأذنتُ ربي في زيارتها فأذِنَ لي فيه ، واستأذنتُ ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه . ونزل علي: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَّبَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (١) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [ التوبة: ١١٣ - ١١٤]. فأخذني ما يأخذُ الولد للوالدة من الرِّقَّة، فذلك الذي أبكاني . غريبٌ ولم يخرجوه (٧) . وروى مسلم(٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عُبيد ، عن يزيد بن كَيْسان ، عن أبي حَازِمِ ، (٢) (١) إسناده ضعيف ، لضعف أيوب بن جابر ، لكن متنه صحيح من غير هذا الوجه ( بشار) . في دلائل النبوة (١٨٩/١). (٣) في ح، ط: علقمة بن يزيد، تصحيف، والمثبت من دلائل البيهقي والإكمال (٢٣١/٧) وتهذيب التهذيب (٢٧٨/٧) . في ط : رؤيت ، والمثبت من ح والدلائل . (٤) في ح : محمد بن نصر. تصحيف ، والمثبت من ط والدلائل واللباب (١/ ٧٠) وتهذيب التهذيب (٤٢٠/١). (٥) (٦) سقطت اللفظة من ح . (٧) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١/ ١٩٠). (٨) في صحيحه (١٠٨) الجنائز باب استئذان النبي وَّلله ربه عز وجل في زيارة قبر أمه . ٦٥ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام عن أبي هريرة قال: زارَ النبيُّ ◌َ لّهِ قِبْرَ أُمَّه فبكى وأَبكى مَنْ حَوْلَه، ثم قال: ((استأذنتُ ربِّي في زيارة قبر أُمي فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها(١) فلم يأذن لي، فَزُورُوا القبور تُذَكّركم الموت)( ٢). وروى مسلم(٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عقَّان، عن حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت عن أنس أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: ((في النار)). فلما قفَّى (٤) دعاهُ فقال: ((إنَّ أبي وأباك في النَّار)). وقد روى البيهقي(٥) من حديث أبي نُعيم الفَضْل بن دُكَين ، عن إبراهيم بن سعد ، عن الزُّهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ بَ ◌ّه فقال: إنَّ أبي كان يصلُ الرَّحم، وكان ، وكان ، فأين هو؟ قال: ((في النار)) قال : فكأنَّ الأعرابيَّ وجد من ذلك فقال: يا رسول الله أين [ أبي ؟ قال: (( في النار)) قال: أين ]٦) أبوك؟ قال: ((حيثما مررتَ بقبرٍ كافرٍ فبشره بالنار)). قال: فأسلم الأعرابيُّ بعد ذلك فقال: لقد كلَّفني رسولُ اللهِوَ لَّه تعباً، ما مررت بقبر كافرٍ إلا بشَّرْتُه بالنار . غريب ، ولم يخرِّجوه من هذا الوجه (٧). وقال الإمام أحمد(٨): حدّثنا أبو عبد الرحمن ، حدّثنا سعيد - هو ابن أبي أيوب - حدّثنا ربيعة بن سيف المَعَافري ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : بينما نحن نمشي مع رسول الله وَ لَه إذْ بَصُر بامرأةٍ لا نظنُّ أنه عرفها، فلما توسَّط(٩) الطريق وقف حتى انتهت إليه ، فإذا فاطمة بنت رسول الله ﴿ فقال: ((ما أخرجكِ من بيتك يا فاطمة))؟ فقالت: أتيتُ أهلَ هذا البيت فترحَّمْتُ(١٠) إليهم مَيَِّهم وعزَّيتُهم. قال: (( لعلك بلغتِ معهم الكُدَى)) ؟ قالت: معاذَ الله أنْ أكون بلغْتُها معهم وقد سمعتُك تذكر في ذلك ما تذكر. قال: ((لو بَلَغْتِها (١) معهم ما رأيتِ الجنة حتى يراها جَدُّ أبيك)). (١) سقطت اللفظة من ح . (٢) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٣)، وأحمد (٢/ ٤٤١) ابن ماجه في سننه (١٥٦٩) و(١٥٧٢) الجنائز باب ما جاء في زيارة قبور المشركين ، وأبو داود في سننه (٣٢٣٤) الجنائز باب في زيارة القبور، والنسائي في سننه (٩٠/٤) الجنائز باب زيارة قبر المشرك، وابن حبان (٣١٦٩) والحاكم (٣٧٥/١). وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (٤٦/٧): رجاله كلهم ثقات فهو حديث صحيح بلا شك . في صحيحه (٣٤٧) الإيمان باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار . (٣) قفّى: ولى قفاه منصرفاً. شرح النووي لصحيح مسلم (٧٩/٣). (٤) (٥) في دلائل النبوة (١٩١/١، ١٩٢). ما بين المعقوفين ساقط من ط والدلائل ، وهو في ح . (٦) (٧) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧، ١١٨) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. (٨) في مسنده (١٦٨/٢، ١٦٩). (٩) في مسند الإمام أحمد: ((توجهنا الطريق)) وما هنا أصح . (١٠) كذا في ح، ط وسنن النسائي ، وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وسنن البيهقي : فرحمت . (١١) في ح، ط: بلغتيها ، والمثبت من مسند الإمام أحمد وسنن النسائي. ٦٦ الرضاعة فيه العمالة والينا" ثم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من حديث ربيعة بن سيف بن ماتع المعافري الصنمي الإسكندري، وقد قال البُخاري٢: عنده مناكير. وقال النسائي(٣) : ليس به بأس، وقال مرة٤" : صدوق، وفي نسخة " ضعيف. وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات، وقال": كان يُخطىء كثيراً. وقال الدار قطني ): صالح . وقال ابنُ يونس في تاريخ مصر (١) : في حديثه مناكير ، توفي قريباً من سنة عشرين ومئة . والمراد بالكُدَى: القبور، وقيل: النَّوْحَ ). والمقصود أنَّ عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية ، خلافاً لِفِرْقةِ الشيعة فيه وفي ابنه أبي طالب ، على ما سيأتي في وفاة أبي طالب ، وقد قال البيهقي - بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه ((دلائل النبوة»'': وكيف لا يكون أبواه وجدُّه عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة ، وقد كانوا يعبدون الوثن ، حتى ماتوا ولم يدينوا دينَ عيسى ابن مريم عليه السلام، وكفرهم(١) لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام ، لأنَّ أنكحة الكفار صحيحة . ألا تراهم يُسْلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديدُ العقد ولا مفارقتهن ، إذا كان مثله يجوز في الإسلام ، وبالله التوفيق . انتهى كلامه . قلتُ: وإخباره ◌َ لّ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديثَ الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصُّمَّ يُمتحنون في العَرَصات يوم القيامة ، كما بسطناه سنداً ومتناً عند قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُتَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾١٢ الإسراء ١٥] فيكون منهم من يجيب (١) الإمام أحمد في مسنده (١٦٨/٢، ١٦٩) وأبو داود في سننه (٣١٢٣) الجنائز باب في التعزية ، والنسائي في سننه (٢٦/٤، ٢٧) الجنائز باب النعي، والبيهقي في الدلائل (١/ ١٩٢) وفي إسناده ضعف. (٢) في التاريخ الكبير (٢٩٠/٣). تهذيب الكمال (٩/ ١١٤). (٣) (٤) لم نقف على هذا القول . (٥) المجتبى (٢٨/٤) . (٧) سؤالات البرقاني للدار قطني (١٥٣). (٦) الثقات (٣٠١/٦). (٨) هو عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي، مؤرخ، محدث، له تاريخان، أحدهما كبير في (( أخبار مصر وتاريخها)) والثاني صغير في ((ذكر الغرباء الواردين على مصر)) توفي ٣٤٧هـ الأعلام (٢٩٤/٣) وكشف الظنون (٣٠٤/١) . (٩) قال ابن منظور في تفسيره : أراد المقابر ، وذلك لأنه كانت مقابرهم في مواضع صلبة ، وهي جمع كُذْية ، ويروى بالراء [ الكُرَى ] وهي القبور جمع كُرْيه أو كُرْوَة ، من كريت الأرض وكروتها : إذا حفرتها ، كالحفرة . اللسان ( كدي ، کرو ) . (١٠) دلائل النبوة (١٩٢/١، ١٩٣). (١١) في الدلائل : وأمرهم . (١٢) يعني بسطه في التفسير (٢٨/٣) وما بعدها . ٦٧ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام ومنهم من لا يجيب . فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب ، فلا منافاة ، ولله الحمد والمنة . وأما الحديث الذي ذكره السُّهَيْلي، وذكر أنَّ في إسناده مجهولين إلى ابن أبي الزِّنَاد، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَّ سأل ربّه أن يُحيي أبويه ؛ فأحياهما وآمنا به ، فإنه حديثٌ منكرٌ جداً . وإن كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى ، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضُه . والله أعلم . فصل قال ابن إسحاق (١): وكان رسول الله وّله مع جدِّه عبد المطلب بن هاشم - يعني بعد موت أُمِّه آمنة بنت وهب ـ فكان يوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظلِّ الكعبة ، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له. قال: فكان رسول الله وَلّر يأتي وهو غلام جَفْرُ(٢) حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخِّرُوه عنه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني ، فوالله إنَّ له لشأناً . ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسرّه ما يراه يصنع . وقال الواقدي(٣): حدّثني محمد بن عبد الله عن الزهري ، وحدّثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن حمزة بن(٤) عبد الله ، وحدّثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن المنذر بن جَهْم ، وحدّثنا معمر عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد ، وحدّثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحويرث ، وحدّثنا ابن أبي سَبْرَة ، عن سليمان بنِ سُحَيم ، عن نافع بن جُبير - دخل حديثُ بعض منهم في بعض - قالوا : كان رسول الله ◌َ﴿ يكون مع أُمِّه آمنةَ بنتِ وَهْب، فلما تُوفيت قبضَهُ إليه جَدُّه عبد المطلب، وضمَّهُ ورقَّ عليه(٥) رِقَّةً لم يرقَّها على ولده، وكان يقرِّبُه منه ويُدْنيه ، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك : دعوا ابني إنه يُؤْنس (٦) ملكاً . وقال قومٌ من بني مُدْلِج لعبد المطلب: احتفظ به ، فإنَّا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في الحَجَرَ (٧) (١) سيرة ابن إسحاق (ص ٤٢، ٤٣) وسيرة ابن هشام (١٦٨/١). (٢) ((الجفر)) : الصبي إذا انتفخ لحمه وأكل وصارت له كرش . اللسان جفر. (٣) قول الواقدي في طبقات ابن سعد (١١٧/١، ١١٨). في ح عن ، والمثبت من ط وطبقات ابن سعد . (٤) (٥) كذا في الأصول وطبقات ابن سعد، وليس في المعجمات تعدية للفعل (رق) بـ (على) وإنما (( رق له)) بمعنى رَحِمه . (٦) في ط : يؤسس ، وفي الطبقات : ليُؤنِسُ ، والمثبت من ح وفي اللسان من حديث نجدة الحروري وابن عباس : حتى تُؤْنِس منه الرُّشدَ ؛ أي تعلم منه كمال العقل وسداد الفعل وحسن التصرف . (٧) فوق اللفظة في ح إشارة (٢) ليست إشارة لَحَق، وفي الهامش كُتب ( المقام) وفوقها حرف ( خ ) إشارة إلى أنها رواية نسخة ، وهي رواية الطبقات وط . والمقام في المسجد الحرام ، هو الحَجَر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام حين رفع بناء البيت ؛ وقيل : هو الحجر = ٦٨ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام منه . فقال عبد المطلب لأبي طالب : اسمع ما يقول هؤلاء ! فكان أبو طالب يحتفظ به . وقال عبد المطلب لأُمّ أيمن - وكانت تحصُنه - : يا بَرَكَة ، لا تغفلي عن ابني ، فإنِّي وجدتُه مع غلمان قريب(١) من السدرة ، وإنَّ أهل الكتاب يزعمون أنَّ ابني نبيُّ هذه الأمة . وكان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلا يقول : عليَّ بابني، فيُؤتى به إليه. فلمَّا حضرت عبد المطلب الوفاةُ أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله وَل وحياطته ، ثم مات عبد المطلب ودُفن بالحَجُون(٢) وقال ابن إسحاق(٣): فلما بلغ رسول الله وم لل ثماني سنين هلك جدُّه عبد المطلب بن هاشم . ثم ذكر جمعَه بناتِهِ وأمْرَهُ إياهنَّ أن يرثينه ؛ وهن: أروى ، وأمية ، وبَرَّة ، وصفية، وعاتكة ، وأُّ حكيم البيضاء، وذكر أشعارهنَّ وما قُلْنَهُ في رثاء أبيهن ، وهو يسمعُ قبل موته ، وهذا أبلغ النَّوح . وبسط القول في ذلك . وقد قال ابن هشام(٤) : ولم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر . قال ابن إسحاق(٥) : فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولي زمزم والسقاية بعده ابنُه العباس ، وهو من أحدث إخوته سناً ، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وأقرَّها في يده رسولُ الله ◌َيَةٍ . وكان رسول الله وَل بعد جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب لوصية عبد المطلب له به ، ولأنه كان شقيق أبيه عبد الله، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ(٦) بن عِمْران بن مخزوم . قال : فكان أبو طالب هو الذي يلى أمْرَ رسول الله وَلَّ وكان إليه ومعه . وقال الواقدي(١): أخبرنا مَعْمَر عن ابن [ أبي ]٨) نَجيح عن مجاهد، وحدّثنا معاذ بن محمد الأنصاري ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وحدّثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة - دخل حديث بعضهم في [ حديث ]٩) بعض - قالوا : لما توفي عبد المطلب قَبَض الذي وقف عليه حين غسلت زوج ابنه إسماعيل رأسه ، وقيل : بل كان راكباً فوضعت له حجراً من ذات اليمين = فوقف عليه حتى غسلت شق رأسه الأيمن ثم صرفته إلى الشق الأيسر فرسخت قدماه فيه حال وقوفه عليه ؛ وقيل هو الحجر الذي وقف عليه حين أذن في الناس بالحج . وصفه في معجم البلدان ( المقام ، ٥/ ١٦٤) . (١) كذا في ح ، ط ، والوجه : قريباً بالنصب . ((الحجون)): جبل بأعلى مكة، عنده مدافن أهلها، على ميل ونصف. معجم البلدان (٢/ ٢٢٥) واللسان (حجن). (٢) (٣) سيرة ابن إسحاق (ص ٤٥) وما بعدها وسيرة ابن هشام (١٦٩/١) وما بعدها . (٤) سيرة ابن هشام (١/ ١٦٩). (٥) سيرة ابن إسحاق (ص ٤٧) وسيرة ابن هشام (١٧٨/١، ١٧٩). في ح : عابد. وهو تصحيف، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام والإكمال (٩/٦). (٦) (٧) قول الواقدي في طبقات ابن سعد (١١٩/١). (٨) ما بين معقوفين سقط من ح ، ط ، وأثبته من الطبقات . (٩) ما بين معقوفين من ط وطبقات ابن سعد . ٦٩ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام أبو طالب رسولَ اللهَ وَّر، فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له ، وكان يحبُّه حبّاً شديداً لا يحبّه ولدَه ، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصَبَّ به أبو طالب صبابةً لم يُصَبَّ (١) مثلها بشيءٍ قط . وكان يخصُّه بالطعام ، وكان إذا أكل عيالُ أبي طالب جميعاً أو فُرَادى لم يشبعوا ، وإذا أكل معهم رسولُ الله ◌ِ﴿ شبعوا، فكان إذا أراد أن يُغَدِّيَهم قال: كما أنتم حتى يأتيَ ولدي . فيأتي رسول الله ﴿ فيأكل معهم فكانوا٢) يُفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعوا ، فيقول أبو طالب: إنَّك لمبارَك، وكان الصبيان يُصبحون رُمْصاً شُعثاً، ويُصبح رسول الله وَّهَ دَهِيناً كَحيلاً . وقال الحسن بن عرفة : حدّثنا عليُّ بن ثابت ، عن طلحة بن عمرو ، وسمعتُ عطاء بن أبي رباح ، سمعتُ ابن عباس يقول: كان بنو أبي طالب يُصبحون غُمْصاً رُمْصاً، ويُصبح رسولُ الله وَلَّهِ صَقِيلاً دَهِينا٢ً) وكان أبو طالب يُقرِّبُ إلى الصبيانِ صَحْفَتَهمُ(٤) أوَلَ البُكْرَة ، فيجلسون وينتهبون ، ويكف رسولُ اللهِوَيَدَهُ فلا ينتهبُ معهمُ(٥) . فلما رأى ذلك عمُّه عزَلَ له طعامَهُ على حِدَة . وقال ابن إسحاق(٦) : حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، أنَّ أباهُ حدَّثه أنَّ رجلاً من لِهْبٍ كان عائفاً(٧)، فكان إذا قدِم مكة أتاهُ رجالٌ من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف (٨) لهم فيهم ؛ قال : فأتى أبو طالب برسول الله بَّ وهو غلام مع من (٩) يأتيه؛ قال: فنظر إلى رسولِ الله وَّل ثم شغله عنه شيء، فلما فرغَ قال : الغلام عليَّ به . فلما رأى أبو طالب حِرْصَهُ عليه غيّبَهُ عنه ، فجعل يقول : ويلكم، رُدُّوا عليَّ الغلامَ الذي رأيتُه آنفاً، فواللهِ ليكونَنَّ له شأن . قال : وانطلق به أبو طالب. (١) ((صبَّ به)): أحبَّه وكلف به، جاء في الأساس ( صبب ) : هو صبٌّ بها : كلِفٌ، وهي صبَّة به. وهو من الصبابة ورِقَّة الهوى . (٢) في ح : فكان ، والمثبت من ط . (٣) قال صاحب اللسان بعد سياق الحديث ( رمص ) : غَمِصت العين ورمِصَت من الغَمَص والرمص ، وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان ، والرَّمص: الرطب منه، والغَمَص : اليابس ، والغُمْص والرُّمص : جمع أغمص وأرمص . (٤) ((الصحفة)): كالقصعة، وهي تشبع الخمسة ونحوهم. اللسان (صحف)، وحرف في ط إلى صفحتهم . وفي ح على الصواب . ((ينتهبون)): من الانتهاب وهو الأخذ. التاج ( نهب ). (٥) (٦) قول ابن إسحاق هذا في سيرة ابن هشام (١٧٩/١، ١٨٠). (٧) ((بنو لهِبْ)): قبيلة من الأزْد، وهم أهل العِيافة والزَّجْر، زعموا أنها أعيف العرب. والعائف: المتكهِّن الذي يعيف الطير فيزجرها بالحدس والظن فيتفاءَل بأسمائها وأصواتها وممرِّها . اللسان والتاج ( لهب ، عيف). (٨) في ح : ويعاف . والمثبت من ط وسيرة ابن هشام. (٩) في ح : ممن ، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام . ٧٠ فصل في خروجهم مع عمه أبي طالب إلى الشام فصل في خروجِهِ عليه الصلاةُ والسلام مع عمِّه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بَحِيرَى الراهِبُ (١) قال ابن إسحاق (٢): ثم إنَّ أبا طالب خرج في ركبٍ تاجراً إلى الشام، فلمَّا تهيَّ للرحيل وأجمع السير صَبَّ به(٣) رسولُ اللهِوَ ﴿ - فيما يزعمون - [فأخذ بزمام ناقته وقال: (( يا عمّ، إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أُمّ))؟ ] فَرَقَّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجنَّ به معي ولا أفارقُهُ ولا يفارقُني أبداً. أو كما قال فخرج به [ معه ] ، فلما نزل الرَّكْبُ بُصْرَى(٤) من أرض الشام، وبها راهبٌ يقال له : بَحِيرى في صومعةٍ له . وكان إليه عِلْمُ أهْلِ النَّصْرانية، ولم يزلْ في تلك الصومعةِ منذُ قُطّ(٥) راهب فيها٦)، إليه(١) يصيرُ علمهم عن كتاب [ فيها }(٨) فيما يزعمون ، يتوارثونَهُ كابراً عن كابر ، فلما نزلوا ذلك العام بِبَحِيرَى ، وكانوا كثيراً ما يمرُّون [ به قبل ذلك ] فلا يكلِّمُهم ولا يعرض لهم(٩) حتى كان ذلك العام ، فلما نزلوا قريباً من صومعته ، صنع لهم طعاماً كثيراً ، وذلك فيما يزعمون عن شيءٍ رآه وهو في صومعته . يزعمونَ أنَّهُ رأى رسولَ الله ◌ِ ◌ّهفِي الرَّكب حين أقبلَ وغمامةٌ تُظِلُّه من بين القوم ، ثم أقبلوا فنزلُوا في ظلِّ شجرةٍ قريباً منه ، فنظر إلى الغمامة حين أظلَّتِ الشجرة، وتهصَّرَتْ أغصانُ الشجرةِ على رسولِ اللهِوَّ﴿ حتى استظلَّ تحتها ١٠) . فلما رأى ذلك بَحِيرَى نزل من صومعته ، وقد أمرَ بطعامٍ فَصُنع ، ثم أرسل إليهم فقال : إني (١) مضت ترجمة بحيرى في الجزء الثاني وهي أيضاً في مختصر ابن منظور (٥٤/٥) والإصابة (١٧٦/١) وشرح المواهب (٢٣٤/١). (٢) سيرة ابن إسحاق (ص٥٣) وما يأتي بين معقوفين منه، وأيضاً في سيرة ابن هشام (١/ ١٨٠) والروض (٢٠٥/١) وتاريخ الطبري (٧٧/٢) ومختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٧/٢) وشرح المواهب (٢٣٣/١) وما بعدها . (٣) في سيرة ابن إسحاق صب له - أظنه تصحيفاً - وعند بعض الرواة : فضبَّ به . أي لزمه كما في شرح المواهب (٢٣٣/١) وقد مضى معناه (الصفحة السابقة ح١) من هذا الجزء. (٤) (( بُصْرى)): قصبة كورة حَوْران من أعمال دمشق ، فتحت صلحاً لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة ، وهي أول مدينة فتحت بالشام ، وردها عليه الصلاة والسلام مرتين . هذه إحداها ، والثانية في تجارة لخديجة مع ميسرة غلامها . معجم البلدان (١/ ٤٤١) ومختصر ابن منظور (٥/٢) وشرح المواهب (٢٣٤/١) وموقعها اليوم جنوبي دمشق ، وتبعد عنها مسافة ١٤٢ كم تقريباً . (٥) قُطُّ هنا بمعنى الزمان والدهر ، وهي مثلثة القاف. التاج ( قطط ). (٦) راهب كذا في ح ، ط ، والوجه : راهباً بالنصب ، ولفظة : فيها ، ساقطة من ح . (٧) في ح : إليهم . والمثبت من ط . (٨) في سيرة ابن إسحاق ومختصر ابن منظور : فيهم ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض الأنف . (٩) في ح : إليهم . والمثبت من مصادر التخريج . (١٠) ((تهصَّرت)): أي تهدَّلت عليه ومالت، من الهَصْر، وهو عطف الغصن الرطب. اللسان (هصر). ٧١ حوجهفى مع عدد أبي طالب إلى الشام صنعتُ لكم طعاماً يا معشر قريش، فأنا أحبُّ أنْ تحضُروا كلُّكم ، صغيركم وكبيركم ، وعبدكم وحُرّكم . فقال له رجل منهم : والله يا بَحِيرى إنَّ لك لشأناً اليوم ، ما كنتَ تصنعُ هذا بنا وقد كُنَّا نمُّ بِك كثيراً ، فما شأنُكَ اليوم؟ قال له بَحِيرى: صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنَّكم ضَيْف ، وقد أحببتُ أنْ أُكرمكم وأصنَعَ لكم طعاماً فتأكلوا منه كلُّكم. فاجتمعوا إليه وتخلَّف رسولُ اللهِ وَ لَه من بينِ القوم لحداثةِ سِنَّه في رِحالٍ القوم تحت الشجرة ، فلما رآهم بَحِيري لم يرَ الصفةَ التي يعرفُ ويجدُ عنده ، فقال : يا معشر قريش ، لا يتخلَّفَنَّ أحدٌ منكم عن طعامي. قالوا له : يا بحيرى ، ما تخلَّفَ عنك أحدٌ ينبغي له أنْ يأتيكَ إلا غلامٌ وهو أحدَثْنَا سِنّاً ، فتخلَّف في رحالنا . قال : لا تفعلوا ، ادعوه فليحضُزْ هذا الطعامَ معكم . قال : فقال رجلٌ من قريش مع القوم: واللاتِ والعُزَّى ، إنْ كان للؤْماً بنا أن يتخلَّف محمدُ بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه [، ثم أقبلَ به ] وأجلسه مع القوم ، فلما رآه بَحِيرى جعل يلحظُه لحظاً شديداً ، وينظرُ إلى أشياء من جسده، قد كان يجدُها عندَهُ من صفته ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا ، قام إليه بحيرى وقال له : يا غلام ، أسألك بحقِّ اللات والعُزَّى إلا أخبرتني عمَّا أسألُكَ عنه. وإنما قال له بَحِيرى ذلك، لأنه سمع قومَهُ يحلِفُون بهما، فزعموا أنَّ رسولَ اللهِوَ لَه قال له: ((لا تسألني باللاتِ والعُزَّى شيئاً ، فواللهِ ما أبغضتُ شيئاً قطُ بُغْضَهما)). فقال له بَحِيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألُك عنه؟ فقال له: (( سلْني عمَّا بدا لك)). فجعل يسألُهُ عن أشياءَ من حاله من نومِهِ وهَيْثَتَهِ وأَموره . فجعل رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ يُخْبِرُه، فوافق(٣) ذلك ما عند بَحِيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهرهِ فرأى خاتم النبوة بين كتفيه [على ] موضعه من صفته التي عنده ، فلما فرغ أقبل على عمِّهِ أبي طالب فقال: ما هذا الغلامُ منك ؟ قال : ابني ، قال بَحِيرى : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكونَ أبوه حيّاً ؟ قال : فإنَّهُ ابنُ أخي. قال : فما فعل أبوه ؟ قال: مات وأمُّه حُبْلَى به . قال : صدقت ، ارجِعْ بابن أخيك إلى بلَدِه ، واحْذَرْ عليه يهود . فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيَبْغُنَّهُ(٤) شرّاً، فإنَّهُ كائنٌ لابنِ أخيك هذا شأنٌ عظيم ، فأسرع به إلى بلاده . فخرج به عمُّه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام . قال ابن إسحاق(٥): فزعموا فيما روى الناس أنَّ زُرَيْراً، وثماما٦ً) ، ودَريساً - وهم نفرٌ من أهْلِ الكتاب - قد كانوا رأَوا رسولَ الله وَ ليل مثلما رأى بَحِيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب ، فأرادوهُ فرَّّهم عنه بَحيرى ، فذكَّرَهُم اللهَ وما يجدون في الكتابِ من ذِكره وصفته ، وأنهم إنْ أجمعوا لما (١) في ح : يعرفه بها ، وفي ط : ويجده ، والمثبت من مصادر التخريج. (٢) في ح : رأى . والمثبت من ط ومصادر التخريج . (٣) في سائر المصادر فيوافق . وهو أشبه بالصواب . في ح : إن .. ليتبعنه ، وفي سيرة ابن إسحاق : ليبغينه . والمثبت من ط وباقي المصادر . (٤) (٥) سيرة ابن إسحاق (ص ٥٥) وسيرة ابن هشام (١٨٣/١) والروض الأنف (١/ ٢٠٧) ومختصر ابن منظور (٩/٢). (٦) كذا في ح ، ط وفي سيرة ابن إسحاق وسائر مصادر تخريجه تماماً بالتاء المثناة من فوق . ٧٢ فصل في خروجه بش مع عمّه أبي طالب إلى الشام أرادوا به لم يخلُصوا إليه ، حتى عرفوا ما قالَ لهم وصدَّقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا عنه . وقد ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أنَّ أبا طالب قال في ذلك ثلاثَ قصائد(١) . هكذا ذكر ابنُ إسحاق هذا السياق من غير إسنادٍ منه ، وقد ورد نحوُهُ من طريقٍ مسندٍ مرفوع . فقال الحافظ أبو بكر الخرائطي(٢): حدّثنا عباس بن محمد الدُّوري، حدّثنا قُرَاد أبو نوح، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق(٣) عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال : خرج أبو طالب إلى الشام [ فخرج ] معه رسولُ اللهَ وَّل في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب - يعني بَحِيرى - هبَطُوا فحلُّوا رحالَهُم ، فخرج إليهم الراهب ، وكانوا قبل ذلك يمُون به فلا يخرجُ ولا يلتفتُ إليهم . قال : فنزل وهم يحلُّون رحالهم، فجعل يتخلَّلُهم حتى جاء فأخذ بيد النبيِّ وَّ فقال: هذا سيِّدُ العالمين - وفي روايةِ البيهقي(٤) زيادة : هذا رسولُ ربِّ العالمين، ابتعثه الله رحمة للعالمين - فقال له أشياخٌ من قريش: وما علمك(٥)؟ فقال : إنَكم حين أشرفتُمْ من العَقَبة لم يَبْقَ شجرةٌ ولا حجَرٌ إلَّ خرّ ساجداً ، ولا يسجدون إلَّ لنبيّ ، وإني أعرفه بخاتم النبوّة أسفل من غُضْرُوف كَتِفِهِ . ثم رجع فصنع لهم طعاماً ، فلما أتاهم به - وكان هو في رِعْيَةِ الإبلِ - فقال: أرسِلُوا إليه ، فأقبل وغَمامةٌ تُظِلُّه . فلما دنا من القوم قال : انظروا إليه ، عليه غمامة . فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيْءِ الشجرة ، فلما جلس مال فَيْءُ الشجرةِ عليه . قال : انظروا إلى فيءِ الشجرةِ مالَ عليه . قال : فبينما هو قائمٌ عليهم وهو يَنْشُدُهم ألَّ يذهبوا به إلى الرُّوم ، فإنَّ الرُّومَ إنْ رأَوْهُ عرفوهُ بالصِّفَةِ فقتلوه ؛ فالتفت فإذا هو بسبعةِ نفرٍ من الرُّوم قد أقبلوا . قال : فاستقبلهم فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا ، إنَّ هذا النبيَّ خارجٌ في هذا الشهر ، فلم يبقَ طريقٌ إلا بُعث إليه ناسٍ ، وإنَّا أُخبرنا خَبَرَهُ إلى طريقكَ هذه. [ قال فقال: هل خلَّفتم أحداً هو خيرٌ منكم؟ قالوا: لا، إنما أُخبرنا خَبَرَهُ﴾(٦) إلى طريقك هذه . قال : أفرأيتم أمْراً أرادَ الله أنْ يقضِيَه ، هل يستطيعُ أحدٌ من الناس ردَّه ؟ فقالوا : لا . قال : فبايَعُوه وأقاموا معه عنده . قال : فقال الراهب: أَنْشُدُكم الله أيُّكم وليُّه ؟ قالوا : أبو طالب . فلم يزَلْ يُناشده حتى رَدَّه ، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوَّدَهُ الراهب من الكعك والزيت . هكذا رواه الترمذي(١) عن أبي العباس الفَضْلِ بن سَهْل الأعرج عن قُرَاد أبي نوح به . (١) القصائد الثلاث في سيرة ابن إسحاق (ص ٥٥ - ٥٧). (٢) في هواتف الجنان (ص٤٩) نسخة الظاهرية (ص ١٩٤ المطبوعة ) وما يأتي بين معقوفين منه. (٣) فى الأصل : يونس عن أبي إسحاق ، وكذا في هواتف الجنان ، وهو تحريف ، والصواب من سنن الترمذي (٢٥٠/٥) وترجمة يونس بن أبي إسحاق في تهذيب التهذيب (٤٣٣/١١) وروايته فيه ثابتة عن أبي بكر بن أبي موسى ، كما ثبتت رواية قراد عنه في التهذيب أيضاً (٦/ ٢٤٧) واسم قراد : عبد الرحمن بن غزوان. (٥) بعد هذه اللفظة في نسخة الظاهرية من كتاب هواتف الجنان سقط بمقدار صفحة . (٤) في دلائل النبوة (٢٤/٢) . (٦) ما بين المعقوفين مكرر في الأصل (ح). (٧) جامع الترمذي (٣٦٢٠) المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي وَله. ٧٣ فصل في خروجه مع عمّه أبي طالب إلى الشام والحاكمُ (١) والبيهقي(٢) وابن عساكر(٣) ، من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم ، عن عباس بن محمد الدُّوري به . وهكذا رواهُ غيرُ واحدٍ من الحفاظ ، من حديث أبي نَوْح عبد الرحمن بن غَزْوان الخُزاعي مولاهم - ويقال له ٤) الضَّبِّ - ويُعرف بقُرَاد، سكن بغداد وهو من الثقات الذين أخرجَ لهم البخاري ؛ ووثَّقَهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ والحُفَّاظ ، ولم أرَ أحداً جَرَّحَه ، ومع هذا في حديثهِ هذا غرابة ؛ قال الترمذي : حسنٌ غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقال عبّاس الدُّوري : ليس في الدنيا أحد یحدث به غَيْرُ قُراد أبي نوح ، وقد سمعه منه أحمد بن حنبل رحمه الله، ويحيى بن معين لغرابته وانفراده . حكاهُ البيهقيُّ(٥) وابن عساكر. قلت : فيه من الغرابة أنه من مرسلاتِ الصحابة ، فإنَّ أبا موسى الأشعري إنما قدِم في سنةِ خَيْبَر سنة سبع من الهجرة ، ولا يُلتفتُ إلى قول ابن إسحاق في جَعْلِهِ له من المُهاجِرةِ إلى أرض الحبشةِ من مكة ، وعلى كُلِّ تقدير فهو مُرْسَل ؛ فإنَّ هذه القصة كانت ولرسولِ الله وٍَّ من العمر فيما ذكره بعضُهم ثنتا عشرةَ سنة، ولعل أبا موسى تلقَّاه من النبيِّ وَ ﴿ فيكون أبلغ ، أو من بعضِ كبارِ الصحابة رضي الله عنهم ، أو كان هذا مشهوراً مذكوراً أخذه من طريق الاستفاضة . الثاني : أنَّ الغمامةَ لم تُذكر في حديثٍ أَصَحَّ من هذا . الثالث : أنَّ قولَهُ: وبعث معه أبو بكر بلالاً ، إنْ كان عمره عليه الصلاة والسلام إذْ ذاك ثنتي عشرةَ سنة فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة ، وعمُر بلالٍ أقلُّ من ذلك ، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب، اللهمَّ إلا أنْ يُقال: إنَّ هذا كان ورسولُ اللهِ وَلِّ كبيراً؛ إمَّا بأنْ يكونَ سفرُه بعد هذا؛ أو إنَّ القول(٦) بأنَّ عُمُرَهُ كان إذ ذاك ثنتي عشرةَ سنةً غيرُ محفوظ، فإنَّهُ إنما ذكرَهُ مقيداً بهذا الواقدي (٧) . وحكى السُّهيلي عن بعضهم أنه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين والله أعلمُ(1). في المستدرك (٦١٥/٢ -٦١٦). (١) انظر الحاشية الأولى من هذه الصفحة . (٢) مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٦/٢) . (٣) (٤) ليست له في ح . ( ٥) دلائل النبوة للبيهقي (٢٦/٢) . في ط : إن كان القول . بزيادة كان ، وليست في ح . (٦) هذا النقد قال به قبله الذهبي في السيرة (٥٨/١ - ٥٩) لذلك استنكره جداً، والحمل فيه على أبي نوح عبد الرحمن بن (٧) غزوان المعروف بقراد ، وينظر بلابد تعليقي على الترمذي ( بشار ) . (٨) انظر قول السهيلي في الروض (١/ ٢٠٦). ٧٤ فصل قصة بخيرى قال الواقدي: حدّثني محمد بن صالح ، وعبد الله بن جعفر ، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصَين، قالوا: لما بلغ رسولُ اللهِ وَّلَ اثنتي عشرةَ سنةً خرج به عمُّه أبو طالب إلى الشام في العير التي خرج فيها للتجارة ، ونزلوا بالراهب بَحِيرى ، فقال لأبي طالب في السرّ ما قال ، وأمره أن يحتفظ به ، فردّه معه أبو طالب إلى مكة . [وشبَّ رسولُ اللهِ وَّل مع أبي طالب، يَكْلَؤُه الله ويحفظه ويحوطُه من أمور الجاهلية ومعايبها، لما يريدُ من كرامته ، حتى بلغ أنْ كان رجلاً أفضلَ قومه مروءةً ، وأحسنهم خلقاً ، وأكرمَهم مخالطةً ، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً ، وأبعدهم من الفحش والأذى ]٣) ما رُئي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سمَّاه قومُه الأمين ، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة ، فكان أبو طالب يحفظه ويحوطه وينصره ويعضُده حتى مات . وقال محمد بن سعد(٤): أخبرنا خالد بن خِدَاشُ(٥)، حدّثنا معمر بن سليمان: سمعتُ أبي يحدِّث عن أبي مِجلَز أنَّ عبد المطلب أو أبا طالب - شكَّ خالد - قال: لما مات عبد الله عطف على محمد [وَيَ ] فكان لا يسافر سفراً إلا كان معه فيه ، وإنه توجَّه نحو الشام ، فنزل منزلًا ، فأتاه فيه راهب فقال : إنَّ فيكم رجلاً صالحاً . [ فقال : إن فينا من يَقْرِي الضيف، ويفكُّ الأسير ، ويفعل المعروف . أو نحواً من هذا . ] ثم قال : أين أبو هذا الغلام ؟ قال فقال: ها أنا ذا وَلِيُّه - أو قيل هذا وليُّه - قال: احتفظْ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام ، إنَّ اليهودَ حُسُد ، وإني أخشاهم عليه . قال : ما أنت تقول ذلك ، ولكنَّ الله يقوله . فردّه . قال : اللهمَّ إني أستودِعُكَ محمداً . ثم إنه مات. حكى السُّهيلي٦) عن سِيَرِ الزهري أنَّ بَحِيرى كان حَبْراً من أحبار اليهود . قلت : والذي يظهرُ من سياقِ القصّة أنه كان راهباً نصرانياً . والله أعلم . وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس وكان اسمه جِرْجِيس(٧) . وفي كتاب المعارف لابن قتيبة (٨): سُمع هاتفٌ في الجاهلية قبل الإسلام بقليل يهتف ويقول : ألا إن (١) انظر قول الواقدي في طبقات ابن سعد (١٢٠/١، ١٢١). (٢) في ح: بالسر، وفي الطبقات: في النبي وَلَه. ما بين المعقوفين في سيرة ابن إسحاق بخلاف يسير ، وسيذكره المصنف في الصفحة التالية . (٣) (٤) في الطبقات (١٢٠/١) وما يأتي بين معقوفين منه. في ط : خالد بن معدان ، والمثبت من ح وطبقات ابن سعد . (٥) (٦) في الروض (٢٠٥/١). (٧) كذا في ح، ط ، والضبط من شرح المواهب (٢٣٤/١) وفي الروض: سَرْجِس نقلا عن المسعودي. (٨) المعارف (ص٥٨) . ٧٥ فصل في منشنه ومرباه وكفاية الله له خير أهل الأرض ثلاثة : بَحِيرى ، ورِثَاب بن البراء الشَّنِّي ، والثالث المنتظر . وكان الثالثُ المنتظر هو رسول مَ له. قال ابن قتيبة١ُ): وكان قبرُ رِئَاب الشَّنْيِّ وقبرُ ولدِه من بعده لا يزال يُرى عندهما طَشٌّ. وهو المطر الخفيف(٢) . فصل في مَنْشَئِه عليه الصلاة والسلام ومَرْبَاه وكفاية الله له ، وحِيَاطته ، وكيف كان يتيماً فآواه وعائلا فأغناه قال محمد بن إسحاق(٣): فشبَّ رسولُ الله ◌َلهيكلؤه الله ويحفظه ويحوطُهُ من أقذار الجاهلية لما يُريد به من كرامته ورسالته ، حتى بلغ أنْ كان رجلاً أفضلَ قومِهِ مروءةً ، وأحسنَهُمْ خُلقاً ، وأكرمهم حسباً ، وأحسنَهُمْ جِواراً ، وأعظمهم حِلْماً ، وأصدقهم حديثاً ، وأعظمهم أمانة، وأبعدَهُمْ من الفُحْش والأخلاق التي تُدَنِّسُ الرجال تنزُّهاً وتكُّماً ، حتى ما اسمه في قومِهِ إلا الأمين ، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة. وكان رسولُ اللهِوَّهـ فيما ذُكر لي - يُحدِّثُ عما كان الله يحفظُهُ به في صِغَرِه وأمْر جاهليته أنَّهُ قال : ((لقد رأيتُني في غلمان من قريش ننقلٌ(٤) الحجارةَ لبعض ما يلعَبُ به الغلمان، كلنا قد تعرَّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته فحمل(٥) عليه الحجارة ، فإني لأُقبل معهم كذلك وأُدْبر ، إذْ لَكَمني لاكمٌ ما أراه لكمةً وجيعةً ، ثم قال: شُدَّ عليك إزارك . قال : فأخذتُه فشددتُه عليّ، ثم جعلتُ أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليَّ من بين أصحابي)). وهذه القصة شبيهةٌ بما في الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقُلُ هو وعقُّه العباس ، فإنْ لم تكنْها فهي متقدِّمَةٌ عليها كالتوطئة لها . والله أعلم . وقد قال عبد الرزاق(٦) : أخبرنا ابنُ جُرَيج ، أخبرني عمرو بن دينار ، أنه سمع جابر بن عبد الله (١) في المعارف (ص٥٨) بنحوه ، واللفظة في الروض : وقال القتبي . كذا في ح ، ط ، وفي الروض واللسان ( طشش ) : المطر الضعيف وهو أشبه بالصواب . (٢) سيرة ابن إسحاق (ص٥٧، ٥٨)، والنص كما يبدو منقول من سيرة ابن هشام (١/ ١٨٣) فهو بألفاظه أشبه . (٣) (٤) في ح : ننتقل . في ط وسيرة ابن هشام : يحمل . (٦) في المصنف (١١٠٣) الطهارة باب ستر الرجل إذا اغتسل ، وما بين معقوفين منه . (٥) ٧٦ فصل في منشئه : ومرباه وكفاية الله له يقول: لما بُنيت الكعبة ذهب رسولُ الله ◌َّله ينقل(١) الحجارة، فقال العباسُ لرسولِ اللهِ وَّ: اجْعَلْ إزارك على عاتقك من الحجارة ، ففعل ، فخرَّ إلى الأرض ، وطمحَتْ عيناه إلى السماء . ثم قام فقال : ((إزاري [ إزاري])) فَشَدَّ عليه إزاره. أخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث عبد الرزاق(٢). وأخرجاه أيضاً من حديث رَوْح بن عبادة عن زكرياء بن إسحاق عن عَمْرو بن دينار عن جابرٍ بنحوه(٣) . وقال البيهقي(٤) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدّثنا محمد بن إسحاق الصاغاني ، حدّثنا محمد بن بُكَيْرِ الحَضْرَمي ، حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتَكِيّ ، حدّثنا عمرو بن أبي قيس ، عن سِمَاك عن عِكْرِمة ، حدّثني ابنُ عباس عن أبيه ، أنه كان ينقُلُ الحجارة إلى البيت حين بَنَتْ قريشٌ البيت ، قال: وأفردت قريش رجلَيْن رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشِّيد(٥). قال: فكنتُ أنا وابنُ أخي ، وكُنَّا نحمل على رقابِنا وأُزُرنا تحتَ الحجارة، فإذا غشينا الناس انْتَزَرْنا"). فبينما أنا أمشي ومحمد [رََّ] أمامي، قال: فخرَّ وانبطحَ على وجهه ، فجئتُ أسعى ، وألقَيْتُ حَجَري وهو ينظرُ إلى السماء ، فقلت : ما شأنك ؟ فقام وأخذ إزاره قال: ((إني نُهيت أَنْ أمشيَ عُرْياناً)). قال: وكنت أكتمها الناسُ(٧) مخافةَ أنْ يقولوا مجنون . وروى البيهقي(٨) من حديث يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق(٩) ، حدّثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمة عن الحسن بن محمد بن عليٍّ بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبيطالب ، قال: سمعتُ رسول الله وَ لَ يقول: (( ما همَمْتُ بشيءٍ مما كان أهلُ الجاهلية يهمُّون به من النساء إلا (١) كذا في ح، ط، وفي المصنف: ((ذهب النبي (َّه وعباس ينقلان الحجارة)). (٢) فتح الباري (٣٨٢٩) مناقب الأنصار باب بنيان الكعبة، وصحيح مسلم (٣٤٠) (٧٦) الحيض باب الاعتناء بحفظ العورة . (٣) فتح الباري (٣٦٤) الصلاة باب كراهية التعرِّي في الصلاة وغيرها، وصحيح مسلم (٣٤٠) (٧٧) الحيض باب الاعتناء بحفظ العورة . (٤) في الدلائل (٣٢/٢، ٣٣). (٥) ((الشِّيد)): كلُّ ما طَليَ به الحائط من حصٍّ أو بلاط . اللسان ( شيد ). (٦) في ح ودلائل البيهقي: اتزرنا، والمثبت من ط ، قال في التاج ( أزر): ولا تقل اتّزر بالمئزر بإدغام الهمزة في التاء ، ومنهم من جوزه ، والائتزار هو لبس الإزار وتشميره . (٧) في ط : أكتمها من الناس ، وليست من في ح ولا في دلائل البيهقي ، وفعل كتم يتعدى إلى مفعولين كما في اللسان ، ويعدى ايضاً بمن يقال : كتمه عنه وكتمه إياه . اللسان ( كتم ) . (٨) في الدلائل (٣٣/٢، ٣٤). (٩) والخبر أيضاً في سيرة ابن إسحاق (ص٥٨). ٧٧ فصل في منشئه مميز ومرباه وكفاية الله له ليلتين ، كلتاهما عصمني الله عز وجل فيهما. قلتُ ليلةً لبعض فتيان مكة - ونحن في رعاية غنم أهلناً(١) - فقلتُ لصاحبي أبْصِرْ لي غنمي حتى أدخلَ مكة ، أسمرُ فيها كما يسمرُ الفتيان . فقال : بلى . قال : فدخلتُ حتى [ إذا ]٢) جئتُ أوَّلَ دارٍ من دور مكة سمعتُ عَزْفاً بالغرابيل والمزامير ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : تزوَّج فلانٌ فلانة . فجلستُ أنظر ، وضَرَب الله على أذنيّ ، فوالله ما أيقظني إلا مسُّ الشمس ، فرجعتُ إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما فعلتُ شيئاً ، ثم أخبرته بالذي رأيت . ثم قلتُ له ليلةً أخرى : أبصِرْ لي غنمي حتى أسمُرَ [ بمكة](٨) ففعل ، فدخلتُ ، فلما جئتُ مكة سمعتُ مثلَ الذي سمعتُ تلك الليلة ، فسألتُ ، فقيل : نكح فلانٌ فلانة ، فجلستُ أنظر ، وضرَبَ الله على أذنيّ ، فوالله ما أيقظني إلا مسُّ الشمس ؛ فرجعتُ إلى صاحبي فقال : ما فعلت ؟ فقلتُ : لا شيء ، ثم أخبرته الخبر . فوالله ما هممتُ ولا عدت بعدها لشيءٍ من ذلك ، حتى أكرمني الله عزَّ وجل بنبوته(٣) . وهذا حديث غريب جداً؛ وقد يكونُ عن عليٍّ نفسه، ويكون قوله في آخره: (( حتى أكرمني الله عزَّ وجلَّ بنبؤَّته )) مُقْحماً ، والله أعلم . وشيخُ ابن إسحاق هذا ذكره ابنُ حِبَّان في ((الثقات)(٤) . وزعم بعضُهم أنَّه من رجالِ (( الصحیحیْنِ »، قال شيخنا في تهذيبهُ(٥) : ولم أقف على ذلك . والله أعلم . وقال الحافظ البيهقي(٦) : حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدّثنا الحسن بن علي بن عفان(٧) العامريّ، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا محمد بن عمرو عن أبي سَلَمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن خَاطِب ، عن أسامةَ بن زيد ، عن زيد بن حارثة ، قال : كان صنمٌ من نُحاسٍ يُقال له: إسَاف ونائلة(٨)، يتمسَّحُ به المشركون إذا طافوا. فطاف رسولُ اللهِ وَّهِ وطُفْتُ معه ، فلما مرزْتُ مسحتُ به ، فقال رسول الله وَّه: ((لا تمسَّه)). قال زيد: فطُفْنا، فقلت في نفسي: لأمسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسولُ اللهِ وَلَ: ((ألم تُنْهَ))؟ قال البيهقي: زاد [ فيه }٩) غيره عن (١) في ح ، ط : رعاء غنم أهلها ، والمثبت من الدلائل وسيرة ابن إسحاق . (٢) ما بين معقوفين من الدلائل وسيرة ابن إسحاق . (٣) وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الدلائل (١٢٨) ( ط عبد البر عباس ١٤٠٦ هـ ) بطرق مختلفة عن محمد بن إسحاق به. وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٨٨، ٨٩) وفيه : قال ابن حجر : إسناده حسن متصل ، ورجاله ثقات وسبل الهدى (٩٩/٢، ١٠٠). (٤) الثقات لابن حبان (٩/ ٨٢) . (٥) هو تهذيب الكمال للمزي، (٥٣٣/٢٥) والتعليق عليه . (٦) في الدلائل (٣٤/٢). في ح : عباس وهو تصحيف ، والمثبت من ط ودلائل البيهقي . (٧) في دلائل البيهقي : إساف أو نائلة . وهو أشبه بالصواب . وانظر المحبَّر (ص٣١١) . (٨) (٩) ما بين معقوفين من دلائل البيهقي . ٧٨ فصل في منشئه ... ومرباه وكفاية الله له محمد بن عمرو بإسناده : قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ، ما استلم صنماً [ قطّ](١) حتى أكرمه الله تعالی بالذي أكرمه وأنزل عليه ١) . وتقدم قوله عليه الصلاة والسلام لِبَحِيرى حين سأله باللاتِ والعُزَّى: (( لا تسألْني بهما فوالله ما أبغضتُ شيئاً بُغْضَهُما))٢) . فأما الحديث الذي قاله الحافظ أبو بكر البيهقي٣): أخبرنا أبو سعد المَالِيني ، أخبرنا أبو أحمد بن عَدِيِّ الحافظ ، حدّثنا إبراهيم بن أسْباط ، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا جَرير ، عن سفيان الثوري ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل(٤)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان النبيُّ وَلِ يشهدُ مع المشركين مشاهدَهم ، قال : فسمع مَلَكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه : اذهبْ بنا حتى نقومَ خلف رسولِ الله ◌ِّهَ. قال: كيف نقومُ وإنما عَهْدُه باستلام الأصنام قُبيل؟ قال: فلم يَعُدْ بعد ذلك أن يشهدَ مع المشركين مشاهدَهم . فهو حديثٌ أنكره غيرُ واحدٍ من الأئمة على عثمانَ بن أبي شيبة حتى قال الإمام أحمد فيه : لم يكنْ أخوهُ يتلفّظ بشيءٍ من هذا، وقد حكى البيهقي عن بعضهم٦) أنَّ معناه أنه شهد مع من يستلم الأصنام، وذلك قبلَ أن يُوحى إليه والله أعلم . وقد تقدَّم في حديث زيد بن حارثة أنه اعتزل شهودَ مَشَاهِد المشركين حتى أكرمه الله برسالته (١) . وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمُزْدَلِفَةِ ليلةَ عَرَفة ، بل كان يقف مع الناس بعَرَفات ، كما قال يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق : حدّثني عبد الله بن أبي بكر عن عثمان بن أبي سليمان ، عن نافع بن جُبير بن مُطْعِم، عن أبيه جُبير، قال: لقد رأيتُ رسولَ الله وَ لّ وهو على دين قومه ، وهو يقفُ على بعيرٍ له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم ، توفيقاً من الله عز وجل له . قال البيهقي(٨) : معنى قوله : على دين قومه : ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (١) وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (٨٩/١). (٢) انظر ص ٧١ من هذا الجزء. (٣) في دلائل النبوة (٣٥/٢). في ح، ط : محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل. وهو تحريف ، والمثبت من دلائل البيهقي وترجمته في تهذيب (٤) التهذيب (١٣/٦) وهو ابن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني . (٥) وأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٨٧٧) عن عثمان بن أبي شيبة به ، وذكره ابن حجر في المطالب (٤٢٦١)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣/٦ و٢٢٦/٨) . (٦) في دلائل النبوة (٣٦/٢). حديث زيد بن حارثة في الصفحة السابقة . (٧) (٨) في دلائل النبوة (٢/ ٣٧) وما بين معقوفين منه. ٧٩ ذمر شهوده عليه الصلاة والسلام حرب الفجار [ في حَجِّهم ومناكحهم وبيوعهم ] ، ولم يُشْرِكْ بالله قطّ ، صلواتُ الله وسلامه عليه دائماً . قلت : ويُفهم من قوله هذا أيضاً ، أنه كان يقفُ بعَرَفات قبل أنْ يُوحى إليه . وهذا توفيق من الله له . ورواه الإمام أحمد عن يعقوب، عن محمد بن إسحاق به. ولفظُه: رأيتُ رسول اللهِوَّ قبل أن ينزل عليه وإنه لواقفٌ على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم [ منها ٢٤) توفيقاً من الله . وقال الإمام أحمد٢): حدّثنا سفيان، عن عمرو، عنُ(٤) محمد بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه قال : أضْلَلْتُ بعيراً لي بعرفة، فذهبتُ أطلبُه، فإذا النبيُّ ◌ِ لّه واقف، فقلتُ: إنَّ هذا من الحُمسُ(٥)، ما شأنُه هاهنا؟ وأخرجاهُ) من حديث سُفيان بن عيينة به . ذكْرُ شهودِهِ عليه الصّلاة والسّلام حربَ الفِجَار قال ابن إسحاقُ(١): هاجت حربُ الفِجَار ورسولُ اللهِوَ لَّ ابنُ عشرين سنة، وإنما سُمِّ يومَ الفِجار ، بما استحلّ فيه هذانِ الحيَّان - كنانة وقيس عَيْلان - من المحارم بينهم. وكان قائدَ قريشٍ وكنانة حَرْبُ بنُ أُمَيَّة بن عبد شمس . وكان الظَّفَر في أولِ النهار لقيس على كِنَانة ، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانةَ علی قیس . وقال ابن هشامُ(٨): فلما بلغ رسولُ الله ◌َّهِ أربعَ عشرةَ سنةً - أو خمسَ عشرةَ سنة - فيما حدّثني أبو عُبيدة النَّحْوي عن أبي عمرو بن العلاء : هاجَتْ حربُ الفِجار بين قريشٍ ومن معها من كِنانة ، وبين قيس عيلان ، وكان الذي هاجها أنَّ عُروة الرَّحَّال بن عُتْبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن (١) في مسنده (٤/ ٨٢). ما بين معقوفين من مسند الإمام أحمد . ودفع من عرفات: أي ابتدأ السير ودفع نفسه منها . النهاية (٢/ ١٢٤ دفع). (٢) (٣) في مسنده (٤/ ٨٠). في مسند أحمد : عن عمرو بن محمد بن محمد بن جبير بن مطعم . وهو تحريف ، وعمرو هذا هو عمرو بن دينار (٤) المكي أبو محمد الأثرم الجمحي ، وروايته عن محمد بن جبير ، ورواية سفيان عنه ثابتة في تهذيب التهذيب في ترجمتهما . (٥) ((الحُمْس)): جمع الأحْمَس: وهم قريش، ومَنْ ولدَتْ قريش، وكنانة، وجَدِيلة قيس، سُمُّوا حُمساً لأنهم تحمَّسُوا في دينهم : أي تشددوا . والحماسة : الشجاعة ، كانوا يقفون بمُزْدَلِفة ولا يقفون بعرفة ، ويقولون : نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم ، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون . النهاية (١/ ٤٤٠) ( حمس ). (٦) يعني البخاري ومسلم في صحيحيهما ؛ فتح الباري (١٦٦٤) الحج باب الوقوف بعرفة، وصحيح مسلم (١٥٣ . ١٢٢٠) (١٥٣) الحج باب الوقوف وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. (١٠) قول ابن إسحاق هذا في سيرة ابن هشام (١/ ١٨٦). (١) في السيرة (١/ ١٨٤) وما يأتي بين معقوفين منه. ٨٠ ذكر شهوده عليه الصلاة والسلام حرب الفجار صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجارُ(١) لَطِيمةً - أي تجارة٢) - للنعمان بن المنذر ، فقال [ لَهُ ] البَرَّاضُ بن قيس - أحدُ بني ضَمْرَة بن بكر بن عبدٍ مناة بن كِنانة - أتجيزُها على كنانة ؟ قال : نعم وعلى الخلق . فخرج فيها عُروة الرَّخَّال، وخرج البَرَّاض يطلبُ غَفْلَته، حتى إذا كان بتَيْمن ذي طَلاَّل(٣) بالعالية غفَل عُروة ، فوثب عليه البَرَّاضُ فقتلَهُ في الشهر الحرام ، فلذلك سُمِّ الفِجَار ، وقال البرَّاض في ذلك : [ من الوافر ] شدَدْتُ لها بني بَكْرٍ ضلوعي وداهيةٍ تَهُمُّ الناسَ قَبْلي وأرضعتُ المواليَ بالضروعِ هدمتُ بها بيوتَ بني كلابٍ فَخَرَّ يَميدُ كالجِذْعِ الصَّرِيع٤ُ) رفعتُ له بذي طَلَّلَ كَفِّي وقال لَبِيدُ بن ربيعةَ بن مالك بن جعفر بن كلاب : [ من الوافر ] وعامرَ والخُطُوبُ لها مَوَالي وأبْلِغْ - إنْ عرضتَ - بني كلابٍ وأخوالَ القَتيلِ بني هِلالِ وأبْلِغْ - إنْ عرضتَ - بني نُمَيْرٍ مُقيماً عندَ تَيْمِنَ ذِي طَلالٍ(٥) بأنَّ الوافِدَ الرَّحَّالَ أمْسَى (١) في ح: أجار والمثبت من ط ومصادر تخريجه ، وقد ورد في المحبَّر (ص ١٩٦) بالزاي المعجمة فأثبتها مصححاه بالراء المهملة ، وتبعهما محققو سيرة ابن هشام في ذلك (١/ ١٨٤) على الرغم من تظاهر الأصول في إعجامها كما في الأغاني (٢٢/ ٥٧) (ط دار الكتب) وجاء في ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي (٣١٢/٢): (( ... فطلب لها النعمان من يجيزها إلى عكاظ ليشتري له بثمنها طرائف اليمن ... )) وفي مجمع الأمثال للميداني (٢٨١٨): (( وكان النعمان يبعث إلى عكاظ بلطيمة كل عام تباع له هناك فقال : من يجيز لي لطيمتي هذه حتى يقدمها عكاظ؟ )) وكذا في المستقصى (٢٦٥/١، ٢٦٦) (١١٢٢) والكامل لابن الأثير (١/ ٥٩٠) وفي التاج (برض ) (ط الكويت ) : ثم قدم [ يعني البراض ] على النعمان وسأله أن يجعله على لطيمة يريد أن يبعث بها إلى عكاظ . وفي اللسان (جوز): أجازه: أنفذه وجوَّز لهم إبلهم: إذا قادها حتى تجوز ((والمجيز)»: العبد المأذون له في التجارة. في النهاية (٢٥١/٤) (لطم): ((واللطيمة)): الجمال التي تَحْمل العِطر والبَزّ ، غير الميرة. (٢) سيأتي تعريفه في التعليق على أبيات لبيد الآتي ذكرها . (٣) الأبيات مع الخبر في السيرة لابن هشام كما تقدم ، والأغاني (٥٨/٢٢) ومعجم البلدان (٦١/٤، ظلال) والروض الأنف (٢/ ٢١٠) وفيه : وألحقت الموالي بالضروع . جمع ضرع ، هو في معنى قولهم لئيم راضع ، أي : ألحقت الموالي بمنزلتهم من اللؤم ورضاع الضروع ، وأظهرت فسالتهم وهتكت بيوت أشراف بني كلاب وصرحائهم . (٤) (٥) أبيات لبيد في ديوانه (ص٢٧٦) وسيرة ابن هشام كما تقدم، والأغاني (٢٢/ ٥٨) عدا الثاني ، ومعجم البلدان (٤/ ٦١، ٦٢) (ظلال) و - وكذا في الديوان - (٦٨/٢ تيمن) عدا الثاني، وفيه : تيمن ذي ظلال: واد إلى جنب فدك في قول بعضهم ، والصحيح أنه بعالية نجد. والروض الأنف (١/ ٢١٠) وفيه: تيمن : بكسر الميم وفتحها ، ولم يصرفه لوزن الفعل والتعريف ، وعلق ياقوت على الأبيات بقوله : في هذا عدة اختلافات [ يعني طلال ] بعضهم يرويه بالطاء المهملة ، وبعضهم يرويه بتشديد اللام والظاء المعجمة ، وقد حكيناه عن السهيلي ، وبعضهم يرويه بتخفيف اللام والظاء المعجمة ، وأكثرهم قال : هو اسم موضع ، وقال قوم في قول البراض : إن ذا ظلال اسم سيفه ، قال السهيلي : وإنما خففه لبيد وغيره ضرورة ... وقد اختار ياقوت إعجام الظاء وقواه .