Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
ذكر أخبار العرب
ذكر أخبار العرب
(١) قيل : إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام والتحية والإكرام .
والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل ، وقد قدّمنا أن العرب العاربة منهم عاد وثمود وطَسَم
وجَديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله، كانوا قبل الخليل عليه الصلاة
والسلام ، وفي زمنه أيضاً . فأما العرب المستعربة ، وهم عرب الحجاز ، فمن ذرّية إسماعيل بن
إبراهيم(٢) عليهما السلام . وأما عرب اليمن ، وهم حِمْيَر ، فالمشهور أنهم من قحطان ، واسمه مهزم ،
قاله ابن ماكولا(٣)، وذكروا أنهم كانوا أربعة إخوة : قحطان، وقاحط ، ومقحط ، وفالغ (٤) . وقحطان بن
هودُ(٥) . وقيل: هو هُود. وقيل: هود(٦) أخوه . وقيل: من ذريته . وقيل : إن قحطان من سلالة
إسماعيل ، حكاه ابن إسحاق(٧) وغيره . فقال بعضهم : هو قحطان بن [ الهميسع بن تيمن بن قيذر بن
نبت (٨) بن إسماعيل . وقيل غير ذلك في نسبه إلى إسماعيل. والله أعلم .
[ وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) على ذلك فقال: ( باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه
السلام) (٩) حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا يحيى، عن يزيد بن أبي عبيد، حدّثنا سَلَمة رضي الله عنه قال: خَرَج
رسول الله وَلفر على قوم من أسلم يتناضَلُون بالسوقُ(١٠) فقال: ((ارموا بني إسماعيل وأنا مع بني فلان))
- لأحد الفريقين - فأمسكوا بأيديهم، فقال: (( مالكم)( ١١) قالوا : وكيف نرمي وأنت مع بني فلان .
فقال : (( ارموا وأنا معكم كلّكم)) .
انفرد به البخاري(١٢). وفي بعض ألفاظه: (( ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً ، ارموا وأنا مع
ابن الأدرع)). فأمسك القوم فقال: (( ارموا وأنا معكم كلكم )) .
(١) في ب : كتاب أخبار العرب .
(٢) سقطت من ب .
(٣) ونقله أيضاً السهيلي في الروض الأنف (١٩/١).
(٤)
زاد في د : ويقال .
(٥) انظر نسب قحطان في: نسب معد (١٣١/١)، وجمهرة النسب لابن حزم ( ٧ -٨).
(٦)
ليست في ب .
(٧) السيرة (٥/١).
(٨) سقطت من ط .
(٩) سقط من ب بنقلة عين .
(١٠) كذا في البخاري ، وب ، وفي أوط: بالسيوف.
(١١) في البخاري، وب : مالهم .
(١٢) صحيح البخاري رقم (٣٥٠٧)، في المناقب .

٤٠٢
ذكر أخبار العرب
قال البخاري : وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة ، يعني وخزاعة فرقة ممن كان
تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم ، كما سيأتي بيانه ، وكانت الأوس والخزرج منهم ،
وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام: ((ارموا بني إسماعيل)(١) فدلّ على أنهم من سلالته ، وتأوله آخرون
على أن المراد بذلك جنس العرب ، لكنه تأويل بعيد ، إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل . لكن الجمهور على
أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل ، وعندهم أن جميع العرب
ينقسمون إلى قسمين : قحطانية وعدنانية ، فالقحطانية شعبان : سبأ وحضرموت ، والعدنانية شعبان
أيضاً : ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان ، والشعب الخامس وهم قضاعة (٢) مختلف فيهم ، فقيل :
إنهم عدنانيون . قال ابن عبد البر : وعليه الأكثرون ، ويروى هذا عن ابن عباس وابن عُمر وجبير بن
مطعم ، وهو اختيار الزبير بن بكار ، وعمه مصعب الزبيري ، وابن هشام . وقد ورد في حديث قضاعة بن
معدّ ، ولكنه لا يصح . قاله ابن عبد البر وغيره (٣) . ويقال : إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من
الإسلام ينتسبون إلى عدنان ، فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن (٤) معاوية ، وكانوا أخواله ، انتسبوا إلى
قحطان ، فقال في ذلك أعشى بني (٥) ثعلبة في قصيدة له: [من البسيط ]
لولا خلائفُ آلِ الله ما عُتقوا
أبلغْ قضاعةَ في القِرطاس أنهمُ
واللهُ يعلم ما برّوا وما صَدقوا
قالت قضاعةُ : إنا من ذوي یمنٍ
قد يعلمون ولكنْ ذلكَ الفَرَق
قِد ادّعوا والداً ما نالَ أمَّهِمُ
وقد ذكر أبو عمرو السهيلي(٦) أيضاً من شعر العرب ما فيه إقذاع في تغيير(٧) قضاعة في انتسابهم إلى
اليمن ، والله أعلم .
(١) أورده ابن حجر في شرح الحديث السابق.
(٢) نسب معد (٥٥١/٢)، وجمهرة النسب لابن حزم (٨). والإنباه على قبائل الرواه، لابن عبد البر (٣١).
(٣)
ليست في ب .
(٤) قوله: يزيد بن. زيادة من ب وط. وخالد هذا أحد العلماء الحكماء ، اشتغل بالطب والكيمياء والنجوم.
واختلفوا في سنة وفاته . فقيل سنة ( ٨٥هـ) وقيل (٩٠هـ). وفيات الأعيان (٢٢٤/٢)، والأعلام
(٣٠٠/٢) .
(٥) في أوط : بن . وهو ميمون بن قيس ، الشاعر الجاهلي المشهور . من قبيلة قيس بن ثعلبة ، يقال له : أعشى
قيس ، وأعشى بني ثعلبة ، والأعشى الكبير .
والأبيات القادمة ليست في ديوانه المطبوع بتحقيق الدكتور محمد محمد حسين .
(٦) الروض الأنف (٢٣/١ - ٢٤).
(٧) كذا في ب ، وهو الصواب يؤيده ما جاء في الروض من أشعار . وفي أ: إبداع. وفي ط : إبداع في تفسير .

٤٠٣
ذكر أخبار العرب
والقول الثاني: أنهم من قحطان ، وهو قول ابن إسحاق(١)، والكلبي (٢)، وطائفة من أهل النسب.
قال ابن إسحاق : وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وقد قال
بعض شعرائهم ، وهو عمرو بن مرة ، صحابي(٣) له حديثان: [ من الرجز ]
وكنْ قُضاعياً ولا تُنَزِّرِ
يا أيُّها الداعي ادعُنا وأَبشرٍ
نحنُ بنو الشيخ الهجانِ الأزهر قضاعةَ بنِ مالكِ بنِ حِمْيَرٍ
النسب المعروف غير المنكر
قال بعض أهل النسب : هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرَّة بن زيد بن حمير . وقال ابن لَهِيْعَة ، عن
معروف بن سويد ، عن أبي عشابة محمد بن موسى(٥) ، عن عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله أما
نحن من معد؟ قال: ((لا)). قلت: فمن نحن؟ قال: ((أنتم قضاعة بن مالك بن حِمير)).
قال أبو عمر بن عبد البر : ولا يختلفون أن جُهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن الحاف بن
قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجُهني(٦) . فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ ، وقد جمع بعضهم
بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير
فولدت له قضاعة ، ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير ، وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى
زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه . والله أعلم .
وقال محمد بن سَلاَّم البصري النسابة : العرب ثلاثة جراثيم : العدنانية ، والقحطانية ، وقضاعة .
قيل له : فأيهما أكثر ، العدنانية أو القحطانية ؟ فقال : ما شاءت قضاعة إن تيامنت فالقحطانية أكثر ، وإن
تعددت (٧) فالعدنانية أكثر، وهذا يدل على أنهم يتلوَّمون في نسبهم ، فإن صحّ حديثُ ابن لهيعة
(١) السيرة (١٠/١).
(٢) نسب معد (٢/ ٥٥١).
ترجمته في الإصابة (١٥/٣)، رقم (٥٩٦١). وأورد له البيتين الثالث والرابع ( نحن بنو الشيخ .. ) والخبر
(٣)
أورده السهيلي في الروض الأنف (٢٣/١)، وأورد الأبيات الأربعة الأولى ، ونقل عن الزبير قوله : الشعر
لأفلح بن اليعبوب . تهذيب السيرة لابن هشام (١/ ١١).
زاد في ط بيتاً سادساً ، وهو : في الحجر المنقوش تحت المنبر، وهو في السيرة : (١/ ١١).
(٤)
(٥) كذا في أوط. وفي ب : عن أبي عُشَّانة حَي بن يُؤْمن، ولعله الأشبه بالصواب . فلم أقف على ترجمة لأبي
عشابة . وحي بن يومن ، من رجال الطبقة الثالثة، توفي سنة (١١٨ هـ). تقريب التهذيب (٢٠٨/١).
والخبر أورده السهيلي في الروض (٢٣/١) دون سنده.
(٦) الإنباه على قبائل الرواه (٣٢).
(٧) كذا في ب . وهو الصواب . وفي أوط : تعددنت .

٤٠٤
ذكر أخبار العرب
المقدَُّ(١) فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم .
وقد قال الله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَفْشَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُرْ عِنْدَ اللَّهِ
ج
أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال علماء النسب: يقال: شعوب، ثمّ قبائل، ثمّ عمائر، ثمّ بطون ، ثمّ
أفخاذ ، ثمّ فصائل، ثمّ عشائر، والعشيرة ٢) أقرب الناس إلى الرجل(٣) وليس بعدها شيء.
ولنبدأ أولاً بذكر القحطانية ، ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية
ليكون ذلك متّصلاً بسيرة رسول الله وَ له إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
وقد قال البخاري : ( باب ذكر قحطان (٤) حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدّثنا سليمان بن بلال ،
عن ثور بن زيد، عن أبي الغَيْث(٥)، عن أبي هريرة عن النبي ◌َ ◌ّامٍ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتّى يخرجَ رجلٌ
من قحطان يَسوقُ الناس بعصاه )) .
وكذا رواه مسلم ، عن قتيبة ، عن الدَّرَاوَرْدِي ، عن ثور بن زيد ، به (٦) .
قال السهيلي(٧): وقحطان أول من قيل له : أبيت اللعن ، وأول من قيل له : أنعم صباحاً.
وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا أبو المغيرة، عن حَريز(٩) حدّثني راشد بن سعد المَقْرَائِيُ(١٠) ، عن
أبي حَيُ(١١)، عن ذي مِخْبَر(١٢)، أن رسول الله وَ ل قال: ((كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم
(١)
في ب : المتقدم .
(٢)
في ط : فالعشيرة .
(٣)
سبائك الذهب ( ص ٧ ) .
صحيح البخاري (٦/ ٥٤٥)، رقم (٣٥١٧)، في المناقب .
(٤)
(٥)
في ط . المغيث . وهو خطأ.
صحيح مسلم رقم ( ٢٩١٠) ، في الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان
(٦)
الميت من البلاء .
الروض الأنف ( ١٩/١ ).
(٧)
المسند ( ٤ / ٩١ ).
(٨)
في ط : جرير، وهو تصحيف . وحريز هو ابن عثمان الرَّحَبي الحمصي ، توفي سنة ثلاث وستين ومئة . تقريب
(٩)
التهذيب ( ١٥٩/١) .
(١٠) المقرائي، فتح الميم وسكون القاف. كذا ضبطه ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٢٤٠). وضبطت بضم
الميم، ضبط قلم في ب . وكذلك بضمها في ( اللباب )، وقال : نسبة إلى قرية بالشام . أقول : ومُقرى كَحُبلى :
قرية على مرحلة من صنعاء .
(١١) هو شداد بن حي. تقريب التهذيب (٣٤٧/١).
(١٢) كذا في ب، ومسند أحمد: مخمر . وفي أوط : فجر. قال في التقريب :
ذو مِخْبَر ، بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الموحدة ، وقيل : بدلها ميم ، الحبشي ، صحابي ، نزل الشام ، =

٤٠٥
ذكر أخبار العرب
فجعله في قريش)) . ( وس يع ودال ي ٥ م). قال عبد الله كان هذه١) في كتاب أبي [ مقطع }(٢) وحيث
حدّثنا به تكلم به على الاستواء ، يعني: (( وسيعود إليهم)).
٠٠٠
-
وهو ابن أخي النجاشي (٢٣٩/١).
(١) في ب: هكذا كان في .. وفي المسند : وكذا كان في .
(٢) زيادة من المسند .

٤٠٦
قصة سبأ
قِصّة سَبَأ
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍفِ مَسْكَيْهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهِّ بَلْدَةٌ
طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ (3) فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَنْلٍ وَشَىْءٍ مِن سِدْرٍ
قَلِيلٍ ﴿﴿َ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّ الْكَفُورَ () وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا فُرَى ظَهِرَةً
◌َ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ
١٨
وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرٌّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًاَ ءَامِنِينَ
وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [ سبأ: ١٥ - ١٩].
قال علماء النسب ، منهم محمد بن إسحاق (١) : اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن
قحطان . قالوا : وكان أول من سبى في (٢) العرب فسُمّي سبأ لذلك(٣)، وكان يقال [ له : الرائش لأنه كان
يُعطي الناس الأموالَ من متاعه . قال السهيلي: ويقال ]٤) إنه أول من تَتَوَّجُ(٥) . وذكر بعضهم أنه كان
مسلماً، وكان له شعر بشَّرَ فيه بقدومُ(٦) رسول الله وَل، فمن ذلك قوله(٧): [من الوافر ]
نبيٌّ لا يرخِّص في الحرامِ
سَيَملِكُ بعدَنا مُلْكاً عظيماً
ويملِك بعدَه مِنهم ملوكٌ
ويملِك بعدَهم منا ملوكٌ
يدينون العبادَ بغيرِ ذام
يَصِيْرِ الملكُ فينا باقتسام
تقيّ جَبِينِه خيرُ الأنام
ويملك بعدَ قحطانٍ نبيٌّ
يُسمى أحمداً يا ليتَ أني
فأعضدُه وأحبُوه بنصري
أُعمّر بعدَ مبعثِه بعام
بكلّ مدجّج وبكلّ رام
ومَنْ يلقاهُ يُبلغْه سلامي
متى يظهرْ فكونوا نَاصِرِيه
(١) السيرة (١٠/١).
(٢)
في ط : من .
مروج الذهب (٧١/٢)، والبدء والتاريخ (١٣١/٣). ونهاية الأرب للنويري (٢٩١/١٥). وقال السهيلي في
(٣)
الروض (١٩/١): ولست من هذا الاشتقاق على يقين، لأن سبأ مهموز، والسبي غير مهموز.
(٤) سقطت العبارة من ب بنقلة عين. والذي في نهاية الأرب للنويري (٢٩٢/١٥): أن الذي لقب بالرائش هو
الحارث بن شداد .
. (٥)
الروض الأنف ( ١٩/١).
كذا في ب ، وهو اللفظ الأنسب . وفي أوط : بوجود .
(٧) أورد النويري في نهاية الأرب (٢٩٢/١٥) بيتين .
(٦)
وواضح أن هذه الأبيات مصنوعة منحولة ، وقد تكررت فيها الضرائر الشعرية .

٤٠٧
قصة سبأ
حكاه ابن دحية (١) في كتابه (( التنوير في مولد البشير النذير)).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا أبو عبد الرحمن ، حدّثنا ابن لَهِيْعة ، عن عبد الله بن هُبيرة عن
عبد الرحمن (٢) بن وعلة، سمعت عبد الله بن عباس يقول: إن رجلاً سأل النبي ◌ِّر عن سبأ: ما هو
أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال: (( بل هو رجل ولد (٣) عشرة ، فسكن اليمن منهم ستة ، وبالشام منهم
أربعة . فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير . وأما الشامية فلخم وجذام
وعاملة وغسان)(٤). وقد ذكرنا في ((التفسير (٥) أن فروة بن مُسَيك الغطيفي هو السائل عن ذلك ، كما
استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك . ولله الحمد .
والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلّها وقد كان فيهم التبابعة (٦) بأرض اليمن ، واحدهم تُبَع .
وكان لملوكهم تيجان يلبَسُونها وقت الحكم ، كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك ، وكانت
العرب تسمي كلّ من ملك اليمن مع(٧) الشحر وحضرموت تُتَّعاً ، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة
قيصر ، ومن ملك الفرس كسرى ، ومن ملك مصر كافرا٨ً) فرعون ، ومن ملك الحبشة النجاشي ، ومن
ملك الهند بَطْلَيْمُوس . وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس . وقد قدَّمْنا قصتها مع سليمان
عليه السلام ، وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارّة وثمار وزروع كثيرة ، وكانوا مع ذلك على الاستقامة
والسداد وطريق الرشاد ، فلما بدَّلوا نعمة الله كفراً أحلُّوا قومهم دار البوار .
قال محمد بن إسحاق ، عن وهب بن منبه : أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبي٩ً) . وزعم الشُّدِّي أنه
أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي . فالله أعلم .
والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال ، وسجدوا للشمس من دون الله ، وكان ذلك في
زمان بلقيس وقبلها أيضاً ، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى :
﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿ ذَلِكَ
جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [ سبأ: ١٦ -١٧].
(١) هو عمر بن الحسن بن علي ، ابن دحية الكلبي ، أديب مؤرخ مغربي ، أقام بمصر وتوفي فيها سنة ( ٦٣٣هـ).
الأعلام ( ٤٤/٥) ومصادر ترجمته ثمة .
(٢) قوله : ابن هبيرة عن عبد الرحمن ، زيادة من ب ومسند أحمد .
(٣)
زاد في ب : له .
(٤)
مسند أحمد (٣١٦/١) .
تفسير المؤلف ( ٥٣١/٣)، وكذلك ذكره الطبري في تفسيره (٢٢/ ٥٣).
(٥)
(٦)
زاد في ب : وهم ملوك حمير .
اليمن مع سقطت من ب .
(٧)
(٨) سقطت من ط .
(٩) وأورده الطبري في تفسيره (٥٤/٢٢).

٤٠٨
قصة سبأ
ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين(١) وغيرهم أن سدَّ مأرب كان صنعته أن المياه
تجري من بين جبلين ، فعمدوا في قديم الزمان فسدّوا ما بينهما ببناء محكم جداً حتى ارتفع الماء فحكم
على أعالي الجبلين ، وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة ، وزرعوا الزروع الكثيرة .
ويقال : كان أول من بناه سبأ بن يعرب ، وسلّط إليه سبعين وادياً يفد إليه ، وجعل له ثلاثين فرضة يخرج
منها الماء ، ومات ولم يكمل بناؤه ، فكمَّلته حمير بعده ، وكان اتِّساعه فرسخاً في فرسخ ، وكانوا في
غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة ، حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها
فتمتلىء من الثمار م(٢) يتساقط فيه من نضجه وكثرته ، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث
ولا الدواب المؤذية لصحّة هوائهم، وطيب فنائهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِِ مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ
جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهِّ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [ سبأ: ١٥]. وكما قال تعالى:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: ٧] . فلما عبدوا غيرَ
الله وبطروا نعمته وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وأمْن الطرقات سألوا أن
يباعد بين أسفارهم ، وأن يكون سفرهم في مشاقِّ وتعب، وطلبوا أن يبدِّلوا بالخير شرا٣ً) ، كما سأل بنو
إسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقِثَّاء والفوم والعدس والبصل ، فسلبوا تلك النعمة العظيمة
والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد كما قال تعالى: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
اُلْعَرِمِ ﴾ .
قال غير واحد(٤) : أرسل الله على أصل السّدِّ الفار، وهو الجرذ، ويقال الخُلْد ، فلما فطِنوا لذلك
أرصدوا عندهم السنانير فلم تغن شيئاً إذ قد حُمَّ القدر ولم ينفع الحذر ﴿ كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] فلما
تحكّم في أصله الفساد سقط وانهار ، فسلك الماء القرار وتقطعت(٥) تلك الجداول والأنهار ، وانقطعت
تلك الثمار ومادت(٦) تلك الزروع والأشجار، وتبدَّلوا بعدها برديء الأشجار والأثمار كما قال العزيز
الجبَّار ﴿ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنَّنَّهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَثْلٍ ﴾ [ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : هو
الأراك، وثمره البرير، وأثل (٧): وهو الطرفاء(٨). وقيل: يشبهه وهو حطب لا ثمر له: ﴿وَشَىْءٍ مِّن
(١) تفسير الطبري (٥٥/٢٢).
(٢) في ب : بما .
(٣) في ب: الشر. وفي أ: كما سألوا بنو ... وهي لغة رديئة.
(٤)
تفسير الطبري ( ٥٦/٢٢) .
(٥)
في ط : فقطعت .
(٦)
في ب : وبادت .
(٧) سقطت العبارة من ب بنقلة عين. وقد أورد الطبري في تفسيره (٢٢/ ٥٦) مجمل الآراء في تفسير الآية .
(٨) المصدر السابق ، عن ابن عباس وقتادة .

٤٠٩
قصة سبأ
سِذْرٍ قَلِيلٍ ﴾ وذلك لأنه لما كان يثمر النَّبق كان قليلاً مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه كما يقال في
المثل : لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيُرتقى ولا سمين فينتقى (١) . ولهذا قال تعالى :
﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذّب
رسلَنا وخالف أمرنا وانتهك محارمنا .
وقال تعالى: ﴿ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَدِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم
احتاجوا أن يرتحلوا منها وينتقلوا عنها ، فتفرَّقوا في غَور البلاد ونجدها أيدي سبأ شَذَر مَذَر ، فنزلت
طوائف منهم الحجاز ؛ ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة ، وكان من أمرهم ما سنذكره . . ومنهم الأوس
والخزرج ، نزلوا بيثرب وهي(٢) المدينة النبوية(٣) اليوم ، فكانوا أول من سكنها ، ثم نزلت عندهم ثلاث
قبائل من اليهود : بنو قينقاع ، وبنو قريظة ، وبنو النضير ، فحالفوا الأوس والخزرج ، وأقاموا عندهم ،
وكان من أمرهم ما سنذكره . ونزلت طائفة أخرى منهم الشام ، وهم الذين تنصّروا فيما بعد ، وهم غسان
وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم ، وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين
رضي الله عنهما .
قال محمد بن إسحاق(٤) : حدّثني أبو عبيدة قال : قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة ، وهو ميمون بن
قيس (٥) . [ من المتقارب ]
ومأربُ عَفَّى عليها العَرِمْ؟)
وفي ذاكَ للمؤْتَسي أُسْوةٌ
إذا جاءَ موَّارُه لم ير(٢)
رُخام بَنَّتْه لهم حِميرٌ
على سَعَةٍ ماؤُهم إذ قَسَم
فأَروى الزّروع وأعنَابها
ن على شُربِ طفلٍ إذا ما فُطِمُ(٨)
فصاروا أيادي لا يقدرو
(١) هو جزء من حديث أم زرع الطويل، رواه البخاري رقم (٥١٨٩) ومسلم رقم (٢٤٤٨) وقد شرحه شرحاً مطولاً في
رسالة القاضي عياض .
قوله : الأوس و .. إلى هنا ، زيادة من ب .
(٢)
(٣)
في ط : المنورة .
السيرة (١٤/١). وفيه: قال أعشى بني قيس بن ثعلبة .. وهذا هو الصحيح الأعلى.
٠
ديوانه ( ص ٩٣ ) من القصيدة الرابعة ، ومطلعها : [ من المتقارب ]
(٤)
أتهجر غائبة أم يُلمْ أم الحيلُ واهٍ بها مُنجذِمْ
(٥)
وقالها يمدح قيس بن معد يكرب .
في ط . ومأرم وهو سهو . وفي الديوان: قفَّى .
(٦)
في الديوان : إذا جاءه ماؤهم لم يرِم .
(٧)
في ب : لا يقدرون منه على شرب طفل إذا ما فطم ، وعليه يختل الوزن . وأثبت ما في ط . وفي أ . سقطت لفظة=
(٨)

٤١٠
قصة سبأ
وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب ((السيرة (١) أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن
عامر اللخمي ، ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن أزد٢) بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن
يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ . ويقال : لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ ، قاله ابن هشامٌ(٣) . قال
ابن إسحاق(٤) : وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدّثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذاً يحفر في سدٍّ
مأرب الذي كان يحبس عنهمُ(٥) الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أن لا بقاء(٦) للسدِّ على
ذلك ، فاعتزم على النُّقلة عن اليمن ، وكاد قومه ، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له (٧) ولطمه أن يقوم إليه
فيلطمه ، ففعل ابنه ما أُمِر(٨) به . فقال عمرو: لا أقيم ببلد لَطَم وجهي فيه أصغرُ ولدي . وعرض
ماله(٩) . فقال أشرافٌ مِن أشراف اليمن : اغتنموا غضبة عمرو ، فاشتروا منه أمواله ، وانتقل في ولده
وولد ولده . وقالت الأزد : لا نتخلّف عن عمرو بن عامر ، فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا
بلاد عكٍّ مجتازين يرتادون البلدان١٠) فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالاً. ففي ذلك يقول(١١)
عباس بن مرداس : [ من الطويل ]
وعكّ بن عدنانَ الَّذين تلعبوا بغسّانَ حتى طُرِّدوا كلَّ مَطْردٍ
قال : فارتحلوا عنهم ، فتفرَّقوا في البلاء(١٢) فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ، ونزل الأوس
والخزرج يثرب ، ونزلت خزاعة مَرّ(١٣) ، ونزلت أزد السراة السراة ، ونزلت أزد عُمان عُمان ، ثم أرسل
الله تعالى على السدّ السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات .
( إذا ما ) وفي الديوان: [ من المتقارب ]
=
فطاروا سراعاً وما يقدرو ن منه لشرب صبي فطم
(١) (١٣/١).
في ط : أزد. جــ
(٢)
السيرة (١/ ١٢).
(٣)
السيرة (١٣/١).
(٤)
(٥)
في ط : عليهم .
في ط : أنه لا بقاء .
(٦)
في ط : عليه .
(٧)
في ب وط : أمره .
(٨)
في ط : أمواله .
(٩)
(١٠) زيادة من ط .
(١١) في ط: قال. والبيت في السيرة (٩/١) والروض الأنف (٢٠/١).
(١٢) في ب : في البلدان . وكذا في السيرة .
(١٣) مَرّ : موضع على خمسة أميال من مكة . معجم البلدان .

٤١١
قصة سبأ
وقد رُوي عن السُّدِّي قريب من هذا . وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهناً .
وقال غيره : كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة ، فأخبرت بقرب هلاك بلادهم وكأنهم رأوا
شاهد ذلك في الفأر الذي سلَّط على سدِّهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم . وقد ذكرتُ قصته مطولة عن عكرمة
فيما رواه ابن أبي حاتم في ((التفسير (١).
فصل
وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أُصيبوا بسيل العرم ، بل أقام أكثرهم بها ، وذهب أهل مأرب
الذين كان لهم السدُّ فتفرَّقوا في البلاد ، وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبألم
يخرجوا من اليمن ، بل إنما تشاءم منها أربعة ، وبقي باليمن ستة وهم: مذحج وكندة والأز(٢) وأنمار
والأشعريون - وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة - وحمير فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن واستمر فيهم
الملك والتبابعة حتى سلبهم(٣) ذلك ملك الحبشة بالجيش الذي بعثه صحبة أميريه أبرهة وأرياط نحواً من
سبعين سنة ، ثم استرجعه سيف بن ذي يزن الحميري وكان ذلك قبل مولد رسول الله وَلقول بقليل، كما
سنذكره مفصّلاً قريباً إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان .
ثم بعث(٤) رسول الله وَّه إلى أهل اليمن عليّاً وخالد بن الوليد، ثم أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن
جبل ، وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبيِّنون لهم الحجج ثم(٥) تغلّب على اليمن الأسود العنسي، وأخرج
نوَّاب رسول الله وَّهِ منها، فلما قُتِل الأسود استقرت اليد الإسلامية عليها في أيام أبي بكر الصديق رضي
الله عنه ، كما سنبين ذلك بعد البعثة إن شاء الله تعالى .
تفسير ابن كثير ( ٥٣٣/٣ ).
(١)
(٢) زيادة من ب، وتفسير المؤلف (٥٣١/٣) لأن أنماراً هو أبو خثعم وبجيلة. جمهرة ابن حزم (٤٨٤)، وعلى
ما ورد في المتن يكون عدد القبائل خمسة لا ستة .
زاد في ب : بعد .
(٣)
في ط : أرسل .
(٤)
(٥) في ب : حتى .

٤١٢
قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر
قِصّة رَبيعة بن نصر بن أبي حَارثة بن عمرو بن عَامِر
المتقدِّم ذِكره اللخمي، كذا ذكره ابن إسحاق(١). وقال السهيلي (٢). ونسَابُ اليمن تقول : نصر بن
ربيعة، وهو ربيعة (٣) بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم(٤) . وقال الزبير بن بكار : ربيعة بن نصر بن
مالك (٥) بن شَعوذ بن مالك بن عُجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ، ولخم أخو جذام ، وسمي لخماً لأنه
لَخَم أخاه(٦) على خدِّه، أي: لطمه، فعضّه الآخر في يده فَجَذَمها، فَسُمّي ◌ُذام٧ً) . وكان ربيعة أحد
ملوك حمير التبابعة ، وخبره مع شِق وسَطيح الكاهنين، وإنذارهما بوجود رسول الله وَله.
أما سَطيح : فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسال(٨) .
وأما شق فهو ابن صعب(٩) بن يشكر بن رُهْم بن أَفْرَك بن قسر(١٠) بن عبقر بن أنمار بن نزار ، ومنهم
من يقول : أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ .
ويقال : إن سطيحاً كان لا أعضاء له ، وإنما كان مثل السطيحة ، ووجهه في صدره وكان إذا غضب
انتفخ وجلس .
وكان شِق نصفَ إنسان، ويقال : إن خالد بن عبد الله القسري كان من سلالته (١١). وذكر
(١) السيرة (١٥/١).
(٢) عبارة السهيلي في الروض (٢٦/١ - ٢٧): وبعضهم يقول فيه : نصر بن ربيعة ، وهو في قول نساب اليمن :
ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم .. .
(٣) سقطت من ط .
(٤) كذا في ط . وهو موافق لما في الروض الأنف. وفي أوب : .. الحارث بن ربيعة بن نصر. وهو سهو .
(٥)
ليست في ب .
(٦) في أوب: لطم أخاه . وهو سهو. واللخم: اللطم. وفي ط : لخم أخاه : أي لطمه . وقال ابن دريد في
الاشتقاق (٣٧٦ ): واشتقاق لخم من الغِلظ والجفاء .
(٧) كذا في ط . وهو موافق لما نقله السهيلي عن الزبير. وفي أوب: فعضه الآخر في يده فجذمها وكان ...
كذا نسبه ابن إسحاق . وفيه خلاف عما ذكره ابن الكلبي في نسب معد (١/ ٤٧٧ ) ، وابن دريد في الاشتقاق
(٨)
(٤٨٧) وابن حزم في الجمهرة (٣٧٤).
(٩) كذا في ط. وهو موافق لما في السيرة، وجمهرة ابن حزم (٣٨٨). وفي أوب: أصعب.
(١٠) في ط: قيس ، وهو تحريف.
(١١) في ط : ابن عبد الله بن القسري كان سلالته. وخالد القسري هو أحد خطباء العرب وأجوادهم ، أمير العراقين . قُتل
في أيام الوليد بن يزيد بعد سنة ( ١٢٠ هـ). الأعلام (٢٩٧/٢).

٤١٣
قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر
السهيلي(١) أنهما ولدا في يوم واحد ، وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ، ويقال : إنها
تفلت في فم كلٌّ منهما فورثا٢ً) الكهانة عنها ، وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدِّم ذِكره . والله أعلم .
قال محمد بن إسحاق (٣) : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة ، فرأى رؤيا
هائلة(٤) هالته وفظِع بها°) ، فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا مُنجّماً من أهل مملكته إلا جمعه
إليه ، فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعت بها فأخبروني بها وبتأويلها . فقالوا : اقصُصْها علينا
نخبرك بتأويلها . فقال : إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها لأنه لا يعرف تأويلها إلا مَن
عرفها قبل أن أخبره بها . فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شِق وسَطيح فإنه ليس
أحدٌ أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه . فبعث إليهما ، فقدم إليه سَطيح قبل شِق ، فقال له : إني قد(٦)
رأيت رؤيا هالتني وفظِعت بها ، فأخبِرْني بها ، فإنك إن أصبتَها أصبتَ تأويلَها . فقال: أَفْعَلُ . رأيت
حُمَمة خرجتْ من ظُلُمة(٧) . فوقعت بأرض تهَمة . فأكلت منها كلُّ ذاتِ جُمْجُمة . فقال له الملك :
ما أخطأتَ منها شيئاً يا سطيح ، فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرّتين من حَنَش لتهبطنّ
أرضَكُم الحَبَش ، فليملكنّ ما بين أَبْيَن إلى جُرَش. فقال له الملك: يا (٨) سطيح إن هذا لنا لَغائظٌ
موجعٌ ، فمتى هو كائن ، أفي زماني أم بعده ؟ فقال: (٩) بل بعده بحين ، أكثر من ستين أو سبعينُ(١٠) ،
يمضين من السنين . قال : أفيدوم ذلك من سلطانهمُ(١١) أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين من
السنين ، ثم يُقتلون ويخرجون منها هاربين . قال : ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه (١٢)
إرم ذي يَزَن ، يخرج عليهم من عَدَن ، فلا يترك منهم أحداً باليمن (١٣) . قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم
(١) الروض الأنف (٢٧/١).
(٢)
في ط : فورث .
السيرة (١/ ١٥).
(٣)
(٤)
ليست في ب .
فظع بالأمر : اشتد عليه . وفي ب : فلم يترك كاهناً .
(٥)
ليست في ب .
(٦)
(٧) الحممة: أراد الفحمة. وقال السهيلي (١/ ٢٨): أي من ظُلْمة، وذلك أن الحممة قطعة من نار ، وخروجها من
ظلمة يشبه خروج عسكر الحبشة من أرض السودان .
(٨)
زاد في ب : وأبيك يا سطيح .
(٩)
زاد في ط : وأبيك .
(١٠) زاد في أ: سنة، ولا يستقيم هذا من السجعة ، والمعنى.
(١١) في ب : ملكهم ، وكذلك في السيرة والروض الأنف.
(١٢) كذا في ب . وهو موافق لما في السيرة . وفي أوط: يليهم .
(١٣) في ب : أحداً منهم باليمن . وهو موافق لما في السيرة والروض الأنف .

٤١٤
قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر
ينقطع ؟ قال : بل ينقطع . قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي ، يأتيه الوحي ، من قبل العلي . قال :
وممن هذا النبي ؟ قال : رجل من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر
الدهر . قال : وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يومٌ(١) يُجمع فيه الأولون والآخرون ، يَسعد فيه
المحسنون ويشقى فيه المسيئون . قال : أحقُّ ما تخبرني ؟ قال : نعم ، والشَّفقِ والغسقِ ، والفلق إذا
اتّسق ، إن ما أنبأتك به لحق .
قال ثمّ قدم عليه شِق، فقال(٢) له كقوله لسطيح ، وكتمه ما قال سطيحٌ لينظر أيتّفقان أم يختلفان .
قال: نعم ، رأيتَ حُمَمة ، خرجت من ظُلمة ، فوقعت بين روضة وأكَمة ، فأكلت منها كلَّ ذاتِ نسمة .
فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا ، وأن قولهما واحدٌ ، إلّا أن سَطيحاً قال : وقعت بأرض تهمة ،
فأكلت منها كل ذات جُمْجُمة . وقال شق : وقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كلّ ذات نسمة . فقال
له الملك : ما أخطأت يا شق منها شيئاً ، فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرتين من
إنسان . لينزلنَّ أرضَكُم السودان، فليغلِيُنَّ على كل طَفْلَةِ البَنان ، وليملكن ما بين أَبْيَن إلى نَجران. فقال له
الملك : وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجعٌ ، فمتى هو كائن ، أفي زماني أم بعده ؟ قال : لا بل بعده
بزمان . ثم يستنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن ، ويذيقهم أشد الهوان . قال : ومن هذا العظيم الشأن ؟ قال :
غلام ليس بدَني ولا مُدَل(٣) يخرج عليهمُ(٤) من بيت ذي يَزَن . قال : أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال :
بل(٥) ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين(٦) أهل الدين والفضل ، يكون الملك في قومه إلى
يوم الفصل . قال : وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يُجزَى فيه الوُلاة ، يدعى فيه من السماء بدعوات ، تسمع
منها الأحياء والأموات ، ويجمع الناس فيه للميقات ، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات . قال : أحقٌّ
ما تقول ؟ قال: إي وربِّ السماء والأرض، وما بينهما من رفْع وخفض، إن ما أنبأتك به لحقٌ(٧) ما فيه
أَمْض .
قال ابن إسحاق : فوقع في نفس(٨) ربيعة بن نصر ما قالا ، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما
(١) يوم . زيادة من ط . موافقة لنص السيرة.
(٢) ليست في ب .
(٣) قال السهيلي ، عن الفراهيدي : المدن : الذي جمع الضعف مع الدناءة .
(٤)
ليست في ب .
(٥)
في ب : لا بل .
(٦) كذا في ب ، وهو موافق لما في السيرة والروض الأنف. وفي أوط : من.
زيادة من ب وط . موافقة لنص السيرة . والأمض : الشك والريب ، والباطل .
(٧)
(٨) في ب : قلب .

٤١٥
قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر
يصلحهم وكتب لهم(١) إلى ملك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خُرَّزاذ ، فأسكنهم الحِيرةُ(٢)
قال ابن إسحاق : فمن بقية ولد (٣) ربيعة بن نصر النعمانُ بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن
عدي بن ربيعة بن نصر . يعني الذي كان نائباً على الحِيرة لملوك الأكاسرة ، وكانت العرب تَفِدُ إليه
وتمتدحه . وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر
الناس . وقد روى ابن إسحاق(٤) أن امير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر
سأل جُبير بن مُطْعِم عنه ممن كان ، فقال : من أشلاء قُنُص بن معد بن عدنان . قال ابن إسحاق : فالله
أعلم أي ذلك كان .
(١) زيادة من ب . موافقة لنص السيرة .
(٢) زاد في ب : قال أبو القاسم السهيلي : ليس في ملوك الفرس من اسمه خرزاذ ، فإنهم من ولد أزدشير بن بابك - وهو
أولهم - إلى يزدجرد ، يعني ابن شهريار بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ، وأسماؤهم محفوظة ، ليس فيهم من
اسمه خرزاذ ، ولعل خرزاذ هذا نائب له ، أو ملك من ملوك الطوائف ، فإن زمان ربيعة بن نصر كان في زمانهم .
والله أعلم . وكانت ملوك الطوائف في زمن المسيح وقبله وبعده ، وكان الذي فرّق شملهم إسكندر بن فيليبس
المقدوني كما غلب على دارا بن دارا وتزوج ابنته من بعده ، ففرق شملهم لئلا ينتظم لواحد منهم أمر ، وكان كل
ملك يتبعه طائفة من الناس على قطر من الأرض ، منهم عرب ، ومنهم فرس ، وغيرهم . واستمر الأمر كذلك قريباً
من خمسمئة سنة . ثم قام بعدهم بنو ساسان بن بهمن بن أسفيديار بن بشتاسب . وكان أردشير وبعده ابنه سابور
الذي خرب الحصن وأخذه من الساطرون . وهذا القول مأخوذ - كما سلف - من السهيلي (٣٠/١ - ٣١) بتصرف.
(٣) زيادة من ب وط . والسيرة .
(٤) السيرة (١/ ١٢).

٤١٦
قصة تُبَع أبي کرب تُبَّان أسعد
قصّة تُبَّعَ أَبي كرب تُبَّان أسعد
ملك اليمن مع أهل المدينة (١) ، وكيف أراد غزو البيت الحرام ،
ثمّ شرّفه وعظّمه و کساه الخلل ، فكان أوّل من کساه
قال ابن إسحاق(٢): فلما هلك ربيعة بن نصر، رجع مُلْك اليمن كلُّه إلى حسّان بن تُبَان أسعد
أبي كَرب - وتَُان أسعد تبع الآخر - بن كلكيكرب(٣) بن زيد، وزيد تُبَع الأول بن عمرو ذي الأَذْعار بن
أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب كَهْف(٤) الظُّلْم بن زيد بن سهل بن
عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَرِيْب بن زهير بن
أنس(٥) بن الهَمَيْسع بن العَرَنجج، والعَرَنجج هو حِمير بن سبأ الأكبر بن يَعْرُب بن يَشْجُب بن قحطان .
قال عبد الملك بن هشام : سبأ بن يشجب(٦) بن يعرب بن قحطان(٧) .
قال ابن إسحاق: وتُبَان أسعد أبو كَرِب هو الذي قدم المدينة ، وساق الحبرين(٨) من اليهود إلى
اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه ، وكان ملكه قبل [ مُلْك (٩) ربيعة بن نصر(١٠) ، وكان قد جعل طريقه
- حين رجع من غزوة بلاد المشرق - على المدينة(١)، وكان قد مر بها في بَدْأَته فلم يَهِجْ أهلَها ، وخلَّف
بين أظهرهم ابناً له ، فقُتِل غِيْلة ، فقدِمَها وهو مُجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها ، فَجَمَعَ له
(١) جاء العنوان في ط : قصة تبع أبي كرب مع أهل المدينة، وكيف ....
(٣) في ب : كلكيرب . وفي السيرة : كُلي كرب . وأشار المحقق إلى أن أصل المخطوط : كليككرب .
(٢)
السيرة (١٩/١).
وفي الروض الأنف (٣٤/١): وكلكي كرب اسم مركب. وقال السهيلي أيضاً (١/ ٦): والكرب: هو الفلاح
( بالحميرية ) وقد تقدم أبو كرب ، فمعناه على هذا : أبو الفلاح . قاله ابن هشام في غير هذا الكتاب . وكذلك تقدم
كلكي كرب ، ولا أدري ما كلكي .
كذا في ط . وهو موافق لما في السيرة . وفي أ. وب : بن كهف .
(٤)
(٥)
في السيرة ، والروض الأنف : أيمن .
(٦).
ليست في ب .
(٧)
شرح السيرة (٢٠/١).
في أ : الحرير ، وهو تحريف .
(٨)
زيادة من ب وط . والسيرة .
(٩)
(١٠) زاد في ب : قال ابن هشام: وهو الذي يقال له: [ من المديد ]
أن يَسُد خيره خبله
لیت حظي من أبي کرب
قال ابن إسحاق وهذه الزيادة في السيرة (١/ ٢٠).
(١١) في ب : حين أقبل من المشرق على المدينة . وكذا في السيرة .

٤١٧
قصة تُتع أبي کرب ◌ُبَان أسعد
هذا الحيُّ من الأنصار ورئيسُهم عَمْرو بن طَلحةً(١) أخو بني النجّار ، ثم أحد بني عمرو بن مبذول ، واسم
مَبْذول(٢) : عامر بن مالك بن النجار ، والنجار هو(٣) : تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة
ابن ثعلبة بن(٤) عمرو بن عامر .
-
وقال ابن هشام : عمرو بن طَلّة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار، وطَلَّة
أُمُّه ، وهي بنت عامر بن زُرَيق(٥) الخزرجية .
قال ابن إسحاق(٦) : وقد كان رجل من بني عدي بن النجار ، يقال له : أحمر ، عدا على رجل من
أصحاب تُبَعَ(٧) وَجَدَه يَجُدُّ عَذْق٨ً) له فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أَبَرَ(٩) ، فزاد ذلك تُبعاً
حنقاً عليهم، فاقتتلوا . فتزعَم الأنصارُ أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويَقْرُونه١٠ُ) بالليل ، فيعجبه ذلك
منهم ، ويقول : والله إن قومنا لكرام . وحكى ابن إسحاق عن الأنصار أن تُبَّعاً إنما كان حنقه على اليهود
أنهم منعوهم منه .
قال السهيليُ(١١): ويقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناءِ عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في
المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم(١٢) . والله أعلم.
بهم(١٣) إذ جاءه حَبْران من أحْبار اليهود من بني قُريظ ١٤) ،
قال ابن إسحاق: فبينا تُتَع على ذلك من حربهمُ "
(١) فى أوط : طلحة . وهو سهو . وسيذكره صحيحاً بعد قليل.
كذا في ب ، وط . والسيرة . وفي أ : واسمه .
(٢)
في ب ، وط : واسم النجار : تيم وكذا في السيرة .
(٣)
(٤)
ليست في ط .
زاد في ب : ابن عبد حارثة بن مالك بن غضْب بن جشم بن الخزرج ، وكذلك في السيرة .
(٥)
السيرة (٢١/١) وتاريخ الطبري (١٠٥/٢).
(٦)
زاد في ب : حين نزل بهم فقتله ، وذلك أنه .. . وكذلك في السيرة .
(٧)
العَذْق : النخلة . والجد : القطع .
(٨)
(٩) أَبَّرَه : أصلحه .
(١٠) القرى إطعام الضيف.
(١١) الروض الأنف (٣٥/١).
(١٢) في الروض : واستضاموهم.
(١٣) في ط : قتالهم . وكذلك في السيرة .
(١٤) زاد في ب: وقريظة والنضير والنحّام وعمرو - وهو هَدَل ـ بن الخزرج بن الصريح بن التوءمان بن السبط بن
اليسع بن لاوي بن خير بن النحام بن منحوم بن عاد بن عود بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن
.· " يعقوب، وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن مَّير. وكذلك في السيرة ، مع خلاف يسير.

٤١٨
قصة تُتَّع أبي کرب تُبَّان أسعد
عالمان راسخان ، حين سمعا بما يُريد من إهلاك المدينة وأهلها ، فقالا(١) له : أيها الملك لا تفعلْ فإنك
إن أبيت إلا ما تريد حِيْل بينك وبينها ، ولم نأمن عليك عاجل(٢) العقوبة . فقال لهما : ولم ذلك ؟ قالا:
هي مُهاجَرُ نبيّ يخرج من هذا الحرَم من قُريش في آخر الزمان ، تكون دارَه وقرارَه . فتناهى عن ذلك(٣)
ورأى أن لهما علماً ، وأعجبه ما سمع منهما ، فانصرف عن المدينة واتّبعهما على دينهما(٤).
قال ابن إسحاق : وكان تُبَع وقومُه أصحاب أوثان يعبدونها ، فوجَّه(٥) إلى مكة، وهي طريقه إلى
اليمن، حتى إذا كان بين عُسْفان وأَمَج (٦) أتاه نفرٌ من هذيل بن مُدْركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن
عدنان فقالوا له : أيها الملك ألا ندلك على بيت مال دائرٍ أَغْفَلَتْه الملوكُ قبلكَ ، فيه اللؤلؤ والزبرجد
والياقوت والذهب والفضة ؟ قال : بلى . قالوا : بيتٌ بمكة يعبده أهله ويصلّون عنده . وإنما أراد
الهذليون هلاكَه بذلك لما عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك وبَغَى عنده . فلما أجمع لما قالو(٧) أرسلَ
إلى الحَبْرَيْن فسألهما عن ذلك. فقالا له : ما أراد القومُ إلّ هلاكَك وهلاكَ جُنْدك، ما نعلم بيتاً لله
عز وجل اتخذه(٨) في الأرض لنفسِه غيرَه ، ولئن فعلتَ ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن مَن معك جميعاً .
قال : فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدِمْتُ عليه ؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهلُه ، تطوفُ به وتعظّمه
وتكرّمه، وتَحلق رأسَك عنده، وتَذَلّلُ(٩) له حتى تخرج من عنده . قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟
قالا: أما ١٠) والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، عليه السلام، وإنه لكما أخبرناك، ولكنّ أهلَه حَالُوا بيننا وبينه
بالأوثان التي نصبوها (١) حوله وبالدماء التي يهريقون عنده ، وهم نَجَس أهل شرك ، أو كما قالا له .
فعرف نُصْحَهما وصِدْقَ حديثهما ، وقرَّب النفرَ من هُذيل فقطع أيديهم وأرجلَهم ، ثم مضى حتى قدم
(١) في ط : فقالوا .
(٢) في ط : جل .
(٣) زيادة من السيرة .
(٤). زاد في ب : فقال خالد بن عبد العزى بن غزية بن عمرو بن عبيد بن غوث بن غنم بن مالك بن النجار يفخر
بعمرو بن طلة : [ من المديد ]
أصحا أم قد نهى ذكره أم قضى من لذة وطره
إلى انتهاء الأبيات. والقول مع الأبيات في السيرة (١/ ٢٢).
(٥) في ط : فتوجه . وكذلك في السيرة .
(٦) عُسفان: موضع، على مرحلتين من مكة ، وهو حد تهامة . وأمَج: بلد من أعراض المدينة.
(٧) في ب : سمع ما قالوا .
(٨) زيادة من ب وط . والسيرة .
(٩) في ب : وتتذلل . وفي السيرة : وتذل .
(١٠) ليست في ب .
(١١) في ب : نصبوا.

٤١٩
قصة تُنَّع أبي كرب تُبَّان أسعد
مكة ، فطاف بالبيت ، ونحر عنده ، وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام - فيما يذكرون - ينحر بها للناس
ويُطِعم أهلَها ويسقيهم العسل . وأُرِيَ في المنام أن يَكسو البيتَ، فكساه الخَصَفَ (١) ثم أُرِيّ في المنام أن
يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافِرِيّ(٢)، ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك. فكساه المُلاءَ
والوصائل (٣)، فكان تُبع - فيما يزعمون - أولَ من كسا البيتَ وأوصى به ولاتَه من جُرْهم ، وأمرهم بتطهيره
وأن لا يُقرّبوه دماً ولا مِيتة ولا مِثْلاة - وهي المحايض(٤) - وجعل له باباً ومفتاحاً . ففي ذلك قالت سُبَيْعة
بنت(٥) الأحَبِّ تُذَكّر ابنَها خالد بن عبدٍ مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب
وتنهاه عن البغي بمكة ، وتذكر له ما كان من أمر تُبَع فيها : [ من مجزوء الكامل ]
ـةَ لا الصغيرَ ولاَ الكَبيرْ
أَبُنيّ لا تَظِلمْ بمكـ
سيّ ولا يغَّنْك الغَروز
واحفَظْ محارِمَها بُنَـ
ـةَ يلقَ أطرافَ الشُّرور
أبنيّ من يَظلمْ بمكـ
ويلخ بخدّيهِ السَّعير(٦)
أَبُنيّ يُضرَبْ وجهُه
أبنيّ قد جرّبتُها
اللهُ آمَنها وما
واللهُ آمَن طَيرَها
ولقدْ غزَاها تُبُّع
فوجدتُ ظالمَها يَبور(٧)
بُنيتْ بِعَزْصَتها قُصور
والعُصْمُ تامَنُ فِي ثَبِير(٨)
فكَسا بنيّتها الحبير
فيها فأوفى بالنّذُور
وأذلّ ربي مُلْكَه
بفِنائها ألفا بعير
يمشي إلَيها حافياً
(١) الخصف : حصر تنسج من خوص النخل ومن الليف .
(٢) في ط ، وب ، والسيرة : المعافر. والمعافري: ثوب منسوب إلى معافر، وهو رجل ، ثم أصبح علماً على الثوب
دون نسبة ، فيقال : معافري .
(٣) قوله: فكساه الملاء والوصائل . سقط من ب. والملاء: ج ملاءة، وهي الملحفة . والوصائل : ثياب مخططة
يمنية يوصل بعضها إلى بعض .
(٤) المحايض : ج محيضة ، وهي خرقة الحيض .
في ب : بنت الأحب بن زبيّنة بن جذيمة بن عوف بن مضر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن
(٥)
حفصة بن قيس عيلان ، وكانت عند عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن
مالك بن النضر بن كنانة ، لابن أبي منبه يقال له خالد ، تعظم عليه حرمة مكة ، وتنهاه عن البغي فيها ، وتذكره
وتذلله لها وما صنع بها . وقريب منه في السيرة .
(٦)
في ط : ويلج ، وفي ب : بحرمته .
(٧) يبور : يهلك .
(٨) العصم : الوعول ، لأنها تعتصم بالجبال . وثبير : جبل بمكة .

٤٢٠
قصة تُبَع أبي کرب تُبَّان أسعد
لحمَ المهارَى والجزَور(١)
ويظلّ يُطعمُ أهلَها
ـفى والرَّحِيضَ من الشّعير (٢)
يسقيهمُ العسَلَ المصف
يُرمون فيها بالصّخور
والفيلُ أهلكَ جِيشَه
والملْك في أقصَى البلا
دِ وفي الأعاجمِ والخُزير(٣)
ـَهَمْ كيفَ عاقِبَةُ الأُمور (٤)
فاسمع إذا حُدّثت واقْـ
قال ابن إسحاق : ثم خرج تُبَّع متوجّهاً إلى اليمن بمن معه من جنوده(٥) وبالحَبْرَين ، حَتَى إذا دخل
اليمن ، دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه ، فأبَوْا عليه حتى يحاكموه(٦) إلى النار التي كانت باليمن .
قال ابن إسحاق : حدّثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي(٧) مالك القُرَظي، قال(٨): سمعتُ إبراهيم بن
محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدِّث أن تُبَّعاً لما دنا من اليمن ليَدْخلها حالت حِمْير بينه وبين ذلك وقالوا :
لا تدخلها علينا وقد خالفت(٩) ديننا ، فدعاهم إلى دينه وقال: إنه خيرٌ من دينكم . قالوا:
تُحاكمنا ١٠) إلى النار؟ قال : نعم . قال : وكانت باليمن - فيما يزعم أهل اليمن - نارٌ تحكم بينهم فيما
يختلفون فيه ؛ تأكل(١١) الظالم ولاتضر المظلوم ، فخرج قومُه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم ،
وخرج الحَبْرَان بمصاحفهما في أعناقهما متقلّدين حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منها ،
فخرجت النارُ إليهم ، فلما خرجت (١٢) نحوهم حادوا عنها وهابوها، فزجرهم(١٣) من حَضَرهم من
الناس وأمروهم بالصبر لها ، فصبروا حتى غَشِيتْهم ، فأكلت الأوثانَ وما قرّبوا معها ، ومَن حمل ذلك
من رجال حمير، وخرج الحَبران بمصاحفهما في أعناقهما تَعْرَق جباهُهما لم(١٤) تضرهما ،
(١) المهارى : الإبل النجيبة.
(٢) الرحيض: المنقَّى والمصفَّى.
(٣) في ط : والخزور . وفي ب : والجزير . والخزير : أمة من العجم .
كذا في ب وط ، والسيرة . وفي أ : خافهم إذا ...
(٤)
في ط : الجنود .
(٥)
(٦)
في ب : تحاكموا .
(٧)
ليست في ب .
زيادة من ب ، وط ، والسيرة .
(٨)
في ب وط : فارقت . وكذلك في السيرة .
(٩)
(١٠) في ب : حاكمنا . وفي السيرة : فحاكمنا.
(١١) في ط : تأخذ .
(١٢) في ب ، وط : أقبلت . وكذلك في السيرة .
(١٣) في ب : فزبرهم . وفي السيرة : فزبرهم . والزبر: المنع والنهي . وذمرهم : حضهم وشجعهم .
(١٤) في ط : ولم .