Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
خبر المائدة
يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئاً من عرض الدنيا! فهذا الحجر من عرض الدنيا . فقام فأخذ الحجر
ورمى به إليه وقال : هذا لك مع الدنيا (١) .
وقال معتمر بن سليمان : خرج عيسى على أصحابه وعليه جُبَّة صوف وكساءٌ وتُبَان (٢) حافياً باكياً
شعِثاً ، مصفرّ اللون من الجوع ، يابس الشفتين من العطش . فقال : السلام عليكم يا بني إسرائيل ، أنا
الذي أنزلتُ الدنيا منزلتها بإذن الله ، ولا عجب ولا فخر ، أتدرون أين بيتي ؟ قالوا : أين بيتك يا روح
الله ؟ قال : بيتي المساجد ، وطيبي الماء ، وإدامي الجوع ، وسراجي القمر بالليل ، وصلاتي في الشتاء
مشارق الشمس ، وريحاني بُقُول الأرض ، ولباسي الصوف ، وشعاري خوف رب العزة ، وجلسائي
الزَّمنى(٣)، والمساكين، أَصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء(٤) ، وأنا طيّب النفس غير
مكترث ، فمن أغنى مني وأربح ! رواه ابن عساكر(٥) .
وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حيان أبي الحسن العقيلي المصري : حدّثنا هانىء بن
المتوكل الإسكندراني ، عن حَيْوة بن شُريح ، حدّثني الوليد بن أبي الوليد ، عن شُفَي بن ماتع(٦) ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى: أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا
تُعرف فتؤذى ، فوعزتي وجلالي لأزوجنّك ألفَ حوراء ، ولأولمنَّ عليك أربعمئة عام(٧).
وهذا حديث غريب رفعه ، وقد يكون موقوفاً من رواية شُفَي بن ماتع عن كعب الأحبار أو غيره من
الإسرائيليين . والله أعلم
.
وقال عبد الله بن المبارك ، عن سفيان بن عيينة ، عن خلف بن حَوشب قال : قال عيسى للحواريين :
كما ترك لكم الملوك الحكمة ، فكذلك فاتركوا لهم الدنيا(٨) .
وقال قتادة : قال عيسى عليه السلام : سلوني فإني ليّن القلب ، وإني صغير عند نفسي.
وقال إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال عيسى للحواريين : كلوا
(١) مختصر تاريخ دمشق (٢٠ / ١١٤).
(٢) التبان : سراويل صغير يستر العورة فقط.
(٣) الزمنى : المرضى المبتلون بدوام المرض .
قوله : وأمسي وليس لي شيء . سقط من ب .
(٤)
(٥) مختصر تاريخ دمشق (١١٦/٢٠ - ١١٧).
(٦) في ط : سفي بن نافع . وفيه تصحيف وتحريف . وشُفَي بن ماتع الأصبحي ممن رووا عن أبي هريرة ، وهو من
الطبقة الثالثة، توفي في خلافة هشام بن عبد الملك. ووثقه ابن حجر. تقريب التهذيب ( ٣٥٣/١).
(٧) مختصر تاريخ دمشق ( ٢٩٨/٢٣) .
(٨) أورده ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١١٧) ، عن سفيان بن عيينة .

٢٨٢
خبر المائدة
خبز الشعير ، واشربوا الماء القَراح ، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين ، بحق ما أقول لكم : إن حلاوة
الدنيا مرارة الآخرة ، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعِّمين ، بحق ما أقول لكم
إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه، يود أن الناس كلّهم مثله (١).
ورُوي نحوه عن أبي هريرةٌ ٢) .
وقال أبو مصعب ، عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول : يا بني إسرائيل عليكم بالماء القَراح والبقل
البَرِّي، وخبز الشعير ، وإياكم وخبز البُرِّ ، فإنكم لن تقوموا بشكره(٣).
وقال ابن وهب ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد قال : كان عيسى يقول : اعبروا الدنيا
ولا تَعْمُروها . وكان يقول : حب الدنيا رأس كلّ خطيئة ، والنظر يزرع في القلب الشهوة .
وحكى وُهَيب بن الوَرْد مثله، وزاد: ورُبّ شهوةٍ أورثت أهلها حُزناً طويلا٤ً) .
وعن عيسى عليه السلام : يا ابن آدم الضعيف ، اتقّ الله حيثما كنت ، وكن في الدنيا ضيفاً ، واتخذ
المساجد بيتاً ، وعلّم عينك البكاء ، وجسدك الصبر ، وقلبك التفكر ، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة (٥) .
وعنه عليه السلام أنه قال : كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتّخذ على موج البحر داراً فلا يتخذ الدنيا
قرار(٦) .
وفي هذا يقول سابق البربري(٧): [من البسيط ]
لكُم بيوتٌ بمستَنِّ الشّيْوفِ وهَلْ يُبنَى على الماءِ بيتٌ أُشُّه مَدَرُ
وقال سفيان الثوري : قال عيسى بن مريم : لا يستقيم حبُّ الدنيا وحبُّ الآخرة في قلب مؤمن ، كما
لا يستقيم الماء والنار في إناء(٨) .
(١) مختصر تاريخ دمشق (١١٨/٢٠).
(٢) مختصر تاريخ دمشق (١١٨/٢٠).
(٣) مختصر تاريخ دمشق (١١٨/٢٠).
(٤)
المصدر السابق ( ٢٠ /١١٩) .
الخبر في مختصر تاريخ دمشق ( ١١٨/٢٠)، وهو عن عتبة بن يزيد .
(٥)
(٦) المصدر السابق (٢٠ /١٢٠).
هو أبو سعيد سابق بن عبد الله ، شاعر أموي ، سكن الرقة ، ووفد على عمر بن عبد العزيز . واتصف شعره بالزهد
(٧)
والموعظة . توفي نحو سنة ( ١٠ هـ) .
والبربري : لقب له ، وليس نسبة إلى البربر. ترجمته في مختصر تاريخ دمشق (٩/ ١٨٠) خزانة الأدب
(٥٣٢/٩) والأعلام (٦٩/٣).
(٨) مختصر تاريخ دمشق (١٢٠/٢٠).

٢٨٣
خبر المائدة
وقال إبراهيم الحربي ، عن داود بن رُشيد ، عن أبي عبد الله الصوفي قال: قال عيسى (١): طالب
الدنيا مثل شارب ماء البحر ؛ كلّما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله(٢).
وعن عيسى عليه السلام: إن الشيطان مع الدنيا، ومَكْرُهُ(٣) مع المال ، وتزيينه مع الهوى ، -
واستمكانه عند الشهوات(٤).
وقال الأعمش ، عن خيثمة : كان عيسى يصنع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول : هكذا فاصنعوا
بالقرى(٥) .
وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام : طوبى لحِجْر [ حملك ولثدي أرضعك . فقال : طوبى لمن قرأ
كتاب الله واتبعه .
وعنه : طوبى ](٦) لمن بكى من ذكر خطيئته ، وحفظ لسانه، ووسعه بيته(٧) .
وعنه : طوبى لعين نامت ولم تحدِّث نفسها بالمعصية ، وانتبهت إلى غير إثم(٨).
وعن مالك بن دينار قال : مرّ عيسى وأصحابه بجيفة ، فقالوا : ما أنتن ريحَها ! فقال : ما أبيض
أسنانَها ، لينهاهم عن الغيبة(٩) .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا الحسين بن عبد الرحمن ، عن زكريا بن عدي قال : قال عيسى بن
مريم : يا معشر الحواريين ارضوا بدَنيِّ الدُّنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بِدَنيِّ الدين مع سلامة
الدنيا . قال زكريا : وفي ذلك يقول الشاعر: [من البسيط ]
أرى رِجالا بأدنى الدِّينِ قَدْ قَنِعوا ولا أَراهُم رَضُوا في العَيْشِ بالدّونِ
فاستَغْنِ بالدينِ عنْ دنيا الملوك كما اسْتَغْنَى الملوكُ بُدُنياهُم عنِ الدِّينُ( ١٠)
(١) في هامش ب : لعله : مثل .
(٢) مختصر تاريخ دمشق (١٢٠/٢٠).
(٣) في ط . وفكره من المال .
(٤) مختصر تاريخ دمشق (١٢٠/٢٠).
(٥) في ب : تصنعوا بالفقراء . وفي ط : فاصنعوا بالقرى.
والخبر في مختصر تاريخ دمشق (١٢١/٢٠)، ونصه: إذا صنع الطعام ، فدعا القرّاء ، قام عليهم ثم قال : هكذا
فافعلوا بالقراء .
(٦) سقطت من ب بنقلة عين. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١٢١).
(٧) مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١٢١).
(٨) المصدر السابق .
(٩) المصدر السابق (٢٠/ ١٢٢).
(١٠) أورده ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (١٢٣/٢٠ - ١٢٤).

٢٨٤
خبر المائدة
وقال أبو مصعب ، عن مالك : قال عيسى ابن مريم عليه السلام : لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله
فتقسوَ قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيدٌ من الله ولكن لا تعلمون . ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم
أرباب ، وانظروا فيها كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلّى ، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله
على العافية(١) .
وقال الثوري : سمعت أبي يقول ، عن إبراهيم التيمي قال : قال عيسى لأصحابه : بحقِّ أقول لكم :
من طلب الفردوس فخبز شعير له (٢) والنوم في المزابل مع الكلاب كثير(٣) .
وقال مالك بن دينار : قال عيسى : إن أكل الشعير مع الرَّماد ، والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل
في طلب الفردوس .
وقال عبد الله بن المبارك : أخبرنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد قال : قال عيسى :
اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم ، انظروا لهذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها ، فإن
قلتم : نحن أعظم بطوناً من الطير ، فانظروا إلى هذه الأباقر(٤) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح
لا تحرث ولا تحصد والله يرزقھا٥)
وقال صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد الله ، عن يزيد بن ميسرة قال : قال الحواريون للمسيح :
يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه ، قال : آمين آمين بحقِّ أقول لكم : لا يترك الله من هذا المسجد
حجراً قائماً إلا أهلكه بذنوب أهله ، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم
شيئاً ، إنّ أحبّ إلى الله منها القلوب الصالحة ، وبها يعمرُ الله الأرض ، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت
على غير ذلك(٦) .
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في (( تاريخه)): أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي ،
أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوَرْكانية٧ُ) ، قالت : حدّثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن
عبد الله بن الهيثم إملاءً ، حدّثنا الوليد بن أبان إملاءً ، حدّثنا أحمد بن جعفر الرازي ، حدّثنا سهل بن
المصدر السابق ( ٢٠ /١٢٤) .
(١)
قوله : له . زيادة من ب ، وهي كذلك في مختصر ابن منظور .
(٢)
(٣)
زاد في ب : في حقه . والخبر في مختصر تاريخ دمشق (١٢٤/٢٠) .
(٤)
في ط : الأباقير . وفي مختصر ابن منظور : الأنافر .
(٥)
مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠ / ١٢٤ ) .
مختصر تاريخ دمشق ( ١٢٨/٢٠ ).
(٦)
(٧) الوركانية: نسبة إلى محلة بأصبهان. وعائشة بنت الحسن هذه عالمة واعظة، توفيت سنة ( ٤٦٣ هـ) . اللباب
(٣٦١/٣) .

٢٨٥
خبر المائدة
إبراهيم الحنظلي ، حدّثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز ، عن المعتمر ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن
ابن عباس، عن النبي ◌َّ قال: مرّ عيسى عليه السلام على مدينة خربة فأعجبه البنيان، فقال: أي ربّ مُر
هذه المدينة أن تجيبني. فأوحى الله إلى المدينة: أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى. قال: فنادت المدينة
عيسى : حبيبي وما تريد مني ؟ قال : ما فعل أشجارك ؟ وما فعل أنهارك ؟ وما فعل قصورك ؟ وأين
سكانك ؟ قالت : حبيبي جاء وعد ربك الحق ، فيبست أشجاري ، ونشفت أنهاري ، وخربت قصوري ،
ومات سكاني . قال : فأين أموالهم ؟ فقالت : جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني ، لله
ميراث السموات والأرض . قال : فنادى عيسى عليه السلام : تعجّبت(١) من ثلاثة أناس : طالب الدنيا
والموت يطلبه ، وباني القصور والقبر منزله ، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه . ابنَ آدم لا بالكثير
تشبع ، ولا بالقليل تقنع ، تجمع مالك لمن لا يحمدك ، وتقدم على رب لا يعذرك ، إنما أنت عبد بطنك
وشهوتك ، وإنما يُملأ بطنك إذا دخلت قبرك . وأنت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان ٢) غيرك .
هذا حديث غريب جداً ، وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك .
وقال سفيان الثوري، عن أبيه ، عن إبراهيم التيمي قال : قال عيسى عليه السلام : يا معشر الحواريين
اجعلوا كنوزكم في السماء ، فإن قلب الرجل حيث كنزه(٣) .
وقال ثور بن يزيد ، عن عبد العزيز بن ظبيان قال : قال عيسى ابن مريم : من تعلّم وعَلِم وعمل دُعي
عظيماً في ملكوت السماء(٤) .
وقال أبو كريب : روي أن عيسى عليه السلام قال : لا خير في علم لا يَعْبُر معك الوادي ويعبر بك
(٥)
النادي(٥) .
وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعاً : أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال :
يا معشر الحواريين لا تحدِّثوا بالحكمة (٦) غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، والأمور
ثلاثة : أمرٌ تبيَّن رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيُّه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه، فردُّوا علمه إلى الله
عز وجل (٧) .
(١) كذا في ب ، ومختصر ابن منظور ، وهو الأشبه بالصواب . وفي أوط : فعجبت .
٠
(٢)
في ب : ميراث . وفي مختصر ابن منظور (١٢٨/٢٠ -١٢٩) . . ترى حسد مالك في ميزان غيرك.
(٣)
مختصر تاريخ دمشق ( ١٢٩/٢٠) .
(٤)
مختصر تاريخ دمشق ( ١٢٩/٢٠ ) .
مختصر تاريخ دمشق ( ١٢٩/٢٠)، وفيه : ولا يعمر بك النادي .
(٥)
(٦) كذا في ب ، وهو موافق لما في مختصر تاريخ دمشق . وفي أوط : بالحكم .
(٧) مختصر تاريخ دمشق (١٢٩/٢٠ - ١٣٠).

٢٨٦
خبر المائدة
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن رجل ، عن عِكرمة قال : قال عيسى : لا تطرحوا اللؤلؤ إلى
الخنزير ، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئاً ، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها ، فإن الحكمة خير من
اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير(١) .
وكذا حكى وهب وغيره عنه . وعنه أنه قال لأصحابه : أنتم ملح الأرض ، إذا فسدتم فلا دواء لكم ،
وإن فيكم خصلتين من الجهل : الضحك من غير عُجب ، والصُّبْحة من غير سهر(٢).
وعنه أنه قيل له: من أشد الناس فتنة؟ قال : زلّة العالم. فإن العالم إذا زلَّ يزلُّ بزلَّته عالم كثير (٣).
وعنه أنه قال : يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم، والآخرة تحت أقدامكم ، قولكم شفاءٌ
وعملكم داءٌ، مَثَلكم مثل شجرة الدفلى(٤) تُعْجِبُ من رآها وتَقْتُلُ مَنْ أَكَلَها(٥) .
وقال وهب : قال عيسى : يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلونها ، ولا تَدَعون
المساكين يدخلونها ، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه (٦) .
وقال مكحول : التقى يحيى وعيسى ، فصافحه عيسى وهو يضحك ، فقال له يحيى : يا ابن خالة
مالي أراك ضاحكاً كأنك قد أمنت ؟! فقال له عيسى : مالي أراك عابساً كأنك قد يئست . فأوحى الله إليهما
إن أحبكما إليّ أبشُّكما بصاحبه(٧) .
وقال وهب بن منبه : وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يُدلّى فيه ، فجعلوا يذكرون القبر
وضيقه ، فقال : قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام أمهاتكم ، فإذا أحب الله أن يوسّع وَسَّع(٨) .
وقال أبو عمر الضرير : بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت تفطّر جلده دماً .
والآثار في مثل هذا كثيرة جداً. وقد أورد الحافظ ابن عساكر(٩) منها طرفاً صالحاً اقتصرنا منها على
هذا القدر . والله الموفق للصواب .
(١) وهو في مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١٣٠).
(٢) المصدر السابق . والصبحة : نوم الغداة .
(٣) المصدر السابق .
(٤) الدفلى : شجر مرّ ، أخضر حسن المنظر ، لا يأكله شيء، وهو من السموم.
(٥)
مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠ / ١٣١ ).
(٦) المصدر السابق .
(٧) مختصر تاريخ دمشق (١٣٤/٢٠).
(٨) المصدر السابق .
(٩) مختصره لابن منظور (٢٠ / ٨٢ - ١٥٤).

٢٨٧
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
ذكر(١) رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
في حفظ الربّ وبيانٍ كذب اليهود والنصارى عليهم لعائن الله في دعوى الصلب
قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَنْعِيسَىّ إِنِّ مُنَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [ آل عمران: ٥٤ _٥٥] .
وقال تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيَشَقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَثِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ
عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا (١٥) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ
رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَفُواْ فِيهِ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مَالَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ
يَقِينًا (٥َّ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٢٥) وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَّنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ
شَهِيدًا﴾ [ النساء: ١٥٥ - ١٥٩] فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفاه بالنوم، على الصحيح المقطوع
به ، وخلّصه ممن كان أراد أذيّته من اليهود الذين وشَوا به إلى بعض الملوك الكَفَرة في ذلك الزمان .
قال الحسن البصري ، ومحمد بن إسحاق : كان اسمه داود بن نود(٢) ، فأمر بقتله وصلبه ،
فحصروه في دارٍ ببلد بيت (٣) المقدس ، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت ، فلما حان وقت دخولهم ، أُلقي
شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده، ورُفع عيسى مِن رَؤْزَنه٤ُ) من ذلك البيت إلى السماء وأهل
البيت ينظرون ، ودخل الشُّرَط فوجدوا ذلك الشاب الذي أُلقي عليه الشبه ، فأخذوه ظانّين أنّه عيسى ،
فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانةً له ، وسلَّم لليهود عامةُ النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر
عيسى أنه صُلب، وضَلوا بسبب ذلك ضلالا مبيناً كثيراً فاحشاً بعيداً. وأخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتٍِ﴾ أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة ، فإنه ينزل ويقتل
الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، ولا يقبل إلا الإسلام كما بيَّنا ذلك ، بما ورد فيه من
الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء(٥) ، وكما سنورد ذلك مسْتقصّى في كتاب الفتن
(١) ليست في ط .
في مختصر تاريخ دمشق: بوذا . الخبر ثمة ( ٢٠/ ١٣٥).
(٢)
(٣)
في ب : ببلد في بيت . وفي ط : ببيت المقدس .
ليست في ط . والروزنة : الكوة ، أو الخرق في أعلى السقف .
(٤)
(٥) تفسير ابن كثير .

٢٨٨
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
والملاحم(١) عند أخبار المسيح الدجّال ، فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي
الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال ، وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى
السماء .
قال ابن أبي حاتم : حدّثنا أحمد بن سنان ، حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال بن
عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على
أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً منهم من الحواريين ، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ، ورأسه
يقطر ماءً ، فقال : إنّ منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي ، ثمّ قال : أيّكم يُلقى عليه شبهي
فيُقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال له : اجلس . ثمّ أعاد عليهم ، فقام
الشاب ، فقال : اجلس . ثمّ أعاد عليهم ، فقام الشاب ، فقال : أنا ، فقال : أنت ، هو ذاك، فأُلقي
عليه شبه عيسى ، ورُفع عيسى من رَؤْزَنةٍ في البيت إلى السماء . قال : وجاء الطلب من اليهود ، فأخذوا
الشبه ، فقتلوه ، ثمّ صلبوه ، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به ، وافترقوا ثلاث فرق ، فقالت
طائفة : كان الله فينا ما شاء ، ثمّ صعد إلى السماء ، هؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء
ثمّ رفعه الله إليه ، وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه ،
وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها ، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله
محمداً ◌ََّ. قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَهِرِينَ﴾ (٢) [ الصف: ١٤].
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم .
ورواه النسائي عن أبي كُريب ، عن أبي معاوية ، به نحوه .
ورواه ابن جرير ، عن سَلْمُ(٣) بن جُنادة ، عن أبي معاوية .
وهكذا ذكر غير واحد من السلف . وممن ذكر ذلك مطولاً محمد بن إسحاق بن يسار قال : وجَعَل
عيسى عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يؤخّر أجله ، يعني ليبلِّغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس
الدخول في دين الله ، قيل : وكان عنده من الحواريين اثنا عشر رجلاً : فطرس(٤) ، ويعقوب بن زبدا،
ويحنس أخو يعقوب ، واندرابيس ، وابن قلما ، ومتى ، وتوماس ، ويعقوب بن خلفايا ،
في آخر هذا الكتاب .
(١)
(٢)
مختصر تاريخ دمشق (١٣٨/٢٠ ) .
(٣) في ب : ابن خزيمة . وفي ط : مسلم بن جنادة . وهو تحريف . وسَلَّم بن جنادة بن سلم السُّوائي ، أبو السائب
الكوفي وثقه ابن حجر في التقريب (٣١٣/١) . توفي سنة (٢٥٤هـ ) .
والخبر أورده ابن جرير الطبري في تفسيره ( ٦٠/٢٨).
(٤) حصل في أسماء الحواريين تصحيف وتحريف كثير بين المطبوع ونسخنا . وكذلك في تفسير الطبري (٦/ ١١).

٢٨٩
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
وتراوسيس ، وقنانيا ، ويودس ، وزكريا يوطا ، وهذا هو الذي دلّ اليهود على عيسى .
قال ابن إسحاق : وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى ، وهو الذي أُلقي شبه المسيح
عليه فصُلِب عنه . قال : وبعض النصارى يزعم أن الذي صُلب عن المسيح وألقي عليه شبهه هو یودس بن
زكريا يوطا . والله أعلم .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : استخلف عيسى شمعون ، وقتلت اليهود يوذا١) الذي ألقي عليه
الشبه(٢) .
وقال أحمد بن مروان : حدثنا محمد بن الجهم قال: سمعت الفَرَّاءُ(٣) يقول في قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ
وَمَكَرَ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] قال: إن عيسى غاب عن خالته زماناً فأتاها ، فقام
رأس الجالوت اليهودي ، فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره ، فكسروا الباب ، ودخل رأس
جالوت (٤) ليأخذ عيسى ، فطمس الله عينيه عن عيسى (٥)، ثمّ خرج إلى أصحابه فقال: لم أره . ومعه
سيف مسلولٌ ، فقالوا : أنت عيسى . وألقى الله شبه عيسى عليه ، فأخذوه فقتلوه وصلبوه . فقال جلَّ
ذِكْرُه: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُيِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
وقال ابن جرير(٦): حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يعقوب القُمِّي ، عن هارون بن عنترة ، عن وهب بن
منبه قال : أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت ، فأحاطوا بهم ، فلما دخلوا عليهم
صوَّرهم(٧) الله كلّهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سَحَرْتمونا، لتُبْرِزُنَّ إلينا٨) عيسى أو لنقتلنّكم ..
جميعاً ، فقال عيسى لأصحابه : من يشتري منكم(٩) نفسه اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم : أنا ، فخرج
إليهم فقال : أنا عيسى ، وقد صوَّره الله على صورة عيسى ، فأخذوه فقتلوه وصلبوه ، فمن ثَم شُبِه لهم
وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى . وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ، ورَفَعَ اللهُ عیسى من يومه ذلك .
(١) في ط : يودس. وفي مختصر تاريخ دمشق بوذا.
(٢) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (١٣٩/٢٠).
(٣)
معاني القرآن (٢١٨/١) . وفيه اختلاف عما هاهنا .
(٤)
في ب : الجالوت . وكذلك في مختصر تاريخ دمشق .
(٥)
في ب : فوقع يمشي ثم خرج ..
(٦)
تفسيره (١٠/٦ ).
كذا في ط . وهو موافق لما في تفسير الطبري . وفي أ : عليه صورهم .
(٧)
وفي ب : عليه صوره .
(٨) في ب : ليبرز لنا . وفي تفسير الطبري : لتبرزن لنا .
(٩) قوله : منكم ، زيادة من ب وط . وفي تفسير الطبري نفسه منكم .

٢٩٠
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
قال ابن جرير(١) : وحدّثنا المثنى، حدّثنا إسحاق، حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، حدّثني
عبد الصمد بن مَعْقِل أنه سمع وَهْباً يقول : إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا ، جَزِعَ من
الموت وشقَّ عليه ، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاماً ، فقال : احضُروني الليلة فإن لي إليكم حاجةً ،
فلما اجتمعوا إليه من الليل عشّاهم وقام يخدمهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم
بيده٢)، ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه ، فقال: ألا من ردّ عليّ شيئاً الليلة(٣) مما
أصنع فليس مني ولا أنا منه ، فأقرّوه حتى إذا فرغ من ذلك قال : أمَّا ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم
على الطعام وغسّلت أيديكم بيدي ، فليكن لكم بي أسوة فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظّم بعضكم على
بعض ، وليبذل بعضكم نفسه لبعض(٤) كما بذلت نفسي لكم ، وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها
فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أَجَلي ، فلما نصبوا أنفسهم للدّعاء وأرادوا أن يجتهدوا
أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءً ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة
تعينوني فيها ؟ فقالوا : والله ما ندري مالنا! والله لقد كنّا نسمر فنكثر السّمر وما نطيق الليلة سمراً ،
وما نريد دعاءً إلا حِيْل بيننا وبينه ! فقال : يَذهب الراعي وتتفرّق الغنم ، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى
به نفسه . ثمّ قال : الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعني أحدكم بدراهم
يسيرة وليأكلنّ ثمني . فخرجوا وتفرّقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا :
هذا من أصحابه ، فجحد وقال : ما أنا بصاحبه ، فتركوه . ثمّ أخذه آخرون فجحد كذلك ، ثمّ سمع
صوتَ ديك فبكى وأحزنه . فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود ، فقال : ما تجعلون لي إن دللتُكم
على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً ، فأخذها ودلّهم عليه ، وكان شبّه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه
واستوثقوا منه وربطوه بالحبل ، وجعلوا يقودونه ويقولون : أنت كنت تُحيي الموتى وتنتهر الشيطان(٥)
وتبرىء المجنون ، أفلا تنجي(٦) نفسك من هذا الحبل ، ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به
الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها ، فرفعه الله إليه وصلَبوا ما شُبّه لهم ، فمكث سبعاً . ثم إن أمه والمرأة
التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال :
عَلامَ تبكيان ؟ قالتا : عليك . فقال : إني قد رفعني الله إليه ولم يُصِبْني إلّا خير، وإن هذا شيء شُبّه لهم .
(١) تفسيره (٦/ ١٠ - ١١). والخبر في مختصر تاريخ دمشق (١٣٦/٢٠).
(٢) كذا في ط . وهو موافق لما في تفسير الطبري . وفي أوب أخذ يوضئهم ويغسل أيديهم بيده .
(٣) كذا في ط . وهو موافق لما في تفسير الطبري. وفي ب. شيئاً عليَّ. وفي أ : الليلة شيئاً .
(٤)
في ط . وتفسير الطبري لبعض نفسه .
(٥) كذا في ط . وتفسير الطبري . وفي أ: وتنهر الشياطين .
(٦) كذا في ب . وط . وتفسير الطبري. وفي أ: تفتكّ.

٢٩١
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
فأُمُرًا الحواريين أن يَلقوني إلى مكان كذا وكذا ، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر ، وفَقَد الذي كان باعه
ودلَّ عليه اليهود فسأل عنه أصحابَه ، فقالوا : إنه ندم على ما صنع فاختنق وقَتَل نفسه . فقال لو تاب لتاب
الله عليه . ثمّ سألهم عن غلام كان يتبعهم يقال له : يحيى ، فقال : هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كلّ
إنسان منكمُ(١) يحدّث بلغة قومٍ فلينذرهم وليدْعُهم .
وهذا إسناد غريب عجيب ، وهو أصحّ مما ذكره النصارى لعنهم الله من أن المسيح جاء إلى مريم وهي
جالسة تبكي عند جذعة فأراها أماكن المسامير من جسده ، وأخبرها أن روحه رفعت ، وأن جسده صلب .
وهذا بُهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل ، وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحقّ ومقتضى
النقل(٢)
وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب فيما بلغه أن مريم سألت من بيت الملك بعد
ما صُلب المصلوب بسبعة أيام ، وهي تحسب أنّه ابنها أن ينزل جسده ، فأجابهم إلى ذلك ، ودُفن
هنالك . فقالت مريم لأم يحيى : ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح ؟ فذهبتا ، فلما دنا من القبر قالت مريم
لأم يحيى : ألا تستترين ؟ فقالت : وممن أستتر؟ فقالت : من هذا الرجل الذي هو عند القبر . فقالت أم
يحيى : إني لا أرى أحداً ، فرجت مريم أن يكون جبريلَ ، وكانت قد بعد عهدها به ، فاستوقفت أمَّ يحيى
وذهبت نحو القبر ، فلما دنت من القبر قال لها جبريل ، وعرفته : يا مريم أين تريدين ؟ فقالت : أزور قبر
المسيح فأسلّم عليه وأحدث (٣) عهداً به . فقال: يا مريم إن هذا ليس المسيح ، إن الله قد رفع المسيحَ
وطهَّره من الذين كفروا ، ولكن هذا الفتى الذي أُلقي شبهه عليه وصُلِبَ وقُتِلَ مكانه . وعلامة ذلك أن أهله
قد فقدوه فلا يدرون ما فعل . فهم يبكون عليه ، فإذا كان يوم كذا وكذا فأتي غيضة كذا وكذا فإنك تلقَيْن
المسيح . قال : فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة . فلما
كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة ، فلما رآها أسرع إليها فأكبَّ عليها ، فقبّل رأسها وجعل
يدعو لها كما كان يفعل ، وقال : يا أُمَّه إن القوم لم يقتلوني ، ولكنَّ الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك ،
والموت يأتيك قريباً ، فاصبري واذكري الله كثيراً . ثمّ صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت .
قال : وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة رضي الله عنها
وأرضاها .
وقال الحسن البصري : كان عمر عيسى عليه السلام يومَ رُفع أربعاً وثلاثين سنة .
(١) قوله : منكم . زيادة من ط . وتفسير الطبري .
(٢) في ب : الدليل.
(٣) في ب : وأحدثه .

٢٩٢
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
وفي الحديث: ((إنَّ أهلَ الجنة يدخلونها جُرداً مُرداً مكحّلين أبناء ثلاث وثلاثين)(١) .
وفي الحديث الآخر على ميلاد عيسى وحُسْنٍ يوسف (٢).
وكذا قال حماد بن سلمة ، عن علي بن زَيْد ٣) ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : رُفع عيسى وهو ابن
ثلاث وثلاثين سنة .
فأما الحديث الذي رواه الحاكم في ((مستدركه)) ويعقوب بن سفيان الفسوي في ((تاريخه)(٤) عن
سعيد بن أبي مريم ، عن نافع عن يزيد ، عن عمارة بن غَزيَّة ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ،
أن أمَّه فاطمة بنت الحسين حدّثته أن عائشة كانت تقول: أخبرتني فاطمة أن رسول الله وَ لير أخبره٥) أنه لم
يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله ، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم
عاش عشرين ومئة سنة ، فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين . هذا لفظ الفسوي ، فهو حديث غريب(٦) .
قال الحافظ ابن عساكر : والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر ، وإنما أراد به مدة مقامه في أمته كما
روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة: قال لي رسول الله وَلاير :
إن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنةً(٧) . وهذا منقطع .
وقال جرير والثوري عن الأعمش عن إبراهيم : مكث عيسى في قومه أربعين عاماً .
ويروى عن أمير المؤمنين علي أن عيسى عليه السلام رُفع في ليلة الثاني والعشرين من رمضان ، وتلك
الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنه بخمسة أيام(٨).
وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رُفع إلى السماء جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس
عليها ، وجاءته مريم فودَّعته وبكت ، ثمّ رُفع وهي تنظر ، وألقى إليها عيسى برداً له وقال : هذا علامة
ما بيني وبينك يوم القيامة ، وألقى عمامته على شمعون ، وجعلت أُمُّه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٤٥)، في صفة الجنة، باب ما جاء في سن أهل الجنة، وأحمد في المسند (٢٤٣/٥).
من طريق معاذ بن جبل رضي الله عنه .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلاً ولم يسندوه .
(٢)
مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠/ ١٤٢ ) .
في ط: ((يزيد)) محرف، وهو علي بن زيد بن جُدعان، ضعيف، من رجال التهذيب.
(٣)
لعل الحديث ورد في القسم المفقود من كتابه ((المعرفة والتاريخ)) لأن المطبوع منه يبدء بسنة (١٣٥هـ) .
(٤)
(٥)
قوله : أخبرها ، زيادة من ب وط .
زاد في ب جداً . والخبر مفصلاً أورده ابن عساكر . مختصر تاريخه ( ٢٠/ ١٤١ _ ١٤٢).
(٦)
(٧)
مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١٤٢) .
مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠/ ١٤١) .
(٨)

٢٩٣
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
غاب عنها ، وكانت تحبّه حباً شديداً، لأنه توفر عليها حُّه من جهتي الوالدين ، إذْ لا أبَ له ، وكانت
لا تفارقه سَفَراً ولا حضراً . فكانت كما قال بعض الشعراء :
وكُنتُ أرى كالموتِ من بَيْنِ ساعةٍ فَكيفَ بِبَيْنِ كَانَ مَوْعِدَه الحَشْرُ
وذكر إسحاق بن بِشْر، عن مجاهد بن جبر(١) أن اليهود لمَّا صَلبوا ذلك الرّجل الذي شُبّه لهم، وهم
يحسبونه المسيح ، وسَلّم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك ، تسلّطوا على أصحابه بالقتل والضرب
والحبس ، فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم ، وهو ملك دمشق في ذلك الزمان ، فقيل له : إن اليهود قد
تسلّطوا على أصحاب رجلٍ كان يذكر لهم أنه رسول الله ، وكان يُحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه
والأبرص ، ويفعل العجائب ، فَعَدَوا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم ، فبعث ، فجيء بهم وفيهم
يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة ، فسألهم عن أمر المسيح ، فأخبروه عنه ، فبايعهم في دينهم ، وأعلى
كلمتهم ، وظهر الحق على اليهود ، وعلت كلمة النصارى عليهم ، وبعث إلى المصلوب فوضع عن
جذعه ، وجيء بالجذع الذي صُلب عليه ذلك الرجل فعظّمه(٢)
فمن ثَمَّ عَظّمتِ النصارى الصليبَ ، ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم(٣) .
وفي هذا نظر من وجوه :
أحدها : أن يحيى بن زكريا نبيٌّ لا يُقرُّ على أن المصلوب عيسى، فإنه معصوم يعلم ما وقع على جهة
الحق .
الثاني : أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمئة سنة ، وذلك في زمان قسطنطين بن
قسطنُ(٤) باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره .
الثالث : أنّ اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثمّ ألقوه بخشبته ، جعلوا مكانه مطرحاً للقمامة والنجاسة(٥)
وجِيف الميتات والقاذورات ، فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور ، فعمدت أُمُّه هيلانة
الحرّانية الفندقانية ، فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح ، ووجدوا الخشبة التي صُلب عليها
المصلوب ، فذكروا أنه ما مسّها ذو عاهة إلا عوفي . فالله أعلم أكان هذا أم لا ، وهل كان هذا لأن ذلك
(١) في الأصول والمطبوع: جبير، وهو تصحيف، ومجاهد بن جبر، هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي
مولاهم المكي التابعي إمام في التفسير والعلم .
(٢) المصدر السابق (١٣٩/٢٠) .
مختصر تاريخ دمشق (١٣٩/٢٠ - ١٤٠).
(٣)
(٤)
في ب : بن قسطنطين وفي بعض النسخ : قسطسن .
(٥) في ب : والكناسة .

٢٩٤
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
الرجل الذي بذل نفسه كان رجلاً صالحاً أو كان هذا محنة وفتنة لأمّة النصارى في ذلك اليوم حتى عظّموا
تلك الخشبة وغَشَّوها بالذهب واللآلىء ، ومن ثمّ اتخذوا الصلبانات وتبرّكوا بشكلها وقبلوها لعنهم الله
وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبُني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة ، فهي هذه
المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها : القمامة باعتبار ما كان عندها ، ويسمونها : القيامة
يعنون التي يقوم جسد المسيح منها . ثمّ أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على
الصخرة التي هي قِبلة اليهود ، فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس ، فكنس عنها
القمامة بردائه ، وطهرها من الأخباث والأنجاس ، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلّى
رسول الله ◌َّليه ليلة الإسراء بالأنبياء ، وهو الأقصى .
** *

٢٩٥
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
ذکر (١) صِفة عیسی علیه السلام وشمائله وفضائله
قال الله تعالى: ﴿ مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥].
قيل : سُمِّي المسيح لمسحه الأرض ، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدّة
تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمّه عليهما السلام .
وقيل : لأنه كان ممسوح القدمين (٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثارِهِمْ(٣) بعيسى بنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الإنْجِيْلَ فِيهِ هُدى ونُورٌ ﴾.
وقال تعالى: ﴿ وَءَاتَّيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اٌلْبَّنَاتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [ البقرة: ٨٧].
والآيات في ذلك كثيرةٌ جداً .
وقد تقدم(٤) ما ثبت في ( الصحيحين)(٥): (( ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد
فيستهلّ صارخاً إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب )) .
وتقدم(٦) حديث عُمير بن هانىء عن جنادة عن عبادة عن رسول الله بَليل أنه قال: (( من شهد أن لا إلَه
إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم
وروح منه ، والجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل )) . رواه البخاري وهذا لفظه ،
(٧)
ومسلم(٧) .
(١) ليست في ط .
(٢) وثمة أقوال أخرى أوردها الأصفهاني في معجمه مفردات ألفاظ القرآن ( ٤٨٨).
(٣) زاد في ط : برسلنا قفينا وهو التباس بالآية الكريمة الأخرى ﴿ثُمَّ قَفَّتِّنَا عَلَىّ ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَءَاتَيْنَنَهُ الْإِنِجِيلٌ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتََّعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةُ وَرَهْبَانِيَّةُ آبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاْ فَانَيْنَا الَّذِينَءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمّ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [ الحديد: ٢٧].
(٤) ص ٢٣١ .
(٥) في البخاري: رقم (٣٢٨٦) في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده. ورقم (٣٤٣١) في الأنبياء ، باب
قوله تعالى ﴿ وَأَذَكُرْ فِ اَلْكِنَبِ مَرْتَ﴾. ورقم (٤٥٤٨) في التفسير، باب ﴿ وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ﴾. وأخرجه مسلم (٢٣٦٦) في الفضائل ، باب فضائل عيسى عليه السلام.
والاستهلال : صياح المولود عند الولادة . وقوله : فطعن في الحجاب ، أي : في المشيمة وهي التي يكون فيها
المولود جامع الأصول (٥٢٢/٨ -٥٢٣).
(٦) صفحة ٢٥٠ . عن البخاري فقط.
(٧) صحيح مسلم رقم (٢٩ ) في الإيمان ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة .

٢٩٦
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
وروى البخاري (١) ومسلم(٢) من حديث الشعبي ، عن أبي بُرْدة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : قال
رسول الله وَ﴿ُ: «إذا أذَّبَ الرجلُ أَمَتَهُ فأحسَنَ تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها ، ثمّ أعتقها ، فتزوَّجها ؛
كان له أجران . وإذا آمن بعيسى ابن مريم ، ثم آمن بي فله أجران . والعبد إذا اتّقى ربّه وأطاع مواليه فله
أجران )) هذا٣) لفظ البخاري .
وقال البخاري(٤): حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن معمر، ((ح )) وحدّثني محمود ،
حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر ، عن الزُّهري ، أخبرني سعيد بن المسيِّب ، عن أبي هريرة قال : قال
النبيِ نَّمَ: ((لَيَلَةَ أُسْرِيَ بي لقيتُ موسى)) قال: فنعته فإذا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قال مُضطرب رَجِلُ الرأس كأنه من
رجال شنوءة. قال: ((ولقيت عيسى))فنعته النبي ◌َّلهم فقال: ((رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنّما خَرَجَ مِن دِیماس)»
يعني : الحمّام ((ورأيتُ إبراهيمَ وأنا أشْبَهُ ولده به)). الحديث .
وقد تقدم في قصتي إبراهيم(٥) وموسى(٦).
ثم قال : حدّثنا محمد بن كثير ، أخبرنا إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عمر
قال: قال النبيِ وَّرَ: ((رأيتُ عِيسى وموسى وإبراهيم، فأمّا عيسى فأحمرُ جَعْدٌ عريضُ الصَّدْر. وأما
موسَى فَادِمُ جَسِيْمٌ سَبِطٌ، كأنّه من رِجال الزُّطِّ )) تفرّد به البخاري(٧).
وحدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضَمْرة، حدّثنا موسى بن عُقْبة ، عن نافع قال: قال عبد الله بن
عمر: ذكر النبي ◌َّه يوماً بينَ ظَهْراني الناسِ المسيحَ الدجّالَ فقال: ((إنَّ اللهَ لَيْسَ بأعورَ إلّا أنَّ المسيحَ
(١) صحيح البخاري رقم (٩٧)، في العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله ، ورقم (٢٥٤٤) و(٢٥٤٧) في العتق ، باب
فضل من أدب جاريته وعلمها ، ورقم (٣٠١١)، في الجهاد ، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين ، ورقم
(٣٤٤٦) في أحاديث الأنبياء، ورقم ( ٥٠٨٣)، في النكاح ، باب اتخاذ السراري ، ومن أعتق جارية ثم تزوجها .
صحيح مسلم رقم (١٥٤)، في الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد اله.
(٣) هذا، زيادة من ط . وثمة اختلاف بين لفظ البخاري والنص هنا.
(٢)
(٤) صحيح البخاري رقم (٣٤٣٧) في الأنبياء، باب قول الله ﴿ وَأَذْكُرْ فِىِ الْكِنَبِ مَرْيَ﴾.
وكذلك هو فيه رقم (٣٣٩٤) في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ من طريق إبراهيم بن
موسى وحده . والرَّبْعة: المربوع. قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٨٤ ): والمراد أنه ليس بطويل جداً ولا قصير
جداً ، بل وسط . والمراد بقوله : كأنما خرج من ديماس : أن يصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه .
في الجزء الأول من هذا الكتاب .
(٥)
في هذا الجزء ص (٥) .
(٧) صحيح البخاري رقم (٣٤٣٨) في الأنبياء، باب قول الله ﴿ وَأَذْكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ ﴾ .
(٦)
والسبط : الذي ليس بجعد ، من صفات الشَّعر . والزُّط : جنس من السودان ، وقيل : هم نوع من الهنود ، وهم
طوال الأجسام مع نحافة فيها . فتح الباري ( ٦/ ٤٨٥) .

٢٩٧
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
الدجّالَ أعورُ العينِ اليمنى كأنَّ عَيْنَهُ عِنْبَةٌ طافِية . وأراني الليلةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المنام فإذا رَجُلٌ آدَمُ كأحْسَنِ
ما يُرى من أَدْمِ الرِّجالِ ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ ، يَقْطُرُ رأسُه ماءً ، وَاضعاً يديهِ على مَنْكِبي
رَجُلَيْنِ ، وهُو يطوفُ بالبيت ، فقلتُ: من هذا؟ فقالوا: المسيحُ بنُ مريمَ . ثُمَّ رأيتُ رَجُلاً ورَاءَهُ جَعْداً
قَطَطا أعْورَ عينِ الْيُمْنَى كأشْبَهِ من رأيْتُ بابنِ قَطَنٍ، واضعاً يدَه على مَنكبي رَجُل يطوفُ بالبيتِ ، فقلتُ :
مَن هذا؟ فقالوا : المسيحُ الدَّجَّال(١) .
ورواه مسلم(٢) من حديث موسى بن عقبه به (٣) .
ثمّ قال البخاري: تابعه عُبيد الله، عن نافع(٤) . ثمّ ساقه من طريق الزُّهري عن سالم [ عن ] ابن
عمر . قال الزهري : وابن قَطَن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية(٥) .
فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحَيْنِ مسيحِ المهدي ومسيحِ الضلالة ، ليُعرَفَ هذا إذا نَزَل
فيؤمن به المؤمنون ، ويُعرَف الآخر فيحذره الموخِّدون .
وقال البخاري(٦): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر ، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة، عن النبي وَ لّ قال: ((رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق، فقالَ له: أسَرَقْتَ ؟ قال: كلّ
والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذّبْتُ عيني)).
وكذا رواه مسلم عن(٧) محمد بن رافع عن عبد الرزاق .
وقال أحمد (٨): حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن حُميد الطويل ، عن الحسن وغيره ، عن
أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ◌َّ قال: ((رأى عيسى رَجُلاَ يَسْرقُ فقالَ: يا فلان أسرقت؟
فقال : لا والله ما سرقت . فقال : آمنتُ باللهِ وكذَّبْتُ بصري)) .
وَاذَكُرْ فِي الْكِنَبِ مريم
(١) رواه البخاري: رقم (٣٤٣٩) (٣٤٤٠) في الأنبياء ، باب قول الله ﴿
وقوله : طافية : أي بارزة . وآدم : أسمر . واللمّة : شعر الرأس إذا جاوز الأذنين . ورجِل الشعر : أي قد سرحه
ودهنه . والقطط : شدة جعودة الشعر .
(٢) صحيح مسلم رقم (١٦٩)، في الإيمان ، باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال .
(٣) به ، زيادة من ب .
(٤)
في ط . عبد الله بن نافع . وهو خطأ .
(٥) صحيح البخاري رقم (٣٤٤١). في الأنبياء ، باب ﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ مَريمَ ﴾
(٦)
صحيح البخاري رقم (٣٤٤٤) . في الأنبياء ، باب قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِىِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ
(٧) قوله : مسلم عن ، سقط من ط . والحديث في صحيح مسلم ، رقم (٢٣٦٨)، في الفضائل ، باب فضائل عيسى
عليه السلام .
(٨) المسند (٢/ ٣٨٣).

٢٩٨
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
وهذا يدلّ على سجيّةٍ طاهرة ، حيث قدَّم حلف ذلك الرجل ، فظنَّ أن أحداً لا يحلف بعظمة الله
كاذباً ، على ما شاهده منه عياناً ، فقبل عُذرَه ، ورجع على نفسه فقال: آمنت بالله، أي : صدَّقتُكَ،
وكذّبت بصري لأجل حلفك .
وقال البخاري(١): حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سُفيان، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن
جُبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله مَله: ((تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُزْلًا)) ثمّ قرأ ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ
خَلْقِ تُعِيدُمُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فأوَّلُ الخلقِ يُكْسَى إبراهيم، ثمّ يُؤْخَذُ برجالٍ من
أصحابي ذات اليمين وذات الشمال ، فأقول : أصحابي ! فيقال : إنّهم لن يزالوا مرتَدّين على أعقابهم منذ
فارقتَهُم . فأقول كما قال العبدُ الصالحُ عيسى ابنُ مريم ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّ دُمْتُ فِهِمٌّ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ
الرَّقِيبَ عَلَيْهِمّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ (٤) إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ المائدة: ١١٧-
١١٨ ] .
تفرّد به دون مسلم من هذا الوجه .
وقال(٢) أيضاً: حدّثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدِي، حدّثنا سفيان، سمعت الزُّهْري يقول : أخبرني
عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس سمع عُمر يقول على المنبر: سمعتُ رسول الله وَل يقول:
((لا تُطْروني كما أطْرتِ النَّصارى عيسى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ ورسولُه )).
وقال البخاري(٣): حدّثنا مسلم بن(٤) إبراهيم ، حدّثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّه قال: ((لم يَتَكَلَّمْ في المهدِ إلّ ثَلاثَةٌ: عيسى، وكانَ في بني إسرائيل رجلٌ يقال
له جُرَيجِ يُصَلِّي إذْ جاءته(٥) أُّهُ فدعتْه، فقال: أُجِيْبُها أو أُصَلّي؟ فقالت: اللهم لاتُمِتْهُ حَتّى تُريه وجوهً
المومساتِ . وكان جُريجٌ في صَوْمَعةٍ ، فتعرَّضت(٦) له امرأة وكلَّمته فأبى ، فأتت راعياً فأمكنته من
نفسها ، فولدت غلاماً ، [ فقيل لها: ممن؟(٧) قالت : من جريج . فأتَوْه وكَسروا صومعته ، فأنزلوه
وسبّوه . فتوضّاً وصلّى ، ثمّ أتى الغلامَ فقالَ : من أبوك يا غلام ؟ قال : فلانٌ الراعي . قالوا : أنبني
صومعتَكَ من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين . وكانتِ امرأةٌ تُرضعُ ابناً لها في بني إسرائيل ، فمرّ بها رجلٌ
(١) صحيح البخاري رقم (٣٤٤٧)، في الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَ ﴾.
(٢)
صحيح البخاري رقم (٣٤٤٥)، في الأنبياء، باب ﴿ وَأَذْكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْتَمَ ﴾
(٣)
صحيح البخاري رقم (٣٤٣٦)، في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَ﴾ .
(٤)
قوله : مسلم بن سقط من ط .
(٥)
في البخاري : كان يصلي فجاءته .
كذا في ب. وهو موافق لرواية البخاري، في م وط (( فعرضت)).
(٦)
ليست في البخاري .
(٧)

٢٩٩
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
راكبٌ ذُو شَارَةٍ . فقالتْ : اللهمَّ اجعل ابني مثلَه ، فترك ثديَها وأقبلَ على الراكِب فقال : اللهم لا تجعلْني
مثلَه. ثم أقْبَلَ عَلى ثَدْيها يَمُضُّه. قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ◌َِّ يمص أصبعه. (( ثم مُر بأَمَةٍ ،
فقالتْ : اللهم لا تجعل ابني مثلَ هذه . فتركَ ثديَها فقال : اللهم اجعلني مثلَها . فقالت : لم ذلك ؟
فقالت : الراكبُ جبَّارٌ من الجبابرة، وهذه الأمَةُ يقولون سَرَقَتْ وزَنَتْ(١) ولم تفعل)).
وقال البخاري(٢): حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سَلَمة أن أبا هريرة قال:
سمعت رسول الله وّله يقول: ((أنا أَوْلى الناسِ بابنِ مَرْيَم، والأنبياءُ أولادُ عَلاَّتٍ، ليس بيني وبينه نبي )).
تفرد به البخاري من هذا الوجه .
ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث أبي داود الحَفَرِي(٣) ، عن الثوري، عن أبي الزناد ، عن
أبي سَلَمة ، عن أبي هريرة .
وقال أحمد(٤) : حدّثنا وكيع ، حدّثنا سفيان - هو الثوري - عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: «أنا أَوْلَى الناسِ بِعيسى عليه السلام، والأنبياءُ إخوةٌ أولادُ عَلاَّتٍ،
ولَيْس بيني وبين عِيسى نبي )) .
وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه .
وأخرجه أحمد(٥) عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّ بنحوه.
وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه(٦) .
وقال أحمد (٧): حدّثنا يحيى، عن ابن أبي عَرُوبة، حدّثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌ََّ قال: ((الأنبياءُ إخْوَةٌ لِعَلَّت. ودِينُهم واحدٌ وَأُمَّهاتُهُم شَتَّى. وأنا أَوْلى الناسِ
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَم لأنَّه لم يَكُنْ بَيني وبَيْنِه نبيٌّ، وإنَّه نازِلٌ، فإذا رأَيْتُمُوهُ فاعْرِفُوه، فإنهُ رَجُلٌ مربوعٌ إلى
الحُمْرةِ والبياضِ ، سَبط، كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وإِنْ لَم يُصِبْهُ بَلَلٌ بَيْن مُمَصَّرَتَيْنُ(٨) ، فيكسر الصليبَ ، ويَقْتُلُ
(١) في البخاري : سرقتِ زنيتِ .
(٢) صحيح البخاري رقم (٣٤٤٢) في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ وَأَذَكَّرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَ ﴾.
(٣) هو عمر بن سعد بن عبيد أبو داود الحفَري، ثقة عابد، توفي سنة (٢٠٣ هـ) وقيل (٢٠٦ هـ). والحَفَري : نسبة
إلى محلة بالكوفة. تقريب التهذيب (٥٦/٢)، واللباب (٣٧٥/١)، والحديث في الإحسان (٦١٩٥).
(٤) المسند (٢/ ٤٦٣).
(٥) مسند أحمد (٣١٩/٢) .
(٦) الإحسان (٦١٩٤) .
(٧) المسند (٢/ ٤٣٧).
(٨) في ط: مخصرتين، وهو تحريف، والممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة . النهاية لابن الأثير (٣٣٦/٤).

٣٠٠
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
الخِنزير، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويُعَطِّلُ المِلَلَ ، حتى يهلك في زمانه المِلَل كلُّها غير الإسلام ، ويُهلك اللهُ فى
زمانه المسيحَ الدجَّالَ الكذابَ ، وتقع الأَمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعاً، والنمورُ مع
البقر، والذئابُ مع الغنم ، ويلعبُ الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً، فيمكثُ ما شاءَ اللهُ
أنْ يمكثَ ، ثمّ يُتَوفَّى، فَيُصَلِّ عليه المسلمونَ ويدفنونَه)).
ثمّ رواه أحمد (١) عن عَفّان ، عن همام ، عن قتادة ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، فذكر
نحوه، وقال: ((فيمكث أربعين سنةً. ثُمَّ يُتَوفّى ويصلّي عليه المسلمون)).
ورواه أبو داود عن هُدبة بن خالد ، عن همام بن يحيى (٢) ، به نحوه .
وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبي هريرة، عنه أن رسول الله وَ لّ قال: ((فيمكث في الأرض
أربعين سنة)) . وسيأتي بيانُ نزوله عليه السلام في آخر الزمان في كتاب الملاحم(٣)، كما بسطنا ذلك أيضاً
في ((التفسير)) عند قوله تعالى في سورة النّساء [الآية: ١٥٩]: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِ قَبْلَ مَوْنَةٌ.
وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾(٤)، وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآيةُ(٥) [الزخرف: ٦١]، وأنَّ ينزل على
المنارة البيضاءِ بدمشق ، وقد أقيمت صلاةُ الصبح ، فيقول له إمام المسلمين : تقدَّم يا روح الله فَصَلِّ ،
فيقول : لا ، بعضُكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة ، وفي رواية : فيقول له عيسى : إنما أُقيمت
الصلاةُ لكَ ، فيُصلي خلفه . ثمّ يركبُ ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال ، فيلحقه عند باب لُدّ ،
فيقتله بيده الكريمة . وذكرنا أنه قَويَ الرجاءُ حِيْنَ بُنيت هذه المنارةُ الشرقيةُ بدمشق التي هي من حِجارة
بيض ، وقد بنيت (٦) أيضاً من أموال النصارى حين حَرقوا التي هدمت وما حولها ، فينزل عليها عيسى ابن
مريم عليه السلام ، فيقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ولا يقبل من أحدٍ إلّ إلاسلام، وأنه يخرج(٧) من
فج الرَّوْحاء حاجاً أو معتمراً أو ليُثَنِّيهما ، ويقيم أربعين سنة ، ثمّ يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية
عند رسول الله ◌َو وصاحبيه .
وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر(٨) في آخر ترجمة (٩) المسيح عليه السلام في كتاب عن
(١) المسند (٤٠٦/٢).
سنن أبي داود ( ٤٣٢٤)، ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان أيضاً (٦٨٢١).
(٢)
(٣)
في الجزء الأخير من هذا الكتاب . وهناك تخريج الأحاديث الواردة في ذلك .
(٤)
تفسير ابن كثير (٥٧٨/١) وما بعدها .
(٥)
التفسير (١٣١/٤) وما بعدها .
أشار ابن كثير في تفسيره (٥٨٣/١) إلى أن المنارة المذكورة بنيت سنة إحدى وأربعين وسبعمئة .
(٦)
(٧)
كذا في ب . وفي أوط : يحج . وفج الروحاء : بين مكة والمدينة .
مختصر ابن منظور (٢٠ / ١٥٤) .
(٨)
(٩) كذا في ط : وفي بعض النسخ : بعثة . وفي ب قصة .