Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
ولكنْ بهذاكَ اليَفاع فأَوقِدي بجزلٍ إذا أوقدتِ لا بضِراءُ(١)
قال : ثم كشفَ الستورَ وقدَّمَ الطعامَ ودعا الناسَ ، فأكل وأكلوا . فقالت : ما أتممْتَ لي ما قلت .
فأجابها : فإني لا تطاوعني نفسي ، ونفسي أكرمُ عليَّ مِن أن يثني علي هذا، وقد سبق لي السخاء . ثم
أنشأ يقول : [ من الطويل ]
وأتركُ نفسَ الجودِ ما أستشيرها
أُمارسُ نفسَ البخلِ حتّى أعزّها
ولا تشتكيني جارتي غيرَ أنها
سيبلُغها خَيري ويرجع بعلُها
ومن شعر حاتم : [ من الوافر ]
إذا ما بتّ أشْربُ فوقَ زِقِّي
إذا ما بِتُّ أختِلُ عِرْسَ جاري
أأفضحُ جارتي وأخونُ جاري
ومن شعره أيضاً: [من الكامل ]
ما ضَرَّ جاراً لي أُجاورُه
أُغضي إذا ما جارتي بَرَزت
ومن شعر حاتم أيضاً : [من الوافر]
وما مِنْ شِيمتي شَتْمُ ابنِ عَمّي
وكلْمة حاسدٍ من غَيْرِ جْمٍ
وعابوها عليّ ، فلم تَعِبْنيّ
وذي وجهين يلقاني طليقاً
ظفرتُ بعيبه فكفَفْتُ عنه
إذا غابَ عنها بعلُهنا لا أزورُها
إليها ، ولم تقصُر عليها سُتُورها٢).
لِسُكْرٍ في الشرابِ فلا رَوِيْتُ (٣)
ليخفيني الظلامُ فلا خفيتُ
فلا واللهِ أفعلُ ما حَيِيتُ (٤)
أن لا يكونَ لِبابِهِ سِتْرُ
حَتّى يُواريَ جارتي الخِدْرُ(٥)
وما أنا مُخْلِفٌ مَن يَرْتجيني
سَمعتُ وقلتُ : مُرِّي فانقِذيني
ولم يعرَقْ لها يوماً جبيني
وليس إذا تغيَّب يأتسيني
محافظةً على حَسَبي وديني(٦)
(١) البيتان في ديوانه (١٦٤)، (تحقيق د. عادل جمال - مكتبة الخانجى - القاهرة ١٤١١ هـ ١٩٩٠). وفيه اختلاف
في بعض الألفاظ .
واليفاع: المرتفع من الأرض . والجزل : الغليظ من الحطب اليابس . والضرام : دقيق الحطب .
(٢) ديوانه (٢٣٢) وما بعدها، من قصيدة، والخبر في تاريخ ابن عساكر من طريق الدار قطني (١١/ ٣٦٦).
(٣)
في ط : فوق ري .
(٤) ديوانه (٢١٠).
ديوانه ( ٢٩٦ ) .
(٥)
(٦) ديوانه (١٥٢) .

٥٠٢
ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
ومن شعره : [ من الطويل ]
إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
سلي البائسَ المقرورَ یا أُمَّ مالكٍ
أأبسط وجهي إنه أولُ القِرى
وأبذلُ معروفي له دون مُنْكَرِيٍ(١)
وقال أيضاً : [ من الطويل ]
وإنكَ إن أعطيتَ بطنكَ سُؤْلَه وفَرْجَكِ نالا منتَهى الذمّ أَجْمعا٢ً)
وقال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا(٣) الجريري : حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، حدّثنا
أبو العباس المبرد ، أخبرني التَّوزي ، عن أبي عبيدة . قال: لما بلغ حاتم طيِّئ قول المتلمس :
قليلُ المالِ تُصلحهُ فيبقى ولا يبقى الكثيرُ على الفَساد
وعسفٍ في البلادِ بغير زاد
وحِفظُ المال خيرٌ من فَناه
قال ماله قطع الله لسانه حمل الناس على البخل ، فهلا قال : [من الطويل]
ولا البخلُ في مال الشحیح یزید
فلا الجودُ يُفني المالَ قبلَ فنائه
لكلّ غدٍ رزقٌ يعودُ جديد
فلا تلتمسْ مالاً بعيشٍ مُقَتّرٍ
وأنّ الذي يُعطيك غيرُ بعيد(٤)
ألم تَرَ أنّ المالَ غادٍ ورائح
قال القاضي أبو الفرج : ولقد أحسن في قوله : وإن الذي يعطيك غير بعيد . ولو كان مسلماً لرجي له
الخير في معاده. وقد قال تعالى في كتابه: ﴿ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [ النساء: ٣٢]. وقال تعالى:
﴿ وَ إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾(٥) [ البقرة: ١٨٦].
وعن الوضّاح بن معبد الطائي قال : وَفَدَ حاتم الطائي على النعمان بن المنذر ، فأكرمه وأدناه ، ثم
زوّده عند انصرافه جَمَلين ذهباً وورِقاً غيرَ ما أعطاه من طرائف بلده ، فرحل ، فلما أشرف على أهله تلقته
أعاريب طيّئ . قالت : يا حاتم أتيتَ من عند الملك بالغنى(٦) وأتينا من عند أهالينا بالفقر . فقال حاتم:
هلم فخذوا ما بين يدي فتوزّعوه ، فوثبوا إلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه . فخرجت إلى حاتم
(١) ديوانه (٢٨٤).
(٢) ديوانه ( ١٧٤ ).
(٣) في كتابه الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي (٣٢٠/١ - ٣٢١)، (تحقيق د . محمد مرسي الخولي
- عالم الكتب - بيروت - ١٩٨١).
ديوانه ( ٢٥٠ ) .
(٤)
(٥) الجليس الصالح الكافي (٣٢٠/١ -٣٢١).
(٦) زيادة من ب .

٥٠٣
ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
طريفة جاريتُه ، فقالت له : اتق الله وأبقٍ على نفسك ، فما يدع هؤلاء ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً .
فأنشأ يقول : [من البسيط]
وما بنا سَرَفٌ فيها ولا خَرَقُ
قالتْ طُرَيفةُ : ما تَبقَى دراهِمُنا
ممَّنْ سِوانا ولسنا نحنُ نَرْتَزِق
إنْ يَفْنَ ما عندنا فالله يرزُقنا
إلا يمرّ عليها ثُم ينطلق
ما يألف الدرهمُ الكاريُّ خِرِقَتَنَا
ظلّت إلى سُبُلِ المعروفِ تستبق (١)
إنا إذا اجتمعت يوماً دراهمُنا
وقال أبو بكر بن عياش : قيل لحاتم : هل في العرب أجود منك ؟ فقال : كل العرب أجود مني . ثم
أنشأ ◌ُحدّثُ ، قال : نزلتُ على غلام من العرب يتيمٍ ذات ليلة ، وكانت له مئة من الغنم ، فذبح لي شاة
منها ، وأتاني بها ، فلما قَرَّبَ إليَّ دماغَها قلت : ما أطيبَ هذا الدماغ ! قال : فذهبَ ، فلم يزل يأتيني منه
حتى قلتُ : قدِ اكتفيت ، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المئة شاة وبقي لا شيء له ؟ فقيل : فما صنعتَ به ؟
فقال : ومتى أبلغُ شكرَه ولو صنعتُ به كل شيء ؟! قالو(٢) : على كل حال ؟ فقال : أعطيتُه مئة ناقة من
خيار إيلي .
وقال محمد بن جعفر الخرائطي(٣) في كتاب ((مكارم الأخلاق)) : حدّثنا العباس بن الفضل الرَّبَعي ،
حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدّثني حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيّئ، قالوا: كانت عنترة(٤) بنت
عفيف بن عمرو بن امرىء القيس أم حاتم طيّئ لا تُمسك شيئاً سَخاءً وجوداً ؛ وكان إخوتها٥) يمنعونها
فتأبى ، وكانت امرأة موسِرةً ، فحبسوها في بيتٍ سنةً يطعمونها قوتَها لعلها تكفّ عما تصنع . ثمّ أخرجوها
بعد سنةٍ وقد ظنّوا أنها قد تركتْ ذلك الخُلُق ، فدفعوا إليها صِرْمةً من مالها وقالوا : استمتعي بها ، فأتتها
امرأة من هوازنٍ ، وكانت تغشاها ، فسألتها ، فقالت : دونك هذه الصِّزمة فقد والله مسني من الجوع
ما آليتُ أن لا أمنع سائلاً ثم أنشأت تقول : [من الطويل]
فآليتُ أن لا أمنعَ الدهرَ جائعا
لَعَمري لقِدماً عضّني الجوعُ عضة
وإن أنتَ لم تفعل فعضّ الأصابعا
فقولا لهذا اللائمي اليومَ أعفِني
(١) ديوانه ( ٢٨٦).
(٢) كذا في ب ، وهو الأشبه بالصواب . وفي ط : قال .
(٣) محمد بن جعفر بن محمد بن سهل الخرائطي السامري ، فاضل من حفاظ الحديث. توفي في يافا سنة ( ٣٢٧ هـ).
وكتابه مكارم الأخلاق مطبوع .
الأعلام (٦/ ٧٠).
(٤) كذا في م، وط . وفي ب ، والأغاني: غنية. وفي الشعر والشعراء : عنبة .
(٥) كذا في ب ، ط . وفي أ : وكانوا يمنعونها.

٥٠٤
ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
سوى عذلكم أو منع مَن كانَ مانع(١)
فماذا عساكم أن تقولوا لأختِكم
فكيف بتركي يا ابنَ أمي الطبائع(٢)
ومهما ترون اليومَ إلا طبيعةً
وقال الهيثم بن عدي ، عن مِلحان بن عركى بن عدي بن حاتم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : شهدتُ
حاتماً يكيد بنفسه (٣) فقال لي : أي بُني إني أعهدُ من نفسي ثلاث خصال : والله ما خاتلتُ جارةً لريبةٍ قطُ ،
ولا ائتمنت على أمانة إلَّ أدّيتُها، ولا أوتيَ أحدٌ من قِبلي بسوءٍ .
وقال أبو بكر الخرائطي : حدّثنا علي بن حَرب ، حدّثنا عبد الرحمن(٤) بن يحيى العدوي ، حدّثنا
هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين - يعني جعفر بن المحرر بن الوليد - عن المحرر مولی
أبي هريرة قال : مرَّ نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيّئ ، فنزلوا قريباً منه ، فقال إليه بعضهم [ يقال له :
أبو الخيبري (٥) فجعل يركض(٦) قبره برجله. ويقول: يا أبا الجَعْراء(٧) اقرنا . فقال له بعض أصحابه :
ما تخاطب من رِمَّة وقد بليتْ! وأجنّهم الليلُ فنومو(٨) . فقام صاحبُ القول فزعاً يقول : يا قوم عليكم
بمطيكم فإن حاتماً أتاني في النوم ، وأنشدني شعراً ، وقد حفظته . يقول : [من المتقارب]
أبا خَيْبَرِيّ وأنتَ امرؤٌ ظَلوُ العَشِيْرةِ شتَّامُها
لَدى حُفْرةٍ قد صَخِبٍ هَامُه(٩)
أتيتَ بصحْبِكَ تبغي القِرى
ـتِ وحولَك طيىء وأنعامها
أتبغي لي الذنبَ عندَ المبيـ
وتأتي المطيّ فنعتامُها١٠)
وإنا سنُشْبِعُ أضيافَنا
قال: وإذا ناقة صاحب القول تَكُوسُ(١١) عقيراً، فنحروها وقاموا يشْتَوونَ ويأكلون . وقالوا والله
لقد أضافنا حاتم حيّاً وميتاً. قال: وأصبح القوم وأردفوا صاحبهم، وساروا . فإذا رجلٌ
(١) في ب : عسيتم . وفي ط : أو عذل من .
في ط : وماذا ترون . والخبر في الشعر والشعراء (٢٤٢/١)، والأغاني (١٧/ ٢٨٠).
(٢)
(٣)
کاد بنفسه : جاد .
(٤)
في ب : عبد الرزاق وهو خطأ .
قوله : يقال له أبو الخيبري . زيادة من ط .
(٥)
الركض : تحريك الرجل ، والضرب بها .
(٦)
في ط ، ومروج الذهب : الجعد . وفي الشعر والشعراء : عذي . وفي الأغاني : جعفر ، وأثبت ما في الأصل ،
(٧)
وهو الأشبه بالصواب . فالجعراء هي الاست . وهو هنا إنما يسخر من حاتم .
(٨)
في ط : فناموا .
(٩) في ط : قد صدت هامها .
(١٠) في ط: لنشبع. والأبيات في ديوانه (١٦٨)، مع اختلاف في الرواية.
(١١) تكوس : تمشي على ثلاثة أرجل .

٥٠٥
ذكر شيء من أخبار عبد الله بن جدعان
ينوّ(١) بهم راكباً جملاً ويقود آخر . فقال : أيكم أبو الخيبري ؟ قال : أنا . قال : إن حاتماً أتاني في النوم
فأخبرني أنه قرى أصحابَك ناقتك، وأمرني أن أحملك ، وهذا بعيرٌ فخذه. ودفعه إليه (٢).
*
ذکر شيء من أخبار عبد الله بن جدعان
هو عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة ، سيد بني تيم ، وهو ابن عم والد
أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وكان من الكرماء الأجواد في الجاهلية المطعمين للمسنتين(٣).
وكان في بدء أمره فقيراً مُمْلِقاً ، وكان شِرّيراً يُكْثِرِ من الجنايات ، حتى أبغضه قومُه وعشيرتُه وأهلُه
وقبيلتُه، وأبغضوه حتى أَبُوه ، فخرج ذات يوم في شِعاب مكة حائراً بائر(٤) ، فرأى شِقاً في جبل ، فظن
أن يكون به شيء يؤذي ، فقصدَه لعلّه يموت فيستريح مما هو فيه ، فلما اقترب منه إذا ثعبانٌ يخرج إليه
ويَئِبُ عليه ، فجعل يحيدُ عنه ويَشِبُ فلا يُغْني شيئاً ، فلما دنا منه إذا هو من ذهب ، وله عينان هما
ياقوتتان ، فكَسَره وأخذه ، ودخل الغار فإذا فيه قبور لرجال(٥) من ملوك جُرهم ، ومنهم الحارث بن
مُضاض الذي طالت غيبتُه فلا يُدرَى أين ذهبَ ، ووجد عند رؤوسهم لوحاً من ذهب فيه تاريخ وفاتهم
ومُدَد ولايتهم ، وإذا عندهم من الجواهر واللآلىء والذهب والفضة شيء كثير، فأخذ منه حاجته (٦) ، ثمّ
خرج . وعَلَّم بابَ الغارِ ثم انصرف إلى قومه ، فأعطاهم حتى أحَبّوه ، وسادهم ، وجعل يُطعم الناسَ ،
وكلما قَلَّ ما في يده ذَهَبَ إلى ذلك الغار فأخذ حاجته ، ثمّ رَجَعُ(٧) .
فممن ذكر هذا عبد الملك بن هشام في كتاب (( التيجان (٨) .
(١) ينوّه : ينادي.
(٢) الخبر في الشعر والشعراء (٢٤٩/١)، ومروج الذهب (١٦٢/٢ - ١٦٣)، والأغاني (١٧ /٢٨٧ - ٢٨٨
و ٣٠٠)، وخزانة الأدب (١٢٩/٣).
(٣) المسنتون: المجدبون. وقد ذكره ابن حبيب في المحبر (١٣٧ - ١٣٩) وعده من أجواد الجاهلية.
(٤)
حائر بائر : لم يتجه لشيء، ولا يأتمر رُشْداً، ولا يطيع مرشداً. ( القاموس) .
(٥)
زاد في ب : طوال .
(٦)
في ب : ما يكفيه .
(٧) الخبر في الروض الأنف (١٥٩/١)، وفيه توضيح كيف اكتشف ابن جدعان أن الثعبان مصنوع وليس حقيقياً .
عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري ، مؤرخ عالم بالأنساب واللغة وأخبار العرب . وهو الذي هذّب
(٨)
كتاب السيرة لابن إسحاق. توفي سنة ( ٢١٣ هـ) وقيل: (٢١٨ هـ) . وكتابه التيجان في ملوك حمير مطبوع .
ترجمته في وفيات الأعيان ( ١٧٧/٣)، والأعلام (١٦٦/٤).

٥٠٦
ذكر شيء من أخبار عبد الله بن جدعان
وذكره أحمد بن عَمَّارُ(١) في كتاب (( ري العاطش وأنس الواحش)).
وكانت له جَفنة يأكْلُ منها الراكب على بعيره ، ووقع فيها صَغيرٌ فغرق .
وذكر ابن قتيبة وغيره٢) أن رسول الله بَّله قال: ((لقد كنتُ أستظلُّ بظِلِّ جَفْنةِ عبد الله بن جُدعان صكة
عُمَيّ)) أي وقت الظهيرة .
وفي حديث مقتل أبي جهل (٣) أن رسول الله مَّل قال لأصحابه: ((تطلبوه بين القتلى وتعرفوه بشَجَّةٍ في
رُكبته، فإني تزاحمتُ أنا وهو على مأدبةٍ لابن جُدْعان، فدفعتُهُ ، فَسَقَطَ على رُكبته ، فانهشمت ، فأثرُها
باقٍ في ركبته)) . فوجدوه كذلك. [من الكامل]
وذكروا أنه كان يطعم التمر والسَّوِيق ، ويسقي اللبنَ ، حتى سمع قول أمية بن أبي الصَّلْت :
ولقدْ رأيتُ الباذلين وفِعِلَهم فرأيتُ أكرمَهم بني الديّالُ(٤)
لا ما يُعلِّلنا بنو جُدْعالٌ(٥)
البُرُّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ طَعَامُهم
فأرسل ابن جُدعان إلى الشام ألفي بعير تحمل البُرَّ والشَّهْدَ والسمن ، وجعل منادياً ينادي كلَّ ليلةٍ على
ظهر الكعبة أن هلموا إلى جفنة ابن جدعان . فقال أمية في ذلك: [من الوافر]
لَهُ داعٍ بمكةَ مُشْمَعِلٌّ وآخرُ فوقَ كَعبتها ينادي(٦)
إلى رُدُحِ من الشَّيْزى عليها لُبابُ البُر يُلْبَكُ بالشِّهاد(٧)
ومع هذا فقد ثبت في الصحيح لمسلم أن عائشة قالت : يا رسول الله إن ابن جُدعان كان يُطعم الطعام
(١) أحمد بن عمار المَهدَوي التميمي، مقرىء أندلسي، من المهدية بالقيروان. توفي نحو (٤٤٠هـ) .
الأعلام ( ١/ ١٨٤).
(٢) غريب الحديث (٤٥٥/١)، وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٣/ ٤٣) في صكة عمي: يريد
الهاجرة . والأصل فيها أن عُمَياً مصغّر مرخم ، كأنه تصغير أعمى . وقيل إن عمياً اسم رجل من عدوان كان يُفيض
بالحاج عند الهاجرة وشدة الحر . وقيل إنه أغار على قومه في حر الظهيرة فضُرب به المثل في من يخرج في شدة الحر
يقال: لقيته صكة عُمي. مجمع الأمثال (١٨٢/٢)، والمستقصى (٢٨٧/٢)، والروض الأنف (١٥٨/١).
زاد في ب : يوم بدر . والخبر في السيرة (١/ ٦٣٥).
(٣)
في ب ، وط : الفاعلين .
.(٥)
(٤)
البر: الحنطة . ويلبك : يخلط . والشهاد : مفردها شهد ، وهو العسل . علّله بالشيء : شغله به والبيتان في
ديوان أمية ( ٥٠٢ )، ( صنعة د . عبد الحفيظ السطلي).
(٦)
المشمعل : النشيط السريع ، المبادر .
في ط : ملاء لباب . والردح: الجفان العظيمة . والشيزى: خشب أسود تُتَّخذ منه الجفان. واللباب من كل
(٧)
شيء : خالصه وخياره .
والبيتان في ديوان أمية (٣٨١)، والخبر في الروض الأنف (١٥٨/١).

٥٠٧
ذکر امرىء القيس بن حجر الكندي
ويقري الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: ((إنه لم يَقُلْ يوماً: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين)(١).
** *
-
ذكر امرىء القيس بن حجر الكندي صاحب إحدَى المعلّقات(٢)
وهي أفخرهنّ وأشهرهن التي أولها :
قِفا نبكِ مِن ذکری حبیبٍ ومنزل
قال الإمام أحمد: حدّثنا هُشيم(٣) ، حدّثنا أبو الجهم، عن الزُّهْري، عن أبي سَلَمة ، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَل: ((امرؤ القيس صاحِب لواء الشُّعَراء إلى النار)(٤).
وقد روى هذا الحديثَ عن هشيم جماعةٌ كثيرون، منهم بِشر بن الحكم، والحسن بن عَرفة ، وعبد الله
ابن هارون أمير المؤمنين المأمون أخو الأمين ، ويحيى بن معين . وأخرجه ابن عدي من طريق عبد الرزاق
عن الزُّهْري، به(٥). وهذا منقطع(٦)، وروي من وجه آخر عن أبي هريرة (٧) ، ولا يصح من غير هذا
الوجه(٨)
(١) تقدم قبل قليل ، في أول الحديث عن حاتم الطائي ، وتخريجه هناك .
وابن جدعان واحد ممن حرموا الخمر في الجاهلية . المحبر (٢٣٧). وأخباره في الأغاني (ثقافة ٣٢٩/٨)
وما بعدها .
(٢) قوله: ذكر ليس في ط . وفي ب : المعلقات السبع.
(٣)
في أ . ط : هشام وهو خطأ .
(٤) المسند (٢٢٨/٢)، والجامع الصغير (٢١٧/١)، وضعّفه.
(٥) الكامل (٤/ ١٤٠٤).
(٦) هكذا قال المصنف، وهو وهم منه، فكأنه ظن عبد الرزاق هذا هو ابن هَمَّام الصنعاني فقال هذه المقالة، وإنما هو عبد
الرزاق بن عمر الثقفي الدمشقي، وهو من الضعفاء المتروكين ومن أصحاب الزهري الكذبة المعروفين (تهذيب
الكمال ٤٨/١٨ - ٥٠ والتعليق عليه)، وقد نسب ابن عدي هذا الحديث إليه فقال في ترجمة أبي الجهم الإيادي وبعد
أن ساق هذا الحديث من طريق هشيم عنه عن الزهري: ((وقد روي هذا الحديث عن عبد الرزاق بن عمر الدمشقي عن
الزهري، كما رواه أبو الجهم)) ثم ساقه من طريقه (الكامل ١٤٠٤/٤). ثم ذكره في ترجمة هشيم بن بشير منه
(٧/ ٢٥٩٨)، وفي ترجمة أبي الجهم من الكنى (٧/ ٢٧٥٥) (د.بشار) .
(٧) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢٠٤/١) وقال عقيبه: ((وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل)).
(٨) قوله: ((ولا يصح من غير هذا الوجه))، أي لا يعرف إلا من طريق أبي الجهم، لا أنه صحيح، وأبو الجهم هذا واهي
الحديث كما قال الإمام أبو زرعة الرازي في كتاب الضعفاء (٥٢٧/٢)، وقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٠):
((لا يجوز الاحتجاج بروايته إذا انفرد)) فإسناد الحديث ضعيف جداً، ولذلك ذكره ابن الجوزي في كتابه ((العلل
المتناهية في الأحاديث الواهية)) (١٣٨/١)، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير (٢١٧/١).

٥٠٨
ذکر امرىء القيس بن حجر الكندي
وقال الحافظ ابن عساكر : هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن (١) حجر آكل المُرَار بن
عمرو بن معاوية بن الحارث بن يَعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة . أبو يزيد ويقال : أبو وهب
ويقال : أبو الحارث الكِنْدي. كان بأعمال دمشق ، وقد ذَكَر مواضعَ منها في شعره ، فمن ذلك قولُه :
بسِقْطِ اللَّوى بينَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلٍ
قِفا نبكِ من ذِکری حبیبٍ ومنزلٍ
لما نَسجَتْها من جنوبٍ وشَمْألٍ
فتُوضِحَ فالمقراةِ لم يَعْفُ رسمُها
قال : وهذه مواضع معروفة بحوران(٢).
ثمّ روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي : حدّثني فَرْوة بن سعيد بن عفيف بن معدي
كرب، عن أبيه، عن جده، قال: بينا نحن عند رسول الله بَّه إذ أقبل وفدٌ من اليمن ، فقالوا:
يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرىء القيس. قال: «وكيف ذاك))؟ قالوا : أقبلنا نريدُك ،
حتى إذا كُنا ببعض الطريق أخطأنا الطريق، فمكثنا ثلاثاً لا نقدر على الماء(٣)، فتفرقنا إلى أصول طَلْح
وسَمُر ليموتَ كل رجلٍ منا في ظل شجرة ، فبينا نحن بآخر رَمَق إذا راكب يُوضِعُ على بعير ، فلما رآه بعضُنا
قال ، والراكب يسمع :
وأنَّ البياضَ منْ فَرائصِها دامي(٤)
ولما رأتْ أنّ الشريعةَ هَمُّها
تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضارجٍ يَفيُ عليها الظلّ عَرْمَضُها طامي(٥)
فقال الراكب : ومن يقول هذا الشعر وقد رأى ما بنا من الجهد ؟ قال : قلنا : امرؤ القيس بن حُجر .
(١) كذا في ط ، وهو موافق لنص ابن عساكر. وزاد في: أ. ابن الحارث بن حجر. والمُرَار: نبتٌ حار يأكله البعير
فيتقلص منه مشفره .
(٢) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٣٣/٥). ولم يشر ياقوت إلى أن هذه المواضع من حوران ، بل نقل عن
السكري قوله : حومل والدخول والمقراة وتوضح مواضع ما بين إمرة وأسود العين . وإمرة : موضع على طريق مكة
من البصرة . معجم البلدان ( حومل ، إمرة ، أسود العين ) .
(٣) كذا في ب وط . وفي أ : عليه.
(٤) كذا في ب وط. ومختصر تاريخ دمشق. وفي أ : أن المنبة وردها. والشريعة: مورد الشاربين . والفرائص:
جمع فريصة ، لحمة بين الكتف والصدر . ترتعد عند الفزع .
(٥) ضارج: جبل ، وقيل : موضع ببلاد عبس. والعرمض : الطحلب . وفي اللسان ( ضرج) . همها : طلبها .
والضمير في ( رأت ) للحمر ، يريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء خافت على أنفسها من الرماة ، وأن تدمی
فرائصها من سهامهم ، عدلت إلى ضارج لعدم الرماة على العين التي فيه ... وطامي : مرتفع .
والبيتان ، مع الخبر في الشعر والشعراء (١/ ١١١ - ١١٢)، وفي ملحقات ديوان امرىء القيس ( تح . أبو الفضل
إبراهيم ) (٤٧٦)، ومختصر تاريخ دمشق (٣٤/٥)، واللسان (ضرج) .

٥٠٩
ذکر امرىء القيس بن حجر الكندي
قال : ما كذب وإن هذا الضارج أو (ضارج(١) ، عندكم ، فنظرنا فإذا بيننا وبين الماء نحوٌ من خمسين
ذراعاً ، فحبونا إليه على الركَب ، فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفيء عليه الظل . فقال
رسول الله صَ: ((ذاك رَجُلٌ مذكورٌ في الدنيا منسِيٍّ في الآخرة، شَريفٌ في الدنيا، خامل في الآخرة ،
بيده لواء الشعراء يقودُهم إلى النار )).
وذكر الكلبي : أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قِتال بني أسد حين قتلوا أباه ، فمر بِتَبَالةَ ، وبها
ذو الخُلصة ، وهو صنم ، وكانت العرب تستقسم عنده ، فاستقسم ، فخرج القدح الناهي ، ثم الثانية ،
ثم الثالثة كذلك ، فكسر القداح وضرب بها في (٢) وجه ذي الخُلَصة وقال: عَضِضْتَ بأير أبيك ، لو كان
أبوك المقتولَ لما عَوَّقْتَني. ثمّ أغار على بني أسد (٣) فقتلهم قتلاً ذريعاً. قال ابن الكلبي: فلم يُسْتَقْسَم
عِند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام(٤) . وذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجده في بعض
الحروب ويسترفده ، فلم يجد ما يؤمله عنده ، فهجاه بعد ذلك ، فيقال : إنه سقاه سُمّاً فقتله ، فألجأه
الموتُ إلى جنب قبرِ امرأةٍ عند جبل يقال له : عسيب ، فكتب هنالك : [من الطويل]
وإنى مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
أجارتنا إن المزارَ قريبُ
و(٥)
وكلّ غريب للغريب نسيبُ
أجارتنا إنا غريبان هاهنا
وقد(٦) ذكروا أن المعلقات السبع كانت معلّقةً بالكعبة(٧)، وذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدُهم
قصيدةً عرضها على قريش ، فإن أجازوها علّقوها على الكعبة تعظيماً لشأنها ، فاجتمع من ذلك هذه
المعلقات السبع :
فالأولى لامرىء القيس بن حُجْر الكِندي كما تقدم ، وأولها : [من الطويل]
قِفًا نَبَّكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ ومَنْزلِ بِسِقْطِ اللَّوَى بينَ الدَّخُولِ فَحومَلٍ
(١) في ط : والله ما كذب ، هذا ضارج عندكم.
(٢) ليست في ط . ولا الأصنام لابن الكلبي.
في أ : سليم وهو سهو .
(٣)
الأصنام لابن الكلبي (٤٧). وفي ص (٣٤ - ٣٦) . تفصيل خبر ذي الخلصة .
(٤)
البيتان في ديوانه ( ٣٥٧)، وكذلك في الشعر والشعراء ( ١٢١/١)، والأغاني (٩/ ١٠١)، ومختصر تاريخ
(٥)
دمشق ( ٤١ ) .
(٦)
في ط : وذكروا .
(٧) انظر ما جاء في الحديث عن المعلقات وتسميتها وعددها وما إلى ذلك في كتاب ( المعلقات سيرة وتاريخاً ) لنجيب
البهبيتي. طبع دار الثقافة - المغرب. (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م).

٥١٠
ذكر امرىء القيس بن حجر الكندي
والثانية للنابغة الذبياني: واسمه زياد بن معاوية - ويقال: زياد بن عمرو (١) - بن معاوية بن ضباب بن
جابر(٢) بن يَربوع بن غَيْظ بن مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض ، وأولها : [من البسيط]
يا دارَ ميّةَ بالعلياءِ فالسّنَدِ أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
والثالثةُ(٣) لزهير بن أبي سُلْمى، ربيعة بن رياح المزَني ، وأولها : [من الطويل]
أمِنْ أمّ أَوْفَى دِمْنةٌ لم تَكلَّمٍ بِحَوْمانةِ الدَّرَّاجِ فالمُتَثَلَّم(٤)
والرابعة لطَرَفَةَ بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب
ابن عُلَي بن بكر بن وائل ، وأولها : (من الطويل]
لخَولةَ أطلالٌ بِبُرِقَةِ ثَهْمِدٍ تلوحُ كباقي الوشْمِ في ظاهر اليد
والخامسة لعنترة بن شداد بن معاوية بن قُراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب(٥) بن قُطَيفةً بن
عبس العبسى وأولها : [من الكامل]
هل غادرَ الشعراءُ من مُتْردِّمِ أمْ هَل عَرَفتَ الدارَ بعدَ توهُمْ(٦)
(١) قاله التبريزي في شرح القصائد العشر (٤٤٦).
(٢) سقط ضباب من النسب في ب . وفي أ : بن جابر بن ضباب . ونسب النابغة كما هنا في طبقات فحول الشعراء
(٥١/١)، والشعر والشعراء (١٦٣/١)، والأغاني (٣/١١)، والمؤتلف والمختلف (١٩١)، وجمهرة
النسب لابن حزم ( ٢٥٣) .
في ب جعل الثالثة لعلقمة بن عبدة ، ثم تابع لزهير الرابعة ، وهكذا .
(٣)
أم أوفى : زوجة زهير . والدمنة : آثار الناس وما اسود من أماكنهم . وحومانة الدراج ، والمتثلم : موضعان .
(٤)
قوله : غالب زيادة من ط ، توافق المشهور من نسب عنترة . انظر طبقات فحول الشعراء (١/ ١٥٢)، والشعر
(٥)
والشعراء (١/ ٢٥٠) .
(٦) زاد في ب بعد البيت قوله : وهو عربي صليبة ، وإنما كانت أمه حبشية ، فكان أسمر اللون كأمه ، فتوهم العامة أنه
كان عبداً رقيقاً، وسموا أمه زبيبة . ويقولون : عنتر ، ويجعلون له أخاً اسمه شيبوب ، ولم أرَ ذلك في شيء من
التواريخ . وإنما كان له أخ اسمه عُتبة فيما ذكره ابن خالويه في شرح المعلقات السبع . وكان أبوه من الشجعان
أيضاً ، وكان يعرف بفارس جِرْوة - اسم فرس له - وكان عنترة من أشد الناس بأساً ، وأبطشهم يداً . وكان له مقامات
في العرب ، وكان أبوه يعترف له بذلك ويشكره على ذلك . وقد فاخره رجل فقال له عنترة: ويلك! والله إني لأحضر
البأس في المقام ، وأعف عن الغنيمة ، وأفضُل الشجعان . فقال له الرجل : أنا أشعر منك . فقال له عنترة : ستعلم
ذلك . فعمل قصيدته هذه ، فذكر فيها قتل معاوية بن نزّال ، وتغزل بمعشوقته عبلة بنت أم الهيثم . وله شعر كثير
غيرها . ولكن هذه القصيدة هي أول ما قاله من الشعر فيما ذكره ابن خالويه . ومن شعره يقول :
إن كان ربي في السماء قضى بها
باعبل للمنية مهربي
وقد ذكر له الأصمعي ، وأبو عبيدة شيئاً يسيراً من سيرته ، فزاد عليها القصاص وجهلة الناس أشياء كثيرة مكذوبة ح
، وحروباً كانت بين رستم واسفنديار ملك من ملوك الفرس كانت بينهما حروب طويلة ، فساقوا كثيراً منها في حروب=

٥١١
ذكر امرىء القيس بن حجر الكندي
والسادسة لعلقمة بن عَبَدة بن النعمان بن قيس أحد بني تميم وأولها : [من الطويل]
طحا بكَ قلبٌ في الحسان طروبُ بُعَيد الشبابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيْبُ(١)
والسابعة - ومنهم من لا يثبتها في المعلقات وهو قول الأصمعي وغيره - وهي للبيد بن ربيعة(٢) بن
مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صَعْصَعة بن معاوية بن بكر بن هَوَزان بن منصور بن عِكْرمة بن
خصفة بن قيس بن مضر وأولها : [من الكامل]
عفتِ الديارُ مَحلُّها فَمُقَامُها بِمِنَّى تَأَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُها(٣)
فأما القصيدة التي لا يُعْرَف قائلُها ، فيما ذكره أبو عبيدة والأصمعي والمبرّد وغيرهم فهي قوله :
هَلْ بالطُّلولِ لسائلٍ ردُّ أَمْ هَلْ لَها بتكلُّمٍ عهدٌ(٤)
وهي مطولة وفيها معان حسنة كثيرة(٥) .
* *
عنترة، ووضعوا لها أشعاراً ركيكة لا تناسب . وقد قيل لشيخنا العلامة ابن تيمية : إن العامة يجلسون يسمعون سيرة
=
عنترة ، ويأكلون من الترمس والباقلا المقلي، فقال: هؤلاء قال الله تعالى فيهم: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ
لِلشُّحْتِّ﴾.
ويبدو أن هذا النص من الناسخ لا من ابن كثير ، فالأسلوب يختلف ، وإن ظهر فيه شيء من العلم ، فناسخ فيما
يبدو ، من روايته ، عالم .
(١) لا أعرف أحداً - فيما قرأت - جعل قصيدة علقمة هذه من المعلقات السبع، أو التسع، أو العشر. وقد عدّها
ابن خلدون المتوفى سنة ( ٨٠٨هـ) من المعلقات كذلك ، ولعل ابن كثير وابن خلدون قد وقعا على مصدر فيه
ذلك ، ولم يصل إلينا .
المعلقات سيرة وتاريخاً ( ١١١).
وقصيدة علقمة هذه قالها يمدح الحارث بن أبي شمر الغساني ، ويسعى بها إلى إطلاق أسرى قومه . الشعر والشعراء
(٢٢١/١). وهي في ديوانه ( ٣٣).
(٢) المشهور أن قصيدة لبيد من المعلقات السبع المتفق عليها ، فقد اتفقت الروايات على أن قصيدة امرىء القيس ،
وزهير ، وطرفة ، وعمرو بن كلثوم ، ولبيد ، من القصائد السبع ، واختلفوا في القصيدتين المتممتين بين قصائد :
النابغة ، والأعشى، وعنترة ، والحارث بن حلزة . الحديث مفصلاً حول عدد المعلقات في : المعلقات سيرة
وتاريخاً ( ٦٩) وما بعدها .
(٣) عفت: درست وانمحت. وتأبَّد: توخَّشَ. ومنى: موضع غير الذي بمكة، وقيل: هو. والغول والرجام:
موضعان .
(٤) قيل: إن هذه القصيدة تنسب إلى سبعة عشر شاعراً. ونشرت القصيدة منسوبة إلى دوقلة المنبجي بعنوان (القصيدة
اليتيمة) برواية القاضي علي بن المحسن التنوخي . حققها د . صلاح الدين المنجد ( ط . دار الكتاب الجديد -
بيروت - ١٩٧٠ م) .
(٥) في ب : وفيها معان كثيرة .

٥١٢
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي(١)
[ كان من شعراء الجاهلية، وقد أدرك زمن الإسلام ]٢)
قال الحافظ ابن عساكر (٣): هو أمية بن أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعة بن عَوْف بن عُقْدَةُ(٤) بن غِيَرة
ابن عوف بن ثقيف ، أبو عثمان ، ويقال : أبو الحكم الثقفي . شاعر جاهلي ، قَدِم دمشقَ قبل الإسلام ،
وقيل : إنه كان مستقيما٥ً) ، وإنه كان في أول أمره على الإيمان ، ثمّ زاغ عنه ، وإنه هو الذي أراد
الله تعالى(٦) بقوله: ﴿ وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَنسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ ﴾
[ الأعراف : ١٧٥ ] .
قال الزبير بن بكّار : فولدت رُقَيّة بنتُ عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر ابن أبي الصلت ، واسم
أبي الصلت : ربيعة بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن ثقيف وقال غيره : كان أبوه من الشعراء
المشهورين (٧) بالطائف ، وكان أمية أشعرَهم .
وقال عبد الرزاق : قال الثوري : أخبرني حبيب بن أبي ثابت أن عبد الله بن عمرو قال في قوله
تعالى: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ ﴾ هو أمية بن
أبي الصلت . وكذا رواه أبو بكر بن مردويه (٨) عن أبي بكر الشافعي ، عن معاذ بن المثنى ، عن مُسدّد ،
عن أبي عَوانة ، عن عبد الملك بن عُمير ، عن نافع بن عاصم بن مسعود . قال : إني لفي حلقة(٩) فيها
عبد الله بن عمرو ، فقرأ رجلٌ من القوم الآية التي في الأعراف ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَكِنَا فَأَسَلَخَ
مِنْهَا﴾ فقال : هل تدرون من هو ؟ فقال بعضهم : هو صَيْفي بن الراهب . وقال آخر : بل هو بَلْعم رجل
من بني إسرائيل . فقال : لا! قال(١٠) : فمن ؟ قال : هو أمية بن أبي الصلت .
(١) قوله : ذكر شيء من ، ليس في ط .
(٢) سقط من. وزاد في ب هنا، فكان ممن آمن شعره وكفر قلبه كما قاله عنه سيد المرسلين رسول الله إليه .
(٣)
تاریخ دمشق (٢٥٥/٩) .
(٤) في ط: ((عوف بن عقدة بن ربيعة)) وفي أ: ((عقدة بن ربيعة بن عزة)). وأثبت الصواب من نسبه. انظر الاشتقاق:
(٣٠٤)، وجمهرة ابن حزم: (٢٦٧، ٢٦٩)، ومختصر تاريخ دمشق: (٤٢/٥).
(٥) في مختصر تاريخ دمشق : كان نبياً.
تفسير الطبري (٩/ ٨٢ - ٨٣).
(٦)
(٧) الشعر والشعراء (٤٥٩/١ و٤٦١).
(٨) في ب : وقد رواه ابن مردويه .
(٩) في ب : جماعة.
(١٠) في ب : قالوا : والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٤٦/٥).

٥١٣
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
وهكذا قال أبو صالح: والكَلْبي . وحكاه قتادة عن بعضهم(١).
وقال الطبراني (٢): حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا عبد الله بن شبيب الربعي ، حدّثنا محمد بن
مسلمة بن هشام المخزومي ، حدّثنا إسماعيل بن الطريح بن إسماعيل الثقفي ، حدّثني أبي ، عن أبيه ،
عن مروان بن الحكم ، عن معاوية بن أبي سفيان ، عن أبيه ، قال : خرجتُ(٣) وأمية بن أبي الصلت "
الثقفي تُجّاراً إلى الشام ، فكلّما نزلنا منزلًا أخذ أمية سفراً له يقرؤه علينا ، فكنا كذلك حتى نزلنا قريةً من
قرى النصارى ، فجاؤوه وأهدوا له وأكرموه وذهب معهم إلى بيوتهم ، ثم رجع في وسط النهار ، فطرح
ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين ، فلبسهما وقال لي : هل لك يا أبا سفيان في عالِم من عُلماء النصارى إليه
يتناهى علمُ الكتاب تسأله ؟ قلت: لا أرَبَ لي فيه ، والله لئن حدَّثني بما أُحِبُّ لا أَثق به ، ولئن حدّثني بما
أكره لأَّوجلن(٤) منه . قال : فذهب ، وخالفه شيخٌ من النصارى ، فدخل عَليٍّ فقال : ما يمنعك أن تذهب
إلى هذا الشيخ ؟ قلت : لست على دينه . قال : وإنْ. فإنك تسمع منه عجباً وتراه . ثم قال لي أثقفيّ
أنت ؟ قلت : لا ، ولكن قُرشي ؟ قال : فما يمنعك من الشيخ ؟ فو الله إنه ليحبُّكم ويوصي بكم . قال :
فخرج من عندنا ، ومكث أمية(٥) حتى جاءنا بعد هذاظ(٦) من الليل ، فطرح ثوبيه ، ثم انجدل على فراشه ،
فو الله ما نامَ ولا قامَ حتى أصبحَ كئيباً حَزيناً ساقطاً غبوقه على صبوحه(٧) ما يكلّمنا ولا نكلّمه . ثم قال :
ألا ترحَلُ ؟ قلت : وهل بكَ مِن رحيل ؟ قال : نعم ، فرحلنا . فسرنا بذلك ليلتين من همه (٨) ثم قال في
الليلة الثالثة: ألا تَحدَّثُ يا أبا سفيان ؟ قلت : وهل بك من حديث ؟ والله ما رأيتُ (٩) مثل الذي رجعتَ به
من عند صاحبك . قال : أَمَا إنَّ ذلك لشيءٌ لست فيه، إنما ذلك لشيء وجلتُ منه من مُنقلبي. قلت: وهل
لك من منقلب ؟ قال : إي والله . لأموتَن ثم لأحيين . قال : قلت : هل أنت قابل أمانتي ؟ قال : على
ماذا ؟ قلت : على أنك لا تُبعثُ ولا تحاسَب . قال : فضحك ثمّ قال: بلى ! والله يا أبا سفيان لنُبعثن ثم
لنُحاسَبَن وليَدخلن فريق الجنة وفريق النار ، قلت : ففي أيهما أنتَ أخبرَكَ صاحبك ؟ قال : لا علم
لصاحبي بذلك لافيَّ ولا في نفسه . قال : فكُنا في ذلك ليلتين يعجَبُ مني وأضحك منه ، حتى قدِمنا
(١) أورد الطبري في تفسيره معظم الآراء التي قيلت في هذه الآية (٨٢/٩ -٨٣).
(٢) ذكره ابن عساكر عن أبي علي الحداد، عن أبي نعيم، عنه (٩/ ٢٥٧ - ٢٦٠).
(٣) في ط : أنا وأمية .
في ط : لأجدن . والوجل : الخوف .
(٤)
(٥) زاد في ط : عندهم .
(٦) بعد هدأة من الليل: أي حين هدأ الليل، والرِّجْلُ، والهدْءُ : أول الليل إلى ثلثه .
(٧) الغَبوق: العشي ، وما يشرب فيه . والصبوح: الصباح ، وما يشرب فيه.
(٨) قوله : من همه ، ليس في ب ، وط .
(٩) في ب : منك .

٥١٤
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
غوطةَ دمشق ، فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين ، فارتحلنا ، حتى نزلنا قريةً من قرى النصارى ، فلما رأوه
جاؤوه وأهدوا له ، وذهب معهم إلى بيعتهم ، فما جاء إلا بعد منتصف النهار ، فلبس ثوبيه وذهب إليهم
حتى جاء بعد هدأةٍ من الليل ، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه ، فوالله ما نام ولا قام ، وأصبح حزيناً
كئيباً لا يكلّمنا ولا نُكلّمه. ثم قال: ألا ترحل ؟ قلت: بلى إنْ شئتَ. فرحلنا كذلك من بثّ (١) وحُزنه
ليالي . ثم قال لي : يا أبا سفيان هل لك في المسير؟ نقذمْ أصحابنا . قلت : هل لي فيه (٢) ؟ قال : نعم!
فسرنا حتى برزْنا من أصحابنا ساعةً ، ثم قال : هيا صَخر(٣) . فقلت : ما تشاء؟ قال: حدّثني عن عُتبة بن
ربيعة (٤) أيجتَنِبُ المظالم والمحارمَ ؟ قلتُ: إي والله . قال : ويَصِلُ الرحم ويأمرُ بصلتها؟ قلتُ : إي
والله ! قال : وكريم الطرفين وسيطٌ في العشيرة ؟ قلت : نعم ! قال : تعلم(٥) قرشياً أشرف منه؟ قلت :
لا والله لا أعلم. قال أمحوجٌ هو؟ قلت : لا، بل هو ذو مال كثير . قال: وكم أتى عليه من السن (٦)؟
فقلت : قد زاد على المئة . قال : فالشرفُ والسنُّ والمال أزْرَيْنَ به ؟ قلت : ولم ذاك يُزري به ؟ لا والله بل
يزيده خيراً . قال : هو ذاك . هل لك في المبيت ؟ قلت هل لي فيه(٧) ، قال : فاضطجعنا حتى مر
الثَّقَل (٨). قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل وبتنا به ، ثم ارتحلنا(٩) منه . فلما كان الليل قال لي :
يا أبا سفيان . قلت : ما تشاء ؟ قال : هل لك في مثل البارحة ؟ قلت: هل لي فيه! قال: فسرنا ١٠) على
ناقتين بختيتين حتى إذا برزنا قال : هَيا صَخر ، هيه عن عتبة بن ربيعة ، قال : قلت : هِيْهاً فيه . قال :
أيجتنب المحارم والمظالم ، ويصل الرحم ، ويأمرُ بصلتها؟ قلت : إي والله، إنه ليفعل . قال : وذو
مال ؟ قلت : وذو مال. قال : أتعلم قرشياً أسودَ منه(١١) ؟ قلت : لا والله ما أعلم! قال : كم أتى له من
السن ؟ قلت : قد زاد على المئة . قال فإن السن والشرف والمال أزْرَين به ؟ قلت : كلا والله ما أزرى به
ذلك، وأنت قائلٌ شيئاً فقلْه. قال: لا تَذْكُرْ حديثي حتى (١٢) يأتي منه ما هوآت. ثم قال : فإن الذي
(١) البث : شدة الحزن .
(٢) في ط : لنتقدم هل لك فيه .
(٣) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية، صحابي توفي سنة (٣١هـ).
(٤) عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أحد سادة قريش في الجاهلية، كان خطيباً ، حليماً ذا فضل ، قتل يوم بدر على الشرك.
(٥) في ط : فهل تعلم .
(٦) في ب : أتى له من السنين .
في ط : قالت لي فيه .
(٧).
الثّقل : المتاع ، والحشم .
(٨)
(٩) في ب : رحلنا .
(١٠) في ط: هل لك فيه. قال نعم فسرنا . وفي ب: بخيبتين . والبُخت : نوع من الجمال.
(١١) أسود : من السيادة.
(١٢) ليست في ط .

٥١٥
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
رأيتَ أصابني أنّي جئتُ هذا العالم فسألته عن أشياء ، ثم قلتُ: أخبرني عن هذا النبي الذي يُنْتَظَر . قال :
هو رجل من العرب . قلت : قد علمتُ أنه من العرب ، فمن أي العرب هو ؟ قال من أهل بيت تحُجه
العرب . قلت : وفينا بيتٌ تحجّه العرب . قال : هو من إخوانكم من قريش . فأصابني والله شيء
ما أصابني مثله قط (١)، وخرج من يدي فوزُ الدنيا والآخرة، وكنتُ أرجو أن أكونَ إياه ، قلت : فإذا كان
ما كان فصِفْه لي. قال: رجل شاب حين دَخَل في الكهولة (٢). بُدُوّ أمره يجتنبُ المظالم والمحارم ،
ويصل الرحمَ ، ويأمر بصلتها ، وهو محوج كريم الطرفين ، متوسط في العشيرة ، أكثر جنده(٣)
الملائكة . قلت : وما آيةُ ذلك؟ قال : قد رَجَفتِ الشام منذ هلكَ عيسى ابن مريم عليه السلام ثلاثين(1)
رجفةً ، كلها فيها مصيبة ، وبقيتْ رجفةٌ عامة فيها مصائب . قال أبو سفيان : فقلتُ : هذا والله الباطل ،
لئن بعثَ اللهُ رسولًا لا يأخذه إلا مُسِنًا شريفاً . قال أمية : والذي حلفتَ به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان ،
تقول إن قول النصراني حق . هل لك في المبيت ؟ قلت نعم، هل لي فيه(٥) . قال: فبتنا حتى جاءنا
الثَّقَلُ ، ثم خرجْنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان (٦) أدرَكَنا راكبٌ من خلفنا ، فسألناه ، فإذا هو يقول :
أصابت أهلَ الشام بعدكم رجفةٌ دمَّرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمةٌ . قال أبو سفيان : فأقبل عليّ
أميةُ فقال : كيف ترى قولَ النصراني يا أبا سفيان؟ قلت أرى والله وأظن (٧) أن ما حدَّثك به صاحبُك حقٌّ .
قال أبو سفيان : فقدِمْنا مكةَ ، فقضيتُ ما كان معي ، ثم انطلقتُ حتى جئتُ اليمنَ تاجراً ، فكنت بها
خمسةَ أشهر ، ثم قدمتُ مكة ، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلّمول(٨) ويسألون عن بضائعهم ، حتى
جاءني محمد بن عبد الله وهندٌ عندي تُلاعبُ صبيانها ، فسلّم عليّ ورخَب بي وسألني عن سَفَري ومُقامي
ولم يسألني عن بضاعته ، ثم قام . فقلت لهندٍ: والله إن هذا يعجبني (٩) ، ما مِن أحَد من قريش له معي
بضاعة إلا وقد سألني عنها ، وما سألني هذا عن بضاعته . فقالت لي هند : أو ما علمتَ شأنه ؟ قلت وقد
فزعت(١): ما شأنه؟ قالت: يزعم أنه رسول الله. فَوَقَذَتْني وذكرتُ(١١) قول النصراني،
(١) في ب قط مثله .
الكهل : من جاوز الثلاثين أو أربعاً وثلاثين إلى إحدى وخمسين .
(٢)
(٣)
في ط : من الملائكة .
زيادة من ب . وكذلك في مختصر تاريخ دمشق . وفي ط : ثمانين .
(٤)
في ط : قلت نعم لي .
(٥)
في ط : مرحلتان ليلتان .
(٦)
في ط : أرى وأظن والله .
(٧)
في ط ، ومختصر تاريخ دمشق : يسلمون علي .
(٨)
(٩) في ط : ليعجبني . وفي ب : ما يعجبني أي الذي يعجبني.
(١٠) في ط : فقلت وأنا فزع .
(١١) في ب: وذكرتني. وفي ط: وتذكرت . والوقذ : شدة الضرب.

٥١٦
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
فوجمت (١) حتى قالت لي هند : مالك ؟ فانتبهتُ ، فقلت : إن هذا لهو الباطل ، لهو أعقل من أن يقول
هذا. قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك ويؤاتى عليه، وإن له صحابة (٢) على دينه . قلت: هذا(٣)
الباطل . قال : وخرجتُ . فبينا أنا أطوف بالبيت لقيته(٤) فقلت له : إن بضاعتك قد بلغتْ كذا وكذا ،
وكان فيها خيرٌ فأرسِلْ فخذها٥) ، ولست آخُذُ مِنكَ فيها ما آخُذُ من قومي ، فأبَى عليَّ ، وقال : إذن
لا آخذُها . قلت : فأرسل فخذْها وأنا آخذ منك مثلَ ما آخذُ من قومي . فأرسَلَ إلى بضاعته فأخذها ،
وأخذتُ منه ما كنتُ آخذ من غيره. فلم أَنْشَبْ(٦) أن خرجتُ إلى اليمن ، ثم قدمتُ الطائفَ فنزلتُ على
أمية بن أبي الصلت فقلت : يا أبا عثمان ، قال : ما تشاء ؟ قلت : هل(٧) تذكر قول النصراني ؟ فقال :
أذكره قلت : فقد كان . فقال : ومن ؟ قلت : محمد بن عبد الله . قال ابن عبد المطلب ؟ قلت : ابن
عبد المطلب . ثم قصصْتُ عليه خبرَ هند ، قال: فالله يعلم، لَتَصَبَّبَ (٨) عرقاً. ثم قال: والله
يا أبا سفيان لَعَلَّهُ! إنَّ صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حَيٌّ لأنيلنُ(٩) من الله عزّ وجل في نصره عُذراً . قال :
ومضيتُ إلى اليمن فلم أَنْشَب أن جاءني هنالك استهلاله ، فأقبلتُ حتى نزلتُ على أمية بن أبي الصلت
بالطائف ، فقلت : يا أبا عثمان! قد كان من أمر الرجل ما قد بلغَكَ وسمعت . قال(١٠) : قد كان
لَعَمْري . قلت : فأين أنت منه يا أبا عثمان ؟ فقال : والله ما كنتُ لأومن برسولٍ من غير ثقيف أبداً . قال
أبو سفيان : وأقبلتُ إلى مكةَ ، فوالله ما أنا ببعيد حتى جئتُ مكةَ فوجدتُ أصحابه يُضْرَبون ويُعْقَرون ، قال
أبو سفيان: فجعلتُ أقول: فأين جُنْدُه من الملائكة؟! قال: فدخلني ما يدخلُ الناس من النفاسةُ(١)
وقد رواه الحافظ البيهقي في كتاب ((الدلائل (١٢) من حديث إسماعيل بن طريح به ، ولكن سياق
الطبراني الذي أوردناه أتم وأطول . والله أعلم .
(١) في ط : فرجفت .
في ط : ليقولن ذلك ويدعوا إليه وإن له لصحابة . والمؤاتاة : حُسن المطاوعة .
(٢)
(٣)
في ط : هذا هو الباطل .
(٤)
في ط : إذ بي قد لقيته .
(٥)
في ط : من يأخذها .
(٦)
في ط : قال أبو سفيان : فلم أنشب . ولم ينشب : أي ما لَبِث .
في ط :.. الصلت فقال لي يا أبا سفيان ما تشاء هل ... وكذلك ثمة خلاف في ألفاظ : قال وقلت بين المطبوع ،
(٧)
وأ ، وب . لن أشير إليها .
(٨) في ط : وأخذ يتصبب .
(٩) في ط : لأطلبن . وائتلى: إذا اجتهد، أو قصّر ، من الأضداد.
(١٠) في ط : وسمعته فقال.
(١١) النفاسة: الحسد. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٤٣/٥ -٤٦)، والأغاني (١٢٣/٤).
(١٢) في ب: كتابه دلائل النبوة، وهو فيه (١١٦/٢ - ١١٧).

٥١٧
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
وقال الطبراني : حدّثنا بكر بن أحمد بن نُفَيل ، حدثنا عبد الله بن شبيب ، حدثنا يعقوب بن محمد
الزُّهْري ، حدثنا مجاشع بن عمرو الأسدي ، حدثنا ليث بن سعد ، عن أبي الأسود محمد بن
عبد الرحمن(١) ، عن عروة بن الزبير ، عن معاوية بن أبي سفيان ، عن أبي سفيان بن حَرب أن أمية بن
أبي الصلت كان بغزةَ أو بإيلياء ، فلما قفلنا قال لي أمية : يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفْقة
فنتحدث ؟ قلت : نعم! قال : ففعلنا ، فقال لي : يا أباسفيان إيهِ عن عتبة بن ربيعة . قلت : كريمُ
الطرفين ، ويجتنب المحارم والمظالم؟ . قلت : نعم. قال: وشريفٌ مُسِنٌّ؟ . قلت : وشريف
مسن . قال : السن والشرف أزْرَيا به؟ فقلت له : كذبتَ ، ما ازداد سناً إلا ازداد شرفاً . قال :
يا أبا سفيان إنها كلمةٌ ما سمعتُ أحداً يقولها لي منذ تبصرت ، فلا تعجل عليَّ حتى أُخبرَك . قال :
قلت : هات . قال : إني كنت أجد في كتبي نبياً يُبعث من حَرَّتنا٢) هذه، فكنتُ أظن ، بل كنتُ لا أشك
أني أنا هو ، فلما دارَسْتُ أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف ، فنظرتُ في بني عبد مناف فلم أجد أحداً
يصلح لهذا الأمر غيرَ عُتبة بن ربيعة ، فلما أخبرتني بسنّه عرفتُ أنه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يُؤْحَ
إليه . قال أبو سفيان: فضرب الدهر من (٣) ضَرْبه، فأُوحي إلى رسول الله وَّر، وخرجت في ركْبٍ من
قريش أريد اليمن في تجارة ، فمررتُ بأمية ، فقلتُ له كالمستهزِىء به : يا أمية ، قد خرج النبي الذي
كنتَ تنعته . قال : إنه(٤) حقٌّ فاتَّبِعْهُ. قلت : ما يمنعك من اتباعه؟ قال : ما يمنعني إلّ الاستحياء من
نسيّات(٥) ثقيف ، إني كنتُ أحدّثهن أني هو، ثم يَرَيْنني تابعاً لغلام من بني عبد مناف ! ثم قال أمية : كأني
بك يا أبا سفيان إن(٦) خالفته ، ثم قد رُبطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر عن الكلبي قال : بينا أمية راقدٌ ومعه ابنتان له إذ فزِعت إحداهما ،
فصاحت عليه ، فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : رأيت نَسْرين كَشَطا سقفَ البيت ، فنزل أحدهما إليك
فشقَّ بطنك ، والآخر واقفٌ على ظهر البيت ، فناداه فقال: أَوَعَى؟ قال: نعم . قال: أزَكَا؟ قال(٧):
(١) في أ : أبي الأسود بن محمد بن عبد الرحمن . وهو سهو ، فأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل
الأسدي ، ثقة. توفي سنة بضع وثلاثين ومئة. تقريب التهذيب ( ٢/ ١٨٥).
(٢) الحَرَّة : الأرض ذات الحجارة السود .
(٣)
ليست في ط .
في ط : أنا إنه .
(٤)
(٥)
في ط : نساء .
(٦) في ط : قد .
(٧) كذا في ط . ومختصر تاريخ دمشق. وهي أوضح العبارات. وفي أ: أوعى؟ قال: وعى . قال : أرجا قال لا.
وفي ب مثل ما في ط ، وفيهما : قال : أرجا . وقوله : زكا ، يعني الشفع ، ويروى الخبر ، قال : زكا؟ قال :
خسا . وخسا : هو الفرد ، يقال: زكا- خسا أي أزوج أم فرد؟ قال الشيخ محمود شاكر في تحقيقه لطبقات =

٥١٨
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
لا . فقال: ذاك خيرٌ أريد بأبيكما فلم يقبله (١).
وقد رُوي من وجه آخر ، بسياق آخر ، فقال إسحاق بن بشر ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ،
عن سعيد بن المسيّب وعثمان بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيِّب قال : قدمَتِ الفارعة
أختُ أمية بن أبي الصلت على رسول الله بَّهِ بعد فتح مكة(٢)، وكانت ذاتَ لُبِّ وعَقْل وجمال، وكان
رسول الله وَّ بها معجَباً، فقال لها ذات يوم : يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً ؟ فقالت : نعم ،
وأعجبُ منه (٣) ما قد رأيتُ، قالت: كان أخي في السفر، فلما انصرفَ بدأني(٤) فدخل عليَّ، فرقدَ على
السرير وأنا أحلق أديماً في يدي، إذ أقبل طائران أبيضان، أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوّة أحدُهما،
ودخل الآخر فوقع عليه ، فشقَّ الواقعُ عليه ما بينَ قَصّهُ(٥) إلى عانته ، ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه ،
فوضعه في كفه ، ثم شمه ، فقال له الطائر الآخر: أوَعَى؟ قال: وعى . قال : أزكًا ؟ قال أبى، ثم ردَّ
القلبَ إلى مكانه فالتأم الجرحُ أسرعَ من طَرفة عين ، ثم ذهبا ، فلما رأيتُ ذلك دنوتُ منه فحركته فقلتُ :
هل تجدُ شيئاً . قال: لا ، إلا توهيناً في جَسَدي - وقد كنت ارتعبتُ مما رأيتُ - فقال: ما لي أراك
مرتاعة ؟ قالت : فأخبرتُه الخبرَ . فقال: خيرٌ أُريد بي ثم صُرِف عني. ثم أنشأ يقول : [من المنسرح]
أَكُفتُّ عيني والدمْعُ سابقُها
باتت همومي تَسْرِي طوارِقُها
أُوْتَ بَراةً يَقُصُّ ناطِقُها(٦)
مما أتاني من اليقينٍ ولم
ــارٍ مُحِيْطٌ بهِمْ سُرَادِقُها(٧)
أَمْ مَنْ تَلَّى واقِدَةُ النـ
ـرارُ مَصْفُوفةٌ نَمَارِقُها
أم أُسْكِنَ الجنَّةَ التي وُعِد الأبـ
ـمالُ لا تَسْتَوِي طَرَائقُها
لا يَسْتَوي المنزلانِ ثَمّ ولا الأعـ
ـنَّةَ حَفّتْ بهم حَدَائِقُها
هُما فريقان فِرْقَةٌ تَدْخُلُ الجـ
ابن سلام (٢٦٦) : وأراد به في هذا الخبر: أوعى فقِلَ ؟ فهذان زوج ، الوعي والقبول معاً . أم وعى ولم يقبل ،
=
فهذا فرد في الوعي وحده دون القبول .
في ط : يفعله . والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٤٦/٥).
(١)
(٢)
في الإصابة : الطائف .
(٣)
في ب ، وط : من ذلك .
في ب ، ومختصر تاريخ دمشق : بدأ بي . وفي ط : على سريري .
(٤)
(٥)
القَصُّ : الصدر ، أو رأسه ، أو وسطه ، أو عظمه .
اليقين : أراد به العلم بالبعث والحساب، وهو شيء مؤكد. والبراة: أراد بها البراءة، أي لم يُعط براءة تخفف من
(٦)
همه ، لأنه واحد من الناس ، وعليه ما عليهم يوم الحساب .
(٧) السرادق: ما أحاط بالبناء ونحوه. وخبر ( من ) محذوف، والتقدير: أمّن يحترق بالنار ويحيط به العذاب كمن
يسكن الجنة .

٥١٩
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
ــارَ فساءَتْهمُ مَرافقها
وفرقةٌ منهمُ قدِ ادخِلتِ النَّـ
تعاهدتْ هذه القلوبُ إذا
وصَدَّها للشقاءِ عَن طلَبِ الـ
عبدٌ دَعا نَفسَه فعاتَبَها
هَمَّتْ بخيرٍ عاقَتْ عَوائقُها
ـجَنَّةِ دُنْيا أَلهُ مَاحِقُها
يَعْلَمُ أنَّ البصيرَ رامِقُها
تَحيا قليلاً فالموتُ لاحِقها١)
ما رغبة النفس في الحياةٍ وإن
-
يوماً على غِرّةٍ يُوافقها
يوشِك مَنْ فرَّ من منّته
لِلموتِ كأسٌ والمرءُ ذائِقها(٢)
إنْ لم تَمُتْ عَبْطةً تَمُتْ هَرَماً
قال(٣) : ثم انصرف إلى رحله، فلم يلبث إلا يسيراً حتى طعن في حيارته(٤) فأتاني الخبر ، فانصرفتُ
إليه ، فوجدتُه منعوشٌ) قد سُجّي عليه ، فدنوتُ منه، فشهق شهقةً، وشقٌّ(٦) بصره ، ونظر نحوَ السقفِ
ورفع صوته ، وقال : [من الرجز]
لبَيكما لتَّيكما ها أنذا لديكما
لا ذو مال فيفديني ، ولا ذو أهل فتحميني . ثم أغمي عليه، إذ شهق شهقةً فقلت: قد هلك
الرجلُ . فشقَّ بصره نحو السقف فرفع صوته ، فقال : [من الرجز]
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما
لا ذو براءة فأعتذر ، ولا ذو عشيرة فأنتصر . ثم أغمي عليه ، إذ شهق شهقةً وشق بصره ، ونظر نحو
السقف ، فقال : [من الرجز]
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما
بالنعم محفود ، وبالذنب محصود ، ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة . فقال : [من الرجز]
ها أنا ذا لديكما
لبيكما لبيكما
إِنْ تغفرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًا وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلَّا(٧)
(١) في ط : ما رغّب .
(٢) في ط الأصول: غبطة. ولا وجه لها . وأثبت ما في ديوانه . ومات عبطة: شاباً . والأبيات في ديوان أمية :
(٤١٩)، وتخريجها فيه .
(٣)
في ب : قالت .
في ط : : حيارته . وفي مختصر تاريخ دمشق : ظعن في جنازته . ولا يستقيم بها المعنى . والحيار : الأثر .
(٤)
(٥)
النعش : السرير يحمل عليه الملك إذا مرض .
شق بصر الميت : انفتحت عيناه وشخص كأنه ينظر إلى شيء ، لا يرتد إليه طرفه .
(٦)
ديوانه ( ٤٩١) . وألم الرجل : وقع في اللمم ، وهو صغار الذنوب .
(٧)

٥٢٠
ذكر شيء من أخبار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي
ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقال : [من الخفيف]
صائرٌ مرَّةً إلى أن يَزُولا
كلُّ عيشٍ وإن تطاولَ دهراً
ليتني كنتُ قبلَ ما قدْ بدالي في قِلالِ الجبالِ أرْعَى الوعولا١)
قالت: ثم مات. فقال رسول الله بَّمَ: (( يا فارعةُ فإن مَثَلَ أخيك كَمَثَلِ الذي آتاه الله آياته
فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾(٢) الآية .
وقد تكلّم الخطابي على غريب هذا الحديث .
وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري أنه قال : قال أمية بن أبي الصلت : [من البسيط]
أَلا رسولٌ لنا منّا يخبّرنا ما بُعْدُ غايِتِنا منْ رأسِ مُجْرانا٣ً)
قال : ثم خرج أمية بن أبي الصلت إلى البحرين ، وتَنَّأ رسول الله مَعليه، وأقام أمية بالبحرين ثماني
سنين ، ثم قدم الطائف فقال لهم : ما يقولُ محمد بن عبد الله ؟ قالوا : يزعم أنه نبيٌّ، هو(٤) الذي كنتَ
تتمنى . قال : فخرجَ حتى قدم عليه مكة ، فلقيه . فقال : يا ابن عبد المطلب ، ما هذا الذي تقول ؟
قال : أقول : إني رسول الله، وأن لا إلَه إلا هو. قال: إني أريدُ أن أكلمك، فعِذْني غداً. قال:
فموعدُك غداً . قال : فتحِبُّ أن آتيكَ وخدي أو في جماعةٍ من أصحابي ، وتأتيني وحدَك أو في جماعةٍ من
أصحابك؟ فقال رسول الله وَ ﴿ر: ((أيّ ذلك شئتَ)). قال: فإني آتيكَ في جماعة، فأُتِ في جماعة .
قال : فلما كان الغدُ غدا أمية في جماعةٍ من قريش، قال: وغدا رسول الله وَلاير معه نفر من أصحابه حتى
جلسوا في ظل الكَعْبة . قال: فبدأ أميةُ فخطبَ، ثم سجع، ثم أنشدَ الشعر، حتى إذا فرغ (٥) قال :
أجبني يا ابنَ عبد المطلب. فقال رسول الله و ◌َلي: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. يس . والقرآن الحكيم)
حتى إذا فرغ منها وثَبَ أميةُ يجُّ رجليه ، قال : فتبعته قريشٌ يقولونَ : ما تقول يا أمية ؟ قال : أشهد أنه
على الحق . فقالوا : هل تتّبعُه؟ قال : حتى أنظرَ في أمره . قال : ثم خرج أمية إلى الشام ، وقدم
رسولُ اللهِوَ﴿ المدينة، فلما قُتِلَ أهلُ بدرٍ قدٍ(٦) أميةُ من الشام حتى نزلَ بدراً، ثم ترخَل يريدُ رسولَ الله
﴿ فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريدُ؟ قال: أريدُ محمداً. قال: وما تصنعُ ؟ قال : أو منُ به وأُلقي إليه
(١) ديوانه (٤٥٠ - ٤٥١). والقلال: جمع قُلّة، وهي أعلى الجبل.
(٢) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٥٠/٥ - ٥٢). وطبقات فحول الشعراء (٢٦٥ - ٢٦٧)، والأغاني (١٣١/٤ -
١٣٢)، والإصابة (٣٧٥/٤).
(٣) ديوان أمية : (٥١٧).
في ب ، ومختصر تاريخ دمشق : فهو .
(٤)
(٥)
في ط : فرغ الشعر .
(٦) في ب ، وابن عساكر : أقبل .