Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قصة موسى الكلیم ويحتمل أن يكون يوم يُحِلُّ الله بهم البأس فيريدون(١) الفرار ولاتَ حِيْنَ مَناص. ﴿ فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُم مِنْهَ يَكُونَ () لَا تَرْكُضُوْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَا أَثْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ ﴾ [ الأنبياء: ١٢ -١٣]. ثم أخبرهم عن نبوّة يوسف في بلاد مصر وما كان منه من الإحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم ، وهذا من سلالته وذريته ، ويدعو النّاس إلى توحيد الله تعالى وعبادته ، وأن لا يشركوا به أحداً من بريّته ، وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان ، أن من سجيَّتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل ، ولهذا قال: ﴿ فَازِلْتُمْ فِ شَكٍ مِّمَا جَآءَ كُم بِهْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً ﴾ أي : وكذّبتم في هذا، ولهذا قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطٍَ أَتَنْهُمّ﴾ أي : يردّون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجّة ولا دليلٍ عندهم من الله ، فإن هذا أمر يمقته ٢) الله غاية المقت، أي يبغض من تلََّّس به من الناس، ومن اتَّصَف به من الخلق ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلٍ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ ﴾، قُرىء بالإضافة وبالنعت(٣)، وكلاهما متلازم ، أي : هكذا إذا خالفت القلوب الحقّ ولا تخالفه إلا بلا برهان ، فإن الله يطبع عليه أي يختم عليها٤) . وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِىَ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ﴿ أَسْبَبَ السَّمَنَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيَِّ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّ فِى تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ -٣٧]. كذّب فرعونُ موسى عليه السلام في دعواه أن الله أرسله ، وزَعْمُ فرعونَ لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَنْهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُتُهُ مِنَ الْكَذِينَ﴾، وقال هاهنا: ﴿لَعَلَّىَّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ﴿ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ ﴾ أي: طُرُّقها ومَسَالِكِها، ﴿ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾. ويحتمل هذا معنيين : أحدهما : وإني لأظنه كاذباً في قوله : إن للعالم ربّاً غيري . والثاني: في دعواه أن الله أرسله . والأوّل أشبه بظاهر حال فرعون ، فإنه كان ينكر ظاهر إثبات الصانع(٥)، والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال: ﴿ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى﴾ أي: فأسأله. هل أرسله أم لا ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ أي: في دعواه ذلك . وإنما كان مقصود فرعون أن يَصُدَّ النّاس عن تصديق موسى عليه السلام وأن يحثّهم على تكذيبه . قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِّ﴾، (١) في ط : فيودون . (٢) في ب : فإن هذا مما يمقت الله . وفي ط : فإن هذا أمر يمقته . (٣) قرأ أبو عمرو وابن عامر: ﴿عَلَى كُلِ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ﴾ بالنعت. وقرأ الباقون بغير تنوين ، على الإضافة . حجة القراءات (٦٣٠ - ٦٣١)، النشر (٣٦٥/٢). (٤) زاد هاهنا في ب : بما فيها . (٥) من قوله : والثاني في دعواه .... إلى هنا سقط من أبنقلة عين. ٤٢ قصة موسى الکلیم وقُرىء (١): ﴿ وَصُدَ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّ فِ تَبَابٍ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: يقول : إلّ في خسار ، أي : باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه ، فإنّه لا سبيل للبشر أن يتوصّلوا بقواهم إلى نيل السماء أبداً ، أعني السماء الدنيا ، فكيف بما بعدها من السماوات العُلى وما فوق ذلك من الارتفاع الذي لا يعلمه إلا الله عَزّ وجَلّ(٢). وذكر غير واحد من المفسّرين أن هذا الصرح ، وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له ، لم يُرَ بناءٌ أعلى منه ، وإن كان مبنياً من الآجرِّ المشويِّ بالنار ، ولهذا قال: ﴿ فَأَوْقِدْلِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِ صَرْحًا﴾. وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يُسَخَّرون في ضرب اللَّبِن ، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنّهم لا يُساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه ، بل كانوا هم الذين يجمعون تُرابه وتِنه ومَاءه ، ويُطلب منهم في كلِّ يوم قسط معين، إنْ لم يفعلوه وإلّا ضُربوا وأُهينوا غاية الإهانة، وأُوذوا غاية الأَذِيَّةِ. ولهذا قالوا لموسى: ﴿ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْطِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط وكذلك وقع ، وهذا من دلائل النبوة . ولنرجع إلى نصيحة المؤمن، وموعظته، واحتجاجه قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ (٣) مَنْ عَمِلَ سَبِّئَةً فَلَا يُجْزَىّ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَانٍ﴾ [غافر: ٣٨ - ٤٠] يدعوهم رضي الله عنه إلى طريق الرشاد والحق ، وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من ربه ، ثم زهَّدهم في الدنيا الدنيَّة الفانية المنقضية لا محالة ، ورغّبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه ، القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه ، الذي يعطي على القليل كثيراً ، ومِن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها . وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار ؛ التي مَن وافاها مؤمناً قد عمل الصالحات فلهم الجنات العاليات والغرف الآمنات ، والخيرات الكثيرة الفائقات ، والأرزاق الدائمة التي لا تبيدٍ . والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد . ثم شرع في بيان إبطال ما هم عليه، وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال: ﴿﴿ وَيَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوْةِ وَتَدْعُونَنِىَ إِلَى النَّارِ (٤) تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ (ثَ لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ (١) قرىء ﴿صَدَّ﴾ بالبناء للمعلوم، وهي قراءة الجمهور إلا عاصماً وحمزة والكسائي، فقد قرؤوها بالبناء للمجهول . حجة القراءات (٦٣٢) وتفسير الطبري (٢٤/ ٤٣). (٢) تفسير الطبري : (٢٤/ ٤٣ - ٤٤). ٤٣ قصة موسى الكليم فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ أَصْحَبُ النَّارِ (٤٦) فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمّ وَأُفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ في مَا مَكَرُ وْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْلُوَاْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾(١) [غافر: ٤١ -٤٦]. كان يدعوهم إلى عبادة ربّ السماوات والأرض ، الذي يقول للشيء : كن فيكون ، وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضّال الملعون، ولهذا قال لهم على سبيل الإنكار: ﴿﴿ وَيَقَوْمِ مَا لِيٍّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ (٤) تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّرِ﴾، ثمّ بيّن لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان ، وأنّها لا تملك من نفع ولا إضرار(٢) فقال: ﴿لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَ فِ الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾ أي : لا تملك تصرّفاً ولا حكماً في هذه الدار ، فكيف تملكه يوم القرار . وأمّا الله عزّ وجلّ فإنه الخالق الرازق للأبرار والفجّار ، وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة وعاصيهم إلى النار . ثمّ توعّدهم إنْ هم استمروا على العناد بقوله: ﴿ فَسَتَذْكُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوَضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الله: ﴿فَوَقَنَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ أي: بإنكاره سَلِم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ومكرهم في صدّهم عن سبيل الله ، مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات التي لبَّسوا بها على عوامّهم وطَغَامهم(٣)، ولهذا قال: ﴿ وَحَاقَ﴾ أي: أحاط ﴿بِثَالٍ فِرْعَوْنَ سُوّءُ اَلْعَذَابِ (َ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي: تُعرض أرواحهم في برزخهم صباحاً ومساءً على النار ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وقد تكلَّمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في (( التفسير )(٤) ولله الحمد . والمقصود أنّ الله تعالى لم يُهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم ، وإرسال الرسول إليهم ، وإزاحة الشُبه عنهم ، وأخذ الحجّة عليهم منهم، فبالترهيب تارةً والترغيب أخرى، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٣) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْلَنَا هَذِّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةُ يَطَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَةٌ أَلَا إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (َ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُوفَانَ وَالْرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَاَلَّمَ، أَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣]. (١) الآية الأخيرة لم ترد في ب. (٢) في ب : لا تملك نفعاً ولا ضراً . (٣) الطغام : أرذال الناس وأوغادهم ، الواحد والجمع سواء. (٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٠ - ٨١). ٤٤ قصة موسى الكليم يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون ، وهم قومه من القبط ، بالسّنين : وهي أعوام الجَذْب التي لا يُستغل فيها زرع ولا يُنتفع بضرع، وقوله: ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾. وهي قلّة الثمار من الأشجار ﴿ لَعَلَّهُمْ يَّذَّكَّرُونَ﴾ أي: فَلَم ينتفعوا ولم يرعَوُوا، بل تمرّدوا واستمروا على كفرهم وعنادهم ﴿فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْخَسَنَةُ﴾ وهو الخصب ونحوه، ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ،﴾ أي: هذا الذي نستحقّه، وهذا الذي يليق بنا، ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ ﴾ أي: يقولون: هذا بشؤمهم أصابنا هذا، ولا يقولون في الأوّل إنه بركتُهم وحسن مجاورتهم ، ولكنْ قلوبهم منكرة مستكبرة ، نافرة عن الحق ، إذا جاء الشرّ أسندوه إليه ، وإن رأوا خيراً ادّعوه لأنفسهم . قال الله تعالى: ﴿أَلَآَ إِنَّمَا طَِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مهما جئتنا به من الآيات ، وهي الخوارق للعادات ، فلسنا نؤمن بك ولا نتَبعك ولا نطيعك ولو جئتنا بكلِّ آية . وهكذا أخبر الله عنهم في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونُ (٨) وَلَوْ جَآءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [ يونس: ٩٦ - ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَاَلَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ أما الطّوفان، فعن ابن عباس: هو كَثْرةُ الأمطار المُتْلِفَةِ للزروع والثمار . وبه قال سعيد بن جُبير وقتادة والسُّدّي والضحّاك. وعن ابن عباس وعطاء: هو كثرة الموت(١) . وقال مجاهد الطوفان : الماء والطاعون على كلِّ حال . وعن ابن عباس : أمرٌ طافَ(٢) بهم . وقد روى ابن جرير ، وابن مردويه ، من طريق يحيى بن يَمَان ، عن المنهال بن خليفة ، عن الحجّاج، عن الحكم بن مِيْنا، عن عائشة، عن النبي ◌ِِّ((الطُّوفانُ المُؤْتُ)(٣) وهو غريب. وأما الجراد : فمعروف . وقد روى أبو داود(٤) ، عن أبي عثمان ، عن سلمان الفارسي قال : سُئل رسول الله عن الجراد فقال: ((أكْثَرُ جُنُوْدِ اللهِ لا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ)) وترك النبي ◌َِّ أكله إنما هو على وجه التقذُّر له، كما ترك أكل الضَّبِّ، وتنزَّه عن أكل البَصَل والثوم والكرّاث؛ لما ثبت في ((الصحيحين )(6) عن عبد الله بن أبي أَوْفى قال: غزونا مع رسول الله بِ له سبع غزوات نأكلُ الجراد. (١) تفسير الطبري (٢٢/٩ - ٢٧). (٢) في ب : حاق بهم . هو في تفسيره: (٩/ ٢٧) من طريق أخرى عن مجاهد. وهو عن عائشة في الجامع الصغير (١٠٨/٢). (٣) (٤) سنن أبي داود رقم (٣٨١٣) في الأطعمة ، باب في أكل الجراد ، وإسناده ضعيف. (٥) في البخاري (٥٤٩٥) في الذبائح والصيد ، باب أكل الجراد ، ومسلم ( ١٩٥٢) في الصيد ، باب إباحة الجراد . ٤٥ قصة موسى الكليم وقد تكلّمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآراء في (( التفسير(١) والمقصود أنه استاف(٢) خضراءهم فلم يترك لهم زروعاً ولا ثماراً ولا سَبَد(٣) ولا لَبَداً. وأما القُمَّل(٤) : فعن ابن عباس : هو السوس الذي يخرج من الحنطة . وعنه : أنّه الجرادُ الصغار الذي لا أجنحة له . وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة . وقال سعيد بن جبير ، والحسن : هو دواتٌّ سودٌ صغار . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي البراغيث . وحكى ابن جَرِير(٥) عن أهل العربية أنها الحَمْنان، وهو صغار القِرْدان ، فوق القَمْقَامة ، فدخل معهم البيوت والفُرش ، فلم يَقِرَّ لهم قرارٌ ، ولم يُمكنْهم معه الغمض ولا العيش . وفسّره عطاء بن السائب بهذا القَمْل المعروف . وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف . وأمّا الضفادع: فمعروفة ، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعماتهم(٦) وأوانيهم ، حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعامٍ أو شرابٍ سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع . وأمّا الدم: فكان قد مَزج ماءهم كلّه(٧) ، فلا يستَقُون من النيل شيئاً إلا وجدوه دماً عَبِيطا٨ً) ، ولا من نهرٍ ولا بئرٍ ولا شيء إلا كان دماً في الساعة الراهنة . هذا كله ، ولم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلّية . وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجّة القاطعة ، أن هذا كلّه يحصل لهم من فعل موسى عليه السلام . فينالهم عن آخرهم ولا يحصل هذا لأحدٍ من بني إسرائيل ، وفي هذا أدل دليل . قال محمد بن إسحاق : فَرَجع عدوُ الله فرعونُ حين آمنت السّحرة مغلوباً مغلولاً ، ثمّ أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات ، فأخذه(٩) بالسنين ، فأرسل عليه الطّوفان ، ثمّ الجراد ، ثم القُمَّل ، ثمّ الضفادع ، ثمّ الدم ، آيات مفصلات . (١) تفسير ابن كثير (٢٤٠/٢ - ٢٤٢). (٢) في ط استاق . واستاف : أهلك . السيد : ما يطلع من رؤوس النبات قبل أن ينتشر ، والسيد : الوبر ، وقيل : الشعر . والعرب تقول : ماله سَبَد ولا (٣) لَبَد ؛ أي: ماله وبر ولا صوف متلبد، يكنى بهما عن الإبل والغنم . وقيل : أي ماله قليل ولا كثير . اللسان (سيد). تفسيره (٢٢/٩)، وقد أورد مختلف الأراء في تفسير القمل . (٤) القراد أول ما يكون وهو صغير لا يكاد يرى من صِغره يقال له : قمقامة ، ثم يصير حمنانة ، ثم قراداً ، ثم حلمة . (٥) اللسان ( حمن ) . جمع طعام : أطعمة ، وجمع الجمع : أطعمات . (٦) (٧) في ط : مُزج ماؤهم كله به . دم عبيط : طري . (٨) (٩) كذا في ط. وفي أوب: فواخذه. قال ابن منظور: آخذه، كأخذه. وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ﴾. والعامة تقول: واخَذَه . اللسان ( أخذ). ٤٦ قصة موسى الكليم فأرسل الطوفان ، وهو الماء ، ففاض على وجه الأرض ثمّ ركد. لا يقدرون على أن يخرجو(١) ولا أن يعملوا شيئاً حتى جهدوا جوعاً، فلما بلغهم ذلك ﴿ قَالُواْ يَمُوسَى آدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَلَكَّ لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَا اُلِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ ] فدعا مُؤْسَى رَبَّ فكشفه عنهم ، فلم يفوا له بشيء ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل الشجر - فيما بلغني - حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم ، فقالوا مثل ما قالوا ، فدعا ربّه ، فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم القُمَّل ، فذُكر لي أن موسى عليه السلام أُمر أن يَمْشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه ، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم ، فضربه بها ، فانثال عليهم قملاً حتى غلب على البيوت والأطعمة ، ومنعهم النومَ والقرار ، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له ، فدعا ربّه فكشفه عنهم ، فلم يفوا له بشيء مما قالوا ، فأرسل (٢) الله عليهم الضفادع ، فملأت البيوت والأطعمة والآنية ، فلم يكشف أحدٌ ثوباً ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع قد غلب(٣) عليه ، فلمّا جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا ، فدعا ربّه فكشف عنهم ، فلم يفوا بشيء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الدمَ ، فصارت مياه آل فرعون دماً ؛ لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون (٤) من إناءٍ إلا عاد دماً عَبِيْطاً . وقال زيد بن أسْلم : المراد بالدم: الرعاف ، رواه ابن أبي حاتم . قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكْ لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ ﴿ فَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ١٣ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَعْرَقْنَهُمْ فِىِ الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَلِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ [ الأعراف: ١٣٤ - ١٣٦]. يخبر سبحانه وتعالى عن كفرهم ، وعتوّهم ، واستمرارهم على الضلال والجهل ، والاستكبار عن اتّباع آيات الله وتصديق رسوله ، مع ما أُيّد به من الآيات العظيمة الباهرة ، والحجج البليغة القاهرة ، التي أراهم الله إياها عَياناً ، وجعلها عليهم دليلاً وبرهاناً . وكلّما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حَلَفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنُنَّ به وليرسلُنَّ معه مَن هو من حِزبه ، فكلّما رُفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شرّ مما كانوا عليه ، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه ، فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى ، فيقولون فيكذبون ، ويعدون ولا يفون : ﴿ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل . ثمّ (١) في ب : يحرثوا . في ط : فكشف عنهم فلما لم ... أرسل . (٢) (٣) في ب : علت . كذا في ب . وفي أ: ولا نهر يعرفون ... ، وفي ط : ولا نهر يفترقون . (٤) ٤٧ قصة موسى الكلیم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل ، هذا والعظيم الحليم القدير يُنظرهم ولا يُعَجّل عليهم ، ويؤخِّرهم ويتقدَّم بالوعيد إليهم ، ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والإنذار إليهم أخْذَ عزيز مقتدر ، فجعلهم عِبرةً ونكالًا وسلفا١ً) لمن أشبههم من الكافرين ، ومَثَلاً لمن اتّعظ بهم من عباده المؤمنين ، كما قال تبارك وتعالى - وهو أصدق القائلين - في سورة ﴿ حمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُّبِينِ﴾: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَقَالَ إِنِ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٩) فَمَا جَآءَ هُمْ بِثَابَئِنَآَ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤) وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (﴿ وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندََ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤) فَمَّا كَتَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ (9) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥) أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (! فَلَوْلَا أُلِّقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَءَ مَعَهُ اُلْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِنَ شَ فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أُنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ ﴾ [ الزخرف : فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ٤٦- ٥٦ ] . يذكر تعالى إرسالَه عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم ، وأنّه تعالى أيّد رسولَه بآيات بينات واضحات تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق ، وأن يرتدعوا عمّا هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحقّ والصراط المستقيم ، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزؤون ، وعن سبيل الله يصدّون ، وعن الحق يصدّون ، فأرسل الله عليهم الآيات تَتْرى يتبع بعضُها بعضاً ، وكلّ آية أكبر من التي تتلوها ، لأن التوكيد أبلغ مما قبله ﴿ وَأَخَذْنَهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْحِعُونَ (٤) وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّا لَمُهْتَدُونَ ﴾ . لم يكن لفظ السّاحر في زمنهم نقصاً ولا عيباً ؛ لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السَّحَرة ، ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه . قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَثَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ﴾. ثم أخبر تعالى عن تبُّح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها ، وتخرُّق الأنهار فيها ، وهي الخلجانات التي يكسرونها أمام(٢) زيادة النيل ، ثمّ تبجّح بنفسه وحِلْيته، وأخذ يتنقّص رسولَ الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه ﴿ وَلَا يَكَادُ يُِينُ﴾ يعني: كلامه ؛ بسبب ما كان في لسانه من بقيّة تلك اللّغة التي هي شرف له وكمال وجمال ، ولم تكن مانعَةً له ، أن كلمه الله تعالى ، وأوحى إليه ، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه ، وتنقَّصه فرعون - لعنه الله - بكونه لا أساور في يديه ولا زينة عليه (٣)، وإنما ذلك من حلية النِّساء لا يليق بشهامة الرجال فكيف بالرسل الذين (١) قال الله تعالى في سورة الزخرف: ٥٥ - ٥٦: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَفْتَهُمْ أَجْمَعِينَ [َّْ فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾ أي: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون . (٢) في ب : أيام . (٣) في ب : ولا زينة على موسى. ٤٨ قصة موسى الکلیم هم أكمل عقلاً ، وأتمّ معرفة ، وأعلى همّة ، وأزهد في الدنيا ، وأعلم بما أعدّ الله لأوليائه في الأخرى . وقوله: ﴿أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان إنما المراد أن تعظّمه الملائكة ، فالملائكة يعظّمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير ، كما جاء في الحديث : ((إِنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضىّ بما يَصْنَعُ(١) فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم ، عليه الصلاة والتسليم والتكريم . وإن كان إنما المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيّد من المعجزات بما يدل قطعاً لذوي الألباب ، ولمن قصد إلى الحقِّ والصواب ، ولعمي عما جاء به من البيّنات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور وترك اللباب ، وطبع على قلبه ربّ الأرباب ، وختم عليه بما فيه من الشكّ والارتياب ، كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذّاب . قال الله تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: استخف عقولهم الفاسدة (٢)، ودَرَجهم من حالٍ إلى حالٍ إلى أن صدَّقوه في دعواه الربوبية ، لعنه الله وقبّحهم ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ . فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ أي: أغضبونا ﴿أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾(٣) أي: بالغرق والإهانة، وسَلْب العزِّ ، والتبدّل بالذُّلِّ، وبالعذاب بعد النِّعمة ، والهوان بعد الرفاهية ، والنار بعد طيب العيش ، عياذاً بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك. ﴿ فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا﴾ أي: لمن اتبعهم في الصفات ﴿ وَمَثَلًا﴾ أي: لمن اتَّعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ممن بَلَغه جليَّةُ خبرهم ، وما كان من أمرهم ، كما قال الله تعالى : ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ُوسَى بِشَايَئِنَا بَيِنَتِ قَالُواْ مَا هَذَآ إِلََّ سِحْرٌ مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَبَابِنَا الأَوَّلِينَ (٢) وَقَالَ مُوسَى جَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَمُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ( عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِينِ فَاجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ جَ وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَهُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿ فَأَخَذْنَهُ مِنَ اُلْكَذِبِينَ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِىِ الْبَرِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِعَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ لَا يُصَرُونَ (١) وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الذُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [ القصص: ٣٨ -٤٢ ] . يخبر سبحانه وتعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق ، وادَّعى مَلِكُهم الباطلَ ، ووافقوا عليه (١) قطعة من حديث صفوان بن عسال المرادي، أخرجه الترمذي (٣٥٣٦) في الدعوات ، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده . وقال الترمذي : حسن صحيح ، وهو كما قال . (٢) قوله : الفاسدة . زيادة في ب . (٣) في ب: ﴿ فَلَمَّآءَ اسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ٤٩ هلاك فرعون وجنوده وأطاعوه فيه ، اشتد غضب الربّ القدير العزيز الذي لا يُغَالَب ولا يمانَع عليهم ، فانتقم منهم أشد الانتقام ، وأغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة ، فلم يفلت منهم أحدٌ ولم يبق (١) منهم ديَّار ، بل كلٌّ قد غرق فدخل النار ، وأتبعوا لعنة في هذه الدار بين العالمين ، ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ، ويوم القيامة هم من المقبوحين . - ذكر هلاك فرعون وجنوده(٢) لما تمادى قبطُ مصر على كفرهم وعتوِّهم وعنادهم ، متابعةً لملكهم فرعون ، ومخالفةً لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، وأقام الله على أهل مصر الحجج(٣) العظيمة القاهرة ، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحَيَّر العقول ، وهم مع ذلك لا يرعوون ، ولا ينتهون ، ولا ينزعون ، ولا يرجعون ، ولم يؤمن منهم إلا القليل ، قيل : ثلاثة ، وهم : امرأة فرعون - ولا علم لأهل الكتاب بخبرها - ومؤمن آل فرعون الذي تقدمت حكاية موعظته ، ومشورته ، وحجّته عليهم ، والرجل الناصح الذي جَاءَ يَسْعَى من أقصى المدينة فقال: ﴿ يَمُوسَىّ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَ فَاخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] قاله ابن عباس؛ فيما رواه ابن أبي حاتم عنه، ومراده غيرَ السَّحَرةِ ، فإنّهم كانوا من القبط . وقيل : بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون ، والسّحرة كلّهم ، وجميع شعب بني إسرائيل . ويدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿ فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَن يَفْئِنَهُمَّ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [ يونس: ٨٣] فالضمير في قوله: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ،﴾ عائدٌ على فرعون ، لأن السياق يدلُّ عليه ، وقيل : على موسى لقربه ، والأول أظهر كما هو مقرر في ((التفسير)(٤) . وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته وجبروته وسلطته ، ومن ملئهم أن ينقُّوا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم. قال الله تعالى مخبراً عن فرعون، وكفى بالله شهيداً: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ﴾ أي جبّارٍ عنيدٍ مستعلٍ بغير الحقّ ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: في جميع أموره ، وشؤونه ، وأحواله، ولكنّه جرثومةٌ قد حان انجعافها٥) ، وثمرةٌ خبيثة قد آن قطافها ، ومهجةٌ ملعونة قد حُتم إتلافها . وعند ذلك قال موسى: ﴿يَقَوْمُ إِن كُمْ ءَامَنِثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَُّواْ إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ ﴿ فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَ رَبَنَا لَا (١) كذا في ب وط . وفي أ: ولا يبقى. (٢) في ط : هلاك فرعون وجنوده . (٣) في ب : الحجج البالغة العظيمة . تفسير ابن كثير ( ٢ / ٤٢٧ ) . (٤) (٥) انجعافها : انقلاعها . يقال : جعفه فانجعف : أي صرعه وضرب به الأرض فانصرع . ٥٠ هلاك فرعون وجنوده تَّجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿هَ وَجِنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ [ يونس: ٨٤ -٨٦]، يأمرهم بالتوكّل على الله، والاستعانة به ، والالتجاء إليه ، فأتمروا بذلك ، فجعل الله لهم مما كانوا فيه فَرَجاً ومخرجاً . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُونًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَثْرِ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾(١) [ يونس: ٨٧]. أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتَّخذا لقومهما بيوتاً متميّزة فيما بينهم عن بيوت القبط ؛ ليكونوا على أُهبة في الرحيل إذا أُمروا به ، ليعرف بعضهم بيوت بعض . وقوله : ﴿ وَأَجْعَلُواْ بُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قيل : مساجد . وقيل : معناه كثرة الصلاة فيها . قاله مجاهد ، وأبو مالك ، وإبراهيم النَّخعي ، والربيع ، والضحاك ، وزيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن ، وغيرهم . ومعناه على هذا : الاستعانة على ما هم فيه من الضرّ والشّدة والضّيق بكثرة الصلاة ، كما قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ [سورة البقرة: ٤٥] وكان رسول الله وَلَه إذا حَزَبه أمر صَلّى(٢). وقيل : معناه أنّهم لم يكونوا حينئذٍ يقدرون على إظهار عباداتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم ، فأُمروا أن يصلّوا في بيوتهم عوضاً عمّا فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الذي اقتضى حالُهم إخفاءَه خوفاً من فرعون وملئه . والمعنى الأول أقوى، لقوله: ﴿ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإن كان لا ينافي الثاني أيضاً ، والله أعلم . وقال سعيد بن جبير ﴿ وَأَجْعَلُواْبُوَتَكُمْ قِبْلَةً﴾ : أي متقابلة . ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكٌ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿قَالَ قَدْ أُحِبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَآنِّ سَبِلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ يونس: ٨٨ -٨٩] هذه دعوةٌ عظيمةٌ دعا بها كَليمُ الله موسى على عدوّ الله فرعون ، غضباً لله عليه لتكبّره عن اتباع الحق ، وصدّه عن سبيل الله ، ومعاندته وعتوّه وتمُّده واستمراره على الباطل ، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسّي والمعنوي ، والبرهان القطعي فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَايَيْتَ فِرْعَوْنَ (١) زاد في (ب) الآية التي تليها: ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَبَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَنْوَلًا ﴾ . (٢) أخرجه أحمد (٣٨٨/٥)، وأبو داود (١٣١٩) والطبري في تفسيره (١/ ٢٦٠)، وأبو عوانة (٦٨٤٢)، والبيهقي في الدلائل (٤٥١/٣)، والخطيب في تاريخه (٢٥٨/٧) (ط. د. بشار) وغيرهم من طرق عن عكرمة بن عمار عن محمد ابن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، ويقال: أخيه، عن حذيفة، به. وهذا إسناد ضعيف، محمد بن عبد الله، ويقال: ابن عُبيد، مجهول لم يرو عنه سوى عكرمة بن عمار ولم يوثقه أحد، ولذلك ذكره الذهبي في الميزان (تحرير التقريب ٢٧٢/٢)، وعبد العزيز روى عنه اثنان من المجهولين، وقال الذهبي: لا يعرف (تحرير التقريب ٣٧٥/٢). وأيضاً فإن الحديث قد اختلف فيه على عكرمة . أقول: ولكن له شاهد عند الطبراني في ((الأوسط)) رقم (٨٩٠) من حديث عبد الله بن سلام قال: كان النبي وَّ إذا نزل بأهله الضيق أمرهم بالصلاة، ثم قرأ ﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهّاً﴾ [ طه : ١٣٢ ] فهو به حسن . ٥١ هلاك فرعون وجنوده وَمَلَّهُ﴾ يعني قومَه من القبط ومَن كان على ملّته ودان بدينه ﴿زِينَةٌ وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَُّ رَيَّنَا لِيُضِلُّواْ عَنْ سَبِيلِكٌ﴾ أي: وهذا يغترُ به من يُعظّم أمرَ الدنيا فيحسب الجاهلُ أنّهم على شيء لكون هذه الأموال، وهذه الزِّينة من اللباس ، والمراكب الحسنة الهنيَّة، والدُّور الأنيقة، والقصور المبنيَّة، والمآكل الشهية، والمناظر البهية، والمُلك العزيز والتمكين، والجاه العريض في الدنيا لا الدين ﴿ رَبََّا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد : أي أهلكها . وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، والضحاك : اجعلها حجارةً منقوشةً كهيئة ما كانت . وقال قتادة : بلغنا أن زروعهم صارت حِجارةً . وقال محمد بن كعب : جعل سُكَّرَهُمْ حجارةً، وقال أيضاً: صارت أموالهم كلّها حجارة. ذُكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، فقال عمر بن عبد العزيز لغلامُ(١) : قم إيتني بكيس ، فجاءه بكيس ، فإذا فيه حِمّصٌ وبَضٌ قد قطع وقد حُوّل حجارة، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْأ ◌َلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها ، وهذه دعوةُ غضبٍ لله تعالى ولدينه ولبراهينه ، فاستجاب الله تعالى لها وحقّقها وتقبّلها ، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (٣) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْإِلََّ فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾ [ نوح: ٢٦-٢٧] ولهذا قال تعالى، مخاطباً لموسى حين دعا على فرعون وملئهِ وأَمَّن أخوه هارون على دعائه، فنزل ذلك منزلة الداعي أيضاً: ﴿ قَالَ قَدْ أُحِبَت ◌َدَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال المفسرون (٢) وغيرهم من أهل الكتاب : استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيدٍ لهم ، فأذن لهم وهو كارهٌ ، ولكنّهم تجهّزوا للخروج ، وتأهّبوا له ، وإنّما كان في نفس الأمر مكيدةٌ بفرعون وجنوده ليتخلّصوا منهم ويخرجوا عنهم ، وأمرهم الله تعالى - فيما ذكره أهل الكتاب - أن يستعيروا حليّاً منهم ، فأعاروهم شيئاً كثيراً ، فخرجوا بليلٍ ، فساروا مستمرّين ذاهبين من فورهم ، طالبين بلاد الشام ، فلما علم بذهابهم فرعونُ حَنِقِ عليهم كلّ الحنق ، واشْتَدَّ غضبه عليهم ، وشرع في استحثاث جيشه ، وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم (٣) قال الله تعالى: ﴿﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيّ ◌ِنَّكُ مُتَّبَعُونَ (٤) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْعَدَايِنِ خَشِرِينَ (ْمَ إِنَّ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ /٥ ◌َ وَكُنُرٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (! ٥١ لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَبِظُونَ (٥) وَإِنَّا تَجَمِيعُ حَذِرُونَ (٥) فَأَخْرَحْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ◌َ فَأَتْبَعُوهُمْ تُشْرِقِينَ ﴿ فَلَمَّا تَرَّءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٨﴾ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِِّ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ سَيَهْدِينِ () فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَوْرِ الْعَظِيمِ (١) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ إِ وَأَنَجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ تَعَهُ: أَجْمَعِينَ () ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِنَ (٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ () وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٨ ]. (١) في ط: لغلام له. وقد ساق الطبري الكثير من الآراء في تفسير ذلك (١١/ ١٠٨) وما بعدها. (٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) (٢٣٥/١١). (٣) من قوله : واشتد غضبه ... إلى هنا زيادة من ب وط. ٥٢ هلاك فرعون وجنوده قال علماء التفسير (١): لما ركب فرعون في جنوده طالباً بني إسرائيل يقفو أثرهم ، كان في جيشٍ كثيفٍ عرمرم ، حتى قيل : إنه كان في خيوله مئة ألف فحلٍ أدْهَم ، وكانت عدّة الجنود تزيد على ألف ألف وستمئة ألف . فالله أعلم . وقيل : إن بني إسرائيل كانوا نحواً من ستمئة ألف مقاتل غير الذرّية ، وكان بين خروجهم من مصر(٢) صحبة موسى عليه السلام ، ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمئة سنة وست وعشرون سنة شمسية . والمقصود أنّ فرعون لحقهم بالجنود ، فأدركهم عند شروق الشمس ، وتراءى الجمعان ، ولم يبق ثَمَّ ريب ولا لَبس ، وعاين كلٌّ من الفريقين صاحبه ، وتحقّقه ورآه ولم يبق إلا المقاتلة والمجاولة والمحاماة، فعندها قال أصحاب موسى، وهم خائفون: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾ وذلك لأنهم اضْطُرّوا في طريقهم إلى البحر ، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكُه وخوضه (٣) . وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه ، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم ، وهي شاهقةٌ منيفةٌ ، وفرعون قد غالقهم وواجههم ، وعاينوه في جنوده وجيوشه وعَدَده وعُدَده ، وهم منه في غاية الخوف والذُّعر لِما قاسوا في سلطانه من الإهانة والنّكر ، فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه ، فقال لهم الرسول الصّادق المصدوق : كََّّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾، وكان في السّاقة٤ُ) فتقدّم إلى المقدمة ، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ، ويتزايد زَبَدُ أَجاجه(٥) ، وهو يقول : هاهنا أمرت ، ومعه أخوه هارون ويوشع بن نون ، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعُبَّادهم الكبار ، وقد أوحى الله إليه وجعله نبياً بعد موسى وهارون عليهما السلام كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله ، ومعهم أيضاً مؤمن آل فرعون ، وهم وقوفٌ ، وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عُكوف ، ويقال : إن مؤمن آل فرعون جَعلٍ يَقْتَحم بفرسه مراراً في البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن ، ويقول لموسى عليه السلام : يا نبي الله أهاهُنا أَمِرت ؟ فيقول : نعم . فلما تفاقم الأمر ، وضاق الحالُ ، واشتد الأمرُ ، واقترب فرعون وجنوده في جَدّهم ، وحَدّهم ، وحَديدهم ، وغضبهم ، وحنقهم ، وزاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير ربُّ العرش الكريم إلى موسى الكليم: ﴿أَنِ اضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْبَحْرِّ﴾ فلمّا ضربه يقال: إنّه قال له : انفلق بإذن الله، ويقال : إنّه كنّاه بأبي خالد(٦) ، فالله أعلم . انظر الجامع لأحكام القرآن (٣٨٩/١). (١) (٢) قوله : مصر . سقط من ب . (٣) في ب : وخروجه . (٤) الساقة : مؤخرة الجيش . الأجاج : الماء الملح . والأجيج : صوت انصباب الماء . (٥) (٦) في ط : خلد. وأبو خالد: كنية البحر. المرصع (١٥٢). ٥٣ هلاك فرعون وجنوده قال اللهُ تَعَالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْبَحْرِ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلْطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾. ويقال : إنّه انفلق اثنتي عشرةَ طريقاً، لكلِّ سِبط (١) طريقٌ يسيرون منه ، حتى قيل: إنّه صار أيضاً شبابيك ليرى بعضهم بعضاً ، وفي هذا نظر ، لأنّ الماء جُرم شفَّاف إذا كان من ورائه ضياءٌ حَكَاه . وهكذا كان ماءُ البحر قائماً مثل الجبال، مكفوفاً بالقدرةِ العظيمةِ الصّادرة من الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وأَمَرَ الله ريحَ الدّبور(٢) فَلقحت حال البحر فأذهبته حتى صار يابساً لا يعلق في سنابك الخيول والدواب. قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسَا لَا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىء ◌َفَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الِْمِ مَا غَشَِهُمْ [﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [ طه: ٧٧ -٧٩]. والمقصود أنّه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الربّ العظيم الشديد المحال ، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل ، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحيّر الناظرين ، ويهدي قلوب المؤمنين ، فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه ، كان ذلك عند قدوم أوّل جيش فرعون إليه ووفودهم عليه ، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ، ولا سبيل عليه ، فأمره القديرُ ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال كما قال، وهو الصّادق في المقال: ﴿﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَ هُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (٦) أَنْ أَدُوَاْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللهِ إِّ ◌َاتِيْكُ بِسُلْطَانِ مُبِينٍ (١) وَإِى عُذْتُ بِرَبِى ٢٢ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْهِمُونِ أَ فَدَعَا رَبَّهُ: أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ (﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( ) وَإِن لَّمْ نُؤْمِنُواْ لِى فَاعْتَرُونِ ( جَ كَمْ تَرَّكُوْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٢٦) وَزُرُوعِ وَمَقَامِ كَرِيمِ (٢) وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ ( وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهُوًّا إِنَّهُمْ جُنِدٌ مُّغْرَقُونَ ( كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنَظَرِينَ ﴿ وَلَقَدْ نَجَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ اُلْمُهِينِ ﴿ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيَا مِّنَ الْمُسْرِفِنَ (٢) وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ (٣) وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْأَبَتِ مَا فِيهِ بَلَوْأُ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ١٧ - ٣٣]. فقوله تعالى: ﴿ وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا﴾ أي: ساكناً على هيئته لا تغيّره عن هذه الصفة. قاله عبد الله بن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والربيع ، والضحاك ، وقتادة ، وكعب الأحبار ، وسِمَاك بن حرب ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم ، فلما تركه على هيئته وحالته ، وانتهى فرعون فرأى ما رأى وعاين ما عاين ، هالَهُ هذا المنظر العظيم ، وتحقّق ما كان يتحقّقه قبل ذلك من أنّ هذا من فِعل ربّ العرش الكريم ، فأحجم ولم يتقدّم ، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم ، والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم ، لكنّه أظهر لجنوده تجلّداً، وعاملهم معاملة العدا ، وحملته النّفس الكافرة ، والسجيّة الفاجرة على أن قال (١) الأسباط من اليهود: كالقبائل من العرب ، الذين يرجعون إلى أب واحد. وقيل: السبط : الفرقة . (٢) ريح الدبور : الريح الغربية . ٥٤ هلاك فرعون وجنوده لمن استخفّهم فأطاعوه ، وعلى باطله تابعوه : انظروا كيف انحسر البحرُ لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي ، الخارجين عن طاعتي وبلدي، وجعل يوري(١) في نفسه أن يذهب خلفهم ويُجوّز(٢) أن ينجو ، وهيهات ، ويقدم تارة ولكنه يحجم تارات . فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدَّى في صورة فارسٍ راكبٍ على رَمَكَةٍ حائل(٣) ، فمرّ بين يدي فحلٍ فرعون لعنه الله فَحمحم إليها وأقبل عليها ، وأسرع جبريل بين يديه ، فاقتحم البحر واستبق الجواد وقد أجاد ، فبادر مسرعاً هذا وفرعون لا يملك من نفسه شيئاً ولا لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين ، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين(٤) ، حتى هَمَّ أولُهم بالخروج منه ، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمَه فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه ، فضربه فارتَطَم عليهم البحرُ كما كان ، فلم ينج منهم إنسان . قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ: أَجْمَعِينَ (٢) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٢) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ﴿٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: في إنجائه أولياءه فلم يَغْرَق منهم أحد ، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحدٌ ، آيةٌ عظيمةٌ ، وبرهانٌ قاطعٌ على قدرته تعالى العظيمة ، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربّه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة . وقال تعالى: ﴿﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدُوًّا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ فَالْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَءَايَّةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ -٩٢]. ٩١ ـَاءَ الْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ٩٠ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَّةِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كَفَرة القبط ، وأنّه لما جعلت الأمواج تخفضه تارةً وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم ، والخطب الجسيم، ليكون أقرّ لأَعْيُن بني إسرائيل ، وأشفى لنفوسهم ، فلما عاين فرعون الهلكة ، وأُحيط به ، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتابٍ، وآمن حين لا ينفع نفساً إيمانُها٥)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونٌ (١) وَلَوْ جَآءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [ يونس: ٩٦ -٩٧]. وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُوَاْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّابِهِ، مُشْرِكِينَ (٨) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ -٨٥]. (١) في ب : يروّي. (٢) في ط : ويرجو . (٣) الرمكة : الفرس ، والحائل : التي لم تحمل . (٤) من صيغ التوكيد في العربية . (٥) قال عز وجل في سورة الأنعام: ١٥٨ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِّيَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنْنَظِرُونَ ﴾. ٥٥ هلاك فرعون وجنوده وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه أن يطمس على أموالهم ، ويشدد على قلوبهم ، فلا يؤمنوا ﴿ حَتَّى يَرَوْ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: حين لا ينفعهم ذلك (١)، ويكون حسرة عليهم، وقد قال تعالى لهما، أي لموسى وهارون، حين دعوا بهذا ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا﴾، فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون عليهما السلام . ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد(٢)؛ حدّثنا سليمان بن حَرب ، حدّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((لما قَالَ فِرْعَوْنُ : ﴿ ءَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَِّلَ﴾ قال: قالَ لي جِبْرِيْلُ : لَوْ رَأْثِتَنِي وَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَدَسَسْتُهُ فِي فِيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ الرَّحْمَةُ)) ورواه الترمذي(٣) ، وابن جرير(٤) ، وابن أبي حاتم عند هذه الآية ؛ من حديث حمّاد بن سلمة . وقال الترمذي : حديث حسن(٥) . وقال أبو داود الطيالسِي(٦): حدَّثنا شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله مَّه: ((قال لي جِبْريلُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسّه في فَم فِرْعَوْنَ مَخَافَةً أَنْ يَنَالَهُ الرَّحْمَةُ )). ورواه الترمذي (٧)، وابن جرير(٨)، من حديث شعبة(٩) ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ، وأشار ابن جرير في روايةٍ إلى وقفه ١٠) وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو سعيد الأشج ، حدّثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : لما غرّق الله فرعون ، أشار بإصبعه ورفع صوته: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَِّيلَ﴾ قال: فخافَ جبريل أن تسبق رحمةُ الله فيه غضَبَه ، فجعل يأخذ الحالَ بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه ، ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد به . وقد رواه ابن جرير(١١) من طريق كثير بن زاذان ، وليس بمعروف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال (١) في ب : فلم يكن ينفعهم إيمانهم ذلك ... (٢) مسند أحمد (٣٠٩/١). سنن الترمذي رقم ( ٣١٠٧) ، في التفسير ، باب ومن سورة يونس ، وهو حديث صحيح بطرقه . (٣) تفسيره (١١/ ١١٢ ) . (٤) إسناده ضعيف ، لضعف علي بن زيد بن جدعان ، وقد صح موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما . (٥) (٦) في مسنده (٢٦١٨) . (٧) سنن الترمذي رقم (٣١٠٨) وهو حديث صحيح بطرقه ولكن الصحيح وقفه . (٩) من قوله : شعبة عن عدي ... إلى هنا سقط من ب بنقلة عين. (٨) في تفسيره ( ١١/ ١١٢). (١٠) أكثر أصحاب شعبة أوقفوه، فالموقوف أصح. (١١) في تفسيره (١١٢/١١ - ١١٣). ٥٦ هلاك فرعون وجنوده رسول الله الله: ((قال لي جِبْريْلُ: يا مُحَمد لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنا أغُطَّهُ وَأَدُسُ مِنَ الحالِ في فِيْهِ مَخَافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللهِ فَيَغْفِر لَهُ)) . يعني: فرعونُ(١) وقد أرسله غير واحد من السّلف كإبراهيم التيمي ، وقتادة ، وميمون بن مهران ، ويقال : إن الضحاك بن قيس خطب به الناس . وفي بعض الروايات أنّ جبريل قال : ما بغضت أحداً بغضي لفرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى ، ولقد جَعَلت أدسُّ في فيه الطين حين قال ما قال . وقوله تعالى: ﴿،َالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ استفهام إنكارٍ ، ونصٌّ على عدم قبوله تعالى منه ذلك ، لأنه - والله أعلم - لو رُدَّ إلى الدنيا كما كان لعادَ إلى ما كان عليه ، كما أخبر تعالى عن الكفّار إذا عايَنُوا النارَ وشاهدوها أنّهم يقولون: ﴿يَلَيْنَا نُرَهُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِقَبْلُ وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [ الأنعام: ٢٧ -٢٨] وقوله : ﴿ فَلْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ قال ابن عباس وغير واحد : شكَّ بعضُ بني إسرائيل في موت فرعون ، حتى قال بعضهم : إنه لا يموت ، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع . قيل : على وجه الماء، وقيل: على نَجْوَةٍ(٢) من الأرض وعليه درعُه التي يعرفونها من ملابسه ليتحقّقوا بذلك هلاكه ، ويعلموا قدرة الله عليه . ولهذا قال: ﴿فَلْيَوْمَ تُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: مصاحباً درعك المعروفة بك ﴿لِتَكُونَ﴾ أي أنت آية ﴿ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ أي من بني إسرائيل، دليلاً على قدرة الله الذي أهلكه . ولهذا قرأ بعض السلف: ﴿لِتَكُوْنَ لِمَنْ خَلَفَكَ آيةٌ ﴾٣) . ويحتمل أن يكون المراد ننجيك مصاحباً درعك لتكون درعُك علامةً لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنّك هُلِكْت . والله أعلم . وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء، كما قال الإمام البخاري في « صحيحه »: حدّثنا محمد بن بشّار(٤)، حدّثنا غُندَر ، حدّثنا شعبة ، عن أبي بشرٍ ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال: قدم النبيّ مَّرَ المدينة واليهودُ تصوم عاشوراء(٥) فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، قال (١) ورواه الطبراني في ((الأوسط)) رقم (٥٨٢٣) وفي سنده قيس بن الربيع ، وثقه شعبة والثوري ، وضعفه جماعة ، والصحيح وقفه على ابن عباس كما مر . (٢) النجوة : ما ارتفع من الأرض . في حاشية أ: بالقاف ، أي: ولتكون لخالقك آية كسائر آياته . وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه . البحر (٣) المحيط ( ١٨٩/٥). (٤) هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر ، لقبه بندار ، لأنه كان بندار حديث بلده ، أي جمع حديث بلده . (٥) في ط : يوم عاشوراء . ٥٧ ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون النبيِمَّ﴿١): ((أَنْتُمْ أَحَقُّ بموسَى مِنْهُمْ(٢) فَصَامُوا)). وأصل هذا الحديث في ((الصحيحين)) وغيرهما ٣). والله أعلم . ** * فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون (٤) قال الله تعالى: ﴿فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ أَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ ﴿ وَأَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ بِمَا صَبِرُواْ وَدَمَّرْنَامَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ, وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (١٩) وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءِ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبِّرُ مَّاهُمْ فِيهِ وَيَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١) وَإِذْ أَنْجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَئِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَلٌَّ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [ الأعراف : ١٣٦ - ١٤١ ] . يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم ، وكيف سلبَهم عِزَّهم ومالَهم وأنفسهم ، وأورث بني إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم، كما قال: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثَْهَا بَنِىّ إِسْرَِّلَ﴾ [ الشعراء: ٥٩]، وقال: ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِعَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اُلْوَرِثِنَ ﴾ [ القصص: ٥]، وقال هاهنا: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَِّى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْثُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ أي : أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزَّهم العزيزَ العريضَ في الدنيا ، وهلك الملك ، وحاشيته ، وأمراؤه ، وجنودُه ، ولم يبقَ ببلد مصرَ سوى العامّة والرعايا. فذكر ابن عبد الحكم(٥) في ((تاريخ مصر » أنّه من ذلك الزمان تسلَّط نساءُ مصر على رجالها ؛ بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجْن بمن دونَهُنَّ (١) زاد في ب : لأصحابه . (٢) في ط : فصوموا . (٣) رواه البخاري: رقم (٢٠٠٤) في الصوم ، باب صيام يوم عاشوراء، ومسلم ( ١١٣٠) في الصيام ، باب صوم يوم عاشوراء ، وأبو داود رقم (٢٤٤٤) ، في الصوم ، باب في صوم يوم عاشوراء . (٤) في ط : أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون . (٥) هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، فقيه عصره. له عدة مؤلفات، منها (( تاريخ مصر))، و((أدب القضاة)) و((سيرة عمر بن عبد العزيز)). توفي سنة (٢٦٨ هـ). كشف الظنون (٣٠٤/١) والأعلام (٢٢٣/٦). ٥٨ ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون من العامة ، فكانت لهنَّ السَّطوة عليهم ، واستمرت هذه سُنّة نساء مصر إلى يومك هذا . وعند أهل الكتاب : أنّ بني إسرائيل لما أُمِروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سَنَتَّهم ، وأُمروا أن يذبح كلُّ أهل بيت حَمَلاً من الغنم ، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حَمَل فليشترك الجار وجاره فيه ، فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلوه مطبوخاً ولكن مشوياً برأسه وأكارعه وبطنه ، ولا يُبقوا منه شيئاً ، ولا يكسروا له عظماً ، ولا يُخرجوا منه شيئاً إلى خارج بيوتهم ، وليكن خبزهم فطيراً سبعة أيام ، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأوّل من سَنتهم ، وكان ذلك في فصل الربيع ، فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودةً ، وخفافهم في أرجلهم ، وعصيّهم في أيديهم ، وليأكلوا بسرعةٍ قياماً . ومهما فَضُل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار ، وشُرِعَ هذا لهم عيداً لأعقابهم مادامت التوراة معمولا بها ، فإذا نُسخت بَطَل شرعُها . وقد وقع . قالوا : وقتل الله عزّ وجلّ في تلك الليلة أبكارَ القِبط وأبكارَ دوابهم ؛ ليشتغلوا عنهم ، وخرج بنو إسرائيل حتى انتصف الليل(١) ، وأهل مصر في مناحةٍ عظيمةٍ على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم ، ليس من بيت إلا وفيه عويلٌ . وحين جاء الوَحي إلى موسى خرجوا مُسرعين ، فحملوا العجينَ قبل اختماره وحملوا الأزواد في الأردية وألقوها على عواتقهم. وكانوا استعاروا من أهل مصر حُليّاً كثيراً ، فخرجوا وهم ستمئة ألف رجلٍ سوى الذراري بما معهم من الأنعام ، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمئة سنةٍ وثلاثين سنةً . هذا نصُّ كتابهم . وهذه السَّنة عندهم تسمى سنة الفسخ، وهذا العيد عيد الفسخ(٢). ولهم عيد الفَطير وعيد الحَمَل وهو أوّل السنة . وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم ، منصوص عليها في كتابهم . ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام وخرجوا على طريق بحر سوف . وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم ، فيه عامود نور ، وبالليل أمامهم عامود نار ، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر ، فنزلوا هنالك ، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطىء اليمِّ ، فقلق كثير من بني إسرائيل ، حتى قال قائلهم : كان بقاؤنا بمصر أحبَّ إلينا من الموت بهذه البرِّيّة . وقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة : لا تخشَوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا . قالوا : وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه ولِيَدْخُلَ بنو إسرائيل في البحر (١) في ط : النهار. في حاشية أوب : الفصح ، وفي اللسان : والفِصح ، بالكسر : فطر النصارى ، وهو عيد لهم . وأفصحوا : جاء فصحهم ، وهو إذا أفطروا وأكلوا اللحم ( فصح ) . (٢) ٥٩ ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون واليَبَسُ(١). وصار الماء من هاهنا وهاهنا كالجبلين، وصار وسطه يَبَساً، لأن الله سلّط عليه ريحَ الجنوب والسَّمومُ(٢) ، فجاز بنو إسرائيل البحر واتَّبعهم فرعون وجنوده، فلما توسّطوه(٣) أمر الله موسى فضرب(٤) البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم . لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل ، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح ، وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم ، والله أعلم . قالوا : ولما أغرق الله تعالى فرعون وجنوده ، حينئذٍ سبَّح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للربّ وقالوا : نسبّح الربّ البهيَّ الذي قهر الجنود ، ونبذ فرسانها في البحر ، المنيع المحمود . وهو تسبيحٌ طويلٌ . قالوا : وأخذت مريم النبيَّةُ(٥) أختُ هارون دُفّاً بيدها ، وخرج النساء في أثرها كلهنَّ بدفوف وطبول ، وجعلت مريم ترتّل لهنّ وتقول : سبحان الربّ القهار الذي قهر الخيول وركبانها إلقاءً في البحر . هكذا رأيته في كتابهم . ولعلّ هذا هو من الذي حمل محمد بن كعب القُرظي على زعمه أن مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هارون وموسى مع قوله: ﴿ يَتَأُخْتَ هَرُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وقد بيًّّا غلطه في ذلك ، وأن هذا لا يمكن أن يقال ، ولا يتابعه أحدٌ عليه ، بل كل أحدٍ خالفه فيه ، ولو قدِّر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون عليهما السلام ، وأم عيسى عليهما السلام وافقتها في الاسم واسم الأب واسم الأخ ، لأنّهم كما قال رسول الله وَالر للمغيرة بن شعبة لما سأله أهلُ نجران عن قوله: ﴿ يَتَأُخْتَ هَرُونَ﴾، فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول الله وَ ◌ّر عن ذلك، فقال: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنّهُم كَانُوا يُسَمُّوْنَ بأسْماءِ أَنْبِيَائِهِم )) ، رواه مسلمٌ(٢) . وقولهم : النبيَّة ، كما يقال للمرأة من بيت الملك : ملكة ، ومن بيت الإمرة : أميرة ، وإن لم تكن مباشِرَةً شيئاً من ذلك ، فكذا ، هذه استعارة لها لا أنّها نبيّة حقيقة يوحى إليها ، وضَرْبُها بالدُّفِّ في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليلٌ على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدُّف في العيد . وهذا مشروع لنا أيضاً في حقّ النِّساء ، لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة تضربان بالدّف في أيام مِنى ، ورسول الله وَّر مضطجعٌ مولِّ ظهره إليهم ووجهه إلى الحائط ، فلما دخل أبو بكر زَجَرهن وقال : أبمزمور (١) اليَبَس ، بفتحتين : المكان يكون رطباً ثم بيبس. السَّموم : الريح الحارة ، وقيل: الباردة ليلاً كان أو نهاراً . اللسان . (٢) (٣) أي فلما توسط فرعون وجنوده البحر . (٤) كذا في ب ، وط . وفي أ : يضرب . (٥) كما يقال للمرأة من بيت الملك : ملكة ، أميرة وليس المقصود أنها نبية يوحى إليها ، وسيذكر المؤلف ذلك بعد قليل . (٦) صحيح مسلم رقم ( ٢١٣٥) في الآداب ، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء . ٦٠ ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون الشيطان في بيت رسول الله وََّ؟ فقال: ((دَعْهُنَّ يا أبا بَكْرٍ، فإنَّ لِكُلِّ قَوْم ◌ِيْداً، وَهذا عِيْدُنا)(١). وهكذا يُشرع عندنا في الأعراس ، ولقُدُوم الغُيَّاب، كما هو مقرر في موضعه . والله أعلم . وذكروا أنّهم لما جاوزوا البحر ، وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام ، مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماءً ، فتكلّم من تكلّم منهم بسبب ذلك ، فوجدوا ماءً زعاقاً أُجاجا٢ً) لم يستطيعوا شربه ، فأمر الله موسى فأخذ خشبةً فوضعها فيه فحَلا وساغ شربه . وعلَّمه الربّ هنالك فرائضَ وسنناً ، ووصاه وصايا كثيرةً . وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَِّ يلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَا عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَهُمَّ قَالُواْيَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْ ءَالِهَّةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٢) إِنَّ هَكُلَاءِ مُتَبَّرُ مَاهُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأعراف: ١٣٨ -١٣٩]. قالوا : هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلَّهم على ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام ، وذلك أنّهم مَرُوا على قوم يعبدون أصناماً ، قيل : كانت على صور البقر ، فكأنهم سألوهم لِمَ يعبدونها؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتنصرهم(٣) ويسترزقون بها عند الضرورات ، فكأن بعض الجهال منهم صدَّقوهم في ذلك ، فسألوا نبيّهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة ، فقال لهم مبيّناً لهم أنّهم لا يعقلون ولا يهتدون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبٌَّ مَّاهُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم ذكَّرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إيّاهم على عالمي زمانهم بالعلم ، والشرع ، والرسول الذي بين أظهرهم وما أحسن به إليهم ، وما امتنَّ به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبّار العنيد ، وإهلاكه إياه وهم ينظرون ، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة، ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ وبين لهم أنّه لا تصلح العبادة إلا الله وحده لا شريك له ، لأنه الخالق الرازق القهّار ، وليس كلّ بني إسرائيل سأل هذا السؤال، بل الضمير عائد على الجنس في قوله: ﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَاِهَةٌ﴾ أي قال بعضهم كما في قوله(٤): ﴿ وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًّا (١٦) وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّْ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن ◌َّجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٧ -٤٨] فالذين زعموا هذا بعضُ الناس لا كلُّهم، وقد قال الإمام أحمد(٥): حدّثنا (١) أخرجه البخاري (٩٥٢) في العيدين، باب: سنة العيدين لأهل الإسلام، وابن ماجه (١٨٩٨)، في النكاح ، باب الغناء والدف . (٢) كذا في ب ، وط . وفي أ : زهاقا . وماء زعاق : مرّ غليظ لا يطاق شربه . وماءٌ أُجاج : ملح . وقيل شديد المرارة . (٣) في ط : وتضرهم . وكتب في حاشية ب لعله : وتضرهم. (٤) في ب : كما قال بعضهم في قوله . (٥) في مسنده (٢١٨/٥) .