Indexed OCR Text

Pages 1-20

النَّدُ الَّوَالتَّهَارُ
قصص الأنبياء أخبار الماضين

الطبعة الثانية
1431 هـ - 2010
حقوق الطبع محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
و التصوير والنقل والترجمة و التسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من
دارابن.
ثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - سوريا - ص. ب : 311
حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450
الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541
بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318
برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة
تلفاكس : 817857 01 - جوال : 204459 03
www.ibn-katheer.com
info@ibn-katheer.com
الموضوع: تاريخ
العنوان: البداية والنهاية 20/1
التأليف: الإمام ابن كثير
التحقيق: مجموعة من العلماء
الورق: كريم
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: 10128
القياس: 17×24
التجليد: فني - لوحة
الوزن: 15215 غ
التنفيذ الطباعي :
مطبعة ايبكس - بيروت
التجليد :
مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت
ISBN: 978-9953-520-84-1
9 789953 520841

و
ــه
3
ـه
-
قصص الأنبياء- أخبارالماضين
تأليف
الإِمَامِ تَحَافِظِالمؤرّخ أبي الفِدَاءِ إِسْتماعيل بن كَثِيْر
٧٠١ - ٧٧٤ هـ
مَتَّقَهُ وَفََّ أَمَادِنَّهُ وَعَلَّمَعَلَيْهِ
د.علي أبو زيد أبوزيد
رَاجَعَهُ
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
الدكتور بشارعوادمعروف
الجُزْءُ الثَّانِي
دَار أركتير
◌ِقشق- بَيرُون

-3
■
2
X

٥
قصة موسى الكليم
قصة موسى الكلیم
وهو موسى بن عِمْرَان بن يافثُ(١) بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السَّلام .
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِ الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا فِيًّا (٥٦) وَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْعُورِ آلْأَيْمَنِ وَقَرَّيْنَهُ
نِيًّا (ْ) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمِنَا أَخَاهُ هَذُرُونَ نِيًّا﴾ [ مريم: ٥١ -٥٣].
وقد ذكره الله تعالى في مواضعَ كثيرةٍ متفرّقةٍ من القرآن . وذكر قصّته في مواضع متعدّدةٍ مبسوطةٍ مطوَّلةٍ
وغيرِ مطوّلة، وقد٢) تكلّمنا على ذلك كلّه في مواضعه من ( التفسير(٣)، وسنوردُ سيرته هاهنا من
ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسُّنَّة، وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السَّلَف
وغيرهم إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان(٤) .
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ طسّمَ تِلْكَ ءَايَتُّ الْكِتَبِ الْمُبِينِ أَ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإٍ مُوسَى
وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يُدَبِّحُ أَبَاءَ هُمْ
وَيَسْتَخِىء نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
اٌلْوَرِئِينَ ﴿ وَنُمَكِّنَ لَمُمْ فِ الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُواْ بَحْذَرُونَ﴾ [ القصص: ١ -٦].
يذكر تعالى ملخّص القصّة ، ثم يبسطها بعد هذا ، فذكر أنّه يتلو على نبيّه خبر موسى وفرعونَ بالحقِّ ،
أي : بالصدق الذي كأنَّ سامعه مشاهد للأمر معاين له : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾ ،
أي : تجبَّر، وعتا، وطغى، وبغى، وآثر الحياة الدُّنيا، وأعرض عن طاعة الرَّبِّ الأعلى
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي قسم رعيته إلى أقسام وفرقٍ وأنواعٍ يستضعف طائفةً منهم، وهم شعب بني
إسرائيل الذين هم من سُلالة نبيِّ الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله ، وكانوا إذ ذاك خيارَ
أهل الأرض . وقد سُلِّطَ عليهم هذا الملكُ الظالم الغاشم الكافر الفاجر ، يستعبدهم ويستخدمهم في أخسِّ
الصنائعِ والحِرفِ، وأرداها وأدناها، ومع هذا ﴿يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىء نِسَآءَ هُمْ إِنَُّ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وكان الحاملَ له على هذا الصنيعِ القبيحِ أنّ بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما كانوا يأثرونه عن
(١) في الأصول : قاهث . والتصويب من : التكملة والإتمام لكتاب التعريف والإعلام فيما أبهم من الأسماء والأعلام .
الورقة ٦٨ .
(٢) فى ب : أماكن متعددة مبسوطة مطولة ، وقد تكلمنا .
(٣) تفسير ابن كثير (٢٣٥/٢ - ٢٥٠).
(٤) قوله: ((وبه الثقة وعليه التكلان )) ليس في ب .

٦
قصة موسى الكليم
إبراهيم عليه السَّلام من أنّه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاكُ ملك مِصْرَ على يديه ، وذلك والله أعلم حين
كان جرى على سارَة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادتِهِ إيّاها على السوء(١)، وعصمةِ الله لها . وكانت
هذه البِشارة مشهورةً في بني إسرائيل فتحدَّث بها القبط فيما بينهم ، ووصلت إلى فرعون ، فذكرها له
بعض أُمرائه وأَساورته(٢) وهم يسمُرون عنده ؛ فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذراً من وجود هذا
الغلام ، ( ولَنْ يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَر﴾٣) .
وذكر السُّدِّي(٤) ، عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عَبَّاس ، وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن
أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأنّ ناراً قد أقبلت من نحو بيت المَقْدس فأحرقت دور مصر
وجميعَ القبط ، ولم تضرَّ بني إسرائيل ، فلما استيقظ هالَه ذلك، فجمع الكهنةَ والحَزَأَةُ°) والسَّحرة ،
وسألهم عن ذلك فقالوا : هذا غلامٌ يولد من هؤلاء يكون سببُ هلاكِ أهل مِصْرَ على يديه ، فلهذا أمر بقتل
الغلمان وترك النسوان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّهُنَّ عَلَى الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ وهم بنو
إسرائيل ، ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِينَ﴾ أي الذين يؤول ملك مِصْرَ وبلادها إليهم ﴿ وَثُمَكِّنَ لَمْفِ
الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي: سنجعل الضعيفَ قوياً، والمقهورَ
قاهراً، والذليلَ عزيزاً، وقد جرى هذا كلّه لبني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ اُلَّذِينَ كَانُوا
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ بِمَا
صَبِرُوَّاً ... ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٢)
كَذَلِكَ
٥٨
] وَكُنُزٍ وَمَقَامٍ كَرِيِمٍ أ
وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ ﴾ [ الشعراء : ٥٧ -٥٩ ]، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله .
(١) في ب : السفه .
(٢) أساورته : مفردها أسوار ، بضم الهمزة وكسرها ، وهو القائد، أو بمنزلة الأمير عند العرب. التاج.
(٣) قطعة من حديث جرى مجرى المثل ، رواه أحمد في المسند (٢٣٤/٥) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
بلفظ: ((لن ينفع حذر من قدر)) وذكره بهذا اللفظ الهيثمي في مجمع الزوائد ( ١٠/ ١٤٦) من حديث معاذ وقال:
رواه أحمد والطبراني ، وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ ، ورواية إسماعيل بن عيَّاش عن أهل الحجاز ضعيفة .
وساق رواية أخرى له من حديث عائشة رضي الله عنها وهو عند البزار وإسناده ضعيف جداً ، وهو عنده بنحوه
(٢٠٩/٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي (٤/ ٣٧)،
وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص (٣٤٠)، وإسناده ضعيف جداً فيه إبراهيم بن خثيم متروك.
وهو في الأمثال لأبي عبيد ص (٣٢٧)، ومجمع الأمثال للميداني (٢٣٧/٢) ولفظه فيهما : لا ينفع حذر من قدر.
(٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الحجازي ثم الكوفي الأعور السُّدِّي ، أبو محمد ، أحد موالي قريش ،
وأحد الأئمة المفسرين الكبار ، مات سنة ( ١٢٧)هـ. ترجمته في طبقات المفسرين للداوودي (١٠٩/١).
وتفسيره مخطوط لم يطبع بعد ، والنقل الذي أورده ابن كثير ساقه بنحوه الطبري في تفسيره ( ١٩/٢٠) وفي تاريخه
(٣٨٨/١).
(٥) الحزأة: جمع حَزَّاء، وهو الذي ينظر النُّجوم وأحكامها بظنّه وتقديره فربما أصاب. النهاية: ( حزأ).

٧
قصة موسی الکلیم
والمقصودُ أنّ فرعون احترز كُلَّ الاحتراز أن لا يوجدَ موسى ، حتى جعل رجالاً وقوابلَ يدورون على
الحبالى ، ويَعلمون ميقات وضعهن ، فلا تلد امرأةٌ ذكراً إلا ذبحه أولئك الذبَّاحون من ساعته .
وعند أهل الكتاب : أنَّه إنَّما كان يأمر بقتل الغلمان ليُضعف شوكةَ بني إسرائيلَ فلا يقاومونهم إذا
غالبوهم أو قاتلوهم . وهذا فيه نظرٌ ، بل هو باطلٌ ، وإنّما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى ،
كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَاءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَ هُمَّ﴾ [ غافر:
٢٥] ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [ الأعراف: ١٢٩]،
فالصّحيح أن فرعون إنّما أمر بقتل الغلمان أولًا حذراً من وجود موسى - كما قدمناه (١).
هذا والقدر يقول : يا أيّهاذا الملكُ الجبّار المغرور بكثرة جنوده ، وسلطة بأسه ، واتِّساع سلطانه ،
قد حكم العظيم الذي لا يغالَب ، ولا يمانَع ، ولا تخالَف أقدارُه ، أنّ هذا المولود الذي تحترز منه ، وقد
قتلت بسببه من النفوس ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى ، لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ، ولا يغذّى إلّا
بطعامك ، وشرابك في منزلك ، وأنت الذي تتبنّاه ، وتربيه، وتتعدّاه٢)، ولا تطّلع على سرِّ معناه ، ثم
يكون هلاكُك في دنياك وأخراك على يديه ، لمخالفتك ما جاءك به من الحقِّ المبين ، وتكذيبك ما أُوحِيَ
إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن ربَّ السماوات والأرض هو الفعَّال لما يريدُ ، وأنّه هو القويُّ الشديد ، ذو
البأس العظيم ، والحول ، والقوّة ، والمشيئة التي لا مردّ لها .
وقد ذكر غيرُ واحدٍ من المفسّرين أن القِبْط شكوا إلى فرعون قِلّة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم
الذكور، وخشو(٣) أن تتفانى الكبار مع قتل الصِّغار ، فيصيرون هم الذين يلُون ما كان بنو إسرائيل
يعالجون ، فأمر فرعونُ بقتل الأبناء عاماً وأن يُتركوا عاماً ، فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام
المسامحة عن قتل الأبناء ، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلِهم ، فضاقت أمُّه به ذَرْعاً ، واحترزت
من أوّل ما حَبِلت ، ولم يكن يظهر عليها مخابيل الحبل(٤) ، فلما وضعت أُلهمت أنِ اتخذتْ له تابوتاً ،
فربطته في حبلٍ ، وكانت دارها متاخمة للنيل ، فكانت ترضعه ؛ فإذا خشيت من أحدٍ وضعته في ذلك
التابوت ، وأرسلته في البحر ، وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا ذهبوا استرجعته (٥) إليها به .
قال الله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَ أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَّبِ إِنَّا
فَالْتَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَاْ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ
V
رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
(١) من قوله : وعند أهل الكتاب ... إلى هنا زيادة من ب وط، وقوله: كما قدمناه. ليس في ط.
أي تتجاوزه إلى غيره فتقتل غيره وتُمنع منه . قال ابن منظور : التّعدِّي مجاوزة الشيء إلى غيره . اللسان (عدا).
(٢)
(٣) كذا في ب ، وفي أوط : وخشي .
(٤)
مخابيل الحبل : علاماته ودلائله .
(٥) في ب : استخرجته .

٨
قصة موسى الكليم
وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًّا وَهُمْ
لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: ٧ -٩].
هذا الوحي: وحيُّ إلهام وإرشادٍ كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْحِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿ ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّعَزَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا .. ﴾ الآية [النحل: ٦٨ - ٦٩]، وليس هو بوحي
نبوّةٍ ، كما زعمه ابن حَزْمِ ، وغير واحدٍ من المتكلّمين ، بل الصّحيح الأول ؛ كما حكاه أبو الحسن
الأشعريّ عن أهل (١) السُّنّة والجماعة .
قال السُّهَيلي(٢): واسم أم موسى أيارخا . وقيل: أياذخت . والمقصود أنها أُرشدت إلى هذا الذي
ذكرناه، وأُلقيَ في خَلَدها ورَوْعها أنْ لا تخافي، ولا تحزني ؛ فإنه إنْ ذَهَب فإن الله سيرّه إليك ، وإن
الله سيجعله نبياً مرسلاً يُعلي كلمته في الدنيا والآخرة ، فكانت تصنع ما أَمرت به ، فأرسلته ذاتَ يوم
وذَهَلَتْ أن تربط طرف الحبل عندَها ، فذهبٍ مع النيل ، فمرّ على دارِ فرعون ﴿ فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ ﴾
قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. قال بعضهمُ(٣): هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان
متعلِّقاً بقوله ﴿فَالَْقَطَهُ﴾، وأمّا إن جعل متعلقاً بمضمون الكلام، وهو أنَّ آل فرعون قُيِّضوا لالتقاطه
ليكونَ لهم عدوّاً وحزَناً ، صارت اللاّم معلِّلةً كغيرها، والله أعلم . ويقوّي هذا التقدير(٤) الثاني قوله :
﴿﴿ إِنَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ ؛ أي: هم أهلٌ لهذا التقييض ليكون أبلغ في
إهانتهم، وأقوى في حسرتهم ؛ أن يربّوا عدوَهم في دارهم. ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا إِنَّ
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ﴾(٥). وهو الوزير السَّوْء ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ المتابعين لهما ﴿كَانُواْ خَاطِينَ﴾؛ أي
كانوا على خلاف الصّواب ، فاستحقّوا هذه العقوبة والحسرة .
وذكر المفسّرون(٦) : أنّ الجواري التقطْنه من البحر في تابوتٍ مغلق عليه ، فلم يتجاسرْنَ على فتحه
حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عُبَيْد بن الرَّيَّان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في
زمن يوسف ، وقيل : إنّها كانت من بني إسرائيل من سِبط موسى ، وقيل : بل كانت عمته . حكاه
السُّهيلي(٧) ، فالله أعلم .
(١) في ب : عن مذهب أهل .
في التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام ( مخطوط ) الورقة (٤٦).
(٢)
(٣)
كأبي حيان في البحر المحيط (١٠٥/٧)، والزمخشري في الكشاف (١٦٦/٣).
(٤)
ليست في ب .
من قوله : إن فرعون وهامان وجنودهما .. إلى قوله : ... عدواً وحزناً. سقط من ط.
(٥)
(٦)
كالطبري في : تفسيره ( ٢٠/ ٢١ ).
(٧) التعريف والإعلام الورقة (٤٦).

٩
قصة موسى الكليم
وسيأتي مدحُها والثناءُ عليها في قصّة مريمَ بنتِ عمران ، وأنّهما يكونان يوم القيامة من أزواجٍ
رسولِ اللهِ مََّ في الجنَّةَ. فلما فتحتِ الباب ، وكشفت الحجاب ، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار
النبويّة ، والجلالة الموسويّة ، فلمّا رأته ووقع نظرها عليه أحبَّته حبّاً شديداً جداً، فلما جاء فرعونُ قال :
ما هذا؟ وأمَرَ بذبحه، فاستوهبته منه، ودفعت عنه ﴿ وَقَالَتِ .. . قُرَّتُ عَيْنٍ لِّ وَلَكَ﴾، فقال لها فرعون :
أمّا لكِ فنعم ، وأمَّا لي فلا، أي: لا حاجة لي به. والبلاءُ مُؤَكَّلٌ بالمنطِقِ(١) .
وقولها: ﴿ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ﴾، وقد أنالها الله ما رَجَت منه من النفع، أَمّا في الدُّنيا فهداها الله به،
وأمّا في الآخرة فأسكنها جنته بسببه ، ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ وذلك أنّهما تبنّياه لأنه لم يكن يولد لها٢) ولد.
قال الله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم أَنْ قيّضهم لالتقاطه من
النقمة العظيمة بفرعون وجنوده(٣). ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِّقًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى
قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٤) ﴾وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ
اُلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ (١) فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا
وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٠ - ١٣].
قال ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة(٤)، وسعيد بن جُبير، وأبو عُبيدة ، والحسنُ(٥)، وقتادة ،
(١) قطعة من حديث جرى مجرى المثل، ذكره السخاوي في (( المقاصد الحسنة)) ص (١٤٧ - ١٤٨) وأطال الكلام
عليه ، والسيوطي في الجامع الصغير (٤٣٥/١).
وأورده أبو عبيد ( ٧٥) بلفظ: ((البلاء موكل بالقول)). وهو في: الفاخر (٢٣٥) وجمهرة الأمثال (١/ ٢٠٧)
وفصل المقال (٩٥) والمستقصى (٣٠٥/١) ومجمع الأمثال (١٧/١) ونهاية الأرب (٣٠٨/١٦) وتمثال
الأمثال (٢٦٣/١).
- وهو يضرب في كلمة يتكلم بها الرجل فتكون باعثة للبلاء . وأوله: (( ما من طامة إلا وفوقها طامة . والبلاء .. ))
وهو حديث ضعيف .
- وقد اختلف فيمن هو قائله ، فذكر صاحب الفاخر ، وعنه أخذ الميداني أن أبا بكر - رضي الله عنه - أول من قاله ،
عندما عرض النبي ◌َّر نفسه على وفد ربيعة، وأخذ أبو بكر يسألهم عن أنسابهم ، ونسبه في الجمهرة إلى الرسول
- - -
وقد نظمه بعضهم في بيت شعر فقال :
احفظ لسانك أن تقول فتُبتلى
(٢) كذا في أ . وفي ب ، وط : لهما .
إن البلاء موكل بالمنطق
(٣) زاد فى ب : وعند أهل الكتاب أن التي التقطت موسى وربته ابنة فرعون . وليس لامرأته ذكر بالكلية . وهذا في
غلطهم على كتاب الله عز وجل .
(٤) هو عكرمة البربري .
(٥) إذا أطلق الحسن فهو الحسن بن يسار البصري .

١٠
قصة موسى الكلیم
والضحّاك، وغيرهم ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىْ فَرًِّا﴾ أي: من كلِّ شيءٍ من أمور الدنيا إلّ من موسى
﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ،﴾ أي: لتظهر أمرَه وتسأل عنه جهرةً، ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ﴾ أي :
صَبّرِناها وثبّتناها ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقالت لأخته، وهي ابنتها الكبيرة: ﴿قُضِيَةِ﴾ أي:
أَتَّبعي أثره واطلبي لي(١) خبره ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُبٍ﴾ قال مجاهد: عن بُعدٍ . وقال قتادة : جَعَلَتْ تنظر
إليه وكأنّها لا تريده ؛ ولهذا قال: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقرَّ بدار
فرعون أرادوا أن يغذّوه برضاعةٍ ، فلم يقبل ثدياً ، ولا أخذ طعاماً ، فحاروا في أمره ، واجتهدوا على
تغذيته بكل ممكن ، فلم يفعل، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾، فأرسلوه مع
القوابل والنساء إلى السوق لعلّ يجدون من يوافق رضاعته ، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه ؛ إذ
بصُرت به أخته فلم تُظْهِرْ أنها تعرفه، بل قالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُلَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾.
قال ابن عباس : لمّا قالت ذلك قالوا لها : ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه ؟ فقالت : رغبة في صهر
الملك (٢)، ورجاء منفعته. فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمّه ، فلمّا أرضعته التقم ثديها
وأخذ يمتصه ويرتضعه ، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً ، وذهب البشير إلى آسية يُعلمها بذلك ، فاستدعتها
إلى منزلها ، وعرضت عليها أن تكون عندها ، وأن تحسن إليها ، فأبت عليها ، وقالت : إن لي بعلاً
وأولاداً ، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي ، فأرسلته معها ، ورتَّبت لها رواتب ، وأجرت عليها
النفقات، والكس(٣)، والهبات فرجعت به تحوزة(٤) إلى رحلها ، وقد جمع الله شمله بشملها .
قال الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَنْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌ﴾، أي :
كما وعدناها بردِّه ورسالته، فهذا ردُّه، وهو دليل على صدق البشارة برسالته ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلَّمه(٥) فقال له فيما قال له: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٦) إِذْأَ وَحَيْنَآ
إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ ◌ِجَ أَنِ آَقْذِ فِيهِ فِ الثَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِ الْيَمِّ فَلْيُلْفِهِ اَلْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوٌّ لَّمْ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنّى(٦)
وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيّ﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩]، إذ قال قتادة، وغير واحد من السَّلف (٧): أي تُطْعَم وتُرفّه وتُغذى
(١) في ب : واطلعي . وفي ط : واطلبي له .
في تاريخ الطبري (٣٩٤/١) . ورغبتهم في ظؤورة الملك .
(٢)
(٣) في أصولنا : والكساوي ، وهو خطأ . فالكساء جمعه : أكسية وهو اللباس . والكُسْوَة : الثوب يستتر به ويتحلى ،
وجمعه : كُساً . أما النسبة إلى الكساء فهي : كِساويّ ، ولا مكان لها هنا .
(٤) تحوزه : تضمه .
في ب : وقد امتن الله تعالى بهذا على موسى ليلة كلمه ...
(٥)
(٦) زاد في ب : وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه .
(٧) كابن زيد، وابن جريج، وأبي نُهيك. كما في تفسير الطبري (١٦/ ١٢٣).

١١
قصة موسی الکلیم
بأطيب المآكل ، وتلبس أحسن الملابس(١) بمرأىّ مني، وذلك كلّه بحفظي وكلاءتي لك فيما صنعت بك
ولك ، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري ﴿ إِذْ تَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُّةٌ.
فَرَجَعْنَكَ(٢) إِلَى أُمِّكَ كَتْ نَفَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَتَلْتَ نَفْسَا فَنَجَِّنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَتَّكَ فُونًا﴾ [ طه: ٤٠]، وسنورد حديث
الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان .
﴿ وَلَّا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَأَسْتَوَىّ ◌َانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِمَاً وَكَذَلِكَ نَجْزِىِ الْمُحْسِنِينَ (١) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا
فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوّه فَاسْتَغَتَهُ الَّذِى مِن شِيعَنِهِ، عَلَى الَّذِىِ مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَمُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيّْةٍ.
قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُّ مُّبِينٌ (١٦) قَالَ رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (!
قَالَ رَبٍ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ [ القصص: ١٤ - ١٧].
لما ذكر تعالى أنّه أنعم على أمّه بردّه(٣) لها ، وإحسانه بذلك، وامتنانه عليها ، شرع في ذكر أنه لما
بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىَ﴾ وهو احتكامُ(٤) الخَلْقِ والخُلُق، وهو سنّ الأربعين في قول الأكثرين ، آتاه الله
حكماً وعلماً، وهو النبوّة والرسالة التي كان بَشَّر بها أمّه حين قال: ﴿ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. ثم شرع في ذِكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مَدين،
وإقامته هنالك حتى كمل الأجل ، وانقضى الأمد(٥) ، وكان ما كان من كلام الله له ، وإكرامه بما أكرمه
به، كما سيأتي. فقال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾. قال ابن عبّاس ، وسعيد بن
جُبير ، وعِكْرمة ، وقَتادة، والسُّدِّي(٦) : وذلك نصف النهار .
وعن ابن عبّاس: بين العشاءين ﴿فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ﴾ أي: يتضاربان ويتهاوشان ﴿ هَذَا مِنْ
شِيَتِهِ،﴾ أي: إسْرائيلي ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّوَّةٌ﴾ أي: قبطي. قاله ابن عبّاس، وقتادة ، والسّدّي،
ومحمد بن إسحاق. ﴿فَاسْتَغَتَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، ﴾ وذلك أن موسى عليه السلام كانت له
بديار مِصْرَ صَولةٌ بسبب نسبته إلى تبنِّي فرعون له ، وتربيته في بيته ، وكانت بنو إسرائيل قد عزّوا وصارت
لهم وجاهةٌ ، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنّهم أرضعوه وهم أخواله ، أي : من الرَّضاعة .
فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى ﴿ فَوَكَزَهُ﴾ . قال
(١) في ب : أشرف الملابس.
(٢) في الأصل: فرددناك. وهو سهو، التبس بقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا ... ) الآية: [ القصص: ١٣].
(٣)
في ب : بوصالها .
(٤)
في ب : إحكام .
(٥)
في ب : الأمل .
(٦) تفسير الطبري (٢٩/٢٠).

١٢
قصة موسى الكليم
مجاهد(١) : أي: طعنه بجُمع كفِّه . وقال قتادة : بعصاً كانت معه، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ، أي : فمات منها.
وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم ، ولم يُرِدْ موسى قتله بالكلّية ، وإنما أراد زَجْره
وردْعَه ، ومع هذا قال موسى: ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌ مُّبِينٌ (١٦) قَالَ رَبِّ إِنِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ
فَغَفَرَ لَهُ، إِنَّهُمْ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ أي: مِن العزِّ والجاه ﴿فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا
لِلْمُجْرِمِينَ ﴿ فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَيِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىّ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ (3) فَلَآ أَنْ
أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَىَ أَتْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمَسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَّارَا فِ الْأَرْضِ وَمَا
تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٦) وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْعَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىّ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَاخْرُجْ إِّى لَكَ مِنَ
النَّصِحِين ◌ِث ◌َفَرَجَ مِنْهَا خَبِفًا يَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَِّ مِنَ الْقَوْمِ اَلِّمِينَ﴾ [ القصص: ١٨ -٢١].
يخبر تعالى أنّ موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً ، أي : من فرعون ومَلَئِهِ أن يعلموا أنَّ هذا القتيل الذي
رُفِع إليه أمرُه إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل ، فتقوى ظنونهم أنّ موسى منهم ، ويترتَّب
على ذلك أمرٌ عظيم ، فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم ﴿ خَبِفًا يَتَرَقَّبٌ﴾ أي: يتلفّتُ(٢)،
فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه ، أي : يصرخ به ويستغيثه
على آخر قد قاتله ، فعنََّه موسى، ولامه على كثرة شرّه ومخاصمته ، قال له: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ﴾ ، ثم
أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدوٌ لموسى وللإسرائيلي فيردعه عنه ، ويخلّصه منه ، فلما عزم على
ذلك؛ وأقبل على القبطي ﴿ قَالَ يَمُوسَىَ أَقْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَثَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِ الْأَرْضِ وَمَا
تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾.
قال بعضهم : إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس ، وكأنّه لما
رأى موسى مقبلاً إلى القبطي اعتقد أنّه جاء إليه لمّا عنَّفَه قبل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُِيرٌ﴾، فقال
ما قال لموسى ، وأظهر الأمرَ الذي كان وقع بالأمس ، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون ، وهذا
الذي لم يذكر كثيرٌ من النّاس سواه . ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي ، وأنه لما رآه مقبلاً إليه خافه ، ورأى
من سجيّته انتصاراً جيداً للإسرائيلي ، فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعلّه قاتل ذاك القتيل
بالأمس ، أو لعلّه فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دلّه على هذا . والله أعلم .
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس ، فأرسل في طلبه ، وسبقهم رجلٌ
ناصحٌ من طريق أقرب، وجاءه من أقصى المدينة ساعياً إليه مشفقاً عليه، فقال: ﴿يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ
(١) في تفسيره : (١/ ٤٨٢). وقول ابن كثير : أي طعنه . لم يرد فيه ، وعنده : بجميع كفه ، والذي عند الطبري
(٢٠/ ٣٠): بجمع كفه .
(٢) في ط : يلتفت .

١٣
قصة موسى الکلیم
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ﴾ أي: من هذه البلدةُ(١) ﴿ إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾، أي: فيما أقوله لك.
قال الله تعالى: ﴿ فَجَ مِنْهَا خَبِفًا يَتَرَقَّبُّ﴾، أي: فخرج من مدينة مِصْرَ من فوره على وجهه ،
لا يهتدي إلى طريقٍ ولا يعرفه قائلاً: ﴿رَبِّ نَحْنِى مِنَ الْقَوْمِ اَلَّالِمِينَ (٢) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبّ أَنْ
يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتٍ
قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الْزِّعَاء(٢) وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿ فَسَقَى لَهُمَا نُمَّ تَوَلَّى إِلَى اَلِظِلِ فَقَالَ رَبِّ إِنِّ
لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ ﴾ [ القصص: ٢١ -٢٤].
يخبر تعالى عن خروج(٣) عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقّب ؛ أي : يتلفّت خشية أن يدركه
أحدٌ من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجَّه ، ولا إلى أين يذهب ، وذلك لأنّه لم يخرج من مصر قبلها.
﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: اتجه له طريقٌ يذهب فيه ﴿ قَالَ عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾.
أي : عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود ، وكذا وقع، أوصلته(٤) إلى مقصودٍ ، وأي
مقصود .
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وكانت بئراً يستقون منها، ومَدْيَنُ(٥) هي المدينة التي أهلك الله فيها
أصحاب الأيكة ، وهم قوم شعيب ، عليه السَّلام ، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السَّلام في أحد
قولي العلماء٦)، ولما ورد الماء المذكور ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةُ مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ
تَذُودَاتٍ﴾ أي: تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم النَّاس(٧). ﴿ قَالَ مَا خَطِبُكُمَا قَالَنَا لَا نَسْقِى حَتَّ بُصْدِرَ الرِّعَاءُ
قوله : أي : من هذه البلدة . زيادة في ب ، وط .
(١)
الرعاء ، بكسر الراء المهملة : جمع راع، ويجمع أيضاً على رُعاة، ورُعيان. تفسير الطبري (٢٠/ ٣٦).
(٢)
(٣)
ليست في ب .
في ب : ووصلته .
(٤)
مدين : على بحر القلزم ( الأحمر ) محاذية لتبوك على نحو ست مراحل ، وبها البئر التي استقى منها موسى عليه
(٥)
السلام للسائمة .
(٦) وهو قول ابن عبّاس وقتادة، وقد نقله المؤلف عن تفسير الطبري (٣٥/٢٠) بتصرف.
وأما القول الثاني فقد قال الطبري في تفسيره (٣٤/٢٠): وقوله : ( عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) يقول :
عسى ربي أن يبين لي قصد السبيل إلى مدين ، وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها ، وذُكر أن الله قيض له
إذ قال : ( رب نجني من القوم الظالمين ) فهيأ الله الطريق إلى مدين ، فخرج من مصر بلا زاد ولا حذاء ولا ظهر
ولا درهم ولا رغيف خائفاً يترقب حتى وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين .
(٧) زاد في ب : وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات ، وهذا أيضاً من الغلط ، ولعله كان له سبع ، وإنما كان يستقي
منهن اثنتان ، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظاً ، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى اثنتين .
وزاد مثل هذا في ط ، وفيهما :.. الغلط وكأنه كُنَّ سبعاً ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن .. سوى بنتان. وواضح
في هذه الزيادة الضعف والخطأ .

١٤
قصة موسى الكليم
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ أي: لا نقدر على ورد الماء إلَّا بعد صدور الرِّعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه
الرغية ضعف أبينا وكبره . قال الله تعالى: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا﴾.
قال المفسرون(١) : وذلك أن الرِّعاء كانوا إذا فرغوا من وِردهم وضعوا على فم البئر صخرةٌ عظيمةٌ ،
فتجيء هاتان المرأتان ، فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس . فلما كان ذلك اليوم ، جاء موسى ،
فرفع تلك الصخرة وحدَه ، ثم استقى لهماوسقى غنمهما ، ثم ردَّ الحجر كما كان .
قال أمير المؤمنين عمر(٢): وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذَنُوبا٣ً) واحداً فكفاهما . ثمّ
تولّى إلى الظلِّ، قالوا: وكان ظلّ شجرة من السَّمُرِ(٤).
روى ابن جرير(٥)، عن ابن مسعود ؛ أنه رآها خضراء ترفّ(٦) ﴿فَقَالَ رَبٍ إِنِِّ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ﴾ .
قال ابن عبّاس : سار من مصر إلى مَدْيَن لم يأكل إلا البقل وورق الشجر ، وكان حافياً فسقطت نعلا
قدميه (٧) من الحفاء ، وجلس في الظُّل ، وهو صفوة الله من خلقه ، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع ،
وإنّ خُضْرَةَ البقل لتُرى من داخل جوفه ، وإنّه لمحتاج إلى شقِّ تمرة .
قال عطاء بن السَّائب : لما قال ﴿رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنَزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أسمع المرأة ﴿ لَاءَتَهُ إِحْدَمَهُمَا
تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَفَيْتَ لَنَأَ فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفّْ
نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ قَالَتْ إِحْدَنُهُمَا يَكَأَبَتِ اسْتَعْجِرَةٌ إِّ خَيْرَ مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ ( قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ
أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّ هَنتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَتَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَلَىِّ وَاَللَّهُ عَلَى مَا
نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: ٢٥ -٢٨].
لَمَّا جلس موسى عليه السَّلام في الظلِّ، وقال ﴿ رَبِّ إِنِِّ لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ سمعته
(١) كالطبري (٣٧/٢٠)، والقرطبي (٢٦٩/١٣) والزمخشري (١٧٠/٣).
(٢) ساق المؤلف هذا الخبر هنا باختصار وبالمعنى، ولكنه ساقه بتمامه في تفسيره (٣٨٣/٣).
(٣)
الذنوب : الدلو .
السمر ، بفتح السين وضم الميم : ضرب في شجر الطلح ، واحدته : سَمُرة .
(٤)
(٥)
في تفسيره ( ٢٠/ ٣٧) وذكر الخبر فيه بسياق أطول من هذا .
(٦) يقال: رفّ لونه يرفُّ، بالكسر، رفاً ورفيفاً، بَرَقَ وتلألأ، اللسان (رفف ).
(٧) أورد الخبر المؤلف في تفسيره ( ٣٨٣/٣ - ٣٨٤) وفيه :... وكان حافياً، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل
قدميه وجلس في الظل ... وإن بطنه للاصق .

١٥
قصة موسی الکلیم
المرأتان(١) - فيما قيل - فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنّه استنكر سرعة رجوعهما ، فأخبرتاه ما كان من أمر
موسى عليه السَّلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه ﴿فَجَاءَتَهُ إِحْدَهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ ﴾ ، أي :
مَشْيَ الحرائِرِ ، قالت: ﴿ إِنَّ أَبِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَأَ﴾ صرَّحت له بهذا لئلاّ يوهم كلامُها
ريبةً. وهذا من تمام حيائها وصيانتها. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ اُلْقَصَصَ﴾ وأخبره خبره ، وما كان من
أمره في خروجه من بلاد مِصْرَ فراراً من فرعونها ﴿قالَ لَهُ﴾ ذلك الشيخ: ﴿لَا تَخَفّْ نَجَوَتَ مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾، أي : خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم .
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو ؟ فقيل: هو شعيبٌ عليه السَّلام، وهذا هو المشهور عند كثيرين (٢).
وممَّن نصّ عليه: الحسن البصري، ومالك بن أنس . وجاء مصرحاً به في حديث (٣) ، ولكن في إسناده نظر.
وصرّح طائفةٌ بأن شعيباً عليه السلام عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام
وتزوَّج بابنته(٤) .
وروى ابن أبي حاتم وغيره ، عن الحسن البصري ، أن صاحب موسى عليه السَّلام هذا اسمه
شعيب ، وكان سيّد الماء ، ولكن ليس بالنَّبِيِّ صاحب مَذْيَن .
وقيل : إنّه ابن أخي شعيب .
وقيل : ابن عمه .
وقيل : رجل مؤمن من قوم شعيب .
وقيل : رجل اسمه يثرون ، هكذا هو في كتب أهل الكتاب : يثرون كاهن مَدْين ؛ أي : كبيرها
وعالمها . قال ابن عبّاس وأبو عُبَيْدة بن عبد الله: اسمه بترونُ(٥) . زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي
شعيب . زاد ابن عبّاس : صاحب مَدينٌ
(١) قال السُّهيلي في التعريف والإعلام الورقة (٤٦): هما صَفُوريَا ولَيا ابنتا بترون ، وبتّرون هو شعيب ، وقيل : ابن
أخي شعيب وأن شعيباً كان قد مات ، وأكثر المفسرين على أنهما ابنتا شعيب وقال بعضهم : ليستا ابنتي شعيب ،
وهو الصواب .
(٢) في ب: الأكثرين، وقد أورد المؤلف هذه الأقوال في تفسيره (٣/ ٤٨٣).
(٣) وقد ساقه المؤلف في تفسيره ( ٤٨٣/٣) من رواية الطبراني ( وهو في معجمه الكبير ٦٣٦٤) عن سلمة بن سعد
العنزي أنه وفد على رسول الله - وَ ل ور - فقال: ((مرحباً بقوم شعيب وأختان موسى)).
(٤) وهي ابنته صَفْوريًا كما ذكر السهيلي في التعريف والإعلام الورقة (٤٧) وزاد: وهي أهله التي قال [ الله تعالى ]
فيها : ﴿ إِذْرَءَانَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ آَمْكُتُواْ﴾ [ طه: ١٠].
(٥) في أصولنا يثرون . وفي تاريخ الطبري (٣٨٥/١): يترون، وكلاهما مصحف ، والتصويب من التعريف
والإعلام : للسهيلي الورقة ( ٤٦).
(٦) ما قاله ابن عباس رضي الله عنه : الذي استأجر موسى يثربي صاحب مدين كما أورده ابن كثير في تفسيره =

١٦
قصة موسى الکلیم
والمقصود أنّه لما أضافه، وأكرم مثواه ، وقصَّ عليه ما كان من أمره ، بشَّره بأنّه قد نجا ، فعند ذلك
قالت إحدى البنتين لأبيها : ﴿يَأَبَتِ أُسْتَفْجِرَةٌ﴾، أي : لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قويٌّ أمينٌ .
قال عَمْرو (١) وابن عبّاس ، وشريح القاضي ، وأبو مالك ، وقتادة ، ومحمد بن إسحاق ، وغير
واحد : لمّا قالت ذلك قال لها أبوها : وما علمك بهذا؟ فقالت : إنّه رفع صخرةً لا يطيق رفعها إلا
عشرة . وإنّه لما جئت معه تقدمتُ أمامه ، فقال: كوني من ورائي ، فإذا اختلفت الطريق فاحذ في(٢) لي
بحصاةٍ أعلم بها كيف الطريق .
قال ابن مسعود : أفرسُ النَّاس ثلاثة: صاحب يُوسف حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾
[ يوسف: ٢١]. وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَأَبَّتِ أُسْتَشْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَشْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾.
وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطّاب(٣).
قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَنَّيْنِ عَلَىَ أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ ﴾.
استدلّ بهذا جماعةٌ من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحّة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو
الثوبين، ونحو ذلك أنّه يصحُ لقوله: ﴿ إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَاتَّيْنِ﴾. وفي هذا نظر؛ لأنّ هذه مُراوضةٌ
لا معاقدةٌ . والله أعلم .
واستدلّ أصحابُ أحمد على صحّة الإيجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة ، واستأنسوا
بالحديث الذي رواه ابن ماجه في (( سننه )) مترجماً عليه كتابه(٤) : باب استئجار الأجير على طعام بطنه .
حدثنا محمد بن مصفّى (٥) الحمصي ، حدثنا بقيّة بن الوليد ، عن مَسْلَمة بن علي ، عن سعيد بن
أبي أيوب ، عن الحارث بن يزيد، عن عُلَي بن رباح قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر(١) يقول: كُنَّا عند
(٣٨٥/٣). والخبر ذكره الطبري في تفسيره ( ٢٠/ ٤٠)، وفيه : يثري.
=
(١) في أصولنا، وتفسيره : عمرو ابن عباس، وعمرو هو ابن ميمون . وقد أورد قوله الطبري في تفسيره :
(٤١/٢٠)، مع بقية الأقوال.
(٢) الحذف : الرمي عن جانب .
هو في تفسير المؤلف ( ٣٨٥/٣).
(٣)
في ب : مترجماً عليه في باب استئجار .. وفي ط : ... مترجماً في كتابه ...
(٤)
في أصولنا : ابن الصفي وهو سهو ، ومحمد بن مصفى بن بُهلول ، الحمصي القرشي ، قال فيه ابن حجر في
(٥)
التقريب: صدوق ، له أوهام، وكان يدلس (٢٠٨/٢) .
(٦) في ط: ابن الدر وهو تحريف. وعتبة بن النُّدَّر، بضم النون ، وتشديد الدال المهملة المفتوحة . صحابي شامي ،
توفي سنة ( ٨٤ هـ) . مترجم في سير أعلام النبلاء ( ٤١٧/٣) ومصادر ترجمته ثمة .

١٧
قصة موسى الكليم
رسول الله ◌َّةِ فقرأ ﴿طس﴾ حتى إذا بلغ قصة موسى قال: ((إنَّ موسى عليه السَّلام أجَرَ نفسه ثماني سنين
أو عشرة١) على عِقَّةِ فَرْجِهِ وطعام بطنهٍ(٢) )).
وهذا من هذا الوجه لا يصح ؛ لأن مَسْلَمة بن عُلي الخشني(٣) الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمّةِ
لا يحتج بتفرّده(٤) ولكن قد روي من وجهٍ آخر .
وقال ابن أبي حاتم :
حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدّثني ابن لَهِيعة. (ح )٥)، وحدّثنا
أبو زرعة ، حدّثنا صفوان ، حدّثنا الوليد ، حدّثنا عبد الله بن لَهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ،
عن عُلَي بن رَباحِ اللَّخْمي، قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر السّلمي صاحب رسول الله وَّه يحدِّث أن
رسول الله قال: ((إنَّ مُوسَى عليه السلام أجرَ نَفْسَه لِعِفةِ فَرْجِهِ وَطعْمَةِ بَطْنِهِ )(٦) .
ثم قال تعالى ﴿ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَلَىِّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾
[ القصص: ٢٨]. يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت (٧) فلا عدوان عليّ،
والله على مقالتنا سامع ، ومشاهد ، ووكيل عَليَّ وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكملَ الأجلين
وأتمّهما ، وهو العشر سنين كوامل تامّة .
قال البخاري : حذَّثنا محمد بن عبد الرَّحيم ، حدثنا سعيد بن سُليمان ، حدّثنا مروان بن شجاع ، عن
سالم الأفْطس ، عن سعيد بن جُبير ، قال : سألني يَهودي من أهل الخِيْرةِ : أيّ الأجلين قضى موسى ؟
فقلت : لا أدري حتى أقدم على حَبرِ العرب فأسأله ، فقدمتُ ، فسألت ابنَ عبَّاس ، فقال : قَضَى أكثرَهما
وأطيبهما ، إن رسول الله إذا قال فعلٌ(٨). تفرّد به البخاري من هذا الوجه.
(١) في سنن ابن ماجه: أو عشراً .
(٢) سنن ابن ماجه رقم (٢٤٤٤) في الرهون: باب إجارة الأجير على طعام بطنه ، وإسناده ضعيف .
(٣) في أصولنا : الحسني وهو تصحيف ، والخُشَني ، بضم الخاء ، وفتح الشين المعجمتين ، كما ضبطه ابن حجر
وقال : متروك . التقريب (٢٤٩/٢) . وقال ابن حبَّان : كان ممن يقلب الأسانيد ، ويروي عن الثقات ما ليس من
أحاديثهم توهمّاً ، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به . المجروحين ( ٣٣/٣).
(٤) وفي إسناده أيضاً بقية بن الوليد وهو ضعيف ، أيضاً قالوا فيه : احذر أحاديث بقية ، وكن منها على تقية ، فإنها غير
نقية . الأمصار ذوات الآثار ، للذهبي ص (٣٦ - ٣٧).
(٥) علامة التحويل هذه في السند لم ترد في النسخة ب .
(٦) وهذه الرواية ضعيفة أيضاً في سندها عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف عند التفرد ، وفي غير رواية العبادلة عنه ، كما في
تحریر التقريب (٢٥٨/٢) .
(٧) من قوله: واللهُ على ... إلى قوله: فأيهما قضيت. سقط من ب، بنقلة عين.
(٨) رواه البخاري في الشهادات (٢٦٨٤).

١٨
قصة موسی الکلیم
وقد رواه النسائي في حديث الفتون - كما سيأتي - من طريق القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن
جبير (١) .
وقد رواه ابن جرير (٢) عن أحمد (٣) بن محمد الطُّوسي ، وابن أبي حاتم عن أبيه ، كلاهما عن
الحُميدي ، عن سفيان بن عيينة ، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب ، عن الحكم بن أبان ، عن
عكرمة، عن ابن عبّاس: أن رسول الله بَّهَ قال: ((سألتُ جِبْرِيْلَ: أَّ الأَجَلَيْن قَضَى مُؤْسَى؟ قَالَ:
أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلَهُما)(٤) . وإبراهيم هذا غير معروف إلّ بهذا الحديث .
وقد رواه البزّار عن أحمد بن أبان القرشي ، عن سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن أعين ، عن
الحاكم بن أَبَان، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، عن النَّبِّ ◌ِ﴿٥) فذكره .
وقد رواه سُنيد ، عن حجّاج ، عن ابن جُريج ، عن مُجاهدٍ مرسلاً ، أن رسول الله سأل عن ذلك
جبريلَ ، فسأل جبريلُ إسرافيلَ، فسأل إسرافيلُ الربَّ عَزَّ وجلَّ فقال: ((أبرّهما وأوفاهما)).
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مُرسلاً .
ورواه ابن جرير(٦) من طريق محمد بن كعب أن رسول الله مح له سُئِل: أيَّ الأجلين قضى موسى ؟
قال : أوفاهما وأتمّهما .
وقد رواه البزّار وابن أبي حاتم من حديث عُوْبَد(٧) بن أبي عمران الجَوْني، وهو ضعيف عن أبيه ، عن
عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذَرِّ، أن رسول الله وَ له سُئِل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: (( أوفاهما
(١) رواه النسائي في السنن الكبرى ( ١١٣٢٦).
(٢) في تفسيره (٢٠/ ٤٤)، ولهذا الخبر روايات أخرى عنده.
(٣) في أوب. محمد بن محمد الطوسي. وهو تحريف لأنه متوفى سنة (٣٤٤) هـ. الأنساب (٨/ ٣٦٤ - ٣٦٥) أي
عقب وفاة الطبري . والصواب ما جاء في ط ، وهو كذلك عند الطبري وعند المؤلف في تفسيره ( ٣٨٦/٣) وهو
الذي أثبتناه . وأحمد بن محمد الطوسي توفي سنة (٢٤٨)هـ .
في أ : أو أكملها . والصواب ما جاء في ب وط وهو ما أثبتناه ، وهو موافق لما في تفسير الطبري .
(٤)
(٥) في ب: أن رسول الله وَ ل﴿ قال: سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟ ... فذكره، وفي سنده إبراهيم بن
أعين ، ضعيف .
(٦) في تفسيره (٢٠/ ٤٤).
في ب : عوف ، وهو تحريف ، وعند المؤلف في تفسيره ( ٣٨٦/٣) : عويذ . وكذلك في التاريخ الصغير
(٧)
للبخاري (٢٠٥/٢)، والكبير (٧/ الترجمة ٤١٣)، وما أثبتاه هو الصواب كما جاء في تهذيب الكمال
(٢٩٩/١٨)، والضعفاء للنسائي (٤٦٥)، والضعفاء الصغير للبخاري (الترجمة ٢٩٠)، وميزان الاعتدال للذهبي
(٣٠٤/٣)، وهو كذلك بخطه في النسخة الخطية من (( الميزان)).

١٩
قصة موسی الکلیم
وأبرّهما)). قال : وإن سُئِلتَ : أيَّ المرأتين تزوّج؟ فقل : الصغرى منهما١) .
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم ، من طريق عبد الله بن لَهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن
عُلَيّ بن رَباح ، عن عُتبة بن النُّدَّر، أن رسول الله قال: ((إِنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَه بِعِقَّةٍ فَرْجِهِ وَطَعامٍ بَطْنِهِ ))
فلمّا وفّى الأجل ، قيل: يا رسول الله أيَّ الأجلين؟ قال: ((أبرّهما وأوفاهما)) . فلما أراد فراق شعيب
سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون(٢)
من وُلْدِ ذلك العام ، وكانت غنمه سوداً حساناً ، فانطلق موسى عليه السَّلام إلى عصا قسمها من طرفها ،
ثمّ وضعها في أدنى الحوض ، ثمّ أوردها فسقاها ، ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها
شاةٌ إلا ضرب جنبها شاةً شاةً ، قال فأتأمت وألبنت(٣) ووضعت كلّها قوالب ألوان ، إلا شاةً أو شاتين،
ليس فيها فَشُوش ولا ضَبُوب ولا عَزُوز ولا ثَعُول، ولا كَمْشَةُ(٤) تفوت الكف، قال النبي ◌َّ: لو
اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السّامرية .
قال ابن لهيعة: الفَشُوش: واسعة الشَّخْب(٥)، والضَّبوب: طويلة الضَّرع تجرُ(٦). والعَزُوز:
ضيِّقة الشخب(٧). والثَّعُول: الصغيرة الضَّرع كالحلمتينُ(٨). والكَمْشة: التي لا يحكم الكفُّ على
ضرعها لصغره(٩) .
وفي صحّة رفع هذا الحديث نظر . وقد يكون موقوفاً كما قال ابن جرير ؛ حدثنا محمد بن المثنى ،
حدّثنا مُعاذ بن هشام ، حدّثنا أبي، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك قال : لما دعا نبيُّ الله موسى صاحبَه
(١) وهو مخالف لما ذكره السهيلي في التعريف والإعلام . الورقة ص (٤٧) من أن موسى عليه السلام تزوج صَغُوريَا
وهي الكبرى .
(٢) قالب لون: قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٩٧) تفسيره في الحديث: أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها ، كأن لونها
قد انقلب .
(٣) في ط وأ: فأتمأت وآنثت. وفي ب: فأنمت وأنبتت. وأثبتنا رواية التفسير (٣٨٧/٣).
(٤)
في ط : ولا كموش . وفي تفسيره : ولا كميشة، والكموش والكمشة بمعنى.
(٥) الشخب : ما خرج من الضرع من اللبن إذا احتُلب . وعبارة النهاية في غريب الحديث ( ٤٤٨/٣): وهي التي
ينفشُّ لبنها من غير حلب ؛ أي : يجري ، وذلك لِسَعة الإحليل . ومثله في اللسان ( فش ) .
(٦) وكذلك قال في تفسيره . والذي في النهاية (٣/ ٧٠): الضّبوب: الضيقة ثقب الإحليل. ومثله في اللسان
( ضبب ) .
(٧) وفي النهاية (٢٢٩/٣): والعزوز : الشاة البكيئة القليلة اللبن الضيقة الإحليل.
عبارته في التفسير ( ٣٨٧/٣): التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين. وفي النهاية (٢١٢/١): الثعول : الشاة
(٨)
التي لها زيادة حَلمة ، وهو عيب .
(٩) وفي النهاية (٤/ ٢٠٠) : الكموش : الصغيرة الضرع؛ سميت بذلك الانكماش ضرعها؛ وهو تقلصه . ومثله في
اللسان ( كمش ) .

٢٠
قصة موسى الكليم
إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبُه : كلّ شاةٍ ولدت على غير لونها فلك ولدها ، فعمد فوضع خيالاً
على الماء ، فلما رأت الخيال فزعت ، فجالت جولة ، فولدت كلهن بلقاً إلا شاةً واحدةً ، فذهب
بأولادهن ذلك العام . وهذا إسناد رجاله ثقات . والله أعلم .
وقد تقدّم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنّه أطلق له ما يولد من
غنمه بُلقاً ، ففعلَ نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام . فالله أعلم .
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الُْطُورِ نَارًّا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُتُواْ إِّ ◌َانَسْتُ نَارًا لَعَلَّ ءَاتِكُمْ
فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطٍِ الْوَادِ الْأَتَّمَنِ فىِ الْبُقْعَةِ
٢٩
مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ حَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَّلُونَ
الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىّ إِلّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكْ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهْتَزُ كَنَّهَا جَانٌ وَلَّى
مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَىّ أَقِلْ وَلَا تَخَفّْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِينَ ﴿َ اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْمُمْ
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِّ فَذَنِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهٍ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾
[ القصص : ٢٩ - ٣٢ ] .
تقدم أنّ موسى قضى أَتَمَّ الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: ﴿﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾.
وعن مجاهد أنّه أكمل عشراً وعشراً بعدها .
وقوله : ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي: من عند صهره ذاهباً، فيما ذكره غير واحد من المفسّرين وغيرهم ،
أنّه اشتاق إلى أهله ، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختفٍ ، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم
قد استفادها في مدَّة مقامه ، قالوا : واتّفق ذلك في ليلةٍ مظلمةٍ باردةٍ ، وتاهوا في طريقهم ، فلم يهتد إلى
السّلوك في الدَّرب المألوف، وجعل يوري (١) زناده فلا يوري شيئاً ، واشتدّ الظلام والبرد ، فبينما هو
كذلك إذ أبصر عن بُعدٍ ناراً تأجّج في جانب (٢) الطّور ، وهو الجبل الغربيّ منه عن يمينه ، فقال لأهله :
﴿ أَمْكُثُوَاْ إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾، وكأنّه - والله أعلم - رآها دونهم، لأنّ هذه النار هي نور في الحقيقة،
ولا تصلح رؤيتها لكلِّ أحدٍ، ﴿لَّعَلِيّ ◌َاتِيَكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ﴾، أي: لعلّي أستعلم من عندها عن الطريق ،
﴿أَوْ حَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فدلّ على أنّهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلةٍ باردةٍ
ومظلمةٍ ؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿ وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴿ إِذْرَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ آمْكُنُواْ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا
◌َّعَلّ ءَائِكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى﴾ [طه: ٩ - ١٠]، فدلّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن
الطريق. وجمع الكلّ في قوله في النمل: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ: إِّ ءَانَسْتُ نَارَّ سَنَاتِكُ مِنْهَا بِخَبٍَ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَسِ
(١) يوري : يقدح .
(٢) جبل الطور : جبل بالقرب من مصر عند موضع يسمى مدين ، وعليه كان الخطاب الثاني لموسى عليه السلام عند
خروجه من مصر ببني إسرائيل .