Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الحديث الملقب بحديث الفتون يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَنَةِ وَاَلْإِنِيلِ﴾ [ الأعراف: ١٥٦ -١٥٧] فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخَّرتني حتى تخرجني في أمّة ذلك الرجل المرحومة ، فقال له : إنّ توبتهم أن يقتل كلّ رجلٍ من لقي من والدٍ وولدٍ فيقتله بالسيف ، لا يبالي مَن قتل في ذلك الموطن . وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون ، واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا ، وغفر الله القاتل والمقتول . = ثمّ سار بهم موسى عليه السلام متوجّهاً نحو الأرض المقدّسة ، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب ، فأمرهم بالذي أَمِر به من الوظائف ، فثقل ذلك عليهم وأبَوا أن يقرّوا بها ، ونَتَقَ الله عليهم الجبل كأنّه ظلّةٌ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، وأخذوا الكتاب بأيمانهم ، وهم مصغون ينظرون إلى الجبل ، والكتاب بأيديهم ، وهم من وراء الجبل مخافةَ أن يقع عليهم ، ثمّ مضوا حتى أتوا الأرض المقدّسة ، فوجدوا مدينة فيها قومٌ جبارون ، خَلْقُهم خَلْقٌ منكر ، وذكر من ثمارهم أمراً عجباً من عِظَمها ، فقالوا: ﴿يَمُوسَىَّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ﴿فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا (٨َ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ - قيل ليزيد: هكذا قَرأه؟ قال: نعم - من الجبارين آمَنَا دَاخِلُونَ بموسى وخرجا إليه فقالوا : نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ؛ فإنهم لا قلوب لهم ، ولا منعة عندهم ، فادخلوا ﴿عَلَيْهِمُ الْبَابٌَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَِبُونٌ﴾ ويقول أُناس : إنهم من قوم موسى . فقال الذين يخافون من بني إسرائيل ﴿قَالُواْ يَمُوسَّ إِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ﴾(١) [المائدة: ٢٢ -٢٤] فأغضبوا موسى ، فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقين ، ولم يدعُ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذٍ ، فاستجاب الله له وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقين ، فحرّمها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض ، يصبحون كلّ يومٍ فيسيرون ليس لهم قرار ، ثمّ ظلّل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى ، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربّعاً ، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، في كلِّ ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كلّ سبطٍ عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من مَنْقَلَةٍ(٢) إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي کان منهم فيه بالأمس . رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ◌َّر ، وصدَّق ذلك عندي أن معاوية سمع من ابن عباس هذا الحديث ، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل ، فقال : كيف يفشي عليه ، ولم يكن عَلم به ، ولا ظهر عليه إلّ الإسرائيلي الذي حضر ذلك ؟ فغضب ابن عبّاس ، فأخذ بيد (١) من قوله: قيل ليزيد: هكذا ... إلى ... إنا هاهنا قاعدون. سقط من ب. (٢) في ب : منزلة. وفي ط : محلة . والمنقلة : المرحلة من مراحل السفر. ١٠٢ بناء قبة الزمان معاوية ، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزُّهْري ، فقال له : يا أبا إسحاق ، هل تذكر يوم حدّثنا رسول الله صل عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني ؟ قال : إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره . هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي. وأخرجه ابن جرير(١) وابن أبي حاتم في (( تفسيريهما)) من حديث يزيد بن هارون . والأشبه - والله أعلم - أنه موقوف ، وكونه مرفوعاً فيه نظر ، وغالبه متلقى من الإسرائيليات ، وفيه شيء يسير مصرّح برفعه في أثناء الكلام ، وفي بعض ما فيه نظرٌ ونكارةٌ ، والأغلب أنه كلام كعب الأحبار . وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المِزِّي يقول ذلك . والله أعلم . ** * ذکر بناء قبّة الزمان قال أهل الكتاب(٢): وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبّة من خشب الشمشار(٣)، وجلود الأنعام ، وشعر الأغنام ، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضّة على كيفيات مفصّلة عند أهل الكتاب ولها عشر سُرادقات ؛ طول كلِّ واحدٍ ثمانية وعشرون ذراعاً، وعرضه أربعة أذرعٍ ، ولها أربعةُ أبوابٍ وأطنابٌ من حريرٍ ، ودمقس مصبغ ، وفيها دفوف وصفائح من ذهب وفضّة ، وفي كلِّ زاوية بابان ، وأبوابٌ أُخر كبيرةٌ ، وستورٌ من حريرٍ مصبغ وغير ذلك مما يطول ذِكره . وبعمل تابوتٍ (٤) من خشب الشمشار ، يكون طولُه ذراعين ونصفاً وعرضه ذراعين وارتفاعُه ذراعاً ونصفاً ، ويكون مضيَّاً°) بذهبٍ خالصٍ من داخله وخارجه وله أربع حَلَقٍ في أربع زواياه ، ويكون على حافتيه كروبيان٦) من ذهبٍ ، يعنون صفة ملكين بأجنحة وهما متقابلان ، صنعه رجل اسمه بصليال . وأمره أن يعمل مائدةً من خشب الشمشار طولها ذراعان وعرضها ذراع ونصف لها ضِبَاب ذهب (١) رواه النسائي في السنن الكبرى (١١٣٢٦) وابن جرير (١٦ /١٦٤) وفي إسناده ضعف. (٢) العهد القديم : سفر الخروج ، الإصحاح السادس والعشرون . في المصدر السابق : شجر السنط . وهو نوع من الشجر يكثر في مصر . القاموس المحيط . (٣) (٤) سفر الخروج ، الإصحاح الخامس والعشرون . ضبَّبَ الخشب : ألبسه الحديد أو الذهب أو نحوهما . (٥) (٦) الكروبيون : الملائكة المقربون. ١٠٣ بناء قبة الزمان وإكليل ذهب بشفة مرتفعة بإكليلٍ من ذهب وأربع حَلق من نواحيها من ذهب مُغرزة في مثل الرمّان ، من خشب ملبّس ذهباً ، واعمل صِحافا١ً) ومصافي وقصاعاً على المائدة . واصنع منارة من ذهبٍ دليّ(٢) ، وفيها ست قصبات من ذهب من كلِّ جانب ثلاث ، على كلِّ قصبة ثلاثة سُرُج ، وليكن في المنارة أربعة قناديل ، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضاً ، وهو الذي عمل المذبح أيضاً ، ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم ، وهو أوّل يومٍ من الربيع، ونصب تابوت الشهادة، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ءَايَةً مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَّكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَبِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. وقد بُسط هذا الفصل في كتابهم مطوّلاً جدّاً، وفيه شرائع لهم ، وأحكام ، وصفة قربانهم وكيفيته . وفيه أن قبّة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدِّم على مجيء بيت المقدس ، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلّون فيها وإليها ، ويتقرّبون عندها . وأن موسى عليه السلام كان إذا دخلها يقفون عندها٣) ، وينزل عمود الغمام على بابها فيخرّون عند ذلك سُجَّداً لله عزّ وجلّ ، ويكلم اللهُ موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نورٌ ، ويخاطبه ، ويناجيه ، ويأمره ، وينهاه ، وهو واقف عند التابوت صامدٌ إلى ما بين الكَرُوبِّيْنَ ، فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه اللّهُ عزَّ وجلَّ إليه من الأوامر والنواهي . وإذا تحاكموا إليه في شيءٍ ليس عنده من الله فيه شيء يجيء إلى قبّة الزمان ، ويقف عند التابوت ، ويصمد لما بين ذينك الكروبِيِّيْنَ ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة (٤) وقد كان هذا مشروعاً لهم في زمانهم ، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلىء في معبدهم وعند مصلاّهم ، فأمّا في شريعتنا فلا ، بل قد نُهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لِّلا تشغل المصلّين ؛ كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وسّع في مسجد رسول الله صل# للّذي وكّله على عمارته: ابنٍ للناسِ ما يُكنُّهم ، وإياكَ أن تُحمِّر أو تُصَفِّر فتفتن الناس . وقال ابن عباس: لا تُزَخْرِفَنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسَهمُ(٥) ، وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه لهذه الأمّة عن مشابهة من كان قبلهم من الأمم ، إذ جمع الله همّهم في صلاتهم على التوجّه إليه والإقبال عليه ، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكّر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة . فلله الحمد والمِنَّة . (١) الصحاف: جمع صَحْفَة، وهي آنية الطعام. والمصافي: جمع مصفاة . (٢) في العهد القديم : ذهب نقي . (٣) في ب : حولها . في ب : الخصومة . (٤) (٥) رواه البخاري تعليقاً (٥٣٩/١). ١٠٤ بناء قبة الزمان وقد كانت قبّة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه يُصلُّون إليها وهي قبلتهم ، وكعبتهم ، وإمامُهم كليم الله موسى عليه السلام ، ومُقدِّم القربان أخوه هارون عليه السلام . فلما مات هارون ثمّ موسى عليهما السلام، استمرّت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان . وهو فيهم إلى الآن . وقام بأعباء النبوّة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون عليه السلام ، وهو الذي دخل بهم بیت المقدس ، كما سيأتي بيانه . والمقصود هنا أنّه لما استقرّت يده على البيت المقدّس نصب هذه القبّة على صخرة بيت المقدس ، فكانوا يصلّون إليها ، فلما بادت صلوا إلى محلّتها ، وهي الصخرة ، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله وَّله، وقد صلى إليها رسول الله وَّلل قبل الهجرة، وكان يجعل الكعبة بين يديه. فلما هاجر أُمِر بالصلاة إلى بيت المقدس ، فصلّى إليها ستة عشر، وقيل: سبعة عشر شهرا١ً) . ثم حُوّلت القبلة إلى الكعبة ، وهي قبلة إبراهيم ، في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر ، وقيل : الظهر ، كما بسطنا ذلك في ( التفسير (٢) عند قوله تعالى: ﴿﴿ سَيَقُولُ اَلتُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَئِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَاً﴾ إلى قوله: ﴿ قَدْ تَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَنْوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ الآيات (٣) [البقرة : ١٤٢ - ١٤٤ ] . * في ب : ستة عشر شهراً، وقيل : سبعة عشر . (١) (٢) تفسير ابن كثير (١٨٩/١). (٣) زاد في ب : والله أعلم . ١٠٥ قصة قارون مع موسى عليه السلام قصة قارون مع موسى عليه السّلام قال الله تبارك وتعالى: ﴿ ﴿إِنَّ فَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَّهُ قَوْمُ لَا تَفْرَحْ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٢) وَأَبْتَغْ فِيِمَآ ءَاتَنْكَ اللّهُ النَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (١) قَالَ إِنَّمَاً أُوْنِتُمُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ نَا مِثْلَ مَآ أُوِى قَرُونُ إِنَّهُ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحَأْ وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ ! جَ ◌َسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ الضَبِرُونَ ٨ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اَللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلًا أَن ◌َّنَّ اللّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّا وَيْكَتَُّ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ﴿٨ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [ القصص: ٧٦ -٨٣]. قال الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباسٍ قال : كان قارون ابنَ عم موسى. وكذا قال إبراهيم النَّخَعِي(١) ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وسِماك بن حرب ، وقتادة ، ومالك بن دينار ، وابن جريج ، وزاد فقال : هو قارون بن يصهر بن قاهث ، وموسى بن عمران بن قاهت(٢) . قال ابن جرير(٣) : وهذا قول أكثر أهل العلم أنّه كان ابن عمّ موسى. وردَّ قولَ ابن إسحاق : إنه كان عم موسى . قال قتادة : وكان يُسمّى النُّورَ لِحُسْنٍ صوته بالتوراة ، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السّامري ، فأهلكه البغي لكثرة ماله . وقال شهر بن حوشب : زاد في ثيابه شبراً طولاً ترقُّعاً على قومه . وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزة حتى إن مفاتحه لكان يثقل حملها على الفئام من الرجال الشداد . وقد قيل : إنها كانت من الجلود ، وإنها كانت تحمل على ستين بغلاً فالله أعلم . (١) النَّخَعي، بفتح النون والخاء المعجمة: نسبة إلى النخع، وهي قبيلة كبيرة من مذحج. اللباب (٣٠٤/٣). (٢) في ب : وموسى بن عمران بن يصهر بن قاهث . وط : هافث . (٣) كذا في ب . وفي أوط: جريج، والخبر في تاريخ الطبري (٤٤٣/١)، وفيه: وأما أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج . ١٠٦ قصة قارون مع موسى عليه السلام وقد وعظه النّصحاء من قومه قائلين: ﴿لَا تَفْرَحٌ﴾ أي: لا تبطر بما أُعطيت ، وتفخر على غيرك : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿) وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اَللَّهُ الذَّارَ الْآَخِرَةَ﴾. يقولون: لتكن همّتك مصروفةً إلى تحصيل ثواب الله في الدار الآخرة ، فإنّه خيرٌ وأبقى ، ومع هذا ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا ﴾ أي : وتناول منها بمالك ما أحلّ الله لك فتمتّع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ ﴾ أي : وأحسن إلى خلق الله كما أحسن الله خالقُهم وبارتُهم إليك ﴿ وَلَا تَبْعِ اُلْفَسَادَ فِ اُلْأَرْضِّ﴾ أي : ولا تُسىء إليهم ، ولا تفسد فيهم ، فتقابلهم ضدّ ما أَمرت فيهم فيعاقبك، ويسلبك ما وهبك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ . فما كان جوابه لهذه النّصيحة الصّحيحة الفصيحة إلا أن ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوِيَتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ﴾ يعني أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم ، ولا إلى ما إليه أشرتم ، فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه ، وأني أهلٌ له ، ولولا أني حبيب إليه ، وحَظِيٌّ عنده لما أعطاني ما أعطاني . قال الله تعالى رادّاً عليه ما ذهب إليه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَأْ وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي : قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالً وأولاداً ، فلو كان ما قال صحيحاً لم نعاقب أحداً ممن كان أكثر مالً منه، ولم يكن ماله دليلاً على محبتنا له، واعتنائنا به كما قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَآ أَوْلَدُكُم بِالَّتِى تُقَرِّئُكُرْ ◌ِنْدَنَا زُلْفَىَ إِلَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] وقال تعالى ﴿ أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُرِهِ، مِن قَالٍ وَبَنِنَّ (٥) تَُارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ -٥٦]. وهذا الردّ عليه يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه من معنى قوله : قَالَ إِنَّمَا أُوِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ﴾. وأمّا من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صَنْعة الكيمياء ، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال فليس بصحيح ؛ لأن الكيمياء تخييل وصبغة ، لا تحيل الحقائق ، ولا تشابه صنعة الخالق ، والاسم الأعظم لا يصعد الدعاءُ به مِن كافر به ، وقارون كان كافراً في الباطن منافقاً في الظاهر . ثمّ لا يصح جوابه لهم لهذا على التقدير ولا يبقى بين الكلامين تلازم . وقد وضحنا هذا في كتابنا ((التفسير)(١) ولله الحمد . قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ،﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمُّلٍ عظيمٍ من ملابس ، ومراكب ، وخدم ، وحشمٍ ، فلما رآه من يعظّم زهرة الحياة الدنيا تمنّوا أن لو كانوا مثله ، وغَبَطوه بما عليه وله، فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفَهم الصحيح الزهّاد الألِيَّاءُ قالوا لهم: ﴿ وَيَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: ثواب الله في الدار الآخرة خيرٌ وأبقى وأجلُّ وأعلَى. قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يُلَقَّنْهَآَ إِلَّا الضَّبِرُونَ﴾ أي: وما يلقّى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمّة السامية (١) تفسير ابن كثير (٣٩٩/٣). ١٠٧ قصة قارون مع موسى عليه السلام إلى الدار الآخرة العلية عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنيَّة إلّا مَن هدى اللهُ قلْبَهُ، وثبّت فؤاده ، وأيّد لُه، وحقق مراده . وما أحسن ما قال بعض السلف : إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات . قال الله تعالى: ﴿ فَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لما ذكر الله تعالى خروجه في زينته واختياله فيها وفخره على قومه بها قال: ﴿ لَسَفْنَا بِهِ، وَيَدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ كما روى البخاري (١) من حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: (( بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إزارَهُ إذْ خُسِفَ بِهِ فَهُو يَتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يَومِ القيامَةِ)) ثمّ رواه البخاري(٢) من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر ، نحوه. وقد ذُكر عن ابن عباس والسُّدي أن قارون أعطى امرأة بغيّاً مالًا على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملأٍ من الناس : إنّك فعلت بي كذا وكذا ، فيقال : إنّها قالت له ذلك ، فأرعد من الفرق ، وصلّى ركعتين ، ثمّ أقبل عليها فاستحلفها مَنْ دَلّكِ على ذلك وما حملك عليه ؟ فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك ، واستغفرت الله ، وتابت إليه ، فعند ذلك خرّ موسى لله ساجداً ، ودعا الله على قارون ، فأوحى الله تعالى إليه إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه ، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره ، فكان ذلك . فالله أعلم(٣) . وقد قيل : إن قارون لما خرج على قومه في زينته مرّ بجحفله(٤) ، وبغاله ، وملابسه على مجلس موسى عليه السلام وهو يذكّر قومه بأيام الله ، فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه ، فدعاه موسى عليه السلام فقال له : ما حملك على هذا ؟ فقال : يا موسى أما لئن كنتَ فُضِّلت عليَّ بالنبوة فلقد فُضِّلتُ عليك بالمال ، ولئن شئت لتخرجن فلتدعُوَن عليّ ، ولأدعون عليك ، فخرج وخرج قارون في قومه ، فقال له موسى : تدعو أو أدعو ؟ قال : أدعو أنا ، فدعا قارون فلم يُجَب في موسى . فقال موسى : أدعو ؟ قال : نعم . فقال موسى : اللهم مُرِ الأرض فلتطغى(٥) اليوم ، فأوحى الله تعالى إليه : إني قد فعلتُ ، فقال موسى : يا أرضُ خذيهم ، فأخذتهم إلى أقدامهم ، ثمّ قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم ، ثمّ إلى مناكبهم ، ثمّ قال : أقبلي بكنوزهم وأموالهم ، فأقبلت بها حتى نظروا إليها ، ثمّ أشار موسى بيده فقال : اذهبوا بني لاوي ، فاستوت بهم الأرض . (١) صحيح البخاري رقم (٣٤٨٥) في الأنبياء ، باب (٥٤). صحيح البخاري رقم ( ٥٧٩٠ ) في اللباس ، باب من جرّ ثوبه خيلاء . (٢) (٣) تفسير ابن كثير ( ٤٩٥/٣ ). (٤) في ب : بخيله . (٥) في ب : فلتطعني . وهو أشبه . ١٠٨ قصة قارون مع موسى عليه السلام وقد روي عن قتادة أنّه قال : يُخسف بهم كلَّ يوم قامةٌ إلى يوم القيامة . وعن ابن عباس أنّه قال : خُسف بهم إلى الأرض السابعة . وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة ضربنا عنها صفحاً وتركناها قصداً . وقوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ لم یکن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال تعالى: ﴿ فَ لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ولمّا حلّ به ما حلّ من الخسف ، وذهاب الأموال ، وخراب الدار ، وإهلاك النفس والأهل والعقار ، ندم(١) من كان تمنى مثل ما أوتي ، وشكروا الله تعالى الذي يدبّر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون، ولهذا قالوا: ﴿ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّا وَيْكَنَُّ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾. وقد تكلّمنا على لفظ (ويك) في ((التفسير)(٢)، وقد قال قتادة : ( ويكأن ) بمعنى: ألم تَرَ أنّ ، وهذا قولٌ حسنٌ من حيثُ المعنى والله أعلم . ثمّ أخبر تعالى ﴿ وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ وهي دار القرار ، وهي الدار التي يُغْبَط من أَعطيها، ويُعزَّى من حُرمها إنّما هي مِعدّة ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ فالعلوُّ هو التكبُّر، والفخر، والأشر، والبطر ﴿ وَلَا فَسَادًا﴾ وهو عمل المعاصي اللاّزمة والمتعدّية من أخْذِ أموال الناس، وإفساد معايشهم، والإساءة إليهم، وعدم النّصح لهم، ثمّ قال تعالى: ﴿ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾. وقصّة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر، لقوله: ﴿ فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ فإن الدار ظاهرة في البنيان ، وقد تكون بعد ذلك في التِيه ، وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة : [ من الكامل ] يا دارَ عَبْلةَ بالجِوَاءِ تَكَلَّمِي وَعِمي صباحاً دارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمي(٣) والله أعلم . وقد ذكر الله تعالى مذمّة قارون في غير ما آية من القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍْ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَابٌ﴾ [غافر: ٢٣ -٢٤]. وقال تعالى في سورة العنكبوت، بعد ذكر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ هُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِ اْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَبِقِينَ ﴿ فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِةٍ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم ◌َنْ (١) في ب : تدبّر . (٢) تفسير ابن كثير ( ٣/ ٤٠١). (٣) من معلقته التي مطلعها : [ من الكامل ] هَلْ غادَر الشعراءُ من مُتَرَدَّم أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توَهُّم ديوانه ( ١٨٣). والجواء : موضع . ١٠٩ فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَأَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [٣٩-٤٠]. فالذي خسف الله به الأرض قارون - كما تقدّم - والذي أغرق فرعون وهامان وجنودَهما أنّهم كانوا خاطئين . وقد قال الإمام أحمد(١): حدّثنا أبو عبد الرحمن، حدّثنا سعيد، حدّثنا كعب بن علقمة، عن عيسى ابن هلال الصَّدَفي (٢)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ◌َُّ أنّه ذكر الصلاة يوماً فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْها كانَتْ لَهُ نُوراً وبُرْهَاناً ونجاةً يومَ القيامة، ومَنْ لَم يُحَافِظُ عَلَيْها لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهانٌ ولا نَجَاةٌ ، وكانَ يَوْمَ القيامةِ مَعَ قَارُونَ وفِرْعَونَ وهامان وأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ » . انفرد به أحمد ، رحمه الله . ** باب ذِكْر فضَائِل موسى عليه السّلام وَشمائِله وصفاته ووفاته(٣) قال الله تعالى: ﴿ وَأَذَكُرْ فِي الْكِتَبِ مُوسَّ إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا فِِّيًّا ◌ِنْ وَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ العُورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْتَهُ ◌َجَّا (٥) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَدُونَ نِيًّا﴾ [مريم: ٥١ -٥٣]. وقال تعالى: ﴿ قَالَ يَمُوسَىّ إِنِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى﴾ [ الأعراف: ١٤٤]. وتقدّم في ((الصحيحين)) عن رسول الله وَّل أنه قال: ((لا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى، فإنّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القيامَةِ فأكُونُ أوَّلَ مَنْ يفِيْقُ فأجِدُ مُؤْسَى باطِشاً بِقائمةِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أَصعِقَ فأفاقَ قَبْلي أمْ جُوزي بِصَعْقَةِ الطُّوْرِ )(٤). وقدَّمنا أنه مِنْ رسول الله ◌َّه مِنْ باب الهَضْم والتواضع، وإلّ فهو صلوات الله وسلامُه عليه خاتم الأنبياء ، وسيّد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعاً جزماً لا يحتمل النقيض . وقال تعالى: ﴿﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ﴾ إلى أن قال: ﴿ وَرُسُلَا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [ النساء: ١٦٣ - ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَِّنَ ءَاذَوْأُ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. (١) في مسنده (١٦٩/٢)، وهو حديث حسن . (٢) الصدفي : نسبة إلى الصَّدِف، بكسر الدال ، وهي قبيلة من حمير نزلت مصر. اللباب (٢٣٦/٢). (٣) في ط : باب فضائل ... ووفائه . (٤) تقدم تخريجه ص (٧١) . ١١٠ فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدّثنا إسحاق(١) بن إبراهيم، حدّثناروح بن عبادة ، عن عوف ، عن الحسن ومحمد وخِلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله بَّه: ((إنَّ مُؤْسَى كانَ رَجُلاً حَبِيّاً سِتِيراً لا يَرَى جِلْدَهُ شَيْءٌ استحياءً منه، فاذاهُ مَن أذاه مِن بني إسرائيلٍ، فقالوا: ما يَسْتَتِّرُ هذا التَّسَتَُّ إلّ مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٌ وإما أُدْرَة٢ُ) وإمّا آفةٌ. وإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أرادَ أنْ يُبَرَّأَهُ مِمَّا قالُوا لِموسى، فَخَلاَ يَوْماً وَحْدَهُ ، فَوَضَعَ ثِيابَهَ عَلى الحَجَرِ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا ، وأنّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبهِ ، فأخَذَ مُوسى عَصَاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَل يَقُولُ: ثَوبِي حَجَرٌ ، ثوبي حَجَرٌ ، حَتّى انْتَهَى إلى مَلِأٍ مِن بني إسْرائيل، فَرَأَوْهُ عُرْياناً أحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ وبرّأه(٣) مِمّا يَقُوْلُونَ. وقامَ الحجَرُ فَأَخَذَ ثَوبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بالحجَرِ ضَرْبَاً بعصاهُ ، فوالله إنَّ بالحجَرِ لَنَدَباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثلاثاً أوْ أربعاً أو خَمْسا٤ً) ، قال : فذلك قولُه عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الَّهِ وَجِيهًا﴾(٥). وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق ، وهمّام بن منبه ، عن أبي هريرة ، به (٦) . وهو في (( الصحيحين )(٧) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عنه ، به . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه (٨) . قال بعض السلف : كان من وجاهته أنّه شفع في أخيه عند الله ، وطلب منه أن يكون معه وزيراً ، فأجابه الله إلى سُؤاله، وأعطاه طَلِبَتَهُ، وجعله نبياً كما قال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِنَا أَخَاهُ هَذُرُونَ نِيًّا﴾. ثم قال (١) في ط : ابن . وفي ب ، هنا ، خمسة أسطر كتبت بخط مخالف ، لخط الأصل ، وفيها نص مخالف لنص أوط . وهو : ( حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر ، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي - وَل9 - قال: ((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى - مَ لو - يغتسل وحده. فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر فذهب مرة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه ، فخرج موسى في إثره يقول : ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى وقالوا : والله ما بموسى من بأس . وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضرباً)) . قال أبو هريرة : والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر ). وهذا الحديث رواه البخاري (٣٨٥/١)، في الغسل ، باب من اغتسل عرياناً وحده . وهو فيه عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق . (٢) في ط : أو . والأدرة ، بضم الهمزة وسكون الدال ، وقيل بفتحتين : نفخة في الخصية . (٣) كذا في ط . وفي أ : وأبرأه وهذا مما زاده ابن كثير هنا في النص وليس في لفظ البخاري . (٤) نهاية الخلاف مع ب . (٦) المسند (٥١٤/٢ _ ٥١٥) . (٥) أخرجه البخاري : برقم (٣٤٠٤) في الأنبياء، باب ( ٢٨). (٧) رواه البخاري رقم (٢٧٨) ومسلم برقم (٣٣٩) في الحيض ، باب جواز الاغتسال عرياناً فى الخلوة . (٨) في أحاديث الأنبياء من صحيحه (٣٣٩) (١٥٦). ١١١ فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته البخاري(١): حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، حدّثنا الأعمش: سألت أبا وائل قال سمعت عبد الله قال : قَسَم رسول الله وَّ قسماً، فقال رجل: إنّ هذه قِسْمةٌ ما أُريد بها وجه الله، فأتيت النبي ◌َّ فأخبرته ، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه. ثم قال: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، قَدْ أوْذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ )). وكذا رواه مسلم(٢) من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش ، به . وقال الإمام أحمد: حدّثنا حجاج(٣) ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هشام مولى لهمْدان، عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلَةٍ لأصحابه: ((لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أحَدٍ شَيْئاً فإنِّي أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إلَيْكُمْ وَأنا سَلِيْمُ الصَّدْرِ)). قال وأتى رسولَ اللهِِّ مالٌ فقسمه، قال : فمررتُ برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمدٌ بقسمته وجه الله ولا الدارَ الآخرة ، فثبتُ حتى سمعتُ ما قالا . ثمّ أتيت رسولَ الله فقلت: يا رسول الله إنّك قلتَ لنا: ((لا يُبَلّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أصْحَابِي شَيْئاً)) وإني مررتُ بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا. فاحمرَّ وجهُ رسول الله ◌َ﴿ وشقّ عليه . ثمّ قال: ((دعْنا مِنْكَ فَقَدْ أَوْذِيَ مُوسَى أَكْثَرَ مِنْ ذلكَ فَصَبَرَ )(٤) . وهكذا رواه أبو داود والترمذي(٥) من حديث إسرائيل ، عن الوليد بن أبي هاشم ، به . وفي رواية للترمذي(٦) ولأبي داود(٧) من طريق ابن العبد، عن إسرائيل، عن الشُّدّي ، عن الوليد ، به . وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه . وقد ثبت في ((الصحيحين)) في أحاديث الإسراء أن رسول الله وَ ل مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره . ورواه مسلم عن أنس . وفي ((الصحيحين (٨) من رواية قتادة عن أنس ، عن مالك بن صعصعة، عن النبي وَّ أنّه مرّ ليلة أُسْرِي به بموسى في السماء السادسة، فقال له جبريل : هذا موسى فسلِّم عليه، قال: (( فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَال: مَرْحَباً بالنبي الصَّالِحِ والأخ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تجاوَزْتُ بَكَى، قيلَ له : ما يُبْكِيك؟ قالَ: أبكي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بَعْدي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ أمَّتِهِ أكْثَرُ مما يَدْخُلها من أمّتي)) ، وذكر إبراهيم في السماء السابعة . (١) صحيح البخاري (٣٤٠٥) في الأنبياء، باب ( ٢٨). (٢) صحيح مسلم رقم (١٠٦٢) في الزكاة ، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه . (٣) في ط : أحمد بن حجاج . (٤) المسند (٣٩٦/١). (٥) أخرجه أبو دواد رقم ( ٤٨٦٠) في الأدب ، باب رفع الحديث من المجلس ، والترمذي برقم ( ٣٨٩٧) في المناقب، باب فضل أزواج النبي ◌َّر. (٦) الترمذي (٣٨٩٦) في المناقب أيضاً . (٧) ينظر تحفة الأشراف ، حديث (٩٢٢٧). (٨) أخرجه البخاري (٣٢٠٧) في بدء الخلق، ومسلم (١٦٤) (٢٦٤) في الإيمان. ١١٢ فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته وهذا هو المحفوظ ، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس ، من أن إبراهيم في السادسة ، وموسى في السابعة ، بتفضيل كلام الله ، فقد ذكر غير واحد من الحفّاظ أن الذي عليه الجادة أن موسى في السادسة ، وإبراهيم في السابعة ، وأنه مسندٌ ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كلَّ يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثمّ لا يعودون إليه آخر ما عليهم (١) . واتفقت الروايات كلّها على أن الله تعالى لما فرض على محمد بَّه وأمته خمسين صلاةً في اليوم والليلة ، فمرّ بموسى قال : ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشدّ المعالجة ، وإن أمتك أضعف أسماعاً ، وأبصاراً ، وأفئدة ، فلم يزل يترددُ بين موسى وبين الله عزّ وجلّ ويخفّف عنه كل مرة حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة ، وقال الله تعالى : هي خمس وهي خمسون ، أي بالمضاعفة، فجزى الله عنا محمداً ◌َ له خيراً. وجزى الله عنا موسى عليه السلام خيراً . وقال البخاري(٢): حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا حُصَين بن نمير، عن حُصين بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله وَ لَه يوما فقال: (( عُرِضَتْ عَلَيّ الأُمَمُ وَرَأيْتُ سَواداً كَثِيراً سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هذا مُوسَى في قَوْمه)). هكذا روى (٣) البخاري هذا الحديث هاهنا مختصراً . وقد رواه الإمام أحمد مطولاً فقال: حدّثنا شَريح، حدّثنا هشيمٌ(٤)، حدّثنا حُصين بن عبد الرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن جُبير فقال : أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة ؟ قلت : أنا ، ثم قلت : إني لم أكن في صلاة ولكن لُدغت . قال : وكيف فعلت ؟ قلت : اسْتَرْقَيْتُ . قال : وما حملك على ذلك ؟ قال : قلت: حديثٌ حدَّثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال: ((لا رُقْيَةَ إلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حمّةٍ)). فقال سعيد - يعني ابنَ جُبير - قد أحسن منِ انتهى إلى ما سمع. ثمّ قال: حدّثنا ابن عباس عن النبي ◌ِّ قال: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنبي ومعه الرَّجُل والرجلان، والنّبِي وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ ، إذْ رُفع لِي سَوَادٌ عَظِيْمٌ ، فَقُلْتُ : هذِهِ أُمَّتِي؟ فقيلَ: هذا مُوسى وقومُه، ولكِنِ انْظُرْ إلى الأفُقِ فإذا سَوَادٌ عَظِيْمٌ. ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ إلى هذا الجانِبِ فإذا سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فقيلَ: هذه أُمَّتُكَ وَمَعَهُم سَبْعُون ألفاً يَدْخُلُونَ الجنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولا عَذَابٍ)). ثمّ نهض رسول اللهَوَ لَفَدَخَلَ، فخاض القوم في ذلك فقالوا : مَن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ؟ فقال بعضهم: لعلّهم الذين صحبوا النبي ◌َّر. (١) حديث شريك في البخاري (٧٥١٧) في التوحيد ، وهذا واحد من الأخطاء التي أخطأ فيها شريك في هذا الحديث ، وبينها الحافظ ابن حجر في الفتح . (٢) صحيح البخاري (٣٤١٠) في الأنبياء، و(٥٧٥٢) في الطب. (٣) في ب : رواه . (٤) في ط : هشام ، وهو تحريف . ١١٣ فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته وقال بعضهم : لعلّهم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً قطُ ، وذكروا أشياء . فخرج إليهم رسول الله وَ﴾ فقال: ((ما هذا الذي كُنْتُم تَخُوضُوْنَ فيه))؟ فأخبروه بمقالتهم، فقال: ((هُمُ الذينَ لا يَكْتَوُوْنَ وَلا يَسْتَرْقُوْنَ وَلَا يَتَطَيُّوْنَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ))، فقام عُكاشة بن مِحْصَن(١) الأسدي فقال : أنا منهم يا رسولَ الله؟ قال: ((أَنْتَ مِنْهُم)). ثم قام آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله ؟ فقال (( سبَقَكَ بها عُكَاشَةٌ)( ٢) . وهذا الحديث له طرق كثيرة جداً ، وهو في الصحاح والحسان وغيرها ، وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صِفَة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها٣) . وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيراً ، وأثنى عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مراراً وكررها كثيراً ، مطولة ومبسوطة ومختصرة ، وأثنى عليه بليغاً . وكثيراً ما يقرنه الله تعالى ويذكره ، ويذكر كتابه مع محمد بَّر وكتابه، كما قال في سورة البقرة ﴿وَلَمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَذَ فَيْقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿الَّ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُُّ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيٍِّ وَأَنزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِيلٌ ﴿ مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَنَزَ الْفُرْقَانُّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ ﴾ [ آل عمران: ١ - ٤ ] . وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم ◌َا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ فُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿ وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِ لَآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِةِ، وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [ الآيتان: ٩١ -٩٢]. فأثنى تعالى على التوراة ، ثمّ مدح القرآن العظيم مدحاً عظيماً ، وقال تعالى في آخرها: ﴿ ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِىَّ أَحْسَنَ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥) وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [١٥٤ - ١٥٥]. وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿ إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْلِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرََّّنِيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءٌ فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا (١) في ط : محيصن . وعكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي ، صحابي من أمراء السرايا . استشهد في حروب الردة . الإصابة (٤٩٤/٢) ترجمة رقم (٥٦٣٢) والأعلام (٢٤٤/٤) . (٢) مسند أحمد (٢٧١/١)، وفيه اختلاف يسير بالألفاظ . (٣) في النهاية من هذا الكتاب . وتخريجه ثمة . ١١٤ فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته تَشْتَرُواْ بِكَايَتِى ثَّمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَتَكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ فِيهٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (١) وَأَنَزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ... ﴾ [الآية: ٤٤ - ٤٨]. فجعل القرآن حاكماً على سائر الكتب غيره ، وجعله مصدِّقاً لها ومبيناً ما وقع فيها من التحريف والتبديل ، فإن أهل الكتاب استُحفِظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها ، ولا على ضبطها وصونها ، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهومِهم ، وقصورهم في علومهم ، ورداءة قصودهم ، وخيانتهم لمعبودهم ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة . ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البيّن على الله وعلى رسله ما لا يحدُّ ولا يوصف ، وما لا يوجد مثله ولا يعرف . وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (َ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ () وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنزَلْنَهُ أَفَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [ الآيات: ٤٨ - ٥٠] . وقال الله تعالى في سورة القَصَص: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوِى مِثْلَ مَآ أُوْنِى مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ (٤) قُلْ فَأَنُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَِّعُهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [ الآيتان: ٤٨ - ٤٩]. فأثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين ، عليهما السلام . وقالت الجن لقومهم : إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى . وقال ورقة بن نوفل لما قصَّ عليه رسول الله وَّه خبر ما رأى من أول (١) الوحي، وتلا عليه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴿ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ (٥) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿َ الَّذِى عَلَّمَ بِاَلْقَلِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] قال: سُبُّوحُ سبوح ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران . وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت عظيمة ٢) ، وأمته كانت أمّة كثيرة ، ووجد فيهم أنبياء وعلماء وعبَّاد وزهاد(٣) وملوك وأمراء وسادات وكبراء. لكنّهم كانوا فبادوا، وتبدّلوا كما بُدِّلت شريعتهم ، ومُسخوا قِردة وخنازير ، ثمّ نسخت بعد كل حساب ملَّتهم ، وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها ، ولكن سنورد ما فيه مَقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله . وبه الثقة وعليه التُّكلان . **: (١) السيرة النبوية (٢٣٨/١). (٢) في ب : كانت شريفة عظيمة . (٣) زاد في ب هنا: وأولياء . وفي ط : وألباء. ١١٥ ذكر حجة موسى إلى البيت العتيق ذکر حجّته عليه السلام إلى البيت العتيق(١) قال الإمام أحمد : حدّثنا هُشَيمُ(٢) ، حدّثنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية ، عن ابن عباس أن رسول الله وَ﴿ مر بوادي الأزرق فقال: ((أيُّ وادٍ هذا))؟ قالوا: وادي الأزرق. قال: ((كأنّي أَنْظُرُ إلى مُؤْسَى وَهُوَ هابِطٌ مِنَ الثَِّيَّةِ وَلَهُ جُؤْارٌ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بالتَّلْبِيَةِ)) حَتَّى أتى على ثنَّة هَرْشَى. فقال: ((أيُّ ثَنِيَّةِ هذِهِ))؟ قالوا: هذه ثنيّة هَرْشَى. قال: ((كأنّي أَنْظُرُ إلى يُؤْنُس بنِ مَتَّى عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوْفٍ ، خِطَامُ ناقَتِهِ خلبةٌ)). قال هُشيم: يعني ليفاً، ((وهو يلبّي)(٣). وأخرجه مسلم(٤) من حديث داود بن أبي هند ، به . وروى الطبراني(٥) عن ابن عباس مرفوعاً أن موسى حج على ثور أحمر . وهذا غريب جداً . وقال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن مجاهد قال : كنا عند ابن عباس ، فذكروا الدجّال ، فقال : إنه مكتوب بين عينيه ( ك ف ر) قال : ما يقولون ؟ قال : يقولون : مكتوب بين عينيه ( ك ف ر ) ، فقال ابن عباس : لم أسمعه قال ذلك ولكن قال : أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ، وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جملٍ أحمرَ مَخْطوم بخُلْبة ، كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبّي . قال هشيم : الخُلْبَةُ : الليف . ثمّ رواه الإمام أحمد(٧) ، عن أسود ، عن إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّه: «رأيتُ عِيْسَى بنَ مَرْيَمَ ومُوسى وإبراهيمَ، فأمّا عِيْسَى فَأبْيَضُ جَعْدٌ عَرِيْضُ الصَّدْرِ . وأمّا مُؤْسَى فَآدَمُ جَسِيْمٌ)). قالُوا: فإبراهيمُ؟ قال: ((انظروا إلى صاحبكم)). وقال الإمام أحمد : حدّثنا يونس ، حدّثنا شيبان قال : حدّث قتادة ، عن أبي العالية، حدّثنا ابنُ عَمّ (١) في ب: ذكر حج موسى ... وصفته. وفي ط: حجته ... (٢) في ط : هشام ، خطأ بيّن . (٣) مسند أحمد (٢١٥/١ -٢١٦). وفي النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٦٠)، ثنية هرشى: هي ثنية بين مكة والمدينة ، وقيل : هرشى جبل قرب الجحفة . (٤) صحيح مسلم رقم (١٦٦) (٢٦٩) في الإيمان، باب الإسراء برسول الله وسية إلى السماوات، وفرض الصلوات. (٥) المعجم الكبير (١٢٥١٠) وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف . (٦) في مسنده (١/ ٢٧٧) . (٧) المسند (٢٩٦/١). ١١٦ ذكر وفاة موسى عليه السلام نبيِّكم ابنُ عباس قال: قال نبي الله ◌َِّ: ((رأيتُ لَيْلَةَ أُسْرِي بِي مُؤْسَى بِنَ عِمْرانَ رَجُلاً طوالَا جَعْدَاً كأنهُ مِنْ رِجَالٍ شَنُوءَةً، وَرَأيْتُ عِيْسَى بنَ مَرْيم مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبطَ الرأسِ﴾(١). وأخرجاه٢) من حديث قتادة ، به . وقال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا مَعْمَر ، قال الزُّهري : وأخبرني سعيد بن المسيِّب ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَهُ: حينَ أُسْرِي به: ((لقيتُ مُوسَى)) فَنَعَتَهُ. فقالَ رَجُلٌ قالَ حسِبْتُهُ قال: مُضْطَرِبَ - يعني طويلاً - رَجْلَ الرأس، كأنه من رجال شَنُوءَةَ. ((وَلَقِيْتُ عِيْسَى)). فَنَعَتَهُ رسولُ الله وَل﴿ فقال: ((رَبعةٌ أحمر كأنّما خَرَجَ مِنْ دِيماسٍ)) يعني: حماماً. قال: ((ورأيتُ إبْراهِيْمَ وأنا أشْبَهُ وَلَدِهِ به)) .. الحديث(٣). وقد تقدَّم غالبُ هذه الأحاديث في ترجمة الخليلِ(٤) . ذکر وفاته عليه السّلام قال البخاري في ((صحيحه)): ( وفاة موسى عليه السلام ) . حدّثنا يحيى بن موسى ، حدّثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : أُرسِل مَلَكُ الموتِ إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صَكَّهُ) . فرجع إلى ربّه عز وجل فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بما غطّت يدُه بكلِّ شعرة سَنة . قال : أيْ رب ، ثمّ ماذا؟ قال : ثمّ الموت . قال : فالآن، قال : فسأل الله عزَّ وجَلَّ أن يدنيه من الأرض المقدّسة رميةً بِحَجر. قال أبو هريرة فقال رسول الله وَّةِ ((فَلو كُنْتُ ثَمّ الأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَانِبِ الطَّرِيْقِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأَحْمَرِ )(٦) . قال: وأخبرنا معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ * نحوه. (١) المسند (٢٤٥/١) . والسبط هو المسترسل ، ليس فيه تكسر . (٢) صحيح مسلم رقم (١٦٥) في الإيمان، باب الإسراء برسول الله وَّ ر وهو عند البخاري: برقم (٣٤٣٠) في الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ وَذَكْرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ ﴾ من حديث مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما . (٣) المسند (٢٨٢/٢). في الجزء الأول من هذا الكتاب . (٤) (٥) صكه : ضربه ودفعه . (٦) صحيح البخاري رقم (٣٤٠٧) في الأنبياء ، باب وفاة موسى وذكره بعده . ١١٧ ذكر وفاة موسى عليه السلام وقد روى مسلم (١) الطريق الأول من حديث عبد الرزاق ، به . ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة مرفوعاً ، وسيأتي(٢). وقال الإمام أحمد : حدّثنا الحسن ، حدّثنا ابن لَهِيْعَة ، حدّثنا أبو يونس - يعني سليم بن جبير - عن أبي هريرة . قال الإمام أحمد : لم يرفعه . قال : جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال : أجب ربك . فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها . فرجَع الملك إلى الله عز وجل فقال : إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت. قال: وقد فقا عيني . قال : فرد الله عينَه وقال : ارجع إلى عبدي فقل له ألحياةً تُريد ؟ فإنْ كنتَ تريدُ الحياةَ فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة . قال : ثمّ مَهْ؟ قال : ثمّ الموت . قال : فالآن يا ربِّ من قريب. تفرّد به أحمد (٣) ، هو موقوف بهذا اللفظ. وقد رواه ابن حبان في (( صحيحه)(٤) من طريق معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . قال معمر : وأخبرني من سمع الحسن عن رسول الله ، فذكره ، ثمّ استشكله ابن حِبّان ، وأجاب عنه بما حاصله : أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى عليه السلام كما جاء جبريل في صورة أعرابي ، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولًا ، وكذلك موسى لعلّه لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه ؛ لأنه دخل داره بغير إذنه . وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير إذن(٥) . ثمّ أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَه : ((جاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى لِيَقْبِضَ رُوحَه قال له: أجِبْ رَبَّك. فَلَطَم مُوسى عينَ مَلَكِ المُؤْتِ فَفَقَأَ عَيْنَه)) ، وذكر تمام الحديث كما أشار إليه البخاري ، ثمّ تأوّله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له : أجب ربّك ، وهذا التأويل لا يتمشّى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله : أجب ربك ، بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشّى له وكأنّه لم يعرفه في تلك الصورة ، ولم يحمل قوله هذا على أنّه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنّه ملك كريم ؛ لأنه كان يرجو أموراً كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجهم من التيه ، ودخولهم الأرض المقدّسة ، وكان قد سبق في قدر(٦) الله (١) صحيح مسلم رقم (٢٣٧٢) في الفضائل، باب فضائل موسى وَلّر. (٢) وهو في المسند ( ٢٦٩/٢) . (٣) المسند (٣٥١/٢). (٤) ابن حبان (٦٢٢٤ ) . (٥) قوله: وهذا موافق ... بغير إذن . سقط من ب. (٦) في ط: ((قدرة)). والحديث ذكره التبريزي في مشكاة المصابيح برقم (٥٧١٣). وقال: متفق عليه . ١١٨ ذكر وفاة موسى عليه السلام أنّه عليه السلام يموت في التيه بعد هارون أخيه ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى . وقد زعم بعضهم أن موسى عليه السلام هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدّسة . وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين . ومما يدلّ على ذلك قوله لما اختار الموتَ : ربّ أدنني إلى الأرض المقدّسة رميةً بحجر . ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك ، ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته عليه السلام أحبّ أن يتقرّب إلى الأرض التي هاجر إليها ، وحثّ قومه عليها ، ولكن حال بينهم وبينها القدر رميةً بحجر، ولهذا قال سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر(١): ((فلوكُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأخْمِرِ » . وقال الإمام أحمد : حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد، حدّثنا ثابت وسليمان التَّيْمي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ◌َ﴾ قال: ((لما أُسْرِي بِي مَرَرْتُ بموسَى وهُو قَائِمٌ يُصَلّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ)(٢). ورواه مسلم من حديث حمّاد بن سلمة(٣) ، به . وقال السدّي عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة عن ابن مسعود ، وعن ناسٍ من الصحابة قالوا: ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى: إني متوفِّ هارون فائْتِ به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم يُرَ شجرةٌ مثلها، وإذا هم ببيتٍ مبني، وإذا هم بسريرٍ عليه فرش، وإذا فيه ريحٌ طيبةٌ، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه ، قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير ، قال له موسى : فنم عليه قال : إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ ، قال له : لا ترهب ، أنا أكفيك ربَّ هذا البيت ، فنم . قال : يا موسى نم معي فإن جاء ربّ هذا البيت غضب عليّ وعليك جميعاً . فلما ناما أخذ هارونَ الموتُ فلما وجدَ حسّه قال : يا موسى خدعتني . فلما قُبض رُفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء ، فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هارون قالوا : فإن موسى قتل هارون ، وحسده حب بني إسرائيل له ، وكان هارون أكفَّ عنهم وألينَ لهم من موسى ، وكان في موسى بعضُ الغلظة عليهم ، فلما بلغه ذلك قال لهم : ويحكم كان أخي أفتروني أقتله ؟ فلما أكثروا عليه ، قام فصلّى ركعتين ثمّ دعا اللهَ فنزل السريرُ حتى نظروا إليه بين السماء والأرض . ثمّ إن موسى عليه السلام بينما هو يمشي ويوشَع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها [ يوشع ]٤) ظن أنها الساعة ، فالتزم موسى وقال : تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ الله، فاستل(٥) موسى عليه السلام (١) المدر : الطين اليابس. ويراد به أهل المدينة الذين يبنون بيوتهم به. (٢) المسند (٢٤٨/٣). صحيح مسلم رقم ( ٢٣٧٥) في الفضائل، باب من فضائل موسى وَلئلّ. (٣) (٤) زيادة من ط ، وتاريخ الطبري . (٥) في ب : فانسل . ١١٩ ذکر وفاة موسى عليه السلام من تحت القميص ، وترك القميص في يدي يوشع . فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا : قتلت نبي الله ؟ فقال : لا والله ما قتلته ولكنه استل مني . فلم يصدّقوه وأرادوا قتله ، قال : فإذا لم تصدقوني فأخّروني ثلاثة أيام ، فدعا الله ، فأُتي كلّ رجلٍ ممن كان يحرسه في المنام ، فأُخبر أن يوشع لم يقتل موسى ، وإنّا قد رفعناه إلينا ، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسىّ إلا مات ، ولم يشهد الفتح(١). وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم . وقد قدّمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا ، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون ، وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم ، اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم . وذكر وهب بن منبه أن موسى عليه السلام مرّ بملأٍ من الملائكة يحفرون قبراً ، فلم يَرَ أحسن منه ، ولا أنضر ، ولا أبهج ، فقال : يا ملائكةَ الله لمن تحفرون هذا القبر ؟ فقالوا : لعبد من عباد الله كريم ، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر ، وتمدد فيه ، وتوجّه إلى ربك ، وتنفَّس أسهل تنفسٍ ، ففعل ذلك فمات صلوات الله وسلامه عليه فَصَلَّتْ عليه الملائكة ودفنوه(٢) . وذكر أهل الكتاب وغيرُهم أنه مات وعمره مئة وعشرون سنةً . وقد قال الإمام أحمد(٣): حدّثنا أمية بن خالد ويونس قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي وض ◌ّ قال يونس: رفع هذا الحديث إلى النبيِنَّ قال: «كان مَلَكُ الموتِ يأتي الناسَ عِياناً ، قال : فأتى مُوسَى عَليه السلامُ ، فَلَطَمَهُ فَفَقََّ عَيْنَهُ، فأتى رَبَّه فقال: يا رَبّ عَبْدُكُ مُوسَى فَقَأْ عَيْنِي ولولا كَرامَتُهُ عَلَيْكَ لَعَتِبْتُ عَلَيْه٤ِ))). وقال يونس: ((لشققتُ عليه)). قال له: (( اذْهَب إلى عَبدي، فَقُلْ لَه فَلْيَضَعِ يَدَه على جلد ( أو مسْك) ثور فَلَه بكُل شَعْرَةٍ وَارَتْ يَدُهُ سَنَةٌ، فأتاه فقال له ، فقال : ما بعد هذا ؟ قال : الموت . قال : فالآن . قال : فشمه شمة فَقَبَضَ رُوْحَه)) . قال يونس: فردّ الله عليه عينه ، وكان يأتي الناس خفية . وكذا رواه ابن جرير(٥) عن أبي كريب عن مُصعب بن المقدام عن حمّاد بن سلمة، به، فرفعه أيضا٦ً) . (١) تاريخ الطبري (٤٣٢/١ - ٤٣٣). تاريخ الطبري (٤٣٣/١ ). (٢) (٣) في المسند (٢/ ٥٣٣). هكذا في الأصول، وفي مسند أحمد: ((لعَنّفْتُ به)) وهو أحسن . (٤) في تاريخه (٤٣٤/١) . (٥) (٦) في هذا الحديث مقال من وجهين: الأول أنه قد اختلف في رفعه ووقفه، والثاني: نكارة عبارة: ((كان ملك الموت يأتي الناس عياناً)» وهي مما تفرد بها حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار، ولكل من هذين الراويين بعض ما يُستنكر كما هو معروف من ترجمتيهما. ١٢٠ نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلام ذکر نبوّة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهم السلامُ(١) هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام(٢). وقد ذكره الله تعالى في القرآن غيرَ مُصَرّح باسمه في قصّة الخضرِ ، كما تقدم من قوله: ﴿ وَإِذْقَافَـ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ﴾ وقدّمنا٣) ما ثبت في الصحيح من رواية أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ: من أنه يوشع بن نون، وهو متفق على نبوّته عند أهل الكتاب ، فإن طائفة منهم - وهم السامرة - لا يقرّون بنبوّة أحدٍ بعد موسى إلا يوشع بن نون ، لأنه مصرّح به في التوراة ، ويكفرون بما وراءه ، وهو الحق من ربّهم ، فعليهم لعائن الله البالغة (٤) إلى يوم القيامة . وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين، عن محمد بن إسحاق من أن النبوة(٥) حُولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى ، فكان موسى يلقى يوشَع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له : يا كليم الله ، إني كُنت لا أسألك عما يوحي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداءً من تلقاء نفسك ، فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت(٦) ، ففي هذا نظر، لأن موسى عليه السلام لم يزل الأمر ، والوحي ، والتشريع ، والكلام من الله إليه من جميع أحواله حتى توفّاه الله عزّ وجلّ، ولم يزل معزَّزاً مكرّماً مدلَّلاَ وجيهاً عند الله ، كما قدّمنا في الصحيح من قصّة فقْئه عَين مَلك الموت ، ثمَّ بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكلِّ شعرة وارَتْ يدُه سنةٌ يعيشها ، قال : ثمّ ماذا ؟ قال : الموت . قال : فالآن يا رب . وسأل الله أن يُدنيه إلى بيت المقدس رميةً بحجر، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه(٧). فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنّما يقوله من كتب أهل الكتاب ، ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة : أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كلّ حينٍ يحتاجون إليه إلى آخر مدّة موسى ، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبّة الزمان . (١) قوله : ذكر عليهم السلام ليس في ط . وفي ب : عليهما .. زاد في ب : وأهل الكتاب يقولون : يشوع بن عم هود . وفي ط : وأهل كتاب ... يوشع بن عم هود . (٢) (٣) ص (٨٦) من هذا الجزء . في ( ذكر قصة موسى والخضر ) . (٤) في ط : المتتابعة . (٥) زاد في أ هنا : من أن التوراة . (٦) تاريخ الطبري (٤٣٣/١) وما بعدها . هكذا في الأصل، وهذه القطعة التي أشار إليها المصنف ليست في صحيح البخاري وإنما تفرد بها مسلم من حديث سليمان (٧) التيمي عن أنس فأخرجها في أحاديث الأنبياء من صحيحه (٢٣٧٥)، فلعل صواب العبارة: ((وقد ثبت في الصحيح في أحاديث الإسراء أن رسول الله بَ ثّل مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره؛ رواه مسلم عن أنس))، وإلا فإن ما ذكر غير صحيح .