Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
ذکر خراب بيت المقدس
القلوب والألسنة كلها بيدي فأقلَبُها كيف شئِتُ فتطيعني، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي . قامت السماوات
والأرض وما فيهن بكلمتي ، وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلّ لي ، ولا يعلم ما عندي غيري ،
وأنا الذي كلّمتُ البحار ففهمتْ قولي ، وأمرتها ففعلت أمري، وحدَّدْتُ عليها حدوداً فلا تعدو حدِّي ،
وتأتي بأمواجٍ كالجبال فإذا بلغت حَدّي ألبستُها مذَلَّةً لطاعتي وخوفاً واعترافاً لأمري ، وإني معكَ ولن يصل
إليك شيءٌ معي ، وإني بعثتُك إلى خلقٍ عظيمٍ من خلقي لتبلِّغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر منٍ
اتّبعك، ولا ينقص من أجورهم شيئاً [وإن تقصر عنها تستحق بذلك مني وزر من تركته في عماية
ولا ينتقص ذلك من أوزارهم شيئاً ﴾(١) انطلق إلى قومك فقُم فيهم وقل لهم: إن الله قد ذكركم بصلاح
آبائكم فلذلك استبقاكم . يا معشر أبناء الأنبياء ، كيف وجد آباؤكم مَغَبَّةَ طاعتي ؟ وكيف وجدتم مغبةً
معصيتي ؟ وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي ؟! وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي ؟ إن
الدوابَّ إذا ذَكَرت أوطانَها الصالحة نزعت إليها ، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مُروج الهَلَكَة وتركوا الأمر
الذي به أكرمتُ آباءهم ، وابتغوا الكرامة من غير وجهها .
أما أحبارهم ورهبانهم: فاتخذوا عبادي خَوَلَ(٢) يتعبَّدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم
أمري، وأنسَوْهم ذكري وسُنَّتَي وغرُّوهم عني، فدانَ لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلّ لي فهم
يطيعونهم في معصيتي .
وأما ملوكهم وأمراؤهم : فبطروا نعمتي وأمِنوا مكري ، وغرَّتهمُ الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا
عهدي ، فهم يُحرّفون كتابي ويفترون على رسُلي جرأةً منهم عليَّ وغرة بي ، فسبحان جلالي وعلوَّ مكاني
وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي ؟ وهل ينبغي لبشر أن يُطاع في معصيتي ؟! وهل
ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني ، أو آذن لأحد بالطاعة لأحد لا تنبغي إلا لي ؟ ! .
وأما قُرَّاؤهم وفقهاؤهم : فيدرسون ما يتخَيَّرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون
في ديني ، ويطيعونهم في معصيتي ، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي ، فهم جَهَلة بما يعلمون
لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي .
وأما أولاد النبيين : فمقهورون ومفتونون ، يخوضون مع الخائضين ، يتمنَّون مثلَ نصري آباءهم ،
والكرامةَ التي أكرمتهم بها ، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم ، بغير صدق منهم ولا تفكر ،
ولا يذكرون كيف كان صبرُ آبائهم ، وكيف كان جهدهم في أمري حين اغتَّ المغترُون ، وكيف بذلوا
أنفسهم ودماءَهم فصبروا وصدقوا حتى عزّ أمري وظهر ديني . فتأنَّيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني
(١) سقطت العبارة من ط .
(٢) الخَوَل : العبيد والإماء وغيرهم من الحاشية .

٢٠٢
ذکر خراب بيت المقدس
ويرجعون ، فتطوّلت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر ، وأعذرت لهم لعلهم
يتذكرون . وكل ذلك أُمطر عليهم السماء وأُنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو ؛
ولا يزدادون إلّا طغياناً وبُعداً مني. فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتحرَّشون ؟ أم إياي
يُخادعون ؟ أم عليَّ يجترئون ؟ فإني أُقسم بعزتي لأُتيحنَّ عليهم فتنة يتخير فيها الحكيم ، ويضل فيها رأي
ذوي الرأي وحكمة الحكيم ، ثم لأسلطن عليهم جباراً قاسياً عاتياً ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة
والرحمة ، وآليت أن يتبعه عددٌ وسوادٌ مثلُ الليل المظلم ، له فيه عساكر مثل قطع السحاب ، ومواكب مثل
العجاج، وكأن حفيف راياته طيرانُ النسور ، وحمل فرسانه كسرب العقبات(١) يعيدون العمران خراباً
والقرى وحشاً ، ويعيثون في الأرض فساداً ، ويُتَبِّرون ما علوا تتبيراً ، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقون
ولا يَرحمون ولا يبصرون ، ولا يسمعون ، يجولون في الأسواق بأصوات مُرتفعة مثل زئير الأسد تقشعِرُ
من هيبتها الجلود ، وتطيش من سمعها الأحلام ، بألسنة لا يفقهونها ، ووجوه ظاهر عليها المنكر
لا يعرفونها .
فوعزَّتي لأُعَطّلن(٢) بيوتهم من كتبي وقدسي ، ولأُخْلِيَن مجالسهم من حديثها ودروسها ، ولأُوحِشَن
مساجدَهم من عمّارها وزوّارها الذين كانوا يتزيَّنون بعمارتها لغيري ، ويتهجَّدون فيها ويتعبَّدون لكسب
الدنيا بالدين ، ويتفقّهون فيها لغير الدين ، ويتعلّمون فيها لغير العمل . لأُبدّلن ملوكها بالعز الذل ،
وبالأمن الخوف ، وبالغنى الفقر ، وبالنعمة الجوع ، وبطول العافية والرخاء أنواع(٣) البلاء ، وبلباس
الديباج والحرير مَدارع الوبر والعباء ، وبالأرواح الطيبة والأدهان جِيفَ القتل ، وبلباس التيجان أطواق
الحديد والسلاسل والأغلال . ثم لأعيدنَّ فيهم بعد القُصور الواسعة والحصون الحصينة الخرابَ ، وبعد
البروج المشيَّدة مساكن السباع ، وبعد صَهيل الخيل عواء الذئاب ، وبعد ضوء السراج دخان الحريق ،
وبعد الأنس الوحشة والقفار . ثمّ لأبدلنَّ نساءها بالأسوٍرَةِ الأغلال ، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل
الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار ، وبالمشي على الزَّرابي(٤) عُبور الأسواق والأنهار
والخبب إلى الليل في بطون الأسواق ، وبالخدور والستور ، الحسور عن الوجوه والسوق والأسفار
والأرواح السّموم . ثمّ لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حَالِقِ(٥) لَوَصَل ذلك إليه .
إني إنما أُكرم من أكرمني ، وإنما أُهين من هانَ عليه أمري. ثمّ لآمرَنَّ السماء خلال ذلك فلتكونن
(١) الخبر في تاريخ الطبري (٥٤٨/١ - ٥٥٠). وتفسيره (٢٩/١٥ - ٣٠)، وفي بعض النسخ: كنصوب العقبان.
(٢) التعطيل : التفريغ .
(٣) في ب : ألوان.
(٤) الزّرابي: البسط . مفردها : زَربي .
(٥) الحالق : الجبل المنيف المشرف ، ولا يكون إلا مع عدم نبات . اللسان .

٢٠٣
ذکر خراب بيت المقدس
عليهم طبقاً من حديد ، ولاَمُرَنّ الأرض فلتكونَن سبيكة من نحاس ، فلا سماء تمطر ، ولا أرض تنبت .
فإن أمطرت(١) خلال ذلك شيئاً سلّطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركةَ ، وإن دَعَوني
لم أجبْهم ، وإن سألوني لم أُعْطِهِم، وإن بكَوا لم أرحَمْهم ، وإنْ تَضَرَّعوا إليَّ صرفتُ وجهي عنهم ، وإن
قالوا : اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك ، وذلك بأنّك اخترتَنا لنفسكَ ، وجعلتَ
فينا نُبُوَّتَك وكتابك ومساجدك ، ثم مَكَّنْتَ لنا في البلاد واستخلفتنا فيها ، وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك
صِغاراً، وحفظتنا وإيّاهم برحمتك كباراً ، فأنتَ أوفى المُنْعِمين وإنْ غَيَّرْنا، ولا تُبَدّل وإنْ بدَّلْنا . وأن يتم
نعمته وفضله ومَنَّه وطَوله وإحسانه (٢) . فإن قالوا ذلك قلت لهم : إني أبتدىء عبادي برحمتي ونعمتي ،
فإن قبلوا أتممت ، وإن استزادوا زدت ، وإن شكروا ضاعَفْتُ ، وإن بدلوا غيرت ، وإذا غيّروا غضبت ،
وإذا غضبتُ عذَّبْتُ وليس يقوم شيء بغضبي .
قال كعب : فقال أرميا : برحمتك أصبحْت ، أتعلّم بين يديك ، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذلُّ
وأضعفُ مِن أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك ، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم ، وليس أحد أحق أن
يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولًا ، والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك
حولي بغير نكر ولا تغيير مني ، فإن تعذبني فبذنبي ، وإن ترحمني فذلك ظَنّي بك .
ثم قال : يا رب سبحانك وبحمدك وتباركتَ ربَّنا وتعاليت ، أتُهلك هذه القرية وما حولها وهي
مساكن أنبيائك ومنزل وحيك ؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد
وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رُفِعتْ لذكرك ؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت
لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيِّك وقوم داود صفيِّك ؟ .
يا رب أي القرى تأمن عقوبتَك بعدُ ؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأُمّة نجيّك موسى
وقوم خليفتك داود ، تسلط عليهم عبدة النيران ؟ قال الله تعالى : يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي
فإني أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي ، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أن أَتَدَارَكَهم برحمتي .
قال أرميا : يا رب اتخذتَ إبراهيم خليلاً وحفظتنا به . وموسى قَرَّبته نجياً ، فنسألك أن تحفظنا ولا
تتخطفْنا ولا تسلط علينا عدوّنا . فأوحى الله إليه: يا أرميا إني قدَّسْتُك في بطن أمك، وأخَّرتك إلى هذا
اليوم ، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكينَ وابنَ السبيل لكنت الداعم لهم ، وكانوا عندي
بمنزلة جنةٍ ناعم شجرُها ، طاهر ماؤها ، ولا يغور ماؤها ، ولا تبور ثماره ولا تنقطع . ولكن سأشكو
إليك بني إسرائيل ، إني كنتُ لهم بمنزلة الداعي الشفيق أُجَنّبهم كلَّ قَحْطٍ وكلَّ عسرة ، وأتبع بهم الخِصب
(١) في ب : مطرت .
(٢) في ط : وأن تتم فضلك ومَنَّكَ وطَولك وإحسانك .

٢٠٤
ذكر خراب بيت المقدس
حتى صاروا كباشاً ينطح بعضُها بعضاً، فيا ويلَهم ثمّ يا ويلهم، إنّما أُكرم من يكرمني (١)، وأُهين من هان
عليه أمري . إنَّ من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي ، وإن هؤلاء القوم يتبرَّعون
بمعصيتي تبُّعاً ، فيُظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الأشجار ، حتى عجّت
السماء إليَّ منهم ، وعجّت الأرض والجبال ، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها ، وفي كل
ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب .
قال : فلما بلَّغهم أرميا رسالة ربهم ، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب ، عصَوه وكذَّبوه واتّهموه
وقالوا : كذبت وأعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله مُعطّل أرضه ومساجدَه من كتابه وعبادته
وتوحيده ، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابدٌ ولا مسجدٌ ولا كتاب ؟! لقد أعظمت الفرية على الله
واعتراك الجنون . فأخذوه وقَيَّدوه وسجنوه . فعند ذلك بعث الله عليهم بختَ نصر ، فأقبل يسير بجنوده
حتى نزل بساحتهم ، ثم حاصرَهم فكان كما قال تعالى: ﴿ فَجَاسُواْ خِلَلَ الذِّيَارِ﴾.
قال : فلما طال بهم الحصر نزلوا على حُكمه ، ففتحوا الأبوابَ وتخلَّلوا الأزِقّة ، وذلك قوله :
﴿ فَجَاسُواْ خِلَلَ الذِيَارِّ﴾، وحكم فيهم حُكم الجاهلية، ويطْشَ الجبّارين، فقتل منهم الثلثَ ، وسبى
الثلثَ ، وترك الزَّمْنَى والشيوخَ والعجائز ، ثم وطِئهم بالخيل ، وهدم بيت المقدس ، وساق الصبيان ،
وأوقف النساء في الأسواق محسرات (٢) ، وقتل المقاتلة وخرّب الحصون ، وهدمَ المساجد ، وحرقَ
التوراة ، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد ماتَ ، وأخرج أهلُ بيته الكتاب إليه
وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر(٣) وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب . وكان
دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر ، ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس ، ووطىء الشامَ كلَّها ،
وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم .
فلما فرغ منها انصرف راجعاً وحمل الأموال التي كانت بها ، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من
أبناء الأحبار والملوك تسعين ألفَ غلام ، وقذف الكناسات في بيت المقدس ، وذبح فيه الخنازير . وكان
الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود ، وأحدَ عشرَ ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين ،
وثمانية آلاف من سبط إيشا بن يعقوب ، وأربعة عشر ألفاً من سبط زيالون ونفتالي ابني يعقوب ، وأربعةً
عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب(٤) وألفين من سبط زيالون بن
(١)
في ب وط : أكرمني .
(٢)
في ب وط : حاسرات .
في ب : دانيال الأصغر ابن حزقيل .
(٣)
(٤) من قوله : وثمانية آلاف .. إلى هنا زيادة من ب وط.

٢٠٥
ذکر خراب بيت المقدس
يعقوب ، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل(١)، وانطلق حتى
قدم أرض بابل .
قال إسحاق بن بشر : قال وهب بن منبه : فلما فعل ما فعل قيل له : كان لهم صاحب يُحذّرهُم
ما أصابهم ، ويصفك وخبرك لهم ، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق
كنائسهم ، فكذّبوه واتّهموه وضربوه وقيَّدوه وحبسوه . فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن ، فقال
له : أكنتَ تُحذّر هؤلاء القوم ما أصابهمُ(٢) ؟ قال: نعم . قال: فإني علمتُ ذلك. قال: أَرسلني الله
إليهم فكذّبوني . قال: كذَّبوك وضربوك وسجنوك؟ قال : نعم . قال : بئس القوم قومٌ كذّبوا نبيَّهم
وكذّبوا رسالة ربّهم ، فهل لك أن تلحق بي فأكرمَك وأُواسيك؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمَّنْتك .
قال له أرميا : إني لم أزل في أمان الله منذ كنتُ . لم أخرج منه ساعةً قَطُ ، ولو أن بني إسرائيل لم يَخْرجوا
منه لم يخافوك ولا غيرَك ، ولم يكن لك عليهم سلطانٌ . فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه فأقام
أرميا مكانه بأرض إيلياء ٣) .
وهذا سياق غريب . وفيه حِكم ومواعظ وأشياء مليحة ، وفيه من جهة التغريب غرابة .
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي : كان بخت نصر إصبهذا٤) لما بين الأهواز إلى الروم
للملك على الفرس وهو لهراسب ، وكان قد بنى مدينة بلْخ(٥) التي تلقب بالخنساء ، وقاتل الترك وألجأهم
إلى أضيق الأماكن ، وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام ، فلما قدم الشام صالحه (٦) أهل دمشق ،
وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب ، وذلك لتعدي بني
إسرائيل على رسله إليهم .
وقد روى ابن جرير ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن سليمان بن بلال ، عن
يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيِّب : أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دماً يغلي على
كبا - يعني القمامة - فسألهم ما هذا الدم ؟ فقالوا : أدركنا آباءَنا على هذا، وكلما ظهرَ عليه الكَبا ظهرَ .
قال : فقتل على ذلك سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكن(٧) .
(١) مجموع من ذكرهم هاهنا ثمانون ألفاً، تاريخ الطبري (١/ ٥٥٣) .
(٢) من قوله : ويصفك وخبرك .... إلى هنا ساقط من ب بنقلة عين.
(٣) إيلياء : اسم مدينة بيت المقدس. ( معجم ياقوت ) .
(٤) الصَّبَهْبَذ، والإصبهبذ: فارسي معرب، وهو عندهم كالأمير في العرب. المعرّب: (٢١٨)، واللسان (إصبهبذ).
(٥)
معجم ياقوت : بلغ (١ / ٤٧٩ ) .
(٦) في ب : فصالحه .
(٧) تاريخ الطبري ( ٥٨٧ - ٥٨٨).

٢٠٦
ذکر خراب بيت المقدس
وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيِّب ، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا
دم يحيى بن زكريا ، وهذا لا يصح ؛ لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة ، والظاهر أن هذا دم نبي
متقدّم ، أو دم لبعض الصالحين(١) ، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به .
قال هشام بن الكلبي : ثمّ قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملکها وکان من آل داود ، وصانعه عن
بني إسرائيل ، وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع . فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم
فقتلوه لأجل أنه صالحه ، فضرب رقابَ من معه من الرهائن ، ورجَع إليهم فأخذ المدينة عَنوة ، وقتل
المقاتلة وسبى الذرية (٢) .
قال : وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبيَّ، فأخرجه وقصَّ عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم
عن ذلك فكذبوه وسجنوه ، فقال بخت نصر : بئس القوم قومٌ عصَوا رسول الله . وخلّى سبيله وأحسن إليه
واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا : إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عزَّ وجلَّ مما
صنعنا ، فادعُ الله أن يقبل توبتنا ، فدعا ربَّه فأوحى الله إليه أنه غيرُ فاعلٍ ، فإن كانوا صادقين فليقيموا معكَ
بهذه البلدة ، فأخبرهم ما أمره الله تعالى به ، فقالوا : كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على
أهلها ؟ فأبوا أن يقيمو(٣) .
قال ابن الكلبي : ومن ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل في البلاد ، فنزلت طائفةٌ منهم الحجاز ،
وطائفة يثرب ، وطائفة وادي القُرى ، وذهبت شِرْذمة منهم إلى مصر ، فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب
منه من شرد منهم إليه ، فأبى عليه ، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم . ثمّ ركب إلى
بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية . قال : ثمّ انصرف بسبي كثيرٍ من أرض المغرب ومصر وأهل
بيت المقدس وأرض فلسطين والأردن ، وفي السبي دانيال .
قلت : والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه . والله أعلم .
**
تاريخ الطبري ( ٥٨٩/١ ) .
(١)
(٢) نقله الطبري (٥٣٨/١)، عن ابن الكلبي. وابن الأثير في الكامل (١/ ٢٦٢).
(٣) الطبري (٥٣٨/١).

٢٠٧
خبر دانيال عليه السلام
ذكر (١) شيء من خبر دَانيال عليه السّلام
قال ابن أبي الدنيا : حدّثنا أحمد بن عبد الأعلى الشّيباني قال : إن لم أكن سمعته من شعيب بن
صفوان ، فحدّثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكِنْدي ، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال : ضَرَّى بختُ
نَصَّر أَسَدين، فألقاهما في جُبِّ ، وجاء بدانيال فألقاه عليهما ، فلم يهيجاه(٢) ، فمكث ما شاء الله ، ثم
اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب ، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام إن أعدِد طعاماً وشراباً
لدانيال ، فقال : يا رب أنا بالأرض المقدَّسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق ، فأوحى الله إليه أن
أعدِد ما أمرناك به فإنا سنرسل مَن يحملُك ويحملُ ما أعددت، ففعل، وأرسل الله تعالى مَن حَمَلَه وحمل
ما أعدَّ ، حتى وقف على رأس الجبّ، فقال : دانيالُ! دانيال ! فقال : من هذا؟ قال : أنا أرميا . فقال :
ما جاء بك ؟ فقال : أرسلني إليك ربُّك. قال: وقد ذكرني(٣) ربي؟ قال: نعم . فقال دانيال : الحمد
الله الذي لا ينسى مَن ذَكره . والحمد لله الذي لا يخيِّب(٤) من رجاه . والحمد لله الذي من وثق به لم يكِلْه
إلى غيره . والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا . والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً . والحمد لله
الذي هو يكشف ضَرَّنا بعد كربنا . والحمد لله الذي هو يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا . والحمد لله الذي هو
رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا . قال : ولم أره ذكر إيصال ما أعدَّه أرميا لدانيال من الطعام الذي أحب(٥).
وقال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق عن أبي خَلْدة خالد بن دينار(٦) ، حدّثنا أبو العالية قال :
لما افتتحنا تُسْتَر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف
فحملناه إلى عمر بن الخطاب ، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية . فأنا أول رجل من العرب قرأه ، قرأته مثل
ما أقرأ القرآن هذا . فقلت لأبي العالية : ما كان فيه ؟ قال : سِيَرُكم وأمورُكم ولُحون كلامكم ، وما هو
كائن بعدُ . قلت : فما صنعتم بالرجل ؟ قال : حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرّقةً ، فلما كان بالليل دفنّاه
وسوّينا القبورَ كلَّها لنُعَمِّيه على الناس فلا ينبشونه . قلت : فما يرجون منه؟ قال : كانت السماء إذا
حبست عنهم برزوا بسريره فيُمْطَرون . قلت : مَن كنتم تظنّون الرجلَ ؟ قال : رجل يقال له : دانيال .
(١) ليست في ط .
(٢) الكامل لابن الأثير (٢٦٦/١ - ٢٦٧).
(٣) من قوله : قال : أنا أرميا .. إلى هنا، زيادة من ب وط.
(٤)
في ط : الذي يجيب .
(٥)
قوله : قال ولم أره .. إلى هنا ، زيادة من ب .
(٦) كذا في ب . وهو الصواب . وفي أوط : أبي خلدون بن دينار وهو سهو . وخالد بن دينار التميمي السعدي ،
أبو خَلْدَة ، محدث صدوق، من الطبقة الخامسة ، مشهور بكنيته . تقريب التهذيب (١/ ٢١٣).

٢٠٨
خبر دانيال عليه السلام
قلت : منذ كم وجدتموه قد مات ؟ قال : من ثلاثمئة سنة . قلت : ما تغيَّر منه شيء ؟ قال : لا ، إلا
شعرات من قفاه ، إن لُحوم الأنبياء لا تُبليها الأرض ولا تأكلها السباع .
وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظاً من ثلاثمئة سنة ، فليس بنبي
بل هو رجل صالح ، لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله وَّ نبي بنص الحديث الذي في
البخاري(١)، والفترة التي كانت بينهما أربعمئة سنة. وقيل: ستمئة . وقيل: ستمئة وعشرون سنة، وقد
يكون تاريخ وفاته من ثمانمئة سنة ، وهو قريب من وقت دانيال ، إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في
نفس الأمر ، فإنه قد يكون رجلاً آخر ، إما من الأنبياء أو الصالحين ، ولكن قربت(٢) الظنون أنه دانيال ،
لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجوناً ، كما تقدم .
وقد روي بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شِبرٌ .
وعن أنس بن مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع(٣) - والله أعلم - ، فيحتمل على هذا أن يكون رجلاً
من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المد(٤) . والله أعلم .
وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب (( أحكام القبور)(٥) : حدّثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن
عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، حدّثنا أبو القاسم بن عبد الله ، عن أبي الأشعث الأحمري
قال: قال رسول الله وَ له: إن دانيال دعا ربّه عز وجل أن تدفنه أمّة محمد، فلما افتتح أبو موسى الأشعري
تستر، وجده في تابوت تَضْرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله بَ لّه قال: (( من دل على دانيال
فبشّروه بالجنة )). فكان الذي دلّ عليه رجل يقال له: حُرقوص ، فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره ،
فكتب إليه عمر أنِ ادفنه وابعث إليّ حرقوص(٦) فإن النبي ◌َّل بِشَّره الجنة.
وهذا مرسل من هذا الوجه ، وفي كونه محفوظاً نظر . والله أعلم .
(١) صحيح البخاري رقم (٣٤٤٢)، في الأنبياء، باب ( ٤٨) قول الله تعالى: ﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِشَبِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ
أَهْلِهَا﴾. ونص الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَليل يقول: ((أنا أولى الناس
بابن مريم ، والأنبياء أولاد عَلاَت ، ليس بيني وبينه نبي)).
(٢)
في ب : قويت .
في ب : والله أعلم ، ولم يرد في نهاية كلامه .
(٣)
(٤)
في ب : المدة .
من كتبه التي لم تطبع بعد . فيما أعلم . ومن عادة ابن أبي الدنيا أن يذكر أحاديثه بسنده الخاص مما لا يشاركه فيها
(٥)
أحد من أصحاب المصادر إلا ما ندر .
(٦) في ب : بحر قوص . وهو حرقوص بن زهير . أحد القادة الذين شاركوا في فتح الأهواز . تاريخ الطبري
( ٤ / ٧٧ ) .

٢٠٩
خبر دانيال عليه السلام
ثم قال ابن أبي الدنيا : حدّثنا أبو بلال ، حدّثنا قاسم بن عبد الله ، عن عنبسة بن سعيد وكان عالماً
قال : وجد أبو موسى مع دانيال مُصْحفاً وجَرَّة فيها ودل(١) ودراهم وخاتمه ، فكتب أبو موسى بذلك إلى
عمر ، فكتب إليه عمر : أمّا المصحف فابعث به إلينا ، وأما الوَدَك فابعث إلينا منه، ومُر مَن قِبَلَك من
المسلمين يستشفون به ، واقسم الدراهم بينهم ، وأمّا الخاتم فقد نَفَلْناكَهُ .
وروى ابن أبي الدنيا من غير وجه أن أبا موسى لما وجده ذكروا له أنه دانيال التزمه وعانقه وقبّله.
وكتب إلى عُمر يذكر له أمره ، وأنه وجد عنده مالًا موضوعاً قريباً من عشرة آلاف درهم ، وكان من جاء
اقترض منها ، فإن ردَّها وإلّا مرض، وأن عنده ربعة ٢) ، فأمر عُمر بأن يغسل بماءٍ وسدر(٣) ، ويكفّن ويدفن
ويُخفَى قبرُه فلا يعلم به أحد ، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال ، وبالربعة فتحمل إليه ، ونَفَلَه خاتمه .
وروي عن أبي موسى أنه أمر أربعة من الأُسَراء فسَكَّروا نهراً ، وحفروا في وسطه قبراً فدفنه فيه ثمّ قدم
الأربعة الأسراء ، فضرب أعناقهم ، فلم يعلم بمكان موضع قبره غير أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثني إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ، حدثنا
ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه قال : رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري
خاتماً نَفْش فصّه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل ، قال أبو بردة : هذا خاتم ذلك الرجل الميت
الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال ، أخذه أبو موسى يوم دفنه . قال أبو بردة : فسأل أبو موسى علماء
تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا : إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجِّمون وأصحاب
العلم فقالوا له : إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يُغور(٤) ملكك ويفسده. فقال الملك : والله لا يبقى تلك
الليلة غلام إلا قتلته ، إلا أنّهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ولم
يضراه ، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه ، فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ . قال أبو بردة : قال
أبو موسى : قال علماء تلك القرية : فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلاً
ینسی نعمة الله علیه.
إسناد حسن .
** *
(١) الودَك : الدسم.
(٢) الربعة : صندوق فيه أجزاء المصحف .
(٣) السدر : شجرة يستخدم ورقها للغسل .
(٤) في ط : يعور .

٢١٠
عمارة بيت المقدس بعد خرابها
وهذا ذكر عمارة بيت المقدس بَعدَ خرابها واجتماع الملأ من بني إسرائيل
بعد تفرقهم في بقاع الأرض وشعابها(١)
قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ
أَّ يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِنَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَنٌَّ قَالَ كَمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِئْتَ مِائَةً
عَامٍ فَانْظُرُ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِّلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ
كَيْفَ تُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّا فَلَمَّا تَبَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ سورة البقرة: ٢٥٩] .
قال هشام بن الكلبي : ثمّ أوحَى الله تعالى إلى أرميا عليه السلام ، فيما بلغني ، إني عامرٌ بيت
المقدس فاخرج إليها فانزلها ، فخرج حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه : سبحان الله ، أمرني الله أن
أنزل هذه البلدة ، وأخبرني أنه عامرها ، فمتى يعمرها ؟! ومتى يُحييها الله بعد موتها؟! ثمّ وضع رأسه
فنام ومعه حمارُه وسلَّة من طعام ، فمكث في نومه سبعين سنةً حتى هَلَك بخت نصر والملك الذي فوقه ،
وهو لهراسب ، وكان ملكه مئة وعشرين سنة ، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت
بخت نصر في دولته ، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب ، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق
بها من الإنس أحد ، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع ، وملّك
عليهم رجلاً من آل داود ، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها . فرجعوا ، فعمروها ، وفتح الله
لإرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تُبنى وكيف تعمر ، ومكث في نومه ذلك حتى تم له مئة سنة ، ثم بعثه الله
وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خراباً فلما نظر إليها عامرة آهلة قال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال : فأقام بنو إسرائيل بها وردّ الله عليهم أمرهم ، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم
الروم في زمن ملوك الطوائف . ثمّ لم يكن لهم جماعة ولا سلطان(٢) ، يعني بعد ظهور النصارى عليهم .
هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه (٣) عنه .
وذكر ابن جرير(٤) أن لهراسب كان ملكاً عادلاً سائساً لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك
والقوّاد(٥) وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل . ثمّ لما ضعف عن تدبير المملكة
بعد مئة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب ، فكان في زمانه ظهور دين المجوسية ، وذلك أن رجلاً
(١) جاء عنوان ط ، هكذا : عمارة بيت المقدس بعد خرابها واجتماع بني إسرائيل .. الأرض.
(٢)
في ب : ولا سلطان ولا عز .
(٣)
تاريخ الطبري (٥٣٨/١ - ٥٤٠) .
تاريخ الطبري (٥٤٠/١ - ٥٤١ ) .
(٤)
(٥) من قوله : وذكر ابن جرير .. إلى هنا سقط من ب وط.

٢١١
عمارة بيت المقدس بعد خرابها
اسمه زردشت كان قد صحب أرميا عليه السلام فأغضبه فدعا عليه أرميا ، فبرص زردشت ، فذهب فلحق
بأرض أذربيجان ، وصحب بشتاسب ، فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه - لعنه الله (١)
فقبله منه بشتاسب ، وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أباه منهم(٢).
ثمّ كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والأبطال المذكورين وقد -
ناب بخت نصر لكلّ واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهراً طويلاً ، قبّحه الله .
والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المارّ على هذه القرية هو إرميا عليه السلام. قاله (٣)
وهب بن منبه ، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما ، وهو قوي من حيث السياق المتقدم .
وقد رُوي عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتادة والسُّدّي وسليمان بن بريدة وغيرهم
أنه عُزير(٤) . وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف . والله أعلم .
(١) سقطت من ط .
(٢)
تاريخ الطبري ( ١/ ٥٤٠، ٥٦١ ).
في ط : قال. تفسير الطبري ( ٢٠/٣).
(٣)
تفسير الطبري (١٩/٣ - ٢٠) وفيه: وجائز أن يكون ذلك عزيراً، وجائز أن يكون أرميا ، ولا حاجة بنا إلى معرفة
(٤)
اسمه ، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك ، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على
إحيائه خلقه بعد مماتهم ، وإعادتهم بعد فنائهم .

٢١٢
قصة العزير
وَهذه قِصَّة العزير
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : هو عزير بن جروة ، ويقال بن سوریق بن عدیا بن أيوب بن درزنا
ابن عري بن تقي بن إيشوع (١) بن فنخاص بن العازر بن هارون بن عمران. ويقال: عزير بن سَروخا٢ً) .
جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق .
ثمّ ساق من طريق أبي القاسم البغوي عن داود بن عمرو عن حِبان بن علي عن محمد بن كُريب عن أبيه
عن ابن عباس مرفوعاً (( لا أدري أَلُعِنَ تُبَعٌّ أم (٣)، ولا أدري أكان عزير نبياً أم لا)) .
ثمّ رواه من حديث مؤمّل بن الحسن عن محمد بن إسحاق السِّجْزي ، عن عبد الرزاق عن معمر ، عن
أبي ذؤيب ، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه .
ثمّ روي من طريق إسحاق بن بشر، وهو متروك(٤) ، عن جويبر ومقاتل ، عن الضحاك ، عن
ابن عباس أن عزيراً كان ممن سباه بخت نصر وهو غلام حدث ، فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة ،
قال : ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه . قال : وكان يُذكَر مع الأنبياء حتى محا الله اسمه من ذلك
حين سأل ربّه عن القدر(٥) . وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر . والله أعلم.
وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن سلام أن عزيراً هو
العبد الذي أماته الله مئة عام ثمّ بعثه .
وقال إسحاق بن بشر : أخبرنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن كعب ، وسعيد بن أبي عروبة ، عن
قتادة ، عن الحسن ، ومقاتل وجويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس وعن عبد الله بن إسماعيل السُّدّي ،
عن أبيه ، عن مجاهد ، عن ابن عباس، وإدريس عن جده وهب بن منبه ، قال إسحاق : كل هؤلاء
حدَّثوني عن حديث عزير ، وزاد بعضهم على بعض ، قالوا بإسنادهم : إن عزيراً كان عبداً صالحاً
حكيما ، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها ، فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه
(١) في ط ، وبعض النسخ : أسبوع .
(٢) مختصر تاريخ دمشق (١٧ / ٣٥). وفيه اختلاف في بعض الأسماء . درتنا بن غرى بن بقي.
(٣) في ط: العين بيع ... وهو تحريف وتصحيف. وفي بعض النسخ: ( لا أدري العزير بيع أم لا) والحديث ذكره
الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية )) رقم (٣٤٧١) مختصراً وفي إسناده ضعف .
(٤) المجروحين لابن حبان (١٣٥/١ - ١٣٧).
(٥) مختصر تاريخ دمشق (١٧/ ٣٥).

٢١٣
قصة العزير
الحر ، ودخل الخربة وهو على حماره ، فنزل عن حماره ومعه سلَّة فيها تين وسلَّة فيها عنب ، فنزل في
ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه ، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة ، ثم أخرج خبزاً يابساً
معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط ، فنظر
سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها ، ورأى عظاماً بالية فقال :
﴿ أَّى يُحِىء هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فلم يشك أن الله يحييها ، ولكن قالها تعجُباً ، فبعث الله ملك الموت فقبض
روحه ، فأماته الله مئة عام . فلما أتت عليه مئة عام وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث ،
قال : فبعث الله إلى عزير مَلَكاً فخلق قلبه ليعقل(١) به، وعينيه لينظر بهمافيعقل كيف يحيي الله الموتى.
ثمّ رَّب خلقه وهو ينظر ثمّ كَسَى عظامه اللحم والشعر والجلد ، ثمّ نفخ فيه الروح ، كلّ ذلك وهو يرى
ويعقل ، فاستوى جالساً ، فقال له الملَك: كم لبثتَ؟ قال: لبثت يوماً، وذلك أنه كان لبث(٢) صدر
النهار عند الظهيرة ، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب ، فقال : أو بعض يوم ، ولم يتم لي يوم ،
فقال له الملك : بل لبثت مئة عام ، فانظر إلى طعامك وشرابك ، يعني الطعام الخبز اليابس ، وشرابه
العصير الذي كان اعتصر في القصعة فإذا هما على حالهما ، لم يتغير العصير ، والخبز يابس ، فذلك
قوله : ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهُ﴾ يعني لم يتغير ، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير عن شيء من حالهم ، فكأنه
أنكر فى قلبه ، فقال له الملك : أنكرتَ ما قلتُ لك ؟ انظر إلى حمارك ، فنظر إلى حماره قد بليت عظامه
وصارت نَخِرة ، فنادى الملكُ عظامَ الحمار ، فأجابت وأقبلت من كلِّ ناحية حتى ركبه الملك ، وعزير
ينظر إليه ، ثمّ ألبسها العروق والعصب ، ثمّ كساها اللحم ، ثمّ أنبت عليها الجلد والشعر ، ثم نفخ فيه
الملك فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً يظن القيامةَ قد قامت، فذلك قوله: ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى
حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ يعني: وانظر
إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم ، ثمّ
انظر كيف نكسوها لحماً ، فلما تبيّن له قال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ من إحياء الموتى
وغيره .
قال : فركب حماره حتى أتى محلّته ، فأنكره الناسُ ، وأنكر الناسَ ، وأنكر منزله ، فانطلق على وهم
منه حتى أتى منزله ، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مئة وعشرون سنة ، كانت أَمَّةً لهم ، فخرج
عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته ، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة . فقال لها عزير :
يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت : نعم هذا منزل عزير، فبكت وقالت : ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنةً
يذكر عزيراً وقد نسيه الناس . قال : فإني أنا عزير كان الله أماتني مئة سنة ثم بعثني . قالت : سبحان الله
(١) في ط : ليعقل قلبه .
(٢) في ب : نام . في مختصر ابن عساكر : كان نام في صدر النهار .

٢١٤
قصة العزير
فإن عزيراً [ قد فقدناه منذ مئة سنة فلم نسمع له بذكر، قال: فإني أنا عزير. قالت: فإن عزيراً }١) رجلٌ
مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء ، فادع الله أن يردّ عليّ بصري حتى
أراك ، فإن كنتَ عزيراً عرفتُك . قال : فدعا ربّه ومسح بيده على عينيها فصحَّتا وأخذ بيدها وقال : قومي
بإذن الله، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نَشِطَتْ من عقال(٢) فنظرت فقالت : أشهد أنك عزير .
وانطلقت إلى محلّة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم ، وابن لعزير شيخ ابن مئة سنة وثماني عشرة
سنة ، ومن بني بنيه شيوخ في المجلس ، فنادتهم فقالت : هذا عزير قد جاءكم ، فكذبوها ، فقالت : أنا
فلانة مولاتكم دعا لي ربه فردَّ عليّ بصري وأطلق رجليّ، وزعم أن الله أماته مئة سنة ثم بعثه . قال :
فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه : كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه ، فكشف عن کتفيه فإذا هو
عزير . فقالت بنو إسرائيل : فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حُدّثنا غير عزير ، وقد حرق بخت نصر
التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظتِ الرجال ، فاكتبها لنا ، وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام
بخت نصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير ، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة
وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب ، قال : وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدَّد لهم التوراة
ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكَّر التوراة فجدَّدها لبني إسرائيل(٣) . فمن ثم قالت اليهود :
عزير ابن الله للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل . وكان جدَّد لهم التوراة
بأرض السواد بدير حزقيل . والقرية التي مات فيها يقال لها : سايراباذ . قال ابن عباس فكان كما قال
الله تعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني لبني إسرائيل. وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ
وهو شاب ، لأنه مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات .
قال ابن عباس : بعث بعد بخت نصر . وكذلك قال الحسن .
وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس : [من الطويل ]
وأسودُ رأسٍ شابَ من قبلِه ابنُهُ ومن قبلِه ابنُ ابْنِهِ فَهْو أكْبرُ
ولحيتُه سَودَاءُ والرأسُ أشقرُ
يَرَى ابنَهُ شَيْخاً يدبُّ على عَصاً
يقومُ كما يمشي الصبيّ فيعْثُو(٤)
وما لابنهِ حَيْلٌ ولا فَضْلُ قوّةٍ
وعشرينَ لا يجري ولا يَتَبِخْتَرُ
يَعُدُّ ابنُهُ في الناسِ تِسْعِينَ حجةً
(١) سقطت من ب بنقلة عين .
في لسان العرب ، نشط : يقال للأخذ بسرعة في أي عمل كان ، وللمريض إذا برأ .
(٢)
(٣) تفسير الطبري: (٢٢/٣ - ٣٢).
(٤) في ب : يمشي الصغير .

٢١٥
قصة العزير
ولابن ابنه تِسْعون في الناسِ عُبّ(١)
وعُمرُ أبيهِ أَرْبَعُون أمرَّها
فما هُو في المعْقولِ إن كنتَ دارياً
وإن كنتَ لا تدري فبالجَهْلِ تُعذَ(٢)
*
فضْلٌ
المشهور أن عزيراً نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وأنه كان فيما بين داود وسليمان ، وبين زكريا
ويحيى ، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حِفظَها فسردها على بني إسرائيل كما
قال وهب بن منبه : أمر الله ملكاً فنزل بمغرفة من نور ، فقذَفها في عزير ، فنسخ التوراةَ حرفاً بحرف حتى
فرغ منها ٣) .
وروى ابنُ عساكر(٤) عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى ﴿ وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ
عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [ التوبة: ٣٠] لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كَتْبِه لبني إسرائيل التوراة من حفظه
وقول بني إسرائيل : لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب ، وإن عزيراً قد جاءنا بها من غير
كتاب ، فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله . ولهذا يقول كثير من العلماء : إن تواتر التوراة انقطع في
زمن العزير . وهذا متجه جداً إذا كان العزير غير نبي كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ، فيما
رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان عن عطاء ، وعن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ومقاتل عن
عطاء بن أبي رباح قال : كان في الفترة تسعة أشياء : بخت نصر ، وجنة صنعاء ، وجنة سبأ ، وأصحاب
الأخدود ، وأمرحاصورا ، وأصحاب الكهف ، وأصحاب الفيل ، ومدينة إنطاكية ، وأمر تُبَّع .
وقال إسحاق بن بشر : أخبرنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال : كان أمر عزير وبخت نصر في
الفترة .
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((إنَّ أَوْلَى الناسِ بابنٍ مَرْيَمَ لأَنا، إنه ليْسَ بَيني وبَيْنَهُ
نبيّ )(٥) .
وقال وهب بن منبه : كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام .
(١) في ط : ولأن ابنه . وهو خطأ .
(٢) الخبر فى مختصر ابن عساكر (١٧ / ٣٧ - ٤٠) . وفيه اختلاف يسير .
(٣) تفسير الطبري (١٠/ ٧٨).
(٤) مختصر ابن عساكر ( ١٧/ ٤٠) وما بعدها .
(٥) في ب: أنا أولى بابن مريم وإنه .. والحديث تقدم تخريجه ص (٢٠٦).

٢١٦
قصة العزير
وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيراً كان في زمن موسى بن عمران ،
وأنه استأذن عليه فلم يأذن له ، يعني لما كان من سؤاله عن القدر ، وأنه انصرف وهو يقول : مئة مَوتة أهون
من ذُلِّ ساعة .
وفي معنى قول عزير : مئة موتة أهون من ذُلِّ ساعة قول بعض الشعراء : [ من السريع ]
ويأنَفُ الصَّبرَ على الحيْفِ
قَد يَصْبر الحرّ على السّيفِ
يَعْجَزُ فيها عن قِرِى الضّيفِ
ويؤثِرُ الموتَ على حَالَةٍ
فأما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونَوْف البِكَالي(١) وسفيان الثوري وغيرهم من أنه سأل
عن القدر فمحى اسمه من ذكر الأنبياء ، فهو منكر ، وفي صحته نظر ، وكأنه مأخوذ من الإسرائيليات .
وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجَوني ، عن نوف البكالي
قال : قال عزير فيما يناجي ربّه : يا رب تخلق خلقاً فتضل من تشاء وتهدي من تشاء ، فقيل له : أعرض
عن هذا ، فعاد . فقيل له لتعرض عن هذا أو لأمحوَنَّ اسمك من الأنبياء ، إني لا أسأل عما أفعل وهم
يسألون . وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد . فما عاد ، فما محي اسمه . والله أعلم .
وقد روى جماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن
أبي هريرة ، وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله الر:
(( نزل نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرةٍ فلدغته نملةٌ ، فأمَر بجهازه فأخُرِجَ من تحتها ، ثمّ أَمَرَ بها فأُحرِقَتْ
بالنارِ ، فأوحى الله إليه فهالا٢ً) نملةً واحدةً (٣).
فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه أنه عزير .
وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزير ، فالله أعلم .
(١) نوف بن فَضَالة البِكالي ، ابن امرأة كعب ، شامي ، وقد كذب ابن عباس ما رواه البكالي عن أهل الكتاب . مات بعد
التسعين للهجرة . تقريب التهذيب (٣٠٩/٢) .
(٢) في ط : مهلاً. وهو تصحيف. وفي ب: أن لدغتك نملة أحرقت أمة من الأمم . وهي رواية أخرى للحديث
أخرجها البخاري رقم (٣٠١٩) في الجهاد، باب ( ١٥٣)، ومسلم رقم (٢٢٤١) (١٤٨)، في السلام ، باب
النهي عن قتل النمل .
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٣١٩)، في بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم .. ، ومسلم ( ٢٢٤١)
(١٤٩، ١٥٠)، في السلام، باب النهي عن قتل النمل، وأبو داود (٥٢٦٥) وابن ماجه (٣٢٢٥) ، في
الأدب، باب في قتل الذر. وأحمد (٢/ ٣١٣، ٤٤٩). والنسائي (٧/ ٢١١).
وقوله : فهلا نملة واحدة أي : فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك .

٢١٧
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
قصّة زكريا ويحيى عليهما السّلام
قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كَهِيعَصّ ◌َ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ
زَكَرِنََّ ﴿ إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًّا (٢) قَالَ رَبٍ إِ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنَّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ
شَفِيًّا (®) وَ إِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِنَّا (٥ْ يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوب
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٥) يَزَكَرِنَّآ إِنَّا تُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (®] قَالَ رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ
غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَاتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٥َّ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَفْتُكَ مِن
قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (٥] فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،
مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١) يَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٦) وَحَنَانَا مِّن
لَّكُنَا وَزَكَوَةً وَكَانَ تَقِيًّا (١) وَبَرَّا بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (١٦) وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
[ مريم: ١ - ١٥ ] .
وقال تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرَِّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيُ أَّ لَكٍ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ
◌َهُنَالِكَ دَعَا زَكَرِبَّا رَبٌَّ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ
عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الدُّعَاءِ ﴿ فَنَادَتَّهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ الْمِحْرَابِ أَنَّاللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًًّا مِّنَ
◌َ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ ثُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَآَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤) قَالَ رَبِّ
الصَّلِحِينَ
أُجْعَل لِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًّا وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ ﴾
[ آل عمران: ٣٧ - ٤١ ] .
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبٍ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ !
٨٩
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ؛ إِنَّهُمْ كَانُوْيُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّأْ وَكَانُوْلَنَاخَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
وقال تعالى ﴿ وَزَكَرِتَا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [ الأنعام: ٨٥].
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل : زكريا بن برخيا ، ويقال :
زكريا بن دان، ويقال: زكريا بن لد( (١) بن مسلم بن صدوف بن خُشبان بن داود بن سليمان بن
مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهغاشاط بن إينامن بن رحبعام بن
سليمان بن داود أبو يحيى النبي عليه السلام من بني إسرائيل . دخل البثنية (٢) من أعمال دمشق في
(١) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٤٥/٩) أدن .
(٢) في ط : البثينة ؛ وهو تصحيف . والبثنية : ناحية من نواحي دمشق بينها وبين أذرعات . معجم البلدان .

٢١٨
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
طلب ابنه يحيى . وقيل : إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى . والله أعلم(١) .
وقد قيل غير ذلك في نسبه ، ويقال فيه : زكريا بالمد وبالقصر . ويقال : زكرى أيضاً .
والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله محمد٢ً) وَّر أن يقصّ على الناس خبر زكريا عليه السلام وما كان
من أمره حين وهبه الله ولداً على الكبر ، وكانت امرأته عاقرا٣ً) في حال شبيبتها ، وقد أسَنَّت أيضاً ، حتى
لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس، فقال تعالى: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِكَ
عَبْدَهُ زَكَرِيََّ ﴿ إِذْنَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًا﴾.
قال قتادة عند تفسيرها : إن الله يعلم القلب النقيَّ ويسمع الصوت الخفيّ(٤).
وقال بعض السلف : قام من الليل فنادى ربه مناداةً أسرّها عمّن كان حاضراً عنده مخافتة فقال :
يا رب، يا رب، يا رب! فقال الله: لبيك لبيك لبيك ﴿قَالَ رَبِّ إِنِى وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنِّ﴾ أي : ضعف وخار
منَ الكبر، ﴿ وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب ، أي: غلب على سواد الشعر
شيبه ، كما قال ابن دريد في مقصورته(٥) : [من الرجز ]
طُرَّةَ صُبحٍ تَحْتَ أذيالِ الدُّجى
إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكَى لَوْنُه
مِثْلَ اشْتِعالِ النَّارِ فِي جَمرِ الغَضى
واشْتَعَلَ المُنْيَضُّ في مُسْودِهِ
مِنْ بَعْدِ ما قَدْ كانَ مَجَّاجَ الثَّرَى(٦)
وآضَ عودُ اللَّهْوِ يَبْساً ذَاوياً
يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطناً وظاهراً، وهكذا قال زكريا عليه السلام ﴿ إِنِّ وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِّ
وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا﴾ وقوله: ﴿ وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَبِكَ رَبِّ شَفِيًّا﴾ أي: ما دعوتني فيما أسألك إلا
الإجابة . وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنتَ عمران بن ماثان ؛ وكان كلما دخل عليها
محرابها وجد عندها فاكهة في غير أيامها ولا في أوانها ، وهذه من كرامات الأولياء ، فعلم أن الرازق
للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولداً، وإن كان قد طعن في سنه(٧) ﴿ هُنَالِكَ دَعَانَكَرِبَارَبٌَّ قَالَ رَبِّ
هَبْ لِى مِن لَُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾. وقوله: ﴿ وَإِنِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ آَمْرَأَنِى
عَاقِرًا ﴾.
(١) مختصر ابن منظور (٤٥/٩).
(٢) ليست في ط.
في ب : مع ذلك عاقراً .
(٣)
(٤)
تفسير الطبري (١٦ /٣٥).
الأبيات مطلع مقصورته . شرح المقصورة للتبريزي ( ١٣ - ١٤).
(٥)
في شرح التبريزي : واض روضُ ..
(٦)
(٧) في ب : سنه وزمانه .

٢١٩
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
قيل : المراد بالموالي العصبة(١) ، وكأنه خاف من تصرُّفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله
وطاعته ، فسأل وجود ولد من صلبه يكون برّاً تقياً مرضياً ، ولهذا قال: ﴿ فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ ﴾ أي من
عندك بحولك وقوتك ﴿ وَلِيًّا (٥ يَرْتُبِ﴾ أي في النبوة والحُكْم في بني إسرائيل ﴿وَبَرِثُ مِنْ ءَالٍ يَعْقُوبٌ
وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياءَ ، فاجعله مثلهم في الكرامة التي
أكرمتهم بها من النبوة والوحي ، وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ،
ووافقهم ابن جرير هاهنا ، وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه : أحدها ما قدّمناه عند قوله تعالى :
﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَّ﴾ أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في
الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله وَ ل قال: ((لا نورث
ما تَرَكْنَا فَهُو صَدَقَةٌ)(٢) فهذا نص على أن رسول الله وَّ لا يورث، ولهذا منع الصدّيق أن يصرف
ما يختص به في حياته ، إلى أحد من ورَّائه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم ، وهم ابنته فاطمة وأزواجه
التسع وعمه العباس رضي الله عنهم ، واحتج عليهم الصدِّيق في منعه إياهم بهذا الحديث ، وقد وافقه على
روايته عن رسول الله ◌ّير عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن
عبد المطلب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، والزبير ، وأبو هريرة ، وآخرون رضي الله عنهم .
الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء ((نَحْنُ مَعَاشرَ الأنبياءِ لا نورث)) وصححه(٣).
الثالث : أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها٤) أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها ، حتى
يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم ، فإن من لا يصل إلى قريب منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن
يسأل ولداً يكون وارثاً له فيها .
الرابع : أن زكريا عليه السلام كان نجّاراً يعمل بيده ويأكل من كسبها ، كما كان داود عليه السلام يأكل
من كسب يده ، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهاداً يستفضل منه
ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده ، وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله بتدبُر وتفهُم إن شاء الله .
(١) تفسير الطبري (٣٦/١٦)، وهو قول مجاهد، وقتادة ، والسدي.
(٢) تقدم ص (١٧٦).
(٣) لم يروه الترمذي بهذا اللفظ. قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٨/١٢) وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول
وغيرهم بلفظ ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) فقد أنكره جماعة من الأئمة ، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ
(نحن) لكن أخرجه النسائي بلفظ ((إنا معشر الأنبياء لا نورث)). أقول : وهو في الكبرى للنسائي رقم (٦٢٧٥)
المؤسسة ، ورواه كذلك أحمد في المسند (٤٦٣/٢) وإسناده صحيح، ورواه البخاري رقم (٤٠٣٣) ومسلم
(١٧٥٨) بلفظ ( لا نورث ما تركنا فهو صدقة).
(٤) في ب : يكترثوا بها .

٢٢٠
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
قال الإمام أحمد(١) : حدثنا يزيد، يعني ابن هارون ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي
رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلَّه قال: ((كانَ زَكَرِيّا نجاراً ».
وهكذا رواه مسلمُ(٢) وابن ماجه (٣) من غير وجه(٤) عن حماد بن سلمة به .
وقوله : ﴿يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ وهذا مفسر بقوله:
فَنَادَتَّهُ الْمَلَتَبِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلَى فِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ
الصَّلِحِينَ﴾. فلما بُشّر بالولد وتحقَّق البشارة ، شرع يستعلم على وجه التعجُّب وجود الولد والحالة هذه
له ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبرِعِنِيًّا ﴾ أي کیف یوجد ولد من
شيخ كبير ؟! قيل : كان عمره إذ ذاك سبعاً وسبعين سنة ، والأشبه - والله أعلم - أنه كان أسن من ذلك
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِيِ عَاقِرًا﴾ يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقراً ولا تلد . والله أعلم . كما قال
الخليل ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَى أَنْ مَسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]. وقالت سارة: ﴿يَوَيِلَىْ ءَأَلِدُ وَأَنَّ
عَجُوزُ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ.
حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [ هود: ٧٢ - ٧٣]. وهكذا أُجيب زكريا عليه السلام ، قال له الملَك الذي يوحي إليه بأمر ربه :
كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَّ هَيِّنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْتَكُ شَيْئًا﴾ أي قُدْرَتُه
أوجدتْك بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً ، أفلا يوجِدُ منكَ ولداً وإن كنت شيخا٥ً) .
وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ كَانُوْ يُسَرِعُونَ فِ
اُلْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض
فحاضت . وقيل : كان في لسانها شيء، أي بذاءة٦) ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لّ ءَايَةٌ﴾ أي: علامة على وقت
تعلّق مني المرأة بهذا الولد المبشّر به ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول : علامة ذلك
أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزاً ، وأنت في ذلك سَويّ الخلق ، صحيح المزاج ، معتدل
البنية . وأمر بكثرة الذِّكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار ، فلما بشّر بهذه
البشارة خرج مسروراً بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ . والوحي هاهنا هو
(١) المسند (٢٩٦/٢).
صحيح مسلم رقم ( ٢٣٧٩) ، في الفضائل ، باب من فضائل زكريا عليه السلام .
(٢)
(٣)
سنن ابن ماجه رقم ( ٢١٥٠) ، في التجارات ، باب الصناعات .
قوله : من غير وجه ليس في ب . فمسلم رواه عن هذاب بن خالد عن حماد . وابن ماجه عن محمد بن عبد الله
(٤)
الخزاعي والحجاج بن منهال ، والهيثم بن جميل ، عن حماد .
(٥)
في ب : شيخاً كبيراً .
(٦) تفسير الطبري (٦٦/١٧)، والقرطبي (٣٣٦/١١)، وابن كثير (١٩٣/٣).