Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
قصة موسى الکلیم
تَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [الآية: ٧]. وقد أتاهم منها بخبرٍ، وأي خبرٍ، ووجد عندها هُدًى، وأي هدّى،
.
واقتبس منها نوراً ، وأي نور
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيَّمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىَ إِنَّ
أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
وقال في النمل: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [ النمل: ٨] أي:
سبحان الله الذي يفعلُ ما يشاء ، ويحكم ما يريد. ﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ النمل: ٩].
وقال في سورة طه ﴿ فَلَمَّا أَنَنْهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ (﴾ إِّ أَنَاْ رَبُّكَ فَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى لَ وَأَنَا
اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٍّ (١) إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىِّ (١) إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٦) فَلَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَبَعَ هَوَنَهُ فَتَرْدَى﴾ [الآيات: ١١ -١٦].
قال غير واحدٍ من المفسّرين من السّلف والخلف(١): لمّا قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى
إليها ، وجدها تأجّج في شجرةٍ خضراء من العَوْسَجُ(٢)، وكلّ ما لتلك النار في اضطرام ، وكلّ ما لخضرة
تلك الشجرة في ازدياد ، فوقف متعجّبَاً ، وكانت تلك الشجرة في لِحْف (٣) جبل غربي منه عن يمينه ، كما
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَآَ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾(٤) [ القصص: ٤٤] وكان موسى في وادٍ اسمه
طُوى ، فكان موسى مستقبل القبلة ، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب(٥)، فناداه ربّه بالواد(٦)
المقدّس ◌ُطُوى ، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة ، ولا سيّما في تلك
الليلة المباركة .
وعند أهل الكتاب: أنّه وضع يده على وجهه من شدّة ذلك النور مهابةً له، وخوفاً على بصره ، ثم خاطبه
تعالى كما يشاء قائلاً له: ﴿ إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾، ﴿ إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ﴾ أي: أنا رب العالمين(٧) الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلّا له. ثمّ أخبره أنّ هذه الدنيا
ليست بدار قرار ، وإنّما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بدّ من كونها ووجودها ﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
أي: من خيرٍ وشرٍ. وحضّه وحثَّه على العمل لها ، ومجانبة مَن لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه .
(١) تفسير الطبري (١٠٨/١٦ -١٠٩).
العوسج : شجر كثير الشوك ، واحدته عوسجة .
(٢)
(٣)
اللَّحْف : أصل الجبل .
(٤)
زاد في ط تتمة الآية: ﴿ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾.
(٥)
في ب : الغربي .
الوادي : معروف . وربما اكتفوا بالكسرة عن الياء . اللسان .
(٦)
زاد في ط : ﴿ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ ﴾.
(١)

٢٢
قصة موسی الکلیم
ثم قال له مخاطباً ومؤانساً ومبيّناً له أنّه القادر على كلِّ شيء ، الذي يقول للشيء كن فيكون
﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صَحِبْتها!؟ ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَوْا
عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾. أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحقّقها، ﴿قَالَ أَلْفِهَا
يَمُوسَى ﴿ فَأَلْقَنَهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ١٩ -٢٠]. وهذا خارقٌ عظيم، وبرهانٌ قاطعٌ على أن الذي
يكلِّمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون ، وأنّه الفعّال بالاختيار .
وعند أهل الكتاب : أنه سألَ برهاناً على صِدْقه عند مَن يكذِّبُه من أهل مصر ، فقال له الربّ
عز وجل : ما هذه التي في يدك؟ قال: عصا . قال: ألقها إلى الأرض، ﴿ فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ﴾،
فهرب موسى من قدَّامها ، فأمره الربّ عز وجل أن يبسط يده ، ويأخذها بذنبها ، فلما استمكن منها ارتدت
عصاً في يده، وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَؤُ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَوْ
يُعَقِّبَّ﴾ ، أي : قد صارت حيَّةً عظيمةً لها ضخامةٌ هائلةٌ وأنيابٌ تصطك ، وهي مع ذلك في سرعة حركة
الجانّ ، وهو ضرب من الحيّات(١)، يقال: الجانّ والجِنَّان، وهو لطيف لكنه سريع الاضطراب والحركة
جداً ، فهذه جمعت الضخامةَ والسرعةَ الشديدة ، فلمّا عاينها موسى عليه السلام ﴿ وَلَّ مُدْبِرًا﴾ أي :
هارباً منها ، لأن طبيعة البشريّة تقتضي ذلك ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولم يلتفت، (فناداه ربُّهُ) قائلاً له :
﴿يَمُوسَىّ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفّْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ﴾ فَلَمّا رَجَعَ أمَرَهُ اللهُ تعالَى أَنْ يمسكها، ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَّخَفّْ
سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ [طه: ٢١]. فيقال: إنّه هابَها شديداً، فوضع يده في كمّ مِدْرَعَته (٢) ، ثم وضع
يده في وسط فمها . وعند أهل الكتاب : بذنبها . فلمّا استمكن منها ، إذا هي قد عادت كما كانت عصا
ذات شعبتين . فسبحان القدير العظيم ربّ المشرقين والمغربين .
ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه ، ثم أمره بنزْعها ، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً ﴿ مِنْ غَيْرِسُوْءٍ﴾،
أي : من غير برص ولا بَهَق (٣)، ولهذا قال: ﴿ أَسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ
جَنَاحَكَ مِنَ الرَّْبِ﴾ [القصص: ٣٢] قيل: معناه إذا خِفتْ فضع يدك على فؤادك يسكن جأشُك. وهذا
وإن كان خاصاً به ، إلا أنّ بركة الإيمان به حق بأن(٤) تنفع من استعمال ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء(٥) .
وقال في النمل: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى حَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِى نِسْعِءَ لَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾
[ آية: ١٢] أي: هاتان الآيتان، هما: العصا واليد، هما البرهانان المشار إليهما في قوله: ﴿ فَذَِّكَ
(١) في اللسان ، والجانُّ: ضرب من الحيات أكحل العينين، يَضرِب إلى الصفرة ، لا يؤذي .. والجمع جِنَّان.
(٢)
المدرعة : ضرب من الثياب ، ولا تكون إلا من الصوف ، اللسان : درع .
(٣)
البهق ، بفتحتين : بياض يعتري الجسد بخلاف لونه ؛ ليس من البرص .
(٤)
في ب : حق الإيمان ينفع من استعمل .
(٥) من قوله : ثم أمره تعالى ... إلى هنا زيادة من ب وط.

٢٣
قصة موسی الکلیم
بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِنْهٍ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَسِفِينَ﴾ ومع ذلك سبع آياتٍ أُخَر ، فذلك تسع
آياتٍ بَيّنات، وهي المذكورة في آخر سورة ﴿ سُبْحَنَ﴾ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ
ءَيَتٍ بَيْنَتٍ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوَنُ إِنِّ لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْخُورًا (٣٥) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّ
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [ الإسراء: ١٠١ - ١٠٢] وهي المبسوطة في سورة
الأعراف ، في قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (9) فَإِذَا
جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَةُ: أَلَّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ الَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْعُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ
وَالضَّفَارِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ [الآيات: ١٣٠ - ١٣٣ ] كما سيأتي الكلام على ذلك
في موضعه ، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات ، في التسع من كلمات الله القدرية ، والعشرة من
كلماته الشّرعية ، وإنما نبهنا على هذا لأنّه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة ، فظنّ أنّ هذه هي هذه ، كما
قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل(١) .
(١) في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَنٍْ بَيِّنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَمُوسَى
مَسْحُورًا ﴾ .
وتوهَّم بعض الرواة أن الكلمات هن الآيات ، مصدره الحديث الذي روي من طرق ، عن عبد الله بن سلمة عن
صفوان بن عسّال المرادي قال: قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآيات ﴿ وَلَقَدْ
ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ . فقال: لا تقل له نبي ، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه ، فقال النبي
- وَل ـ: ((لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ،
ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا محصنة - أو قال: لا تفرُّوا من
الزحف - ( شعبةُ الشاكُ) وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت . فقبَّلا يديه ورجليه ، وقالا : نشهد
أنك نبي. قال : (( فما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: لأن داود - عليه السلام - دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا
نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود )) .
وهذا الحديث أورده ابن كثير في تفسيره ، كما أورده من طرق الطبري ( ١٥/ ١١٥ - ١١٦) في تفسير قوله تعالى
﴿ وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَىْ تِسْعَ .. ﴾ .
وهو في: مسند أحمد (٢٣٩/٤، ٢٤٠) والترمذي: (٣١٤٤)، في التفسير: باب (١٨) ومن سورة بني
إسرائيل ، والنسائي (٧/ ١١١) في التحريم باب السحر .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقال ابن كثير : وهو حديث مشكل ، وعبد الله بن سلمة في حفظه
شيء ، وقد تكلموا فيه ، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات ، فإنها وصايا في التوراة لا تَعَلُّقَ لَها بقيام
الحجة على فرعون ، والله أعلم .
وقال ابن كثير أيضاً (٦٦/٣ - ٦٧): وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أُخَر كثيرة ، منها : ضربه الحجر بالعصا
وخروج الماء منه ، ومنها تظليلهم بالغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم
بلاد مصر ، ولكن ذكر ههنا التسع آيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر فكانت حجة عليهم ، فخالفوها
وعاندوها كفراً وجحوداً .
=

٢٤
قصة موسى الكليم
والمقصود أنّ الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون ﴿قَالَ رَبٍّ إِنِّ قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا
فَأَخَافُ أَنْ يَفْتُلُونِ (٣) وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِّ لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِيِّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٦) قَالَ
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَنَّا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَّأْ بِثَايَتِنَّأُ أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٣-٣٥].
يقول تعالى ، مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربّه عز وجل حين أمره
بالذهاب إلى عدوّه الذي خرج من ديار مصر ، فراراً من سطوته وظلمه ، حين كان من أمره ما كان في قتل
ذلك القبطي ، ولهذا ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٦) وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا
فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِيِّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. أي: اجعله معي مُعيناً ، ورِداً، ووزيراً يساعدني
ويعينني على أداء رسالتك إليهم ، فإنّه أفصح مني لساناً ، وأبلغ بياناً . قال الله تعالى مجيباً له إلى سؤاله
﴿سَنَشُدُّ عَصُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: برهاناً ﴿ فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي : فلا ينالون منكما
مكروهاً بسبب قيامكما بآياتنا ، وقيل: ببركة آياتنا ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ﴾.
وقال في سورة طه: ﴿ آٌذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٦) قَالَ رَبِّ اشْرَعْ لِ صَدْرِىِهَا وَيَسِرْ لِ أَمْرِى ◌ِ﴿ وَاَحْلُلْ عُقْدَةً
مِّنْ لِسَانِى الْجَ يَفْقَهُوْ قَوْلِ﴾ [الآيات: ٢٤ -٢٨].
قيل : إنّه أصابه في لسانه لثغةٌ بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه ؛ التي كان فرعون أراد
اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير ، فهمَّ بقتله فحاجَّت عنه (١) آسية، وقالت: إنّه طفلٌ ، فاختبره
بوضع تمرة وجمرة بين يديه ، فهمّ بأخذ التمرة ، فصرفَ الملكُ يدَه إلى الجمرة ، فأخذها فوضعها على
لسانه ، فأصابه لثغةٌ بسببها ، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ، ولم يسأل زوالَها بالكليّة .
قال الحسن البصري : والرّسل إنّما يسألون بحسب الحاجة ، ولهذا بقيت في لسانه بقيةٌ ، ولهذا قال
فرعون قبّحه الله فيما زعم أنّه يعيب به الكليم: ﴿ وَلَا يَكَادُ يُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي: يُفصح عن مراده
ويعبّر عمّا في ضميره وفؤاده. ثم قال موسى عليه السلام ﴿ وَاجْعَل لِی وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى (ټ) هَرُونَ آَخِی (چ) آشْهُدْ بِهِ.
أَزْرِى ﴿ وَأَشْرِكُهُ فِىَ أَمْرِ (٦) كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٦) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴿ قَالَ قَدْ أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ﴾
[ طه : ٢٩ - ٣٦] . أي : قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت ، وهذا من وجاهته عند ربّه
عَزَّ وَجَلَّ حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه، فأوحى إليه، وهذا جاهٌ عظيمٌ. قال الله تعالى: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ
اَللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَيِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا﴾ [ مريم: ٥٣] وقد سمعت
وقد نظم بعضهم هذه الآيات التسع فقال :
=
عصا، سَنَةٌ، بَحْرٌ، جَرَادٌ وقُمَّلٌ دَمٌ، ويَدٌ ، بعد الضفادع ، طوفانُ
القاموس المحيط للفيروز أبادي ( تسع ) .
(١) في ط : فخافت عليه.

٢٥
قصة موسى الکلیم
أمّ المؤمنين عائشة رجلاً يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحجّ : أي أخ أمَنُّ على أخيه؟ فسكت
القوم ، فقالت عائشة : لمن حولَ هودجها : هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون ، فأوحي
إليه (١)، قالَ الله تعالى ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُمِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَذُرُونَ بِيًّا﴾، وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿ وَإِذْنَادَى رَبُّكَ
مُؤْسَّ أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ () وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِشَايَئِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (٤) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ
١) وَلَهُمْ عَلَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ:
فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ
(١) قَالَ أَلَمَ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ () وَفَعَلْتَ
فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا يَنِىّ إِسْرَوِيلَ
فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ [الآيات: ١٠ -٢٠] تقدير الكلام: فأَتَّيَّاه
فقالا له ذلك ، وبلَّغاه ما أَزْسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، وأن يفكّ أسارى بني
إسرائيل من قبضته ، وقهره ، وسطوته ، وتركهم يعبدون ربّهم حيث شاؤوا ، ويتفرَّغون لتوحيده ،
ودعائه ، والتضرّع لديه ، فتكبَّر فرعون في نفسه ، وعتا ، وطغى ، ونظر إلى موسى بعين الازدراء
والتنقّص قائلاً له : ﴿ أَلَمْ ثُرَيِّكَ فِنَا وَلِدًا وَلَبِثْتَ فِنَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: أما أنت الذي ربَّيناه في منزلنا
وأحسنّا إليه ، وأنعمنا عليه مدةً من الذَّهر؟ وهذا يدلّ على أنَّ فرعون الذي بُعث إليه هو الذي فَرَّ منه ،
خلافاً لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فَرَّ منه مات في مُدّة مقامه بِمَدْين ، وأن الذي بُعِث إليه
فرعونٌ آخر .
وقوله : ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ أي: وقتلت الرجل القبطي ، وفررت منّا ،
وجحدت نعمتنا ، ﴿قَالَ فَعَلْنُهَآَ إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِينَ﴾ أي: قبل أن يوحَى إليَّ وينزَل عليَّ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا
خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا﴾ أي: نبوَّة، ﴿ وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١]. ثم قال، مجيباً لفرعون عما
امتنّ به من التربية والإحسان إليه: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ إِسْرَِّيِلَ﴾ [ الشعراء: ٢٢]، أي: وهذه
النعمة التي ذكرت من أنّك أحسنت إليّ ، وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب
العظيم بكماله ، واستعبدتهم في أعمالك ، وخدمِك ، وأشغالك .
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُم ◌ُوقِنِينَ (١) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا
تَسْتَعُونَ (٤) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [٤] قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا
بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [ الشعراء: ٢٣ -٢٨].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة ، والمحاجَّة ، والمناظرة ، وما أقامه الكليم على
فرعونَ اللئيم من الحجّة العقليّة المعنويّة ثم الحسيّة . وذلك أنَّ فرعون قَبَّحه الله أظهر جحد الصانع تبارك
وتعالى، وزعم أنّه الإله ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿ فَقَالَ أَنَاْرَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٣ -٢٤]. وقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٦٧).

٢٦
قصة موسى الكليم
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]. وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنّه عبدٌ مربوب، وأنّ الله
هو الخالق البارىء المصوِّر الإلّه الحقُّ، كما قال تعالى: ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا فَانْظُزْ
كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]، ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته ،
والإظهار أنّه ما ثَمَّ ربّ أرسله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾؟ لأنّهما قالا له: ﴿إِنَّارَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فكأنه
يقول لهما : ومَن ربّ العالمين الذي تزعمان أنّه أرسلكما وبعثكما؟ فأجابه موسى قائلاً: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ إِن كُم مُوقِنِينَ ﴾ يعني: ربِّ العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة ، وما
بينهما من المخلوقات المتجدّدة من السّحاب ، والرياح ، والمطر والنبات ، والحيوانات التي يعلم كلّ
موقن أنّها لم تحدث بأنفسها ، ولا بدّ لها من موجدٍ ومُحْدِثٍ وخالقٍ ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ
العالمين ﴿ قَالَ﴾ أي: فرعون لمن حوله من أُمرائه ومَرَازِبتَهُ(١) ووزرائه على سبيل التهكّم والتنقّص لما
قرّره موسى عليه السلام: ﴿ أَلَا تَسْتَّعُونَ﴾ يعني كلامه هذا، قال موسى مخاطباً له ولهم: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ
ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي : هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السّالفة في الآباد ،
فإنّ كلّ أحدٍ يعلم أنّه لم يخلق نفسه ، ولا أبوه ولا أمه ، ولم يَحدُث من غير مُحدِث ، وإنّما أوجده وخلقه
الله ربُّ العالمين .
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُ الْحَقُُّ ﴾ [ فصلت: ٥٣]، ومع هذا كلّه لم يستفق فرعون من رَقدته، ولا نزع عن ضلالته ؛ بل استمرّ
على طُغيانه، وعِناده، وكفرانه، ﴿ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْلَمَحْنُونٌ (٦) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَ
إِن كُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، أي: هو المسخِّر لهذه الكواكب الزاهرة ، المسيِّرُ للأفلاك الدائرة ، خالق الظلام
والضياء ، وربُّ الأرض والسماء، ربُّ الأولين والآخرين ، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة
والثوابت الحائرة ، خالق اللّيل بظلامه ، والنهار بضيائه ، والكلُّ تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون ،
وفي فلك يسبحون ؛ يتعاقبون في سائر الأوقات ، ويدورون ، فهو تعالى الخالق المالك المتصرِّف في
خلقه بما يشاء .
فلما قامت الحجج على فرعون ، وانقطعت شبهه ، ولم يبق له قولٌ سوى العناد ، عدل إلى استعمال
سلطانه ، وجاهه، وسطوته ﴿ قَالَ لَيْنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢) قَالَ أَوَّلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُِّينٍ
قَالَ فَأْتِ بِهٍِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (٦) وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ ﴾ [ الشعراء:
٢٩ - ٣٣]. وهذان هما البرهانان اللذان أيّده الله بهما، وهما العصا واليد. وذلك مقامٌ أظهر فيه الخارقُ
العظيم الذي بهر به العقول والأبصار حين ألقى عصاه ؛ فإذا هي ثعبان مبين ، أي : عظيم الشكل ، بديعٌ
(١) المرازبة: واحدها : مرزبان، وهو الفارس الشجاع المقدّم على القوم، دون الملك، وهو معرّب. اللسان.

٢٧
قصة موسى الكليم
في الضخامة ، والهول ، والمنظر العظيم الفظيع الباهر ، حتى قيل : إنّ فرعون لمّا شاهد ذلك وعاينه
أخذه رَهَبٌ شديد ، وخوف عظيم ، بحيث إنه حصل له إسهالٌ عظيم أكثر من أربعين مرّة في يوم ، وكان
قبل ذلك لا يتبرّز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة ، فانعكس عليه الحال . وهكذا لما أَدخل موسى عليه .
السلام يده في جيبه واستخرجها ، أخرجها وهي كفِلْقَةِ القمر تتلألأ نوراً يبهر الأبصار ، فإذا أعادها إلى
جيبه رجعت إلى صفتها الأولى ، ومع هذا كلّه لم ينتفع فرعون لعنه الله بشيء من ذلك ، بل استمر على
ما هو عليه ، وأظهر أنّ هذا كلّه سحر، وأراد معارضته بالسَّحَرة ، فأرسل يجمعهم من سائر(١) مملكته ،
ومن في رعيته ، وتحت قهره ودولته ، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه من إظهار الله الحق المبين
والحجّة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه وأهل دولته وملّته، ولله الحمد والمِنَّةُ .
وقال تعالى في سورة طه: ﴿ فَلِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى ﴿ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى!
أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِئَايَتِ وَلَا نَنِيَا فِ ذِكْرِى (٤) اذْهَبَآَ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَُّ طَغَى (١] فَقُولَا لَهُفَوْلاً لَِّنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (١َ قَالَا رَبّناً
إِنَّخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أنْ يَطْغَى (٥)] قَالَ لَا تَّخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [ الآيات: ٤٠ -٤٦].
يقول تعالى مخاطباً لموسى ، فيما كلّمه به لَيلة أَوحى إليه ، وأنعم بالنبوة عليه ، وكلّمه منه إليه : قد
كنتُ مشاهداً لكَ وأنت في دار فرعون ، وأنت تحت كنفي ولطفي ، ثمّ أخرجتك من أرض مصر إلى أرض
مَدين بمشيئتي وقَدَري وتدبيري ، فلبثت فيها سنين. ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ ﴾ ، أي : منّي لذلك ، فوافق
ذلك تقديري وتسييري ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ أي: اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي ﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ
◌ِثَايَتِ وَلَا نَنِيَا فِ ذِكْرِى﴾ يعني: ولا تفتُرا في ذِكري إذا قَدِمتما عليه، ووفدتما إليه ، فإن ذلك عونٌ لكما
على مخاطبته ، ومجاوبته ، وإهداء النصيحة إليه ، وإقامة الحجّة عليه .
وقد جاء في بعض الأحاديث: ((يقول الله تعالى: إنَّ عَبْدي كُلَّ عَبْدي الذي يذكرني وهو ملاق(٢)
قِرْنه )» .
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا ... ﴾ [الأنفال: ٤٥].
ثم قال تعالى: ﴿ أَذْهَبَآَ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢) فَقُولَا لَهُ قَولَا لَيْنَا لَعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْتَى﴾ وهذا من حلمه
تعالى(٣)، وكرمه، ورأفته، ورحمته بخلقه ، مع علمه بكفر فرعون وعتوّه ، وتجبُّره وهو إذ ذاك أردى
خلقه ، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي
(١) سائر الشيء : بقيته .
(٢) في ب : كل عبدي لمن يذكرني وهو مناجز قرنه ، والحديث رواه الترمذي: ( ٣٥٨٠) في الدعوات ، باب ١١٩ ،
وقال: ((هذا حديث غريب (ضعيف) لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده بالقوي ... ومعنى قوله : وهو
ملاق قِرنه ، إنما يعني عند القتال ، يعني أن يذكر الله في تلك الساعة )) .
(٣) في ب : وهذا من حكمة الله تعالى .

٢٨
قصة موسى الكليم
هي أحسن ؛ برفقٍ ولين ، ويعاملاه معاملةَ مَنْ يرجو أن يتذكّر أو يخشى ، كما قال تعالى لرسوله :
﴿ أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال تعالى:
﴿ وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِسَبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمّ ... ﴾ [ العنكبوت: ٤٦].
قال الحسن البصري : ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَِّنَا﴾: أعذرا إليه، قُولا له : إن لك ربّاً ولك معاداً، وإن بين
يديك جنةً وناراً(١) .
وقال وهْب بن مُنَبِّه : قولا له : إنّي إلى العفو والمغفرة أقرب منّي إلى الغضب والعقوبة(٢).
وقال يزيد الرَّقَاشي(٣) عند هذه الآية : يا من يتحبّب إلى من يعاديه ؛ فكيف بمن يتولّاه ويناديه .
﴿ قَالَا رَبَّنَاآَ إِنََّ تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أن يَطْغَى﴾ وذلك أنّ فرعون كان جباراً عنيداً وشيطاناً مَريداً، له
سلطان في بلاد مِصر ، طويل عريض ، وجاه وجنود وعساكر وسطوة ، فهاباه من حيث البشريةُ ، وخافا
أن يسطو عليهما في بادىء الأمر، فثبّتهما سبحانه وتعالى وهو العليُّ الأعلى فقال: ﴿لَا تَخَافَآ إِنَّنِ
مَعَكَُمَا أَسْمَعُ وَرَى﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [ الشعراء: ١٥] .
فَأَنْيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيَلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمّ قَدْ حِثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكْ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ
اُلْهُدَىّ ﴿ إِنَّا قَدْ أُوْحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ [طه: ٤٧ -٤٨].
يذكر تعالى أنّه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبُدَه وحده لا شريك له ، وأن
يرسل معهم بني إسرائيل ، ويُطلقهم من أسره وقهره ، ولا يعذبهم ﴿قَدْ جِثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِكٌ﴾، وهو
البرهان العظيم في العصا واليد ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ تقييدٌ مفيدٌ بليغٌ عظيمٌ. ثم تهدّداه وتوعّداه
على التكذيب فقالا: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوْحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلََّ ﴾ أي: كذّب بالحق بقلبه ، وتولّى
عن العمل بقالَبه .
وقد ذكر السُّدِّي وغيره أنه لما قدم من بلاد مَدين دخل على أمّه وأخيه هارون ، وهما يتعشيان من طعام
فيه الطفشيل(٤) ؛ وهو اللِّفْتُ، فأكل معهما . ثم قال: يا هارون إنَّ الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٣).
(٢) المصدر السابق.
(٣) الخبر في المصدر السابق . والرَّقاشي، بفتح الراء المهملة ، والقاف المخففة : نسبة إلى امرأة اسمها : رَقَاش،
كثرت أولادها حتى صاروا قبيلة ، وهي من قيس عيلان. الأنساب (٦/ ١٤٦).
ويزيد بن طهمان الرقاشي ، أبو المعتمر ، من أهل البصرة .
(٤) في المحيط: الطَّفَيْشل، بالمعجمة ، كَسَميدع : نوع من المرق. وفي تفسيره (١٥٤/٣): وكان طعامهما ليلتئذٍ
الطفيل ، وهو اللفت .

٢٩
قصة موسى الكليم
عبادته ، فقم معي ، فقاما يقصدان باب فرعون ، فإذا هو مغلق ، فقال موسى للبؤَّابين والحجَبة : أعلموه
أنَّ رسولَ الله بالباب ، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به .
وقد زعم بعضهم أنّه لم يؤذَن لهما عليه إلّا بعد حينٍ طويلٍ .
وقال محمد بن إسحاق : أُذن لهما بعد سنتين، لأنّه لم يكُ أحدٌ يتجاسر على الاستئذان لهما(١) ،
فالله أعلم .
ويقال : إنّ موسى تقدَّم إلى الباب فطرقه بعصاه ، فانزعج فرعون ، وأمر بإحضارهما ، فوقفا بين
يديه ، فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما .
وعند أهل الكتاب : أن الله قال لموسى عليه السلام : إن هارون اللاوي ، يعني الذي من نسل
لاوي بن يعقوب ، سيخرج ويتلقّاك ، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون ، وأمره أن
يُظهر ما أتاه من الآيات ، وقال له : سأُقسّي قلبه فلا يرسل الشعب ، وأُكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر .
وأوحى الله تعالى إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقّاه بالبرّيَّة عند جبل حوريب ، فلما تلقّاه أخبره
موسى بما أمره به ربّه ، فلما دخلا مِصر جمعا شيوخ بني إسرائيل ، وذهبا إلى فرعون ، فلما بلَّغاه رسالة
الله، قال : مَنْ هو الله؟ لا أعرفه ، ولا أُرْسِلُ بني إسرائيل .
وقال الله تعالى مخبراً عن فرعون: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى {يَا قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى ◌ِهَا قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍّ لَا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنْسَى (@) الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَفََّ (٥) كُلُواْ وَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِأَوْلِ التُّهَى: ﴿ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [ طه: ٤٩ -٥٥] .
يقول تعالى ، مخبراً عن فرعون: إنّه أنكر إثبات الصّانع تعالى قائلاً: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى يَ قَالَ رَبُّنَا
الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَ هَدَى﴾، أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالاً وأرزاقاً وآجالًا، وكتب
ذلك عنده في كتابه اللّوحِ المحفوظ ، ثمّ هدى كلَّ مخلوقٍ إلى ما قدَّره له ، فطابَقَ عمله فيهم على الوجه
الذي قدّره وعَلِمَه لكمال علمه وقدرته وقدره .
وَالَّذِى قَدَرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿سَبِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى: ﴿ الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى
أي : قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه .
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ يقول فرعونُ لموسى: فإذا كان ربُّك هو الخالق المقدِّر ، الهادي الخلائق
لما قَدَّره، وهو بهذه المثابة من أنّه لا يستحقُّ العبادة سواه ، فلِمَ عبد الأوَّلون غيرَه ، وأشركوا به من
(١) تاريخ الطبري (٤٠٥/١) .

٣٠
قصة موسى الكليم
الكواكب والأنداد ما قد علمت، فهلاّ اهتدى إلى ما ذكرته القرونُ الأولى؟! ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فِ كِتَبِّ لَا
يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَسَى﴾ أي: هم وإن عبدوا غيرَه ، فليس ذلك بحجةٍ لك ، ولا يدلُّ على خلافِ ما أقول ؛
لأنّهم جهلة مثلك ، كل شيءٍ فعلوه مستطرٌ عليهم في الزُّبر من صغيرٍ وكبيرٍ ، وسيجزيهم على ذلك ربّي
عز وجل ، ولا يظلم أحداً مثقال ذرّة ، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتابٍ لا يضلُّ عنه شيءٌ ،
ولا ينسى ربي شيئاً .
ثمّ ذكر له عظمة الرَّبّ وقدرته على خلق الأشياء ، وجَعْلِه الأرضَ مهاداً والسماءَ سقفاً محفوظاً ،
وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابهم وأَنعامهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى ﴾ أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفِطَر القويمة غير السّقيمةُ(١)، فهو
تعالى الخالق الرازق .
وكما قال تعالى: ﴿ يَأَيُهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٣) الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَرْضَ فِرَشَا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمَّ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ البقرة: ٢١ - ٢٢] ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه ، نبّه به على المعاد فقال:
﴿﴿مِنَا﴾، أي: من الأرض خلقناكم ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ، كما قال تعالى:
كَمَا بَدَأَ كُمْ تَعُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ
اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
ثم قال تعالى(٢): ﴿ وَلَقَدْ أَرَيِّنَهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ إِنَّ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَنْمُوسَى
فَلَنَأَتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَنَاسُوَّى ◌ِنْ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِينَةِ وَأَنْ يُحْشَ
النَّاسُ ضُحَى﴾ [ طه: ٥٦ -٥٩] .
يخبر تعالى عن شَقاء فرعون ، وكثرة جهله ، وقلّة عقله في تكذيبه بآيات الله ، واستكباره عن اتِّباعها،
وقوله لموسى : إنّ هذا الذي جئت به سحرٌ ، ونحن نعارضك بمثله ، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى
وقتٍ معلومٍ ، ومكان معلومٍ ، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السّلام أن يُظهر آياتِ الله وحججه ،
وبراهينه جَهْرة بحضرة النَّاسَ، ولهذا قال: ﴿ مَوْعِدُكُمُ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ، وكان يوم عيدٍ من أعيادهم ،
ومجتمعٍ لهم ، ﴿ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ أي: من أوّل النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس ، فيكون
الحقّ أظهر وأجلى ، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلاً في ظلام ، كيما يروج عليهم محالاً وباطلاً ، بل طلب
أن يكون نهاراً جهرةً لأنه على بصيرة من ربّه، ويقينٍ أن الله سيظهرُ كلمته ودينه؛ وإن رغمت أنوف القبط .
(١) قوله: والفطر ... السقيمة. سقط من ب.
(٢) قوله : ثم قال تعالى ... زيادة من ط.

٣١
قصة موسى الكليم
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ ﴿ قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
(أَ فَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَىِ ﴿ قَالُواْ إِنْ هَذَنٍ لَسَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ
فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَى
يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِخْرِ هِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِفَتِكُمُ الْمُثْلَى (١٦) فَأَجْعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى ﴾
[ طه : ٦٠ - ٦٤ ] .
يخبر تعالى عن فرعون أنّه ذهب فجمع من كان ببلاده من السّحرة ، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان
مملوءةً سَحَرةً فضلاء في فنّهم غاية ، فجمعوا له من كلِّ بلدٍ ، ومن كلِّ مكان ، فاجتمع منهم خلقٌ كثيرٌ
وجَمٌّ غفيرٌ ، فقيل : كانوا ثمانين ألفاً، قاله محمد بن كعب . وقيل : سبعين ألفاً ، قاله القاسم بن
أبي بَزَّة١ً) . وقال السُّدِّي: بضعة وثلاثين ألفاً . وعن أبي أمامة : تسعة عشر ألفاً . وقال محمد بن
إسحاق : خمسة عشر ألفاً . وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألف٢ً) . وروى ابن أبي حاتم ، عن
ابن عباس : كانوا سبعين رجلاً ، وروي عنه أيضاً : أنّهم كانوا أربعين غلاماً من بني إسرائيل ، أمرهم
فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلّموا السِّحر، ولهذا قالوا: ﴿ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِّ﴾ [طه: ٧٣] وفي
هذا نظر .
وحضر فرعون ، وأمراؤه ، وأهل دولته ، وأهل بلده عن بكرة أبيهم(٣) . وذلك أنّ فرعون نادى فيهم
أن يحضروا هذا الموقف العظيم ، فخرجوا وهم يقولون : لعلّنا نتّبع السّحرة إن كانوا هم الغالبين . وتقدّم
موسى عليه السلام إلى السّحرة فوعظهم ، وزجرهم عن تعاطي السِّحر الباطل الذي فيه معارضةٌ لآيات الله
وحججه فقال: ﴿ وَيْلَكُمْ لَ تَفْتَرُواْ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَّكُمْ بِعَذَاتٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ أَفْتَرَى ﴿ فَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ﴾
قيل : معناه أنّهم اختلفوا فيما بينهم ؛ فقائل يقول : هذا كلام نبيٍّ وليس بساحر ، وقائل منهم يقول : بل
هو ساحر ، فالله أعلم .
وأسرّوا التناجي بهذا وغيره ﴿ قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ يقولون: إنَّ
هذا وأخاه هارون ساحرانٍ(٤) عليمان مطبقان متقنان لهذه الصِّناعة ، ومرادهم أن يجتمع النّاس عليهما ،
ويصولا على الملك وحاشيته ، ويستأصلاكم عن آخركم ، ويستأمر(٥) عليكم بهذه الصناعة ،
﴿فَمِعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَكْتُواْ صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ﴾ .
(١) في ط : أبي بردة، وهو خطأ . والقاسم بن أبي بَزَّة - بفتح الموحدة وتشديد الزاي - المكي ، مولى بني مخزوم.
قارىء، ثقة. تقريب التهذيب ( ١١٥/٢).
(٢) قوله: ألفاً. ليس في ب، ورواية المتن موافقة لما أورده في تفسيره ( ١٥٨/٣).
يقال : جاؤوا على بكرة أبيهم : إذا جاؤوا جميعاً على آخرهم . اللسان ( بكر ) .
(٣)
قوله: ﴿ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم .. ﴾ .. هارون ساحران سقط من ب بنقلة عين.
(٤)
(٥) في ب : وليستأصلاكم .. وليستأمرا .

٣٢
قصة موسى الکلیم
وإنما قالوا الكلام الأوّل ليتدبّروا ويتواصَوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة ، والمكر ،
والخديعة ، والسِّحر ، والبُهتان ، وهيهات ، كذبت والله الظنون ، وأخطأت الآراء . أنّى يعارِضُ
البهتان ، والسحرُ والهذيان ، خَوارقَ العادات التي أجراها الدَّيَّان ، على يدي عبده الكليم ، ورسوله
الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار ، وتحار فيه العقول والأذهان .
وقولهم: ﴿فَأَحِعُوْ كَيْدَكُمْ﴾ أي: جميع ما عندكم ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًّا﴾ أي: جملةً واحدةً ، ثمّ
حَضُّوا بعضهم بعضاً على التقدّم في هذا المقام ، لأن فرعون كان قد وعدهم ومَنَّاهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ
الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٥) قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أََّ
تَسْعَى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِ نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى الْيَقُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (8) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْهُ
سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [ طه: ٦٥ - ٦٩].
لما اصطفّ السَّحرةُ، ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم قالوا له : إمّا أن تلقيَ قبلنا ،
وإما أن نلقيَ قبلك . ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾ أنتم، وكانوا قد عمدوا إلى حبالٍ وعِصِيٍّ، فأودعوها الزئبقَ وغيرَه
من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطراباً يخيّل للرائي أنّها تسعى باختيارها ، وإنّما
تتحرّك بسبب ذلك . فعند ذلك سحروا أعين النّاس ، واسترهبوهم ، وألقوا حبالهم وعصيَّهم وهم
يقولون : بعزَّة فرعون إنّا لنحن الغالبون(١).
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُ وبِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: ١١٦].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِتُهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أََّ تَسْعَى: ﴿ فَأَوْحَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى ﴾ أي :
خاف على النّاس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يُلْقِيَ ما في يده فإنّه لا يصنع شيئاً قبل أن يُؤمَر ،
فأُوحيَ إليه في السّاعة الراهنة ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (9) وَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍ وَلَا
يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: ما جئتم به السِّحرُ إن الله سيُبْطِله إنَّ الله لا يُصْلِحُ
عمل المفسدين ﴿ وَيُحِىُّ اَللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى (٢) عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ (﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ () وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (١) رَبِّ مُوسَى وَهَدُرُونَ ﴾
[ الأعراف: ١١٨ - ١٢٢] وذلك أنّ موسى عليه السلام لمَّا ألقاها صارت حيةً عظيمةً ذات قوائم - فيما ذكره غيرُ
(١) قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ فَأَلْقَوَاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [ الشعراء: ٤٤].
(٢) كلمة ﴿موسى﴾ ليست في ب. وبذلك تكون الآية من قوله عزَّ وجل في سورة الأعراف: ﴿﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىّ أَنْ
أَلْقِ عَصَالٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾.

٣٣
قصة موسی الکلیم
واحد من علماء السّلف - وعُنُقٍ عظيم ، وشكلٍ هائلٍ مزعج ، بحيث إنّ النّاس انحازوا منها وهَربوا
سراعاً ، وتأخّروا عن مكانها ، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعِصيّ فجعلت تلقفه واحداً واحداً
في أسرع ما يكون من الحركة ، والنّاس ينظرون إليها ويتعجّبون منها .
وأما السَّحَرة فإنهم رأوا ما هالَهم وحيّرهم في أمرهم ، واطّلعوا على أمر لم يكن في خَلَدهم.
ولا بالهم ، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم . فعند ذلك ، وهنالك تحقّقوا بما عندهم من العلم أنّ
هذا ليس بسحر ، ولا شَعْبَذة ، ولا محالٍ ، ولا خيالٍ ، ولا زورٍ ، ولا بهتانٍ ، ولا ضلالٍ ، بل حق
لا يقدر عليه إلا الحقّ الذي ابتعث هذا المؤيّدَ به بالحقّ ، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأنارها بما
خَلَق فيها من الهدى ، وأزاح عنها القسوة ، وأنابوا إلى ربِّهم وخرّوا له ساجدين ، وقالوا جَهْرةً
للحاضرين، ولم يخشوا عقوبةً ولا بلوَى ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾ كما قال تعالى: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ مُجَّدًا
قَالُواْ ءَامَنَا بِرَبِّ هَذُرُونَ وَمُوسَى ﴿ قَالَ ءَامَنُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّخْرِّ فَلَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم
مِنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَتَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿ قَالُواْلَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَِّنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا
فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ (٣٦) إِنََّءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ
إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْنَى (١) وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَكَ لَهُمُ
وَأَبْقَى
اُلَّرَجَتُ الْعُلَى ◌ِ﴿٣َجَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهُرُ خَلِينَ فِيَهَ وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَن تَزَكَ﴾ [طه: ٧٠ -٧٦].
قال سعيد بن جُبير ، وعكرمة ، والقاسم بن أبي بَزَّة ، والأوزاعي ، وغيرُهم: لمّا سجد السَّحَرة رأوا
منازلَهم وقصورَهم في الجنة تُهَيّأ لهم ، وتُزَخْرَف لقدومهم ، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون ،
وتهديده ، ووعيده ، وذلك لأن فرعون لمّا رأى هؤلاء السَّحرةَ قد أسلموا ، وأشهروا ذِكر موسى وهارون
في النّاس على هذه الصِّفة الجميلة ، أفزعه ذلك ، ورأى أمراً بهره ، وأعمى بصيرته وبصره ، وكان فيه
كيدٌ ، ومكرٌ ، وخداع ، وصنعة بليغة في الصدّ عن سبيل الله ، فقال مخاطباً للسّحرة بحضرة النّاس :
﴿ ءَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنّ ◌َذَنَ لَكُمْ﴾ أي: هلاّ شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيّتي، ثمّ تهدَّدَ ،
وتوعّد ، وأبرق، وأرعد، وكذَّب فأبعد قائلاً: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السِّحْرِّ﴾. وقال في الآية
الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [ الأعراف: ١٢٣].
وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل عاقل (١) ما فيه من الكفر ، والكذب ، والهذيان ، بل
لا يروج مثله (٢) على الصِّبيان، فإنَّ النّاس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أنّ موسى لم يَرَه هؤلاء يوماً
من الدّهر ، فكيف يكون كبيرهم الذي علّمهم السِّحر . ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان
(١) في ط : البهتان يعلم كل فرد عاقل ...
(٢) كذا في ب وط . وفي أ : قيله .

٣٤
قصة موسی الکلیم
فرعون هو الذي استدعاهم ، واجتباهم من كلِّ فجّ عميقٍ ، ووادٍ سحيقٍ ، ومن حواضر بلاد مصر
والأطراف ، ومن المدن والأرياف .
قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِئَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ () وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٢) حَقِيقُ عَلَى أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ
إِلَّا الْحَقِّ قَدْ حِثْنُكُمْ بِيِنَةٍ مِّن رَّيِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ ﴿لَ قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِثَايَةٍ فَأَتِ بِهَا إِن كُنْتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ {َ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُغْبَانُ هُبِينٌ لِّهِ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ الْخَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ
هَذَا لَسَحِّ عَلِيمٌ لَّا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ لَ قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ الْمَدَآَيِنِ خَشِينَ (٤) يَأْتُوَ
ا قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ
بِكُلِّ سَحٍِ عَلِيمٍ ﴿لَ وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ:
الْمُقَرَّبِينَ ﴿ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِقَا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَخْنُ الْمُلْقِينَ (١) قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَا أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌّ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (َ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ (١٤) وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (٢) قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (﴿ رَبِّ مُوسَى
وَهَرُونَ ﴿) قَالَ فِّرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِيَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (
لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَ لَأُصَلِيَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿لَ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿ وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا
◌ِئَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَ تْنَا رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقََّا مُسْلِمِينَ﴾ [ الآيات: ١٠٣ -١٢٦].
وقال تعالى في سورة يونس: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، بِثَايَِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ
! فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (٢) قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرُ هَذَا وَلَا
vě
قَوْمًا مُجْرِمِينَ
ـَ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِى الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْ مِنِينَ الثَّ وَقَالَ
يُفْلِحُ السَّحِرُونَ
فِرْعَوْنُ اثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيٍ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُوسَىَّ أَلْقُواْمَآ أَنْتُم مُلْقُونَ (٨) فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ
! وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُجْرِمُونَ ﴾
السّخْرِّ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
[ الآيات: ٧٥ - ٨٢ ] .
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ
، تعالى في سورة الشعراء : ﴿ قَالَ لَيْنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
تُبِينٍ ﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِ: إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (٣٦) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ !!
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِيمٌ(﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَعَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿٢) قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ فِىِ
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلَ أَنتُمُ
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ
◌َ يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ
اْدَآيِنِ خَشِرِينٌ
◌ُجْتَمِعُونَ ﴿ لَعَلَّنَا نَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ (٤) فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًّا إِن كُنَا نَحْنُ الْغَلِينَ (®] قَالَ
نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ (١) قَالَ لَهُم ◌ُوسَىّ أَلْقُوْ مَآ أَنْتُمْ تُلْقُونَ (٤٦) فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ
الْغَالِبُونَ ﴿ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١٦) فَأُلِفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُواْ ءَامَنَا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٦) رَبِّ مُوسَى
وَهَرُونَ ﴿ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُ كُمُ الَِّى عَلَّمَّكُمُ السّحْرَ فَلَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّ أَبْدِيَّكُمْ وَأَزْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ

٣٥
قصة موسى الکلیم
◌ْ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآَ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
قَالُواْ لَا ضَيْرٌّ ◌ِنَّا إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ
وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الآيات : ٢٩ - ٥١ ] .
والمقصود أنّ فرعون كذب وافترى ، وكفر غاية الكفر في قوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّخْرِّ ﴾،
وأتى ببهتان يعلمه العالِمون، بل العالمون في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ يعني: يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى
وعكسه ، ﴿ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: ليجعلهم مثلةً ونكالا لئلاّ يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل مِلّته،
ولهذا قال: ﴿وَلَأُصَلَِّنَّكُمْ فِىِ جُذُوِعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النّخل؛ لأنّها أعلى وأشهر ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَاً
أَشَدُ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾ يعني : في الدنيا .
قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ أي: لن نُطِيعَكَ وَنَترك ما وَقَر في قلوبنا من البيّنات والدَّلائل
القاطعات ﴿ وَلَّذِى فَطَرَنَا﴾ قيل: معطوف، وقيل: قَسَم، ﴿فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضِ﴾ أي : فافعل ما قدرت
عليه ﴿ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الذُّنْيَا﴾ أي: إنّما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى
الدار الآخرة ؛ صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له ، واتّبعنا رسله ﴿ إِنََّءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَيَنَا وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ
مِنَ السّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب ﴿ وَأَبْقَىّ﴾ أي: وَدْوم من
هذه الدار الفانية .
وفي الآية الأخرى: ﴿قَالُوْ لَا ضَيْرٌّ ◌ِنَّآ إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَّيَنَآَ﴾ أي:
ما اجترمناه من المآثم والمحارم ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من القبط، بموسى وهارون عليهما
السلام .
وقالوا له أيضاً: ﴿ وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِئَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا
بما جاءنا به رسولنا واتِّباعنا آيات ربنا لمَّا جاءتنا، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: ثَبّتنا على ما ابتُلينا به من
عقوبة هذا الجبّار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد ﴿ وَتَوَنَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾.
وقالوا له ١) أيضاً يعظونه، ويخوّفونه بأس ربّه العظيم: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَمَ لَا يَمُوتُ فِها
وَلَا يَحْنَى﴾، يقولون له: فإيّاك أن تكون منهم، فكان منهم ﴿وَمَن بَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ
الدَّرَحَتُ اُلْعُلَى﴾ أي: المنازل العالية ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَأْ وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَن تَزَّكَ﴾،
فاحرص أن تكون منهم ، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تُغالَب ولا تمانَع ، وحكم العليُّ العظيم
بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ، ليباشر العذاب الأليم ، يُصبُّ من فوق رأسه الحميم ، ويقال له على
(١) في ط : وقالوا أيضاً.

٣٦
قصة موسى الكليم
وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح(١) الذّميم اللّئيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾
[ الدخان : ٤٩ ] .
والظّاهر من هذه السياقات(٢) أن فرعون لعنه الله، صلبهم وعذَّبهم، رضيَ الله عنهم . قال عبد الله بن
عباس ، وعُبيد بن عُمير : كانوا من أوّل النّهار سَحَرةً فصاروا من آخره شهداء بَرَرة . ويؤيّد هذا قولهم :
﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَنََّا مُسْلِمِينَ ﴾.
***
فصل
ولمّا وقع ما وقع من الأمر العظيم ، وهو الغَلَبُ الذي غُلِبَتْهُ القِبط في ذلك الموقف الهائل ، وأسلم
السَّحَرة الذين استنصروا بهم(٣) ، لم يزِدْهم ذلك إلا كُفراً وعِناداً وبُعداً عن الحقِّ .
قال الله تعالى بعد قَصَصِ ما تقدّم في سورة الأعراف: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
لِيُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَّكَّ قَالَ سَنُقَئِّلُ أَبنَّاءَ هُمْ وَنَسْتَحْىِ، نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ
اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٧) قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَن
تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِثْقَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
[ الآيات: ١٢٧ - ١٢٩ ] .
يخبر سبحانه وتعالى عَنِ الملأ من قوم فرعون ، وهم الأمراء والكبراء ، أنّهم حَرَّضوا ملِكهم فرعون
على أذيّة نبيّ الله موسى عليه السلام ، ومقابلته بدل التصديق بما جاء به بالكفر والردِّ والأذى فقالوا :
﴿ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُ واْ فِىِ الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾، يعنون - قَبَّحهم اللهُ - أنّ دعوته إلى عبادة الله وحده
لا شريك له ، والنهيَ عن عبادة ما سواه ، فسادٌ بالنسبة إلى اعتقاد القِبط، لعنهم الله. وقرأ بعضهم(٤):
(١) المنبوح: المشتوم. يقال : نبحتني كلابك: أي لحقتني شتائمك. وأصله من نباح الكلب ، وهو صياحه . اللسان.
(٢)
في ب : الآيات .
(٣) في ط: استنصروا ربهم، وهو خطأ، وقراءة نافع وابن كثير: ﴿سَنَقْتُلُ﴾ بالتخفيف. حجة القراءات : (٢٩٤)
والنشر (٢٧١/٢) .
(٤) قال عبد الفتاح القاضي في القراءات الشاذة ( ص٤٨): وقرأ الحسن وابن محيصن: ﴿وإلَهتك﴾، بكسر الهمزة
وقصرها وفتح اللام وألف بعدها ، فقيل : إنه مصدر بمعنى العبادة مضاف لمفعوله ، أي : ويترك عبادته لك ،
وقيل : مصدر أريد به المفعول ، أي : ويترك المعبود الذي تعبده . وكذا في : شواذ ابن خالويه ( ٤٥) ، وتفسير
الطبري (١٧/٩)، وفيه: والقراءة التي لا نرى القراءة بغيرها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة
من القرّاء عليها .

٣٧
قصة موسى الكليم
﴿ويذرك وإِلَّهتك﴾ أي: وعبادتك(١)، ويَحتمل شيئين: أحدهما: ويذر دينك، وتقوّيه القراءة
الأخرى . الثاني : ويذر أنْ يعبدَك ، فإنّه كان يزعم أنّه إلّهٌ ، لعنه الله .
﴿ قَالَ سَنُقَئِّلُ أَبْنَهُمْ وَنَسْتَغِى نِسَآءَهُمْ﴾، أي: لئلاّ يكثر مقاتِلتهم، ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ ، أي :
غالبون .
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَّأْ إِنَ الْأَرْضَ لِلَِّيُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾،
أي : إذا همّوا هم بأذيّتكم، والفتكِ بكم، فاستعينوا أنتم بربّكم، واصبروا على بليّتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: فكونوا أنتم من (٢) المتقين لتكونَ لكم العاقبة ،
كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْ إِن كُمْ ءَامَنُمْ بِاللَّهِ فَعَلَّهِ تَوَكَلُواْ إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ (١) فَقَالُواْ عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّنَ
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿﴿ وَجِّنَا بِرَحْتِكَ مِنَ الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ [ يونس: ٨٤ -٨٦].
وقولهم: ﴿ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِثْتَنَا﴾ أي: قد كانت(٣) الأبناء تُقَتَّل قبل مجيئك، وبعد
مجيئك إلينا ﴿جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وقال الله تعالى في سورة ﴿ حَمَ ﴾ المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَتِنَا وَسُلْطَانِ مُبِينٍ (٦) إِلَى
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] وكان فرعون الملك، وهامان الوزير ،
وكان قارون(٤) إسرائيليّاً من قوم موسى ، إلّا أنّه كان على دين فرعون وَمَلَئِهِ ، وكان ذا مالٍ جَزِيلٍ جدّاً ،
كما ستأتي قِصَّته فيما بعد إن شاء الله تعالى. ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ
وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَ هُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥] وهذا القتلُ للغلمان من بعد بعثة موسى
إنّما كان على وجه الإهانة ، والإذلال ، والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلاّ يكون لهم شوكةٌ يمتنعون بها ، أو
يصولون على القِبْط بسببها ، وكانت القبط منهم يحذرون ، فلم ينفعهم ذلك ، ولم يردّ عنهم قدر الله الذي
يقول للشيء كُنْ فَيَكُون .
: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلُ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهٌُ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فيِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ ﴾
[غافر: ٢٦]. ولهذا يقول النّاس على سبيل التهكّم: صار فرعون مُذَكِّراً، وهذا منه، فإنّ فرعون في زعمه
يخاف على النّاس أن يضلهم موسى عليه السّلام .
وَقَالَ مُوسَىّ إِنِّ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِن كُلِّ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧] . أي: عذت
(١) في تاريخ الطبري (٤١٣/١) وآلهته - فيما زعم ابن عباس - كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن
يعبدوها ، فلذلك أخرج لهم عجلا بقرة .
(٢) الحرف ( من ) ليس في ط .
(٣)
في ب : أي كانت .
(٤) في ب : وقارون كان ..

٣٨
قصة موسى الكليم
بالله، ولجأت إليه واستجرت(١) بجنابه من أن يَسْطُوَ فِرْعَونُ وغيرُه عليَّ بسوءٍ. وقوله: ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَِّرٍ﴾
أي : جبّار عنيدٍ لا يَرْعَوي، ولا ينتهي، ولا يخافُ عذابَ الله وعقابهُ ٢)؛ لأنّه لا يعتقد معاداً ولا جزاءً .
ولهذا قال: ﴿ مِّن كُلِّ مُتَكَيٍِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَّوْمِ الْحِسَابِ () وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْثُمُ إِيمَنَهُ: أَنَقْتُلُونَ
رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبِىَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِلْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم
بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢) يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا
مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَ نَأَ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيِكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٧ -٢٩]. هذا الرجل
هو ابن عمّ فرعون ، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه . وزعم بعض النّاس أنَّه كان
إسرائيلياً ، وهو بعيدٌ ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى ، والله أعلم .
قال ابن جُرَيج : قال ابن عباس : لم يُؤْمِن من القِبط بموسى إلّ هذا، والذي جاء من أَقْصى
المدينة ، وامرأةُ فرعون. رواه ابن أبي حاتم. قال الدَّارَقُطْني: لا يُعْرف من اسمُه شمعان، بالشين
المعجمة ، إلا مؤمن آل فرعون ، حكاه السّهيليّ(١)
وفي تاريخ الطبري أن اسمه : خير ، فالله أعلم .
والمقصود أنّ هذا الرجل كان يكتم إيمانه ، فلما هَمَّ فرعون لعنه الله بقتل موسى عليه السلام وعزم
على ذلك ، وشاور ملأه فيه ، خاف هذا المؤمن على موسى ، فتلطّف في ردِّ فرعون بكلامٍ جمع فيه
الترغيب والترهيبَ، فقال على وجه المشورة والرّأي، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله وَ ليل أنه قال:
((أَفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ )(٤) . وهذا من أعلى مراتب هذا المقام ، فإن فرعون لأشد
جَوْراً منه ، وهذا الكلام لا أعدل منه، لأن فيه عصمة نبي . ويحتمل أنّه كاشرهمُ(٥) بإظهار إيمانه ،
وصرّح لهم بما كان يكتمه ، والأوّل أظهر . والله أعلم .
قال ﴿ أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ﴾ أي: من أجل أنّه قال: ربي الله، فمثل هذا لا يقابل بهذا ؛
بل بالإكرام والاحترام ، أو الموادعة وترك الانتقام ، يعني لأنّه إن ﴿ وَقَدْ جَآءَ كُم بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ أي :
قوله : واستجرت ليس في ط .
(١)
(٢)
في ب : ولا عقابه .
(٣)
في التعريف والإعلام فيما أبهم من القرآن : ورقة ٥٥ .
أخرجه الترمذي (٢١٧٤) في الفتن، باب ما جاء في أفضل الجهاد كلمة عدل وأبو داود (٤٣٤٤) في الملاحم ، وابن
(٤ )
ماجه (٤٠١١)، في الفتن ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن
رسول الله. وأخرجه أحمد (٣١٤/٤) وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي، راويه عن أبي سعيد النسائي (٧/ ١٦١)
عن طارق بن شهاب أن رجلاً سأل النبي ◌َ ◌ّ ر، وهذا مرسل لأن طارق بن شهاب رأى النبي ◌َّ ولم يسمع منه (وينظر
تهذيب الكمال (٣٤١/١٣ - ٣٤٣) والتعليق عليه) لكنه مرسل صحابي، فيصح به الحديث كما قال المصنف .
(٥) كاشرهم : ضحك في وجههم وباسطهم .

٣٩
قصة موسى الكليم
بالخوارق التي دلّت على صدقه فيما جاء به عمَّن أرسله ، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامةٍ لأنه ﴿ وَإِنِ يَكُ
كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، ولا يضرّكم ذلك، ﴿ وَإِن يَكُ صَادِقًا﴾ وقد تعرّضتم له ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى
يَعِدُكُمْ﴾ أي: وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاءٍ مما يتوعدكم به، فكيف بكم إن حلَّ جميعه عليكم .
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التنظُّف ، والاحتراز ، والعقل التّام .
وقوله : ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِى الْأَرْضِ﴾ يُحذِّرهم أن يُسلبوا هذا الملك العزيز فإنّه
ما تعرّض الدول للدِّينِ إلا سُلبوا مُلْكَهم وذلّوا بعد عزِّهم ، وكذا وقع لآل فرعون ؛ ما زالوا في شكٌّ ،
وريبٍ ، ومخالفةٍ ، ومعاندةٍ لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك ،
والدُّور والقصور والنِّعمة والحبور ، ثمّ حوِّلوا إلى البحر مهانين ، ونُقِلَتْ أرواحهم بعد العلوِّ والرِّفعة إلى
أسفل السّافلين . ولهذا قال هذا الرجل المؤمن الصّادق (١) البارُّ الراشد، التابع للحقّ ، الناصح لقومه ،
الكامل العقل: ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَّوْمَ ظَهِرِينَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي : عالين على الناس حاكمين عليهم
﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾ أي: لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدّة، والقوّة والشدّة
لما نفعنا ذلك ، ولا ردّ عنا بأس مالك الملك .
قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: في جواب هذا كلِّه: ﴿ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم إلا ما عندي ،
﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَيِلَ الرَّشَادِ﴾، وكذب في كلٍّ من هذين القولين، وهاتين المقدِّمتين ، فإنّه قد كان
يتحقَّق في (٢) باطنه وفي نفسه أنّ هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة ، وإنّما كان يُظْهِرُ خلافه بغياً
وعدواناً وعتوّاً وكفراناً .
قال الله تعالى إخباراً عن موسى أنه قال له٣): ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ
وَإِنِي لَأَظُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَمُ جَمِيعً اَ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرَّةِ يلَ
أُسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [ الإسراء: ١٠٢ - ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ -١٤].
وأما قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فقد كذب أيضاً، فإنّه لم يكن على رشادٍ من الأمر ، بل
كان على سَفَهٍ وضلالٍ وخَبَلٍ وخَيالٍ ، فكان أولًا ممن يعبد الأصنام والأمثال ، ثم دعا قومه الجَهَلَةَ الضُّلاّلَ
إلى أن اتّبعوه وطاوعوه وصدَّقوه فيما زعم من الكفر المحال في دعواه أنّه ربِّ، تعالى الله ذو الجلال(٤) .
(١) في ط : المصدق .
في ب : يتحقق ويعلم في ..
(٢)
(٣) قوله : أنه قال له . زيادة من ب .
(٤) في ب : مولانا ذو الجلال .

٤٠
قصة موسى الكليم
قال الله تعالى: ﴿ وَنَادَىْ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىّ أَفَلَا
تُبْصِرُونَ ◌ِجَ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ {َْ فَلَوْلَا أُلِّفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ ﴿هَا فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿وَ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ
أَجْمَعِينَ فِيُّ فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾ [ الزخرف: ٥١ -٥٦].
وقال تعالى: ﴿فَرَبُهُ الْآَيَّةَ الْكُبْرَىّ ◌َِّ فَكَذَّبَ وَعَصَى ◌َّْثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى {يَ فَحَشَرَ فَنَادَى ◌ِ﴿ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى
فَأَخَذَهُ اَللَّهُ تَكَلَ اَلْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ رْهَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ﴾ [ النازعات: ٢٠ -٢٦].
وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَزْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبِهِ، فَنَّعُواْ أَفَ فِرْعَوْنٌ وَمَا أَغْرُ
فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٦) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [٢] وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفْدُ اَلْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٦ -٩٩].
والمقصود بيان كذبه في قوله: ﴿ مَآ أُرِّيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾، وفي قوله: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَبِيلَ
الرَّشَادِ فِيََّ وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ (٥) مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمّ
وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴿٣) وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ [ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ
فَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِنَتِ فَا زِلْتُمْ فِ شَكٍ مِّمَا جَآءَكُم بِّ حَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ
يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
أَتَنَّهُمِّ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ تَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: ٢٩ -٣٥].
يحذِّرهم وليُّ الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يَحُلَّ بهم ما حلَّ بالأمم من قبلهم من النقمات
والمثُلات(١) ، مما تواتر عندهم، وعند غيرهم ما حلَّ بقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ ومَن بعدهم إلى زمانهم ،
ذلك مما أقام الله به الحجج على أهل الأرض قاطبةً في صدق ما جاءت به الأنبياء لما أنزل من النقمة
بمكذِّبيهم من الأعداء ، وما أنجى الله من اتّبعهم من الأولياء ، وخوّفهم يومَ القيامة، وهو ﴿ يَوْمَ النَّنَادِ﴾
أي : حين ينادي الناسُ بعضهم بعضاً، حين يولون - إن قدروا على ذلك -، ولا إلى ذلك سبيل ﴿يَقُولُ
الْإِنْسَنُ يَوْمَيِدٍ أَتْنَ الْمَغَرُّ ◌َِ كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْنَقَرُ﴾ [القيامة: ١٠ -١٢]. وقال تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ وَالْإِنِسِ
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُ واْلَا تَنْفُذُونَ إِلَّ بِسُلْطَانِ ﴿ فَبِأَتِّءَالَآِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَنِ (٦) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا
شُوَاظٌ مِّن نَّارِ وَتُحَاسٌ فَلَا تَنَصِرَانِ ﴿ فَبِأَمِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣ -٣٦].
وقرأْ بَعْضُهُمْ(٢) ﴿ يوم التنادٌ ﴾، بتشديد الدال : أي : يوم الفرار ، ويحتمل أن يكون يوم القيامة ،
(١) المثُلات: مفردها مَثْلَة وهي النقمة تنزل بالإنسان فيُجعل مثالًا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال . مفردات الراغب
الأصفهاني .
(٢) هي قراءة ابن عباس والضحاك. قال: أي يندون كما تند الإبل. شواذ ابن خالويه (١٣٢).