Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام وقد ذكروا في السفر الثالث (١) : أن الله أمر موسى وهارون أن يعدّا بني إسرائيل على أسباطهم ، وأن يجعلا على كلِّ سبطٍ من الاثني عشر أميراً - وهو النقيب (٢) وما ذاك إلّا ليتأهبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه ، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنةً . ولهذا قال بعضهم : إنما فقأ موسى عليه السلام عين ملك الموت لأنه لم يعرفه في صورته تلك ، ولأنه كان قد أُمر بأمر كان يرتجي وقوعه في زمانه ، ولم يكن في قَدَر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون عليه السلام ، كما أن رسول الله وَ ﴿ كان قد أراد غزو الروم بالشام، فوصل إلى تبوك ثمَّ رجع عامه ذلك في سنة تسعٍ . ثمّ حجّ في سنة عشر، ثمّ رجع فجهّز جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ، ثمّ كان على عزم الخروج إليهم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [ التوبة: ٢٩]. ولما جهّز رسولُ الله جيشَ أسامة توفي عليه الصلاة والسلام وأسامة مخيِّم بالجُرْفِ(٣) ، فَنَفَّذَهُ صِدِّيقُه وخليفته أبو بكر الصدّيقُ(٤) رضي الله عنه. ثمّ لمّا لمّ شعث جزيرة العرب ، وما كان وهَى من أمر أهلها ، وعاد الحقّ إلى نصابه ، جهّز الجيوش يمنةً ويسرةً إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس ، وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ، ففتح الله لهم ، ومكّن لهم وبهم ، وملَّكهم نواصي أعدائهم ، كما سنورده في موضعه إذا انتهينا إليه مفصّلاً إن شاء الله ، بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده . وهكذا موسى عليه السلام كان الله تعالى قد أمره أن يجنّد بني إسرائيل ، وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقال الله: ﴿﴿ إِنّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِيٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] يقول لهم: لئن قمتم بما أوجبت عليكم، ولم تَنْكِلُوا عن القتال كما نَكَلتم أوَّلَ مرة ، لأجعلن ثواب هذه مكفّراً لما وقع عليكم من عقاب تلك ، كما قال تعالى لمن تخلّف من الأعراب عن رسول الله وَ﴿ه في غزوة(٥) الحديبية: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَدِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرَا حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [ الفتح: ١٦]. في سفر العدد ، وهو الرابع ، الإصحاح الأول . (١) (٢) قوله : وهو النقيب . زيادة من ب وط . (٣) موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام . انظر ما قاله المؤلف في خبر ( تنفيذ جيش أسامة بن زيد ) من هذا الكتاب . ومطلع حديثه من أخبار سنة ( ١٣ هـ). (٤) (٥) في ب: عمرة. ويقال: غزوة الحديبية، وعمرة الحديبية، لأن رسول الله وَّل إنما كان قصده العمرة. ١٢٢ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل(١): ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾. ثمّ ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم ، كما ذمّ مَن بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم. وقد ذكرنا ذلك في (( التفسير)) مستقصى ولله الحمد(٢) والمقصود أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعداً ، وأن يجعل على كلّ سِبطٍ نقيباً منهم . السبط الأول : سبط روبيل (٣) لأنه بكر يعقوب ، كان عدّة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفاً وخمسمئة ، ونقيبهم منهم وهو أليصور بن شَدَيْتُورُ(٤) السبط الثاني: سبط شمعون، وكانوا تسعة وخمسين ألف٥ً)، ونقيبهم شلوميئيل بن صُوريشَدَّاي(٦). السبط الثالث : سبط يهوذا ، وكانوا أربعة وسبعين ألفاً وستمئة ، ونقيبهم نحشون بن عَمِّيناداب . السبط الرابع: سبط إيساخر(٧) ، وكانوا أربعة وخمسين ألفاً وأربعمئة ، ونقيبهم نثنائيل بن صوغر(٨). السبط (٩) الخامس : سبط يوسف عليه السلام ، وكانوا أربعين ألفاً وخمسمئة ، ونقيبهم يوشع بن نول(١٠) السبط السادس: سبط ميشا، وكانوا أحداً(١) وثلاثين ألفاً ومئتين ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور(١٢). السبط السابع : سبط بنيامين ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفاً وأربعمئة ونقيبهم أبيدن بن جدعون . السبط الثامن : سبط جاد ، وكانوا خمسة وأربعين ألفاً وستمئة وخمسين رجلاً ، ونقيبهم أَلياساف بن دعوئيل . (١) قوله : لبني إسرائيل . زيادة من ب وط . (٢) تفسير ابن كثير ( ٢ / ٤٤ ). (٣) في التوراة : رأوبين . كذا في ط . والتوراة . وفي أوب : أليضون بن سادور . (٤) (٥) زاد في ط : وثلاثمئة . وهي في التوراة أيضاً . كذا في التوراة ، وفي أوب : ساموال بن صورشدي . وفي ط : هو ريشداي . (٦) (٧) في التوراة : يسَّاكر . (٨) كذا في التوراة ، وط . وفي أوب : شال بن صاعون. (٩) قوله : السبط . زيادة من ب وط . (١٠) في التوراة: لابني يوسف: لافراييم؛ أليشمَع بن عمّيهود. ولمنسَى: جملئيل بن مذهصور. (١١) في التوراة : اثنان وثلاثون . (١٢) في أوب : يرضون . ١٢٣ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام السبط التاسع : سبط أَشِير، وكانوا أحداً وأربعين ألفاً وخمسمئة ونقيبهم فجعيئيل بن عُكْزَنُ(١). السبط العاشر : سبط دان ، وكانوا اثنين وستين ألفاً وسبعمئة ونقيبهم أَخِيعَزَر ابن عَمّيشدّاي(٢) السبط الحادي عشر : سبط نفتالي وكانوا ثلاثة وعشرين (٣) ألفاً وأربعمئة ونقيبهم أخيرَع بن عينن(٤). السبط الثاني عشر : سبط زبولون (٥) ، وكانوا سبعة وخمسين ألفاً وأربعمئة ، ونقيبهم ألياب بن حِيلول(٦) . هذا نص كتابهم الذي بأيديهم والله أعلم . وليس منهم بنو لاوي . فأمر الله موسى أن لا يعدَّهم معهم لأنّهم موكّلون بحمل قُبة الشهادة ، وضربها ، ونصبها ، وحملها إذا ارتحلوا ، وهو سبط موسى وهارون عليهما السلام، وكانوا اثنين وعشرين ألفاً من ابن شَهْرٍ فما فوق ذلك . وهم في أنفسهم قبائل إلى كلِّ قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ، ويحفظونها ، ويقومون بمصالحها ، ونصبها وحملها ، وهم كلّهم حولها ينزلون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشأمتها٧) ووراءها . وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوي خمسمئة ألف وأحد وسبعون ألفاً وستمئة وخمسون (٨) ، لكن قالوا : فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ستمئة ألف وثلاثة آلاف وخمسمئة وخمسين(٩) رجلاً سوى بني لاوي ، وفي هذا نظر ، فإن جميع الجمل المتقدّمة إن كانت كما وجدنا في كتابهمُ(١) لا تطابق الجملة التي ذكروها . والله أعلم . فكان بنو لاوي الموكّلون بحفظ قبّة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل وهم القلب ، ورأس الميمنة بنو روبيل، ورأس الميسرة بنو دان، وبنو نفتالي يكونون ساقةً (١) . وقَرَّر موسى عليه السلام بأمر الله تعالى (١) كذا في ط . والتوراة . وفي أوب مخابيل بن عجران. (٢) كذا في ط . والتوراة . وفي أ : جعيدر بن عيشدي . وفي ب: جعيدر بن عمشيد. (٣) في ط : وخمسي ، وهي كذلك في التوراة . كذا في التوراة . وفي أوب : أخدع بن عنيان . وفي ط : عين . (٤) (٥) كذا في ط . التوراة. وفي أوب : زايلون. في أ . الباب بن جالون . وفي ب . بإليان بن جالون . وفي ط : ألباب . واثبتنا ما في التوراة . (٦) (٧) فى ط : وشمالها. والشأمة : الميسرة . وقال: قعد فلان يمنة ، وقعد فلان شأمة . اللسان . في ط : خمسمئة ألف وأحد وسبعون ألفا وست مئة وست وخمسون . وهذا الرقم الذي ورد أقل من مجموع ما ذكر (٨) مفصلاً قبل قليل . (٩) هذا ما ورد في التوراة . وفي ب : ألف ألف وثلاثة آلاف وخمس مئة وخمسين . وفي ط : ... وخمسة وخمسين . (١٠) بل ليست مطابقة لما في المطبوع من التوراة اليوم. (١١) في ب : يلتقون : ساقة. والساقة : مؤخرة الجيش. ١٢٤ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام له الكهانة في بني هارون كما كانت لأبيهم من قبلهم وهم ناداب وهو بكره وأبيهو وألعازر ويثمر (١). والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا : فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [ المائدة: ٢٤] قاله الثوري : عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . وقاله قتادة وعكرمة . ورواه السُّدّي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ، حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف : ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعاً ٢) . وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى ، وإنما كان يوشع على مقدّمته ، وذکر في مروره إليها قصّة بلعام بن باعور الذي قال تعالى فيه: ﴿ وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَتِنَا فَأَنْسَلَغَ مِنْهَا فَتَبْعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿﴿ وَلَؤْ شِئْنَا لَرَفَعْتَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( سَآءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧] وقد ذكرنا قصته في ((التفسير)(٣)، وأنّه كان فيما قاله ابن عباس وغيرُه يعلم الاسم الأعظم ، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم ، ولما ألحّوا عليه ركب حمارة له . ثمّ سار نحو معسكر بني إسرائيل ، فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته ، فضربها حتى قامت ، فسارت غير بعيد وربضت ، فضربها ضرباً أشدّ من الأول ، فقامت ثمّ ربضت ، فضربها ، فقالت له : يا بلعام أين تذهب ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا ! أتذهب إلى نبي الله والمؤمنین تدعو عليهم ؟ فلم ينزع عنها فضربها حتی سارت به ، حتى أشرف عليهم من رأس جبل حُسْبان ، ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو عليهم ، فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ويدعو على قوم نفسه ، فلاموه على ذلك ، فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا، واندلع لسانُه حتى وقع على صدره ، وقال لقومه : ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة . ثمّ أمر قومه أن يزيّنوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم ، حتى لعلّهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجلٌ منهم كُفيتموهم ، ففعلوا وزينّوا نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر ، فمرّت امرأة منهم اسمها كُسْتَى برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زَمري بن شَلوم ، يقال : إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب ، فدخل بها قُبَّته ، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل ، فجعل يجوس(٤) فيهم ، فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العيزار بن هارون (١) في التوراة : إيثاما . ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥٢/٣ ). (٢) (٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٦٤) وما بعدها . (٤) يجوس : يتردد ويتنقل . ١٢٥ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام أخذ حربته - وكانت من حديد - فدخل عليهما القُتَّةَ ، فانتظمهما جميعاً فيها ، ثمّ خرج بهما على الناس ، والحربة في يده ، وقد اعتمد على خاصرته ، وأسندها إلى لحيته ، ورفعهما نحو السماء ، وجعل يقول : اللهم هكذا تفعل بمن يعصيك ، ورُفع الطاعونُ . فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفاً ، والمقلِّلُ يقول : عشرون ألفا . وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون ، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة أليته والذراع واللحى ، ولهم البكر من كلِّ أموالهم وأنفسهم . وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصّة بلعام صحيح ، قد ذكره غير واحد من علماء السّلف . لكن لعلّه لما أراد موسى دخول بيت المقدس [ أول مقدمه من الديار المصرية ، ولعلّه مراد ابن إسحاق ، ولكن ما فهمه بعض الناقلين عنه . وقد قدّمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم . أو لعلّ هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه ، فإن في هذا السياق ذكر حُسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس ، أو لعلّه كان هذا بجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصداً بيت المقدس ] كما صرح به الشُّدِّي . والله أعلم . وعلى كلّ تقدير فالذي عليه الجمهور أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين . وبعده موسى في التيه أيضاً كما قدّمنا ، وأنه سأل ربّه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك . فكان الذي خرج بهم من التيه ، وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام ، فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا ، وكانت من أحصن المدائن سوراً ، وأعلاها قصوراً ، وأكثرها أهلاً ، فحاصرها ستة أشهر . ثمّ إنهم أحاطوا بها يوماً وضربوا بالقرون - يعني الأبواق - وكبّروا تكبيرةَ رجلٍ واحدٍ ، فتفسّخ سورها ، وسقط وجبة واحدة ، فدخلوها ، وأخذوا ما وجدوا فيها من المغانم ، وقتلوا اثني عشر ألفاً من الرجال والنساء ، وحاربوا ملوكاً كثيرةً . ويقال : إن يوشع ظهر على أحدٍ وثلاثين ملكاً من ملوك الشام . وذكروا أنه انتهى محاصرته له إلى يوم جمعةٍ بعد العصر . فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان ، قال لها : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها عليَّ ، فحبسها الله علیه حتى تمكّن من فتح البلد ، وأمر القمر فوقف عن الطلوع ، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر . والأول ، وهو قضية الشمس ، مذكورة في الحديث الذي سأذكره. وأما قضية القمر فمن عند أهل الكتاب ، ولا ينافي الحديث ، بل فيه زيادة تستفاد فلا تُصدق ولا تُكذب ، ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر ، والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم ، وفتح أريحا كان وسيلة إليه . والله أعلم . ١٢٦ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام قال الإمام أحمد: حدّثنا أسود بن عامر ، حدّثنا أبو بكر ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله بَّةٍ: ((إنَّ الشَّمسَ لم تُحْبَسْ لِبَشْرِ إلّا لِيوشَع لَيَاليَ سَارَ إلى بَيْتِ المُقْدِس(١) . انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط البخاري . وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام ، لا موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا . وفيه أن هذا كان من خصائص يوشَع عليه السلام ، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي مَ لّ على ركبته ، فسأل رسول الله أن يردّها عليه حتى يصلّي العصر فرجعت (٢). وقد صححه أحمد بن صالح المصري(٣) ، ولكنه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان ، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله . وتفرّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها . والله أعلم . وقال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّهَ بَّ: ((غزا نبيٌّ مِنَ الأنبياءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لا يَتْبَعنِي رَجُلٌ قَد مَلكَ بُضْعَ امرأةٍ وهُو يُريدُ أن يَبْنِيَ بها ولَمَّا يَبْنِ ، ولا آخرُ قَدْ بَنَى بنياناً ولم يَرْفَعِ سُقُفَها، ولا آخرُ قَدِ اشْتَرى غنماً أو خَلِفاتٍ (٤) وهو يَنْتَظِرُ أولادَها . فغزا فدنا منَ القَريةِ حِينَ صُلي العصر أو قريباً من ذلكَ ، فقال للشمسِ : أنتِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ ، اللهم احْبِسْها عَلَيَّ شَيئاً ، فَحُبِسَتْ عَلَيه حتّى فَتَحَ اللهُ عليه ، فَجَمَعُوا مَا غَنِموا فأتت النارُ لتَأْكُلَه، فأبت أنْ تطعمَه، فَقَالَ: فِيكُم غُلُولٌ(٥) فلْيبايِعْني مِن كُلِّ قَبيلةٍ رَجُلٌ ، فبايعوهُ ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بيدِهِ ، فقالَ: فيكُمُ الغُلُولُ، ولْتُبايعني قبيلَتُكَ، فبايعَتْهُ قبيلَتُه، فَلَصِقَ بِيدِ رَجُلَين أو ثلاثةٍ، فقالَ: فيكُم الغُلولُ، أنتم غَللتم، فأخْرَجُوا له مثلَ رأسٍ بَقَرَةٍ من ذهب ، قالَ : فوضَعُوه بالمالِ وهو بالصَّعِيْد ، فأقبلتِ النارُ فَأَكَلَتْهُ، فلم تحلَّ الغنائمُ لأحَدٍ مِنْ قَبْلنا ، ذلك بأنّ الله رأى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنا فطيِّبَها لَنا)). انفرد به مسلم(٦) من هذا الوجه(٧) (١) المسند (٣٢٥/٢). (٢) الحديث في شرح الزرقاني (١١٣/٥) ومشكل الآثار (٨/٢) والشفا (١/ ٥٤٨) وفي الحديث كلام. انظر شرح الزرقاني. (٣) في أ : علي بن صالح المصري ، والصواب ما أثبتناه فهو أحمد بن صالح المصري أبو جعفر الحافظ المعروف بابن الطبري كان أبوه من أهل طبرستان، ولد بمصر (١٧٥ هـ) وتوفي فيها (٢٤٨ هـ). قال ابن حبان في كتاب الثقات: كان أحمد بن صالح في الحديث وحفظه عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أهل العراق . تهذيب التهذيب (٣٩/١). (٤) رواه أحمد (٢/ ٣١٨) والخَلِفَات: جمع خلفة ، وهي الحامل من النوق. (٥) الغُلول : الخيانة في المغنم ، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة . هو في مسند أحمد ( ٣١٨/٢) كما قال في بداية الحديث . وأخرجه مسلم أيضاً كما قال هنا، رقم ( ١٧٤٧ ) في (٦) الجهاد والسير ، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة . (٧) لعله يريد من حديث عبد الرزاق عن معمر ، وإلا فإن البخاري أخرجه من حديث عبد الله بن المبارك عن معمر به (٣١٢٤) و(٥١٥٧). ١٢٧ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله ، عن سعيد المقْبُري ، عن أبي هريرة ، عن النبي ◌ُ ◌ّ نحوه (١)، قال: ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري(٢). قال: ورواه قتادة ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي بعدي( ٣) والمقصود أنّه لما دخل بهم باب المدينة أُمروا أن يدخلوها سُجَّدا، أي : ركّعا متواضعين شاكرين لله عز وجل على ما مَنَّ به عليهم من الفتح العظيم الذي كان الله وعدهم إياه ، وأن يقولوا حال دخولهم : حِطّة ، أي: حط عنا خطايانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدّم منا. ولهذا لما دخل رسول اللّه ◌ُ ﴾ مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقَتَه ، وهو متواضعٌ حامدٌ شاكرٌ حتى أن عُثنونه ، وهو طرف لحيته ، ليمس مورك رحله مما يطأطىء رأسَه خضعاناً لله عز وجل ، ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق ، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله وَّه، ثمّ لما دخلها اغتسل وصلّى ثماني ركعات ، وهي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء . وقيل : إنّها صلاة الضحى ، وما حمل هذا القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت وقت الضحى . وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أُمروا به قولاً وفعلاً، دخلوا الباب يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، وفي رواية: حنطة في شعرة. وحاصله أنّهم بدّلوا ما أُمروا به واستهزؤوا به، كما قال الله تعالى حاكياً عنهم في سورة الأعراف، وهي مكية: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ اُلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيّئَتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [ الآيتان: ١٦١ - ١٦٢] وقال تعالى في سورة البقرة، وهي مدنية مخاطبا٤ً) لهم: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا آدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَّوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ رِجْزًّاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ [الآيتان: ٥٨ -٥٩]. وقال الثوري ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا ﴾ قال: رُكّعاً من باب صغير . رواه الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم. وكذا روى العوفي عن ابن عباس . وكذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء . قال مجاهد والسدي والضحاك : الباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس . (١) أخرجه الحاكم من طريق مبارك بن فضالة، به (١٣٩/٢). (٢) لم أقف عليه من هذا الوجه . (٣) أخرجه النسائي في السير من سننه الكبرى (٨٨٧٨)، وابن حبان (٤٨٠٧). (٤) تفسير الطبري (١/ ٢٣٨). ١٢٨ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام قال ابن مسعود : فدخلوا مقنعي رؤوسهم ضد ما أُمروا به . وهذا لا ينافي قول ابن عباس إنهم دخلوا يزحفون على أستاههم . وهكذا في الحديث الذي سنورده بعدُ فإنّهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رؤوسهم . وقوله : ﴿ وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة ، أي: ادخلوا سُجَّداً في حال قولكم حطّة . قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع: أمروا أن يستغفرو(١) . قال البخاري(٢): حدّثنا محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك ، عن مَعْمر ، عن همّام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه قال: ((قيلَ لِبَني إسْرائيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجَّداً، وَقُولُوا : حِطَّة، فَدَخَلوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم، فَبَدَّلُوا وقالُوا: حِطّة حَبة في شَعرة)). وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه (٣). ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي ، به موقوفا٤ً) . وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله وَّله: ((قالَ اللهُ لِبِنِي إِسْرائيلَ: ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّة نغفر لكم خَطَايَاكُم، فَبَدَّلوا فَدَخَلوا البابَ يَزْحَفُونَ على أسْتَاهِهِم ، فقالوا: حَبّة في شَعرة)). ورواه البخاري(٥)، ومسلم(٦) ، والترمذي ، من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي(٧) : حسن صحيح . وقال محمد بن إسحاق : كان تبديلهم كما حدّثني صالح بن كَيْسان، عن صالح مولى التَّوْءَمةُ(٨)، عن أبي هريرة وعمَّن لا أتَّهم ، عن ابن عباس أن رسول الله مَّه قال: «دَخَلوا البابَ الذي أُمِرُوا أن يَدْخُلُوا فيه سُجَّداً يَزْحَقُونَ على أسْتَاهِهِمِ وهُم يقولُونَ: حِنْطة في شَعيرة )(٩) . وقال أسباط ، عن السُّدي، عن مُرة، عن ابن مسعود قال في قوله: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غْرَ (١) انظر تفسير الطبري (٢٣٨/١). (٢) صحيح البخاري رقم (٤٤٧٩) في تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَإِذْقُلْنَا آدْخُلُواْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةَ .. ﴾. (٣) في تفسيره (١٠)، وهو في الكبرى (١٠٩٩٠). في تفسيره (٩)، وهو في الكبرى (١٠٩٨٩). (٤) (٥) صحيح البخاري رقم (٣٤٠٣) في الأنبياء، باب (٢٨) ﴿ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾، و(٤٦٤١) في التفسير . صحيح مسلم رقم ( ٣٠١٥) في التفسير . (٦) (٧) الترمذي رقم (٢٩٥٦) ، في التفسير ، باب ومن سورة البقرة . هو صالح بن نبهان المدني ، مولى التَّوْءمَة ، صدوق ، اختلط بأخرة . توفي سنة خمس أو ست وعشرين . وهو من (٨) رجال التهذيب . (٩) تفسير الطبري (٢٤٠/١) . ١٢٩ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ قال: قالوا ((هطي سمقاثا ازمه مزبا)) فهي في العربية: ( حَبَّة حِنْطَة حَمْراء مَثْقُوبة فيها شَعْرة سَوْداء(١) . وقد ذكر الله تعالى أنّه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرِّجْز الذي أنزله عليهم ، وهو الطاعون ، كما ثبت في ((الصحيحين)) من حديث الزهري عن عامر بن سعد(٢)، ومن حديث مالك عن محمد بن المنْكَدِر وسالم أبي النضر (٣)، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله وَّ﴾ أنه قال: ((إنَّ هذا الوَجَع ( أو السّقم) رِجْزٌ عُذِّبَ بهِ بَعْضُ الأمَم قَبلَكم)). وروى النسائي(٤) وابن أبي حاتم - وهذا لفظه ـ من حديث الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا: قال رسول الله وَلير : (( الطاعُونُ رِجْزٌ عَذابٌ عُذّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم (٥) . وقال الضحاك عن ابن عباس : الرِّجْز : العذاب . وكذا قال مجاهد ، وأبو مالك ، والسدي ، والحسن ، وقتادة . وقال أبو العالية : هو الغضب . وقال الشعبي : الرِجْز : إمّا الطاعون ، وإما البرد . وقال سعيد بن جبير : هو الطاعون . ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة ، فكان مدةُ حياته بعد موسى سبعاً . وعشرين سنة . *** (١) المصدر السابق (١/ ٢٤١). (٢) أخرجه البخاري في ترك الحيل من صحيحه (٦٩٧٤) من حديث شعيب عن الزهري ، به ، وأخرجه مسلم من حديث يونس ومعمر عن الزهري (٢٢١٨) (٩٦). (٣) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل من صحيحه (٣٤٧٣)، ومسلم (٢٢١٨) (٩٢) . (٤) في الطب من سننه الكبرى (٧٥٢٣) . (٥) قصَّر المصنف رحمه الله في تخريج هذه الطريق، فقد رواه مسلم من حديث الثوري ، به (٢٢١٨) (٩٧). ١٣٠ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام أما الخَضر فقد تقدّم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللَُّنّي ، وقصّ الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف ، وذكرنا في تفسير ذلك هنالك ، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرّح بذكر الخضر عليه السلام وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام الذي أنزلت عليه التوراة . وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته إلى الآن على أقوال سأذكرها لك هاهنا ، إن شاء الله وبحوله وقوته . قال الحافظ ابن عساكر : يقال : إنّه الخضر بن آدم عليه السلام لصلبه . ثمّ روى من طريق الدار قطني: حدّثنا محمد بن الفتح القَلانِسيّ(١)، حدّثنا العباس بن عبد الله التَّزْقُفي(٢)، حدّثنا رَؤَاد بن الجزَّاح ، حدّثنا مقاتل بن سليمان ، عن الضحّاك ، عن ابن عباس قال : الخضر ابن آدم لصلبه ونُسىءَ له في أجله حتى يُكذّبَ الدجّالُ(٣) . وهذا منقطع وغريب . وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني : سمعت مشيختنا ، منهم أبو عبيدة وغيره ، قالوا : إن أطول بني آدم عمراً الخضر ، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم . قال : وذكر ابن إسحاق : أن آدم عليه السلام لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس ، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة، وأن يدفنوه في مكان عيَّنه لهم٤ٌ) . فلما كان الطوفان حملوه معهم ، فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى . فقالوا : إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشةُ®) ، فحرّضهم وحثّهم على ذلك ، وقال : إن آدم دعا لمن يلي دفْنه بطول العمر ، فهابوا المسير (١) القَلاَنسي، بفتح القاف وتخفيف اللام: نسبة إلى القلانس وعملها. والقلنسوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال ج : قلانس ، وقلانيس ، وقلاسٍ ، وقلاسي . (٢) في ط : الرومي . وهو خطأ . وعباس بن عبد الله بن أبي عيسى الواسطي ، الترقُفي، نزيل بغداد ، ثقة عابد ، مات سنة سبع أو ثمان وستين ومئتين . وهو من رجال التهذيب . والتَّرقفي ، بفتح التاء ، وسكون الراء ، وضم القاف ، نسبة إلى ترقف من أعمال واسط . كذا ضبطه السمعاني ، وابن حجر في التقريب ، وياقوت في معجم البلدان ، وضبطه ابن الأثير في اللباب بضم التاء . (٣) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٨/ ٥٧ - ٥٨ ). أمرهم أن يحملوا جسده معهم في المغارة ، حتى إذا هبطوا أمرهم أن يدفنوه في الشام . كما في المعمرون . (٤) في المعمرون : فقالوا : الأرض وَحِشة ، ولا أنيس بها ، ولا نهتدي الطريق ، ولكن نكف حتى يأمن الناس (٥) ويكثروا ، وتأنس البلاد ، وتجف . ١٣١ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت ، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه ، وأنجز الله له ما وعده ، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيد١) . وذكر ابن قتيبة في ( المعارف ) عن وهب بن منبه أن اسم الخضر بليا ، ويقال إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام(٢). - ۔ وقال إسماعيل بن أبي أويس : اسم الخضر - فيما بلغنا والله أعلم - المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن لازد . وقال غيره : هو خضرون بن عميائيل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . ويقال هو أرميا بن طبقا٣ً) . فالله أعلم . وقيل : إنّه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر . وهذا غريب جداً . قال ابن الجوزي : رواه محمد بن أيوب ، عن ابن لهيعة ، وهما ضعيفان . وقيل : إنه ابن مالك ، وهو أخو إلياس . قاله السدي كما سيأتي . وقيل : كان على مقدمة ذي القرنين . وقيل : كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه . وقيل : كان نبياً في زمن بشتاسب بن لهراسب(٤) قال ابن جرير : والصحيح أنه كان متقدماً في زمن أفريدول(٥) حتى أدركه موسى عليهما السلام(٦) وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب أنه قال: الخضر أمه رومية وأبوه فارسي(٧) . وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضاً. قال أبو زرعة في (( دلائل النبوة)): حدّثنا صفوان بن صالح الدمشقي ، حدّثنا الوليد ، حدّثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن مجاهد، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب، عن رسول الله وَ لقول أنه ليلة أُسري به وَجَدَ رائحة طيبةً فقال ((يا جِبْرِيلُ ما هذِهِ الرائِحَةُ الطَّيَّةُ؟ قالَ: هذهِ رِئْحُ قَبْرِ الماشِطَةِ وابنِتِها وَزَوْجِها ». قال: وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل ، وكان ممره براهب في صومعته٨) ، فتطلّع عليه الراهب فعلَّمه الإسلام ، فلما بلغ الخضر زوَّجه أبوه امرأة ، فعلّمها الإسلام ، وأخذ عليها أن لا تعلِّمه أحداً ، وكان لا يقرب النساء. ثمّ طلّقها، ثمّ زوجه أبوه بأخرى، فعلّمها الإسلام، وأخذ عليها أن لا تعلِّمه أحداً ، ثمّ نقل ابن كثير كلام أبي حاتم في: المعمرون ص (٣)، مختصراً. (١) (٢) المعارف : ( ٤١ - ٤٢ ) . كذا في أوب. وفي ط : خلقيا. وكذا في حاشية أ: خلقيا. وفي تاريخ الطبري (٣٦٦/١). (٣) (٤) أورد الطبري هذه الأقوال عند ذكره لقصة الخضر عليه السلام (٣٦٥/١). (٥) في ط : أفريدون بن أثفيان . تاريخ الطبري ( ٣٦٦/١) وفيه زيادة . (٦) (٧) مختصر تاريخ دمشق ( ٥٨/٨ ) . في ب : وجاز مرة براهب في صومعة . (٨) ١٣٢ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام طلّقها . فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى . فانطلق هارباً حتى أتى جزيرةً في البحر ، فأقبل رجلان يَخْتَطِبان، فرأياه، فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر؛ قال قد رأيت العزقيل (١): ومن رآه معك ؟ قال: فلان ، فسُئل فكتم ، وكان من دِينهم أنه من كذب قُتِل ، فقتل . وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة . قال : فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها ، فقالت : تَعِس فرعون . فأخبرت أباها ، وكان للمرأة ابنان وزوجٌ ، فأرسل إليهم ، فراوَد المرأةَ وزوجَها أن يرجعا عن دينهما ، فأبيا ، فقال : إني قاتلكما . فقالا : إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد ، فجعلهما في قبر واحد . فقال : وما وجدت ريحاً أطيب منهما وقد دخلت الجنة(٢) وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون . وهذا البسط في أمر الخضر قد يكون مدرجاً من كلام أبي بن كعب أو عبد الله بن عباس ، والله أعلم . وقال بعضهم : كنيته أبو العباس . والأشبه - والله أعلم - أن الخضر لقب غلب عليه . قال البخاري - رحمه الله -: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن مَعْمر ، عن هَمام، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ِّه قال: ((إنما سُمّ الخَضِر لأنه جَلَس على فَرْوَةٍ بيضاءَ فإذا هي تهْتَزُ من خَلْفِهِ خَضْرَاءَ)). تفرد به البخاري(٣). وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر، به(٤) . ثم قال عبد الرزاق : الفَرْوة : الحشيش الأبيض وما أشبهه ، يعني الهَشِيم اليابس . وقال الخطّابي : وقال أبو عُمر : الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها ، وقال غيره : هو الهشيم اليابس ، شَبَّهه بالفروة ، ومنه قيل : فروة الرأس ، وهي جلدته بما عليها من الشعر ، كما قال الراعي : ولقدْ تَری الحبشيَّ حولَ بُوتِنا جَذِلاً إذا ما نالَ يوماً مأكل(٥) بُذِرَتِ فَأَنْبتَ جَانباهُ فُلْفًا(٦) صَعْلاً أصكَّ كأنّ فروةَ رأسِه (١) في ب : الخضر. (٢) وأخرجه من طريق آخر عن أبي بن كعب، ابنُ ماجه (٤٠٣٠ ) في الفتن ، باب الصبر على البلاء وفي إسناده ضعف . ومن طريق آخر أحمد في مسنده (٣٠٩/١ - ٣١٠). (٣) صحيح البخاري رقم (٣٤٠٢) في الأنبياء ، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٤) حديث عبد الرزاق أخرجه الترمذي (٣١٥١) في التفسير ، وقال : صحيح غريب . (٥) في ب : نائلاً . والجَذِل : الفرِح . في ط : جعداً أصك. وفي ب: أسك. والصَّعْل : الدقيق الرأس والعنق ، والأصك : الملتصق الأسنان (٦) والأضراس ، والأسك : من السَّكَك ، وهو الصمم ، وقيل : صغر الأذن ولزوقها بالرأس . والبيتان ليسا في المطبوع من شعر الراعي - جمع ناصر الحاني - طبع مجمع اللغة العربية، دمشق ( ١٣٨٣ هـ) وديوانه - جمع راينهرت - بيروت - المعهد الألماني - (١٤٠١ هـ) . ١٣٣ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام قال الخطابي : وإنما سمي الخضر خضراً لحسنه وإشراق وجهه . قلت : وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح ، فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى ، بل لا يلتفت إلى ما عداه ، وقد روى الحافظ ابن عساكر(١) هذا الحديث أيضاً من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأَيْلي(٢)، حدّثنا عثمان وأبو جُرَيُ(٣) وهمام بن يحيى، عن قتادة ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ قال: ((إنما سُمي الخَضِرُ خَضِراً لأنَّهُ صَلّى عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فاهْتَزَّتْ خَضْراء )) . وهذا غريب من هذا الوجه . وقال قبيصة ، عن الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد قال : إنما سمي الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حولَه(٤) . وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام لما رجَعا يقُصَّان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر ، وهو مسجّى بثوب قد جُعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه ، فسلم عليه موسى عليه السلام فكشف عن وجهه فرد وقال : أنَّى بأرضك السلام من أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم . فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه عنهما . وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه : أحدها : قوله تعالى: ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا ﴾. الثاني: قول موسى له: ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (١) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا (٢) قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا ﴾ قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْئَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٧٠] فلو كان ولياً وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ، ولم يردّ على موسى هذا الردّ ، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصّه الله به دونه ، فلو كان غير نبي لم يكن معصوماً ولم تكن لموسى - وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة - كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة ، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقباً من الزمان ، قيل : ثمانين سنة ، ثمّ لما اجتمع به تواضع له وعظّمه واتَّبعه في صورة مستفيد منه، دلّ على أنه نبي مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ من العلوم اللدنية (٥) (١) في ب: ابن عساكر الحافظ. والخبر في مختصر تاريخه (٥٨/٨). الأيلي ، بفتح الألف وسكون الياء : نسبة إلى بلدة على ساحل بحر القلزم مما يلي ديار مصر . اللباب . (٢) (٣) في ط : أبو جزي ، بالزاي . (٤) أورده ابن عساكر . مختصر تاريخه (٥٨/٨). (٥) في ب : الدينية . ١٣٤ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام والأسرار النبوية بما لم يُطْلِعِ اللهُ عليه موسى الكليمَ نبي بني إسرائيل الكريم . وقد احتج بهذا المسلك بعينه الزُمّاني(١) على نبوة الخضر عليه السلام. الثالث : أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام ، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام . وهذا دليلٌ مستقلٌّ على نبوّته ، وبرهانٌ ظاهرٌ على عصمته ، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرّد ما يلقى في خَلَده ، لأن خاطره ليس بواجب العصمة ؛ إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق . ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علماً منه أنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدّة محبتهما له فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحةٌ عظيمةٌ تربو على بقاء مهجته ، صيانةً لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته ، دلّ ذلك على نبوته وأنه مؤيّد من الله بعصمته . وقد رأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوّة الخضر وصحّحه ، وحكى الاحتجاج عليه عن الرُّمَّاني أيضاً . الرابع : أنه لما فسر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضَّح له عن حقيقة أمره وجلّى قال بعد ذلك كله : ﴿ رَحْمَةً مِّن رَّيِّكْ وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [الكهف: ٨٢] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أُمرت به وأُؤْحِي إليَّ فيه ، فدلت هذه الوجوه على نبوته . ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون . وأما كونه مَلَكاً من الملائكة، فقول غريب جداً. وإذا ثبتت نبوته ــ كما ذكرناه ــ لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستندٌ يستندون إليه ، ولا معتمدٌ (٢) يعتمدون عليه . وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا ؛ فالجمهور على أنه باقٍ إلى اليوم . قيل : لأنه دَفَن آدم بعد خروجهم من الطوفان ، فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة . وقيل : لأنه شرب من عين الحياة فحيي . وذكروا أخباراً استشهدوا بها على بقائه إلى الآن، وسنوردها٣) إن شاء الله تعالى وبه الثقة . وهذه وصيته لموسى حين قال: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ﴾ [ الكهف: ٧٨]. (١) هو علي بن عيسى الرُّمَّاني النحوي المعتزلي. صنف في التفسير واللغة والنحو والكلام والاعتزال. توفي سنة (٣٨٤ هـ). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٣٣). (٢) زاد هنا في ب: وأيضاً فلو قيل بأنه كان ولياً فقد يكون على شريعة نبي غير موسى ، فإن موسى لم يكن مرسلاً إلى أهل الأرض قاطبة ، فليس لولي في هذه الأمة التي نبيها رسولُ الله إلى جميع الثقلين أن يدعي علماً لا تسيغهُ هذه الشريعة المحمدية التي هي عامة شاملة لجميع المكلفين إلى يوم الدين . (٣) زاد في ب : مع غيرها . ١٣٥ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام رُوي في ذلك آثار منقطعة كثيرة : قال السهيلي : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ، حدثنا أبو عبد الله الصفّار ، حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا جرير، حدّثني أبو عبد الله المَلَطي (١) قال: لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى : أوصني . قال: كُنْ نفّاعاً، ولا تكن ضَرَّاراً . كن بشّاشاً، ولا تكن غضبانَ . ارجع عن اللّجاجة ، ولا تمش في غير حاجة . وفي رواية من طريق أخرى زيادة : ولا تضحك إلا من عجب٢ٍ) . وقال وهب بن مُنبه : قال الخضر : ؛ يا موسى إن الناس معذَّبون في الدنيا على قدر همومهم بها . وقال بشر بن الحارث الحافي : قال موسى للخضر : أوصني . فقال نشر(٣) الله عليك طاعته .. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوَقَارُ(٤) إلّ أنه من الكذَّابين الكبار ، قال : قرىء على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري : قال مجالد ، قال أبو الودّاك ، قال أبو سعيد الخدري: قال عمر بن الخطاب: قال قال رسول الله وَّةَ: ((قالَ أخي مُؤْسى: يا رَبّ ، ذكر كلمة ، فأتاه الخَضِرُ وهو فتّى طيّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ بياضِ الثيابِ مشمِّرُها ، فقال: السلامُ عليكَ ورحمةُ الله يا موسى بن عمران، إنّ ربَّك يَقْرَأْ عَلَيك السلامَ. قال موسى: هو السَّلامُ وإلَيهِ السَّلاَمُ ، والحمد للهِرَبِّ العالمينَ الذي لا أُحْصي نِعَمَهُ ولا أقْدِرُ على أداءِ شُكْرِه إلا بمعونته . ثمّ قال موسى : أريدُ أن توصيني بوصيةٍ ينفَعُني اللهُ بها بعدَك . فقالَ الخضِر : يا طالِبَ العِلْم إنّ القائِلَ أقلُّ ملامة من المستمع ، فلا تملَّ جلساءك إذا حدثتهم ، واعلم أنَّ قلبك وعاءٌ فانظر ماذا تحشو به وعاءك . واغرف من الدنياه) ، وانبذها وراءك ، فإنها لَيسَت لك بدار، ولا لك فيها محل قرار. وإنما جعلت بُلْغلة) للعباد والتزود منها ليوم المعاد . ورُضْ نفسك على الصبر تخلص من الإثم . يا موسى تفرّغْ للعلم إنْ كنت تريدُه، فإنما العلمُ لمن تَفَرَّغ له . ولا تكن مكثاراً للعلم(٢) مهذاراً فإن المَلطي ، بفتح الميم واللام : نسبة إلى مدينة مَلطية من ثغور الروم. اللباب (٢٥٤/٣ - ٢٥٥). (١) في ب: ولا تضحك من غير عجب. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٨/ ٦٢) وزاد في آخره: ولا تعيّر امرأ (٢) بخطيئة ، وابك على خطيئتك يا ابن عمران . (٣) في ط : يسر . وكذلك في مختصر تاريخ دمشق (٨/ ٦٢). في أ: الوتار ، وفي ب الوقَّار بتشديد القاف. وفي ط : الوقاد . والوَقَار ، بفتح الواو والقاف المخففة ، وبعد (٤) الألف راء ، قال ابن الأثير : اشتهر بهذه الصفة أبو يحيى زكريا بن يحيى بن إبراهيم بن عبد الله الوقار مولى قريش ، إنما قيل له ذلك لسكونه وثباته ، وهو مصري ولد سنة (١٧٤ هـ) ومات سنة (٢٥٤هـ). اللباب (٣٧٠/٣). كذا في أوط . وفي ب وابن عساكر : واعزف عن الدنيا . (٥) (٦) البلغة : ما يكفي لسد الحاجة ولا يفضل عنها . في ب : بالعلم . وفي ابن عساكر : بالمنطق . (٧) ١٣٦ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام كثرة المنطق تشين العلماء ، وتبدي مساوىء السخفاء . ولكن عَليكَ بالاقتصادِ ، فإن ذلك من التوفيق والسداد . وأعرِض عن الجهَّال وماطلهم واحلم عن السفهاء(١) فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء . إذا شتمك الجاهلُ فاسكتْ عنه حِلماً ، وجانبه حَزْماً ، فإنّ ما بقي من جهله عليك وسبِّه إياك أكثر وأعظم . يا ابن عِمْران ولا تَرى أنك أُوْتِيتَ من العلم إلا قليلاً. فإن الاندلات (٢) والتعسُّف من الاقتحام والتكلّف . يا ابن عمران لا تفتحن باباً لا تدري ما غَلْقه ، ولا تغلقن باباً لا تدري ما فتحه . يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نَهْمَتُه ، ولا تنقضي منها رغبته ، ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهداً ؟! هل يكف عن الشهوات(٣) من غلب عليه هواه . أو ينفعه (٤) طلب العلم والجهل قد حواه ، لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه . يا موسى تعلّم ما تعلمت لتعملَ به ولا تعلَّمه لتحدّث به فيكون عليك بوارُه ولغيرك نوره . يا موسى بن عمران اجعلِ الزهدَ والتقوى لباسَك، والعلمَ والذِّكْر كلامَك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يُرضي ربّك ، واعمل خيراً فإنك لا بد عاملٌ سوءاً . قد وعظت إن حفظتَ . قال : فَتَولّى الخضر وبقي موسى محزوناً مكروباً يبكي (٥) . لا يصح هذا الحديث . وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقَار المصري ، كذّبه غير واحد من الأئمة٦) . والعجب أن الحافظ ابن عساكر سَكَت عنه . وقال الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني : حدّثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، حدّثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي ، حدّثنا محمد بن الفضل بن عمران الكِنْدي ، حدّثنا بَقِيَّة بن الوليد، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أن رسول الله وَّر قال لأصحابه: ((أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الخَضِرِ؟)) قالوا : بلى يا رسول الله . قال: ((بينَما هُو ذاتَ يومٍ يَمشي في سُوقِ بَني إسْرائيلَ أبْصَرِه رَجُلٌ مُكَاتَب(٧) فقال : تَصَدَّقْ عَلَيَّ بَارَكَ اللهُ فيكَ. فقالَ الخضِرُ : آمَنْتُ باللهِ ما شاءَ اللهُ من أمرٍ يَكُونُ ، ما عندي من شيءٍ أُعْطِيكَهُ . فقالَ المسكينُ : أسألكَ بوجهِ اللهِ لَمَا تَصَدَّقْتَ عَلَيَّ ، فإني نظرتُ إلى السيماء في وجهكَ (١) في ب وابن عساكر : وأعرض عن الجهال وباطلهم ، واحلم على السفهاء . (٢) الاندلاث : السرعة والاندفاع . يقال : اندلث الرجل : إذا مضى على وجهه ، أو أسرع وركب رأسه ، فلم ينهنهه شيء في قتال . اللسان . (٤) قوله : ومن يحقر حاله ... عن الشهوات . سقط من ب . (٣) في ب : أو كيف . (٥) الوصية في مختصر تاريخ دمشق (٦١/٨ - ٦٢ ). (٦) أورده الذهبي في ميزان الاعتدال ( ٢/ ٧٧ ). (٧) المكاتبة : أن يكاتبك عبدُك على نفسه بثمنه، فإذا أدّاه عتق. ١٣٧ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام ورجَوتُ البَرَكَةَ عِندك . فقالَ الخضِر : آمنتُ باللهِ ما عِنْدي من شيء أعطيكه إلّا أنْ تأخذَني فتبيعني . فقال المسكينُ : وهلْ يَستقيمُ هذا؟ قالَ: نعم. الحقَّ أقولُ لكَ ، لَقَدْ سألتني بأمرٍ عظيم أمَا إني لا أُخَيّكَ بوجه ربي ، بعني ، قال : فقدَّمه إلى الشُّوقِ فباعه بأربع مئة درهم . فمكث عند المشتري زماناً لا يَستَعملُه في شيء . فقال له : إنما ابتعتني التماسَ خيرٍ عندي؛ فأوصني بعملٍ . قال: أكرهُ أن أشْقَّ عليَكَ إِنكَ شَيخٌ كبيرٌ ضعيفٌ . قال : ليس تشق علَيَّ. قال : فانقلْ هذه الحجارةَ ، وكان لا ينقلها دون ستة نفرٍ في يوم ، فخرجَ الرجل لبعض حاجته ، ثمّ انصرف وقد نقلَ الحجارة في ساعة . فقال : أحسنتَ وأجملتَ وأطقتَ ما لم أَرَكَ تُطيقه . ثمّ عرضَ للرجلِ سفرٌ فقال: إني أَحْسبك أميناً فاخلُفني في أهلي خِلافً حسنةً . قال : فأوصني بعملٍ. قال: إني أكره أن أشقَّ عليكَ. قال: ليس تَشُقُ عليّ. قال : فاضرب من اللَّبِن لبيتي حتى أقدم عليكَ . فمضى الرجل لسفره ، فرجَع وقد شُيِّد بناؤه ، فقال : أسألك بوجه الله ما سبيلُكَ وما أمرك ؟ فقال : سألتني بوجهِ اللهِ، والسؤالُ بوجهِ اللهِ أوقعني في العُبُودِية، سأُخبركَ مَنْ أَنَا، أنا الخضِر الذي سمعت به ، سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي من شيءٍ أُعْطيه ، فسألني بوجهِ اللهِ فَأَمْكَنْتُه من رَقَبَتِي فباعني ، وأُخبرُكَ أنه من سُئِل بوجهِ اللهِ فردَّ سائلَه وهو يقدر وقفَ يومَ القيامةِ جْدُه لا لَحَم لَه ولا عظمَ يتفعقعُ(١). فقالَ الرجلُ: آمنتُ باللهِ، شَقَقْتُ عليكَ يا نَبيَّ اللهِ ولم أَعْلَم . فقالَ: لا بأسَ ، أحْسَنْتَ وأبقَيتَ . فقال الرجلُ: بأبي وأمي يا نبي اللهِ احكُم في أهلي ومالي بما أرا(٢) الله، أو أُخيّرك فأُخلي سبيلك ؟ فقال : أُحِبُّ أن تُخليَ سبيلي فأعْبُدَ ربي. فخلّى سبيله. فقال الخضر : الحمدُ لله الذي أْقَعَني في العبوديةِ ثمّ نجّاني منها)). وهذا حديث رفْعُه خطأ ، والأشبه أن يكون موقوفاً . وفي رجاله من لا يُعْرف ، فالله أعلم(٣) . وقد رواه ابن الجوزي في كتابه ( عُجالة المنتظِرِ في شرح حال الخضِر (٤) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك(٥) ، وهو متروك، عن بقية . وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى الشُّدّي أن الخضر وإلياس كانا أخوين ، وكان أبوهما ملِكاً ، فقال إلياس لأبيه : إن أخي الخضِر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعل يجيء منه ولدٌ يكون المُلْكُ (١) يتقعقع : يضطرب . (٣) الخبر مرفوعاً إلى النبي وَ له في المعجم الكبير للطبراني (٧٥٣٠/٨) وفي مختصر تاريخ دمشق (٦٢/٨ - ٦٣). (٢) في ب : أمرك . (٤) ذكره حاجي خليفه في كشف الظنون ( ١١٢٥ ) . (٥) عبد الوهاب بن الضحاك العُرْضي، أبو الحارث السُّلَمي من أهل حمص ، قال النَّسائي: عنده عجائب . وقال ابن حِبّان : لا يحل الاحتجاج به ، ولا الذكر عنه إلا على جهة الاعتبار. مات سنة (٢٤٥هـ). الضعفاء والمتروكين للنسائي ( ٦٩)، والمجروحين، لابن حبان (٢/ ١٤٧ - ١٤٨) والتقريب (١/ ٥٢٧). ١٣٨ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام له ، فزوَّجه أبوه بامرأةٍ حسناء بكر ، فقال لها الخضر : إنه لا حاجة لي في النساء ، فإن شئتِ أطلقتُ سراحَك، وإن شئتِ أقمتِ معي تعبدين الله عزَّ وجلَّ وتكتمين عليَّ سِرِّي . فقالت : نَعَم ، وأقامت معه سنةً . فلما مضت السنة دعاها الملكُ فقال : إنك شابة وابني شاب فأين الولد ؟ فقالت : إنما الولد من عند الله، إن شاءَ كانَ وإن لم يشأ لم يكن . فأمره أبوه فطلّقها وزوَّجه بأخرى ثَيِّاً قد وُلد لها ، فلما زُقَّت إليه قال لها كما قال للتي قَبْلَها ، فأجابت إلى الإقامة عندَه . فلما مضت السنة سألها الملكُ عن الولد ، فقالت : إن ابنَك لا حاجة له بالنساء . فتطلبه أبوه ، فهربَ ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه . فيقال : إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سرّه فهرب من أجل ذلك ، وأطلق سراح الأخرى فأقامت تعبدُ الله في بعض نواحي تلك المدينة ، فمرّ بها رَجُل يوماً فسمعته يقول : بسم الله ، فقالت له : أنَّى لك هذا الاسم ؟ فقال : إني من أصحاب الخضِر ، فتزوجته فولدت له أولاد(١) . ثم صار(٢) من أمرها أن صارت ماشِطةً بنتِ فِرعون ، فبينما هي يوماً تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت : بسم الله . فقالت ابنة فرعون : أبي؟ فقالت : لا ، ربي وربّك وربّ أبيك، الله . فأعلمت أباها ، فأمر ببقرة من نحاس ، فأُحميت ، ثمّ أمر بها فأُلقيت فيها ، فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها، فقال لها ابنٌ معها صغير : يا أماه اصبري فإنك على الحق ، فألقت نفسها في النار فماتت (٣) رحمها الله. وقد روى ابن عساكر ، عن أبي داود الأعمى نُفيع - وهو كذاب وضاع(٤) - عن أنس بن مالك . ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف - وهو كذاب أيضاً (٥) عن أبيه عن جدّه : أن الخضر جاء ليلة ، فسمع النبيُّ ◌َّ كلامه(٦) وهو يدعو ويقول: اللهم أعني على ما ينجّيني مما خوَّفتني، وارزقني شوقَ الصالحين إلى ما شوَّقْتَهم إليه، فبعث إليه رسول الله وَ لّ أنس بن مالك فسلم عليه ، فرد عليه السلامَ وقال : قل له : إن الله فضَّلك على الأنبياء كما فضَّل شهرَ رمضان على سائر الشهور ، وفضّل أُمتك على (١) الخبر مفصل عن السدي، في مختصر تاريخ دمشق (٨/ ٦٣ - ٦٤). (٢) تتمة الخبر هذه عند ابن عساكر عن ابن عباس. مختصره (٨/ ٦٤). (٣) سياق الخبر عند ابن عساكر يختلف عما هنا. ففيه: وأخذ بعض ولدها فرمى به في البقرة وهي تغلي ، ثم قال : ترجعين؟ قالت : لا . فأخذ الولد الآخر حتى ألقى أولادها أجمعين ، ثم قال لها : ترجعين ؟ قالت : لا . فأمر بها ، قالت : إن لي حاجة ، فقال : وما هي : قالت : إذا ألقيتني في البقرة تأمر بالبقرة أن تُحمل ثم تكفأ في بيتي الذي على باب المدينة ، وتنحّي البقرة وتهدم البيت علينا حتى يكون قبورَنا . فقال : نعم ، إن لك علينا حقاً . قال : ففعل بها ذلك . مختصر تاريخ ابن عساكر (٦٤/٨). (٤) وقال النسائي: متروك الحديث. الضعفاء، له (١٠٢). والضعفاء للبخاري (١١٥)، والمجروحين، لابن حبان (٥٥/٣ - ٥٦)، والتقريب (٣٠٦/٢). (٥) وقال النسائي: متروك الحديث. (ص٨٩). والمجروحين، لابن حبان (٢٢١/٢ - ٢٢٢) والتقريب (١٣٢/٢). (٦) لفظ كلامه . سقط من ط . ١٣٩ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام الأمم كما فضّل يوم الجمعة على غيره(١) . الحديث - وهو مكذوب - لا يصح لا سنداً ولا متناً، لا يتمثّل بين يدي رسول الله وَّل ويجيء بنفسه مسلّماً ومتعلِّماً وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضِر يأتي إليهم، ويسلّم عليهم، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالّهم ، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على مَن سواه حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل . وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي ، بعد إيراده حديث أنس هذا : وأهل الحديث متفقون على أنه حديثٌ منكر الإسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة . فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٢) قائلاً: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر ابن بالويه ، حدّثنا محمد بن بشر بن مطر ، حدّثنا كامل بن طلحة ، حدّثنا عباد بن عبد الصمد ، عن أنس ابن مالك قال: لما قُبض رسول الله وَلّ أحدق به أصحابه فبكوا حولَه واجتمعوا ، فدخل رجلٌ أَشْهَب اللحية جسيمٌ صَبيح، فتخطّ رقابَهم، فبكى ثمّ التفت إلى أصحاب رسول الله وَ ل﴿ فقال: إن في الله عَزاءً من كلِّ مصيبةٍ ، وعِوَضاً من كلِّ فائت ، وخَلَفاً من كلِّ هالك ، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا ، ونظره إليكم في البلاء ، فانظروا فإن المصاب من لم يُجْبَر ، وانصرف . فقال بعضهم لبعض : تعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلي : نعم هذا أخو رسول الله وَله الخضر عليه السلام. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة ، به ، وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي ، ثم قال البيهقي : عباد بن عبد الصمد ضعيفٌ ، وهذا منكر بمرة . قلت : عباد بن عبد الصمد هذا هو أبو معمر البصري ، روى عن أنس نسخه ؛ قال ابن حبان(٣)، (١) اختصر ابن كثير النص هاهنا فالتبس مضمونه. والذي عند ابن عساكر، في المختصر (٨/ ٦٥): عن أنس قال: كان رسول الله وَ لّ يتوضأ من الليل إلى الليل، فخرجتُ معه ذات ليلة في بعض طرق المدينة ومعي الطَّهُور ، فسمعت صوت رجل يدعو: اللهم أعني على ما ينجيني مما خوّفتني. فقال رسول الله وَّر: لو دعا بالتي تليها - قال: وفق الله على لسان الداعي الذي كان في نفس رسول الله مَّة - فقال: اللهم ارزقني شوق الصادقين إلى ما شوقتهم إليه . فقال : دع الطهور يا أنس ، جُمعتا له وربّ الكعبة، ائت هذا الداعي فقل له: ادع لرسول الله بَيقيد فليُعنه الله على ما بعثه، وادع لأمته أن يأخذوا ما آتاهم نبيهم. قال: من أرسلك؟ - قال: ولم يكن النبي ومَّ قال لي : أخبره من أرسلني - قال : فقلت : وما عليك؟ قال : لست أدعو حتى تخبرني من أرسلك . فقلت : وما عليك؟ قال: لست أدعو حتى تخبرني من أرسلك. قال: فأتيت النبي ◌َّ فقلت: يا رسول الله إنه أبى حتى أخبره من أرسلني. قال: قل له: ((رسول الله بَّر)). فأتيت فقلت له: رسول الله وَليل أرسلني. قال: مرحباً برسول الله وَّه، وبرسوله، أنا أحق أن آتي رسولَ اللهُ بَّه، فائت رسول الله ◌َّه وقل له: أنا أخوك الخضر، وإن الله فضلك على النبيين كما فضّل رمضان على سائر الشهور ، وفضل أمتك على سائر الأمم ، كما فضل الجمعة على سائر الأيام . قال : فلما ولّيت سمعته يقول : اللهم اجعلني من هذه الأمة المرحومة المرشدة المتاب عليها . (٢) في دلائل النبوة ( ٢٦٩/٧). (٣) المجروحين (٢/ ١٧١) . ١٤٠ ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام والعقيلي (١): أكثرها موضوع. وقال البخاري(٢): منكر الحديث. وقال أبو حاتم(٣): ضعيف الحديث جداً منكره . وقال ابن عدي(٤) : عامّة ما يرويه في فضائل علي ، وهو ضعيف غالٍ في التشيع . وقال الشافعي في (( مسنده)(٥) : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن الحسين قال: لما توفي رسولُ الله ◌ِ ل وجاءت التعزية سمعوا قائلاً يقول: إن في الله عزاءُ من كلّ مصيبة ، وخلَفاً من كل هالك ، ودرَكاً من كل فائت ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإن المصاب من حُرِمَ الثواب . قال علي بن الحسين : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر . شيخ الشافعي القاسم العمري متروك؛ قال أحمد بن حنبل(٦) ويحيى بن معين(٧): يكذب . زاد أحمد : ويضع الحديث . ثمّ هو مرسل ، ومثله لا يعتمد عليه هاهنا ، والله أعلم . وقد روي من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن أبيه ، عن علي . ولا يصح . وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدّثه، عن محمد بن عجلان ، عن محمد بن المنكدر أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفاً وهو يقول : لا تسبقنا يرحمك الله ، فانتظره حتى لحق بالصفِّ ، فذكر دعاءه للميت : إنْ تعذبه فكثيراً عصاك ، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك . ولما دُفن قال : طوبى لك يا صاحبَ القبر إن لم تكن عريفاً أو جابياً أو خازناً أو كاتباً أو شرطياً ، فقال عمر : خذوا الرجل نسأله عن صَلاته وكلامه عمَّن هو . قال : فتوارى عنهم ، فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع . فقال عُمر : هذا - والله - الخضر الذي حدّثنا عنه رسول الله وَلي(٨). وهذا الأثر فيه متهم، وفيه انقطاع، ولا يصح مثله . وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري ، عن عبد الله بن مُحَرَّر ، عن يزيد بن الأصم ، عن علي بن أبي طالب قال : دخلت الطوافَ في بعض الليل ، فإذا أنا برجل متعلقٍ بأستار الكعبة وهو يقول : يا من (١) الضعفاء الكبير (١٣٩/٣) وعبارته: (( وله عن أنس مناكير كثيرة)). (٢) عده البخاري اثنين في تاريخه الكبير؛ عباد بن منصور أبو معمر، وقال: فيه نظر، وعباد بن عبد الصمد، سمع أنساً، وقال فيه: منكر الحديث (٦/ الترجمتان ١٦٢٩ و١٦٣٠) وهما واحد إن شاء الله، كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم وغيره. الجرح والتعديل (٦/ الترجمة ٤٢١). (٣) الكامل في الضعفاء (٤/ ١٦٤٨). (٤) مسند الشافعي (٣٦١) وليس فيه قول علي بن الحسين بأن القائل هو الخضر . (٦) العلل (١٩٨/٢)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ الترجمة ٦٤٣). (٥) (٧) هذا نقله من الميزان للذهبي (٣٧٢/٣)، ولم نقف على ذلك في تاريخ الدوري (٢/ ٤٨١) وسؤالات ابن الجنيد (الترجمة ٢١٧) ، بل فيهما : ليس بشيء . (٨) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٦٥/٨).