Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
ذكر الميزان
((فَيَبْعثُ الله به إلى النار)) قال: ((فإذا أُذْبرَ بِهِ إذا صائحٌ منْ عِنْد الرحمن ( تبارك وتعالى ) يقول:
لا تَعْجَلُوا، لا تَعْجَلُوا، لا تَعْجَلُوا، فإنه قد بقي له ، فيُؤْتى ببطَاقةٍ فيها: لا إله إلا اللهُ، فتوضعُ مع
الرجل في كِفّةٍ ، حتّى يَميل به الميزانُ)). وهذا السياق فيه غرابةُ(١) فيه فائدة جليلة ، وهي أن العامل
یوزن مع عمله .
وقال ابن أبي الذُّنيا : حدّثنا أحمد بن محمد بن البراءِ المُقْرئ، حدّثنا يَعْلَى بن عُبَيْد، عن
عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ، رفعه ، قال: (( يُؤْتى برجل يوم
القيامة إلى الميزان ، فيُخْرَج لَهُ تسعةٌ وتسعون سِجلاً، كلُّ سِجِلّ منها مدُّ البَصرِ ، فيها ذُنُوبِه ،
وخَطَايَاهُ، فتُوضَعُ في كِفّةٍ، ثم يُخْرَجُ لَهُ قِرْطاس مثل الأُنْملةِ، فيها شهادةُ أنْ لا إِلَّه إلا اللهُ، وأنّ
محمداً عبدُه ورسولُهُ ، فتوضَعُ في الكِفّةِ الأخرى ، فتَرْجحُ بخطاياه )) .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا أبو عُبَيْدِ القاسمُ بن سَلّم، حدّثنا حجّاجٌ، عن فِطْرٍ بن خَليفَةَ ، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط ، قال : لمَّا حضر أبا بكر الموتُ أرسَل إلى عمر ، فقال : إنّما ثَقُلتْ
مَوازينُ منْ تَقُلَتْ مَوَازينُهُ يَوْمَ القيامةِ باتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ في الدُّنيا ، وثِقِله عليهم، وحُقٌّ لِميزانٍ إذا وُضِعَ فيه
الحَقُّ غداً أنْ يكونَ ثَقيلاً، وإنَّما خَفّتْ موازينُ مَنْ خَفّت مَوازينهُ يَوم القيامةِ باتّباعهم البَاطِل [ في
الدنيا]، وخِفّته علَيْهم، وحُقَّ لِميزانٍ إذا وُضع فيه الباطلُ غَداً أنْ يَكُونَ خَفيفاً .
وقال أحمد : عن سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن يعلى بن
مَمْلَك ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ وَّه قال: (( أنْقَلُ شيء يوضع في الميزان خُلُقٌ
حسن (٢) .
وقد وردت الأحاديثُ بوزن الأعمال أنفسها كما في ((صحيح مسلم))، من طريق أبي سَلاّم ، عن
أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله وَ اله: ((الظُهور شَطْرُ الإيمان، والحَمدُ لله تَملأ الميزان،
وسُبْحان الله، والحمدُ لله تملآن [ أو تملأ] ما بَيْن السمواتِ والأرض، والصلاةُ نور، والصدقة
بُرْهانٌ ، والصبر ضياء ، والقرآن حَُّةٌ لَكَ أو عَلَيْك، كلُّ الناسِ يَغْدو فبائعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها ، أو
مُوبقُها (٣) .
فقوله: ((والحمد لله تملأ الميزان))، فيه دلالةٌ على أن العمل نفسه يوزن ، وذلك بأحد شيئين ،
إما أن العمل نفسه ، وإن كان عَرَضاً قد قام بالفاعل ، يُحيلُه الله يوم القيامة فيجعلُه ذاتاً ، تُوضعُ في
(١) رواه أحمد في المسند (٢٢١/٢ - ٢٢٢) وهو حديث حسن .
(٢) رواه أحمد فى المسند (٤٥١/٦ - ٤٥٢)، ورواه من طريق سفيان الترمذي (٢٠٠٢) وهو حديث صحيح .
(٣) رواه مسلم رقم (٢٢٣) .

٢٨٢
ذكر الميزان
الميزان ، كما ورد في الحديث الذي رواه ابن أبي الدُّنيا : حدّثنا أبو خيثمَةَ، ومحمَّد بن سُلَيمان ،
وغيرُهما، قالوا: حدّثنا سُفْيانُ بن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ ، عن يَعْلى بن مَمْلكِ ،
عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((أثْقَلُ شيءٍ يُوضَعُ في الميزان خُلُقٌّ حَسن )).
وكذا رواه أحمد عن سُفيان بن عُيَيْنَ، به، ورواه أحمد ، عن غُنْدَر ، ويحيى بن سعيد ، عن
شُعْبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة ، عن عَطاء الكَيخارانيّ ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء : أن
رسول الله ﴾ قال: (( ما من شيء أنْقَلَ في الميزان من خُلُقٍ حسن)). وقد رواه أحمد أيضاً، من
حديث الحسن بن مُسلم ، عن عطاء ، وأخرجه أبو داود من حديث شُعبَةَ ، به ، والترمذيّ من حديث
مُطَرِّف، عن عطاء الكَيخارانيّ ، به(١).
وقال أحمد : حدّثنا عفّان، حدّثنا أبانٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سَلام،
[عن] مولى لرسول الله ﴿: أن رسولَ الله ◌ِ﴾ قال: ((بَخِ بَخٍ لخمْس، ما أثقلهُنَّ في الميزان : لا إله
إلا الله، واللهُ أكبرُ، وسُبْحانَ الله، والحمدُ لله، والوَلدُ الصّالحُ يُتَوَفّى فَيَخْتَسْبُهُ وَالِدُه)) وقال: (( بَخِ
بَخٍ لِخَمْسٍ : من لَقِيَ الله مُسْتَيَّقناً بهنَّ دَخلَ الْجِنَّة: يؤمن بالله، واليوم الآخر ، وبالْجَنَّة ، والنار ،
وبالبعث بعد الموت ، والحساب)). انفرد به أحمد(٢).
وكما ثبت في الحديث الآخر : (( تأتي البقرةُ وآل عمرانَ يوم القيامة كأنّهُما غَمَامَتانِ ، أو غيايتان ،
أو فِرِقان من طَيْرِ صَوافَّ، يُحَاجَّانِ عن صاحبهما (٣) .
والمراد من ذلك ثوابُ تِلاوتهما ، يَصيرُ يوم القيامة كذلك ، وقيل : إنهما بذاتهما يحاجان عنه
لا ثوابهما . الأمر الثاني : أنّه يوزنُ العمل نفسه يوزن بوضع الصحيفة التي كُتبَ فيها العمل فيوزن
العمل بالصحيفة كما في حديث البِطَاقة ، والله أعلم .
وقد جاء أنّ العاملَ نفسه يوزن ، كما قال البخاريّ : حدّثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا سعيدُ بن
أبي مَزيم، حدّثنا المُغيرة، حدثني أبو الزُناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله مَ له قال:
(إنّه ليأتي الرجُل العَظيمُ السمين يوم القيامة لا يزنُّ عند اللهَ جَناح بعوضَةٍ)) وقال: ((اقرؤوا إنْ شِئْتُمْ
﴿ فَلَنُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيْمَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥]).
قال البخاريّ : وعن يحيى بن بُكَّيْر ، عن المُغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد ، مثله . وقد
(١) رواه أحمد في المسند (٤٤٦/٦ و٤٤٢ و٤٤٨) وأبو داود رقم (٤٧٩٩) والترمذي ( ٢٠٠٣) وهو حديث
صحيح .
(٢) رواه أحمد في المسند ( ٤٤٣/٣) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٣) رواه مسلم رقم (٨٠٤ ) .

٢٨٣
ذكر الميزان
أسند مسلم ما علّقه البخاريّ عن أبي بكر محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن بكير ... فذكره(١) .
وقد رُوي من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ، فقال ابنُ أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدّثنا أبو الوليد ،
حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن صالح، مَوْلى التَّوأمَة ، عن أبي هريرة ، قال : قال
رسول اللّه مَاءِ: ((يُؤتى بالرَّجُلِ الأُكولِ الشَّرُوبِ العَظيم، فَيُوزنُ بحَبَّةٍ فلا يَزِنُها)) قال: ((وقرأ:
﴿ فَلَا تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥])). ورواه ابن جرير، عن أبي كُريب، عن ابن الصّلت(٢)،
عن ابن أبي الزّناد ، [ عن صالح ] ، عن أبي هريرة مرفوعاً، بلفظ البُخاريّ سواءً.
وقد قال البزَّار : حدّثنا العباس بن محمد، حدثنا عَوْنُ بن عُمارة ، حدّثنا هشامُ بن حَسّان ، عن
واصل، عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا عند رسول الله بِّهِ، فأقبل رجلٌ من قُرَيْش يَخْطِرُ
فِي حُلّةٍ له، فلمّا قام على النبيِّ نَّهُ قال: (( يا بُريدةُ؟ هذا ممَّنْ لا يُقيمُ الله لهُ يومَ القِيامةِ وَزْناً)) ثم
قال : تفرَّد به عون بن عُمَارة ، وليس بالحافظ ، ولم يُتابع عليه(٣) .
قال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الصمد ، وحسن بن موسى ، قالا : حدّثنا حمّاد ، عن عاصم ، عن
زرّ بن حُبَيْشٍ ، عن ابن مسعود : أنّه كان يَجْتَنِي سِوَاكاً من الأراك ، وكان دقيق الساقين ، فجعلت
الريح تَكْفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله وَّة: ((مِمَّ تَضْحكون؟)) قالوا: يا رسول الله من
دِقّةِ سَاقَيه، فقال رسول الله ﴿ه: ((والذي نفسي بيده، لَهُمَا أَثْقَلُ في الميزان من أُحدٍ)). تفرّد به
أحمد ، وإسنادُه جيِّد قويّ ، فقد جاءت الروايات بهذه الصفات (٤) .
وفي ((مسند الإمام أحمد )) في بعض طرق حديث البطاقة - من طريق ابن لهيعة - : أن العامل يوزنُ
مع عمله وصحيفته ، والله تعالى أعلم بالصواب(٥) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا عفّان، حدّثنا القاسم بن الفَضْل، قال: قال الحسنُ : قالت عائشةُ :
يا رسول الله هل تذكرون أهليكم يومَ القيامة؟ قال: ((أمَّا في مَوَاطنَ ثلاثةٍ فلا : الكتاب ، والميزان ،
والصراط (٦) فقوله: ((الكتاب)) يحتمل أن يكون كتابَ الأعمال ليَشَهْد على الأنفس بأعمالها،
ويحتمل أن يكون ذلك عند تَطَاير الصحف في أيدي الناس فَآخذ بيمينه وآخذ بشمالِهِ ، كما قال
(١) رواه البخاري رقم (٤٧٢٩) ومسلم رقم (٢٧٨٥) .
(٢)
في الأصول : ابن أبي الصلت ، وهو خطأ .
(٣) رواه البزار رقم (٢٩٥٦) كشف الأستار ، وإسناده ضعيف .
(٥) رواه أحمد فى المسند (٢٢١/٢ -٢٢٢). أقول: وإسناده حسن، لأن الراوي عن ابن لهيعة قتيبة بن سعيد .
(٤)
رواه أحمد في المسند (٤٢٠/١ - ٤٢١).
(٦) رواه أحمد في المسند (١٠١/٦) وهو مرسل ، ولكن للحديث شاهد من حديث أنس بمعناه ، فهو به حسن ،
وقد تقدم صفحة (٢٦٤) وسيأتي صفحة (٢٨٤) .

٢٨٤
ذكر الميزان
البيهقي : حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عليّ المُقْرئ ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق ،
حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، حدّثنا محمد بن مِنْهال، حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيع، حدثنا يونس بن
عُبَيْد، عن الحسن، أنَّ عائشةَ ذكرت النار فبكَتْ، فقال لها رسول الله وَلَةِ: (( ما يُبْكيك يا عائشة؟))
قالت : ذَكَرْتُ النارَ فَبَكَيْتُ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: ((أما في ثلاثة مواطنَ فلا يذكُر
أحدٌ أحداً ؛ حَيثُ يُوضعُ العمل في الميزان ، حتى يعلم أيثْقُلُ ميزانه أمْ يَخِفّ ، وحيثُ يقول :
﴿ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَبِيَةُ﴾ حيث تَطَايَرُ الصُّحُفُ، حتى يَعْلِمَ كِتابَهُ فِي يَمينه ، أو في شِمالِهِ ، أو من وراء
ظَهْرِهِ، وحيثُ يوضَعُ الصِّراطُ على جِسْرِ جَهِنَّم )) قال يونس: أشُكُ هل قال الحسن : حافتاه
كَلاليب ، وحَسَكٌ يَحْبسُ اللهُ بِهِ مِنْ يشاءُ من خَلْقِهِ ، حتّى يَعلمَ أينجو أمْ لا يَنْجُو ، ثم قال البيهقي :
حدّثنا الرُوذَبَارِيّ : حدّثنا ابن دَاسةَ، حدّثنا أبو داود، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، وحُمَيْدُ بن مَسْعدةَ ،
أنّ إسماعيل بن إبراهيم حدّثهم، قال : حدّثنا يونُس، عن الحسن ، عن عائشة : أنّها ذكرت النارَ
فَكَتْ ... وذكر الحديث بنحوه، إلّا أنّه قال: ((وعند الكتاب، حين يقال ﴿هَاؤُمُ أَقْرَهُ واْ كِنَبِيَةٌ ﴾ حتى
يَعْلَمْ أَيْنَ يَقعُ كتابُه، أفي يَمينه أمْ في شِمالِه، أمْ منْ وَراءِ ظَهْرِهِ، وعنْدَ الصراط ، إذا وُضِعَ بَيْنَ
ظَهْرَانَي جَهَنّم)) قال يعقوب عن يونس: وهذا لفظ حديث(١).
طريق أخرى عن عائشة رضي الله عنها
قال الإمام أحمد : حدّثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابنُ لَهِيعةَ، عن خالد بن أبي عِمْران ، عن
القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، هل يذكر الْحَبيبُ حَبيبهُ يَومَ القيامةَ ؟
قال: (( يا عائشة، أمَّا عند ثلاثٍ، فلا، [ أما ] عِنْدَ الميزان حتّى يَثْقُلَ، أو يَخفّ فلا، وأمّا عند
تَطاير الكُتب، فإمّا أنْ يُعْطَى بِيَمينه ، أو يُعْطَى بِشمَالِه ، فلا، ثمَّ حين يَخرج عُنُقٌ من النار فيَنْطَوي
عليهم ، ويَتغيَّظُ عليهم، ويقول ذلك العُنق: وُكِّلْتُ بثلاثة، وكلت بمن اذَّعَى مع الله إلهاً آخَر ،
وؤُكِّلْتُ بمن لا يؤمِنُ بَيَوْمِ الحِساب، ووكُّلْتُ بكلِّ جَبَّارٍ عَنيدٍ)) قال: (( فيَنْطوي عليهم، ويَرْمي بهم
في غَمراتٍ ، ولجَهَنَّم جسَر أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، عليه كَلاليب، وحَسَك ، تأخذ منْ
شاء الله، والناسُ عليه كالطرف ، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخَيْل والرِّكابِ ، والملائكةُ
يقولون: ربِّ سلّم، ربّ سلّم، فتاجٍ مُسلَّم، ومَخْدُوش مُسلَّم، ومُكوَّرٌ في النار على وجهه)(٢).
وتقدم من رواية حرب بن ميمون ، عن النضر بن أنس ، عن أنس ، أنَّه قال : اشفعْ لي
يا رسول الله، قال: ((أنا فاعل)) قال: فأيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قال: (( اطلبني أوَّلَ ما تَطْلُبُني عند الصراط)»
(١) ورواه أيضاً البيهقي في ((الاعتقاد)) (٢٧٤) وأبو داود (٤٧٥٥) وهو حديث حسن بطرقه وشواهده .
(٢) رواه أحمد في المسند (٦/ ١١٠) وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.

٢٨٥
ذكر الميزان
قال : فإنْ لم ألْقَكَ؟ قال: ((فعند الحوض))، قال: فإن لم ألقك؟ قال: ((فعند الميزانِ، فإنّي
لا أخطئ هذه الثَّلاثةَ مَواطن يَوْمَ القيامة)). رواه أحمد والترمذيّ(١).
وقال الحافظ [ أبو بكر ] البَيْهقيّ: أخبرنا أبو سَهْل، أحمد بن محمد بن إبراهيم المِهْرَانيّ ، حدّثنا
أحمد بنُ سَلْمان الفقيهُ بِبَغْدَادَ ، حدّثنا الحارث بن محمَّد، حدّثنا داود بن المُحَبَّر، حدّثنا صالح
المُرِّيّ، عن جعفر بن زيد، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ◌َه، قال: ((يُؤْتَى بابن آدمَ يومَ القيامة ،
فيُوقفُ بين كِفَّتَي المِيزانِ ، ويُوَّل به مَلَك، فإنْ تَقُل ميزانُهُ نادى المَلكُ بصوتٍ يُسْمعُ الخلائقَ : ألا إن
فلاناً سَعد سعادةً لا يَشْقَى بَعْدَها أبداً، وإنْ خف ميزانُهُ نادَى المَلكُ بصَوْتٍ يُسْمعُ الْخَلائقَ: شَقِيَ فُلانٌ
شقاوة لا يَسْعد بعدَها أبداً » ثم قال البيهقي: إسنادُه ضعيف بمرة .
وقد رواه الحافظان البزار ، وابن أبي الدنيا ، عن إسماعيل بن أبي الحارث ، عن داود بن
المُحَبَّر ، حدّثنا صالح المُرِّيّ ، عن ثابت البُنَانيّ ، وجعفر بن زَيْد - زاد البزَّار: ومنصور بن زاذان - ،
عن أنس بن مالك ، يرفعه، بنَحْوهً(٢) .
وقال عبد الله بن المُبارك: حدّثنا مالك بن مِغْوَل، عن عُبَيْد الله بن العَيْزَار(٣) ، قال : عند الميزان
ملَكٌ إذا وُزِنَ العَبدُ نادى: ألا إنَّ فلانَ ابنَ فُلانٍ ثَقُلَتْ موازينه، وسَعِدَ سَعادَةً لا يَشْقَى بَعْدها أبداً ، ألا
إِنَّ فُلان ابنَ فلانٍ خَفَّتْ مَوازينُه، وشَقِيَ شَقاوةً لا يَسْعدُ بَعْدها أبداً؟) .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا يوسفُ بن موسى، حدّثنا الفَضْل بن دُكَيْن، حدّثنا يوسُف بن
صُهَيْبٍ ، حدّثنا موسى بن أبي المُخْتارِ ، عن بلالِ العَبْسيّ، عن حُذَيْفَةَ ، قال : صاحبُ الميزان يوم
القيامة جبريلُ يَرُدُّ بعضُهم على بعض، ولا ذَهَب يَوْمئذٍ ولا فِضّة، قال: فيُؤخذُ من حَسَنات الظَّالِم ،
فإنْ لم يكن له حسناتٌ أخِذَ من سيئَاتِ المظلوم ، فرُدّت على الظالم .
وقال أبو بكر بن أبي الدّنيا : حدّثنا محمد بن العبّاس بن محمد ، حدّثنا عبد الله بن صالح
العِجْلِيّ ، حدّثنا أبو الأحوص، قال : افتخَرتْ قريشٌ عند سَلْمان، فقال سلمان : لكنِّي خُلِقْتُ منْ
نُطْفَةٍ قذرَةٍ ، ثم أعود جيفةً مُنْنَةً ، ثم يُؤتى بي إلى الميزان، فإن ثَقُلَتْ فأنا كريم، وإن خَفَّتْ فأنا
لَئِيمٌ ، وقال أبو الأحوص : تدري من أيِّ شيء يُخافُ؟ إذا ثَقُلتْ ميزانُ عَبْدٍ نُودي في مَجْمع فيه
الأولون والآخرُون : ألّا إنّ فلان ابن فلان قد سَعِد سعادةً لا يَشْقَى بعدها أبداً ، وإذا خَفَّت ميزانُه نودي
على رؤوس الخلائق : ألا إنّ فلانَ ابن فلانٍ قد شَقيَ شقاوة لا يَسْعدُ بَعْدها أبداً .
(١) رواه أحمد في المسند (١٧٨/٣) والترمذي رقم ( ٢٤٣٣) وهو حديث حسن .
(٢) رواه البزار (٣٤٤٥ - كشف الأستار ) وإسناده ضعيف .
(٣) فى الأصول : عبيد الله بن أبي العيزار ، والتصحيح من كتب الرجال .
(٤) رواه ابن المبارك في الزهد ( ٣٧٢ - زوائد نعيم ).

٢٨٦
ذكر الميزان
وقال البيهقيّ : حدّثنا أبو الحسن عليّ بن أبي علي [السَّقاء]، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن
يعقوب، حدّثنا محمد بن عبيد الله المنادي ، حدّثنا يونس بن محمد، حدّثنا المُعْتمرُ بنُ سُلَيْمانَ ، عن
أبيه ، عن يحيى بن يَعْمر ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، في حديث الإيمان ،
قال : يا محمّد، ما الإيمان؟ قال: (( الإيمانُ أن تُؤْمنَ بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسُله ، وتؤمن
بالجَنَّةِ والنار، والميزان ، وتُؤمن بالبَعْثِ بعد الموت، وتؤمن بالقدر خَيْرِهِ وشَرّه)) قال : فإذا فعلتُ
هذا فأنا مؤمن؟ قال: ((نعم))، قال : صدَقْتَ .
وقال شُعبة : عن الأعمش ، عن شَمِر بن عَطيّة : عن أبي الأخْوَص ، عن عبد الله ، هو ابن
مسعود ، قال : للناس عند الميزان تَجادُلٌ وزِحامٌ .
وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا أبو نصر الثَّمَّارُ، حدّثنا حمّاد بن سَلَمة، عن ثابتِ البُنَانِيّ ، عن
أبي عثمان النَّهْديّ ، عن سَلْمانَ الفَارسيّ ، قال: يوضع الميزانُ وله كِفَّتانِ ، لو وُضع في إحداهما
السموات والأرضُ ، وما فيهنَّ لوَسعَتْها ، فتقول الملائكة : يا رَبَّنا ، من يزن بهذا ، فيقول تعالى : مَن
شئتُ من خلقي ، فيقولون : ربنا مَا عَبَدنَاكَ حقّ عِبَادَتِكَ .
وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا يوسف بن موسى، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا حمَّاد بنُ زيد،
حدّثنا أبو حنيفة، [ عن حمَّاد ]، عن إبراهيم، في قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ ﴾
[ الأنبياء: ٤٧ ] قال: يجاء بعملِ الرجل فيوضعُ في كِفَّةِ ميزانه، ويُجاءُ بشَيْء مثلِ الغَمامَةِ ، أو مِثْلٍ
السحاب كَثرةً فيوضَعُ في كِفَّةٍ أخرى في ميزانه ، فيَرْجحُ ، فيقال : أتدري ما هذا؟ فيقال : هذا العلمُ
الذي تَعَلَّمْتَه، وعلَّمْتَهُ الناسَ ، فعلِموه، وعَمِلُوا به بَعْدَك .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا أحمد بن محمَّد ، حدّثنا علي بن إسحاق ، حدّثنا ابن المبارك ، عن
أبي بَكْر الهُذلي ، قال : قال سعيد بن جُبير ، وهو يُحدّث ذاك عن ابن مسعود ، قال : يُحاسبُ الناسُ
يوم القيامة ، فمن كانت حسناتُه أكثر من سيئاتهِ بوَاحدةٍ دخلَ الجنَّة ، ومن كانت سيئاتُه أكثر من حسنَاتِه
بواحدةٍ دَخَلَ النار ، ثم قرأ: ﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَفَتْ مَوَزِيُّهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ
خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، ثم قال: إنّ الميزانَ يَخفُّ بمثقالِ حَبَّةٍ من خردل أوْ يَرْجَحُ(١).
وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا هارون بن سفْيَان، [ حدّثنا] السهميّ، حدّثنا عبَّاد بن شَيْبَةُ(٢)، عن
سعيد بن أنس ، عن الحسن قال : يعتذر الله يوم القيامة إلى آدم ثلاثَ معاذيرَ ، يقول : يا آدم ، لولا
أَنّي لَعَنْتُ الكاذبينَ ، وأُبغضُ الكذب والْخُلْفَ ، لرحمتُ ذُرِّيتِكَ اليومَ من شدَّةٍ ما أعدَدْتُ لهم من
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤١١ - زوائد نعيم).
(٢) في جميع النسخ : عمار بن شيبة ، وهو خطأ ، والمثبت في الميزان ( عباد بن شيبة ) .

٢٨٧
ذكر الميزان
العذاب ، ولكنْ حَقّ القولُ مِنِّي لمن كَذَّب رُسُلي ، وعَصَى أمري ، لأمْلأنَّ جهنّم منهم أجمعين ،
ويا آدم ، اعلم أنّي لا أُعذّب بالنار أحداً من ذرِّيَّتك وأدخل النار أحداً منهم إلا من قد عَلِمْتُ في علمي
أنّه لو رددتُه إلى الدُّنيا لعادَ إلى شرّ مما كان عليه، ولم يرجع، ويا آدم ، أنت اليومَ عَدْلٌ بَيْني وبين
ذُرِّيَتك ، قم عند الميزان ، فانظر ما يَرْجِعُ إليكَ من أعمالهم، فمن رَجَحَ خيرُه على شرِّه مِثْقَال ذرَّةٍ فله
الْجِنَّة، حتَّى تَعْلمَ أنّي لا أُعذّب إلّ كلّ ظالمُ(١)
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا محمد بن يوسف بن الصبَّاح، حدّثنا عبد الله بن وَهْب ، عن
معاوية بن صالح ، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة: أنَّ رسول الله ◌ِوَّ قال: ((إذا كان يومُ القيامة
قامت ثُلَّة من الناس، يَسُدُّون الأفق، نورُهم كنور الشمس ، فيقال : لمن هذه؟ فيقال: للنبيّ
الأمي ، فيتحسَّس لها أُمَّةُ كلِّ نبيّ ، فيقال: هذا محمد وأُمَّته ، ثم تقوم ثُلَّة أخرى تَسُدّ ما بين الأفق ،
نورهم كنور القمر ليلة البَدْر ، فيقال : للنبيّ الأميّ ، فيتحسَّس لها كل نبيّ ، فيقال : محمَّد وأمَّته . ثم
تقوم ثُلَّةٌ أخرى ، نورهم مثلُ كُلِّ كوكب في السماء ، فيقال : للنبيّ الأميّ ، فيتحسَّس لها كلُّ نبِيّ ،
فيقال : محمد وأمّته ، ثم يَجيءُ الربُّ تعالى، فيقول : هذا لكَ منِّي يا محمد ، وهذا لك منِّي
يا محمد ، ثم يوضعُ الميزانُ، ويُؤخذُ في الحساب)(٢) .
فصل
وقد نقل الطبري عن بعضهم : أنَّ الميزان له كِفَّتان عَظِيمتانِ ، لو وضعت السمواتُ والأرضُ في
كلِّ واحدٍ منهما لَوَسِعَتْها ، فأمَّا كِفَّةُ الْحَسَناتِ فنور، وأمَّا الأخرى فَظُلْمةٌ ، وهو منصوب بَيْن يدي
العَرْش، وعن يمينه الجنَّةُ، وكِفَّةُ [النور] من ناحيتها، وعن يساره جَهَنَّمُ، وكِفَّةُ الظلمة من
ناحيتها ، قال : وقد أنكرت المُعْتزلةُ الميزانَ، وقالوا : الأعمال أعراض ، لا جرم لها ، فكيف
تُوزن؟ قال : وقد رُوي عن ابن عبَّاس : أنَّ الله يَخْلُق الأعراض أجساماً ، فتوزنُ ، قال : والصحيح أنّه
توزنُ كُتُبُ الأعمال . قلت : قد تقدَّم ما يَدُلّ على الأوَّل ، وعلى الثاني ، وعلى أن العامل نفسه يُوزنُ
مع عمله . قال القرطبيّ: وقد رُوي عن مجاهد، والضخَّاك، والأعمش: أنَّ الميزان هُنا بمعنى
العَدْل ، والقضاء ، وذِكْرُ الوزن والميزان ضَرْب مثلٍ كما يُقال : هذا الكلام في وزن هذا . قلت : لعلَّ
هؤلاء إنّما فسروا هذا عند قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٥ أَلَّا تَطْغَوْاْ فِىِ الْمِيزَانِ ﴿ وَأَقِيمُواْ
اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ ﴾﴾ [الرحمن]، فهاهنا المراد بالميزان أنه تعالى وضع العدل بين
عباده ، وأمر عبادَه ، أنْ يَتعاملُوا به فيما بينهم ، فأما الميزانُ الموضوع يوم القيامة ، فقد تواترت بذكره
(١) وإسناده ضعيف.
(٢) وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٧٨٠) من طريق ابن وهب .

٢٨٨
ذكر الميزان
الأحاديثُ كما رأيتَ، وهو ظاهر القرآن العظيم ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ .... وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ [ الأعراف:
٨-٩]، وهذا إنما يكون لشيء مخسُوس.
قال القرطبيّ: فالميزانُ حَقّ ، وليس هو في حق كلِّ أحدٍ، بدليل قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ
﴾ [ الرحمن ] .
◌ِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالتَّوَسِ وَالْأَقْدَاعِ
وقوله مَّ﴾: « فيقول الله: يا محمد، أدْخِلْ منْ أُمَّتِك منْ لا حِسَابَ عليه من الباب الأيمن، وهم
شركاءُ الناس فيما سواه من الأبواب (١) . قلت : وقد تواترت الأخبارُ في السبعين ألفاً الذين يدخلون
الجنَّةَ بغير حساب ، لكن يلزمُ من هذا ألّا تُوزن أعمالهم ، وفي هذا نظر ، والله أعلم .
وقد توزن أعمال السعداء ، وإن كانت رَاجحةٌ ، لإظهار شَرَفِهم وفضلهم على رؤوس الأشهاد ،
والتنويه بسعادتهم ، ونجاتهم وإن كانوا لا حساب عليهم ، وأما الكفَّار فتُوزنُ أعمالهم ، وإن لم يكن
لهم حَسناتٌ تنفعهم ، يُقابل بها كفرُهم ، فإن حسناتهم ولو بلغت ما بلغت لا تقابل كفرهم ولا توازنه ،
وهي غير نافعة لهم . فتوزن لإظهار شَقائهم ، وفَضيحتهم على رؤوس الأشهاد .
وقد جاء في الحديث: (( إنَّ الله لا يظلمُ أحَداً حَسَنَةً ، أما الكافِرِ فَيُطْعمُه بحسَناتِهِ في الدُّنيا حتى
يُوافي اللهَ، وليس له حَسنةٌ يَجزيه بها (٢) .
وقد ذكر القرطبيّ في ((التذكرة)) أنّ الكافر قد يوافَى يوم القيامة بصدَقةٍ، وصِلة رحم ، وعِتْقٍ ،
فيُخَفِّفُ الله عنه بذلك من عذابه ، واستشهد بقَضيةِ أبي طالب حين جعله الله في ضَخْضاح من نارٍ يَغْلي
مِنْهُ دِمَاغُهُ(٣). وفي هذا نظر، إذ قد يكون هذا خاصّاً به، لأجل حياطةِ رسول الله وَل﴿ ونُصْرته له ، أو
لأجل شفاعة فيه ، أن يجعل في ذلك المكان ، وكما سُقي أبو لهب في النُّقرة التي هي في ظهر
الإبهام، بسبَبِ عتاقته ثُوَيْبَةَ التي أرضعَتْ رسول الله مِ﴿﴿١٤)، واستدلَّ القُرطبيّ على ذلك بعموم قوله
تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبٍَّ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا
﴾ [الأنبياء]. قلت: وقُصارى هذه الآية العمومُ، فيُخصُّ من ذلك الكافرون؛ وقد
وَكَفَى بِنَاحَسِينَ
سئل رسول الله وَ﴿ عن عبد الله بن جُدْعانَ، وذُكرَ له أنَّه كان يَقْري الضَّيْفَ، ويطعم الجائع، ويَصِلُ
الرُّحِمَ، وَيُعْتِقُ، فهل نفعه ذلك؟ قال: ((لا، إنَّه لم يَقُلْ يوماً من الدَّهر: لا إله إلا الله)) [ وفي
(١) رواه البخاري رقم (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤).
(٢)
رواه بمعناه مسلم رقم ( ٢٨٠٨) .
(٣)
رواه مسلم رقم (٢١٠).
هو في البخاري رقم (٥١٠١) مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به . قال الحافظ في ((الفتح)): وعلى
تقدير أن يكون موصولًا ، فالذي في الخبر رؤيا منام ، فلا حجة فيه ، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد
فلا يحتج به .
(٤)

٢٨٩
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
رواية: ((لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين))}١) وقال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
[ الفرقان]، وقال تعالى عن أعمال الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ
فَجَعَلْنَهُ هَبَاءُ مَنُورًا
﴾ [ النور: ٣٩].
يَحْسَبُهُ الَّْئَانُ مَآءَ حَقَّى إِذَا جَآءَمُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ عِنْدَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
فصل
قال القرطبيّ وغيره : من ثَقُلَتْ حَسَناتُه على سَيّئاته ولو بِصُؤابةٍ دخل الجنَّةَ ، ومن كانت سيئاتُه
أثْقَلَ ولو بصؤابةُ(٢) دخل النار ، إلَّ أنْ يَعْفُو الله عنه، ومن استوت حسناتُه وسيّئاته فهو من أهل
الأعْرَافِ . وروي مثل هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه. قلت: يشهدُ له قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهُ لَا يَظْلِمُ
﴾ [ النساء] لكن ما الحكم في من ثَقُلت
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَُّنّهُ أَبْرًا عَظِيمًا
حسناتُه على سيِّئاته بحَسَنةٍ أو بحسناتٍ ؟ هل يدخل الجنَّة ، فيرتفع في درجَاتها بجميع حَسَناتِه ، وتكون
قد أحبطت السيئات التي وازنتها وقابلتها ؟ أو يرتفع بما بقي له من الحسنات الراجحة على السّيئات ،
وتكون السيئاتُ قد أسقطت ما وازنها من الحسنات فأبطلتها ، وكذا إذا رجحت سيئاته على حسناته
بسيئة أو بسيئات ، هل يُعذّب في النار بجميع سيئاته ، أو بما رجح على حسناته من سيئاته .
ذكر العرض على الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ، وتطاير الصحف
ومحاسبة الربّ عزَّ وجلَّ عباده
قال الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْحِبَالَ وَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَيْنَهُمْ فَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًّا (١٦)] وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا
وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَ الْمُجْرِمِنَ مُشْفِقِينَ مِمَافِیهِ
لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقْ بَّ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا لَّ
وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَأْ وَوَجَدُ وامَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدَا﴾
[ الكهف: ٤٧ - ٤٩]. وقال تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِىّهَ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ
إلى آخر السورة [ الزمر:
بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ () وَوُقِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ () ... )
٦٩-٧٥]. وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَّكَوْاْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقال
تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَخْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ فَرَبِّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُ إِنَّانَا
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسِ مَّا أَسْلَغَتْ وَرُدُّوَاْ إِلَى
٢٠
تَعْبُدُونَ لََّ فَكَفَى بِلَهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ
-
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢١٤).
(٢) الصؤابة : بيضة القمل والبرغوث .

٢٩٠
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
اللَّهِ مَوْلَنُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ -٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نحشرهمُ(١) جَمِيعًا
يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ أَسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنِسِّ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى
وَيُنذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَّاً ... ) الآية [الأنعام: ١٢٨ - ١٣٠]. وقال تعالى:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، والآيات في هذا كثيرة جدّاً، وسيأتي في كلّ موطن
ما يتعلَّق به من آيات القرآن .
وتقدَّم في ((صحيح البخاري))، عن ابن عباس، عن النبيّ وَّر أنه قال: ((إنّكم مُلاقُو اللهِ حُفَاةً
عُرَاةَ غُزْلًا، كما بَدَأْنَا أَوَّل خَلْقٍ نُعيده)(٢)، وعن عائشة(٣) وأُمّ سلمةً(٤) وغيرهما نحو ما تقدمُ(٥) .
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدّثنا أبو نصر التمَّار، حدّثنا عُقبةُ الأصَمُّ، عن الحسن ، قال :
سمعتُ أبا موسى الأشعريّ، يقول: قال رسول الله وَله: «يُعْرضُ الناسُ يوم القيامة ثَلاثَ عَرَضَاتٍ،
فَعَرْضَتانِ جِدالٌ ومَعاذيرُ ، وعَرْضَةٌ تَطَايَرُ الصُّحُفُ، فمن أُوتِي كتابَهُ بيمينه ، وحُوسب حساباً يسيراً
دخل الجنَّةَ، ومن أوتي كتابه بشِمَالِه دخَل النار )(٦) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا وكيعٌ ، حدّثنا علي بن علي بن رِفَاعةً، عن الحسن ، عن أبي موسى
الأشعريّ قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: (( يُعرض الناسُ يوم القيامة ثَلاثَ عَرَضَاتٍ، فأمَّا عَرْضَتانِ فجِدَالٌ
ومعاذيرُ، وأمَّا الثالثة فعندَها تَطيرُ الصُّحُف في الأيدي، فَآَخِذٌ بَيَمينِهِ وآخذٌ بشِماله)). وكذا رواه ابن
ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن وكيع، به(٧) . والعجب أن الترمذي روى هذا الحديث عن
أبي كريب، عن وكيع ، عن عليّ بن عليّ، عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبيّ بَّر ... ، فذكر
مثله(٨) . ثمَّ قال الترمذيّ: ولا يصحّ هذا من قِبَل أن الحسن لم يَسْمَعْ من أبي هريرة ، قال : وقد رواه
بعضُهم عن عليّ بن عليّ، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبيّ وَّر.
قلت : الحسن قد روى له البخاري عن أبي هريرة مقروناً بغيره .
(١) هي بالنون قراءة ما سوى حفص عن عاصم ، وروح عن يعقوب.
(٢) رواه البخاري رقم (٦٥٢٤) ومسلم (٢٨٦٠).
(٣) رواه البخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ١١٩ .
(٥) رواه البخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩) .
(٦) وإسناده ضعيف .
(٧) رواه أحمد في المسند (٤١٤/٤) وابن ماجه (٤٢٧٧) وإسناده ضعيف .
(٨) رواه الترمذي (٢٤٢٥) وإسناده ضعيف .

٢٩١
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
وقد وقع في (( مسند الإمام أحمد )) التصريحُ بسمَاعِه منه، فالله أعلمُ(١). وقد يكون الحديث عنده
عن أبي موسى ، وأبي هريرة ، والله أعلم .
وأما الحافظُ البَيْهقيّ، فرواه من طريق مَرْوانَ الأصفر ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود من
قوله ، مثله سواءً .
وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك : أنَّه أنشد في ذلك شعراً :
وَطَارَتِ الصُّحْفُ فِي الأَنْدِي مُنَشَّرَةً فِيهَا السَّرَائِرُ والجَبَّارُ مُطَّلِعُ
عَمَّا قَليلٍ ، ولا تَذْري بما تَقَعُ
فَكَيْفَ سَهْوُكَ والأنْباءُ واقِعةٌ
أو الجَحِيمُ فَلا تُبْقِي ولا تَدَعُ
إمَّا الجِنَانُ وفَوْزٌ لا انْقِطَاعَ لَهُ
إذا رَجَوْا مَخْرَجاً منْ غَمِّها قُمِعُوا
تَهْوي بِساكِنِها طَوْراً وتَرْفَعُهُمْ
طَالَ الْبُكَاءُ فَلَمْ يُرْحِمْ تَضَرُّعُهُمْ
لَيَنْفِعُ العِلْمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَالِمَهُ
فِيها ، ولا رِقَّةٌ تُغْني ولا جَزَعُ
قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِها الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِكَ كَدّحًا فَمُلَفِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَهُ
بِيَمِينِةٍ، ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (١٥) وَقَلِبُ إِلَ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ، (١٥] فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا
وَيَصْلَى سَعِيرًا (١) إِنَُّ كَانَ فِيَّ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (﴿ إِنَُّ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ (١) بَ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ، بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ٦ -١٥].
قال البخاريّ في «صحيحه)): حدّثنا إسحاق بن منصور، حدّثنا رَوحُ بن عُبادةَ ، حدّثنا حاتم بن
أبي صَغيرة، حدّثنا عبد الله بن أبي مُلَيْكةَ، حدّثني القاسمُ بن محمَّد، حدّثَنْني عائشةُ رضي الله عنها :
أنَّ رسول الله وَّه قال: ((ليس أحدٌ يُحاسبُ يَوْمَ القِيَامِ إلَّ هَلَكَ)) فقلت: يا رسول الله، ألَيْسَ قَدْ قال
الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْقِىَ كِتَبٌَ بِيَمِينِةٍ، ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ -٨] فقال رسول الله وَّه :
((إنّما ذلك العرض، وليس أحَدٌ يُناقَشُ الْحِسابَ يَومَ القِيامَةِ إلّا عُذِّب (٢). أشار إلى أن الله تعالى لو
ناقش في حسابه لهم لعذّبهم كلهم وهو غيرُ ظالم لهم ، ولكنَّه تعالى يعفو ، ويصفح ، ويغفِر ، ويستر
في الدُّنيا والآخرة ، كما في حديث ابن عمر في النجوى: (( يُدْني اللهُ العَبْدَ يوم القيامة حتّى يَضَع عليه
كَنفهُ، ثُمَّ يُقرِّره بِذُنُوبِهِ ، حتّى إذا ظَنَّ أنه قد هلك ، قال الله تعالى : إنّي قد سَتَزْتُها عَلَيْك في الدُّنيا ،
وأنا أغْفِرُها لك اليوم (٣) .
(١) رواه أحمد (٣٦٢/٢) رقم (٨٧٤٢) وإسنادها ضعيف .
(٢) رواه البخاري رقم (٦٥٣٧).
(٣) رواه البخاري رقم (٢٤٤١) ومسلم ( ٢٧٦٨).

٢٩٢
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
فصل
!وَأَصْحَبُ
قال الله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًّا نَ وَكُنُ أَزْوَجًا ثَلَاثَةُ ﴿ فَأَصْحَبُ اُلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ اَلْمَيْمَنَّةِ (
اَلْشَْمَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ (9) وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرُّونَ (١) فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ ... ﴾ الآيات [الواقعة: ٦ -١٢]
فإذا نُصِب كرسيُّ فَصْل القضاء ، انْمازَ الكافرُون عن المُؤْمنين في المَوْقفِ إلى ناحية الشِّمال ، وبقي
المؤمنون عن يمين العرش ، ومنهم من يكون بين يديه . قال الله تعالى: ﴿ وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[يس: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَا ؤُكُمْ فَرَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ... ) الآية [ يونس: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَِّ جَائِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ الجاثية: ٢٨] فالخلق كلهم
قيامٌ لرَبِّ العالمين بين يديه ، والعَرَقُ قد غَمَر أكثرهم، وبلغ الجهد منهم كلَّ مَبْلَغ ، والناسُ فيه
بحَسب الأعمال كما تقدّم في الأحاديث ، خاضعينَ صامتين ، لا يتكلّم أحدٌ إلا بإذنه تعالى ، ولا يتكلّم
يومئذٍ إلّ الأنبياءُ والرُّسل، حولهم أُمَمهُم، وكِتابُ الأعمال قد اشتمل على عمل الأوَّلين ،
والآخرين ، موضوعٌ لا يغادر صغيرةً ، ولا كبيرةً إلّا أحصاها ، مما كان يعمل الخلق ، وأحصاه الله
ونَسُوه، وكتبتْه عليهم الحَفظةُ كما قال الله تعالى: ﴿يُنَّوْا ◌َلْإِنَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١) بَلِ آلْإِنَنُ عَلَى نَفْسِهِ،
بَصِيرَةٌ (١٦) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيَرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنَنِ اَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ
اٌلْقِيَمَةِ كِتَبًّا يَلْقَنَهُ مَنْشُورًا (٤) اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَرِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
قال الحسن البصريّ : لقد أنصفك يا ابن آدم من جعلك حسيب نفسك ، والميزانُ منصوب لوزْن
أعمال الخير والشرّ، والصراط قد مُدَّ على متن جهنم، والملائكة مُحْدقونَ ببني آدم وبالجنِّ، وقد بُرِّزَت
الجحيمُ، وأزلفت دارُ النعيم ، وتجلى الربُّ تعالى لفصل القضاء [ بين عباده ]، وأشرقت الأرضُ بنُور
رَبُّها ، وقرئت الصحف ، وشَهِدَت على بني آدم الملائكةُ بما فعلوا ، والأرضُ بما عملوا على ظهرها ،
فمن اعترف منهم ، وإلا خُتِمَ على فِيهِ ، ونَطَقَتْ جوارِحُه بما عَمِل بها في أوقات عمله ، من لَيْلٍ أو
نَهار، وقال الله تعالى عن الأرض: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَأْ ® بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥].
حََّ إِذَا مَا ◌َءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ
وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٥) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنطَقَنَا اَللَّهُ الَّذِىَّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِّرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَّ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا ◌ُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ
كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ () وَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ١٩ -٢٣]. وقال
تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (﴿ يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ
اُلْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٤ - ٢٥]. وقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا
( وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ () وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى
كَانُواْ يَكْسِبُونَ
مَكَانَتِهِمْ فَمَا أُسْتَطَاعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٥ - ٦٧]. وقال تعالى: ﴿ ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ

٢٩٣
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
اُلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَِّحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [ طه: ١١١ - ١١٢]
أي لا ينقص من حسناته شيء ، وهو الهَضْمُ، ولا يُحمل عليه من سيِّئات غيره ، وهو الظُّلم .
فصل
فأول ما يقضي الله تعالى بينهم من المخلوقات الحيواناتُ ، قبل الْجِنّ ، والإنس ، وهما الثَّقَلانِ ،
فالإنس ثَقَل، والجن ثقل. والدليل على حَشْر بقيّة الحيوانات يوم القيامة قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِی
اُلْأَرْضِ وَلَ طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْدٍ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن شَىءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ (3)﴾ [الأنعام: ٣٨]
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا الْوُجُوشُ خُشِرَتْ﴾ [ التكوير: ٥].
وقال عبدُ الله بن أحمد : حدّثنا عباسُ بن محمد ، وأبو يحيى البزاز، قالا : حدّثنا حجَّاجُ بن
نُصير، حدّثنا شُعبَةُ، عن العوّام بن مراجم (١)، من بني قيس بن ثَعْلبةَ، عن أبي عُثْمانَ الَّهْديّ ، عن
عثمان بن عفّان رضي الله عنه: أنَّ رسول الله وَّرِ قال: ((إنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ من القَرْنَاءِ يَوْمِ القِيَامَةِ)(٢).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا ابنُ أبي عدِيّ ، ومحمد بن جعفر ، عن شُعبَةَ: سمعتُ العَلاء يُحَدِّثُ،
عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهُ: ((لَتُؤْدَنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقَصَّ
للشاة الْجَمَّاءِ من الشاِ القَرْناءِ تنطَحُها)». وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجوه(٣).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الصمد ، حدّثنا حمَّاد، عن واصل ، عن يحيى بن عُقَيل ، عن
أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَ قال: ((يُقْتصُّ للْخَلْقِ بعضِهم من بعْضٍ، حتّى للْجَمَّاءِ من القرْناء،
وحتّى للذرَّةِ من الذَّرَّة)). تفرد به أحمد(٤).
وقال عبد الله بن أحمد: وجدتُ هذَا الحديث في كتاب أبي بخَطّ يده : حدّثنا عُبيد الله(٥) بن
محمد ، حدّثنا حمّاد بن سَلَمة ، حدّثنا لَيْثٌ ، عن عبد الرحمن بن ثَرْوانَ ، عن الهُزَيْل بن شُرَحْبيل ،
عن أبي ذرّ أنَّ رسول الله وَه كان جالساً وشاتان تعْتلِفان فنطَحتْ إحداهما الأخرى ، فأجْهَضتْها ، قال :
فضحِك رسول الله وََّ، فقيل له: ما يُضحِكُكَ يا رسول الله؟ قال: (( عَجِبْتُ لها ، والذي نفسي بيده
لَيُقَادَنَّ لها يوم القيامة»(٦).
في الأصول : مزاحم .
(١)
(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٧٢) وإسناده ضعيف ، ولكن له شواهد يقوى بها .
(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٥) وأخرجه مسلم من طريق أخرى عن العلاء به رقم ( ٢٥٥٢).
(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٦٣) وإسناده حسن .
(٥)
في النسخ : عبد الله .
(٦) رواه عبد الله عن أحمد في المسند (٥/ ١٧٢ - ١٧٣) وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، ولكن لبعضه
شواهد یقوى بها .

٢٩٤
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شُعْبَةُ، عن سُلَيْمان ، هو الأعمش ، عن مُنْذٍ
الثَّوْريّ، عن أشياخٍ لهم ، عن أبي ذَرِّ: أنّ رسول الله مِ لتر قال (ح). وأبو معاويةَ، حدّثنا الأعمش،
عن منذر بن يعلى، عن أشياخه ، عن أبي ذرِّ، فذكر معناه: أنَّ رسول الله وَ ◌ّهَ رأى شاتين تَنْتَطِحَانِ،
فقال: (( يا أبا ذرّ ، هل تدري فيم تَنْتَطحان؟)) قال: لا، قال: ((لكنَّ اللهَ يَدْري، وسيقضي بَيْنَهُما))
وهذا إسناد جيد حسن(١) قال القرطبيّ: رواه شُعْبةُ ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيميّ ، عن أبيه ،
عن أبي ذرّ، عن النبيِّ ◌َّلِ ، بمثله.
قال القرطبيُّ: وروى لَيْثُ بن أبي سُلَيْم ، عن عبد الرحمن بن ثَرْوان، عن الهُزيل ، عن أبي ذَرّ :
أنَّ رسول الله بَ ﴿ مَرَّ بشاتَيْن تَنْطِحان، فقال: (( لَيَقْتصنَّ اللهُ يوم القيامة لهذه الْجَلْحاء من هذه
القَرْناء (٢) قال: وذكر ابنُ وَهْبٍ عن ابن ◌َهِيعَةَ، وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سَوادة : أن
أبا سالم الْجَيْشانيّ حدّثه أنَّ ثابت بن طَرِيف استأذن على أبي ذَرّ فسمعه رافعاً صوتَه ، فقال : أما والله
لولا يوم الخصومة لَسوَّأْتكِ . فدخلتُ ، فقلت: ما شأنُك يا أبا ذَرّ ؟ فقال : هذه ، قلت : وما عليك
ألّا تَضْربها؟ فقال: أما والذي نفسي بيده - أو قال: والذي نفس محمَّدٍ بَيَدِهِ -: لَتُسْألَنَّ الشاةُ فيمَ
نطحَتْ صاحبتها ، ولْيُسْأَلَنَّ الْجمادُ فيمَ نَّكَبَ إصْبع الرَّجُل .
وقال أحمد : حدّثنا حسن، حدّثنا ابن لَهيعةً، حدّثنا دَرَّاج، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد: أنَّ
رسول الله ◌َ﴿ قال: (( والذي نفسي بيده، إنّه لَيَخْتَصمُ الخلق يوم القيامة حتَّى الشّاتانِ فيما
انْتَطَحتا)(٣) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ ، حدّثنا أبو حيَّان، عن أبي زُزعة بن عمرو بن
جرير ، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسولُ الله ◌َّهِ يوماً، فذكر الغُلُولَ، فَعَظّمَه، وعَظَّمَ أمره، ثمّ
قال: ((لا أُلِفِيَنَّ أحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ على رَقَبَته بَعيرٌ له رُغاءٌ، فيقول: يا رسول الله أغِثْنِي ،
فأقول : لا أملك لك شيئاً قد أبْلَغْتُكَ . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاءٌ ،
فيقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك . لا ألفِيَنَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة
على رَقَبته فَرَسٌ لها حَمْحَمَةٌ ، فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول : لا أملك لك شيئاً قد أبْلَغْتَكَ .
لا أُلفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رَقَبتهِ نَفْسٌ لَها صِیاحٌ فيقول: يا رسول الله، أغِثْني ، فأقول :
(١) رواه أحمد في المسند ( ١٦٢/٥) أقول: وفي إسناده جهالة الأشياخ ، لكن له شواهد يقوى بها.
(٢) وإسناده ضعيف ، ولبعضه شواهد .
(٣) رواه أحمد في المسند (٢٩/٣) وإسناده ضعيف ، وله شواهد .

٢٩٥
ذكر العرض وتطاير الصحف ومحاسبة الرب عباده
لا أملك لك شيئاً ، قد أبلَغْتُك. [ لا أُلْفينَّ أحدكم يَجيءُ يَوْم القيامة على رقبته رقاع تخفِق ، فيقول :
يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك ]. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على
رقبته صَامتٌ (١)، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبْلَغتكَ)). وأخرجاه
في ((الصحيحين)) من حديث أبي حيَّان، واسمه يحيى بن سعيد بن حيَّان التيميّ، به (٢).
وتقدَّم في حديث أبي هريرة : « ما مِنْ صاحب إبلٍ لا يُؤدّي زَكاتَها إلا بُطِحَ لها يوم القيامة بِقاعِ
قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بأخْفافِهَا، كلّما مرَّت عليه أُخْراها رُدَّتْ عليه أُولاها ... )) وذَكَرَ تمام الحديث في
البقر، والغنم(٣) . فهذه الأحاديثُ مع الآيات فيها دلالة على حَشْرِ الْحَيواناتِ كُلّها .
وتقدَّم في حديث الصُّور: [ فيقضي الله تعالى بين خلقه إلّ الثَّقَلَيْن، الإنسِ ، والجِنّ ] فيقضي
بين البهائم والوحوش ، حتَّى إِنَّه ليُقيدُ الْجَمَّاءَ من ذات القرن، حتَّى إذا فرغ الله من ذلك ، فلم يبق
لواحدة تَبعَةٌ عند أخرى، قال لها الله: كوني تُراباً، فعند ذلك يقول ﴿الْكَافِرُ بَيْتَنِى كُتُ تُرَبًا (هـ
[ النبأ ] .
وقد قال ابن أبي الدنيا : حدّثنا هارون بن عبد الله، أنبأنا سيَّار، أنبأنا جعفر بنُ سليمان :
سمعت أبا عِمْرَانَ الْجَوْني يقول : حُدِّثْتُ أن البهائمَ إذا رأت بني آدم يوم القيامة وقد تَصَدّعُوا من بينِ
يدي الله عزَّ وجلَّ، صِنْفاً إلى الجنَّةِ، وصِنْفاً إلى النار ؛ أنَّ البهائم تُناديهم : الْحَمْدُ لله يا بني آدم،
الذي لم يَجْعلنا اليوم مِثْلَكُمْ، فلا جَنَّةَ نرجُو ، ولا عِقابَ نخافُ (٤) .
وذكر القرطبيّ عن أبي القاسم القُشَيْريّ في ((شرح الأسماء الْحُسْنى)) عند قوله: المُقْسِطُ
الجامِعُ ، قال : وفي خبر : أن الوحوش ، والبهائم ، تُحْشرُ يوم القيامة فتَسْجُد لله سجدةً فتقول
الملائكة : ليس هذا يوم سجود ، هذا يوم الثواب والعقاب ، فتقول البهائم : هذا سجود شكر لله ،
حيث لم يجعلنا اللهُ من بني آدم ، قال : ويقال : إنَّ الملائكةَ تقول للبهائم : إنّ الله لم يحشركم لثوابٍ
ولا لعقابٍ ، وإنّما حشركم لتَشْهَدُوا فضائحَ بني آدم .
وحكى القرطبي أنّ البهائم إذا حُوسِبَتْ وحُشِرْت تعود تُراباً ، ثم يَحْثي بها الله في وجوه فَجَرَةٍ بني
آدم، قال: وذلك قوله ﴿ وَوُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠].
والله سبحانه أعلم ، وفيما ذكره نظر .
(١) هو الذهب والفضة .
(٢) رواه أحمد في المسند (٤٢٦/٢) والبخاري رقم (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١).
(٣) رواه أحمد في المسند (٢٦٢/٢) ومسلم ( ٦٨٧).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في الأهوال ( ٢٢٧).

٢٩٦
ذكر أول ما يقضى بين الناس فيه ومن يناقش في الحساب ومن يسامح فيه
فصل
قال في حديث الصور : ثم يَقْضي اللهُ بين العباد ، فيكون أوّلَ ما يقضي فيه الدماءُ . وهذا هو
الواقع يوم القيامة ، وهو أنّه بعد أن يَفرُغ الله سبحانه من الفصل بين البهائم ، يَشْرَعُ في القضاء بين
العباد، كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
[ يونس: ٤٧] ويكون أولَ الأمم يُقْضى بينهم هذه الأمّة، لشرف نَبِيّهَا وَّرَ وفضلها، كما أنّهم أولُ من
يجوز على الصِّراط، وأول من يدخلُ الجنّة، كما ثبت في «الصحيحين )) من حديث عبد الرزّاق ، عن
مَعْمر، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((نحنُ الآخرُونَ السَّابِقُونَ يوم
القيامة (١)، وفي رواية: ((المقْضيُّ لهم قبلَ الخلائق)(٢) .
وقال ابن ماجه: حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا أبو سَلَمة، حدّثنا حماد بن سَلَمةُ(٣)، عن
سعيد بن إياس الْجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ وَِّ قال: ((نَحْنُ آخرُ الأمم ،
وأوّلُ منْ يُحاسَب ، يقال : أين الأمَّة الأمَّةُ ونَبِيُّها؟ فنحن الآخِرُون الأولون)(٤) .
ذكر أول ما يُقضى بين الناس فيه يوم القيامة
ومن يناقَش في الحساب ، ومن يُسامَح فيه
قد تقدَّم في الحديث : (( لَتُؤْدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقْتْصَّ للشاةِ الْجَمَّاءِ من الشاة
القَرْناءِ (٥). وفي حديث [ يحيى بن عقيل، عن أبي هريرة: ((وحتّى للذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ)(٦) والمراد
بالذرّة هنا النملةُ ، والله أعلم .
وإذا كان هذا حكم الحيوانات التي ليست مُكلَّفةٌ ، فَلتَخليصُ الْحُقوقِ من الآدميّين والجانّ بعضِهم
من بعضٍ يوم القيامة أولى وأخرى، وقد ثبت في «الصحيحين))، و((مُسند أحمد))، و(( سنن
(١) رواه البخاري رقم (٦٦٢٤) ومسلم (٨٥٥) .
(٢) رواه مسلم رقم (٨٥٦) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة .
(٤) رواه ابن ماجه رقم (٤٢٩٠) وهو حديث صحيح .
(٣)
في الأصول : عمار بن سلمة ، والتصحيح من ابن ماجه .
(٥) رواه أحمد في المسند (٢٣٥/٢) ومسلم رقم (٢٥٥٢).
(٦) رواه أحمد في المسند (٣٦٣/٢) وإسناده حسن.

٢٩٧
ذكر أول ما يقضى بين الناس فيه ومن يناقش في الحساب ومن يسامح فيه
التِّرْمذيّ))، و((الَّسائيّ))، ((وابن ماجه))، من حديث سليمان بن مِهْرانَ الأعْمَش، عن أبي وائل ،
شَقيقٍ بن سَلَمةَ، عن عبد الله بن مسعود: أنَّ رسول الله وَ قال: ((أوَّلُ ما يُقْضى فيه بين الناس يوم
القيامة في الدِّماء (١) .
وقد تقدَّم في حديث الصُّور؛ أنَّ المقتول يأتي يوم القيامة تَشْخُبُ أوْدَاجُه دَماً - وفي بعض
الأحاديث: ورأسهُ في يَدِه (٢) - فيتعلّق بالقاتل، حتّى ولو كان قَتَلهُ في سبيل الله، فيقول : يا رَبّ ، سَلْ
هذا فِيمَ قَتلني ؟ فيقول الله تعالى: لم قتلته؟ فيقول: يا ربّ قتلته لتكونَ العِزَّةُ لك ، فيقول الله تعالى :
صدقت ، ويقول المقتول ظُلْماً : يا رب سَلْ هذا: فِيمَ قتلني؟ فيقول الله : فيم قتلته؟ فيقول: لِتكونَ
العِزَّةُ لي - وفي رواية: [ لتكون العزة ] لفلاٍ(٣) - فيقول الله تعالى: تَعِسْتَ، ثم يَقْتَصُّ مِنه لِكُلّ منْ
قتله ظُلْماً ، ثمّ يَبْقَى في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه . وهذا دليل على أن القاتل
لا يَتَعَيَّن عَذابهُ في نار جَهنّم، [ فضلاً عن خلوده فيها أبداً ] كما يُنْقَلُ عن ابن عباس ، وغيرِه من
السلف ، حتّى نَقَلَ بعضهم عنه: أنَّ القاتل لا تَوْبةَ له (٤)، وهذا إذا حُمل على أن القتل من حقوق
الآدَمَيّين ، - وهي لا تَسْقُط بالتوبة - صحيح ، وإن حُمل على أنّه لا بدّ من عِقَابِهِ ، فليس بلازمٍ ، بدليل
حديث الذي قتل تسعةً وتسعِين ، ثم أكمل المئةَ ، ثم سأل عالِماً منْ بني إسرائيل : هل له من توبة ؟
فقال : ومنْ يَحُول بَيْنَك وبين التوبة، ائتِ بَلَد كذا وكذا، فإنه يُعْبدُ اللهُ بها ، فاعبد الله معهم ، فلمّا
توجّه نحوها ، وتوسّطَ بَيْنها وبين التي خرج منها أدركه الموت ، فنأى بصَدْرِه نحو التي هاجر إليها ،
فَتَوقَتْهُ ملائكة الرحمة ... الحديث بطوله(٥) . وفي سورة الفرقان نصّ على قبول تَوْبةِ القاتل ، كما قال
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثَامَا لِ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا ) إِلَّا مَن تَابَ ... ) الآية والتي بعدها [الفرقان].
وموضع تقرير هذا في كتاب (( الأحكام))، وبالله المستعان .
وقال الأعمش : عن شَمِر بن عَطيّة، عن شَهْر بن حَوْشَبٍ، [عن أم الدرداء] ، عن
أبي الدّرداء ، قال : يَجيءُ المَقتولُ يوم القيامة، فيجلسُ على الجادةِ ، فإذا مَرَّ به القاتلُ قام إليه ،
(١) رواه البخاري (٦٥٣٣) ومسلم (١٦٧٨) وأحمد (٣٨٨/١) والترمذي (١٣٩٦) والنسائي (٨٣/٧) وابن
ماجه ( ٢٦١٥ ) .
(٢) رواه الترمذي (٣٠٢٩) من حديث ابن عباس ، وهو حديث صحيح .
(٣)
رواه النسائي (٧/ ٨٤) من حديث ابن مسعود ، وهو حديث صحيح .
(٤) رواه مسلم (٣٠٢٣) (١٩)، وهذا محمول على التغليظ والتحذير من القتل.
(٥) رواه البخاري (٣٤٧٠) ومسلم ( ٢٧٦٦).

٢٩٨
ذكر أول ما يقضى بين الناس فيه ومن يناقش في الحساب ومن يسامح فيه
فأخذ بتَلابيبه فقال : يا ربّ ، سلْ هذا : فيم قتلني؟ فيقول: أمرني فلان، فيؤخذ الآمِرُ ، والقاتل ،
فيُلْقيانِ في النار(١)
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله مَ ◌ّيقول: ((والذي نفسي بيده لخراب السموات والأرض -)) وفي
رواية: ((لزوال الدنيا - أهون على الله من قتل مؤمن)(٢)
وقال في حديث الصور : ثم يقضي اللهُ بين خلقه ، [ حتى لا يبقى مَظْلِمةٌ لأحدٍ عند أحدٍ إلا أخذها
منه ]، حتَّى إنّه لِيُكَلِّفُ شَائب اللَّبَنِ بالماء ثُمَّ يَبيعُه ، أنْ يُخَلِّصَ اللبنَ من الماء ، وقد قال الله تعالى :
﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِّ ثُمَّ تُوَّى كُلُ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].
وفي ((الصحيحين)) عن سعيد بن زيد، وغيره، عن رسول الله وَ لل أنه قال: (( من ظلم قِيدَ شِبْر
من أرض طُوِّقَه منْ سَبْعِ أرضين يوم القيامة (٣)
وفي ((الصحيحين)): مَنْ صَوَّرَ صُورةً [ في الدنيا ] كُلِّفَ يوم القيامة أنْ يَنْفُخَ فيها الرُّوحِ ، وليس
بنافِخُ(٤) ، وفي روايةٍ : إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون، ويُقالُ لهم: أحْيُوا ما خلَقْتُمُ(٥)
وفي الصحيح: (( منْ تحَلّم بحُلْم لَمْ يَرَهُ، كُلَّفَ يومَ القيامةِ أن يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ ، وليس
بفاعل)(٦) . وتقدَّم حديثُ أبي زُرْعةَ عن أبي هريرة في أمر الغُلول، وقوله وَالَ: « لا أُلْفينَّ أحدَكم
يجيءُ يوم القيامة ، وعلى رقبته بعيرٌ له رُغاء، أو بقرةٌ لها خُوارٌ ، أو شاةٌ تَيْعرُ ، أو فرس له حَمْحمةٌ ،
فيقول: يا محمد، أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبْلَغْتُك)). وهو في (( الصحيحين))
بطوله(٧) .
وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدّثنا محمد بن بَكَّار البَصْريّ، حدّثنا أبو مِحْصن، حُصَيْن بن
نُمَيْر، عن حُسَيْن بن قَيْس، عن عطاءٍ، عن ابن عمر، عن ابن مسعود، عن النبيّ بَّه، قال:
(( إنَّه لا تزولُ قدما ابنِ آدمَ يوم القيامة حتى يُسْألَ عن خَمْس: عن عُمْرِكَ فيما أفْنَيْتَ ؟ وعن شَبابِك
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣٢٩) وفي سنده شهر بن حوشب وهو ضعيف يعتبر به .
(٢) روى الرواية الثانية ((لزوال الدنيا .. )) الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٧/ ٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص ، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٣) رواه البخاري (٢٤٥٢) ومسلم (١٦١٠).
(٤) رواه البخاري ( ٥٩٦٣) ومسلم (٢١١٠).
(٥) رواه البخاري (٥١٨١) ومسلم (٢١٠٧) (٩٦) من حديث عائشة، والبخاري ( ٧٥٥٨) ومسلم (٢١٠٨)
من حديث ابن عمر .
(٦) رواه البخاري ( ٧٠٤٢).
(٧) رواه البخاري رقم ( ٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١).

٢٩٩
ذكر أول ما يقضى بين الناس فيه ومن يناقش في الحساب ومن يسامح فيه
فيما أبْلَيْتَ ؟ وعن مالك من أين اكتسبته ؟ وفيما أنفقته؟ وما عملتَ فيما علمت؟)( ١).
وروى البيهقيّ من طريق عبد الله بن المُبارك، عن شريك بن عبد الله ، عن هلال ، عن عبد الله بن
عُكَيم ، قال : كان عبد الله بن مسعود إذا حدّث بهذا الحديث قال : ما منكم من أحدٍ إلّا سيخلو الله
به ، كما يَخْلُو أحدُكم بالقمر ليلةَ البَدْر ، فيقول الربُّ تعالى: يا عبدي ما غَرَّكَ بي؟ يا عبدي ماذا
عمِلْتَ فيما علمت ؟ ماذا أجَبْتَ المُرسلين ؟
هكذا أورده البيهقي بعد الحديث الذي رواه من طريق مُحلِّ بن خَلِيفةَ ، عن عديّ بن حاتم ، عن
رسول الله وَّل: أنّه قال: ((وَلَيَقفَنَّ أحدُكم بين يدَي الله تعالى ليس بينه وبينه حجاب يحجبُ ،
ولا تَرْجمانٌ يُتَرْجِمُ له، فيقول : ألم أُوتِكَ مالاً؟ فيقول : بلى، فيقول : ألم أُرسل إليك رسولاً ؟
فيقول : بلى ، فينظر عن يمينه فلا يرى إلّ النار، وينظُر عن شِماله فلا يرى إلا النار ، فليتْقِ أحدُكم
النارَ ولو بشقِّ تَمرةٍ. فإنْ لم يجد فبِكلمةٍ طيَِّةٍ)). وقد رواه البخاريّ في ((صحيحه)(٢).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا بَهْزٌ ، وعفّان، قالا: حدّثنا هَمَّامٌ، عن قتادةَ، عن صفْوانَ بن
مُحْرِز، قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر، فجاء رجلٌ، فقال: كيف سمعتَ رسول الله بَّه يقول في
النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((إن الله يُدْني المُؤْمنَ، فَيَضَعُ عليه كنَفه ،
ويَسْتُرُهُ من الناس ، ويُقَرِّرُه بذُنُوبِه ، فيقول له : أتعرفُ ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب
كذا ؟ حتّى إذا قررّه بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه قد هلك ، قال : فإنّي سَتَزْتُها عليكَ في الدُّنيا ، وأنا
أغفرها لك اليوم، ثم يُعْطَى كتاب حَسَناتِهِ بِيَمينهِ . وأمَّا الكفّار ، والمُنافقون، فيقول الأشهادُ :
هَكَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. وأخرجاه في (( الصحيحين )) من
حديث قَتَادة٣ُ) .
وقال أحمد : حدّثنا بَهْزٌ وعَفّان ، حدّثنا حمّاد، حدّثنا إسحاق بن عبد الله ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرة، عن النبيّ وََّ، قال: ((يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدمَ حَمَلْتُكَ على الْخَيْلِ، والإبل،
وزوّجْتُك النِّساء ، وجعلتُك تَرْبَعُ وَتَرْأس فأين شكرُ ذلك؟ )(٤) .
وروى مسلم من حديث سُهَيْل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ وَّر في حديث
(١) رواه أبو يعلى في (( مسنده)) رقم (٥٢٧٥) وأخرجه الترمذي رقم (٢٤١٨) من حديث ابن مسعود، وهو حديث
حسن بطرقه وشواهده .
(٢) ورواه البيهقي في (( الأسماء والصفات)) رقم (٤٧٠) وهو في البخاري بغير هذا الإسناد رقم (١٤١٣) من
حديث عدي بن حاتم .
(٣) رواه أحمد فى المسند (٧٤/٢) والبخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨).
(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٩٢) وهو حديث صحيح .

٣٠٠
ذكر أول ما يقضى بين الناس فيه ومن يناقش في الحساب ومن يسامح فيه
طويل قال فيه : ((فَلْقَى اللهُ العبدَ فيقول: أيْ فُلُ(١) ألم أُكرمكَ، وأُسَوِّدْكَ، وأُزَوْجُكَ، وأُسَخِّرْ لَكَ
الْخَيْلَ، والإبل ، وأذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَع؟ فيقول: بلى، أيْ رَبّ، فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنَّك مُلاقِيَّ ؟
فيقول : لا ، فيقول : فإنِّي أنساكَ، كما نسيتني، ثم يَلْقَى الثانيَ، فيقول: أيْ فُلُ ألَمْ أُكْرِمْكَ،
وأُزَوَّجْكَ، وأَسَوَّدْكَ، وأسَخِّرْ لكَ الْخَيْلَ، والإبلَ ، وأذَرْكَ تَرْأْس وَتَرْبع؟ فيقول : بلى ، أَيْ رَبّ ،
فيقول : أفظننتَ أنّك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا ، فيقول: فإنِّي أنْساكَ، كما نَسِيتنيَ، ثم يَلْقَى الثالثَ،
فيقول له مثلَ ذلك، فيقول: [ يا ربّ] آمنتُ بكَ، وبِكتابِك، وبرسولك، وصلَّيْتُ، وصُمْتُ،
وَتَصدَّقْتُ، ويُثْني بخيْرِ ما استطاع، فيقول: فهاهُنا إذاً)) قال: (( ثُمَّ يُقال: الآن نَبَعثُ عليك شاهداً،
فيذكر في نفسه : من الذي يشهد عليّ؟ فُيُخْتُمُ على فيهِ، ويقال لِفَخِذِهِ ولَحمهِ وعِظامه : انطقي ،
فتنطِقِ فَخِذُه، ولحمه ، وعظامه، بعَمَلِه كائناً ما كان ، ذلك لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِه ، وذلك المُنافِقُ ، وذلك
[ الذي ] يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ. ثم ينادي منادٍ: تتبع كُلُّ أمّة ما كانتْ تَعْبُدُ (٢) وسيأتي الحديث بطوله .
وقد روى البزَّار عن عبد الله بن محمد الزّهريّ، عن مالك بن سُعَيْرِ بن الخِمْس ، عن الأعمش ،
عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد، رفعاه إلى رسول الله يَّر ... ، فذكرا مثله إلى قوله :
((فاليومَ أنساكَ كما نَسيتني)).
وروى مسلم، والبيهقيّ واللفظ له، من حديث سُفْيان الثوريّ، عن عُبَيْدِ المُكْتِب ، عن فُضَيْل بن
عمرو، عن عامر الشعبيّ، عن أنس بن مالك، قال: كُنّا مع رسول الله وَّهَ، فَضَحِكَ، وقال: ((هل
تدرون ممَّ أضْحَك؟)) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((من مُخَاطبَة العبد ربه)) - يعني يوم
القيامة - ((يقول: يا ربّ، ألم تُجِرْني من الظلم، قال: يقول: بلى)) قال: ((فيقول: فإني لا أُجيزُ
على نَفْسي إلّا شاهداً منّي)) قال: ((فيقول: كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عليك حَسيباً ، وبالكِرامِ الكاتبين
شُهوداً)) قال: ((فيُختمُ على فِيه، ويُقال لأزكانِه: انطقي)) قال: ((فتنطق بأعماله، ثم يَخلَّى بينَه
وبين الكلام)) قال: ((فيقول: بُعْداً لَكُنَّ، وسُحْقاً، فعَنْكُنَّ كُنْتُ أَنَاضِلُ)(٣).
وقال أبو يَعْلى: حدّثنا زُهير، حدّثنا الحسن، حدّثنا ابن لَهيعَة، عن دَرّاج، عن أبي الهَيْئَم،
عن أبي سعيد، عن رسول الله وَ﴿ قال: ((إذا كان يومُ القيامة عُرِّف الكافرُ بعَملِه ، فجَحَد ، وخاصم ،
فيقال : هَؤلاء جِيرانُك يَشْهَدُون عَليك، فيقول: كَذَبُوا، فيقول : أهْلُكَ وعشيرتُكَ ، فيقول :
كَذَبُوا ، فيقول : احلِفُوا ، فيحلفون ، ثم يُصْمِتُهُم اللهُ وتَشْهَدُ ألسِنْتُهم ، ويُدخلهم النارَ (٤) .
(١) أي فلان .
٠
(٢) رواه مسلم رقم ( ٢٩٦٨) .
(٣) رواه مسلم رقم (٢٩٦٩) ورواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ( ٤٦٧).
(٤) رواه أبو يعلى في مسنده رقم (١٣٩٢) وإسناده ضعيف .