Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
حديث الصور بطوله ونفخاته
إبراهيم ، ومحمد بن شُعَيب بن شابور ، وعَبْدَةَ بنِ سلَيْمانَ ، وغيرِهم ، واختلف عليه فيه قتادَةُ ،
يقول : عن محمّد بن [ يزيد بن أبي ] زياد، عن محمد بن كعب ، عن رجلٍ ، عن أبي هريرة ، عن
النبي ، وتارة يُسْقِطُ الرَّجُل .
وقد رواه إسحاق بن رَاهَوَيهِ ، عن عَبْدَةَ بنِ سُلَيْمانَ ، عن إسماعيل بن رافع ، عن محمد بن یزید
ابن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة ، عن النبيّ وَّه. ومنهم من أسقط الرجُلَ الأول.
قال شيخنا الحافظُ المِزِّيّ : وهذا أقربُ ، قال : وقد رواه عن إسماعيل بن رافع الوليدُ بنُ مسلم ،
وله عليه مُصَنَّفَ بَيّن شَواهِدَه من الأحاديث الصحيحة ، وقال الحافظ أبو موسى المدينيّ بعد إيراده له
بتمامه : وهذا الحديثُ وإن كان في إسناده من تُكُلِّمَ فيه ، فعامّة ما فيه يُرْوَى مُفَرَّقاً بأسانيد ثَابتة ، ثم
تَكَلَّم على غَرِيبه ، قلت: ونحنُ نَتكلّم عليه فضْلا فَضْلاً، وبالله المُسْتَعَادُ(١):
فصل
فأما النَّفَخَاتُ في الصُّور ، فثلاث: نفخةُ الفزَع، ثم نفخة الصَّعْقِ، ثم نَفْخَة الْبَعْث ، كما تقدّم
بيانُ ذلك في حديث الصُّور بطوله .
وقد قال مسلم في ((صحيحه)): حدّثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((ما بَيْن النَّفْخَتَيْن أربعون)) قالوا:
يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أَبيتُ (٢)، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أَبَيْتُ ، قالوا : أربعون سَنَةٌ ؟
قال: أبَيْتُ، قال: ((ثُمَّ يُنْزِلُ الله مِنَ السَّماءِ ماءً، فَيَنْبُتُونَ كما يَنْتُ البَقْلُ)). قال: ((وليس مِنَ
الإنسان شَيْءٌ إلا يَبْلَى إلّا عظماً واحداً، وهو عَجْبُ الذنَبِ(٣) ومنه يُرَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامة)) . ورواه
البخاري من حديث الأعمش(٤) .
وحديثُ عجب الذَّنَب وأنَّهُ لَا يَبْلَى وأنّ الخَلقِ يَبْدَأ منه، ومنه يرَّب يوم القيامة، ثابتٌ من رواية
أحمد ، عن عبد الرزّاق، عن مَعْمَر ، عن هَمَّامٍ ، عن أبي هريرة ، ورواه مسلم عن محمد بن رافع ،
عن عبد الرزّاق، ورواه أحمد أيضاً عن يحيى القطّان، عن محمد بن عَجْلان، [ عن أبي الزِّناد ] عن
عبد الرحمن بن هُزْمُز الأعرج ، عن أبي هريرة: أن رسول الله بَّ﴿ل قال: ((كُلّ ابن آدَمَ يَبْلَى وَيَأْكُلُهُ
(١) أخرجه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) (٤٨) والبيهقي في ((البعث والنشور)) (٦٦٩) وإسحاق بن راهويه في
((مسنده)) (٣٠٢٩ - المطالب العالية من النسخة المسندة).
(٢)
هي على تقدير محذوف : أي أبّيْتُ أن أجزم أن المراد أربعون يوماً أو شهراً أو سنة .
(٣)
وهو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز. انظر ((النهاية)) (١٨٤/٣).
(٤) رواه مسلم ( ٢٩٥٥) والبخاري (٤٨١٤) .
٥

١٨٢
حديث الصور بطوله ونفخاته
التُّرَابُ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، منه خُلِقَ، ومِنْهُ يُركَّب)). انفرد به أحمد ، وهو على شرط مسلم، ورواه
أحمد أيضاً، من حديث إبراهيم(١) الهَجَرِيّ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة مرفوعاً، بنحوه(٢).
وقال أحمد : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَةَ ، حدثنا دَرّاج ، عن أبي الهَيْثَم ، عن
أبي سعيد ، عن رسول اللهِ وَّه قال: ((يأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإنسان إلّا عَجْبَ ذنبه)) قيل: ومثلُ
ما هو يا رسول الله؟ قال: (( مِثْلُ حَبَّة خَرْدَلٍ، منه تَنْبتون)(٣)، والمقصود هنا إنما هو ذِكر النَّفْخَتَيْنِ ،
وأنّ بينهما أربعينَ : إمّا أربعين يوماً، أو شَهْراً، أو سَنَةً، وهاتان النفختان هما والله أعلمُ نَفْخَةُ
الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيام للبَعْثِ والنشور، بدليل إنزال الماء بينهما ، وذِكر عَجْبِ الذّنب الذي منه يُخْلَقُ
الإنسان ، وفيه يُرَكّب عند بعثه يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المراد منهما ما بين نفخة الفزع ونفخة
الصَّعق ، وهو الذي يريد ذكره في هذا المقام ، وعلى كلّ تقدير فلا بد من مدة بين نفختي الفزع ،
والصعق .
وقد ذُكِر في حديث الصور أنه يكون فيها أمور عظام ، من ذلك زلزلة الأرض ، وارتجاجها ،
ومَيِّدَانِها بأهلها، وتَكَفِّيها يميناً وشِمَالًا، قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا ◌ِ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
أَثْقَالَهَا ◌ِ﴿ وَقَالَ الْإِنْسَنُ مَا لَا ﴿ يَوْمَبِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٥ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا هُ﴾ [الزلزلة: ١ =٥]، وقال
تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ [ الحج].
وقال تعالى: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةُ أَ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿ إِذَا رُخَتِ اٌلْأَرْضُ رَجًّا (٥) وَبُسَّتِ
اَلْجِبَالُ بَسَّارِهِ﴾ الآيات كلها إلى قوله: ﴿هَذَا نُزُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ رَفْ﴾ [ الواقعة: ١ -٥٦].
ولما كانت هذه النفخة - أعني نفخة الفزَع - أولَ مبادئ القيامة ، كان اسم يوم القيامة صادقاً على
ذلك كُلُّه، كما ثبت في ((صحيح البُخاري)) عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ له قال: ((وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ
وَقَدْ نَشَرَ الرّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا فَلاَ يَتَبَّايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَد انْصَرَفِ الرَّجُلَ بِلَبَنِ لِفْحَتِهِ ،
فِلاَ يَطْعَمُه، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي فِيهِ ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَع أُكْلَتَه إلى فيه فَلاَ
يَطْعَمُها)(٤) ، وهذا إنما يتجه على ما قبل نفخة الفزع، وعبَّر عن نفخة الفزع بأنها الساعة لمَّا كانت
أول مبادئها، وتقدم في الحديث في صفة أهل آخر الزمان : أنهم شِرَارُ الناس، وعليهم تقوم الساعة(٥) .
(١) في (م): ((بن هشيم)) وفي (آ): ((أبي هشيم)) وهما خطأ، والصواب ما أثبته، وهو إبراهيم بن مسلم
الهجري ، لين الحديث ، لكن الحديث صحيح بطرقه .
(٢) رواه أحمد في المسند (٣١٥/٢ و٤٢٨ و٤٩٩) ومسلم رقم (٢٩٥٥) (١٤٣).
(٣)
رواه أحمد في المسند ( ٢٨/٣ ) وهو حدیث حسن .
(٤) رواه البخاري ( ٦٥٠٦).
(٥) رواه مسلم رقم (٢٩٤٩) .

١٨٣
ذكر حشر النار للناس إلى أرض الشام
وقد ذُكِر في حديث إسماعيل بن رافع في حديث الصُّور المتقدم : أن السماء تَنْشَقُّ فيما بين نفختي
الفزع، والصَّعْقِ ، وأن نُجُومَها تَتناثَرُ، ويَخْسِفُ شَمْسُها وقَمَرُها ، والظاهر والله أعلم أن هذا إنما
يكون بعد نفخة الصَّعْق حين ﴿ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُواْ لِلَِّ اَلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ
يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِ الْأَصْفَادِ ي سَرَائِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿ إِذَا السَّمَآءُ
وَإِذَا اُلْأَرْضُ مُذَتْ ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيَهَا وَتَخَلَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ ﴾﴾ الآيات (الإنشقاق ]
آنشَقَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ!
وقال تعالى: ﴿فَإِذَابَرِقَ الْبَصَرُّ ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ الشَّوَجُمِعَ الشَّمْسُ وَاَلْقَمَرُ ﴿ يَقُولُ اْإِسَنُ يَوْمَيِدٍ أَيْنَ اْمَغَرُّ ◌َ كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿َ) إِلَى رَبِّكَ
﴾ [القيامة ] .
يَوْمَئِذٍ الْنَفَرُّ (١٦) يُنَّأْإِسَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ (﴿ بَلِ آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ (١)] وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُلِه
وسيأتى تقرير هذا كُلُّه ، وأنه إنما يكون بعد نفخة الصَّعْق ، وأما زلزال الأرض وانشقاقها بسبب
تلك الزلزلة وفِرارُ الناس إلى أقطارها وأرجائها ، فمُناسِبٌ أنه بَعْدَ نفخة الفزع، وقبل الصَّعْق ، قال
الله تعالى إخباراً عن مُؤْمِن آل فرعون أنه قال: ﴿وَيَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ ﴿ يَوْمَ نُوُلُّونَ مُدْبِينَ مَا لَكُم
مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣]. وقال تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِسِ إِنْ أَسْتَطَعْتُمْ أَن تَنْفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَتُحَاسُ فَلَا
٣٤
فَأَِ ءَالٍَ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٣
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَنَفُذُواْ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانِ
﴾ [ الرحمن: ٣٣ -٣٦ ] .
٣٠
تَنْتَصِرَانِ ﴿ فَأَتِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ
وقد تقدم الحديث في (( مُسند أحمد)) و(( صحيح مُسلم)) والسنن الأربعة، عن أبي سَريحةً
حُذَيْفَة بن أَسِيد أن رسول الله بِّه قال: ((إنَّ السَّاعةَ لَنْ تَقْوَمَ حَتَّى تَروا عشر آياتٍ ... )) فذكرهُنَّ، إلى
أن قال: (( وآخِرُ ذلك نارٌ تَخرُج من قعر عَدَن، تسوقُ الناس إلى المَحْشر(١) وهذه النار تسوق
الموجودين في آخر الزمان في سائر أقطار الأرض إلى أرض الشام منها ، وهي بقعة المحشر والمنشر .
ذِكر أمر هذه النار وحشرها الناس إلى أرض الشام
ثبت في (( الصحيحين)) من حديث وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ،
قال: قال رسول الله وَله: ((يُحْشَر الناس على ثلاثِ طرائقَ: راغبينَ، ورَاهبينَ، واثنان على بعير ،
وثلاثة على بعير [ وأربعةٌ على بعيرٍ ] وعشرةٌ على بعير، وتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قالوا ،
وتبيتُ مَعَهِمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْث أَصْبَحُوا، وتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)(٢).
وروى أحمد عن عفان، عن حماد، عن ثابت، عن أنس: أن عبد الله بن سَلاَم سأل رسولَ اللهِ وَل
(١) رواه أحمد في المسند (٦/٤) ومسلم (٢٩٠١) وأبو داود (٤٣١١) والترمذي (٢١٨٣) والنسائي في (( الكبرى ))
(١١٤٨٢) وابن ماجه (٤٠٤١).
(٢) رواه البخاري رقم (٦٥٢٢) ومسلم رقم ( ٢٨٦١).

١٨٤
ذكر حشر النار للناس إلى أرض الشام
عن أول أشراط السَّاعَةِ؟ فقال: (( نارٌ تَحْشُرُ النَّاس منَ الْمشرِق إلى المَغْرِب ... )) الحديث بطوله،
وهو في ((الصحيح )( ١)
وروى الإمامُ أحمد ، عن حسن ، وعفّان ، عن حمّاد بن سَلَمة ، عن علي بن زيد ، عن أوس بن
خالد، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله وَه قال: (( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمِ القِيَامِ ثلاثة أصنافٍ، صِنْفٌ
مُشَاةٌ، وصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وصِنْفٌ على وُجُوهِهِمْ)) قالوا: يا رسول الله، وَكَيْفَ يَمْشُون على وجُوهِهم ؟
قال: ((إنّ الذي أَمْشَاهُمْ على أَرْجُلِهُمْ قَادِرٌ على أَنْ يُمْشِيَهُمْ على وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهم
كُلَّ حَدَبٍ وشوكٍ )) .
وقد رواه أبو داود الطَّيَالِسيّ في ((مُسنده))، عن حماد بن سلمةَ، بنحوٍ من هذا السياق(٢).
وقال الإمامُ أحمد : حدثنا عبد الرَّزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن قَتَادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَب ، عن
عبد الله بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يقول: ((إنَّها ستَكُونُ هِجْرَةٌ بعد هجرة ، ينْحَازُ النَّاس
إلى مُهَاجَرٍ إبراهيم، لَا يَبْقَى في الأرض إلّا شِرَارُ أهْلِهَا، تَلفظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، وَتَقْذَرُهُم نَفْسُ الرحمن ،
تَحْشُرُهُم النَّارُ مَعَ القِرِدَةِ والخَنازِيرِ ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إذَا باتوا، وتَقيل معهم إذا قَالُوا، وتَأْكُلُ مَنْ تخلّف))
ورواه الطبرانيّ من حديث المُهَّب بن أبي صُفْرَةَ، عن عبد الله بن عمرو ، بنحوه(٣) .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في كتابه ((البعث والنُّشور)): أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن
عُبَيد الله الحُرْفي بِبَغْدَادَ ، حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القُرَشِيّ ، حدثنا الحسن بن
علي بن عفان ، حدثنا زيد بن الحباب ، أخبرني الوليد بن جُمَيع القرشي. ح وأخبرنا أبو عبد الله
الحافظ ، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن أحمد المحبوبيّ، حدّثنا سعيد بن مسعود ، حدّثنا يزيدُ بن
هارون ، أخبرنا الوليدُ بن عبد الله بن جُمَيْع ، عن أبي الطُّفَيْل، عامر بن وائِلَةَ ، عن أبي سريحَةَ
خُذَيْفَةَ بن أَسِيد الغفاريّ، سمعت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وتلا هذه الآية ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْنَا وَصُمَّاً﴾ [الإسراء: ٩٧] فقال أبو ذرّ: حدّثني الصادق المصدوق وَّر: ((إنّ
الناسَ يُخْشَرُون يوم القيامة على ثلاثة أفواجِ، فوج طاعِمِين كاسِين راكبِين، وفوج يَمْشُونَ
وَيَسْعَوْن، وفوج تَسْحَبُهُم الملائكةُ على وجوههم)) قلنا : قد عرفنا هذين، فما بال الذين
يمشون وَيَسْعَوْن؟ قال: ((يُلْقي اللهُ الآفَةَ على الظَّهْر(٤) حَتَّى لَا يَبْقَى ذَاتُ ظَهْرٍ، حتّى إن الرَّجُلَ
(١) رواه أحمد في المسند ٢٧١/٣) والبخاري (٣٣٢٩).
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٥٤) وأبو داود الطيالسي في (( مسنده)) (٢٥٦٦) وهو حديث حسن .
(٣) رواه أحمد في المسند (١٩٨/٢ - ١٩٩)، وهو في (( جامع معمر)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٧٩٠)
وإسناده ضعيف ، ولبعضه شواهد .
(٤) أي الإبل التي يحمل عليها وتركب .

١٨٥
ذكر حشر النار للناس إلى أرض الشام
لَيُعْطِي الحديقَةَ المُعْجِبةَ بالشارفُ(١) ذاتِ القَتَبِ )) لفظ الحاكم .
وهكذا رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون ، ولم يذكر تلاوة أبي ذرّ للآية ، وزاد في آخره :
((فلا يقدر عليها)(٢) .
وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث بَهْز، وغيره ، عن أبيه حكيم بن معاوية، عن جدّه
معاوية بن حَيْدة القُشَيْرِيّ، عن رسول الله وَلَ أنه قال: ((تُحْشَرُونَ هاهُنَا)) وأومأْ بِيَده إلى نَحْو الشام
((مشاةً ورُكْبَاناً، وتُجَرّونَ على وجوهكم، وتُعْرَضُون على الله تعالى وعلى أفواهكم الفِدَامُ(٣) فأوّلُ
ما يُعْرِبُ عن أحدكم فَخِذهُ وكفُّه )) . وقد رواه الترمذي ، عن أحمد بن مَنِيع ، عن يزيد بن هارون ، عن
بَهْزِ بن حَكِيم ، عن أبيه ، عن جدّه بنحوه ، وقال: حسن صحيح(٤) .
وقال أحمد : ثنا عثمانُ بن عمرَ ، ثنا عبد الحميد بن جعفر ، قال : ثنا أبو جعفر محمد بن عليٍّ، عن
رافع بن بِشْرِ السَّلَميِّ، عن أبيهِ ، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ حِبْسِ سَيَل٥ٍ) تَسِيرُ سَيْرَ
مَطِيَّةِ الإِبِلِ(٦) ، تَسِيرُ النَّهَارَ وتُقِيمُ اللَّيْلَ، تَغْدُو وَتَرُوحُ، يُقَالُ: غَدَتِ النَّارُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَاغْدُوا ، قَالَتِ
النَّارُ، يا أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا، رَاحَتِ النَّارُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا، مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ)). تفرد به . ورواه
أبو نُعَيْمٍ في ترجمةٍ بِشْرٍ أبي رافعِ السَّلَمِيِّ، وفيه: ((تُضِيءُ لَهَا أَغْنَاقُ الإِلِ بِيُصْرَى (٧).
فهذه السياقاتُ تدلّ على أن هذا الحشر هو حشرُ الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى
مَحَلّة المَحْشر ، وهي أرضُ الشام ، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة ، فقسم طاعمين كاسين
راكبين ، وقسم يمشون تارةً ويركبون أخرى، وهم يَعْتَقِبُونُ(٨) على البعير الواحد ، كما تقدّم في
((الصحيحين)): ((اثنانِ على بعير، وثلاثةٌ على بعير)) إلى أن قال: ((وعَشَرةٌ على بعير، يَعْتَقِبُونَه مِن
قِلّة الظّهر)) كما تقدّم في الحديث، وكما جاء مفَسَّراً في الحديث الآخر: (( وتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النارُ)) .
وهي التي تخرج من قَعْرِ عدَنَ ، فتُحيط بالناس من ورائهم ، تسوقهم من كلّ جانب ، إلى أرض
المحشر ، ومن تخلّف منهم أَكَلَتْهُ النار .
(١) أي الناقة المسنة.
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٦٧/٢) وأحمد في المسند (١٦٤/٥ - ١٦٥) وهو حديث صحيح بطرقه
وشواهده .
أي تسكت ألسنتهم ، وتنطق أعضاؤهم .
(٣)
رواه أحمد في المسند (٣/٥) والترمذي رقم (٢٤٢٤) وهو حديث حسن.
(٤)
(٥)
في الأصل : حبشي سيل ، وهو خطأ . وحِبْس سيل ، اسم موضع .
(٦)
في مسند أحمد : تسير سَيْرَ بطيئة الإبل .
(٧) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٤٣) وهو حديث حسن .
أي يركبونه بالتعاقب ، هذا يعقب هذا ، وهذا يعقب هذا ، أي بعده .
(٨)

١٨٦
ذكر حشر النار للناس إلى أرض الشام
وهذا كلّه مما يدل على أن هذا إنما يكون في آخر الزمان آخرِ الدنيا ، حيثُ يكون الأكلُ والشربُ
والركوبُ موجوداً والمشترى وغيرُه ، وحيثُ تُهْلِكُ المُتخلّفين منهم النارُ، ولو كان هذا بعد نفخة
البعث ، لم يبق موتٌ، ولا ظَهْرٌ يُشْتَرى، ولا أكلٌ، ولا شُرْبٌ ، ولا ◌ُبْس في العَرَصَاتِ ، والعجبُ
كلُّ العجَبِ أن الحافظ أبا بكر البيهقيّ بعدَ روايته لأكثر هذه الأحاديث ، حمَلَ هذا الركوب على أنّه يوم
القيامة، وصحّح ذلك، وضعّف ما قلناه، واستدلّ على ما قاله بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
الرَّحْمَنِ وَفْدًا (١٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾﴾ [ مريم].
وكيف يصحّ ما ادّعاه في تفسير الآية بالحديث ، وفيه أنّ : منهم اثنان على بعير ، وثلاثةٌ على
بعير ، وعشرة على بعير ، وقد جاء التصريح بأن ذلك من قلة الظهر ، هذا لا يلتئم مع هذا، والله
أعلم ، فإنَّ نَجائِبَ المتقين من الجَنَّةِ يركِبُها المتقون إذا خرجوا من قبورهم إلى العَرَصات ، ومن
العرصات إلى الجَنّات ، على غير هذه الصفة ، كما سيأتي تقريرُ ذلك في موضعه .
فأما الحديث الآخر الوارد من طرق أُخَر ، عن جماعة من الصحابة ، منهم ابن عباس وابن مسعود
وعائشة ، وغيرهم: (( إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاةً عُراةً غُزْلًا ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ ﴾ [الأنبياء:
١٠٤])(١) فذلك حَشْرٌ غيرُ هذا، ذاك في يوم القيامة بَعْد نَفْخَة البَعْث، يوم يقوم الناسُ من قبورهم حُفَاةً
عُراةً غُزْلًا، أي غير مُخْتَتَنِينَ ، وكذلك حَشْرُ الكافِرِين إلَى جَهنَّم وِرْداً ، أي ◌ِطَاشاً .
وقوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَيُكْمَا وَصُمَّاً مَّأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ
سَعِيرًا (٣)﴾ [الإسراء]، فذلك يحصل لهم حين يُؤْمر بهم إلى النار من مقام المَحْشَرِ ، كما سيأتي بيان
ذلك كلِّه في مواضعه ، إن شاء الله تعالى .
وقد ذُكِر في حديث الصُّور : أنّ الأَمْواتَ لا يَشْعُرونُ بشيْءٍ مِمّا يقَعَ من ذلك بسبب نَفْخةِ الفَزَع ،
وأنّ الذين استثنى اللهُ تعالى، إنما هُم الشهداء ، لأنّهم أحياءٌ عِند رَبّهم يُرزَقُون ، فهم يشعرون بذلك
ولَا يَفْزَعُون منها ، وكذلك لا يصْعَقُون بسبب نَفْخَة الصَّعْق .
وقد اختلف المفسرون في المستثْتَيْنَ منها على أقوال : أحدها هذا كما جاء مُصَرّحاً به فيه ،
وقيل : بل هم جبريلُ ، وميكائيلُ ، وإسرافيل ، وَمَلَكُ الموت ، وقيل : وحَمَلَةُ العَرْش أيضاً ، وقيل
غير ذلك ، فالله أعلم .
وقد ذكر في حديث الصُّورِ ، أنّ يَطُولُ على أهل الدنيا مُدَّةُ ما بين نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ،
وهم يشاهدون تلك الأهوال ، والأمور العظام .
(١) رواه البخاري رقم (٦٥٢٦) ومسلم رقم (٢٨٦٠) من حديث ابن عباس. والبخاري (٦٥٢٧) ومسلم
( ٢٨٥٩) من حديث عائشة .

١٨٧
نفخة الصعق و ما يجري بعدها
نفخة الصَّعق
يموت بسببها جميع الموجودين من أهل السموات والأرض ، من الإنس ، والجِنّ ، والملائكة ،
إلّا مَنْ شاء الله ، فقيل : هم حَمَلةُ العرش ، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وقيل : هم
الشهداء ، وقيل غير ذلك .
قال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ
﴾ [الزمر: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِيَخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (١) وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَكَّةً
قِيَامٌ يَنْظُرُونَ
وَحِدَةٌ ﴿ فَيَؤْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٤) وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمِذٍ وَاحِيَةٌ () وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَبِهَا وَيَمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ بَوميدٍ
﴾ [ الحاقة: ١٣ - ١٨] وتقدّم في حديث الصُّور أنّ الله تعالى يأمر
ثَنِيَةٌ (١) يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ
إسرافيل فيقول له : انفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ ، فينفُخ ، فَيَصْعَقُ من في السموات والأرض إلا من شاء اللهُ ،
فيقول الله تعالى لملك الموت ، وهو أعلم بمن بَقِيَ : فمن بقي ؟ فيقول : بقيتَ أنتَ الحَيّ الذي
لا يموت ، وبَقيَتْ حَملةُ عَرْشِك ، وبقي جبريلُ وميكائيل ، فيأمره الله بقبض روح جبريل وميكائيل ،
ثم يأمره بقبض أرواح حملة العرش ، ثم يأمره أن يموت ، وهو آخِرُ من يموت من الخلائق .
وقد تقدم ما رواه ابنُ أبي الدُّنْيا من طريق إسماعيل بن رافع ، عن محمد بن كعب ، من قوله فيما
بلغه، وعنه عن أبي هريرة عن النبي وَ لّ أن الله تعالى يقول لملك الموت: أنتَ خَلْقٌ من خلقي،
خلقتك لِمَا رأيتَ ، فمُتْ، ثم لا تَحْيَا. وقال محمد بن كعب فيما بلغه: فيقول له: مُتْ مَوْتاً لا تَحيا
بعده أبداً، فَيَصْرُخ عند ذلك صَرْخَةً لَوْ سَمِعَها أَهْلُ السموات والأرض لمَاتُوا فزَعاً . قال الحافظ
أبو موسى المديني : لم يُتَابَع إسماعيل بن رافع على هذه اللفظة ، ولم يَقُلْها أكثر الرواة .
قلت : وقد قال بعضُهم في معنى هذا : مُت موتاً لا تحيا بعده أبداً ، يعني : لا تكون بعد هذا
مَلَكَ مَوْتٍ أبداً، لأنّه لا موتَ بَعد هذا اليوم، كما ثبت في ((الصحيح)): (( يُؤْتَى بالْمَوْتِ يَوم القِيامة
في صورة كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ ، ثم يقال: يا أهْلِ النّارِ خُلُودٌ ولَا مَوْت، ويا أَهْلَ
الْجَنّة خُلُودٌ وَلَا موت»١)، فمَلَك الموت وإن حَيِيَ بعد ذلك لا يكون مَلَكَ مَوْتٍ بعدَها أبداً، والله
أعلم ، بل ينشئه الله خلقاً آخر غير ذلك كالملائكة .
وبتقدير صحة هذا اللفظ عن النبيّ وَ﴿ فظاهر ذلك أنه لا يَحْيا بعدَ موته أبداً، فيكون التأويل
المتقدم بعيدَ الصحة ، والله أعلم .
(١) رواه البخاري رقم (٦٥٤٨) ومسلم (٢٨٥٠).

١٨٨
نفخة الصعق وما يجري بعدها
فصل
قال في حديث الصور : فإذا لم يبقَ إلا اللهُ الواحد الأحدُ الفردُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم
يكن له كُفُواً أحَدٌ ، كان آخِراً كما كان أوّلًا ، طَوَى السموات والأرض ، كَطّ السِّجِلِّ لِلْكتاب، ثم
دَحَاهُما، ثم تَلَقَّفَهُمَا ثلاثَ مَرّاتٍ، وقال: أنا الجبّار، ثلاثاً، ثم يُنادِي: لِمَن المُلكُ اليَوْمَ؟ ثلاث
مرات ، فلا يُجيبه أحد ، ثم يقول تعالى مُجِيباً لِنَفْسِه: لله الواحدِ القَهّار .
وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتٌ
﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيّ السّجِلِّ للكتاب (١)
بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِ كُنَ
﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿ لُِذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ
كَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ
يَوْمَ هُمْ بَرِرُونِّ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ!
١٠
﴾ [ غافر ] .
وثَبت في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة: أنّ رسولَ الله ◌ِلَ قال: ((يَقْبِضُ اللهُ تعالى
الأَرْضَ ، ويطْوِي السَّماءَ بِيمينِهِ، ثم يقول: أنا المَلِكُ، أنَا الجَبّار، أيْنَ مُلُوكُ الأرض ؟ أيْنَ
الجَبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكَيِّرُونَ (٢).
وفيهما ، عن ابن عمر: أنّ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّه قال: ((إنّ اللهَ يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرَضِينَ، وَتَكُونُ
السَّمَواتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ)(٣).
وفي (( مُسند الإمام أحمد))، و((صحيح مسلم))، من حديث عُبَيْد الله بن مِقْسَم ، عن ابن عمر:
أنّ رسول الله وَله قرأ هذه الآية ذاتَ يَوْم على المِنْبر: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
﴾ [الزمر]. ورسول الله الله يقول
اَلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَثُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
هكذا بِيَدِهِ ، يُحَرّكُها، يُقْبِلُ بِها وَيُذْبِرُ: ((يُمَجِّدُ الرَّبُّ سُبحانَه نَفْسَه: أنَا الجَبّارُ، أنا المُتَكَبِّرُ أنا
الملك، أنا العزيزُ، أنا الكريم)» فرجف برسول الله وَّهِ المنبرُ حتى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ به . وهذا لفظ
أحمد(٤) وقد ذكرنا الأحاديث المتعلّقة بهذا المقام عند تفسير هذه الآية من كتابنا ((التفسير))، بأسانيدها
وألفاظها بما فيه كفاية ولله الحمد .
قرأها ((للكتب)) أي بالجمع، حفص وحمزة والكسائي وخلف. وقرأها بقية العشرة بالإفراد ((للكتاب)).
(١)
(٢) رواه البخاري (٦٥١٩) ومسلم ( ٢٧٨٧).
(٣) رواه البخاري رقم (٧٤١٢) وسيأتي من رواية مسلم في الحديث التالي .
(٤) رواه أحمد في المسند (٧٢/٢) ومسلم (٢٧٨٨).

١٨٩
نفخة الصعق وما يجري بعدها
فصل
قال في حديث الصُّور: ((وَيُبدِّلُ اللهُ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ فَيَبْسُطُها، وَيَسْطَحُها، وَيمُدُّها مدّ الأديم
العُكَاظِيّ ... )) إلى آخر الكلام كما تقدم. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُوا لِلَّهِ
اَلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ لِ﴾ [إبراهيم].
وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنّ رسول الله سُئِل: أينَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْم
تُبَدَّلُ الأَرْضُ والسموات؟ فقال: (( هم في الظُّلْمةِ دون الجسر)(١) ، وقد يكون المراد بذلك تبديلٌ
آخرُ غيرُ هذا المذكور في هذا الحديث ، وهو أن تُبَدَّلَ مَعَالمُ الأرض فيما بين النفختين ، نفخةٍ
الصَّعْقِ ، وَنفْخةِ البَعْث، فتسِيرُ الجبال وتُمَدُّ الأَرْضُ، وَيَبْقَى الجمِيعُ صَعِيداً واحِداً لا اعْوِ جَاجٌ فِيهِ
ولا روَابِيَ ولا أوْدِيَة، كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْحِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِ نَسْفًا (٥َ فَيَذَرُهَا قَاعَا صَفْصَفًا لله
لَّا تَرَى فِيَهَا ◌ِوَجًا وَلَّ أَمْتَّا (٣٠)﴾ [طه] أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. وقال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا
﴾ [ النبأ] وقال
٢٠
جَامِدَةٌ وَهِىَ تَهُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَسُتِرَتِ لَلِجَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا لـ
﴾﴾ [القارعة] وقال تعالى: ﴿ وَُِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا
تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَقَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَرْنَهُمْ فَمَ نُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا
١٤
دَّكَّةُ وَحِدَةً (®
٤١
وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّ لَّقَدْ جِثْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا لِيْ﴾ [ الكهف].
فصل
قال في حديث الصور : (( ثم يُنْزِلُ اللهُ مِنْ تَحِتِ العَرْشِ ماءً، فَتُمْطِرِ السَّماءُ أربعينَ يَوْماً حَتّى يكون
الماءُ فَوْقَكُمُ اثْنَي عَشَرِ ذِرَاعاً، ثمّ يأمر الله الأجسادَ أنْ تَنْبُتَ كَنبَاتِ الطَّرَائيثِ ، وهي صِغَارُ القِنَّاء ، أو
كَنْبَاتِ البَقْلِ )) .
وتقدّم في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمدُ ومسلم : ((ثم يُرسل مطراً كأنَّه الطّلُّ، أو الظُّلّ ، فَتَنْبتُ
مِنْهُ أجساد الناسِ ، ثم يُنْفَخُ فيه أخرى، فإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون ، ثم يقال: يا أيُّها الناسُ هَلُّوا إلى
ربكم ... )) إلى آخر الحديث، وقد تقدم بطوله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص(٢).
وروى مسلم عن أَبي كُرَيْب ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي
هريرة ... وذكر الحديث، ثم قال في الثالثة بعد قوله: أبيتُ، قال: (( ثمّ يُنْزِلُ الله منَ السَّماءِ مَاءً
(١) هذا اللفظ في مسلم (٣١٥) من حديث ثوبان، ورواه مسلم (٢٧٩١) بنحوه من حديث عائشة بلفظ ((على
الصراط» .
(٢) رواه أحمد في المسند (١٦٦/٢) ومسلم رقم (٢٩٤٠) .

١٩٠
نفخة الصعق وما يجري بعدها
فَنُْونَ كَما يَنْبُتُ البَقْلُ)، قال: ((وليس من الإنسان شيءٌ إلّا يَبْلَى، إلّا عَظْماً واحِداً، وهو عَجْب
الذَّنَبِ ، ومنه يُرَكَّب الخَلْقِ يَوم القيامة)) . وقد تقدم هذا الحديث من رواية البخاري ومسلم ، وليس
عند البخاري ما ذكرنا من هذه الزيادة، وهي ذكر نزول الماء ... إلى آخره (١).
وقال أبو بكر بن أبي الذُّنْيا في كتاب ((أهوال يوم القيامة)): حدّثنا أبو عمّار الحسين بن حُرَيْث
المَرْوَزِيّ ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن الحسين بن واقد ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ،
حدّثني أُبَّ بن كَعْبٍ قال : سِتُّ آيَاتٍ قَبْل يَوْمِ القيامةِ: بينَما الناسُ في أَسْوَاقِهِمْ إذ ذهب ضوءُ
الشمس ، فبينما هم كذلك إذْ وقعت الجبالُ على وَجْه الأرض، فتحرَّكَتْ، واضْطَرَبَتْ، واختلطت ،
وفَزِعَتِ الجِنّ إلى الإِنْس، والإنس إلى الجِنّ، واخْتَلَطَتِ الدّوابُ والطير والوَحْشُ ، فماجوا بعضُهم
[ التكوير ] قال :
٤
﴾ [ التكوير] قال: انْطَلَقَتْ ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
في بعض، ﴿ وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ
﴾ [ التكوير] قال الجنُّ للإنس : نحنُ نأتيكم بالخَبر ، فانطلقوا
أهملها أهْلُها، ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ
إلى البَحْر، فإذا هو نَارٌ تَأَجَّحُ ، فبينما هُمْ كذلك إذ تَصَدَّعَتِ الأَرْضُ صَدْعَةٌ وَاحِدةً ، إلى الأَرْض
السابعة السُّفْلَى، وإلى السّماءِ السابعة العُلْيَا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم رِيحٌّ فأمَاتَتْهُمْ(٢) .
وقال ابن أبي الدّنيا : حدّثنا هارون بن عُمَر القُرَشِيّ، حدثنا الوليد بن مُسْلم، حدثنا
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عطاء بن يزيد السَّكْسَكِيّ ، قال : يَبْعَثُ اللهُ رِيحاً طَيْبَةً بَعْدَ قَبْض
عِيسَى ابن مَزيم، عليه الصلاة والسلام، وعند دُنُوٌّ من الساعة، فتقْبضُ روح كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَةٍ ،
ويَبقى شِرارُ النَّاسِ يَتِهَارَجَونَ تَهَارُجَ الحُمُر ، عليهم تقوم الساعة ، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله على
أهل الأرض الخوف ، فتَرْجُفُ بهم أقدامُهم ومساكنُهم ، فتخرجُ الجِنّ والإنس والشياطينُ إلى سِيفٍ(٣)
البَحْرِ ، فيمكثون كذلك ما شاء اللهُ، ثم تقول الجِنُّ والشياطين: هَلُمَّ نلتمس المَخْرَج، فيأتون خَافِقَ
المَغْرِبِ (٤)، فَيَجِدُونَه قَدْ سُدَّ، وعليه الحَفَظَةُ، ثم يرجعون إلى الناس، فبينما هُمْ على ذلك، إذ
أَشْرَفَتْ عليهم الساعةُ، ويسمعون مُنادِياً يُنادِي: يا أَيُّها الناسُ ﴿ أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوَةٌ﴾ [ النحل: ١]
قال : فما المرأةُ بأشَدّ استماعاً من الوليد في حَجْرِها ، ثمّ يُنْفَعُ في الصُّورِ فَيَضْعَقُ مَنْ فِي السَّموات ،
ومن في الأرض، إلّ من شاء الله(٥) .
وقال أيضاً : حدّثنا هارون بن سفيان ، حدّثنا محمد بن عمر، حدّثنا معاوية بن صالح ، عن
(١) رواه البخاري رقم (٤٨١٤) ومسلم (٢٩٥٥) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ( ٢٣) وفي إسناده ضعف.
(٣) أي ساحِله .
أي منتھی جهته .
(٤)
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٢٦).

١٩١
نفخة البعث
عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَيَر، عن أبيه، عن فضالة بن عُبَيد، عن النبيّ مَِّ. ح وحدّثنا هِشامُ بن
سَعْد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن حُجَيْرَة، عن عُقْبة بن عامر، عن النبيّ ◌ََّ قال: (( تَطْلعُ
الساعةُ عليكم سحابةً سوداءَ مثلَ النُّرْسِ من قِبَل المَغْرِب ، فما تزال ترتفع وترتفع ، حتى تملأ
السماء، ويُنادي منادٍ : أيُّها الناسُ، إنّ أَمْرَ اللهِ قد أتى، فوالذي نفسي بِيَدِه، إنّ الرجلين لَيَنْشُرَانِ
الثَّوْبَ فَمَا يَطْوِيانه ، وإنّ الرَّجلَ لَيَلُوطُ حَوْضَه فَمَا يَشْرَب منه، وإنّ الرَّجُلَ لَيَحْلِبُ لِقْحَتَهُ ، فما يَشْرَبُ
مِنْها شَيْئاً (١).
وقال محارب بن دِثَار : وإنَّ الطَّيْرِ يَوْمَ القِيامَةِ لَتَضْرِبُ بأَذْنَابِها، وتَزْمِي بما في حَواصِلها من هول
ما تَرى ، ليس عندها طَلِبَةٌ. رواه ابن أبي الدُّنْيًا في ((الأهوال)(٢).
وقال ابن أبي الدُّنيا : حدّثنا الحسن بن يحيى العَبْدِيّ، حدّثنا عبد الرزّاق، حدّثنا عبد الله بن
بَحِير، سمعت عبد الرحمن بن يزيد الصَّنْعانِيّ، سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله وَالطيار:
((مَنْ سَرّه أَنْ يَنْظُرَ إلى يَوْم القيامة رأي العين فلْيقْرأْ: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ ﴾
و﴿ إِذَا السَّمَهُ أَنْشَقَّتْ﴾)». ورواه أحمدُ، والترمذيّ، من حديث عبد الله بن بحير(٣).
نفخة البعث
قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا
هُمْ قِيَامٌ يَظُرُونَ () وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِلْعَ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمّ لَا
﴾ [الزمر: ٦٨ - ٧٠] وقال تعالى: ﴿یَوْمَ يُنفَحُ فِي
يُظْلَمُونَ () وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
﴾ [النبأ: ١٨ - ٢٠]. وقال
وَسُيِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ذَ
الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَجًا (﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَةُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا:
[الإسراء: ٥٢]. وقال تعالى:
تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَغُونَ إِن لَّيِثْتُمْ إِلَّا قَلِلًا
[النازعات: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ
فَإِنَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (٢) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ الثـ
اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥َ قَالُواْ يَوَيِلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [®) إِن
كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٢) فَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنتُمْ
[ يس : ٥١ - ٥٤ ] .
تَعْمَلُو
وذُكِرَ في حديث الصُّورِ بعد نَفْخَةِ الصَّعق ، وفناء الخلق، وبقاء الحَيّ القَيّوم الذي لا يموتُ، الذي
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ( ٢٥) وفي سنده ضعف ، ولبعضه شواهد .
(٢) هو في ((الأهوال)) (٣٩).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٩) وأحمد في المسند (٢٧/٢) والترمذي رقم (٣٣٣٣) وهو حديث حسن.
O

١٩٢
نفخة البعث
كان قبل كلِّ شيء، وهو الآخِرُ بَعْدَ كلّ شيء، وأنّهُ يُبَدِّل السمواتِ والأرضَ بين النفختين ، ثم يأمر
بإنزال الماء على الأرض ، الذي تُخْلَق منه الأجساد في قبورها ، وتتركب في أحداثها ، كما كانت في
حياتها ، في هذه الدنيا، ثم يدعو اللهُ بالأَزْواحِ فَيُؤْتَى بِهَا، تَتَوَهَّجُ أرواحُ المُؤْمِنِين نُوراً، والأُخْرى
ظُلْمةً، فتوضع في الصُّور، ويَأْمُرُ الله تعالى إسرافيلَ أَنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ الْبَعْثِ ، فَتَخْرجُ الأَزْواحُ كأنّها
النَّحْلُ ، قد مَلَتْ ما بَيْن السَّماءِ وَالأَرضِ ، فتدخل كل روح على جسدها التي كانت فيه في هذه
الدار ، فتمشي الأرواح في الأجساد مَشْيَ السُّم في اللَّدِيغ ، ثمّ تنشق الأرضُ عنهم ، كما تنشق عن
نباتها، فيخْرِجُونَ مِنها سِراعاً إِلَى رَبِّهِمْ ينْسِلُون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِيرٌ ﴾﴾ [القمر ]
حُفاةً عُراةً غُزْلًا .
وقد قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (١)] خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَمُهُمْ زِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَِّى
إلى آخر السورة [المعارج]، وقال تعالى: ﴿ وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ فَرِيبٍ (
كَانُواْ مُوعَدُونَ (ج)
يوم
يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
... ﴾ إلى آخر السورة [ق: ٤١ -٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ
٤٠
[القمر] وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِى
الْأَجْدَاثِ كَهُمْ جَرَادٌ مُنَتَشِرٌ (٥ مُّهْطِعِينَ إِلَى النَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِيرٌ (٥
النَّقُورِ ﴿َّ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَ عَسِيرُ (٥) عَلَى الْكَفِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدثر] وقال تعالى: ﴿﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ
[طه] وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَّكُم مِّنَ اْأَرْضِ نَبَانًا (٥) ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيهَا وَتُخْرِجُكُمْ
وَمِنْهَا فُخْرِئُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
﴾ [ نوح ].
إِخْرَاجًا لإل
إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على البعث والنشور .
وقال ابن أبي الدُّنيا : حدثنا [ حمزة بن العباس ]، حدّثنا عبد الله بن عثمان ، حدثنا ابن المبارك ،
حدثنا سفيان، عن سَلمةً بن كُهَيْل ، عن أبي الزَّعْراء ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : يُرْسِلُ الله قبل
يوم القيامة ريحاً فِيهَا صِرٍ(١) بارِدَةً وَزَمْهَرِيراً بارداً، فلا تذَرُ على الأرض مُؤْمِناً إلّا كُفِتَ بتلْكَ الريح ،
ثم تقوم الساعةُ على الناس ، فيقوم ملَكٌ بَيْن السَّماء والأَرضِ بالصُّور ، فينفخُ فيه ، فلا يبقى خلق في
السماء والأرض إلّا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون ، فيُرسل الله ماءً من تحت العَرْش
فَتَنْبُتُ جُسْمَانُهم ولُحْمانُهمْ من ذلك الماء ، كما تَنْبُت الأرض من الثَّرَى، ثم قرأ ابن مسعود :
[ فاطر] ثم يقوم ملَك بين السماء والأرض بالصُّور، فينفخُ فيه ، فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْس
كَذَلِكَ النُُّورُ
إلى جَسَدها، فَتَدْخُل فِيهِ، وَيَقُومُونَ، فيجيئون قياماً لربّ العَالِمِينُ(٢) .
وعن وهب بن منبه ، قال: يَبْلَوْنَ في القُبور، فإذَا سَمِعُوا الصَّرْخَةَ عادتِ الأرواحُ في الأبدان ،
(١) الصِّرُّ: البرد.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ( ٨٢).

١٩٣
ذكر أحاديث في البعث
والمفاصلُ بعضها إلى بعض ، فإذا سمعوا الصرخة الثانية وثب القومُ قياماً على أزجُلِهِم ، يَنْفُضُون
التُّرابَ عن رؤوسهم، يقول المؤمنون: سُبْحَانَك ما عَبَدْناك حَقَّ عِبَادَتِكَ(١).
ذكر أحاديث في البعث
قال سفيان الثوريّ ، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي الزَّغْراء ، عن عبد الله قال : يُرْسِلُ الله رِيحاً فِيهَا
صِرِّ باردةً، وزمهَرِيراً بَارِدَةً، فلا يبقى على الأرض مُؤْمِنٌ إلّا كُفِتَ(٢) بِتلكَ الرِّيح، ثم تقوم
الساعة ... وذكر الحديث كما تقدم في المقال قبله .
وقال ابن أبي الدُّنيا : أخبرنا أبو خيثمة ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حمّاد بنُ سَلمة ، عن يعلى ابن
عطاء ، عن وَكِيع بن عُدُس، عن عمه أبي رَزِين ، قال: قلت : يا رسول الله، كيف يُحْبِي اللهُ المَوْتى ؟
وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال: ((يا أبا رَزِين ، أَمَا مَزْرتَ، بِوَادِي أهْلِكَ مَحْلا٣ً) ثُمّ مَرَرْتَ بِهِ يهْتَزّ خَضِراً؟»
قلت: بَلَى، قال: ((فكذلك يُحْيِي اللهُ المَوْنَى، وذلك آيتُه في خَلْقِهِ » .
وقد رواه أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، وغُنْدَر، كلاهما عن شُعْبةَ، عن يعلى بن عطاء، به نحوه، أو مثْلَهُ(٤) .
وقد رواه أحمد من وجه آخر ، فقال : حَدّثنا عليّ بن إسحاق ، حدثنا عبد الله بن المُبارك ، أخبرنا
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن سليمان بن موسى، عن أبي رَزِين العُقَيْلِيّ، قال: أَتَيْتُ رسول اللهِّهِ،
فقلت: يا رسول الله، كَيْفَ يُحْيِي الله المَوْتَى؟ قال: (( أَمَرزتَ بأَرْضٍ مِنْ أرْضِكَ مُجْدِبَةٌ ، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهَا
مُخْصِبةً؟)) قال: قلت: نعم، قال: (( كذلك النُّشُور))، وقال: قلت: يا رسول الله ، ما الإيمان ؟
قال: ((أنْ تَشْهَد أنْ لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأن يكون اللهُ ورسولُه
أحَبّ إِلَيْكَ مما سِواهُمَا، وَأَنْ تُخْرَق بالنار أحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللهِ، وأنْ تُحِبَّ غَيْرِ ذِي نَسَب لا تُحِبُّه
إلا الله عزّ وجلّ، فإذا كنتَ كَذَلِك، فَقْد دَخَل حُبُّ الإيمانِ في قَلْبِك، كما دَخَل حُبُّ المَاءِ قلبَ الظمآن
فِي الْيَوْمِ القَائِظِ )). قلت: يا رسول الله، كيف لي بأن أعلمَ أَنِّي مُؤمن؟ قال: (( ما من أمَّتي أو هذه الأمة
عبدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً، فَيَعْلَمُ أنّها حَسَنَةٌ، وأن الله عز وجل جازيه بها خيراً، ولا يعْمَلُ سَيَّةً فَيْعلَم أنّها سَيُّئة ،
ويستغفر الله عز وجل منها ، وَيعلَم أنّه لَا يغْفِرُ إلّا هُوَ، إلا وَهُوَ مُؤْمِن)) تفرّد به أحمدُ(٥) .
(١) ((الأهوال)) (٨٥).
(٢) أي ضُم في بطن الأرض بتلك الريح. قال تعالى: ﴿أَرَ بَجَعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ أي ضامة، تضم الأحياء على
ظهورها ، والأموات في بطنها .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٨٣) وأحمد في المسند (١٢/٤) وإسناده ضعيف.
(٣)
أي جَدْباً .
(٥) رواه أحمد في المسند (١١/٤ - ١٢) وإسناده ضعيف .

١٩٤
حديث أبي رزين في البعث والنشور
حديث أبي رزين في البعث والنشور
أخبرني شيخُنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزِّيّ، تغمّده الله برحمته ، وغيرُ واحدٍ
من المشايخ ، قراءةً عليهم وأنا أسمع ، قالوا : أخبرنا فخرُ الدين عليّ بن عبد الواحد ، ابن البخاريّ ،
وغيرُ واحدٍ ، قالوا: أخبرنا حنبل بن عبد الله المكبِّر ، أخبرنا أبو القاسم هبةُ الله بن الحُصَين الشيبانيّ ،
أخبرنا أبو علي الحسن بن علي ابن المُذْهِب التميميّ ، أخبرنا أبو بكر ، أحمد بن جعفر بن حمدان بن
مالك القطيعيّ ، أخبرنا عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في ((مُسند أبيه))، قال: كتب إليّ
إبراهيمُ بنُ حمزة بن محمد بن حمزة بن مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيّ : كتبتُ إلَيكَ بهذا الحديث ، وقد
عَرَضْتُهُ، وسمعته على ما كتبتُ به إليكَ، فحدِّث بذلك عنِّي ، قال : حدثني عبد الرحمن بن المُغيرة
الحِزامي ، قال : حدّثني عبد الرحمن بن عيّاش السَّمعي الأنْصَارِيّ القُبَائِيّ، من بني عمرو بن عَوف ،
عن دَلْهَم بنِ الأَسْودِ بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المُنْتَفِقِ العُقَيْلِيّ، عن أبيه ، عن عمّه لَقِيطِ بن
عامر، قال دَلْهَم: وحدّثنيه أبي الأسودُ، عن عاصم بن لَقِيط، أنّ لَقِيطاً خرج وافداً إلى رسول الله وَّ
ومعه صاحبٌ له ، يقال له : نَهِيك بن عاصم بن مالك بن المُنْتَفِقِ ، قال لقيط : فخرجتُ أنا وصاحبي
حتّى قَدِمْنا على رسول اللهِ وَّوَ[ الانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله وَّ فوافيناه }(١) حين انصرف من
صلاة الغَدَاةِ، فقام في الناس خطيباً فقال: ((أيُّها الناس ، ألا إني قَدْ خَبأْتُ لَكُمْ صَوْتِي منذ أَرْبِعَةِ
أيام، ألا لأُسمِعَنَّكُمْ، أَا فَهَلْ مِن امْرِيْ بعَثَهُ قَوْمُه؟)) فقالوا: اعلمْ لَنَا ما يَقُولُ رسول اللهِصَّةِ، ((أَلَا
ثُمَّ لَعَلّه أن يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِه، أو حديث صَاحِبه، أو يُلْهيه الضّلال ، ألا إني مسؤول : هلْ بَلَّغْتَ ؟
ألا اسْمَعُوا تعيشوا، ألَا اجْلِسُوا، ألَا اجْلسُوا))، قال: فجلس الناس، وقُمْتُ أنا وصاحبي، حتَّى إذَا
فَرَغْ لِنَا فُؤْادُه وبَصَرُه . قلت : يا رسول الله، ما عِنْدَكَ مِنْ عِلْم الغَيْبِ؟ فضحك لَعَمْرُ الله، وهَزّ رَأْسَهُ،
وعلم أني أَبْتَغِي لِسَقْطِهِ ، فقال: ((ضَنَّ رَبُّك عز وجل بمفاتيح خَمْسٍ مِنَ الغَيْب، لَا يَعْلَمُها إلّا اللهُ))،
وأشار بيدهِ ، قلت: وما هن؟ قال: ((عِلْمُ المَنِيَّةِ ، قد علم متى مَنِيَّةُ أحدكم ، ولا تعلمونه ، وعِلمُ
المنيّ حِينَ يكونُ في الرَّحِم قَدْ عِلِمَه ولا تعلمون ، وعِلمُ ما في غد وما أنت طَاعِمٌ غداً، ولا تعلمه،
وعِلْمُ يومِ الغَيْثِ يُشْرِفُ عليكم آزِلِينُ(٢) مُسنتين، فَيَظَلُّ يَضْحَك قد علم أنّ غَيْرَكُم٣ْ) إلى قَريبٍ)).
قال لقيط: قلت: لن نَعْدَمَ من ربِّ يَضْحَكُ خيراً، ((وعِلْمُ يَوْم الساعة)) . قلت: يا رسول الله،
عَلِّمْنَا مِمّا تُعَلِّم الناسَ، وَمَا تَعْلَم، فإنّا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُونَ تصديقنا أَحَدٌ مِنْ منْحِجِ التي
(١) ما بين الحاصرتين تكملة من ((مسند الإمام أحمد)).
(٢) آزلين ، أي في شدةٍ وضيق . ومُسنتين : أي أصابتهم السنة وهو القحط .
(٣) أي غيثكم وسقياكم بالمطر .

١٩٥
حديث أبي رزين في البعث والنشور
تربو(١) عَلَيْنَا، وَخَثْعَم التي تُوالينا(٢)، وَعَشِيرَتِنا التي نَحْنُ منها، قال: ((تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُمْ ثم يُتوفى نَبِيّكم ،
ثم تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُم، ثم تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، لَعَمْرُ إِلهِكَ ما تَدَعُ على ظَهْرِهَا مِنْ شَيْءٍ إلّا ماتَ، والملائكةُ
الذين مع ربك عز وجل ، فأصبْحَ رَبُّك عز وجل يطوف في البلاد وخَلَتْ عَلَيْه البلاد ، فأرسلَ ربُّك عز وجل
السماءَ ، تَهْضِبُ(٣) مِنْ عِنْد العرش، فلَعَمْرُ إلهك ما تدعُ على ظهرها من مَصْرَع قتيل ، ولا مَدْفَنِ مَيِّت إلّا
شَقَّت القَبْر عنهُ حَتّى تُخْلِفَه(٤) مِنْ عند رأسه، فيستوي جالساً، يقول ربك: مَهْيَمُ(٥) لما كان فيه ،
فيقول : يا رب ، أمسٍ ، اليومَ، فلِعهده بالحياة يَحْسَبُه حَدِيثاً بأهْلِهِ))، فقلت: يا رسول الله كيف يَجْمَعُنا
بعد ما تُمَزَّقُنا الرياحُ ، والبِلَى، والسِّباعُ؟ قال: ((أُنْبَّئُك بمثل ذلك في آلاء اللهِ، الأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْها
وهي مَدَرٌ) باليةٌ ، فقلت : لا تحيا أبداً، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء ، فلم تَلْبَثْ عليك إلّا
أياماً حَتّى أَشْرَفْتَ عَلْيها، وهي شَربة واحدة ، ولعمر إلهك لَهُو أَقْدَرُ على أَنْ يَجْمَعُكُمْ من الماء ، على أن
يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأَصْوَاء(٧) ومِن مصارعكم ، فتنظرون إليه ، ويَنْظُرُ إليكم)).
قال : قلت : يا رسول الله، كيف ونحن مِلْءُ الأرض، وهو شخص واحد يَنْظُر إلينا، ونَنْظُر
إِلَيْه؟ قال: (( أنبتك بمثل ذلك في آلاء الله عز وجل ؟ الشمس ، والقمر ، آية منه صغيرة ترونهما
ويريانكم ساعةً واحدةً ، لا تضامول(٨) في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه
منهما))، قال: قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: ((تُعْرَضُون عليه باديةً له
صَفَحَاتِكُمْ ، لا تَخْفَى عليه منكم خافية، فيأُخُذُ ربُّك عز وجل بيده غَرْفةً من الماءِ ، فَيَنْضَحُ قَبِيلَكُمْ بها،
فلعَمْرُ إلهك ما تُخطئ وَجْهَ أحدكم منها قطرة، فأما المؤمن فَتَدَعُ وَجْهَهُ، مِثْلِ الرَّيْطَه٩ِ) الْبَيْضَاءِ، وأما
الكافِرُ فَتَخْطِمُه١) بمثل الحُمَمُ (١) الأسود، أَلَا ثُمَّ ينصرف نَبِيُكم، وينصرف الصالحون على أثَرِهِ ،
فتسلكون جِسْراً من النار، فَيَطَأُ أحَدُكُم الجَمْرَ ويقول: حَسُ(١٢) فيقول ربك عز وجل: أَوَانُهُ .
أي ترتفع .
(١)
أي تجاورنا .
(٢)
(٣)
أي تمطر .
(٤)
أي تحییه .
كلمة استفهام ، معناها : ما حالك وما شأنك .
(٥)
المدرة : قطعة الحجر .
(٦)
(٧)
أي القبور .
أي لا يحصل لكم ضيم .
(٨)
(٩) كل ملاءة غير ذات لِفْقَيْنِ .
(١٠) أي تصيب أنفه.
(١١) في ((مسند الإمام أحمد)): ((بمثل الحميم)) والحمم: مفردها الحممة، وهي الفحمة. ((النهاية)) (٤٤٤/١).
(١٢) حَسّ : صوت التوجع من ألم الجمرة حين وطئها.

١٩٦
حديث أبي رزين في البعث والنشور
[ألا] فتَطَّلِعُون (١) على حَوْض الرسول على أظمٍ - والله - ناهِلةٍ(٢) قطُ رأيتها، فلعَمْرُ إلهك
ما يَبْسطُ واحدٌ مِنْكُم يَدَه إلا وقع عليها قَدَحْ يُطهّرُهُ مِنَ الطَّوْف (٣) والبَوْل والأَذَى، وتُحْبَسُ الشَّمْسُ
والقَمَرُ ولا ترون منهما واحداً))، قال: قلت: يا رسول الله، فبم نُبُصِر؟ قال: ((بمثلٍ بصركَ ساعتَك
هذه ، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقَتْ فِيه الأرضُ وواجَهَتْه الجبَالُ)) .
قال : قلت: يا رسول الله، فبم نُجْزَى مِنْ سيئاتِنا، وحَسَاتِنَا؟ قال: (( الحَسَنَةُ بِعَشر أمثالها، والسيئةُ
بمثلها، إلا أنْ يَعْفُوَ )) قال: قلت: يا رسول الله، ما الجنة؟ وما النار؟ قال: ((لَعَمْرُ إلهك إن للنار لَسَبْعَةً
أبواب ، ما مِنْهن بابان إلا يَسِيرُ الراكب بينهما سبعين عاماً ، وإن للجنة لثمانية أبواب ، ما مِنْهُنَّ بَابَان إلا يسيرُ
الراكب بينهما سبعين عاماً))، قال: قلت: يا رسول الله، فعلامَ نطَّلِع من الجَنّةَ؟ قال: ((على أنْهَارٍ منْ عَسَلٍ
مُصَفّى ، وَأَنْهَارٍ مِنْ كَأْسٍ ما بِهَا مِنْ صُدَاعٍ ، وَلا نَدَامَةٍ ، وأنهارٍ من لَبَّن لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وفاكهةٍ
لَعَمْرُ إلهك ما تَعْلَمُون، وَخَيْرٍ مِنْ مِثْلِهِ مَعَه، وَأَزْوَاجِ مُطَهَّرَةٍ)) قلت: يا رسول الله، ولنا فيها أزواج؟ أوَ مِنْهُنّ
مُصْلِحَاتٌ، قال: ((الصالحاتُ للصالحين، تَلَذُّونَهُنّ مِثْلِ لَذّاتِكُمْ فِي الدُّنيا وَيَلْذَذْن بكم، غير أنْ لا توالُدَ )).
قال لقيط: فقلت : يا رسول الله أقصى ما نحنُ بالغونَ ومُنْتهون إليه؟ فلم يجبه النبيُّ بَّ قلت:
يا رسول الله، علامَ أَبَايِعُكَ؟ فبسط رسول الله وَّل يده، وقال: ((على إقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة،
وزِيالِ المَشْرِ(٤)، وألّا تُشْرِك بالله غيرَه)).
قال : قالت: وإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؟ فقبض النبي ◌َّ يده وبسط أصابعه، وظَنّ أنَّ
مُشْترط شيئاً لا يُعْطِينِيهِ ، قال : قلت : نَحِلُّ مِنْها حَيْثُ شِئْنا، ولا يجْني على امْريٍ إلا نَفْسُهُ، فبسط
يده وقال : ((ذلك لك، تَحِلّ حَيْثُ شِئْتَ، ولا يَجْنِي عَليكَ إلَّا نَفْسُك))، قال: فانصرفنا، فقال :
((إِنَّ هذين لَعَمْرُ إلهك مِنْ أتقى الناس في الأولى والأخرى))، فقال له كعبُ بنُ الخُداريّة ، أحدُ بني
بَكْر بن كِلاب: مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: (( بنو المنتفق أهل ذلك)) قال: فانصرفنا، وأقبلتُ
عليه ، فقلت : (( يا رسول الله، هل لأحَدٍ مِمَّن مضى خيرٌ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ؟)) .
قال : فقال رجل من عُرْضٍ(٥) قرَيْشٍ : والله إن أباك المنتفق لفِي النارِ ، قال: فلكأنَّهُ وقع حَرِّ بَيْن
جِلْدِي وَوَجْهِي ولَحْمِي مما قال لأبي على رؤوس الناس ، فَهَمَمْتُ أن أقول : وأبوك يا رسول الله ، ثم
إذا الأخرى أجْمَلُ، فقلت: يا رسول الله، وأهلك؟ قال: (( وأهلي، لَعَمْرُ الله ما أَتَيْتَ عليه من قَبْر
(١) ما بين الحاصرتين مستدرك من (( مسند الإمام أحمد)) لإكمال معنى الكلام.
(٢) الناهلة : الذاهبة إلى المنهل للشرب .
(٣) أي من الخائط.
أي مفارقته .
(٤)
(٥) أي من عامة قريش ، وليس من خاصتهم .

١٩٧
ذكر أحاديث في البعث
عامِريّ، أو قُرَشيّ من مُشركٍ، فَقُلْ: أرْسَلْنِي إِلَيْك مُحَمد فأُبَشِّرُك بما يَسُوءُك: تُجَرّ على وجهك
وبَطْنِك في النَّار)) .
قال : قلت : يا رسول الله، ما فَعل بهم ذلك؟ وقد كانوا على عَمَلٍ لا يُحْسِنُون إلَّ إِيَّاه ، وقد
كانوا يحسبون أنهم مصلِحون؟ قال: ((ذلك بأن الله بعث في آخر كل سَبْع أممٍ)) يعني نبيّاً ((فمن عصى
نَبِيَّه كان من الضالِّين ، ومن أطاع نبيَّه كان من الْمُهتدين » .
وقد رواه أبو داود في رواية أبي سعيد بن الأعرابي ، عن أبي داود ، عن الحسن بن علي ، عن
إبراهيم بن حمزة ، به ، قال شيخنا : لعله من زيادات ابن الأعرابي(١).
وقال الوليد بن مسلم وقد جمع أحاديثَ وآثاراً في مجلد تشهد لحديث الصور في مُتَفّرقاته : أخبرنا
﴾ [ ق ] قال : ملَك قائم
سعيد بن بشير ، عن قتادة، في قوله: ﴿ وَأُسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ فَرِيبٍ (
على صخرة بيت المقدس ، ينادي : أيَّتُها العظامُ البالية ، والأوصال المُتَقَطِّعة، إنّ الله يَأْمُرُكُنَّ أن
تَجْتَمعن لفَصْلِ القَضاءِ .
وبه عن قتادة قال : لا يُفَتَّرُ عن أهل القبور عَذابُ القَبْر إلا فيما بَيْنَ نفخة الصعق ، ونفخة البعث ،
فلذلك يقول الكافر حين يُبَعثُ : ﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّ﴾ يعني تلك الفترة ، فيقول له المؤمن :
﴾ [ يس ]٢)
هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنى علي بن الحسين بن أبي مريم ، عن محمد بن الحسين ،
حدثني صَدَقةُ بن بكر السعدي ، حدثني معدي بن سُلَيمان، قال: كان أبو مُحَلِّمٌ(٣) الجَسْري يجتمع
إليه إخوانُه، وكان حكيماً، وكان إذا تلا هذه الآية: ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ
يَنْسِلُونَ (@) قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (@)﴾ [ يس ] بكى، ثم قال:
إن في القيامة لمعاريض ، صفة ذهبت فظاعَتُها بأوهام العقول ، أما والله لَئِنِ كان القومُ في رَقْدَةٍ مثل
ظاهرِ قولهم ، لمَا دَعَوْا بالوَيْلِ عند أول وَهْلَةٍ مِنْ بَعْثِهِم ، ولم يُوقَفوا بَعْدُ مَوْقِف عَرْضٍ ، ولا مُسَاءَلةٍ ،
إِلّا وَقَدْ عَايَنُوا خَطراً عَظِيماً، وحُقِّقت عليهم القيامة بالجلائل من أمرها ، ولَئِنْ كانُوا في طُوْل الإقامةِ
في البَرْزَخ كانوا يَأْلَمُونَ وَيُعَذَّبون في قبورهم، فما دَعَوْا بالويل عند انقطاع ذلك عنهم إلا وقد نُقِلُوا إلى
طَامَّةٍ هي أعظمُ مِنْه، ولولا أن الأمر على ذلك، لما استصغر القوم ما كانوا فيه فسَمَّوهُ رُقاداً، بالنسبة
(١) رواه أحمد في المسند (١٣/٤ - ١٤) وأبو داود رقم (٦٢٦٦) وهو حديث ضعيف مسلسل بالمجاهيل بطوله،
ولبعضه شواهد .
(٢) ((الأهوال)) ( ٨٩).
(٣) في الأصول : أبو محكم ، وهو خطأ .

١٩٨
ذكر أحاديث في البعث
إلى ما يستقبلون من أهوال يوم القيامة ، كما يقال : هذا الشيء عند هذا الشيء رقاداً ، وإن كان في
الأول شدائد وأهوال ، لكنَّه بالنسبة إلى ما هو أشد منه وأدهى وأمرُ كأنه رقاد ، وإن في القرآن لَدلِيلاً
﴾ [ النازعات] قال: ثم يَبْكي حتى يَبْلٌ لِحْيَتَهُ(١).
على ذلك ، حين يقول : ﴿فَإِذَا جََّتِ الطَّمَةُ الْكُتْرَ ◌ِ
وقال الوليد بن مسلم : حدثني عبد الله بن العلاء ، حدثني بُسر بن عُبيد الله الحَضْرمي : سمعت
أبا إدريس الْخَولَانِيَّ يقول : اجتمع الناسُ إلى سائحِ بينَ العراق والشام في الجاهِليَّة ، فقام فيهم ،
فقال : أيُّها الناسُ، إنكم مَيّتون ثم مَبعوثون إلى الإدانة والحساب ، فقام رجل ، فقال : والله لقد
رأيتُ رجُلاً لا يَبْعَثُه اللهُ أبداً، رأيته وقع عن راحِلَتِهِ في مَوْسمٍ من مواسم العرب، فَوطِئَتْهُ الإِبلُ
بأَخْفَافها، والدَّوابُ بحوَافِها، والرجّالَةُ بأرْجُلِها، حتى رَّ فلم يبق منه أُنْمُلَةٌ ، فقال السائح: بَيْد
أنّك من قوم سَخِيفةٍ أحلامُهم ، ضعيفٍ يقينُهم ، قليلٍ عِلْمُهُمْ، لو أَنَّ الضَّبُعَ بَّتت (٢) تلك الرِّمةَ
فأكلتها، ثم تلطْهَا٣) ثم غدت عليه الناب(٤) فأكَلَتْهُ وَبَعَرَتْهُ، ثم غدت عليه الجَلَّلَةُ فَالْتَقَطته، ثم
أَوَ قَدَتْه تَحْتَ قِدْرِ أَهْلِهَا، ثم نَسَفَتِ الرَّياحُ رَمَادَهُ، لأَمرَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كُلَّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً أَنْ يَرُدَّهُ
فَردَّهُ ، ثم بعثه الله للإدانة والثواب(٥) .
وقال الوليد بن مسلم : حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ؛ أن شيخاً من شيوخ الجاهلية القُسَاةِ
قال : يا محمد، ثَلاَثٌ بَلَغني أَنَّكَ تَقُولُهُنّ، لا يَنْبغي لذي عَقل أنْ يُصَدِّقك فِيهنَّ؛ بلغني أنك تقولُ:
إن العربَ تاركةٌ ما كانت تَعْبُدُ هي وآباؤها، وإنا سنظهر على كُنوز كِسْرَى وقَيْصَرَ ، وإنَّا سَنُبُعَثُ بَعْدَ أَنْ
فَرِمَّ، فقال رسول الله بَّةَ: (( أَجْل، والذي نَفْسي بيده، لَتَرُكَنَّ العرَبُ ما كانت تَعْبُد هي وَآبَاؤُهَا،
وَلَتَظْهَرنّ على كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَر، وَلَتَمُوتَنّ ثم لتُبُعثَنّ، ثُمّ لآخُذَنَّ بِيَدِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ فلأذَكِّرَنَّكَ مَقَالَتَكَ
هَذه)) قال: وَلا تَضِلَّنِي فِي الْمَوتَى، وَلَا تَنْسَانِي؟ قال: ((ولا أَضِلُّكَ فِي الْمَوتَى، ولا أَنْساكَ)) قال:
فبقي ذلك الشيخُ حتى قُبِضَ رسولُ اللهِ وَرَ، ورأى ظهور المسلمين على كنوز كِسْرى وقَيْصر، فأسْلم ،
وحَسُن إسلامُه، وكان كثيراً ما يسمع عُمَرُ بنُ الخَطَّاب رضي الله عنه نحيبه وبكاءه في مسجدٍ
رسول الله ◌َ، لإعظامه ما كان واجهَ به رسول الله وَله، وكان عُمر يأتيه، وَيُسَكِّن منه، ويقول له: قد
أسلمتَ، ووعدكَ رسول الله وَ﴿ أن يأخذ بيدك، ولا يأخذ رسول الله وَ لّل بيد أحدٍ إلا أفْلَح وسعد إن
شاءَ الله(٦).
(١) رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٨٨).
(٢)
أي أتت عليها ليلا .
أي أخرجتها غائطاً بعد هضمها .
(٣)
(٤)
الناقة الهرمة التي طال نابها .
((الأهوال)) (٩٢ ).
(٥)
(٦) ((الأهوال)) (٩١) وهو مرسل.

١٩٩
ذكر أحاديث في البعث
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدثنا فُضَيْل بن عبد الوهاب ، أخبرنا هُشَيم ، عن أبي بِشْر، عن
سعيد بن جُبَيْر ، قال: جاء العاصُ بنُ وائلٍ إلى رسول الله بِّهَ بِعَظْم حَائِلٍ(١)، ففَتَّهُ، وقال:
يا محمد، أيبْعَثُ اللهُ هذا؟ قال: ((نعم، يُمِيتُك اللهُ، ثُمَّ يُحْبِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُك نار جَهَنَّمَ )) فَنَزَلَتْ:
﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًّا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ, قَالَ مَن يُخِيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ (٤) قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمُ (®﴾ [ يس]٢).
وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِْتُمُ اُلَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢] قال: خَلْقُ آدَمَ وخَلْقُكُم
◌َحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (@)﴾ [الواقعة] قال: فهلاَّ تُصَدِّقون (٣) ؟
وعن أبي جعفر الباقر ، قال : كان يقال : عجباً لمن يكذِّب بالنشأة الآخرة ، وهو يرى النشأة
الأولى، يا عجباً كل العجب لِمَنْ يُكَذِّبُ بالنّشر بعد الموت، وَهُو يُنشر في كل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . رواه
ابن أبي الدنيا٤) .
وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم: ٢٧]
قال : إعادته أهْوَنُ عليه من ابتدائه ، وكُلٌّ عليه يسيرٌ . رواه ابن أبي الدُّنيا٥) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزّاق، حدّثنا مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَّه ، عن أبي هريرة ، قال :
قال رسول الله وَ له: ((قال الله تعالى: كَذَّبَنِي عَبْدِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمِنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
ذَلِك، أَمَّا تَكْذِيبُه إِيّايَ فَقولُه: لن يُعيدني كمَا بَدَأَنِي. وَأَمّا شَتْمُهُ إِيّايَ فقوله: اتَّخَذَ اللهُ وَلداً، وأنا
الأَحَدُ الصَّمَدُ الّذِي لَم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُواً أحَدٌ)) وهو ثابت في ((الصحيحين)(٦).
وفيهما قصة الذي عهد إلى بنيه إذا مات أن يَحْرِقُوه ، ثم يَذْرُوا يوم ريح نِصْف رَمَادِهِ في
البَرِّ ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ ، وقال: وَاللهِ لَئِنِ قَدَرَ اللهُ عَلَي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَاباً لَا يُعَذِّبُه أحداً مِن العَالَمِين .
وذلك أنه لم يَدَّخر له عند الله حَسنةً واحدةً . فلمّا مات فَعل به بَنُوهُ ما أمرهم به ، فأمر الله البَرَّ ،
فجَمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه ، فإذا هو رجلٌ قائمٌ بين يدي ربِّه . فقال له : مَا حَملكَ
(١) بال رميم .
(٢) ((الأهوال)) (٩٠) والطبري مرسلاً، ورواه الحاكم في المستدرك (٤٢٩/٢) من طريق هشيم به مسنداً
وصححه .
(٣) ((الأهوال)) (٩٥).
(٤) ((الأهوال)) ( ٩٦).
(٥) ((الأهوال)) ( ٩٧ ).
(٦) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣١٧) والبخاري رقم (٤٩٧٥) .

٢٠٠
ذكر أسماء يوم القيامة
على هذا؟ قال: خشْيَتُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ. قال رسول الله بَّةِ: ((فما تَلاَفَاهُ أَنْ غَفَرَ لَهُ(١))(٢).
وعن صالح المُرِّي قال : دَخَلتُ المقابرَ نِصْفَ النهار ، فنظرتُ إلى القبور كأنّهُمْ قوم صُمُوتٌ .
فقلت : سُبحانَ مَنْ يُحْيِيكُم وَيَنْشُرُكُمْ مِنْ بَعْد طُول البِلَى، فَهَتَفَ بي هاتفٌ من بَعْضِ تِلكَ الحُفَرِ :
يا صالح ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٦)]﴾ [ الروم ]
قال : فخَرَرْتُ وَاللهِ مَغْشِيّاً عَلَيّ .
ذكر أسماء يوم القيامة
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتاب ((العاقبة)): يوم القيامة ، وما أدراك ما يومُ القيامة؟ يَومُ
الحَسْرةِ والندامة، يوم يَجد كُل عَاملٍ عَمَلَهُ أمامهُ ، يوم الدَّمْدَمةِ ، يوم الزّلزلة ، يَوْمُ الصاعقة ، يوم
الواقعة ، يوم الرَّاجفة ، يوم الواجفة ، يوم الرَّادفة ، يوم الغاشية، يوم الدَّاهية ، يوم الآزفة ، يوم
الحاقة ، يوم الطامة ، يَوْمُ الصاخّة ، يوم التَّلاق ، يوم الفراق ، يوم المساق ، يوم الإشفاق ، يوم
الإشتاق ، يوم القِصَاص ، يوم لاتَ حينَ مَناصٍ ، يوم التَّنَادِ، يوم الأَشْهاد ، يوم المَعادِ ، يوم
المِرْصادِ ، يوم المساءلة ، يومُ المناقشة ، يوم الحساب ، يوم المآب ، يوم العذاب ، يوم الثواب ،
يوم الفرار لو وُجِدَ الفرار، يوم القَرارِ إمّا في الجنة وإما في النار ، يومُ القضاء ، يوم الجزاء ، يوم
البُكَاء ، يوم البَلاَءِ، يوم تَمُورُ السَّماءِ مَوْراً وتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْراً، يَومُ الحَشْرِ ، يومُ النّشر ، يوم الجَمْع،
يوم البَعْث، يوم العَرْض، يوم الوَزْن، يومُ الحَقّ ، يومُ الحُكْم ، يوم الفَصْل ، يَومٌ عَقِيمٌ ، يوم عَسِيرٌ،
يَوْم قَمْطَرِير(٣)، يَوْمٌ عَصِيبٌ، يومُ النُّشُور، يومُ المَصِير ، يومُ الدِّين ، يومُ الْيَقِين، يومُ النَّفْخَةِ، يومُ
الصَّيْحَةِ، يوم الرَّجْفَةِ، يوم السَّكْرةِ، يوم الرَّجَّة، يَومُ الفَزَعِ، يومُ الجَزَعْ، يومُ القَلَقَ، يومُ الفَرَق ،
يوم العَرَق ، يَوْمُ المِيقَاتِ ، يَوْم تَخْرُجُ الأمواتُ وَتَظْهَرُ العَوْرَاتُ، يومُ الانْشِقَاقِ، يومُ الانْكِدَارِ، يومُ
الانْفِطَار، يومُ الانتشار، يومُ الافْتِقار، يوم الوقوف، يومُ الخُروج، يومُ الانْصِدَاعِ ، يومُ الانقطاع،
يومٌ معلومٌ، يومٌ مَوْعُودٌ ، يَوْمٌ مَشْهُودٌ، يَوْم تُبْلَى السرائر، يوم يظهر ما في الضَّمائِر، ﴿ يَوْمًا لَّا تَجْزِى
نَفْسَّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، ﴿ يَوَّمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩ ] يومٌ يُدْعَى فيه إلى النار،
يوم لا سجن إلا النار، يَوْمٌ تَتَقَلْبُ فيه القلوب والأبصار، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
وَلَهُمْ سُوَّءُ الدَّارِ ﴾﴾ [غافر] ، يوم تُقَلّب فيه الوجوهُ في النار، يوم البُرُوزِ، يومُ الورود، يومُ الصُّدُور
من القبور إلى الله ، يومُ لا ينفَعُ مال ولا بنون ، يوم لا تنفع المعذرة، يومٌ لا يُرتَجَى فِيه إلَّ المَغْفرة .
(١) انظر ما قاله الحافظ ابن حجر حول معناه في ((الفتح)) (٣١٥/١١).
(٢) رواه البخاري (٣٤٥٢) ومسلم ( ٢٧٥٦) .
(٣) القمطرير : الشديد .