Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم
وقال أبو دَاوُدَ الطَّيَالسيُّ: حدّثنا عِمْرَانُ هُوَ ابْنُ دَاوَرُ(١) القَطَّنُ، عنْ قَتادةَ، عنْ أنس: أنَّ
رسول الله وَ﴿ه، قال: (( يُعْطَى الرَّجُلُ في الجنةِ قُوَّةَ كذا وكذا منَ النِّساءِ)).
قلت : يا رسولَ اللهِ، وَيُطيقُ ذلك؟ قال: (( يُعْطَى قُوَّةً مِئةٍ)). ورواه الترمذيُّ من حديثٍ
أبي دَاودَ ، وقال : صحيح غريب(٢) .
وروى الطَّرانيُ من حديثِ الْحُسَين بن عَليَّ الْجُعْفيِّ، عن زائدة، عن هِشَام بن حَسَّانَ ، عن
محمّد بن سيرينَ ، عن أبي هُرَيرةَ ، قال : قِيلَ : يا رسولَ اللهِ هل نَصِلُ ؟ وفي روَايَةَ : هل نُفْضي في
الجنة إلى نِسَائنا؟ فقال: ((وَالّذِي نَفْسِي بَيَدِهِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيُفْضي في الغَداةِ الواحدِةِ إلى مِئَةٍ عَذْرَاءَ)).
قال الحافظُ الضياءُ : هذا عندي على شرطِ الصَّحيح(٣) .
وقال البَزَّارُ : حدّثنا محمّدُ بنُ مَعْمرٍ ، حدّثنا أبو عَبْدِ الرَّحْمنِ ، عَبْد اللهِ بنُ يزيدَ ، عن
عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ زِيَادٍ، عن عُمارَة بن راشِدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَِّ: هَلْ يَمَسُّ
أهْلُ الجَنَّةِ أزْوَاجَهُمْ؟ فقال: ((نَعَمْ، بِذَكَرٍ لا يَمَلُّ، وَشَهْوةٍ لا تَنْقَطِعُ)). ثم قال البزَّارُ: لا نَعْلمُ رَواه
عن عُمارَةَ بن راشدٍ سوى عبدِ الرَّحمنِ بن زِيَادٍ ، وَقَدْ كان عبدُ الرَّحمنِ هذا حَسَنَ العَقْلِ ، ولكنْ وَقَعَ
على شيوخ مَجَاهِيلَ، فَحَدَّثَ عنهم بأحادِيثَ مَنَاكِيرَ ، فَضَعُفَ حديثُه، وهذا ممّا أُنْكَرَ عَلَيْهِ(٤).
وقال حَزْملةُ، عن ابن وَهْبٍ : أخبَرَنِ عَمْرُو بنُ الحَارِثِ ، عن دَرَّاجِ ، عن عبد الرَّحمن بنِ
حُجَيْرة، عن أبي هريرةَ، عن رَسُولِ اللهِ وَّهِ: أنَّهُ قيل له: أنطَأُ فِي الْجَنَّةِ؟ قال: ((نَعَمْ، وَالّذي
نَفْسِي بِيَدِهِ دَحْماً دَحْمٌ(٥)، فإذا قَامَ عَنْهَا رَجَعَتْ مُطَهَّرَة بِكْراً (٦) .
وقال الطَّبرانيّ: حدّثنا إبراهيمُ بنُ جَابر الفقِيهُ البَغْدادِيّ، حدّثنا محمّدُ بنُ عَبْدِ الملِك الدَّقِيقي
الواسِطَيّ، [حدّثنا مُعَلّى بن عبدِ الرَّحْمن الواسطيّ]، حدّثنا شَريكٌ، عن عَاصِم بن سُلَيْمانَ الأحْوَلِ ،
عن أبي المُتَوَكِّل، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((إنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ إذَاَ جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ
أبْكاراً )) ثم قال: تفرَّد به مُعَلَّى(٧) .
وقال الطَّبراني : حدّثنا أحمدُ بنُ يَحتَى الْحُلْوَاني، حدّثنا سُوَيْدُ بنُ سعيدٍ ، حدّثنا خالدُ بنُ يزيد بنِ
(١) في (آ) : داود ، والتصحيح من كتب الرجال .
(٢) رواه أبو داود الطيالسي (٢٠١٢) والترمذي ( ٢٥٣٦) وهو حديث حسن صحيح .
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) رقم (٥٢٦٧) و (٧٢٢).
(٤) رواه البزار (٣٥٢٤ - كشف الأستار ).
(٥) وهو النكاح والوطءُ بدفع وإزعاج. ((النهاية)) لابن الأثير (١٠٦/٢).
(٦) أخرجه من طريق حرملة : ابن حبان (٧٤٠٢) وإسناده حسن .
(٧) رواه الطبراني في ((الصغير)) (٢٤٩) ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي، قال الحافظ في ((التقريب)) متهم بالوضع.

٤٨٢
ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم
أبي مالكِ، عن أبيهِ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن أبي أمامةَ: أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ سُئِلَ: أيُجَامِعُ أهْلُ
الْجَنَّةِ؟ قال : ((دَحْماً دَحْماً، ولكن لا مَنِيَّ ولا منية(١). ولما كان المنيُّ يقطع لَذَّة الجماع، والمنيَّة
تقطع لذَّة الحياة ، كانا منفيين عن أهل الجنة .
وقال الطبراني: حدّثنا عبدان بن أحمد، حدّثنا محمد بن عبد الرحيم البَرْقي (٢) ، حدّثنا عمرو بن أبي سلمة،
حدّثنا صدقة، عن هاشم بن زيد، عن سُلَيم أبي يحيى (٣): أنه سمع أبا أمامة يحدِّث: أنه سمع رسول الله وَّة
وسُئل : هل يتناكح أهل الجنة؟ قال: ((نعم بذَكَر لا يَمَلُّ، وشهوة لا تنقطع ، دحماً دحماً (٤) .
فأمَّا إذا أرَادَ أحَدُهُمْ أنْ يُولَدَ لهُ كما كان في الدُّنيا وأحبّ الأولاد :
فقدْ قال الإمامُ أحمدُ : حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ، حدّثنا مُعاذُ بن هِشام ، حدّثني أبي، [عن ] عامٍِ
الأخولِ، عن أبي الصِّدِّيقِ، عن أبي سعيدِ الخُدْريّ: أنَّ نبِيَّ اللهِ لَ قَالَ: ((إذا اشْتَهى المُؤْمنُ الْوَلَد
فِي الْجَنّةِ، كان حَمْلُهُ وَوَضْعَهُ وَسِنّهُ في ساعةٍ وَاحدةٍ، كما يَشْتَهي)). وكذا رواهُ التِّرْمذيّ وابْنُ ماجَهْ
جميعاً، عن مُحمد بن بشَّارٍ ، عن مُعاذٍ بن هشام، به . وقال التّرمِذيّ : حسن غريب . وقال الحافظُ
الضِّيَاءُ الْمَقْدسيّ: وهذا عِنْدي على شَرْطِ مُسْلِمٍ، واللهُ أعلمُ .
وقد رواهُ الحاكِمُ عنِ الأصَمِّ ، عن محمّدٍ بن عِيسَى، عن سَلاَّم بنِ سُلَيْمَانَ ، [ عن سلام
الطويل ] ، عن زيد العَمِّيِّ، عن أبي الصِّدِّيق النَّاجي، عن أبي سعيدٍ ، قال : قيل : يا رسولَ الله ،
أيولَدُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ فإنَّ الوَلَدَ مِنْ تَمامِ الشُّرورِ؟ فقال: ((نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، ما هُوَ إلَّا كَقَدْرِ
ما يَتَمِنَّى أحدُكُمْ، فيكُونُ حَمْلُهُ، وَرَضَاعُهُ ، وَشَبَابُهُ (٥) .
وهذا السّياقُ يَدُلُّ على أنَّ هذا [أمْرٌ] يقَعُ لأهل الجنة ، خِلافاً لِمَا حَكاهُ البُخاريّ ، والتّزْمِذِيّ ،
عن إسحاق بن رَاهَوَيْهِ : أنَّ ذلك محمُولٌ على أنَّهُ لو أرادَ ذلك كان، ولكنه لا يُريدُهُ .
ونُقِلَ عن جماعة منَ التَّابعينَ، كَطَاوسٍ، ومُجَاهِدٍ، وإبراهيمَ النَّخَعَيّ، وَغَيْرِهِم أنّ الْجَنَّةَ
لا توالد فيها ، وهذا صحيحٌ، وذلك أن جِماعَهُمْ لا يَقْتضي وَلَداً كما هو الواقعُ لأهل الدُّنيا ، فإنّ الدُّنْيا
دَارٌ يُرَادُ مِنْهَا بَقَاءُ النَّسْلِ لِتَعْمُرَ، وأمَّا الْجَنَّةُ، فالمرادُ بها بقاءُ اللَّذَّةِ، ولهذا لا يكونُ في جِمَاعِهِمْ مَنِيٌّ
(١) رواه الطبراني في الكبير (٧٤٧٩) وفي إسناده ضعف .
في (أ): الرقي ، وهو خطأ .
(٢)
(٣)
في (أ) : أن يحيى .
(٤)
رواه الطبراني في الكبير (٧٧٢١) وإسناده ضعيف.
(٥) رواه أحمد في المسند (٩/٣) والترمذي (٢٥٦٣) وابن ماجه (٤٣٣٨) والبيهقي في (( البعث والنشور )) عن
الحاكم (٤٤٠) ورواه عبد بن حميد في ((المنتخب)) (٩٣٧) من طريق سفيان عن أبان عن أبي الصِّدِّيق
الناجي ، به ، وهو حديث صحيح .

٤٨٣
ذكر أن أهل الجنة لا يموتون
يَقْطِعُ لَذَّةِ جِمَاعِهِمْ، وَلَكِنْ إذا أحَبَّ أحَدُهُم الْولدَ كان ذلك كما يُريد، لقوله تعالى: ﴿ لَّمْ فِيَهَا مَا
يَشَآءُونَ﴾ [النحل: ٣١] وقال: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ﴾ [ الزخرف: ٧١].
ذكر أن أهل الجنة لا يموتون فيها لكمال حياتهم ،
بل كل مالهم في ازدياد من قوة الشباب ، ونضرة الوجوه ،
وحسن الهيئة ، وطيب العيش
ولهذا جاء في بعض الأحاديث أنَّهُمْ لا يَنَامُونَ لئلا يَنْشَغِلُوا بهِ عَنِ الْمَلاذْ والمسؤَّات والْعيش الهَنيء
الطيب ، ولئلا يشتغل بالنوم عن أَلَذُّ ما في الجنة من ذِكر الرَّبِّ وحمده، والثناء عليه سبحانه ،
لا نحصي ثناءً عليه ، نسأل الله الدرجات العلى من الجنة .
قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَتُهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [ الدخان: ٥٦ -
٥٧] وقال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اٌلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (٥َ خَلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حَوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨] أي
لا يَخْتَارُون غيرَهَا، بَلْ هُمْ أرغَبُ شَيْءٍ فيهَا، فلا يختارون بها بدلًا ولا عنها تحوُّلًا ، وَلَيْسَ يَعْتَرِيهم
فيها مَلَلٌ ولا ضَجَرٌ، كما قد يَسْأُمُ أهْلُ الذُّنْيَا بَعْضَ أحْوَالِهِم اللذيذة، ومساكنهم الأنيقة، وأزواجهم
الحِسان ، بل أهل الجنة كما قيل :
فَحَلَّتْ سَوادَ القَلْبِ لا أنا بَاغياً سِوَاهَا ولا عَنْ حُبُّهَا أَتَحَوَّلُ
وقد تقدَّم حديثُ ذَبْحِ الموتِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وأَنَّهُ يُنادي مُنادٍ : يا أهْلَ الْجَنّةِ ، خُلودٌ فلا مَوْتَ ،
ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فلا مَوَتَ، كلٌّ خالدٌ فيما هو فيهِ .
وقال الإمامُ أحمدُ : حدّثنا يَحْيَى بِنُ آدَمَ، حدّثنا حَمْزةُ، حدّثنا أبو إسْحَاقَ، عن الأغَرّ
أبي مُسْلِمٍ، عن أبي هُرَيْرةَ، وأبي سعيدٍ، عن النبيّ ◌َّه، قال: ((فيُنادى مع ذلك: إنَّ لكم أنْ تَحْيَوْا
فلا تمُوتُوا أبداً، وإنَّ لكم أنْ تَصِخُّوا فلا تَسْقَمُوا أَبَداً، وإنّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرمُوا أبداً ، وإنّ لكم
أن تَنْعَمُوا فلا تَبْأسُوا أبداً)) قال: فيُنادَى بهذه الأربعُ(١) .
وقال أحمد : حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: قال الثَّوريّ: فحدّثني أبو إسْحَاقَ: أَنَّ الأغَرَّ حَدَّثْهُ، عن
أبي سعيدٍ، وأبي هريرة: أن النَّبِيَّ ◌َّه قال: «فيُنادي مُنادٍ: إنّ لكم أنْ تَحْيَوا فلا تمُوتوا أبداً، وإنّ لكم
(١) رواه أحمد في المسند (٣١٩/٢) وهو حديث صحيح .

٤٨٤
ذكر أن أهل الجنة لا يموتون
أنْ تَصِخُّوا فلا تَسْقَمُوا أبداً، وإنّ لكم أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبداً، وإنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تَبْأَسُوا أبداً »
قال: فَذَلِك قَوْلُهُ تعالى: ﴿ وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ورواه
مسلم، عن إسْحَاق بن رَاهَوَيْهِ، وَعَبْدِ بن حُمَيْدٍ ، كِلاهُما عن عبد الرزاق، بنخوِه(١) .
وقال [ الحافظُ أبو بِكْرٍ ] البزّارُ: حدّثنا الفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ ، حدّثنا محمد بن يُوسفَ الفِریابيُّ ، عن
سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ، عن محمد بن الْمُنْكَدِر ، عن جابر، قال : قيلَ: يا رسولَ اللهِ، هَلْ يَنَامُ أهْلُ
الْجَنَّةِ؟ قال: ((لا، النَّوْمُ أخُو المَوْتِ)) ثمَّ قال البزّارُ: لا نَعْلَمُ أَحَداً أسْنَدهُ عن محمد بن المُنْكَدِرِ ،
عن جابر ، إلا الثَّوْريّ ، ولا وصله سِوَى الفِرْيَابِيِّ . كذا قال .
وقد قال الحافظُ أبو بَكْرِ بن مردويه : حدّثنا أحمد بن القاسِم بن صَدَقَةَ المِصْريّ ، حدّثنا
المِقْدَامُ بنُ دَاوُدَ ، حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ المُغيرَةِ، حدّثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عن محمدِ بنِ المِنْكَدَرِ ، عن
جابر، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهَ: ((النَّوْمُ أخُو المَوْتِ، وأهْلُ الْجَنَّةِ لا يَنَامُونَ ».
ورواه الطَّرانيُ، من حديثِ مُصْعَبِ بن إبراهيم ، عن عِمْرَانَ بن رَبيعِ الكُوفيّ، عن يَحْيَى بن
سعيدِ الأنْصَاريّ، عن محمدٍ بن الْمُنْكَدِرِ، عن جابرٍ: قال: سُئلَ رسولُ اللهِ وَّةِ: أَيَنامُ أهْلُ الْجَنَّةِ؟
فقال: ((النَّوْمُ أخُو المَوْتِ ، وَأهْلُ الْجَنَّةِ لا يَنامُونَ )).
وَرَوَاهُ الْبَيْهَيُّ من حديثِ عبدِ الله بن جَبَلَةً(٢) بن أبي رَوَّادٍ، عن سُفْيَانَ الثّوْريّ، عن محمدٍ بن
الْمُنْكَدِر، عن جابر ... فذكره(٣).
ثُمَّ رَوَى البَيْهَقِيُّ عنِ الْحَاكِم، عنِ الأصَمِّ، عن عبَّاسِ الدُّوري ، عن يُونسَ بن محمد ، عن
سعيدِ بن زَرْبِي، عن نُفَيْعِ بنِ الحَارِثِ، عن عبد اللهِبن أبي أَوْفَى، قال: سَأل رَجُلٌ رسولَ اللهِلَيهِ ،
فقال: النَّوْمُ ممَّا يُقِرُّ اللهُ به أعْيُننا في الدُّنْيا، أننام في الجنة؟ فقال رسولُ اللهِ وَلي: ((إن الموت شريك
النوم، ولَيْسَ في الجَنّةِ مَوْتٌ)) قالُوا: يا رسولَ اللهِ، فما رَاحَتُهُمْ؟ قال: ((إنّهُ لَيْسَ فيها لُغُوبٌ ، كلُّ
أَمْرِهِم رَاحةٌ)) فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَمَشُنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥]. ضعيف
الإسناد(٤).
(١) رواه أحمد في المسند (٩٥/٣) ومسلم (٢٨٣٧) وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (٩٤٢).
(٢) في (أ): عبد الله بن خيلة، وهو خطأ.
(٣) رواه البزار رقم (٣٥١٧ - كشف الأستار) والطبراني في (( الأوسط)) رقم (٨٨١٦) عن المقدام به ، و( ٩٢٣)
من حديث مصعب، والبيهقي في (( البعث والنشور)) ( ٤٨٧) وهو حديث صحيح.
(٤) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٤٨٩).

٤٨٥
ذكر إحلال الرضوان على أهل الجنة ونظر الرب تعالى إليهم
ذكر إحلال الرّضوان عليهم وذلك أفضل ما لديهم(١)
قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ اَلْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ فِيهَا أَنْهٌَ مِّن مٍَّ غَيْرِءَاسِنٍ وَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ
لِشَّرِينَ وَأَنْهٌَ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفَّىٌّ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ
اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ
أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
وروى مالِكُ بنُ أنسٍ ، عن زَيَدِ بنِ أسْلَمَ ، عن عطاء بنِ يَسارٍ ، عنْ أبي سَعيدٍ ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَّمَ: ((إنَّ اللهَ يَقُولُ لأَهْلِ الجَنّةِ: يا أهْلَ الْجَنَّةِ، فيقُولُونَ: لَتَيْكَ رَبّنَا وَسَعْدَيْكَ، فيقُولُ :
هَلْ رَضِيْتم ؟ فيقُولُونَ: وما لَنَا لا نَرْضَى، وَقَدْ أعْطَيْتنا مَا لَمْ تُعْطِ أحداً منْ خَلْقِكَ؟ فيقُولُ : أنا
أُعْطِيكم أفْضَل مِنْ ذَلِكَ؟ فقالوا : يا رَبّنا وأيُّ شَيْءٍ أَفْضِلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فقال : أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوَاني
فلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبداً)). وأخرَجاهُ في ((الصَّحيحين)) من حديث مالك، به (٢).
وقال [ أبو بكْرٍ ] البَزَّارُ: حدّثنا سلمة بن شَبِيبٍ، وَالفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ ، قالا : حدّثنا الفريابي ،
عن سُفْيَانَ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابر، قال: قال رسولُ اللهِ وَهُ: ((إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ
الْجَنَّة، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ألا أُعْطِيكُمْ)) قال: أحْسَبُهُ قال: ((أفْضَلَ من ذلك؟ قالُوا: يا رَبَّنَا، هَلْ
شَيْءٌ أفضلُ ممَّا أَعْطَيْتَنا؟ قال: رِضْوَاني أكْبَرُ)). وهذا الحديث على شرطِ البُخاريّ، ولم يُخْرِجْهُ
أحدٌ منْ أصْحابِ الكُتُبِ منْ هذا الوجه (٣) .
ذكر نظر الرب تعالى إلى أهل الجنة
وتَسْلِيمِهِ عَلَيْهم
قال الله تعالى: ﴿تَِّيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [ الأحزاب: ٤٤]، وقال تعالى:
سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ رَّحِيمٍ ﴾ [يس : ٥٨] .
وقال أبو عَبْدِ اللهِ محمد بنُ يزيدَ بن مَاجَهْ في كتابِ السُّنَّةِ مِنْ ((سُنَتِهِ)): حدّثنا محمدُ بنُ
عَبْدِ الْمَلِك بن أبي الشَّوَارِبِ ، حدّثنا أبو عاصمِ العَبَّادَانِيُّ، حدّثنا الفَضْلُ الرَّقَاشيُّ ، عن محمدِ بنِ
الْمُنْكَدِرِ ، عن جابرٍ بن عَبْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ في نَعِيمهمْ، إذ سَطَعَ لَهُمْ
(١) في (آ) : مما لديهم .
(٢) رواه البخاري رقم (٦٥٤٩) ومسلم (٢٨٢٩).
(٣) وأخرجه ابن حبان ( ٧٤٣٩) من طريق الفريابي عن سفيان .

٤٨٦
ذكر نظر الرب إلى أهل الجنة
نُورٌ، فَرَفعُوا رُؤوسَهُمْ، فإذَا الرَّبُّ عزَّ وجلَّ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فقال: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ
الْجَنَّةِ)) قال: ((وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿سَلَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨])) قال: ((فينظر إليهم ،
وينظرون إليْهِ ، ولا يلتفتون إلى شَيْءٍ منَ النَّعيمِ ما دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ، حتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى
نُورُهُ ، وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِیَارِهِمْ)) .
وقد رواهُ البَيْهقيُّ مُطَوَّلًا منْ هذا الوجْهِ، فقال: حدّثنا عليّ بنُ أحمد بن عَبْدَالٌ(١) ، حدّثنا
أحْمَد بن عُبَيْدٍ ، حدّثنا الكُديمي، حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إسماعيل أبُو يُوسُفَ السَّلََّّلُ، حدّثنا أبو عاصِم
العَبَّادَانِيُّ، عن الفَضْلِ بن عيسى الرَّقَاشيّ، عن محمدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ، عن جابر، قال رسولُ اللهِوَلَيهِ:
(( بَيْنَمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَجْلِسٍ لَهُمْ، إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورِ على بابِ الْجَنَّةِ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فإذا الرَّبُّ
تعالى قد أشْرَفَ عليهم، فقال: يا أهلَ الْجَنَّةِ، سَلُوني، قالوا : نَسْألُكَ الرِّضَا عَنَّا، قال : رضاي
عنكم أحَلَّكم دَاري، وأنالَكم كَرَامتي، هذا أوَانُها ، فَسَلُوني، قالوا: نَسْألُكَ الزِّيادةَ، قال: فِيُؤْتَوْنَ
بِنَجائبَ من ياقُوتٍ أحمر، أزِمَّتُهَا زُمُؤُدٌ أَخْضِرُ، ويَاقُوتُ أحْمَرُ)) قال: ((فحملوا عليْهَا، تَضَعُ حَوافِرَهَا
عِنْد مُنْتَهِى طَرَفِها ، فَيَأْمُرُ اللهُ بأشْجارٍ عليْها الثِّمارُ، فتُتْحِفُهم من ثمارها، فَتَجيءُ حَوَارٍ من الحُورِ
العِينِ ، وَهنَّ يَقُلْنَ : نَحْنُ النَّاعماتُ فَلا نَبْأس، وَنَحْنُ الخالِدَاتُ فلا نمُوت، أزواجُ قَوْمٍ مُؤْمنينَ
كِرام. وَيَأْمُرُ اللهُ بِكُثْبانٍ مِنْ مِسْكِ أَذْفَرَ ، فتُثيرُه عَلَيْهِمْ ريح يُقالُ لها: الْمُثِيرَةُ، حتَّى تَنْتهي بهمْ إلى جَنَّةِ
عَدْنٍ ، وَهِيَ قَصَبَةُ الْجَنّةِ ، فتَقُولُ الملائكةُ: يا رَبَّنَا قَدْ جَاءَ أهل النِّعْمةِ وهمُ القوم ، فَيَقُولُ: مَرْحباً
بالصَّادقين، مَرْحباً بالطّائعينَ، مرحباً بالمتقين)) قال: ((فيُكْشَفُ لَهُم الحِجابُ، فَيَنْظُرُونَ إلى اللهِ
عزَّ وجلَّ فيَتَمَتّعُون بِنُورِ الرَّحْمنِ ، لا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، ثمَّ يَقولُ: أرْجِعُوهُم إلى قُصُورِهِمْ
بالتُّحَفِ، فَيَرْجِعُونَ وَقَدْ أَبْصَرَ بَعْضُهُمْ بِعْضاً)) قال رسولُ اللهِ لَّهِ: ((وذلك قَوْلُ اللهِ عزَّ وجلَّ:
نُزْلاً مِّنْ غَفُورٍ زَّحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢])). ثمَّ قال البَيْهقيّ: وقدْ مَضَى في هذا الكتابِ في كِتابِ الرُّؤيةِ
ما يُؤْيِّدُ ما رُوي في هذَا الْحَديثِ ، والله أعلم .
وذكر أبو المَعَالِي الجُوَيْنِيّ في ((الرَّدِّ على السِّجِزِيّ)) أنّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وتعالى: إذا كَشَفَ
الْحِجَابَ ، وَتَجَلَّى لأَهْلِ الْجَنَّةِ، تَدَفَّقَتِ الأنْهَارُ، وَاصْطَفَقَتِ الأشْجَارُ، وَتَجَاوَبَتِ الأطيار والسُّررُ
والغُرفات وما فيها بالصَّرير والتعظيم، والتسبيحات، والأعْيُّنُ الْمُتَدَفِّقَاتُ بالْخِرِير، وَاسْتَرْسَلَتِ
الرِّيحُ المُثيرةُ وَبَثَتْ في الدُّورِ والقُصُورِ المِسْكَ الأَذْفَرَ ، وَالكافُورَ ، وَغَرَّدَتِ الظُّيُورُ، وَأَشْرَفَتِ
الْحُورُ .
والفَضْلُ بنُ عيسى ضعيفٌ، ولكنْ رَوَى الضُّيَاءُ منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن عبيد اللهِ، عن
(١) في (آ): محمد بن عبد الله بن عبدان، وهو خطأ .

٤٨٧
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم
محمد بن المُنكَّدِرِ ، عن جَابِرٍ، مرفوعاً، مثلَةً(١) .
ذِكر رؤية أهل الجنَّة ربهم عزَّ وجلَّ في مثل أيام الجمع
في مجتمع لهم معدٍّ لذلك هنالك
قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ -٢٣]، وقال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن
رَّبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْبُوبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ (٦) عَلَى الْأَرَابِكِ يَنَظُرُونَ ﴿يَ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾
[المطففين: ١٥ -٢٤]. وقال تعالى: ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فذكر عن الفجار أنهم
محجوبون ، وأن الأبرار إليه ينظرون .
وقدْ تَقَدَّمَ في حديث أبي موسى الأَشْعَريّ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((جَنََّانٍ مِنْ ذَهَبٍ آنيَتْهُما وما
فِيهما، وجَنََّانِ مِنْ فِضَّةِ آنَيَّتُهُمَا ومَا فيهما، وليس بَيْن القَوْمِ وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى ربِّهِم عزَّ وجلَّ إلَّ رداء
الكِبْرِيَاء على وَجْهِهِ في جنََّ عَدْنٍ)). أخرجاه في (( الصحيحين (٢).
وفي حديث ابن عُمَرَ: (( وَأعْلاهُمْ منْ يَنْظُرُ إلى وجه اللهِ تعالى في اليومِ مَرَّتَيْنِ (٣) .
وله شاهدٌ في ((الصَّحيحين)) عن جرير بن عبد الله مرفوعاً عِنْدَ ذِكْرِ رُؤيَةِ المؤمنينَ رَبَّهُمْ عزَّ وجلَّ
يَومَ القِيامةِ، كما يَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقمَر، قال: ((فإنِ اسْتَطَعْتمْ ألّا تُغلبُوا على صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشّمْسِ
وقَبْلَ غُرُوبها فافْعَلُوا)) ثمَّ قَرَأ: ﴿ وَسَبِّحْ يِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]٤).
وفي ((صحيح البُخاريّ)) عن النبي ◌َِّ قال: ((إنكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكم عِياناً (٥) . فأرشَدَ هذا السياق
على أن رؤية الله عزَّ وجلَّ تقع لأهل الجنة في مثل أوقاتِ العِبَادات، فكأنَّ المُبَرِّزين منَ المقرَّبين
الأخْيَارِ يَرَوْنَ الله عزَّ وجلَّ في مِثْلٍ طَرَفي النَّهارِ غُدْوةً وَعَشّاً، وهذا مقام عالٍ ، فيرونه تعالى على
أَرَائِكِهِمْ وَسُرُرِهِم كما يرون القمر ليلة البدر، فيرونه أيضاً غير رؤيتهم إياه في منازلهم في الجنة ، حيثُ
يَجْتمعُ أهلُ الجَنَّةِ فِي وَادِ أفْتَحَ - [ أْ مُتَّسِع ]- منْ مِسْكِ أنْيَضَ، فَيَجْلِسُونَ فيهِ على قَدْرِ منازِلِهِمْ،
فمِنْهُمْ منْ يجلس على منابر منْ نُورٍ ، ومنهم من يجلس على مَنابِرَ منْ ذَهبٍ ، وغيرِ ذلكَ منْ أنواعٍ
الجَواهِرِ وغيرِها، ثمَّ تُفَاضُ عَليهِمُ النِّعمُ [والْخِلَعُ ]، وتوضع على رؤوسهم التيجان، وبين أيْدِيهم
(١) رواه ابن ماجه (١٨٤) والبيهقي في ((البعث والنشور)) ( ٤٩٣).
(٢) رواه البخاري (٤٨٣٨) ومسلم (١٨٠).
(٣) رواه أحمد (١٣/٢) والترمذي (٢٥٥٣).
(٤) رواه البخاري (٥٥٤) ومسلم ( ٦٣٣).
(٥) رواه البخاري ( ٧٤٣٥).

٤٨٨
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم
الموائدُ بأنواعِ الأطْعِمَةِ وَالأشْرِبَةِ ممَّا لا عَيْنٌ رَأْتْ، ولا أُذُنَّ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْبٍ بِشَرٍ، ثُمَّ
يُطَيِّبُونَ بِأنْوَاعَ الطِّيبِ، ويُخصُّون بأنواعِ الكرامات والتحف ممَّا لم يَخْطُرُ على بَالِ أحَدٍ منهم قبل ذلك ،
ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهَمُ الحَقُّ سبحانه وتعالى، وَيُخَاطِبُهُمْ واحداً واحداً ، كما دلت على ذلك الآيات ،
والأحاديثُ ، كما سيأتي إيرادُها قريباً . على رغم أنوف المعتزلة وغيرهم ممن ينكر رؤيته سبحانه في
الدار الآخرة .
وقَدْ حَكَى بَعْضُ العُلماء خِلافاً في النِّسَاء : هَلْ يَرَيْن الله عزَّ وجلَّ في الجَنَّةِ كما يَراهُ الرِّجالُ؟
فقيل : لا يرونه ، لأنَّهُنّ مَقْصُوراتٌ في الخِيَام ، لا يبرزن منها، وقيل: لنقص عقولهن ودينهن
ورغبتهن في الدنيا . وقيل: بل يرونه سبحانه ، لأنَّهُ لا مَانِعَ منْ رُؤْيَتِهِ تعالى في الخيَّامِ والقصور ،
وغَيْرِها ، والنساء إذا دخلن الجنة ذهب عنهن ما كان يعتريهن من النَّقص في الدنيا ، وصرن أزواجاً
مطهرة من كل أذى، وطبن أخلاقاً وخَلْقاً ، فلا مانع لهنَّ من رؤيتهن لربهن عز وجل ، والله أعلم .
وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ (١) عَلَى الْأَرَآئِكِ ينَظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى:
﴿ُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ [ يس: ٥٦].
وقال رسول الله مَ﴿: (( إنكُمْ سَتَرَوْنَ رَيَّكُمْ عزَّ وجلَّ، كما تَرَوْنَ [هَذا] القَمَر [ليلة البدر]
لا تُضامُونَ فِي رُؤْرِهِ، فإن اسْتَطِعْتُمْ ألّا تُغْلَبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُروبها فافْعَلُوا)(١).
وهذا عامٌّ في الرِّجَالِ وَالنُّسَاءِ ، والله أعلم .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلًا ثَالثاً، وَهُوَ أنَّهُنَّ يَرَيْنَ الله في مِثْلِ أوقات الأعْيَادِ ، فإنَّهُ تعالى يَتَجَلَّى لأهل
الجنة في مِثْل أَّام الأعْيَادِ تجلِّياً عاماً، فَيَرَيْنَهُ في مِثْلِ هِذِه الْحالِ في جملة أهل الجنة، وهَذا القَوْلُ
يَحْتَاجُ إلى دَليلٍ خاصٍّ ، واللهُ أعْلَمُ .
وقد قال الله تعالى: ﴿﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَلْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وَقَدْ رُوي عَنْ جَمَاعَةٍ منَ
الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أنهم فسَّروا الزِّيَادَة بالنَّظَرِ إلى وَجْهِ الله تعالى، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرِ الصُّدِّيقُ، وأُبِيُّ بن
كَعْب، وكَعْب بنُ عُجْرةَ، وَحُذَيْفةُ بنُ الْيَمَانِ، وأبو مُوسى الأشْعَريّ، وَعَبْدُ الله بن عَبَّاسٍ ، رضي اللهُ
عنهمْ. ومن التابعين: سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٌ، وعِكْرِمَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أبي لَيْلَى،
وَعبدُ الرَّحْمنِ بنُ سابط، والْحَسَنُ، وَقَتَادة، والضخَّاكُ، والسُّدِّيُّ، وغيرهمْ منَ السَّلفِ،
والخَلَفِ .
وقدْ رُوي حديثُ رُؤْيَةِ المُؤْمِنينَ لربِّهِمْ عزَّ وجلَّ في الدار الآخِرَةِ عنْ جماعةٍ منَ الصَّحابةِ ، مِنْهُمْ :
(١) رواه البخاري رقم (٧٤٣٤) ومسلم ( ٦٣٣).

٤٨٩
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم
أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وقدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ مطول(١) ، وعليّ بن أبي طالب، وقدْ روَى حَدِيثَهُ يَعْقُوبُ بنُ
سُفْيَانَ، فقالَ: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُصفّى، حدّثنا سُوَيْدُ بنُ عبد العزيز، حدّثنا عَمْرو بنُ خَالِدٍ ، عنْ
زيْدِ بن عَليٍّ، عن أبيهِ، عنْ جَدِّهِ، عن علي بن أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:
(( يَرَى أهْلُ الْجَنَّةِ الرَّبَّ تعالى في كلِّ جُمُعةٍ ... )) وذَكر تمَام الْحَديثِ، وفيهِ: ((فإذَا كَشْفَ الْحِجَابَ
كأنّهُمْ لم يرَوْا نِعْمَةً قَبْلَ ذَلِكَ، وهُوَ قولهُ تعالى: ﴿وَلَدَيْنَامَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥](٣) . ومنهمْ أُبيّ بن كعبٍ،
وَأنَسُ بنُ مَالِكِ، وبُرَيْدةُ بنُ الحُصَيْب ، وجَابرُ بنُ عبد الله، وجرِيرُ بنُ عبد الله ، وَحُذَيْفةُ، وزَيْدُ بنُ
ثَابتٍ ، وسَلْمانُ الفَارسيُّ، وأبو سَعيدٍ سَعْدُ بنُ مالك بن سنانٍ الْخُدريّ، وَصُهَيْبُ بن سِنَان الرُّومي
وَعُبادةُ بنُ الصَّامِتِ ، وأبو أُمَامةَ صُدَيّ بنُ عَجْلانَ البَاهليُّ ، وعبد الله بن عَبَّاسٍ ، وابنُ عمر
و[عبد الله ] بنُ عمرو، وأبو مُوسَى عبد الله بنُ قَيْس، وعبد الله بن مَسْعُودٍ ، وعَدِيُّ بن حَاتِمٍ ،
وعَمّارُ بنُ يَاسِرٍ ، وَعُمارة بنُ رُويَبَةَ ، وأبو رَزِين العُقَيْلِيّ، وأبو هُرَيْرَةَ، ورجلٌ منَ الصَّحَابَةِ ، وعائشةُ
أُ المُؤْمنين ، رَضِي اللهُ عَنْهُمْ أجمعينَ .
وقدْ تَقَدَّم كثيرٌ منْهَا ، وَسَيأتي بقيتها ممَّا يَليق بهذَا المَقَام إنْ شاء اللهُ تعالى .
وقالَ الإمامُ أحمد: حدّثنا عَفانُ، حدّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عِنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، عَنْ عِبْدِ الرحمن بنِ
أبي لَيْلَى، عنْ صُهَيْبٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَ تَلا هَذه الآية: ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [ يونس:
٢٦] فقالَ: ((إِذَا دَخَل أهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأهْلُ النَّارِ النَّارِ، نَادَى مُنَاد: يا أهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ
مَوْعداً يريدُ أنْ يُنْجِزَكُوهُ، فيقولُونَ : ومَا هُوَ؟ ألم يثقلْ مَوازِينَا ويُبَيِّضْ وجوهَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ،
ويزحزحنا عَنِ النَّارِ؟ )) قالَ: ((فَيَكْشِفُ لَهُم الحِجَابَ، فَنْظُرُونَ إِلَيْهِ)) قال: ((فواللهِ ما أعْطَاهُم اللهُ
شَيْئاً أحَبَّ إليْهمْ منَ النَّظرِ إليهِ، ولا أقرَّ لأعْينِهِم)). وهكذا رواه مسلم من حَدِيثِ حمَّدٍ بن سَلَمة٣ُ) .
وقالَ عبد الله بن المبَارَكِ: حدّثنا أبو بَكْر الهذليُ(٤)، أخْبَرني أبو تميمَةَ الْهُجَيْميّ ، قال : سمعتُ
أبا مُوسى الأشْعريّ يَخْطُبُ على مِنْرِ البَصْرَةِ ويَقُولُ: إنّ اللهَ يَبْعَثُ يومَ الْقِيَامَةِ مَلَكاً إلى أهْلِ الْجَنَّةِ،
فِيَقُولُ : يا أهْلَ الْجَنّةِ، هلْ أنْجَزَ لكم الله ما وَعَدَكُمْ؟ فَيَنْظُرُون، فَيَرَوْنَ الْحُلِيَّ والحُلَلَ، والثمار،
والأنْهارَ، والأزْوَاجَ المُطَهَّرَة، فيقولون: نَعَمْ، قَدْ أَنْجَزَ اللهُ لنا ما وَعَدَنَا، قالوا ذلك ثلاث مرَّاتٍ ،
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ٤ - ٥) وقواه المصنف في آخر مسند الصديق.
(٢) ذكره محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في ((العواصم والقواصم)) (١٥٠/٥) عن يعقوب بن سفيان، حدّثنا
محمد بن المصفَّى ، حدّثنا سويد بن عبد العزيز ، حدّثنا عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن
علي بن أبي طالب مرفوعاً ، وإسناده ضعيف جداً .
(٣) رواه أحمد في المسند (٣٣٣/٤) ومسلم ( ١٨١).
(٤) في الأصل (ج) : الألهاني وفي (ص) الألقاني. والتصحيح من كتب الرجال .

٤٩٠
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم
فيقول: قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ، وإن الله تعالى يقول: ﴿﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [ يونس: ٢٦] ألا إنّ
الحُسْنَى الْجِنَّةُ، وَالزِّيَادَةَ النّظَرُ إلى وجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ. هكذا ذكره موقوفاً. وقدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ وَابنُ
أبي حَاتِمٍ حديثَ أبِي تَميمَةَ الْهُجَيْميّ، عن أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ قال: ((إنّ الله
يَبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُنَادياً ينادي أهل الجنة بصوت يُسْمِعُ أَوَلَهُمْ وآخرهم: إنَّ اللهَ وَعَدَكُمُ الْحُسْنَى
وزِيَادةً، الْحُسْنَى الْجَنّةُ، والزِّيَادَةُ النّظَرُ إلى وجْهِ الرَّحْمَنِ)) .
ورواه ابن جرير من حديثِ زُهَيْرٍ، عمّنْ سَمِعَ أبَا العَالِيَةِ ، حدّثنا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ : أَنَّهُ سَألَ
رَسُولَ اللهِّه عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال: ((الحُسْنَى
الجنّةُ، والزِّيَادَةُ النَّظَرُ إلى وجهِ الله عزَّ وجلَّ )(١) .
ورواهُ ابنُ جَريرٍ أيضاً عن ابنِ حُمَيْدٍ ، عن إبراهيمَ بنِ المخْتَارِ ، عن ابن جُرَيْجِ ، عن عَطاء ، عن
كَعْبٍ بن عُجْرَةَ، عن النَّبِيِّ ◌َّ في قولِهِ: ﴿﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [ يونس: ٢٦] قال: ((النّظَرُ
إلى وجه الرَّحْمَن عزَّ وجلَّ)(٢) .
وقال الحسنُ بن عَرفةَ: حدّثنا سَلْم بنُ سَالِم(٣) ، عن نوح بن أبي مريمَ ، عِن ثَابِتٍ ، عن أنسِ بن
مالكٍ، قال: سُئلَ رسولُ اللهِ لَ عن هذه الآية: ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال:
((﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ العَمَلَ فِي الدُّنيا ﴿اَلْحُسْنَى﴾ هيَ الجَنّةُ، وَ(الزِّيَادةُ) النّظر إلى وجهِ الله
عزَّ وجلَّ)). سَلْم وشَيخُهُ نُوحٌ مُتَكَلَّمٌ فيهما، والله أعلم(٤) .
وقال الإمامُ أبو عَبْدِ اللهِ محمد بن إدريسَ الشّافعيّ في كتاب الجُمُعَةِ منْ (( مُسْنَدِهِ)): حدّثنا
إبراهيمُ بنُ محمدٍ ، حدّثني مُوسى بنُ عُبَيْدةَ ، حدّثني أبو الأزهرِ مُعَاوِيةُ بن إسْحَاقَ بن طَلْحَة ، عن
[عبد الله بن ] عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ: أنّهُ سَمِعَ أنس بن مالكٍ يقولُ: أتي جِبْرِيلُ بِمِرْآةٍ بَيْضاءَ فيهَا نُكْتَة إلى النبيِّ
وَّه، فقال النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا هَذِهِ؟)) فقال: هذه الجُمُعةُ فُضِّلْتَ بها أنتَ وَأُمَتُكَ، والنّاسُ لَكم فِيهَا
تَبَعْ ، اليَهُودُ والنّصَارَى، ولَكم فيهَا خيرٌ، وفيهَا ساعةٌ لا يُوافقُها مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللهَ بِخَيْرٍ ، إلَّ اسْتُجِيبَ
لهُ، وهُوَ عِنْدَنا يَوْمِ المَزِيدِ، قال النبيُّ نَّهِ: ((يا جبريل ما يَوْمُ الْمَزِيدِ؟)) قال: إنّ رَبَّكَ اتَّخَذَ في
الْفِرْدَوْس وَادِياً أفْيَحَ، فيهِ كَثُبُ مِسْكٍ، فإذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ ، أَنْزَلَ اللهُ ما شاءَ منْ مَلائِكَتِهِ ، وَحَوْلَهُ
(١) وإسناده ضعيف.
(٢) وإسناده ضعيف .
في الأصول : مسلم بن سالم ، وهو خطأ .
(٣)
(٤) رواه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) ( ٢٣) بإسناده، وقال الخطيب البغدادي (٩/ ١٤٠) وهو خطأ، والصواب عن
ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي وَّر .

٤٩١
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم
منابرُ مِنْ نُورٍ ، عَلَيْهَا مَقاعِدُ النَّبِين، وحَفَّ تِلْكَ الْمَنابِرَ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ،
عَلَيْهَا الشُّهَدَاءُ والصُّدِيقُونَ، فَجَلسُوا منْ ورَائِهِمْ على تِلْكَ الْكُثُبِ، فيقول اللهُ عزَّ وجلَّ : أنّا رَبَّكم قَدْ
صَدَقْتُكُم وَعْدِي، فَسَلُونِي أُعْطِكم، فيقولون: ربَّنَا نَسْألُكَ رِضْوَانَكَ، فيقولُ: قَدْ رَضيتُ عَنْكُمْ ،
ولَكُمْ عِنْدِي مَا تَمَنَّْتُمْ، وَلَديَّ مَزِيدٌ، فَهُمْ يُحِبُّونَ يَومَ الجُمُعَةِ لمَا يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ مِنَ الْخَيْرِ ، وهُوَ
اليومُ الَّذِي اسْتَوَى فيهِ رَبُّكُمْ على الْعَرْشِ ، وفيه خلقَ آدَم ، وفيه تقُومُ السَّاعةُ(١) .
وقد رواهُ البزّارُ منْ حديثٍ جَهْضم بنِ عَبْدِ اللهِ، عن أبي طَيْبَة ، عن عُثْمانَ بن عُمَيْرٍ ، عنْ أنس بن
مالك، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهَ: (( أَتَانِي جِبْرِيلُ وفي يَدِهِ مِرآةٌ بَيضاءُ فيهَا نُكْتَةٌ سَودَاء ، فقلت :
ما هذه يا جبريل ؟ فقال : هذه الجمعةُ يَعْرِضُها عليك ربُّكَ لِتَكُون لكَ عِيداً، ولأمتك منْ بَعْدِك ،
تكُونُ أنتَ الأوَّلَ، وتكُونُ الْيَهُودُ والنَّصَارَى مِنْ بَعْدِكَ ، قال: ما لَنا فِيهَا؟ قالَ: لَكُمْ فيهَا خَيْرٌ،
لَكُمْ فيها سَاعَةٌ مِنْ دَعَا رَبَّهُ فِيها بِخَيْرٍ هُوَ لَهُ قِسْمٌ إلا أعطاهُ إياهُ ، أوْ لَيْسَ لهُ بقسمْ، إلا ادَّخَر لهُ ما هو
أَعْظَمُ مِنْهُ، أو تعوَّذ فيها من شر ما هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، إلا أعاذَهُ مما هو أعظم منْهُ)) قال: ((قُلْتُ :
ما هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْداءُ؟ قال: هيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجمعة، وهُوَ سَيِّد الأيام عِنْدنا، ونَحْن نَذْعُوهُ
في الآخِرَةِ يَوْمَ الْعَزِيدِ ، قلت : وما يَوْمُ الْمَزِيدِ ؟ قال : إنَّ رَبَّكَ انَّخَذَ وَادِياً في الْجَنَّةِ أفْيَحِ ، مِنْ مِسكِ
أبيضَ ، فإذَا كانَ يَوْمُ الجمُعَةِ نَزَل تعالى منْ عِلِّيِّين على كُرْسِيُّهِ، ثمَّ حُفَّ الْكُرْسيُّ بمنابرَ منْ نُور ،
وجَاءَ النَُّون حتَّى يَجْلسُوا عَلَيْها، ثمَّ حُفَّ المنَابِرُ بكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ، ثمَّ جَاءَ الصَّدِّيقُونَ ،
والشُّهداءُ حتَّى يجلسُوا عَلَيْها، ثمَّ يَجِيءُ أهْلُ الْجَنَّةِ حتَّى يجْلِسُوا على الكُتُبِ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ
عزَّ وجلَّ حتَّى يَنْظِرُوا إلى وَجْهِهِ، وهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدي، وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ،
هذا مَحَلُّ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسألُونَهُ الرِّضَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ أحلَّكمْ دَاري، وأنالَكُمْ كَرَامتي ،
فَاسْألُوني، فَيَسألُونهُ، حتَّى تَنْتَهِي رَغْبَتُهُمْ، فَيُفْتَحُ لهم عِنْدَ ذَلِكَ من إنعامه مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنْ
سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْبِ بَشَرٍ ، وذلك إلى مِقْدار منصرف النَّاسِ من الجمعةِ، ثمَّ يَصْعَدُ تعَالى
على كُرْسيِّهِ وَيَصْعد مَعهُ الشُّهَداءُ، والصِّدِّيقُون)) وأحْسَبُهُ قالَ: ((وَيَرْجِعُ أهْلُ الغُرَفِ إلى غُرَفِهِمْ دُرَّةً
بَيْضاء لا قَصْم فِيهَا ولا وَضْم، أوْ يَاقُوتَةً حَمْراءَ، أَوْ زَبرْ جَدةً خَضْراءَ ، منها غُرِفُهَا وأبْوَابُها ،
مُطَّرِدةً فِيهَا أَنْهَارُهَا، مُتَدَلِّيّةً فيها ثمَارُها، فِيهَا أزْوَاجُها وَخَدَمُها، فَلَيْسُوا إلى شَيْءٍ أَخْوَجَ مِنْهُمْ
ولا أشوق إلى يَوْم الجمعةِ ليزدَادُوا فيهِ كرَامةً، ويَزدادُوا نَظراً إلى وَجْههِ تعالَى، ولِذلكَ سُمِّيَ يَوْمَ
المَزيدِ ».
ثمَّ قال البزَّار: لا نعْلمُ أحداً رواهُ عنْ أنسٍ غَيْرِ عُثمان بن عُمَيْرِ أبي اليَقْظانِ ، وعُثْمان بن صالحٍ .
(١) رواه الشافعي في ((مسنده)) (٣٧٤/١ - بترتيب السندي) وإسناده ضعيف.

٤٩٢
ذكر رؤية أهل الجنة ربهم
هكذا قال ، وَقَدْ رَوَيناهُ مِنْ طَريقِ زيادِ بن خَيْئمةَ، عنْ عُثْمانَ بن [ أبي] مُسلِم، عن أنس ... ،
فَذَكَرِ الحَديثَ بِطُولِهِ مِثْلَ هَذا السِّاقِ ، أَوْ نَحْوَه .
وتقدّمَ في روَايةِ الشَّافعيِّ، عَنْ [عَبْدِ اللهِ بن ] عبيد بن عُمَيْرِ عنه، فَقَدْ اختَلَفَ الرُّوَاةُ فيه عنه ،
وكانَ بَعْضُهُمْ يُدَلِّسُهُ لِئَلَّ يُعْلَمَ أمْرُهُ، وذلكَ لما يُتَوهَّمُ منْ ضَعْفِهِ . والله أعلم .
وقدْ رَواهُ [الْحَافِظُ ] أبُو يَعْلَى المَوْصليّ في (( مُسْنَدِهِ)) عن شَيْبان بن فرُّوخ، عنِ الصَّعِقِ بن حَزْنٍ ،
عنْ عَلي بن الْحَكَمِ البُنَاني، عنْ أنسٍ ... فذكرَ الْحَديثَ، فَهَذِهِ طُرُقٌ جَيِّدَةٌ عَنْ أنَسٍ ، وهي شاهدة
لِرِ وَايةِ عُثْمانَ بن عُمَيْرِ .
وقد اعْتَى بِهَذَا الْحَديثِ [الحَافِظُ أبو الْحَسنِ ] الدّارَقُطْنِيّ، فَأوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ ، قال الْحَافظُ
الضياء : وقد رُوِيَ مِنْ طَرِيق جَيِّدة - [وهي شاهدة لرواية عثمان بن عمير ]- عنْ أنَسٍ بن مالِكِ، رَوَاهُ
الطََّرانِيُّ، عنْ أحمد بن زُهَيْر، عنْ مُحمَّد بن عُثْمان بن كرامة، عَنْ خَالِد بن مَخْلدِ القَطَوَانيّ ، عنْ
عبدِ السَّلام بن حَفْصٍ ، عَنْ أبي عِمرانَ الجوْنيّ، عنْ أَنَسٍ ... فذكر(١).
وقدْ رواهُ غيرُ أنَس مِنَ الصَّحابةِ .
قال البزَّارُ: حدّثنا مُحمَّدُ بن معمّر، وَأحْمَدُ بنُ عمرو (٢) العُصْفُرِيُّ، قالا : حدّثنا يحيى بن كثير
العَنْبَريّ، حدّثنا إبراهيمُ بنُ الْمَبَارَكِ ، عَنِ القَاسم بن مُطَيّبٍ، عن الأعمشِ ، عَنْ أبي وائل ، عنْ
حُذِيْفَة قال: قال رسولُ الله ◌ِهِ: ((أَانِي جِبْرِيلُ، فَذَكَرِ يَوْمَ الْمَزِيدِ)) قال: ((فَيُوحِي الله عز وجل إلى
حَمَلةِ العَرشِ أنْ يَرفعوا الْحُجُبَ فيما بَيْنَهُمْ وَبِيْنَهُ، فيكُونُ أوَّلَ ما يَسْمِعُون مِنْهُ : أيْن عَبَادِي الذَّينَ
أَطَاعُوني بالغَيْبِ ولم يرَوْنِي، وصَدَّقُوا رُسُلِي، وَاتَّبِعُوا أمْري، سلوني، فهذا يوم المَزِيدِ، فَيَجْتَمِعُونَ
على كلمةٍ وَاحدةٍ : أن رَضِينا عنك، فَارْضَ عنَّا، فَيُرَجّعُ في قوله: يا أهْلَ الْجَنَّةِ، إنِّي لو لم أرْضَ
عَنْكُمْ لم أُسكنكم جَتََّي، هَذَا يَوْم المزِيدِ، فَسَلُونِي، فَيَجْتَمِعُونَ على كلمَةٍ واحدةٍ : أرِنا وَجْهَك
يا رَبِّ نَنْظُرْ إليهِ)) قال: ((فيَكْشِفُ الْحُجُبَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ، فَيَغْشَاهُمْ منْ نُورِهِ ما لولا أنَّ الله قَضَى
ألّا يَمُوتُوا لاحترقُوا، ثمَّ يقالُ لَهِمْ: ارْجِعُوا إلى مَنَازِلِكُمْ، فيرجعون إلى منازلهم ولَهُمْ في كلِّ سَبْعَةِ
أيام يومٌ يتجلى لهم فيه، وذلكَ يَوْم الجُمُعة (٣) .
(١) رواه البزار رقم (٣٥١٩ - كشف الأستار) وأبو يعلى (١٤٧٣) والطبراني في ((الأوسط)) (٢١٠٥) وهو حديث
حسن .
(٢) في الأصول : أحمد بن حفص ، وهو خطأ .
(٣) رواه البزار (٣٥١٨ - كشف الأستار) وإسناده ضعيف.

٤٩٣
ذكر سوق الجنة
ذِكر سوق الجنّة
قال الحافِظ أبو بَكْرِ بنُ أبي عَاصِم : حدّثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ ، حدّثنا عَبْدُ الْحَميدِ بنُ حبيب بن
أبي العِشْرِينَ ، عن الأوْزَاعِيّ ، عن حَسَّانَ بن عطيَّةً، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ : أنَّهُ لَقَيَ أبا هُرَيرةَ ، فقال
أبو هُرَيرةَ : أسْألُ اللهَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجِنّةِ ، فقال سعيدٌ : أوَ فِيهَا سُوقٌ ؟ قال : نَعَمْ ،
أُخْبَرني رسولُ الله ◌ِّهَ: ((إنَّ أهْلَ الْجَنَّة إذا دَخَلُوها نزَلُوها بفَضْلِ أعمالِهِمْ، فَيُؤْذَنُ لهمْ في مِقْدارِ يومٍ
الْجُمُعةِ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيا ، فيَزُورُونَ اللهَ عز وجل في رَوْضَةٍ مِنْ ريَاضِ الجَنّةِ ، فَتُوضَعُ لهم مُنابرُ منْ نُورٍ ،
ومَنابر من لُؤْلُؤْ، ومَنابرُ مِنْ زَبرْجدٍ ، ومنابرُ منْ ياقُوتٍ ، ومنابرُ منْ ذهبٍ ، ومنابرُ منْ فضَّةٍ ، ويَجْلسُ
أذناهُمْ - وما فيهمْ دَنيٌّ - على كُثْبانِ المِسْكِ وَالكافُور، ما يرَوْن أنَّ أصْحاب الكَرَاسيّ أفْضَلُ مِنْهُمْ
مَجْلساً)) قال أبو هريرةَ: فقلتُ: يا رسول الله، هلْ نرى رَبَّنا؟ قال: ((نَعَمْ، هَلْ تَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ
الشَّمْسِ والقمَر لَيْلَةِ البَدْرِ؟)) قلنا: لا، قال: ((فَكَذلك لا تَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبَّكُمْ تبارك وتعالى ، فإنه
لا يَبْقَى في ذلك الْمَجْلِسِ أحدٌ إلَّ حاضَرَه ربُّه مُحاضَرَةً حتّى يقول: يا فُلانَ ابن فلانٍ، أَتَذْكُرُ يومَ
فعلْتَ كذا، وكذا؟ فيُذَكِّرَهُ بَعْضَ غَدَرَاته ، فيقولُ: بَلَى، أفَلَمْ تَغْفِرْ لي؟ فيقول: بَلَى ، فبمغْفِرِتي
بَلَغْتَ منزِلَتَكَ هذه)) قال: ((فَبَيْنما هُمْ على ذاك غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيباً لم
يَجِدُوا شيئاً مثْلَ ريحِه قطُ )) قال: ((ثمَّ يقولُ ريّنا عزَّ وجلَّ: قُومُوا إلى ما أعْدَدْتُ لكم منَ الكَرَامَةِ ،
فخُذُوا ما اشْتَهَيْتُمْ )) قال: ((فَيَجدُون سُوقاً قد حَفّتْ بها الملائكةُ، فيهِ ما لم تَنْظُرِ العُيُونُ إلى مِثْلِهِ ،
ولم تَسْمَع الآذَانُ، ولم يَخْطر على القُلوب)) قال: ((فنأخذ منها ما اشتهينا، فيُحْمَلُ لنا، لَيْسَ يُبَاعُ
فيها ولا يُشْترى ، وفي ذلك السُّوقِ يَلْقَى أهلُ الجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً)) قال: ((فَيُقْبِلُ ذُو الِزَّة المُرْتِفِعَةِ،
فَلْقَى مِنْ هُوَ دُونَهُ - وما فيهِمْ دَنِيٌّ - فَيَرُوعُهُ ما يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللَّبَّاسِ وَالْهِيْئَةِ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حديثهِ
حتَّى يتمثّلَ عَلَيْهِ أحْسَنُ مِنْهُ، وذلك أنّهُ لا يَنْبَغي لأحدٍ أنْ يَحْزَنَ فيها)) قال: ((ثمَّ نَنْصَرفُ إلى مَنازِلنا،
فَتَلقانا أزواجُنا ، فيقُلْنَ: مَرْحباً وأهْلاً بِحِبّنا، لقد جئت وإنَّ بكَ منَ الجمالِ وَالطِّيبِ أفْضَلَ ممّا فارَقْتَنَا
عَلَيْهِ ، فنقولُ : إنّا قد جَالَسْنا رَبَّنَا الجَبَّارَ وَيَحقُّ لنا أنْ نَنْقَلِبَ بمثْلِ ما انقْلَبْنَا)).
وهكذا رَوَاهُ ابنُ ماجه ، عن هِشَام بن عَمَّارٍ ، وروَاهُ التِّرمذيُّ عن محمدٍ بنِ إسماعيلَ ، عن هشام
ابن عمّارٍ ، ثمَّ قال: غريبٌ لا نعرفهُ إلّ منْ هذا الوجهِ . وقد رَواهُ أبو بَكْرِ بن أبي الدُّنْيا عنِ الْحَكَمِ بن
مُوسى، عن هِقْل بن زياد، عن الأوْزَاعِيّ، قال: نُبْتُ أنَّ سَعيدَ بنَ المُسَيَّبِ لَقِيَ أبا هريرةَ ...
فذكره(١) .
(١) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥٨٥) وابن ماجه (٤٣٣٦) والترمذي (٢٥٤٩) وابن أبي الدنيا في (( صفة
الجنة)) ( ٢٥٦) وإسناده ضعيف .

٤٩٤
ذكر سوق الجنة
وقال مُسْلِم : حدّثنا أبو عُثْمانَ سعيدُ بنُ عَبْد الجَبَّارِ البَصْريّ، حدّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عنْ ثابتٍ ،
عن أنسِ بنِ مالكِ: أن رسولَ اللهَ بَّرَ قال: ((إنَّ في الجَنَّةِ لَسُوقاً يأْتُونها كلَّ جُمُعةٍ ، فتَهبُّ علیھم رِيحُ
الشَّمالِ ، فَتَحْتُو في وجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِم المِسْك، فيزدادُونَ حُسْناً وجَمَالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد
ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقولُ لهم أهْلُوهُمْ: واللهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدنا حُسْناً وجَمَالًا، فيقولونَ : وأنتمْ
والله لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنا حُسْناً وجَمالًا)). وهكذا رَواهُ أحمدُ عَنْ عفّانَ، عن حَمَّادٍ، وَعِنْدَهُ: ((إنَّ في
الجَنَّةِ لَسُوقاً فيها كُثْبَانُ المِسْكِ، فإذا خَرَجُوا إليْها هَبَّت الرِّيحُ ... )) وذَكَرَ تمامَهُ(١).
وَرَوى أبو بَكْرٍ بن أبي سَبْرةُ(٢)، عن عُمرَ بن عطاء بن وَرَازٍ (٣) ، عن سالم أبي الغَيْثِ ، عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((أرْضُ الْجَنَّةِ بَيَضاءُ، عَرْصَتُها صُخُور الكافورِ، وقَدْ أَحَاطَ به
المِسْكُ مِثْل كُثْبانِ الرَّمْلِ ، فيه أنْهارٌ مُطَّرِدَةٌ ، فَيَجْتَمِعُ فيها أهْلُ الْجَنَّةِ فَيَتَعارفونَ ، فيبعث الله تعالى ريحَ
الرحمة، فَتَهَيِّجُ عَلَيْهِمْ ريحَ المِسْكِ، فَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إلى زوْجتِهِ ، وَقَد ازْدادَ حُسْناً وطِيباً، فتقولُ: لَقَدْ
خرَجْتَ منْ عِنْدِي وأنا بكَ مُعْجَبةٌ، وأنا الآنَ أشدُّ بك إعجاباً)(٤) .
فأمّا الحديثُ الّذِي روَاهُ الحافظُ أبو عيسى الترمِذِيّ، قائلاً: حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، وهنَّا(٥) ،
قالا : حدّثنا أبو مُعاويةَ، حدّثنا عَبْدُ الرَّحمن بن إسْحَاقَ، عن النُّعْمانِ بن سعْدِ، عن عَليٍّ ، قال :
قال رسولُ اللهَِّ: ((إنَّ في الجنّةِ لَسُوقاً ما فيها شراءٌ ولا بَيْعٌ، إلَّ الصُّورَ منَ الرِّجالِ وَالنِّسَاءِ، فإذا
اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورةً دَخَلَ فيها)) ؛ فإنّه حديثٌ غريبٌ كما ذكرهُ التِّرمذيّ(٦) .
وَيُحْمِلُ مَعْناهُ على أنَّ الرِّجالَ إنّما يَشْتَهونَ الدُّخولَ في مِثْلِ صُورِ الرِّجالِ، وكذلك النِّسَاءُ، ويَكُونُ
مُفسَراً بالحديثِ المتقدِّم، وهُوَ الشَّكْلُ، وَالْهَيْئَةُ، وَالبَشَرَةُ، واللَّبَاسُ - كما ذكرناه في حديثٍ
أبي هريرةَ في سُوقِ الجنّةَ: فَيُقْبِلُ ذُو الِزَّة المُرْتَفِعَةِ، فَيَلْقَى مِنْ هو دُونَهُ فَيَرُوعُهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ اللََّاسِ ،
وَالْهَيْئَةِ، فمَا يَنْقَضِي آخر حديثه حتَّى يَتَمثَّلَ عَلَيْهِ أَحْسَنُ مِنْهُ، وذلك أنَّهُ لا يَنْبَغِي لأحدٍ أنْ يَحْزَنَ
فيها(٧) - هذا إنْ كان قدْ حُفِظَ لَفْظُ الحديثِ، وَالظّاهرُ أنّهُ لم يُحْفِظُ، فإنّهُ قَدْ تفرد بهِ عَبْدُ الرَّحمنِ بنُ
إِسْحاقَ بِنِ الْحَارِثِ ، وَهُوَ أبو شَيْبَةَ الواسطي ، ويُقالُ: الكُوفي ، رَوَى عن أبيهِ وَخالهِ النُّعْمانِ بن
(١) رواه مسلم (٢٨٣٣) وأحمد في المسند (٢٨٤/٣).
(٢)
في الأصول : أبو بكر بن أبي شيبة ، وهو خطأ .
فى (١) : عن عمر عن عطاء بن زرارة ، وهو خطأ .
(٣)
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٨) وإسناده ضعيف.
(٤)
(٥)
في (أ) : حماد ، وهو خطأ .
(٦) رواه الترمذي (٢٥٥٠) ..
(٧) رواه الترمذي (٢٥٤٩) وابن ماجه (٤٣٣٦) وإسناده ضعيف، كما سيذكره المصنف مطولاً.

٤٩٥
ذكر ريح الجنة وطيبه وانتشاره
سَعْدٍ، وَالشَّعْبِيّ، وغَيْرِهِمْ. وعنه جماعة، مِنْهُمْ حَفْصُ بنُ غياث، وعبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، وهُشَيْمٌ .
قال الإمامُ أحمدُ : لَيْسَ بشيءٍ، مُنْكرُ الحديثِ ، وكَذّبَهُ فِي رِوَايِتِهِ عنِ النُّعْمانِ بنِ سَعْدٍ ، عن
المُغيرَةِ بن شُعْبَةَ في أحاديثَ رَفَعَها . وكذلك ضعَّفَهُ يَحْيَى بنُ مَعينٍ ، ومحمد بنُ سعْدٍ ، ويعقوب بن
سفْيَانَ، وَالبُخاريّ، وأبو داود، وأبو حاتم، وأبو زُرْعَةَ، وَالنّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابنُ عَديّ
وغيرُهُمْ، وَقَدِ اسْتَقْصيتُ كلامَهُمْ فيه مفصلاً فَي ((التَّكميلِ))، وللهِ الْحمدُ وَالِمِنَّهُ .
ومِثْلُ هذا الرَّجُلِ لا يُقْبَلُ مِنْهُ ما تَفَرَّدَ به، ولا سيَّمَا هذا الحديثُ ، فإنّهُ مُنْكِرٌ جدّاً، وأحْسَنُ أحْوَالِهِ
أنْ يَكُونَ سَمِعَ شيئاً ولم يَفْهَمْهُ جَيِّداً ، فعبّر عنْهُ بعبارةِ ناقصةٍ ، ويكُونُ أصْلُ الحديث كما ذكرنا في
رِوَايةِ ابنِ أبي العِشْرين الدِّمَشْقَيّ، عن الأوْزَاعِيّ، عن حسَّانَ بنِ عطيَّةَ، عنْ سَعيد بنِ المُسَيَّبِ ، عنْ
أبي هُرَيْرَةَ ؛ في سُوقِ الجَنَّةِ ، والله أعلم .
وقد رُويَ من وجهٍ آخَرَ غريبٍ ، فقال محمد بنُ عبدِ اللهِ الحضْرَميُّ، الحافظُ المَعْرُوفُ بِمُطَيَّن :
حدّثنا أحمدُ بن محمدِ بن طَرِيفِ البَجَلَيّ ، حدّثنا أبي، حدّثنا محمَّدُ بنُ كثيرٍ ، حدّثني جابرٌ الْجُعفيُّ،
عن أبي جَعْفرٍ، عن علي بن الحُسينِ، عن جابر بن عبدِ اللهِ، قال: خَرَجَ علينا رسولُ اللهِ وَّهُ ونحنُ
مُجْتَمِعُونَ ، فقال: (( يا مَعْشرَ المُسْلمينَ ، إنَّ في الجَنَّة لسُوقاً ما يُباعُ فيها ولا يُشْتَرى إلّ الصُّور ، فمنْ
أحبَّ صُورةً منْ رَجُلٍ أوِ امْرأةٍ دَخَلَ فيها )) .
جابرُ بنُ يزيدَ الجُعْفيّ ضعيفُ الحديثِ ، والله تعالى أعلمُ .
ذكر ربح الجنَّة وطيبه وانتشاره حتى إنه يُشَمُّ من سنين عديدة ، ومسافة بعيدة
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ
جَ سَيَهْدِيِهِمْ وَيُصْلِحُ بَلَمْ ﴾ وَيُدْيِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَ لَّمْ﴾
٤
[محمد: ٤ - ٦] قال بَعْضُهُمْ: أَيْ طَيِّبَها لهم؛ من العَرْف، وهُو الريح الطيبة.
وقال أبو داودَ الطَّيَالسيُّ: حدّثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَم، عن مُجَاهِدٍ ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بن
العَاصِ، عن النبيِّ وََّ قال: (( من ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ، لَم يَرَحْ رَائحةَ الجَنةِ، وإنَّ رِيحَها ليُوجدُ منْ
مَسِيرَةِ خمسين عاماً)). وَروَاهُ أحمدُ، عن غُنْدَرٍ، عن شُعْبةَ، وقالَ: ((سبعين عاماً)(١).
وقال أحمد : حدّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حدّثنا شُعْبَة، عن الحَكَم، عن مُجاهدٍ ، قال: أراد
فُلانٌ أنْ يُدْعى جُنادَةَ بن أبي أُمَّةَ، فقال عبدُ اللهِ بن عَمْرٍو، قال رسولُ الله ◌َ: ((من ادَّعَى إلى
غيرِ أبيهِ لم يَرَحْ رائحةَ الجَنَّةِ ، وإنَّ ريحَها لَيُوجدُ منْ قَدْرِ سبعين عاماً ، أو مسيرة سبعين عاماً))
(١) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٢٧٤) وأحمد في المسند (٢/ ١٩٤) وإسناده صحيح .

٤٩٦
ذكر ريح الجنة وطيبه وانتشاره
قَال: ((ومنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمَّداً، فَلْيَتَبَّوَّأُ مَفْعَدَهُ من النار (١) .
وقال البُخاريّ : حدّثنا قَيْسُ بنُ حَقْصٍ ، حدّثنا عبدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادِ، عنِ الحَسَنِ بن عَمْرٍو
الفُقَيْمَيّ، عن مجاهد، عن عبدِ اللهِبن عَمْرٍو، عن النبيِّي ◌ََّ قال: ((منْ قَتَلَ مُعَاهَداً، لم يَرَحْ رائحةَ
الجنّةِ، وإنَّ رِيَحَها لَيُوجد منْ مَسِيرةٍ أربعين عاماً)) . وهكذا رواهُ ابنُ ماجه، عن أبي كُريْبٍ ، عن
أبي مُعاويةً ، عنِ الحَسنِ بن عَمْرٍو ، به(٢) .
وقد قال الإمامُ أحمدُ : حدّثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ ، يَعْني أبا إبراهيمَ المُعَقِّب ، حدّثنا مَرْوانُ ،
وهُوَ ابْنُ مُعَاوِيةَ الفَزَارِيّ، عنِ الحَسَنِ بنِ عَمْرٍو الفُقَيْمَيّ، [ عن مُجاهدٍ ]، عن جُنادَةَ بن أبي أُمَيَّةً ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((مِنْ قَتَلَ قتيلاً مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ، لم يَرَحْ رائحةَ
الجنَّةِ ، وإنَّ ريحَها لَيُوجدُ منْ مَسيرَةٍ أربعين عاماً ».
ورواهُ النَّسَائِيُّ عن عبدِ الرَّحمن بن إبراهيمَ دُحَيْمٍ ، عن مَرْوانَ بنِ مُعاوِيَةَ الفَزَارِيّ، به . ورواهُ
الطََّرانيّ، عن مُوسى بن خَازم(٣) الأصبهانيّ، عنْ محمدِ بن بُكِيْرِ(٤) الحَضْرميّ ، عن مَزْوانَ الفَزَارِيّ ،
عن الحَسَنِ، عنْ مُجاهِدٍ، عَنْ جُنَادَةَ، عن عبدِ اللهِبن عَمْرٍو، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((منْ قَتَلَ
قَتِيلاً مِنْ أهْلِ الذِّمَةِ ، لم يَرَحْ رَائحةَ الجنَّة، وإنَّ ريحَها لَيُوجدُ منْ مَسِيرَةٍ مئةٍ عام)). هذا لفظُ(٥) .
وقال الطَّبرانيُّ: حدّثنا أحمدُ بنُ عليَّ الأبَارُ، حدّثنا معلَّل بنُ نُفَيْلِ(٦)، حدّثنا عيسى بنُ يونُسَ،
عن عَوْف الأعْرابيّ، عن محمّد بن سِيرينَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَهُ: ((منْ قَتَلَ
نَفْساً مُعَاهَدةً بغيرِ حقِّها، لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ ، وإنَّ ريحَها يُوجَدُ منْ مَسيرةٍ مِئَةٍ عامٍ )) . وقد رواهُ
أبو داؤُدَ ، والتِّزْمذيّ من حديثِ محمدِ بن عَجْلانَ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ ، مرفوعاً، وقال :
((سبعين خَرِيفاً))، وقال: حسنٌّ صحيح، وقال : وفي الباب عن أبي بَكْرَةً .
قال الحافظُ الضِّيَاء : هو عِندي على شرطِ الصَّحيحِ، يَعْني حديث أبي هريرة(٧).
وقال عبد الرَّزّاقِ عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادةَ، عنِ الحَسنِ ، أو غيرِهِ ، عنْ أبي بَكْرَةَ ، قال : سمعتُ
(١) رواه أحمد في المسند (١٧١/٢) وإسناده صحيح.
(٢) رواه البخاري (٣١٦٦) وابن ماجه (٢٦٨٦).
في (أ) : موسى بن أبي حازم ، وهو خطأ .
(٣)
(٤)
في الأصول : بكر ، وهو خطأ .
رواه أحمد في المسند (١٨٦/٢) والنسائي (٢٥/٨) وهو حديث صحيح.
(٥)
في الأصول : معلل بن فضيل ، وهو خطأ .
(٦)
(٧) رواه الطبراني في الأوسط (٦٦٧) والترمذي رقم (١٤٠٣) وهو حديث صحيح ، ولم يروه أبو داود من هذا
الطريق ، وإنما رواه من غير هذا الطريق عن أبي بكرة رقم (٢٧٦٠).

٤٩٧
ذكر ريح الجنة وطيبه وانتشاره
رسولَ اللهِ وَّه يقول: ((رِيحُ الجنَّةِ يُوجدُ منْ مَسيرةِ مئة عام(١). وقال سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ ، عن
قَتَادَةَ: ((خَمْسمئة عام)). وكذلك رواهُ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن يونِّسَ بن عُبَيْدٍ، عنِ الحَسنِ(٢).
ورَوَى الحافظُ أبو نُعَيْم [الأصْبَهانيّ] في كتابِ (( صِفَةِ الجنّةِ))، منْ طريقِ الرَّبيع بنِ بَدْرٍ ، عُلَيْلَةَ
- وهو ضعيفٌ - عن هارُونَ بن رئابٍ، عن مُجاهدٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعاً: (( رائحةُ الجنَّةِ تُوجدُ منْ
مَسِيرةٍ خَمْسمئةِ سنة (٣) .
وقال مالكٌ، عن مُسْلِمٍ بن أبي مرْيَم، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ: أنّهُ قال: ((نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ
عَاريَاتٌ ، مَائِلاتٌ مُمِيلاتٌ،َ لا يَدْخُلْنَ الجَنّةَ ولا يَجِدْنَ رَيْحَها، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ منْ مَسيرَةٍ خَمْسمئة
عامٍ)) .
قال الحافظُ أبو عُمَرَ بن عبد البَرِّ : وقد رواهُ عبدُ اللهِ بن نافِعِ الصَّائِغُ، عن مالكِ، فَرَفَعُهُ إلى النبيِّ
.“蝶
قال الطَّبرانيّ: حدّثنا محمد بن عبدِ الله الحَضْرَميُّ، حدّثنا أحمد بن محمد(٥) بن طَريفٍ ، حدّثنا
أبي ، حدّثنا محمدُ بنُ كَثيرٍ ، حدّثني جابر الجُعْفيُّ، عن أبي جَعْفرِ محمدِ بنِ عَلِيّ، عن جابرٍ ، قال :
قال رسول الله وَّى: ((رِيحُ الجنّةِ يُوجدُ منْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عام، واللهِ لا يَجِدُها عَاقٌّ، ولا قاطِعُ رَحِمٍ (٦) .
وَثَبَتَ في ((الصَّحيحين))، عن أنس [ بن مالكِ ]، أن سعد بن مُعَاذٍ: مَرَّ بأنَسِ بن النَّصْرِ يَوْمَ
أُحُدٍ ، فقال: يا سَعدُ ، وَاهَاً لريح الجنّةِ ، واللهِ إنِّي لأجدُ ريحَها دُونَ أُحُدٍ ، فقاتَلَ يَوْمَئِذٍ حَتّى قُتِلَ ،
ولم يُعْرَفْ منْ كَثرَةِ الِجِرَاحِ ، وما عَرَفَهُ إلَّا أَخْتُهُ الرُّبِيِّعُ بِنْتُ النّضْرِ بِبَانِهِ ، وَوُجِد بهِ بِضِعٌ وثمانونَ منْ
بَيْنِ ضَرْبَةٍ، وَطَعْنةٍ ، وَرَمْيٍ(٧). رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقَدْ وَجَدَ أنْسُ(٨) رِيحَ الجنَّةِ في الأرضِ، وهِيَ فَوْقَ
السَّمَوَاتِ، ومسيرة ذلك ألوف من السنين، اللّهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ قَد اقْتَرَبَتْ يَوْمَئِذٍ منَ الْمُؤْمِنِينَ، والله
أعلم .
(١) رواه معمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (١٩٧١٢) وعنه الإمام أحمد في مسنده (٤٦/٥) وهو
حدیث حسن یشهد له ما قبله .
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٧٤٤ ) من طريق حماد به ، وضعفه .
(٣)
رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (١٩٤ ).
رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩١٣) وهو صحيح موقوفاً ، وهو في حكم المرفوع ، لأنه ليس للرأي فيه مجال .
(٤)
(٥)
في الأصول : محمد بن أحمد .
(٦) رواه الطبراني في (( الأوسط )) رقم (٥٦٦٤) وإسناده ضعيف جداً .
(٧) رواه البخاري (٢٨٠٥) ومسلم ( ١٩٠٣) .
(٨) هو أنس بن النضر .

٤٩٨
ذكر نور الجنة وبهائها و طيب فنائها وحسن منظرها
ذکر نور الجنة وبهائها وطیب فنائها وحسن منظرها
في وقتي صباحها ومسائها
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكَا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿ خَلِينَ فِيهَا
حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (١) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا
تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وقال تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيِرًا﴾ [الإنسان: ١٣] .
قالَ أبو بكر بن أبي الذُّنيا : حدّثنا سُوَيْدُ بن سَعيدٍ، حدّثنا عبْدُ رَبِِّ الْحَنَفَيُّ، عنْ خَالهِ الزُّمَيْلِ بن
سِمَاكٍ ، سمع أباهُ يُحدِّث : أنَّهُ لَقِيَ عبد الله بن عبَّاسٍ بالمدينَةِ بَعْدما كُفَّ بَصَرُهُ، فقال: يا ابن
عبَّاس، ما أرْضُ الْجَنَّةِ؟ قال: هيَ مَزمرةٌ بَيْضاءُ من فِضَّةٍ، كأنَّها مِرآةٌ ، قلت: ما نورُها؟ قال : أما
رَأَيْتَ السَّاعَةَ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ طُلوع الشَّمْسِ ؟ فذلك نورها ، [ إلا ] أنهُ لَيْسَ فيهَا شَمْسٌ ولا زَمهرير ...
وذَكَرَ باقي الْحديثِ ، كما تقدمُ(١) .
وتَقْدمَ في سُؤالِ ابن صيَّادِ عنْ تربةِ الْجَنَّةِ أنّها دَرْمكة بَيْضاءُ، مِسْكٌ أَذْفِ(٢).
وقال أحمدُ بن مَنْصُور الرَّمَادِيِ(٣): حدّثنا كثيرُ بن هِشام، حدّثنا هِشَام بن زِيَاد أبو المِقْدام ،
عنْ حَبيبٍ بن الشَّهيدِ، عنْ عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عبّاسَ: أنَّ رسول اللهِ وَ لَ قالَ: (( خَلقَ اللهُ
الجَنَّةَ بَيْضاءَ، وَأَحَبُّ الزِّيِّ إلى اللهِ الْبَياضُ، فَلْيَلْبَسْهُ أحْياؤكم، وكَفِّنُوا فيهِ موتاكمْ)) قال: ثم أمَرَ
بِرِعَاءِ الشَّاءِ فَجُمِعُوا، فقال: ((منْ كانَ ذَا غَثَم سُود فلْيَخْلِطْ بها بِيْضاً)) فَجَاءَتْهُ امْرأةٌ فقالت :
يا رسول الله إني اتَّخَذْتُ غَنماً سُوداً، فلا أراها تنمو، فقال: ((عَفِّري)(٤) أيْ بَيِّضي، مَعْناهُ: اخْلِطي
فيهَا بِيضاً .
وقال أبو بكر البزَّارُ: حدّثنا أحمد بنُ الفرَجِ الْحِمْصِيّ، حدّثنا عُثْمانُ بن سَعيدٍ بن كثير الْحِمْصي ،
حدّثنا مُحمَّدُ بن مُهَاجِر، عنِ الضَّخَّاكِ المعَافِرِيّ، عَنْ سُلْيْمان بن مُوسى، حدّثنا كُريْبٌ: أنَّهُ سمع
أسَامَةَ بن زيدٍ يَقُولُ: قال رسولُ اللهِوَّةِ: ((ألا مُشَمِّر إلى الْجَنَّةِ؟ فإنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لهَا، هِيَ وَرَبِّ
الكَعْبةِ نُورٌ يتلألأ، وَرَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مشيدٌ، ونَهْرُ مُطَّرِدٌ، وثمرةٌ نَضِيجٌ، وزوجَةٌ حَسْناءُ
جَميلٌ ، وحُلَلٌ كَثيرةٌ في مقام آبدٍ ، في دَارٍ سَليمةٍ ، وفاكهةٌ، وخُضرَةٌ، وحَبْرةٌ، ونَعْمَةٌ، في محلَّةٍ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ( ١٤٧).
(٢) رواه مسلم ( ٢٩٢٨) .
(٣) في الأصول : الزيادي ، وهو خطأ .
وأخرجه ابن أبي عدي في ((الكامل)) (٧/ ٢٥٦٥) وإسناده ضعيف جداً .
(٤)

٤٩٩
ذكر الأمر بطلب الجنة والمبادرة إليها
عاليَةٍ بَهِيَّةٍ)) قالوا: يا رسولَ اللهِ، نَعَمْ، نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لها، فقال: ((قولوا: إنْ شَاءَ اللهُ)) فقال
الْقَومُ: إنْ شاء الله. ثم قال البَزَّار: لا نعْلَمُ لَهُ طريقاً إلا هذا.
وقد رواه ابن ماجه من حديث الْوَلِيدِ بن مُسْلم، عَنْ مُحمَّد بن مُهاجر ، بنَحوه ، ورَواهُ أبو بكر بن
أبي دَاوَدَ عَنْ عَمْرو بن عُثْمانَ، عن أبيه ، عَنْ مُحمَّدٍ بن مُهاجر ، به ، ورواه ابن أبي الدنيا ، من طريق
مهاجر(١).
وتقدَّم في الحَديث الّذِي رواه أبو بكر بن أبي سبرة(٢)، عن عُمَر بن عَطاء بن وَرَازٍ(٣) ، عن سَالِم
أبي الغَيْثِ، عن أبي هريرَةَ، مَرْفُوعاً: ((أرضُ الْجَنَّةِ بيضَاءُ، عَرْصَتُها صُخُورُ الكافور، وقد أحَاطَ به
المسكُ مِثْلَ كُثْبانِ الرَّمل، فِيهَا أنْهارٌ مُطَرِدَة، فَيَجْتَمِعُ فيهَا أهْلُ الْجِنَّةِ، فيتَعَارِفُونَ، فَيَبْعثُ اللهُ رِيحَ الرَّحْمَةِ،
فتهيِّجُ عَلَيْهِمْ رِيحَ الْمِسْكِ، فَيَرْجع كل واحد إلى زَوْجَتهِ وقد ازْدَادَ حُسْناً وجمالاً ... )) وذكر الحديث(٤) .
وروى الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي وَّه ـ وقد تقدم -: ((لو أن ما يُقلّ
ظُفُرٌ مما في الجنة بدا، لتزخرف له ما بين خوافق السموات والأرض )(٥) .
ذكر الأمر بطلب الجنة وترغيب الله عباده فيها وأمرهم بالمبادرة إليها
قالَ الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [يونس: ٢٥] وقال: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى:
سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اُلْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً﴾ [التوبة: ١١١]. وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (٢) خِتَمُهُ
مِسٌْ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُثَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥ -٢٦].
وقدْ رَوَى البخاري وغيرهُ منْ حَديث سَعيد بن مِيناءَ، عَنْ جابر، أنَّ مَلائكةً جَاؤوا إلى
رسولِ الله ◌َّهِ، وهُوَ نَائِمٌ، فقالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ نَائِمٌ، وقال بَعْضُهُمْ: إنَّ الْعَينِ نَائمةٌ والقَلْبَ يَقْطَانُ ،
فقالوا : اضربوا له مثلاً ، فقالوا : مَثَلُهُ كمَثَلِ رَجُلٍ بنى داراً واتَّخَذَ فيها مْدُبةٌ وبَعث دَاعياً ، فمنْ أجَابَ
(١) رواه ابن ماجه رقم (٤٣٣٢) وابن أبي داود في ((البعث والنشور)) رقم (٧١) وابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة))
(١) وهو حديث ضعيف .
(٢) في الأصول : أبو بكر بن أبي شيبة ، وهو خطأ .
(٣)
في الأصول : عن عمر عن عطاء بن عرادة بن وراز ، وهو خطأ .
(٤) رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٨) وإسناده ضعيف.
(٥) رواه أحمد في المسند (١٦٩/١) وهو حديث حسن .

٥٠٠
ذكر الأمر بطلب الجنة والمبادرة إليها
الدَّاعِيَ دَخَل الدار وأكل منَ الْمَأْدُبةِ ، ومنْ لم يُجِب الداعي لم يَدْخُلِ الدَّارَ ولم يأكلْ من المأدُبةِ ،
قالوا : فأوَّلُوهَا لهُ يعقلْها، فقال بَعْضُهُمْ: إنَّهُ نائمٌ، وقال بَعْضُهُمْ: إنَّ العَيْنِ نَائمةٌ وَالقَلْبَ يقْظانُ ،
فقالوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحمَّدٌ وَّهَ، فمنْ أطاعَ مُحمَّداً فقدْ أطاع الله، ومنْ عَصى مُحمَّداً فقدْ
عَصَى الله، ومُحمَّد فَرْق بَيْنَ النَّاسِ (١) .
وروى الترمذيّ هذا الحَديثَ، ولَفْظُهُ: خَرَجَ عَلَيْنا رسول الله وَّرِ يوماً، فقالَ: ((إنِّي رَأَيْتُ في
المَنامِ كأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسي، ومَيكائيلَ عِنْدَ رِجْليَّ، يَقُولُ أحَدُهُما لصَاحِبِهِ: اضْرِب لهُ مَثَلاً ، فقال :
اسْمعَ سمعتْ أُذُنْكَ ، واعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُك، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِك كمثل مَلِكِ اَنَّخَذَ داراً ، ثمَّ بَنى فيها
بَيْتاً ، ثمَّ صنع مأْدُبةً، ثمَّ بَعثَ رسُولا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعَامِهِ، فمنْهِمْ مِنْ أَجَابَ الرَّسُولَ ، ومنهم منْ
تركهُ، فالله هُو الملِكُ، والدَّارُ الإسْلامُ، والْبَيْتُ الْجَنَّهُ، وأَنْتَ يا محمدُ رسول الله، فمن أجَابكَ
دَخَلَ الإسلامَ، ومن دَخَلَ الإسلام دَخَلَ الْجَنَّةَ، ومن دَخل الجَنَّة أكل مما فيها (٢) .
وروى الترمذي عن ابن مَسْعُودٍ نَحْوه، وصحَّحه أيضا٣ً) .
وقال حمادُ بن سَلَمةَ، عن ثابت، عنْ أَنَسٍ: أنَّ رسول الله وَهِ قال: ((إنَّ سَيِّداً بنَى داراً، واتَّخَذ
مَأْدُبةً، وبعثَ دَاعياً ، فمن أجَاب الدَّاعِيَ دَخل الدَّارَ ، وأكل من المَأدُبةِ ، وَرَضِيَ عنهُ السَّيِّد، ألا وإنَّ
السَّيِّد الله، والدَّار الإسلامُ، والْمْدُبةَ الْجَنَّةُ، والذَّاعي مُحمَّدٌ وَلِيرٍ)(٤).
وقال أبو يعلى: حدّثنا أبو خَيثمة، حدّثنا جَرير، عنْ يُونُسَ، هُوَ ابن خَتَاب(٥) ، عن أبي حازم ،
عنْ أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّمَ: (( ما استجَارَ عبد من النَّارِ سبع مرات إلا قالتِ النَّار:
يا رَبِّ إنَّ عبدك فلاناً قد اسْتَجَارَ منِّي فأجِرْهُ، ولا سألَ عبدٌ الْجَنَّةَ سَبْعَ مَّاتٍ إلّا قالتِ الْجَنَّةُ: يا رَبِّ
إنّ عَبْدَكَ فُلاناً سألني فأَدْخِلْهُ الْجَنَةَ)). إسناده على شَرْطِ مُسْلمُ(٦).
ورَوَى التّزْمِذِيّ ، وَالنَّسائي ، وابْنُ ماجَهْ ، عن هنَّادٍ ، عن أبي الأخْوَصِ ، عن أبي إسحاق ، عن
بُرِيد(٧) بن أبي مَرْيم، عن أنسٍ ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((منْ سَألَ الله الجَنَّةَ ثلاثَ مَرَّاتٍ ، قالتِ
(١) رواه البخاري رقم (٧٢٨١) .
(٢) رواه الترمذي رقم ( ٢٨٦٠ ) وهو حديث حسن .
(٣)
رواه الترمذي ( ٢٨٦١).
رواه أبو نعيم في « صفة الجنة)) (٢).
(٤)
الصواب أن يونس هذا ، هو ابن يزيد الأيلي ، لأن جرير بن حازم ، يروي عن يونس بن يزيد الأيلي ، لا عن
(٥)
يونس بن خباب . أقول : ويونس بن خباب ، ليس من رجال مسلم .
(٦)
رواه أبو يعلى في مسنده رقم (٦١٩٢) أقول : وإسناده على شرط الشيخين.
(٧) في (أ) : يزيد ، وهو خطأ .