Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
وهذا منقطع من هذا الوجه . والصحيح : الزُّهري ، عن سعيد عنه كما تقدم .
وقوله في هذا الحديث والذي قبله (( الخزاعي)) يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسبٌ، فلعل(١)
ما وقع في الرواية من قوله (( أبو خزاعة)) [ تصحيف من الراوي من ( أخو خزاعة) (٢) ، أو أنه كان يُكنى
بأبي خزاعة ، ولا يكون ذلك من باب الإخبار بأنه أبو خزاعة كلّهم . والله أعلم .
~
وقال محمد بن إسحاق (٣) : حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي: أن أبا صالح السمّان
حدّثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله وَ ل يقول لأكثم بن الجَوْن الخزاعي: (( يا أكْثَم ،
رأيتُ عَمْرَو بنَ لُحي بن قَمعة بن خِنْدف يَجُرُّ قُصْبَه في النار ، فما رأيتُ رجلاً أشبهَ برجُلٍ منكَ بِهِ ولا بِكَ
مِنْهُ)). فقال أكثم: عسى أن يَضُرَّني شبهه يا رسول الله؟! قال: (( لا، إنك (٤) مؤمنٌ وهو كافر . إنه كانَ
أولَ مَنْ غيّر دينَ إسماعيل فَنَصَبَ الأوثانَ ، وبَحَر البَحِيْرَةَ، وسيَّب السائبة، ووَصَلَ الوَصِيْلَة، وحَمَى
(٥) )) .
الحامي
ليس في الكتب من هذا الوجه . وقد رواه ابن جرير عن هناد عن عبدة عن محمد بن عمرو عن
أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه بنحوه أو مثله . وليس في الكتب أيضاً.
وقال البخاري(٦): حدّثني محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني ، حدّثنا حسان بن إبراهيم،
حدّثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((رأيتُ جهنّم يَحطم
بعضُها بعضاً، ورأيتُ عَمْراً يجرُّ قُصْبَه، وهو أول من سيّب السوائب)) . تفرّد به البخاري.
وروى الطبراني من طريق صالح(٧) ، عن ابن عباس مرفوعاً في ذلك(٨).
والمقصود أن عمرو بن لُحَي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غيّر بها دينَ الخليل ، فاتبعه
العرب في ذلك ، فَضَلُّوا بذلك ضلالاً بعيداً بيّناً فظيعاً شنيعاً . وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز
في غير ما آية منه، فقال تعالى: ﴿ وَلَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ
(١) في ط : إليها مع.
(٢) سقطت من ب بنقلة عين.
(٣) السيرة (٧٥/١). والقصب : الأمعاء.
(٤) لا زيادة من ط . والسيرة .
(٥) الأصنام لابن الكلبي ص (٥٨). والوصيلة: الناقة البكر تنتج أنثى ثم أنثى، يسيبونها لطواغيتهم . والحام: فحل
الإبل ، يتركونه للطواغيت ويعفونه من الحمل .
(٦) صحيح البخاري رقم (٤٦٢٤)، في تفسير سورة المائدة، باب ( ١٣).
في معجمه الكبير (١٠٨٠٨)، وصالح هو مولى التوأمة.
(٧)
(٨) في ب : مرفوعاً بنحوه نحو ذلك .

٤٦٢
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
اَلْكَذِبَ﴾ .. الآية [ النحل: ١١٦]. وقال تعالى ﴿ مَاجَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاٍِّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [ المائدة: ١٠٣].
وقد تكلّمنا على هذا كلّه مبسوطاً وبيَّنا اختلافَ السلف في تفسير (١) ذلك ، فمن أراده فليأخذه من
ثَمَّ . ولله الحمد والمنة .
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَا رَزَقْتَهُمُّ تَللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَاَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَِّ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا
◌ِشُرَّكَاِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَا بِهِمْ
سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿ وَكَذَلِكَ زَّيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (٣) وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهٌ وَحَرْثُ
حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن تَشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَهُ حُرِّمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءَ عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم
بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (ثَ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا وَإِن يَكُنْ
مَيْنَّةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءٍ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْأَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ
وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٤٠].
قال البخاري في صحيحه(٢) : باب جهل العرب :
حدّثنا أبو النُّعمان ، حدّثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : إذا
سَرَّكَ أن تعلم جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ
سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [١٤٠].
وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنّها كبيرُهم عَمرو بن
لُحَي قبَّحه الله مصلحةً ورحمةً بالدواب والبهائم ، وهو كاذب مفترٍ في ذلك ، ومع هذا الجهل والضلال
اتّبعه هؤلاء الجهلةُ الطَّغَامُ(٣) فيه ، بل قد تابعوه فيما هو أطَمُ(٤) من ذلك وأعظم بكثير ، وهو عبادة الأوثان
مع الله عز وجل ، وبدَّلوا ما كان اللهُ بعث به إبراهيم خليلَه من الدين القويم والصراط المستقيم ، من توحيد
عبادة الله وحده لا شريك له ، وتحريم الشرك، وغيّروا شعائر الحج ومعالمَ الدين بغير علم ولا برهان
ولا دليلٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ، واتّبعوا في ذلك مَن كان قبلهم من أمم المشركين ، وشابهوا قومَ نوح ،
(١) في ب : تفسيرنا .
(٢) (٦/ ٥٥٠)، في المناقب. وفيه : باب قصة زمزم وجهل العرب.
(٣)
الطّغَام : أوغاد الناس .
(٤) في ب : أطم وأعظم من ذلك بكثير . وأظَمّ : أدهى وأعجب .

٤٦٣
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الأصنام ، ولهذا بعث الله إليهم نوحاً وكان أول رسول بُعث يَنهى عن عبادة
الأصنام، كما تقدم بيانه في قصة نوحُ(١) ﴿ وَقَالُوْلَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًّا (
وَقَدْ أَضَلُواْ كَثِيرًا ﴾ الآية [ نوح: ٢٣ -٢٤].
قال ابن عباس : كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، فلما طال
عليهم الأمد عبدوهم . وقد بيّنا كيفيةً ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته هاهنا .
قال ابن إسحاق(٢) وغيره : ثم صارت هذه الأصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل ، فكان وَدِّ
لبني كلب بن وَيْرةُ(٣) بن تغلب بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة . وكان منصوباً بدَوْمَة الجَنْدَلِ .
وكان سُواع لبني هذيل بن إلياس بن مُدْرِكة بن مضر. وكان منصوباً بمكان يقال له رُهَاط(٤) .
وكان يَغُوث لبني أنْعُمَ من طيّئ ولأهل جُرَش من مذحِج وكان منصوباً بجرش(٥).
وكان يَعُوقُ منصوباً بأرض هَمْدان من اليمن لبني خَيْوان بطن من هَمْدال(٦) .
وكان نَسْر منصوباً بأرض حِمْير لقبيلة يقال لهم: ذو الكلاح (٧).
قال ابن إسحاق : وكان لخَولان بأرضهم صَنمٌ يقال له : عم أنس(٨) يقسمون له من أنعامهم وحروثهم
قسماً بينه وبين الله فيما يزعمون ، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي قسموه له تركوه له ، وما
دخل في حق الله من حق عم أنس ردّوه عليه، وفيهم أنزل الله ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ
وَاُلْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ .
قال : وكان لبني مِلْكان بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة صنم يقال له : سَعْدٌ، صخرةٌ بفلاة أرضهم
طويلة ، فأقبل رجلٌ منهم بإبلٍ له (٩) ليقفها عليه التماسَ بركتِهِ ، فيما يزعم ، فلما رأته الإبل ، وكانت
مرعيةً لا تُركب ، وكان الصنم يُهرَاق عليه الدماء ، نفرت منه فذهبت في كل وجه ، وغضب ربها ، فأخذ
حجراً فرماه به ثم قال : لا بارك الله فيك ، نفرت عليّ إبلي ، ثم خرج في طلبها ، فلما اجتمعت له قال :
(١) في الجزء الأول من هذا الكتاب. والسيرة (٧٨/١).
(٢) السيرة (٧٨/١)، والروض الأنف (١/ ١٠٢).
كذا في ب . وهو الصحيح. وفي أوط: مرة وهو سهو. الأصنام لابن الكلبي ص (١٠).
(٣)
(٤)
الأصنام ص (٩).
الأصنام ص (١٠)، ولم يذكر أنه لطيّئ.
(٥)
(٦) الأصنام ص (١٠).
(٧)
الأصنام ص (١١).
في السيرة : عُميانس: وأشار المحقق إلى ما أورده ابن كثير . وفي الأصنام ص ( ٤٣) عُمْيَانِس
٩
(٨)
(٩) زاد في ط: مؤبلة. وفي الأصنام ص (٣٦)، ذكر موضع الصنم أنه بساحل جدة. والتنوفة: القفر.
.

٤٦٤
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
(١)
فشتّنا سعدٌ فلا نحنُ من سعدُ
أتينا إلى سعدٍ ليجمعَ بيننا
وهل سعدُ إلّ صَخرةٌ بِتنوفةٍ من الأرض لا يَهدي لغيّ ولا رُشْد(٢)
قال ابن إسحاق : وكان في دوس صنم(٣) لعمرو بن حُممة الدوسي .
قال وكانت قريش قد اتخذت صنماً على بئر في جوف الكعبة يقال له : هبل ، وقد تقدم فيما ذكره
ابن هشام أنه أول صنم نصبه عمرو بن لُحَي لعنه الله .
قال ابن إسحاق(٤) : واتخذوا إسافاً ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما . ثم ذكر أنهما كانا
رجلاً وامرأةً ، فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين(٥) . ثم قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم ، عن عَمْرة أنها٦) سمعت عائشة تقول : ما زلنا نسمع أن إسافاً ونائلة كانا رجلاً
وامرأةً من جُرهم ، أحدثا في الكعبة ، فمسخهما الله عز وجل حجرين . والله أعلم .
وقد قيل (٧) إن اللّه لم يمهلهما حتى فجرا فيها ، بل مسخهما قبل ذلك ، فعند ذلك نُصِبا عند الصفا
والمروة ، فلما كان عمرو بن لُحي نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما . وفي ذلك يقول
أبو طالب : [ من الطويل ]
وحيث يُنِيخُ الأشْعَرونَ ركابَهُم بِمُفْضَى الشُّيولِ من إسافٍ ونائلٍ(٨)
وقد ذكر الواقدي: أن رسول الله وَل و لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش
وجهها وتدعو بالويل والثبور(٩) .
وقد ذكر السهيلي : أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز إنما سميا باسم رجل اسمه أجا بن
عبد الحي فَجَرَ بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما . قال : وكان بين أجا وسلمى صنم
لطّئ يقال له: فَلْسُ(١٠) .
في ط : ليجمع شملنا . . وكذلك في الأصنام ص (٣٧).
(١)
في ط : لا يدعو . وفي الأصنام : لا يُدعى .
(٢)
(٣)
هو ذو الكفين ، كما ذكر ابن الكلبي ص ( ٣٧).
(٤)
السيرة (١/ ٨٢) .
(٥)
في ب : فمسخا حجرين .
في ط ، والسيرة : أنها قالت سمعت .
(٦)
الروض الأنف (١/ ١٠٥).
(٧)
البيت في السيرة (٨٣/١)، وروض الأنف (١٠٦/١)، والأصنام ص (٢٩).
(٨)
المغازي ( ٨٤١/٢).
(٩)
(١٠) الروض الأنف (١٠٧/١ - ١٠٨). والأصنام ص (٥٩).

٤٦٥
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
قال ابن إسحاق(١): واتخذ أهل كل دار في دارهم صنماً يعبدونه ، فإذا أراد الرجل منهم سفراً تمسَّح
به حين يركب ، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره . فإذا قدم من سفره تمسّح به ، فكان(٢) أول
ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. قال: فلما بعث اللهُ محمداً بَّه بالتوحيد قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْأَلِهَةَ
إِلَهَا وَحِّدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ مُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
-
قال ابن إسحاق : وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها
سَدَنة وحُجَّاب ، وتُهدي لها كما تهدي للكعبة ، وتطوف بها كطوافها بها٣) ، وتنحر عندها كما تنحر
عندها٤) . وهي مع ذلك تعرف فَضْل الكعبة عليها ، لأنها بناءُ إبراهيم الخليل عليه السلام ومسجده .
فكانت لقريش وبني كنانة العُزَّى بِنَخْلَة ، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سُلَيم حُلفاء بني
هاشم - وقد خرّبها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي - .
قال : وكانت اللاتُ لثقيف بالطائف ، وكانت سدنتها وحجّابها بني مُعَتّب من ثقيف(٥) وخرّبها
أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي .
[ قال }٦) : وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من
ناحية المشلل بقُدَيْد(٧) . وقد خرّبها أبو سفيان أيضاً ، وقيل علي بن أبي طالب كما سيأتي .
قال : وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَّالهُ(٨) ، وكان يقال له :
الكعبة اليمانية ، ولبيت مكة الكعبة الشامية . وقد خرَّبه جرير بن عبد الله البجلي كما سيأتي .
قال : وكان فلس لطيّى(٩) بين أجا وسلمى ، وهما جبلان مشهوران كما تقدم .
قال: [ وكان ريآَمُ(١) بيتاً لحمير وأهل اليمن كما تقدم (2(١) ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير ،
(١) السيرة (١/ ٨٣).
(٢)
في ط : فكان ذلك .
(٣)
في ب : وتطوف بها كتطوافها بالكعبة .
(٤)
ليست في ط . ولا السيرة .
(٥)
السيرة (١ /٨٥) .
زيادة من ط . والسيرة .
(٦)
(٧)
قديد : موضع قرب مكة . والمشلل : جبل يهبط منه إلى القديد من ناحية البحر .
تبالة : موضع على مسيرة سبع ليال من مكة .
(٨)
(٩) في ط . والسيرة: لطيىء ومن يليها بجبلي طيء. وفي الأصنام ص (٥٩): وكان أنفاً أحمر في وسط جبلهم الذي
يقال له أجأ ، أسود كأنه تمثال إنسان .
(١٠) في ط : رآم .
(١١) سقط من ب بنقلة عين .

٤٦٦
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
وقصة الحَبْرَيْن حين خرباه وقتلا منه كلباً أسود .
قال : وكانت رُضاء(١) بيتاً لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، ولها يقول المستوغر ،
واسمه عمرو(٢) بن ربيعة بن كعب : [ من الكامل ]
ولقد شددت على رُضاءٍ شَدَّةٌ فتركتُها قفراً بقاعٍ أسحما
وبمثلِ عبد الله أَغْشى المَحْرما٣)
وأعان عبد الله فى مكروهها
ويقال : إن المستوغر هذا عاش ثلاثمئة سنة وثلاثين سنة وكان أطول مضر كلها عمراً ، وهو الذي
يقول : [ من الكامل ]
وعمرت من عدد السنين مئينا
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وازددت من عدد الشهور سنينا
مئة حدتها بعدها مئتان لي
يوم يمرُّ وليلة تحدونا(٤)
هل ما بقى إلا كما قد فاتنا
قال ابن هشام: وتُروى(٥) لزهير بن جناب بن هُبل .
قال السهيلي : ومن المعمّرين الذين جازوا المئتين والثلاثمئة زهير هذا ، وعبيد بن شرية، ودَغْفَل
ابن حنظلة النسّابة ، والربيع بن ضبع الفزاري ، وذو الإصبع العدواني ، ونصر بن دهمان بن أشجع بن
ريث بن غطفان ، وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه ، وتقوَّم ظهره بعد اعوجاجه (٦) .
قال(٧): وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وإياد بِسَنْدا(٨) ، وله يقول أعشى بني قيس بن
ثعلبةُ(٩) : [من الكامل ]
(١) في الأصنام ص (٣٠): رُضْى.
(٢) في أ، و: ب، و: ط و: كعب بن ربيعة ... وهذا غير معروف. ألقاب الشعراء (في نوادر المخطوطات)
(٣٠٤/٢)، والشعر والشعراء (٣٨٤/١)، والمعمرين (١٢ -١٣)، والأصنام ص (٣٠).
(٣)
في الأصنام : ودعوت ... ولمثل عبد الله يغشى المحرما .
قوله : بقى، يريد بقيَ، وهي لغة لطيىء. والأبيات في المعمرين ص (١٢)، والشعر والشعراء (٣٨٤/١).
(٤)
إضافة إلى السيرة .
في ط : وتروى هذه الأبيات. وزهير بن جناب بن هبل الكلبي من المعمرين أيضاً. انظر المعمرين: (٣١).
(٥)
(٦)
الروض الأنف ( ١/ ١١٠). وانظر ذكراً لهؤلاء في المعمرين .
(٧)
ابن إسحاق (٨٨/١).
سنداد : من منازل إياد أسفل سواد الكوفة .
(٨)
(٩)
كذا في الأصل . والسيرة . وأشار ابن هشام إلى أن هذا البيت للأسود بن يعفر النهشلي . وليست الأبيات في ديوان
الأعشى بشرح الدكتور محمد محمد حسين ، رحمه الله .

٤٦٧
قصة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي
بين الخَوْرَنَقِ والسَّدِيرِ وبارقٍ والبيتِ ذي الشُّرفاتِ من سندادِ
وأول هذه القصيدة(١) : [ من الكامل ]
أن السبيل سبيل ذي الأعواد
تركوا منازلهم وبعد إياد
ماء الفرات يجيء من أطواد
والبيت ذي الشرفات من سنداد
فكأنما كانوا على ميعاد
يوماً يصير إلى بِلىّ ونفاد
ولقد علمتُ وإن تطاول بي المدى
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق
نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم
أرض الخورنق والسدير وبارق
جرت الرياح على محلّ ديارهم
وأرى النعيم وكل ما يُلهى به
قال السهيلي (٢) : الخورنق : قصر بناه النعمان الأكبر لسابور ليكون ولده فيه عنده ، وبناه رجل يقال
له : سِنِمَّار في عشرين سنة ، ولم ير بناء أعجب منه ، فخشي النعمان أن يبني لغيره مثله فألقاه من أعلاه
فقتله . ففي ذلك يقول الشاعر(٣): [ من البسيط ]
جزاني جزاه الله شر جزائه
جزاء سنمَّار وما كان ذا ذنب
يعلقْ عليه بالقرامد والسكب (٤)
سوى رصه البنيان عشرين حجة
وآض كمثل الطود والباذخ الصعب
فلما انتهى البنيان يوماً تمامه
وذاك لعمر الله من أعظم الخطْب(٥)
رمى بسنمَّار على حق رأسه
قال السهيلي : أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان(٦) . والسِّنمّار من أسماء القمر(٧).
والمقصود أن هذه البيوت كلها هدمت، لما جاء الإسلام، جهز رسول الله وَلو إلى كل بيت من هذه
(١) هذه الأبيات ضمن قصيدة مفضلية للأسود بن يعفر، ص (٢١٦) وما بعدها، مع بعض اختلاف في الرواية.
وكذلك نسب السهيلي البيت الأول للأسود بن يعفر .
(٢) الروض الأنف (١/ ١١١) ومن قوله: الخورنق إلى قوله: السهيلي وبداية المقطع الثاني سقط من ب بنقلة عين.
هو شرحبيل الكلبي كما في ثمار القلوب للثعالبي (١٣٩/١). ولعبد العزى بن امرىء القيس الكلبي كما في
(٣)
الأمالي الشجرية (١٠٢/١ ) .
في ط ؛ وب : سوى رضفه ... يعد عليه .. والسكب : النحاس أو الرصاص ..
(٤)
(٥)
في ب ، ط : من أقبح .
(٦) حياة الحيوان (٢٣/١).
(٧) زاد في ب : وقال آخر :
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن ظن كما يجزى سنمَّار
وأما السدير : فبيت الملك . وذو الكعبات ، وهي الشرفات ، بيت كانوا ينحرون عنده ويطوفون به كما ذكره ابن
إسحاق وغيره . والله أعلم .

٤٦٨
خبر عدنان جد عرب الحجاز
سرايا تخربه ، وإلى تلك الأصنام من كسرها ، حتى لم يبق للكعبة ما يضاهيها ، وعبد الله وحده لا شريك
له ، كما سيأتي بيانه وتفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
#
خبر عدنان جد عرب الحجاز
[وهو الذي ينتهي إليه نسب رسول الله واليوم }(١)
لا خلاف أن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، عليهما السلام ، واختلفوا في عدة الآباء
بينه وبين إسماعيل . على أقوال كثيرة ، فأكثر ما قيل : أربعون أباً ، وهو الموجود عند أهل الكتاب ،
أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا ، على ما سنذكره . وقيل : بينهما ثلاثون . وقيل :
عشرون . وقيل : خمسة عشر . وقيل : عشرة . وقيل : تسعة . وقيل : سبعة . وقيل : إن أقل ما قيل
في ذلك: أربعة ، لما رواه موسى بن يعقوب (٢) الزمعي، عن عمته، عن أم سلمة، عن النبي وَلّ أنه
قال: ((معد بن عدنان بن أُدَدْ بن زند بن اليرى بن أَعْراق الثرى))(٣) . قالت أم سلمة : فَزَنْد : هو
الهَمَيْسع ، واليَرى : هو نابت ، وأعراق الثرى: هو إسماعيل لأنه ابن إبراهيم ، وإبراهيم لم تأكله النار ،
كما أن النار لا تأكل الثرى .
قال الدار قطني : لا نعرف زنداً إلا في هذا الحديث وزَنْدَ بن الجَون (٤) أبا دلامة الشاعر .
قال الحافظ أبو القاسم السهيلي(٥)، وغيره من الأئمة: مدة ما بين عدنان إلى زمن إسماعيل أكثر من
أن يكون بينهما أربعة آباء أو عشرة أو عشرون ، وذلك أن معدّ بن عدنان كان عمره زمن بخت نصر ثنتي
عشرة سنة . وقد ذكر أبو جعفر الطبري(٦) وغيره أن الله تعالى أوحى (٧) إلى أرميا بن حلقيا أن اذهب إلى
بخت نصر فأعلمه أني سلطته على العرب ، وأمر الله لأرميا أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كي
(١) سقط من ط .
(٢) تمم نسبه في ط فقال: ابن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة. تقريب التهذيب (٢٨٩/٢).
. (٣) تاريخ الطبري (٢٧١/٢)، ورواه السهيلي في الروض (١١/١)، وقال: أصح شيء روي فيما بعد عدنان.
(٤) في ط : الجون وهو أبو دلامة. والخبر نقله السهيلي في الروض (١١/١)، عن الدار قطني. وأبو دلامة شاعر
من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، توفي سنة ( ١٦١ هـ ) . وله ديوان شعر جمعه الدكتور رشدي علي حسن
وطبع في مؤسسة الرسالة ( ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٥ م).
(٥) الروض الأنف ( ١/ ١١).
(٦) تاريخه (٥٥٨/١ - ٥٥٩).
(٧) زاد في ط : في ذلك الزمان .

٤٦٩
خبر عدنان جد عرب الحجاز
لا تصيبه النقمة(١) ، فإني مستخرجٌ من صلبه نبياً كريماً أختم به الرسل . ففعل أرميا ذلك ، واحتمل
معد(٢) إلى أرض الشام ، فنشأ مع بني إسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس ، وتزوج هناك
امرأة اسمها معانة بنت جوشن(٣) من بني دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده ، ثم عاد بعد أن هدأت
الفتن وتمحضت جزيرة العرب(٤) . وكان رخيا كاتب أرميا قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة
أرميا فيحفظ نسب معد(٥) لذلك. والله أعلم . ولهذا كره مالك رحمه الله رَفْعَ النسب إلى ما بعد عدنان .
قال السهيلي(٦): وإنما تكلمنا في رفع هذه الأنساب على مذهب من يرى ذلك ولم يكرهه ، کابن
إسحاق والبخاري والزُّبير بن بكار والطبري وغيرهم من العلماء . وأما مالك رحمه الله فقد سئل عن الرجل
يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك ، وقال من أين له بعلم(٧) ذلك ؟ فقيل له : فإلى إسماعيل ؟ فأنكر ذلك أيضاً
وقال : ومن يخبره به ، وكره أيضاً أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال : إبراهيم بن فلان بن فلان ،
هكذا ذكره المعَيْطي في كتابه (٨) . قال : وقول مالك هذا نحو مما روى عن عروة بن الزبير أنه قال :
ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان وإسماعيل(٩) . وعن ابن عباس أنه قال : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون
أباً لا يُعرفون .
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه كان إذا بلغ عدنان يقول : كذب النسابون مرتين أو ثلاثا١٠ً) . والأصح
(١) زاد في ط : فيهم .
(٢) زاد في ط : على البراق .
(٣) في الطبري (١/ ٥٦٠)، أن معداً تزوج معانة بنت جوشم بن جلهمة الجرهمي.
(٤) تمحضت : تخلصت من الشوائب ، وزاد في ب هنا . ذكر السهيلي إنما سلط الله تعالى عليهم بخت نصر على العرب
لأنه كان بعث فيهم رسولاً يقال له : شعيب بن ذي مهدم ، فكذبوه وقتلوه ، فقبره بجبل باليمن يقال له : صنين .
قال : وليس بشعيب صاحب مدين ، وذاك شعيب بن عَيفي ، ويقال : ابن صيفون . قال : وبعث الله تعالى إلى
العرب نبياً آخر يقال له : حنظلة بن صفوان ، فكذبوه أيضاً ، فسلط الله عليهم . بخت نصر . وفي هذا الذي قاله نظر
من وجوه ، من آكدها قوله تعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَآ أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ والمراد بهم العرب ؛ لا أهل مكة على
الخصوص ، وسنزيد هذا بسطاً فيما بعد ، إن شاء الله تعالى. الروض الأنف، (١/ ١٢)، وتاريخ الطبري
(٢ /٢٧١) .
(٥) زاد في ب : وكان النسب بينه وبين إسماعيل قريباً من أربعين أباً كما تقدم ، لكن تختلف ألفاظ الضابطين . تاريخ
الطبري ( ٢٧٤/٢) .
(٦)
الروض الأنف ( ١/ ١٤).
(٧)
في ط : وقال له من له علم ذلك .
قال السهيلي : وقع هذا الكلام لمالك في الكتاب الكبير المنسوب إلى المعيطي ، وإنما أصله لعبد الله بن محمد بن
(٨)
حنين ، وتممه المعيطي ، فنسب إليه .
(٩) من قوله: روي عن ... إلى هنا زيادة من ط ، والسهيلي.
. (١٠) ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ونسبه لابن سعد وابن عساكر، من حديث ابن عباس ، وهو ضعيف.

٤٧٠
خبر عدنان جد عرب الحجاز
عن ابن مسعود مثله . وقال عمر بن الخطاب إنما تنسب إلى عدنان .
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه (( الإنباه في معرفة قبائل الرواه )) روى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه
سمع عروة بن الزبير يقول : ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء عدنان ولا وراء قحطان إلا تخرُّصاً ، وقال
أبو الأسود : سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم يقول :
ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم .
قال أبو عمر(١) : وكان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمرو بن ميمون الأودي ومحمد بن
كعب القرظي إذا تلوا ﴿ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] قالوا: كذب النسابون (٢).
قال أبو عمر رحمه الله : والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبو(٣) ، والمراد أن من ادعى إحصاء بني آدم
فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم ، وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا
جماهيرها وأمهات قبائلها ، واختلفوا في بعض فروع ذلك(٤).
قال أبو عمر : والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا : عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور
ابن(٥) يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام . وهكذا ذكره محمد بن
إسحاق بن يسار في (( السيرة)(٦) .
قال ابن هشام : ويقال : عدنان بن أد ، يعني عدنان بن أد بن أدد . ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى
آدم كما قدمناه في قصة الخليل عليه السلام .
وأما الأنساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جداً لا يتمارى فيها اثنان ، والنسب
النبوي إليه أظهر وأوضح من فلق الصبح . وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد
الكلام على قبائل العرب وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والأصل المنيف إن شاء
الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .
وما أحسن ما نظم النسب النبوي الإمام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشىء في قصيدته المشهورة
المنسوبة إليه وهي قوله : [ من الطويل ]
(١) زاد في ب : ابن عبد البر .
(٢) الإنباه (١٧ - ١٩) وتفسير الطبري (١٢٥/١٣).
(٣)
زاد في ب : إليه .
الإنباه (١٩) وزاد في ب: وقد حرَّر ذلك مستقصىّ مطولا الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه ، وذكر الخلاف في
(٤)
ذلك مبسوطاً رحمه الله. تاريخ الطبري (٢٧٤/٢).
(٥) زاد في ط : ابن تيرح . وكذلك في السيرة .
(٦) السيرة (٢/١)، والإنباه (٢٠).

٤٧١
خبر عدنان جد عرب الحجاز
مدحتُ رسولَ الله أبغي بمدحِه
مدحتُ امرأً فاقَ المديحَ موحّداً
نبيّاً تسامى في المشارقِ نورُه
أتتنا به الأنباءُ قبلَ مجيئه
وأصْبَحَتِ الكُتَّانُ تهتفُ باسمهِ
وأُنْطِقت الأصنامُ نطقاً تبرّأت
وقالت لأهل الكفر قولاً مبيّناً :
ورامَ استراقَ السمع جنٌّ فزيّلتْ
هدانا إلى ما لم نكنْ نهتدي له
وجاء بآيات تبيّن أنها
فمنها انْشقاقُ البدرِ حين تعمّمت
ومنها نبوعُ الماء بينَ بَنانه
فرقَّى به جمّاً غَفيراً وأسْهلت
وبئرٍ طفتْ بالماء من مَسّ سَهْمِهِ
وضرع مَرَاهُ فاستدرّ ولم يكنْ
ونُطقٍ فصيحٍ من ذِراع مبينةٍ
وإخبارِهِ بالأمر من قبلٍ كونه
ومن تلكم الآياتِ وَحيٌّ أتى به
تقاصرتِ الأفكارُ عنه فلم يطع
حَوى كلَّ عِلمٍ واحْتَوى كلَّ حِكمةٍ
وُفورَ حظوظي من كريمِ المآربِ
بأوصافه عن مُبعِدٍ ومقارِب(١)
فلاحتْ هَواديه لأهل المغاربِ
وشاعتْ به الأخبارُ في كلّ جانب
وتنفي به رجمَ الظنونِ الكواذب
إلى الله فيهِ من مَقالِ الأكاذب
أتاكم نبيٌّ من لؤيّ بنِ غالب
مقاعدَهم منها رجومُ الكواكب(٢)
لطولِ العمى من واضحات المذاهب
دلائلُ جبّارٍ مثِيبِ معاقب
شعوبُ الضيا منه رؤوس الأخاشب(٣)
وقد عدِم الورَّاد قربَ المشارب (٤)
بأعناقِهِ طوعاً أكُفّ المذانِبُ(٥)
ومن قبلُ لم تسمح بمَذْقَةِ شارب (٦)
به دِرّةٌ تُصغي إلى كفّ حالب
لكيدِ عدوّ للعداوة ناصب
وعندَ بواديه بما في العواقب
قريب المآتي مستجمّ العجائب
بليغاً ولم يَخْطُر على قلبِ خاطب
وفاتَ مرامَ المستمرّ الموارب
(١) في ط : عن معبد .
(٢) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿ وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ رَحِيمٍ (٢) إِلَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنَْعَمُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [ ١٧ -
١٨ ] .
(٣) قال عز وجل ﴿ أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وحديث انشقاق القمر مشهور أورد ابن الأثير رواياته في جامع
الأصول (٣٩٦/١١) عن البخاري ومسلم والترمذي . والأخاشب : الجبال .
(٤) حديث نبع الماء بين أصابعه وَل أخرجه مسلم (٣٠٠٦ وحتى ٣٠١٤)، في الزهد ، باب حديث جابر الطويل وقصة
أبي اليسر .
(٥) المذانب : جمع مِذْنب وهو سيل الماء إلى الأرض .
(٦) المذقة : الشّربة.

٤٧٢
خبر عدنان جد عرب الحجاز
أتانا به لا عَنِ رَويَّة مرتىءٍ
يواتيه طوراً في إجابةٍ سائلٍ
وإتيان برهانٍ وفرضٍ شرائعٍ
وتصريف أمثالٍ وتثبيتِ حُجّة
وفي مَجمع النادي، وفي حومةِ الوغى
فيأتي على ما شئتَ من طُرقاته
يصدّقُ منه البعضُ بعضاً كأنما
وعجْزُ الوَرَى عن أن يجيؤوا بمثلِ ما
تأتّى ( بعبدِ الله ) أكرم والدٍ
و ( شيبة ) ذي الحمدِ الذي فخرت به
ومَن كان يُستسْقَى الغمامُ بوجهه
و ( هاشمٌ) الباني مُشيد افتخارِه
و (عبدٍ مناف ) وهو علَّم قومَه اشـ
وإن ( قُصَيّاً ) من كريمٍ غِراسه
به جَمع اللّه القبائلَ بعد ما
وحلَّ ( كلابٌ ) من ذُرى المجدِ معقلاً
و ( مُرَّة) لم يحلل مريرةً عزمه
و( كعب ) عَلاَ عن طالبِ المجدِ كعبُه
وألوى ( لؤيٌّ ) بالعُداة فطُوّعت
وفي ( غالبٍ ) بأسٌ أبَى البأسُ دونهم
وكانت ( لفهرٍ ) في قريشٍ خَطابة
وما زالَ منهم ( مالكٌ ) خيرَ مالكٍ
و( للنصْر) طولٌ يقصُرُ الطَّرفُ دونَه
لَعَمري لقد أبدى ( کِنانةُ ) قبله
ولا صُخْفِ مُسْتَمْلٍ ولا وصفِ كاتب
وإفتاءِ مستقْتٍ ووغظ مخاطب
وقصّ أحاديثٍ ونصّ مآرب
وتعريفِ ذي جَحدٍ وتوقيف كاذب
وعندَ حدوثِ المعضِلات الغرائب
قويمَ المعاني مستدرَّ الضَّرائب
يلاحَظ معناه بعينِ المراقب
وصَفناهُ معلومٌ بطول التجارب
تبلّجَ مِنْه عن كريمِ المناسب
قريشٌ على أهلِ العُلَى والمناصب
ويُصدَر عن آرائه في النوائب
بعزّ المساعي وامتهانِ المواهبُ(١)
ـتطاط الأماني واحتكامَ الرغائب
لفي مَنهلٍ لم يَدنُ من كف قاضب
تقسَّمها نهبُ الأكفّ السوالب
تقاصَرَ عنه كلُّ دانٍ وَغَائب
سِفاءُ سَفيهٍ أو مَحُوبةُ حائب(٢)
فنال بأدنى السعي أعلا المراتب
له هِمَمُ الشُّمِّ الأنوفِ الأغالب
يُدافع عنهم كلّ قِرنٍ مُغالب
يعوذُ بها عندَ اشتجارِ المُخاطب
وأكرمَ مصحوبٍ وأكرمَ صاحبٍ
بحيثُ التقى ضوءَ النجومِ الثواقب
محاسنَ تأبى أن تَطوعَ لغالب(٣)
(١)
في ط : وامتنان .
(٢) الحوبة : الإثم .
(٣) كذا في ط . وهو الصحيح . وفي أوب بعده .

٤٧٣
خبر عدنان جد عرب الحجاز
ومن قبله أبقى ( خُزِيْمَةُ) حَمْدَه
و( مدرِكةٌ) لم يدركِ الناسُ مثلَه
و( إلياسُ) كان اليأسُ منه مُقارِناً
وفي ( مُضَرٍ ) يُستجمَع الفخرُ كلُّه
وحلَّ ( نزارٌ) من رياسة قومه
وكان ( معدّ ) عِدَّةٌ لوليّه
وما زال ( عدنان) إذا عُدّ فضلُه
و (أُدَ ) تأدّى الفضلُ منه بغايةٍ
وفي ( أُدَدٍ ) حلْم تزيّنَ بالحِجا
وما زال يَستعلي ( هَميسعُ) بالعلى
و ( نبتٍ) بنتْهُ دوحةُ العزّ وابتغى
وحِيزتْ ( لِقِيذارٍ ) سماحةُ حاتم
هُموا نسلُ ( إسماعيل ) صادقٍ وعدِه
وكان ( خليلُ الله ) أكرمَ من عَنَت
و (تاريخُ) ما زالتْ له أزْيَحِيّة
و ( ناحورُ) نحّارُ العِدى حُفظت له
و ( أشرعُ) في الهيجاء ضَيْغِمُ غابةٍ
و ( أرغو ) فنابٌ في الحروب مُحكّم
وما ( فالغٌ) في فضله تِلو قومِه
و (شالخ) و(ارفخشذ) و (سام) سمتْ بھم
تليدَ تُراثٍ عن حَميدِ الأقارب(١)
أعفّ وأعلى عن دنيّ المكاسب
لأعدائه قبل اعتدادِ الكتائب
إذا اعتركتْ يوماً زُحُوفُ المقانب(٢).
محلاًّ تسامى عن عيونِ الرواقب(٣)
إذا خافَ من كيدِ العدوّ المحارب
توخَّد فيه عن قرينٍ وصاحب
وإرثٍ حواهُ عن قُروم أشايب(٤)
إذا الحلم أزهاهُ قطوبٌ الحواجب
ويبلغ آمالَ البعيدِ المراغب(٥)
معاقلَه في مُشْمَخرِّ الأهاضب(٦)
وحكمةُ لقمانٍ وهمّةُ حاجب
فما بعدَه في الفخرِ مَسْعىّ لذاهب
له الأرضُ من ماشٍ عليها وراكب
تُبيّنُ منه عن حميد الضرائب(٧)
مآثرُ لمَّا يُحصِها عدُّ حاسب
يقدُّ الطّلى بالمرهَفات القواضب(٨)
ضنينٌ على نفس المشيح المغالب
ولا ( عابرٌ) من دونهم في المراتب(٩)
سجايا حمتْهم كلّ زارٍ وعائب
(١) كذا في ط . وفي أوب : ومن بعده أبقى خزيمة بعده .
(٢)
المقانب : جمع مِقنب ، وهي جماعة الخيل والفرسان .
(٣)
في ط : أهله .
(٤)
القروم : السادة الفرسان الشجعان .
(٥)
في ط : ويتبع .
المشمخر : العالي المرتفع .
(٦)
(٧)
في ط : المضارب .
الطلى : الأعناق .
(٨)
(٩) كذا في ط . وفي أوب : دونه .

٤٧٤
خبر عدنان جد عرب الحجاز
وما زال ( نوځٌ ) عند ذي العرش فاضلاً
و ( لمكٌ ) أبوهُ كان في الرَّوْعِ رائعاً
ومن قبلٍ لمكِ لم يزل ( متوشلخ )
وكانت ( لإدريسَ ) النبيّ منازلٌ
و (يارةٌ) بحرٌّ عند آلِ سراته
وكانت ( لمهلاييل ) فيه فضائلٌ
و ( قينان ) من قبلُ اقتنى مجدَ قومه
وكان ( أنوش ) ناشَ للمجد نفسَه
وما زال ( شيثٌ ) بالفضائل فاضلاً
وكلّهمُ من نورِ ( آدم) أَقبسوا
وكان رسول الله أكرمَ منجّبٍ
مقابلةٌ آباؤه أمهاتِه
عليه سلامُ الله في كلِّ شارقٍ
يعدّده في المصطَفَين الأطايب
جريئاً على نفس الكميِّ المضارب
يذودُ العِدى بالذائدات الشوازب
مِنَ الله لم تُقرن بهمّة راغب
أبيُّ الخزايا مُستدقّ المآرب
مهذَّبةٌ من فاحشات المثالب
وقادَ بشأوِ الفضل وَخْدَ الركائب (١)
ونزّهها عن مُردِيات المطالب
شريفاً بريئاً من ذميم المعايب
وعن عودِه أجْنوا ثمار المناقب
جرى في ظهور الطيّبين المناجب
مُبرّأة منْ فاضحات المثالب
ألاحَ لنا ضوءاً وفي كلّ غارب
هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبد البر(٢)، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في ((تهذيبه)(٣)
من شعر الأستاذ أبي العباس عبد الله بن محمد الناشىء المعروف بابن شِرْشِير(٤) ، أصله من الأنبار ، وورد
بغداد ثمّ ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومئتين . وكان متكلماً معتزلياً ، يحكي
عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه ((المقالات)) فيما يحكي عن المعتزلة . وكان شاعراً مطبقاً حتى
إنه من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني ، فينظم في مخالفتهم ويبتكر ما لا يطيقونه
من المعاني البديعة والألفاظ البليغة، حتى نسبه بعضهم إلى التهوّس والاختلاط . وذكر الخطيب البغدادي
أن له قصيدةً على قافية واحدة قريباً من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم ، وأرخ وفاته كما ذكرنا(٥)
قلت : هذه قصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه ، وحسن لفظه ،
واطلاعه واضطلاعه واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره ، وغوصه على هذه المعاني
التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحره ، فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه .
(١) الوخد : الإسراع.
الإنباه على قبائل الرواه (٢٥/٢١).
(٢)
(٣)
تهذيب الكمال (١٧٧/١ - ١٨٠).
ترجمته في : وفيات الأعيان (٩١/٣)، والسير (٤٠/١٤).
(٤)
تاريخ مدينة السلام (٢٩٧/١١ - ٢٩٩) (ط. د. بشار).
(٥)

٤٧٥
أصول أنساب قبائل عرب الحجاز إلى عدنان
ذكر أصول أنساب قبائل عرب الحجَاز إلى عدنان(١)
وذلك لأن عدنان وُلِد له ولدان : معدّ وعك . قال السهيلي : ولعدنان أيضاً ابن اسمه الحارث ،
وآخر يقال له (٢) المذهب . قال وقد ذكر أيضاً في بنيه الضحاك . وقيل إن الضحاك ابن لمعدّ
لا ابن عدنان . قال : وقيل : إن عدن الذي تُعرف به مدينةُ عدَن، وكذلك أَبْيَن ، كانا ابنين لعدنان .
حكاه الطبري(٣) . فتزوج عك في الأشعريين وسَكَن في بلادهم من اليمن ، فصارت لغتهم واحدة(٤) ،
فزعم بعض أهل اليمن أنهم منهم فيقولون : عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد بن الغوث ، ويقال :
عك بن عدنان بن الذيب بن عبد الله بن الأسد ، يقال : الريث بدل الذيب ، والصحيح ما ذكرنا من أنهم
من عدنانُ(٥) . قال عباس بن مرداس : [ من الطويل ]
وعكّ بن عدثانَ الذين تَلَقَّبُوا بغسّانَ حتى طُرِّدوا كلَّ مَطر(٦)
وأما معد : فوُلِد له أربعة : نزار ، وقضاعة ، وقُنُص، وإياد . وكان قضاعةُ بكرَه ، وبه كان يُكنى ،
وقد قدّمنا٧ً) الخلاف في قضاعة ، ولكن هذا هو الصحيح عند ابن إسحاق(٨) وغيره . والله أعلم .
وأما قُنُص : فيقال : إنهم هلكوا ولم يبقَ لهم بقيةٌ ، إلا أن النعمان بن المنذر الذي كان نائباً لكسرى
على الحيرة كان من سُلالته على قول طائفة من السلف (٩) . وقيل بل كان من حمير ، كما تقدم. والله أعلم.
وأما نزار: فولد لهم ربيعة ومضر وأنمار. قال ابن هشام: وإياد بن نزار كما قال الشاعر(١٠): [من الرمل]
وفُتُوٌّ حَسَنٌ أَوْجُهُهُم مِن إيادِ بنِ نزار بن مَعَدّ
(١) في ط : أصول أنساب عرب الحجاز .
(٢) قوله: وآخر يقال له، زيادة من ط، توافق نص السهيلي (١٨/١)، وكذلك بقية الزيادات التالية في هذا النص.
(٣) كذا في ط . ومثله في الروض الأنف . ونص أ، وب : وقيل إن عدن وأبين اللذين باليمن اللذين تنتسب إليهما هذان
اللذان كانا ابنين لمعد بن عدنان . تاريخ الطبري ( ٢/ ٢٧٠).
(٤) السيرة (٨/١).
(٥)
انظر الروض الأنف (١٨/١).
(٦)
السيرة (٩/١)، والروض (٢٠/١).
(٧)
في فصل ( ذكر أخبار العرب ) من هذا الجزء .
(٨)
السيرة (١٠/١).
(٩) السيرة (١/ ١١).
(١٠) نسب ابن هشام البيت إلى الحارس بن دوس الإيادي، وقال: ويروى لأبي داود الإيادي. السيرة (٧٤/١).
والروض الأنف ( ١/ ٩٧ ) .

٤٧٦
أصول أنساب قبائل عرب الحجاز إلى عدنان
قال : وإياد ومضر شقيقان ، وأمهما : سَوْدة بنت عكّ بن عدنان . وربيعة وأنمار شقيقان ، أمهما
شُقيقة، ويقال١) : جُمعة بنتُ عك بن عدنان .
قال ابن إسحاق(٢): فأما أنمار فهو والد خَثْعَم، وبَجِيلة، قبيلة جرير بن عبد الله البجلي(٣) . قال
وقد تيامنت فلحقت باليمن . قال ابن هشام : وأهل اليمن يقولون : أنمار بن إراش بن لِحْيان بن عمرو بن
الغوث بن نَبَّت بن مالك بن زيد بن کھلان بن سبأ .
قلت : والحديث المتقدم في ذكر سبأ يدل على هذا . والله أعلم .
قالوا : وكان مضر أول من حَدا ، وذلك لأنه كان حَسَنَ الصوت ، فسقط يوماً عن بعيره ، فَوَثِيَت يده
فجعل يقول : وايدياه وايدياه ، فَأَعْنَقَتِ الإبل لذلك(٤).
قال ابن إسحاق(٥) : فولد مضر بن نزار رجلين : إلياس وعَيلان ، ووُلد لإلياس مُدركة وطابخة
وقَمَعَة ، وأمهم خِنْدف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة .
قال ابن إسحاق : وكان اسم مُدركة عامراً ، واسم طابخة عمراً ، ولكن اصطاد صيداً فبينا هُما
يطبخانه إذ نفرت الإبل ، فذهب عامر في طلبها حتى أدركها ، وجلس الآخر يطبخ ، فلما راحا على أبيهما
ذكرا له ذلك، فقال لعامر: أنت مُدركة، وقال لعمرو: أنت طابخةً) .
قال: وأما قَمعَة فيزعم نُسّاب مُضَر أن خُزاعة من ولد عمرو بن لُحي بن قمعة بن إلياس(٧) . قلت
والأظهر أنه منهم لا والدهم، وأنهم من حمير كما تقد() . والله أعلم .
قال ابن إسحاق : فولد مُدركة : خُزيمة وهذيل ، وأمهما امرأة من قُضاعة . وولد خُزيمة : كنانة
(١) في ط : وأم ربيعة وأنمار شقيقة بنت عك بن عدنان، ويقال ... وفي تاريخ الطبري (٢/ ٢٦٨): أمهما جدالة
بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو ، من جرهم .
(٢) السيرة (١/ ٧٤).
من أعيان الصحابة، بايع النبي وَ لير على النصح لكل مسلم، وكان أميراً نبيلاً . بديع الحسن كامل الجمال. توفي
(٣)
سنة (٥١هـ) وقيل (٥٤هـ). ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٣٠).
(٤) وثيت: انكسرت. وأعنقت الإبل: أسرعت. والخبر في: الأوائل لابن قتيبة (٤٢ - ٤٣) ( تح. محمد بدر الدين
القهوجي ، بإشراف محمود الأرناؤوط - طبع دار ابن كثير - ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧م). والروض الأنف (١/ ١٠)،
والأوائل للحنبلي ص (١١٩) (ط. دار الإيمان - دمشق - ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م).
(٥)
السيرة : ( ١ /٧٥) .
(٦)
النص عن السيرة (٧٥/١)، مع اختلاف وتصرف به. وانظر تاريخ الطبري (٢٦٧/٢).
(٧)
في خبر خزاعة وعمرو بن لحي من هذا الجزء .
السيرة (١/ ٩٢ ).
(٨)

٤٧٧
الكلام على قريش نسباً واشتقاقاً وفضلاً
وأسداً وأَسَدَة والهون. وزاد أبو جعفر الطبري(١) في أبناء كنانة على هؤلاء الأربعة: عامراً، والحارث ،
والنضير ، وغنماً ، وسعداً ، وعوفاً ، وجرولًا ، والحدال ، وغزوان .
قال وولد كنانة النضر ومالكاً وعبد مناة ومِلْكالُ(٢) .
-
الكلام على(٣) قريش نسباً واشتقاقاً وفضلاً وهم بنو النضر بن كنانة
قال ابن إسحاق(٤): وأم النَّضر بَرَّةُ بنت مرّ بن أد بن طابخة، وسائر(٥) بنيه لامرأة أخرى . وخالفه
ابن هشام فجعل برَّة بنت مرّ أم النضر ومالك ومِلكان . وأم عبد مناة هالة بنت سُويد بن الغطريف من أزد
شَنُوءة . قال ابن هشام : النضر هو قُريش ، فمن كان من ولده فهو قرشي ، ومن لم يكن من ولده فليس
بقرشي . قال : ويقال : فهر بن مالك هو قريش ، فمن كان من ولده فهو قرشي ، ومن لم يكن من ولده
فليس بقرشي . وهذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة٦) النسب كالشيخ أبي عمر بن عبد البر ،
والزبير بن بكار ومصعب ، وغير واحد(٧) .
قال أبو عُبيد ، وابن عبد البر : والذي عليه الأكثرون أنه النضر بن كنانة ، لحديث الأشعث بن قيس.
قلت : وهو الذي نصّ عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وأبو عبيدة معمر بن المثنى ، وهو
جادة مذهب الشافعي رضي الله عنه .
ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك ، واحتج بأنه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا وهو يرجع
في نسبه إلى فهر بن مالك . ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير بن بكّار ومصعب الزبيري وعلي بن
كيسان ، قال : وإليهم المرجع في هذا الشان . وقد قال الزبير بن بكار : وقد أجمع نُشَّاب قريش
[ وغيرهم أن قريشاً إنما تفرقت من فهر بن مالك، والذي عليه من أدركت من نُسّاب قريش (1) أن ولد
(١) فيما نقله ابن كثير عن الطبري هنا لبسٍ. ونص الطبري (٢/ ٢٦٥): واسم النضر : قيس ، وأمه برة بنت مر بن
أد بن طابخة . وإخوته لأبيه وأمه : نُضير ، ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخرمة
وجرول وغزوان وحُدال . وأخوهم من أبيهم عبد مناة ، وأمه فكيهة .
(٢)
السيرة (٩٣/١). وفي الخبر تأخير في نسخة ب .
قوله : الكلام على ليس في ط .
(٣)
السيرة (١/ ٩٣ ) .
(٤)
سائر الشيء بقيته .
(٥)
في ط : أئمة علم .
(٦)
الروض الأنف (١١٥/١ -١١٦).
(٧)
سقطت من ب ، بنقلة عين .
(٨)

٤٧٨
الكلام على قريش نسباً واشتقاقاً وفضلا
فهر بن مالك قريش ، وأن من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش ، ثم نصر هذا القول نَصْراً عزيزاً
وتحامى له ونحوه بأنه أعلمُ(١) بأنساب قومهم وأحفظ لمآثرهم .
وقد روى البخاري(٢) من حديث كليب بن وائل قال: قلت لرَبيبة النبي 18ُّ يعني زينب ، في حديث
ذكره: أخبريني عن النبيِ وَ لَّ ممن كان، من مضر؟ قالت: فممن كان إلا من مضر، كانُ(٣) من بني
النضر بن كنانة .
وقال الطبراني(٤) : حدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ، حدّثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، حدّثنا
الحسن بن صالح، عن أبيه ، عن الجُفْشيش(٥) الكندي قال: جاء قوم من كندة إلى رسول الله وَليل فقالوا:
أنت منا، وادّعوه. فقال: ((لأ٦) نقفوا أمّنا ولا ننتفي من أبينا، نحن ولد(٧) النضر بن كنانة)).
وقال الإمام أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد(٨) حدثنا أبي ، حدثنا الكلبي ، عن أبي صالح ، عن
ابن عباس(٩) قال جاء رجل من كندة يقال له: الجفشيش إلى النبي وَ لّ فقال: يا رسول الله إنا نَزْعم أن
عبد مناف منا ، فأعرض عنه ، ثم عاد فقال مثل ذلك ، ثم أعرض عنه ، ثم عاد فقال مثل ذلك ، فقال
النبي ◌َّهُ: ((نحْنُ بَنو النضر بن كنانة لا نَقْفوا أُمّنا ولا ننتفي من أبينا)). فقال الأشعث: ألا كنتَ سكتَّ
في المرة الأولى فأبطل ذلك من (١٠) قولهم على لسان نبيه مَ ليل. وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه. والكلبي
ضعيف. والله أعلمُ(١).
في ط : له بأنه ونحوه أعلم .
(١)
صحيح البخاري رقم (٣٤٩٢) ، في أول المناقب .
(٢)
(٣)
ليست في ط .
(٤)
في المعجم الصغير (٨١/١).
كذا في ب . وهو موافق لما عند الطبراني . وفي أوط : الجشيش ... وهو خطأ.
(٥)
وجفشيش لقب، واسمه معدان بن أسود، وقيل غير ذلك ترجمته في الإصابة (١/ ٢٤٠) . وفيهم خشيش بن
الأسود النسائي ، وثقه النسائي. توفي سنة ( ٢٥٣ هـ) ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٥٠).
(٦) في ط : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا .
(٧)
في ب . وط : بنو . وقوله : لا نقفوا أمنا : أي لا نتهمها ولا نقذفها. وقيل : لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب
إلى الأمهات . النهاية في غريب الحديث (٤/ ٩٥) . وفي الطبراني : لا ننبوا أمنا.
(٨) ثقة، من الطبقة العاشرة، توفي سنة (٢٤٩ هـ). تقريب التهذيب (٣٠٨/١).
(٩) قال سفيان الثوري : قال لي الكلبي : ما سمعتَه مني عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب . كتاب المجروحين
( ٢٥٤/٢) .
(١٠) في ط : ذلك قولهم . وزاد .
(١١) زاد في ب: والمحفوظ في هذا حديث الأشعث بن قيس، وروي من حديث النبي. والكلبي هو محمد بن السائب
المفسر ، النسابة ، الأخباري ، توفي سنة ( ١٤٠ هـ). المجروحين (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٦).

٤٧٩
الكلام على قريش نسباً واشتقاقاً وفضلا
وقد قال الإمام أحمد : حدّثنا بَهْز وعفّان قالا : حدّثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثني عقيل بن
أبي طلحة . قال عفان : عقيل بن طلحة السلمي ، عن مسلم بن الهَيْضَم ، عن الأشعث بن قيس أنه قال :
أتيتُ رسول الله وَّر في وفد كِندة. قال عفان - لا يَرَوْني أَفْضَلَهم - قال: فقلت: يا رسولَ الله إنّا نزْعُم
أنّكم مِنّا. قال: فقال رسول الله وَ له: ((نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا١) أُمَّنا ولا ننتفي من أبينا)).
قال : فقال الأشعث بن قيس : فوالله لا أسمع أحداً نفى قريشاً من النضر بن كنانة إلا جَلَدْته الحد(٢).
وهكذا رواه ابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة ، به(٣) . وهذا إسناد جيد قوي ، وهو فَيْصل في
هذه المسألة ، فلا التفات إلى قول من خالفه ، والله أعلم ، ولله الحمد والمنة .
وقد قال جرير(٤) بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: [ من الوافر]
فما الأمّ التي وَلَدت قريشاً بِمُفْرِفَة النِّجارِ ولا عَقِيمٍ
وما قَرْمٌ بأنجبَ من أبيكم ولا خالٌ بأكرمَ من تميم
قال ابن هشام : يعني أم النضر بن كنانة ، وهي بَرّة بنت مُرّ أخت تميم بن مر(٥) .
وأما اشتقاق قريش فقيل: من التقَرُّش وهو(٦) التجمُّع بعد التفرُّق، وذلك في زمن قُصي بن كِلاب ،
فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم كما سيأتي بيانه . وقد قال حذافة بن غانم العدوي(٧): [من الطويل ]
أبوكم قُصَيّ كان يُدعى مُجمِّعاً به جمَع اللهُ القبائلَ من فِهْر
وقال بعضهم : كان قُصي يقال له : قريش ، قيل : من التجمّع ، والتقرّش : التجمع كما قال
أبو جِلْدة اليشكري(٨): [ من الخفيف]
(١) في ط : لا نقف .
(٢) مسند أحمد ( ٢١٢/٥) .
(٣) سنن ابن ماجه رقم (٢٦١٢)، في الحدود ، باب من نفى رجلاً من قبيلته، وهو حديث حسن.
(٤) في ديوانه (٢١٩/١)، من قصيدة أولها: [ من الطويل ]
أَلُمْتِ وما رفقْت بأن تلومي
وقلتِ مقالةَ الخَطِلِ الظلومِ
(٥) السيرة: (٩٣/١) .. وديوان جرير (٢١٩/١).
(٦) قوله: التقرّش وهو زيادة من ط. زانظر ما جاء في اشتقاق قريش: السيرة (٩٣/١)، وتاريخ الطبري (٢٦٣/٢ -
٢٦٥)، والروض (١١٥/١).
(٧) أورد ابن إسحاق البيت في السيرة (١٢٦/١). بلا نسبه، ونسبه السهيلي (١٤٨/١٠)، إلى حذافة بن جمح.
وفيهما : قصي لعمري كان يدعى مجمعاً . وهو في تاريخ الطبري (٢٥٦/٢)، ونسبه إلى مطرود وقيل إن قائله
حذافة بن غانم .
(٨) شاعر أموي، كان مولعاً بالشراب. توفي سنة (٨٣هـ). الشعر والشعراء (٧٣٣/٢)، والأعلام للزركلي
(١٣٣/٢). والبيت في السيرة (٩٤/١)، والروض (١١٦/١).

٤٨٠
الكلام على قريش نسباً واشتقاقاً وفضلاً
إخوةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا في حديثٍ من دهرِنا وقَدِيْمٍ
وقيل : سميت ( قريش) من التقرُّش، وهو التكشُّب والتجارة. حكاه ابن هشام رحمه الله(١).
وقال الجوهري : القَرْشُ: الكَسْب والجمعُ، وقد قَرَش يَفْرِش . قال الفرّاء : وبه سُميت قريشٌ ،
وهي قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة ، فكل من كان من ولده فهو قُرَشي دون ولد كنانة، ومن فوقه (٢)
وقيل : من التفتيش . قال هشام بن الكلبي: كان النضر بن كنانة تسَمَّى قُريشاً لأنه كان يقرِش عن خُلَّة
الناس وحاجتهم فيسدُّها بماله ، والتقريش هو التفتيش ، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة
فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم ، فسُمّوا بذلك من فعلهم وقرشهم قريشا٣ً) . وقد قال الحارث بن حِلِّزة في
بيان أن التقرُّش التفتيش : [من الخفيف]
أيُّها الناطقُ المقرَّش عنّا عندَ عمروٍ فهلْ له إبقاء(٤)
حكى ذلك الزبير بن بكار. وقيل: قُرَيش تصغير قرش، وهو دابة في البحر. قال بعض الشعراء:
وقريشٌ هي التي تسكن البح ـرَ بها سُمّيت قريشٌ قريشا
قال البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني (٥) ، حدّثنا
محمد بن الحسن بن الخليل النَّسَويّ(٦) ، أن أبا كُريبٍ حدَّثهم : حدّثنا وكيع بن الجراح ، عن هشام بن
عُروة ، عن أبيه ، عن أبي ركانة العامري ، أن معاوية قال لابن عباس : فلم سُمِّيت قريش قريشاً ؟ فقال
لدابة تكون في البحر ، تكون أعظم دوابه فيقال لها : القرش ، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته .
قال : فأنشِدْني في ذلك شيئاً ، فأنشده شعرَ الجُمحي إذ يقول : [من الخفيف]
ـرَ بها سُمّيتْ قريشٌ قريشا
وقريشٌ هي التي تسكنُ البحـ
تتركن لذي الجناحين رِيشا
تأكلُ الغثَّ والسَّمينَ ولا
يأكلون البلادَ أكلاً كميش(٧)
هكذا في البلادِ حيّ قريش
(١) السيرة (٩٤/١).
الصحاح (١٠١٦/٣) (قرش) . والنص في أوب ، دون من كان من كنانة فمن فوقه . وأثبت ما في ط . وهو
(٢)
موافق لما في الصحاح .
(٣)
تاريخ الطبري (٢٦٤/٢) .
من معلقته . ويروى : المرقش . ولا شاهد فيه . شرح القصائد السبع للأنباري ( ٤٥٣).
(٤)
الماليني : نسبة إلى مالين، قرى مجتمعة من أعمال هراة في بلاد فارس. اللباب (١٥٥/٣).
(٥)
(٦)
النسوي : نسبة إلى نسا ، إحدى مدن فارس .
(٧) الأكل الكميش : السريع المغني .