Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
الأشْعَرِيّ ، عن مسعود بن سُلَيْمان ، عن حَبِيبٍ بن أبي ثابت ، عن مُجاهد، عن عبد الله بن
عمرو، عن النبيّ وََّ، أنه قال في الدجال: (( ما شُبِّه عليكم مِنْهُ، فإنّ الله سبحانه ليس بأعور ،
يخرُج، فيكون في الأرض أربعين صباحاً، يرِدُ كلَّ مَنْهَلٍ ، إلّ الكَعْبَةَ، وَبَيْتَ المَقْدِس، والمَدِينَةَ.
الشهرُ كالجُمعة ، والجمعةُ كاليوم، ومعه جنّة ونار ، فنارُه جَنّة ، وجنَّتَه نار ، معه جبل من خُبْز ،
ونَهْرٌ مِنْ ماءٍ، يدعُو برجل لا يُسَلِّطُه اللهُ إلّا عَلَيْهِ ، فَيَقُول: ما تقولُ فيّ ، فيقول : أنت عدو الله،
وأنت الدجّال الكذَّبُ، فيدعو بمنشار، [ فيضعه حَذْوَ رأسه ] فيَشُقّه، ثم يُخييه ، فيقول له : ما تقول
فيَّ: فيقول : واللهِ ما كنتُ أشَدَّ بصِيرةٌ مِنِّي فِيكَ الآن ، أنت عدوّ الله ، الدجّال الذي أخبرنا عنك
رسولُ اللهِ وََّ، فَهْوِي إليه بسَيْفِه، فلا يسْتطيعُه، فيقول: أخّروه عنّي)). قال شيخنا الذهبيّ: هذا
حديث غريب ، ومسعود لا يُعرف .
وسيأتي حديث يعقوب بن عاصم عنه في مُكْث الدجّال في الأرض ، ونزول عيسى ابن مريم .
حديث عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَنِ الأنصارية
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر ، عن قتادة ، عن شَهْر بن حَوْشَب ، عن
أسماء بنت يزيدَ الأنصاريّة، قالت: كان رسول الله وَ ﴿ في بيتي، فذكر الدجّال، فقال: (( إنّ بَيْنَ
يَدِيهِ ثَلاثَ سِنِين، سَنةٌ تُمْسِكُ السَّماءُ ثُلُثَ قَطْرِها، والأرضُ ثُلُثَ نَباتِها، والثانيةُ تُمْسِكُ السَّماءُ ثُلُثِيْ
قَطْرِهَا والأرضُ ثُلُثِيْ نَباتها، والثالثة تُمسك السماء قَطْرِهَا كُلَّه، والأرضُ نَباتها كلّه ولا يَبقَى ذاتُ
ضرسٍ ، ولا ذات ظِلْفٍ من البهائم إلّ هَلَكَتْ ، وإن من أشَدِّ فتنته أن يَأْتِيَ الأعرابيَّ فيقول: أَرأيتَ إنْ
أَحْيَيْتُ لك إبلَك؟ ألسَت تَعْلَم أنّي رَبُّك؟ » قال: « فيقول: بلَى، فتمثَّلُ له الشياطينُ نحو إله ،
كأحسن ما تكون ضروعُها، وأعظمه أسْنِمَة)) قال: (( ويأتي الرجلُ قد مات أخوه ، ومات أبوه ،
فيقول: أرأيت إنّ أحْيَيْتُ لك أباك ، وأحييت لك أخاك ، أَلَسْتَ تَعلَمُ أنّي رَبُّكَ؟ فيقول : بلى، فتمثّلُ
له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه)) قالت: ثم خرج رسول الله وَّ﴿ لحاجة، ثم رجع والقومُ في اهتمام،
وَغمّ، مما حَدّثهم به، قالت: فأخذ بِلَجْفَتَيُ(١) الباب وقال: ((مَهْيَمْ أسماءُ)) قالتْ : قلتُ:
يا رسول الله، لقد خَلَعْتَ أفئدتنا بذِكْرِ الدجّال، قال: « فإن يخْرُجْ وأنا حَيّ فأنا حَجِيجُه، وإلا فإنّ
رَبِيّ خِلِيفَتي على كلّ مُؤْمن)) قالت أسماء: يا رسول الله، إنّا والله لنَعْجِنُ عَجِينَتَنَا فمَا نخْتَبِزُها حَتّى
نَجُوعَ، فكيف بالمُؤمِنين يَوْمئذٍ؟ قال: (( يجزئهم ما يُجزِئْ أهْلَ السَّماءِ منَ التسبيح، والتَّقْدِيسِ ».
وكذلك رواه أحمد أيضاً ، عن يزيد بن هارون ، عن جرير بن حازم ، عن قتادة ، عن شَهْر عنها
(١) في (م): ((لحمتي)) وفي (آ): ((لجفتي)) والصواب ما أثبته. قال الفيروزابادي: ولجفتا الباب جنبتاه.
((القاموس المحيط)) ( لجف ) .

١٠٢
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
بنحوه ، وهذا إسناد لا بأس به ، وقد تفرد به أحمد ، وتقدم له شاهد في حديث أبي أمامةَ الطّويلِ ،
وفي حديث عائشة بعده شاهدٌ له من وجه آخر أيضاً ، والله أعلمُ(١)
وقال أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شَهْر، حدثتني أسماءُ: أنّ رسول الله وَله
قال في حديث: ((فَمِنْ حَضَر مَجْلسي، وسَمِع قَوْلِي، فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ منكُم الغَائبَ، واعلموا أن الله
عز وجل صحيح ليس بأعور ، وأنّ الدجّال أعورُ ، ممسوحُ العَيْن ، مكتوب بين عينيه : كافر ، يقرؤه
كلّ مؤمن، كاتب وغير كاتب)). وسيأتي عن أسماء بنت عُمَيْسٍ نحوُه، والمحفوظ هذا، والله أعلمُ(٢).
حديث عائشة رضي الله عنها
قال الإمام أحمد: حدثنا عبدُ الصمد، حدّثنا حمّاد، حدّثنا عليّ بن زيد، عن الحسن، عن عائشة :
أن رسول الله وَّ ذكر جَهْداً يكون بين يدي الدجّال، فقالوا: أيُّ المال خَيْرٌ يومئذ؟ قال: ((غلامٌ شديدٌ
يَسْقِي أهْلَهُ الماءَ، وأمّا الطعامُ فَلْيْسَ)) قالوا: فما طعامُ المؤمنين يومئذ؟ قال: (( التسبيحُ والتكبير ،
والتحميد، والتهليل)) قالت عائشة: فأينَ العربُ يومَئذ؟ قال: ((العربُ يومئذ قليل)). تفردّ بإسناده
أحمد ، وإسناده صحيح ، فيه غرابة ، وتقدّم في حديث أسماء ، وأبي أمامة شاهدٌ له ، والله أعلمُ(٣)
طريق أخرى عنها
قال أحمد : حدّثنا سُليمانُ بن داود، حدّثنا حَرْب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كَثِير ، حدّثني
الحضرمي بن لاحق، أن ذَكْوانَ أبا صالح أخبره أنّ عائشةَ أخبرَتْهُ، قالت: دخَل عليّ رسولُ الله ◌ِل
وأنا أبكي، فقال: (( ما يُبكيكِ؟ )) قلت: يا رسول الله، ذكرتُ الدجّال، فبكيت، فقال
رسول الله وَله: ((إنْ يَخْرج الدجّال وأنا حَيٍّ كفيْتُكُموهُ، وإنْ يخْرُجِ الدجال بعدي فإنّ رَبّكم عز وجل
ليس بأعور ، إنّه يخرج في يَهُودِيّةِ أصْبهانَ ، حتى يأتيَ المَدينَة ، فينزلَ ناحيتَها ، ولها يومئذ سَبْعَةُ
أبواب ، على كلّ نَقْبٍ منها ملَكان، فيخرُج إليه شِرارُ أهلها ، حتّى يأتيَ الشّام ، مدينةً بِفلسْطِينَ بَبَابِ
لُدّ، فينزلُ عيسى ابنُ مَرْيمَ عليه السلام فيقتله ، ثم يمكثُ عيسى عليه السلام في الأرض أربعين سنةً
إماماً عادلاً وَحَكَماً مُقْسِطاً)). تفرّد به أحمل٤)
(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٤٥٥ - ٤٥٦ و٤٥٣) أقول: وفي سنده شهر بن حوشب ، وهو صدوق كثير الإرسال
والأوهام ، ولكن للحديث شواهد كما ذكر المصنف ، انظر صفحة (٨٦) و(١٠١).
(٢)
رواه أحمد في المسند ( ٦/ ٤٥٦) أقول : وفي إسناده ضعف .
رواه أحمد في المسند (٧٦/٦) أقول: وفيه علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف وفيه عنعنة الحسن ، لكن
(٣)
للحديث شواهد كما ذكر المصنف .
(٤) رواه أحمد في المسند (٦/ ٧٥) وإسناده حسن.

١٠٣
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
وقال أحمد أيضاً: حدثنا ابنُ أبي عدِيّ، عن داود، عن عامر، عن عائشة أنّ النبي م # قال:
(( لا يدخلُ الدجّال مَكَّةَ، ولا المدينة)). ورواه النَّسائيّ، عن قُتيْبةَ، عن محمد بن عبد الله بن
أبي عديّ به ، والمحفوظ روايةُ عامر الشعبيّ عن فاطمة بنت قَيْس، كما تقدّم١ٌ).
وثبت في (الصحيح)) من حديث هشام بن عُزوة عن زوجته فاطمةَ بنت المُنذر ، عن أسماء بنت
أبي بكر، أنها قالت في حديث صلاة الكسوف: إنّ رسول الله مَ لل قال في خطبته يومئذ: (( وإنّه قد
أُوحِيَ إليّ أنْكُم تُفْتنون في القبور قَريباً » أو «مِثلَ فِتْنِ المَسيح الدجّال)» لا أدري أيَّ ذلك قالت
أسماء ... الحديث بطولة (٢) .
وثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، عن أم شَريك : أنّ
رسُولَ اللهِ وَفِ قال: ((لَيْفِرَّنَّ الناسُ منَ الدجّال حتى يلحقوا برؤوس الجبال)) قلت : يا رسول الله ، أين
العربُ يومئذ؟ قال: ((هم قليل (٣) .
حديث عن أم سلمة رضي الله عنها
قال ابنُ وَهْب : أخبرني مَخْرَمةُ بنُ بُكَيْر ، عن أبيه، عن عُروة، قال : قالت أمّ سَلَمة : ذكرتُ
المسيحَ الدجّالِ لَيْلةً، فَلم يأْتِي النَّوْمُ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ دَخَلْتُ على رَسُولِ اللهِ وَلَ فأخبرتهُ فقال :
(( لا تَفْعلِي، فإنه إنْ يَخْرِجْ وأَنا فيكُمْ يَكْفِكُمُ اللهُ بي، وإنْ يَخْرِجْ بعد أن أموتَ يَكْفِكُم اللهُ بالصالحين »
ثم قام، فقال : (( ما مِنْ نَبِيّ إلّا حَذّر أمّته منهُ، وإني أحَذِّرُكُموهُ، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور)).
قال الذهبيّ : إسناده قويٌ(٤)
حدیث رافع بن خَدیج
رواه الطبراني ، من رواية عطية بن عطية ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عمرو بن شُعَيْب ، عن
سعيد بن المسيَّب، عن رافع بن خديج عن النبي ◌َّ في ذم القدريّة وأنهم زنادقةُ هذه الأمة، وفي
زمانهم يكون ظلْمُ السلطان، وحَيْفٌ وَأَثَرَةٌ ؛ ثم يَبْعَثُ اللهُ طاعُوناً، فَيُفْني عامّتَهُم ، ثم يكون
الخَسْفُ ، فما أقلّ من يَنْجو منهم ، المؤمنُ يَوْمئذٍ قليلٌ فَرَحُهُ ، شديد غَتُّهُ، ثم يكون المسخ ، فيمسخُ
رواه أحمد في المسند (٢٤٥/٦) والنسائي في ((الكبرى)) (٤٢٥٧)، وانظر صفحة (٧٧).
(١)
(٢)
رواه البخاري رقم (٨٦) ومسلم (٩٠٥).
(٣)
رواه مسلم رقم (٢٩٤٥) .
رواه الطبراني في «الكبير» (٥٦٩/٢٣) قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣٥١/٧) ورجاله ثقات، إلا
(٤)
أن شيخ الطبراني أحمد بن محمد بن نافع لم أعرفه .

١٠٤
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
اللّهُ عامَّتهم، قردَةً، وخنَازيرَ، ثم يخرج الدجال على إثْرِ ذَلِكَ قريباً)) ثم بكى رسول الله وَه، حتّى
بَكينا لبكائه، وقلنا: ما يبكيك؟ قال: ((رحمةً لأولئك القوم الأشقياء ، لأن فيهم المُقتصد ، وفيهم
المجْتَهِد ... )) الحديث(١).
حديث عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه
قال أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حمّاد بن سَلَمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي نَضْرةَ ،
قال : أتينا عُثْمانَ بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مُصْحَفاً لنا على مُصْحِفِه ، فلما حضرت
الجمعة أمرنا فاغتسلنا ، ثم أُتِينا بِطِيبٍ فَتطيّبْنا، ثم جثْنَا المَسْجِدَ، فجلسنا إلى رجل، فحدَّثنا عن
الدجال ، ثم جاء عثمانُ بن أبي العاص، فقُمنا إليه فجلسنا ، فقال: سمعتُ رسول الله وَليه يقول :
((( يكون للمسلمين ثلاثة أمصار ، مصرٌ بمُلتَقَى البَحْرين ، ومصر بالحِيرةِ ، ومصر بالشام ، فيفزع الناسُ
ثلاثَ فَزَعَاتٍ ، فيخرُج الدجال في أعراض الناس ، فَيَهْزِمُ مَنْ قِبَلَ المشرق ، فأول مصر يرده المِصْرُ
الذي بمُلْتَقَى البَحرَيْن، فيصير أهله ثلاَث فِرَق، فرقة تقيم تقول: نُشَامُّه٢ُ)، ننظر ما هو؟ وفرقةٌ
تلحقُ بالأعراب ، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم السِّيجان(٣) ،
وأكثر تَبَعِهِ اليهود والنساء ، ثم يأتي المصر الذي يليه ، فيصير أهله ثلاث فرق ، فرقة تقول : نُشَامُّه ،
ننظر ما هو ، وفرقة تلحق بالأعراب ، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام ، وينحاز
المسلمون إلى عقبة أفيقٌ(٤) فيَبْعَثون سرحٌ) لهم، فيصابُ سرُهم فيشتد ذلك عليهم ، وتُصيبهم
مَجَاعَةٌ شَديدةٌ وجَهِدٌ شديدٌ، حتّى إنّ أحدهم ، لَيَحْرِقُ وَتَر قوْسِهِ فيأكلُه ، فبينما هم كذلك ، إذ نادى
مُنادٍ من السَّحَر ، يا أيها الناسُ أتاكم الْغَوْثُ ثلاثاً، فيقول بعضُهم لبعض : إنّ هذا الصوتَ لصوتُ
رجل شبعان ، وينزل عيسى ابنُ مريم عليه الصلاة والسلام عند صلاة الصبح ، فيقول له أميرُهم :
يا رُوحَ الله، تقدّم صَلِّ فيقول: هذه الأمة أمراءُ بعضُهم على بعْض، فيتقدم أميرُهم ، فَيُصَلِّي، فإذا
قضى صلاته ، أخذ عيسى عليه السلامُ حَرْبَتَهُ ، فَيَذْهَبُ نحو الدجال ، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب
الرصاص ، فيضع حَرْبتَهُ بَيْن ثَنَدُوَتَيْهِ فيقتله ، وينهزم أصحابُه ، فليس يومئذ شيء يوارِي منهم أحداً ،
رواه الطبراني في «الكبير)) رقم ( ٤٢٧٠)، قال الحافظ : عطية بن عطية لا يعرف ، وأتى بخبر موضوع طويل .
(١)
(٢)
أي نختبره .
(السِّيجَان)): جمع ساج وهو الطّيلسان الأخضر، وقيل: هو الطّيلسان المقوّر ينسج كذلك. انظر ((النهاية)) لابن
(٣)
الأثير (٢/ ٤٣٢) .
(٤)
هي فيق في حوران من أرض الشام .
السرح : المال السائم من الإبل والبقر والغنم .
(٥)

١٠٥
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
حتَّى إن الشجرةَ لتقولُ: يا مؤمنُ، هذا كافر، ويقول الحَجَر: يا مؤمن هذا كافر)). تفرد به أحمد(١).
ولعلّ هذين المصرين هما البصرة والكوفة، بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر هاشم بن
القاسم، حدثنا الحشْرَجُ بن نُبَاتة القَيْسِيّ الكوفيّ، حدثني سعيدُ بن جُمْهَان، حدثنا عبد الله بن أبي بَكْرَة،
حدّثني أبي في هذا المسجد، يعني مسجد البصرة، قال: قال رسول الله وَله: (( لَتَنْزِلَنّ طائِفةٌ من أمّتي
أرضاً يُقال لها : البصرة ، يكثرُ بها عددهم، ويكثرُ بها نَخْلُهم، ثم يجيء بنو قَنْطُورَا(٢) صغار العيون
حتى يَنْزِلُوا على جِسْرٍ لَهُمْ ، يقال له دِجْلة ، فيتفرق المسلمون ثلاثَ فِرَق ، فأمّا فرقةٌ فيأخذون بأذناب
الإبل ، وتلحق بالبادية ، وهلكت ، وأما فرقة فتأخُذُ على أنفسها فكفرت ، فهذه وتلك سواء ، وأما
فرقة فيجعلون عِيَالَهُم خَلْفَ ظُهورِهمْ، ويقاتلون، فقتلاهم شهداء ، ويفتَح الله على بَقِيّتها)).
ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون ، وغيره ، عن العوّام بن حَوْشَب ، عن سعيد بن جُمْهَان ، عن
ابن أبي بَكْرَةَ ، عن أبيه ، فذكره ، قال العوَّام : بنو قنطوراءَ هم الترك . ورواه أبو داود عن محمد بن
يحيى بن فارس ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، عن سعيد بن جُمْهَان ، عن مسلم بن أبي
بكرة ، عن أبيه ... فذكر نحوه(٣) .
وروى أبو داود من حديث بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عن أبيه، عن النبيّ ◌َّ في
حديث: (( يُقاتلكم قومٌ صغار الأعين)) يعني الترك، قال: ((تسوقونهم ثلاث مرات ، حتى تُلْحِقُوهم
بجزيرة العرب ، فأمّا في السياقة الأولى فينْجُو مَنْ هرب منهم، وأما في الثانية فينْجُو بعضٌ ويَهْلِك
بعض، وأما في الثالثة فَيُصطَلَمون (٤))) أو كما قال. لفظ أبي داو(٥).
وروى الثوريّ ، عن سلمة بن كُهَيْل ، عن أبي الزَّعْراء ، عن ابن مسعود ، قال : يفترق الناسُ عند
خروج الدجّال ثلاثَ فرق ، فرقةٌ تتبعه ، وفرقة تَلْحَقُ بأرض آبائها ، بمنابت الشيح، وفرقة تأخذُ بِشَطّ
الفُرات ، يقاتلهم ويقاتلونه ، حتى يجتمع المؤمنون بِقُرى الشام ، ويَبْعَثُون طَلِيعَةً فيهم فارس فرسه
أشقر أو أبلق ، فيُقْتَلون فلا يرجعُ منهم بشر(٦) .
(١) رواه أحمد في المسند (٢١٦/٤ - ٢١٧) وإسناده ضعيف بطوله، ولآخره شواهد
(٢) ((بنو قنطوراء)): هم التُّرك، وذكرهم حذيفة فيما روي عنه في حديثه فقال: يوشك بنو قنطوراء أن يُخرجوا أهل
العراق من عراقهم ... كأني بهم خُرْز العيون ، خنس الأنوف ، عراض الوجوه ، قال: ويقال : إن قنطوراء كانت
جارية لإبراهيم على نبينا وعليه السلام، فولدت له أولاداً، والترك والصين من نسلها . عن ((لسان العرب)) (قنطر).
(٣) رواه أحمد في المسند (٤٤/٥ - ٤٥ و٤٠) وأبو داود رقم (٤٣٠٦) وإسناده ضعيف.
الصَّيلمْ: القطع المستأصل. انظر ((النهاية)) (٤٩/٣).
(٤)
(٥) رواه أبو داود رقم (٤٣٠٥) وإسناده ضعيف .
(٦) رواه الحاكم (٤٩٦/٤) وهو حديث صحيح موقوفاً .

١٠٦
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
حديث عن عبد الله بن بُشْر رضي الله عنهما
قال حنبل بن إسحاق : حدثنا دُحَيم ، حدثنا عبد الله بن يحيى المعَافِرِيّ، هو البُرُلُّسِيُّ، أحدُ
الثقات ، عن معاوية بن صالح ، حدثني أبو الوازع : أنه سمع عبد الله بن بسر يقول : سمعت
رسول الله وَ﴾ يقول: ((لَيُدرِكَنّ الدجّال مَن رآني)) أو قال: ((ليكُوننّ قريباً مِنْ موتي)). قال شيخنا
الذهبيّ: أبو الوازع لا يُعرف، والحديث مُنكر، وتقدم في حديث أبي عُبَيْدة شاهدٌ له (١) .
حديث عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه
قال الطبرانيّ : حدثنا العباس بن الفضل الأَسْفاطيّ، حدثنا زيد بن الحَرِيش ، حدثنا أبو هَمَّام ،
محمد بن الزِّبْرقان ، حدثنا موسى بن عُبَيدة ، حدثني زيد بن عبد الرحمن(٢)، عن سلمة بن الأكوع ،
قال: أقبلتُ مع رسول الله وَّهَ من قِبل العَقِيق، حتى إذا كُنّا مع الثَّنيَّة، قال: ((إني لأَنْظر إلى مَواقع
عَدُوّ الله المسيح ، إنّه يُقْبِلُ حتَّى يَنْزِلَ من كذا ، حتى يخرج إليه الغوغاء ، ما من نَقْبٍ من أنقاب المدينة
إلا عليه مَلَكٌ أو مَلَكَان يَحْرُسانِهِ، معه صُورَتان، صورةُ الجَنَّة ، وصُورةُ النار ، خضراء ، ومعه
شياطينُ يَتَشَبّهونَ بالأموات ، يقول للحيّ : تَعْرِفُني ؟ أنا أخوك، أنا أبوك ، أنا ذو قرابةٍ منك، ألستُ
قَدْ مِثُ؟ هذا رَّنَا فَاتَّبَعْهُ، فيقضي الله ما شاء منه، ويبعثُ الله له رجلاً من المسلمين ، فَيُسكِتُه ،
ويَُكّته ويقول : هذا الكذّاب ، يا أيها الناس ، لا يغَرّنّكم ، فإنه كذّاب، ويقول باطلاً ، وليس ربّكم
بأعور ، فيقول : هل أنتَ مُتّعي؟ فيأبى، فَيَشُقُّهُ شِقَّتين، ويَفْصِلُ ذلك، ويقول: أُعيده لكم؟ فَبَعْثُهُ
الله أَشَدَّ ما كان تَكْذيباً له، وأشد شَتْماً، فيقول: أيُّها الناسُ، إن ما رأيتم بلاءٌ ابْتُلِيتُم به، وفِتْنَة
افْتُِّنْتُم بها ، إنْ كانَ صَادقاً فَلْيُعِدْنِي مَرَّةً أخْرَى ، ألَا هُوَ كَذَّابٌ ، فيأمر به إلى هذه النار ، وهي صورة
الجَنّة ، ثم يخرج قِيلَ الشام)) .
موسى بن عُبَيِدَة الزَّبذي ضعيف ، وهذا السياق فيه غرابة ، والله أعلم(٣).
حديث محجن بن الأدرع رضي الله عنه
قال أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا حماد ، يعني ابن سَلمة ، عن سعيد الجُرَيريّ ، عن عبد الله بن
شَقيق، عن محْجَن بن الأَدْرَع: أن رسول الله وَّل خطب الناس، فقال: (( يومُ الخلاص وما يوم
الخلاص؟!)) ثلاثاً. فقيل له: وما يومُ الخلاص؟ قال: ((يجيءُ الدجّال، فَصْعَدُ أُحُداً، فَيَنظُرُ إلى
(١) رواه حنبل بن إسحاق في كتاب ((الفتن)) رقم (٢١).
(٢) في الأصول : يزيد بن عبد الرحمن ، وهو خطأ ، والتصحيح من كتب الرجال.
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٦٣٠٥).

١٠٧
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
المدينة ، فيقول لأصحابه : هل ترون هذا القصر الأبيض ، هذا مسجد أحمد ، ثم يأتي المدينة ،
فيجدُ بكلِّ نَقْبٍ من أنْقابها مَلَكاً مُصْلِتاً، فيأتي سبَخَةَ الجُرُف، فَيَضْرِبُ رِواقَه، ثم ترْجُفُ المَدينَةُ
ثلاثَ رَجَفَاتٍ ، فلا يبقى مُنافِقٌ ولا مُنَافِقَةٌ، ولا فاسق ، ولا فاسقة ، إلا خرج إليه ، فذلك يومُ
الخلاص )) . تفرد به أحمد .
ثم رواه أحمد عن غُنْدر ، عن شُعْبة ، عن أبي بشْر ، عن عبد الله بن شَقيق ، عن رَجَاء بن رجاء ،
عن مخجن بن الأَدْرع، قال : أخذ رسول الله وَّه بيدي فصعِد على أَحُدٍ ، فأشرف على المدينة ،
فقال: (( ويلُ أمِّها قريةٌ يَدَعُها أهلُها خير ما تكون)) أو ((كأخير ما تكون)) فيأتيها الدجّالُ، فيجدُ على
كلِّ بابٍ مِنْ أبوابها مَلَكاً مُصْلِتَاً بجَنَاحِهِ فلا يدخلُها )) قال: ثم نزل وهو آخذٌ بيدي ، فدَخل المسجدَ ،
فإذا رجل يُصَلِّي، فقال لي: ((مَنْ هذا؟)) فأثْنَيتُ عليه خَيْراً، فقال: ((اسكتْ، لا تُسْمِعْهُ فتُهلِكَه))
قال: ثم أتى حُجْرةَ امرأةٍ من نسائه، فنفضَ يدَهُ مِنْ يدي ، وقال: ((إنَّ خَيْرِ دينكم أيْسَرُهُ ، إنَّ خَيْرَ
دِينكم أيسره)(١) .
حدیث آخر
قال مَعْمَرٌ في ((جامعه))، عن الزهريّ: أخبرني عمرو بن [ أبي ] سُفْيانَ الثقفيّ، أخبرني
رجل من الأنصار، عن بعض أصحاب محمد بَّر، قال: ذكر رسول الله مل﴿ الدجّال، فقال:
(( يأتي سِباخَ المدينة، وهو مُحَرّم عليه أن يَدْخُلَها، فَتَنْتَفِضُ بأهلها نَفْضَةً، أو نَفْضَتِينِ ، وهي
الزلزلةُ ، فيخرُج إليه منها كلُّ منافق، ومنافقة، ثم يُوَلِّي الدجّالُ قِلَ الشام، حتَّى يأْتِيَ بعضَ
جبال الشام، وَبقيّةُ المسلمين يومَئِذ مُعتصمون بِذورة جَبَل، فيُحاصرهم نازلاً بأصله، حتى إذا طال
عليهم البلاءُ ، قال رجل : حتى متى أنتُمْ هكذا وعدّو الله نازل بأصل جَبَلكم؟ هل أنتم إلّا بين
إِحْدَى الحُسْنَيْنِ، بَيْنَ أَنْ يسْتَشهدَكُم ، أو يظهركم الله عليه ، فيتبايعون على الموت بَيَعْةٌ يَعْلَمُ الله
أنها الصدق من أنفسهم، ثم تأخذهم ظُلْمَةٌ لَا يُبْصِرُ امرؤ كَفَّهُ ، فَيَنزِلُ ابنُ مريم، فَيَحْسِرُ عن
أبصارهم وبين أظْهُرِهمْ رجلٌ عليه لأُمة فيقولون: من أنت ؟ فيقول : أنا عبدُ الله ، ورسوله ،
ورُوحُه ، وكَلِمتُهُ عيسى ، اختارُوا إحدَى ثلاثٍ ، بين أن يَبْعَثَ الله على الدجّال وجُنوده عَذَاباً من
السماء ، أو يَخْسِفَ بهِمُ الأرض، أو يُسَلِّط عليهم سِلاَحَكُمْ، ويكفَّ سلاحهم عنكم ،
فيقولون : هذه يا رسول الله أَشْفَى لِصُدُورنا، فيومئذ يُرى اليهُودِيّ العظيمُ الطويل الأكُولَ
الشَّرُوبَ، لا تُقِلُّ يَدُهُ سَيْفَه من الرِّعْدَةِ، فينزلون إليهم، فيُسلَّطُونَ عَلَيْهِم، ويَذُوبُ الدجّالُ ،
(١) رواه أحمد فى المسند (٣٣٨/٤) وهو حديث ضعيف، دون جملة : ((إن خير دينكم أيسره )) فهي صحيحة.

١٠٨
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
حتّى يُدركه عيسى ابنُ مَرَيَم، فَيُقْتُلَه)). قال شيخنا الحافظ الذهبيّ: هذا حديث قويّ الإسنادُ(١).
حدیث نَهِيك بن صُرَیم رضي الله عنه
قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أبو موسى الزَّمِن ، حدّثنا إبراهيم بن سليمان ، حدثنا محمد بن
أَبَانَ ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن بسر بن عُبَيد الله ، عن أبي إدريس ، عن نَهِيك بن صُريم
السَّكُونيّ، قال: قال رسول الله بَّهِ: ((لَتُقَاتِلُنَّ المُشركين، حتى يقاتل بَقَيَّتَكُم الدجّالَ على نهر
الأَرْدُنّ، أنتم شَرْقيَّهُ، وهو غَرْبِيَّه)) قال: وما أدري أيْنَ الأَزْدُنّ يوَمئذ من الأرض ؟ وكذا رواه سعيد بن
سالم ، وعبد الحميد بن صالح(٣) .
حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال أحمد : حدثنا قُتَيِّبَةُ ، حدثنا يعقوبُ ، عن سُهَيْل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه :
أن رسول الله بَّه، قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتل المسلمونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلَهم المُسلِمُونَ، حتَّى
يختبئ اليهوديّ من وراء الحَجَر ، والشجر ، فيقول الحجر ، أو الشجر: يا مُسلم ، يا عبدالله ، هذا
اليهوديّ من خلفي ، فتعال فاقتُلْه، إلا الغَزْقد، فإنّه من شجر اليهود)(٣) .
وقد روى مسلم عن قُتَية، بهذا الإسناد: (( لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا الترك ... ))
الحديث(٤) ، وقد تقدّم الحديث بطرقه ، وألفاظه ، والظاهر والله أعلم أن المراد بهؤلاء الترك أنصار
الدجّال ، كما تقدّم في حديث أبي بكر الصديق الذي رواه أحمد والترمذيّ وابن ماجه .
طريقٌ أخرى عن أبي هريرة
قال أحمد : حدَّثنا حُسين بن محمد، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن
إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله،وَلّهِ يقول: ((لَيَنْزِلَنَّ الدَّجَالُ
بِخُوزَ وَكَّرْمَانَ فِي سَبْعِينَ أَلْفَا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ (٥) إسناده جيدٌ قويٍّ حسنٌ(٦) .
(١) رواه معمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٨٣٤).
رواه البزار (٣٣٨٧ - كشف الأستار ) وإسناده ضعيف.
(٢)
(٣)
رواه أحمد في المسند (٤١٧/٢) ومسلم رقم (٢٩٢٢).
(٤)
رواه مسلم رقم (٢٩١٢) (٦٥).
(٥)
رواه أحمد في المسند (٣٣٧/٢ -٣٣٨).
أقول : لكن فيه عنعنة ابن إسحاق .
(٦)

١٠٩
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
طريقٌ أخرى عن أبي هريرة
قال حنبلُ بن إسحاق : حدَّثنا سُريحُ بنُ النعمان ، حدَّثنا فُلِيحٌ ، عن الحارث بن فُضيلٍ ، عن
زياد بن سعدٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول الله وَّهِ خطب الناس، وذكر الدَّجَّالَ، فقال: ((إنَّهُ لَّمْ يَكُنْ
نَبِيٌّ [ قبلي ) إلَّا [قد ] حَذَّرَهُ أُمَتَهُ، وَسَأَصِفُهُ لَكُمْ مَا لَمْ يَصِفْهُ نَبِيِّ قَبْلِي؛ إِنَّهُ أَغْوَرُ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ
عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ . يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَكْتُبُ أَوْ لَا يَكْتُبُ)). هذا إسنادٌ جِيدٌ لَمْ يُخْرِجُوه(١) .
طريق أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال أحمد : حدّثنا سُرَيْجٌ ، حدّثنا فُلَيْح ، عن عمر بن العلاء الثقفيّ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنّ
رسول الله وَّ قال: (( المدينةُ ومكة محفوفتان بالملائكة، على كلِّ نَقْبٍ منهما مَلَك، لا يدخلهما
الدجّال ولا الطاعون)). هذا غريب جداً، وذِكْر مَكَّةَ في هذا ليس بمحفوظ، أو ذكر الطاعون (٢)،
والله أعلم ، والعلاء الثقفيّ هذا إن كان ابن زَيْدَلٍ فهو كذّاب .
طريق أخرى عنه
قال البخاري ومسلم : حدّثنا زُهَيْرٌ، حدثنا جَرِير ، عن عُمَارةَ ، عن أبي زُرعة ، عن أبي هريرة ،
قال: ما زِلْتُ أحِبُّ بني تَمِيم، مُنذُ ثلاثٍ، سمعتُ رسولَ اللهِ وَله، يقول: ((هم أَشَدُّ أمّتي على
الدجّال)) قال: وجاءت صَدَقَاتُهم، فقال رسولُ الله وَّهَ: ((هذه صدقات قَومي)) قال: وكانت سبِيّة
منهم عند عائشة، فقال رسول الله وَّةٍ: ((أَعتقيها فإنّها من ولدِ إسماعيل(٣).
حديث عِمران بن حُصين رضي الله عنه
قال أبو داود : حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جرير، حدثنا حُمَيْدُ بنُ هلال ، عن أبي
الدّهماء، قال: سمعتُ عِمْرانَ بن حُصَيْن يُحَدّث قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ سَمِع بالدجّال
فَلْيناً عَنْه، فوالله إنّ الرجل ليأتيه وهو يَحْسَبُ أنّه مؤمن فيَتَّبعه مما يُبعث به من الشبهات ، أو
(١) رواه حنبل بن إسحاق في كتاب ((الفتن)) (٢٨).
(٢) رواه أحمد في المسند (٤٨٣/٢) وعصمة مكة من الدجال ، رواه البخاري رقم (١٨٨١) ومسلم (٢٩٤٣) من
حديث أنس ، وعصمة المدينة من الطاعون أخرجه البخاري ( ١٨٨٠) ومسلم ( ١٣٧٩) من حديث المُجمر عن
أبي هريرة ، وأما عصمة مكة من الطاعون ، فلا تصح ، كما أشار إليها المصنف ، وستأتي هذه الأحاديث قبيل
ملخص سيرة الدجال .
(٣) أخرجه البخاري رقم (٢٥٤٣) ومسلم (٢٥٢٥) .

١١٠
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
لما يُبْعثُ به من الشبهات)). هكذا قال. تفرد به أبو داود(١).
وقال أحمد : حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا هشام بن حسّانَ، حدثنا حُمَيد بنُ هلال ، عن
أبي الدّهماء، عن عمران بن حُصَيْن، عن النبيّ وََّ، قال: ((مَنْ سمع بالدجّال فليناً عنه ، فإنّ الرجل
يأتيه يَحْسَبُ أنّه مؤمنٌ، فما يزالُ به لما مَعَهُ من الشُّبَه حتّى يَتبعهُ )) . وكذلك رواه عن يزيد بن هارون ،
عن هشام بن حسّان، وهذا إسناد جيد، وأبو الدهماء واسمه قِرْفَةُ بن بُهَيْس العدَوِيّ، ثِقَةُ(٢) .
وقال سُفيان بن عُيَيْنَة، عن عليّ بن زَيْد، عن الحسن، عن عمران بن الحُصَيْن ، قال : قال
رسول الله ◌ٌَّ: ((لقد أكلَ الطَّعامَ، وَمَشَى في الأسْواقِ)) يعني الدجّالُ(٣).
حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه
قال أبو داود : حدّثنا حَيْوةُ بنُ شُرَيح ، حدّثنا بَقِيَّة ، حدّثنا بَحِير ، عن خالد ، عن عمرو بن الأسود ،
عن جُنَادة بن أبي أميّة، عن عُبادة بن الصامت: أنّه حدّثهم أنّ رسول الله وَ لقال قال: ((إنّي قد حدّثتكم عن
الدجال ، حتى خَشيتُ ألّا تَعقِلُوا، إنّ المسيح الدجّال رجل قصير، أفحَجُ(٤) ، جعْدٌ ، أعورُ، مطْمُوس
العَيْن، ليس بنَاتئةٍ ولا جَحْراءُ(٥)، فإن لُتُسَ عَليكم، فاعلموا أنّ ربَّكُمْ ليس بأعور)) .. ورواه أحمد عن
حَيْوة بن شُرَيح ، ويزيد بن عبد ربّه ، والنسائيُّ عن إسحاق بن إبراهيم ، كلّهم عن بَقِيّة بن الوليد به (٦).
حديثٌ عن أسماءَ بنتٍ عُمَيْسٍ
رواه الطبرانيُّ مِن طريق أنس بن عياضٍ، عن عُبيدِ الله(٧) بن عمرَ، حدَّثني بعضُ أصحابِنا
عن أسماءَ بنت عُمَيس، أنها شكَتْ إلى رسولِ الله وَّرِ الحاجةَ، فقال: ((كَيْفَ بِكُمْ إِذَا ابْتُلِيْتُمْ بِعَبْدٍ
قَدْ سُخِّرَتْ لَهُ أَنْهَارُ الأَرْضِ وَثِمَارُهَا، فَمَنِ اتَّبَعَهُ أَطْعَمَهُ وَأَكْفَرَهُ، وَمَنْ عَصَاهُ حَرَمَهُ وَمَنَعَهُ؟))
فقلتُ : يا رسول الله، إنَّ الجارية لَتُخْلَفَنُ(٨) على التَُّّورِ ساعةَ تَخْبِزُهَا، أكادُ أَفْتَتِنُ بِها في
صلاتي، فكيف بِنا إذا كان ذلك؟ فقال: (( إنَّ اللهَ لَيَعْصِمُ المُؤْمِنِينَ بِمَا يَعْصِمُ بِهِ الْمَلائِكَةَ
رواه أبو داود ( ٤٣١٩ ) وهو حديث صحيح .
(١)
رواه أحمد في المسند (٤ / ٤٣١).
(٢)
رواه أحمد في المسند (٤/ ٤٤٤) وإسناده ضعيف .
(٣)
(٤)
أي بعيد ما بين الفخذين. انظر ((النهاية)) (٤١٥/٣).
(٥)
أي غائرة .
رواه أبو داود رقم (٤٣٢٠) وأحمد في المسند (٣٢٤/٥) والنسائي في ((الكبرى)) رقم (٧٧٦٤) وهو حديث حسن
(٦)
بشواهده .
في (م) : عبد الله، والتصحيح من كتب الرجال ..
(٧)
في هامش (م) : لتحتبسن .
(٨)

١١١
ذكر أحاديث منثورة في الدجال
مِّنَ التَّسْبِيحِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ )(١) .
حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه
قال مسلم : حدثنا شهابُ بنُ عَبّاد العَبْدِيّ ، حدثنا إبراهيم بن حُمَيْد الرؤاسي ، عن إسماعيل بن
أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شُعْبة، قال: ما سأل أحدٌ النبيِ وَّر عن الدجّال
أكثرَ مِمّا سألتُ، قال: (( وما يُنْصِبُك منه، إنّه لا يضرك)) قال : قلت : يا رسول الله إنّهم يقولون :
إنّ معه الطعامَ، والأنهار، قال: (( هو أهْوَنُ على الله من ذلك)) .
حدثنا سُرَيْجُ بن يونس ، حدثنا هُشَيم ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن المغيرة بن شُعْبة ، قال :
ما سأل أحدٌ النبيَّ بَّهَ عن الدجّال أكثرَ ممّا سألته، قال: ((وما سُؤالك؟)) قال: قلت: إنّهم
يقولون: معه جبَالٌ من خُبْز، وَلَحْم، ونَهْرٌ من ماءٍ، قال: ((هو أهْوَنُ على الله من ذلك)) .
ورواه مسلم أيضاً في الاستئذان من طرق كثيرة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، وأخرجه البخاري
عن مُسدّد، عن يحيى القَطّان ، عن إسماعيل به٢) .
وقد تقدم في حديث حذيفة وغيره ، أنّ ماءه نار ، وناره ماء بارد ، وإنما يُخَيَّل ذلك في رأي
العين .
وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابنٍ حزم ، والطحاويّ ، وغيرهما ، في أن الدجّال
مُمَخْرِقٌ مُمَوِّه ، لا حقيقة لما يُبْدِي للناس من الأمور التي تُشَاهَدُ في زَمانه ، بل كُلُّها خَيَالَاتٌ عندَ
هؤلاء ، وقال الشيخ أبو عليّ الجُبّائِي شيخُ المعتزلة: لَا يجُوز أن يكون لذلك حقيقة لثَلاّ يشتبه خَارِقُ
السَّاحِرِ بخَارِق النبيّ ، وقد أجابه القاضي عياضٌ وغيرُه : بأنّ الدجّال إنّما يَدّعي الإلهيّةَ، وذلك منافٍ
البَشَريته ، فلا يَمْتِعُ إِجْراءُ الخَارق على يَدَيهِ والحالةُ هذه .
وقد أنكرت طوائفُ كثيرة من الخوارج ، والجَهْمِيّة ، وبعضُ المعتزلة ، خروجَ الدجّال بالكلّية ،
وردّوا الأحاديث الواردة فيه ، فلم يصنعوا شيئاً ، وخرجوا بذلك عن حيّز العلماء ، لردّهم ما تواترت به
الأخبار الصحيحة ، من غير وجهٍ ، عن رسول الله وَطير، كما تقدّم ذلك، وإنما أوردنا بعض ما ورد في
هذا الباب ، وإن كان فيه كفايةٌ ومَقْنَع ، وبالله المُستَعان .
والذي يظهر من الأحاديث المتقدّمة : أنّ الدجال يَمْتَحِنُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ، بما يَخْلُقْهِ مَعَهُ من الخَوَارق
المُشَاهَدةِ في زمانه، كما تقدّم أنّ من استجاب له يأمرُ السماءَ فَتُمْطِرُهم ، والأرضَ فَتُنْبِتُ لَهم زَرْعاً
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٤/ ٤٠٢) وفي سنده جهالة .
(٢) رواه مسلم (٢٩٣٩) و(٢١٥٢) والبخاري ( ٧١٢٢).

١١٢
الحكمة في عدم التصريح باسم الدجال في القرآن
تأكلُ مِنه أنْعَامُهُمْ وأنْفُسُهمْ، وَترجِعُ إليهم مواشيهم سِماناً لُبْناً، ومَنْ لَا يستجِيبُ لَهُ ، وَيَردّ عليه أمْرَهُ
تُصِيبُهم السَّنَةُ والجَذْبُ ، والقَحْطُ ، والغُلَّهُ، و[مَوْتُ] الأنعام، وَنَقَصُ الأموال والأنفس والثَّمرات،
وأنّه يَتْبَعُهُ كُنُوز الأرض كيَعَاسِيب النّخْلِ، وأنه يَقْتَلُ ذَلِك الشَّابّ، ثم يحييه، وهذا كلُّه ليس
بِمَخْرِقَةٍ ، بل له حقيقة امْتحَنَ اللهُ بِها عِبَادَه ، في ذلك الزمان ، فيُضِلّ به كثيراً ، ويَهْدِي به كثيراً ، يَكْفر
المرتابون ، ويزْدَادُ الذين آمنوا إيماناً، وقد حمل القاضي عياضٌ وغيرُه على هذا المعنى معنى
الحديث: ((هو أهْوَنُ على الله من ذلك))، أي هو أقلّ من أن يكون معه ما يُضِلّ به عباده المؤمنين ،
وما ذاك إلا لأنه ناقص ، ظاهر النقص ، والفجور ، والظلم ، وإن كان معه ما معه من الخوارق ، فَبينَ
عينيه مكتوب : كافر ، كتابةً ظاهرةً ، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله : ك ف ر ، فدلَّ ذلك على
أنه كتابةٌ حِسية ، لا معنوية، كما يقوله بعضُ الناس، وعينهُ الواحدةُ عوراءُ ، شَنِيعَةُ المَنْظَرِ ، ناتئة ،
وهو معنى قوله : ((كأنّها عِنَبَةٌ طافِيَةٌ)) أي على وجه الماء، ومن روى ذلك ((طافئة)): فمعناه لا ضوء
فيها ، وفي الحديث الآخر: ((كأنّها نُخَامٌ على حائط مُجَصّص))، أي بَشِعَةُ الشَّكْلِ .
وقد روي في بعض الأحاديث : أن عينه اليُمنى عوراء ، وجاء في بعضها : اليُسرى ، فإما أن
تكون إحدى الروايتين غير محفوظة، أو أنّ العَوَر حاصلٌ في كلٌّ من العَيْنَيْنِ ، ويكون معنى العَوَرِ
النقصُ ، والعَيْبُ ، ويُقوي هذا الجواب ما رواه الطبرانيّ : حدّثنا محمد بن محمد بن التمار ،
وأبو خليفة ، قالا : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا زائدة ، حدثنا سِمَاكٌ ، عن عكْرمَة ، عن ابن عبّاس ،
قال: قال رسول الله بَّه: ((الدجّال جَعْدٌ، مِجَانٌ، أَقْمَرُ، كأن رأسه غُصْن شَجَرةٍ، مَطْمُوسُ عَينه
الْيُسْرَى، والأخرى كأنها عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ... )) الحديث، وكذلك رواه سُفيان الثوريّ، عن سِماكٍ بنحوه(١).
لكن قد جاء في الحديث المتقدّم: ((وعينُه الأخرى كأنّها كوكب دُرّيّ)):
وعلى هذا فتكون الرواية الواحدة غَلَطاً ، ويحتمل أن يكون المرادُ : أن العين الواحدةَ عَوْراء في
نفسها ، والأخرى : عوراءُ باعتبار انفرادها ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
وقد سأل سائل سؤالًا ، فقال : ما الحكمة في أنّ الدجّال مع كثرة شَرّه وفجُوره ، وانتشار أمره ،
ودعواه الربوبية ، وهو في ذلك ظاهر الكذب ، والافتراء ، وقد حذّر منه جميعُ الأنبياء ، كيف لم يُذكر
في القرآن ويُحَذَّر منه، ويُصَرَّح باسمه ، ويُنَوَّه بِكَذِبه ، وعِنَادِهِ ؟ فالجواب من وجوه :
أحدها : أنه قد أشير إلى ذِكره في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ
مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيَمَنِهَا خَيراً ... ) الآية [ الأنعام: ١٥٨ ]، قال أبو عيسى الترمذيّ عند تفسيرها: حدّثنا
عبدُ بنُ حُمَيْد، حدثنا يَعْلَى بنُ عُبَيْد، عن فُضَيْل بن غَزْوانَ ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١٧١٢) و(١١٧١٣).

١١٣
الحكمة في عدم التصريح باسم الدجال في القرآن
النبيِ وَّ قال: (( ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعِ نَفْساً إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانِها
خَيْراً ، الدجّال ، والدابّة، وطلوعُ الشمس من المغرب، أو من مَغْربها)) ثم قال : هذا حديث حسن
صحيح(١) .
الثاني : أنّ عيسى ابن مريم يَنْزِلُ مِنَ السماء الدُّنْيَا ، فَيَقْتلُ الدجّال ، كما تقدّم ، وكما سيأتي ،
وقد ذُكر في القرآن نزولهُ في قوله تعالى ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَثَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَّكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَلُوهُ يَقِينًا (٥) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ
اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لَهٌ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ. قَبْلَ مَوْنِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [ النساء].
وقد قرَّرنا في التفسير أنّ الضمير في قوله تعالى: ﴿قبل موته ﴾ عائدٌ على عيسى، أي سينزل إلى
الأرض ، ويُؤمن به أهلُ الكتاب الذين اختلفوا فيه اختلافاً مُتَبَايِناً ، فمِن مُدَّعِي الإلهية كالنصارَى ،
ومِن قائلٍ فيه قولاً عظيماً ، وهو أنّه وَلَدُ زَنْيةٍ ، وهم اليهودُ، ومِن قائل : إنه قتل وصلب ومات ، إلى
غير ذلك ، فإذا نزل إلى الأرض قبل يوم القيامة تحقّق كلٌّ من الفريقين كذبَ نفسه فيما يدَّعيه فيه من
الافتراء ، وسنقرر هذا قريباً، وعلى هذا فيكون ذِكر نزول المسيح عيسى ابن مريم إشارَةً إلى ذكر
المسيح الدجّال ، مسيح الضَّلالَةِ، وهو ضِد مَسِيح الهُدَى ، ومن عادة العرب أنّها تكتفي بذكر أحد
الضدّين عن ذِكر الآخر ، كما هو مقررّ في موضعه .
الثالث : أنّ الدجال لم يُذكر بصريح اسمه في القرآن احتقاراً له ، حيث إنه ادَّعى الإلهيّةَ وهو
بشر، وهو مع بشريَّته ، ناقص الخَلْق ، حقير ، وذلك يُنافي جَلال الربّ وعظمته وكبريائه ، وتَنْزيهه عن
النَّقْص، فكان أمرُه عند الرَّب أحقر مِنْ أن يُذْكَرَ ، وأصغر ، وأَدْحَرَ مِنْ أن يُجَلَّى عَنْ أمْرِ دَغْواه ،
ويُحَذّرَ ، ولكن انتصر الرسلُ لجَناب الربّ عزّ وجلّ فَجلَّوْا لأممهم عن أمره ، وحذّروهم ما معه من
الفتن المُضّة ، والخوَارِق المنقضية المضمحلَّة ، فاكتفى بإخبار الأنبياء ، وتواتُرِ ذلك عن سيد ولد آدم
إمام الأتقياء ، عن أن يُذكَر أمرهُ الحقير بالنسبة إلى جلال الله ، في القرآن العظيم ، ووَكل بيانَ أمره إلى
كلّ نبيّ كريم .
فإن قلت : فقد ذُكِرَ فرعونُ في القرآن ، وقد ادّعى ما ادعاه من الإلهية والكذب، والبُهتان ، حيثُ
قال: ﴿ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى)
[ القصص: ٣٨]، فالجواب أن أمر فرعون قد انقضى، وتبيّن كَذِبُهُ لِكل مؤمن، وعاقلٍ ، وأمر الدجّال
سيأتي ، وهو كائن فيما يُستَقْبَلُ فِتْنَةً واختباراً للعباد ، فَتُرك ذِكرُه في القرآن احتقاراً له ، وامتحاناً به ،
إذْ أمرُه وكذبه أظهر من أن يُنَّه عليه، ويُحَذّرَ منه، وقد يُترك ذِكرُ الشيء لوضُوحه ، كما كان
(١) رواه الترمذي رقم ( ٣٠٧٢).

١١٤
ذكر ما يعصم من الدجال
رسولُ اللهِ وَّ﴿ في مرضٍ مؤْتِه قد عزم على أنْ يَكْتُبَ كتاباً بخلافة أبي بكر الصدّيق مِن بعده، ثم تركَ
ذلك، وقال: (( يأبى اللهُ والمُؤمِنُونَ إلّا أبا بَكر)(١) فترك نَصَّهُ عَليه لوُضوح جلالته ، وعظيم قدره عند
الصحابة ، وعلم عليه الصلاة والسلامُ أنّهم لا يَعْدُلُون به أحداً بَعْدَهُ، وكذلك وقع الأمرُ ، ولهذا يُذكر
هذا الحديث في دلائل النبوّة ، كما تقدم ذِكْرُنَا له غيرَ مرة في مواضعَ من هذا الكتاب .
وهذا المقامُ الذي نحن فيه من هذا القبيل ، وهو أن الشيء قد يكون ظهوره كافياً عن التنصيص
عليه، وأن الأمر أظهرُ وأوضح وأجْلى من أن يُحْتَاجَ معه إلى زيادة إيضاح على ما في القلوب مستقر ،
فالدجّال واضح الذمّ، ظاهر النقص ، بالنسبة إلى المقام الذي يَدَّعيه، من الربوبيّة، فَتَركَ اللهُ ذِكْرهُ
والنصنَّ عَلَيه، لما يَعْلَمُ تعالى من عباده المُؤْمنين ، من أن مثلَ الدجال لا يخفى ضلاله عليهم ،
ولا يَهيضُهُمْ ولا يزيدهم إلّا إيماناً، وتسليماً لله ، ولرسوله ، وتصديقاً للحق ، ورداً للباطل .
ولهذا يقول ذلك المؤمن الذي يُسَلَّطُ عليه الدجّال، فيقتُلُهُ، ثم يُحْيِيه: واللهِ ما ازدَدْتُ فِيك إِلا
بصيرةً ، أنت الأعور الكذَّاب الذي حدثنا عنه رسول الله وَله، ولا يلزم من هذا أنه سمع خبر الدجال
من رسول الله وَ له شِفاهاً.
وقد أخذ بظاهره إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي للصحيح ، عن مسلم ، فحكى عن
بعضهم أنه الخَضِرُ عليه السلام(٢)، وحكاه القاضي عياض عن معمر في ((جامعه)(٣).
وقد قال أحمد في ((مسْنده))، وأبو داود في (( سننه))، والترمذي في ((جامعه))، بإسنادهم إلى
أبي عبيدة: أن رسول الله بَّوقال: ((لعله سيدركه من رآني، وسمع كلامي)) وهذا مما قد يَتقوَّى به
بعضُ من يقول بهذا، ولكن في إسناده غرابة(٤)، ولعل هذا كان قبل أن يُبَيَّن له وَّر من أمر الدجّال
ما بيِّن في ثاني الحال ، والله أعلم .
وقد ذكرنا في قصة الخضر كلام الناس في حياته ، ودلَّلنا على وفاته بأدلة أسلفناها هنالك ، فمن
أراد الوقوف عليها فليتأمّلها في قَصَص الأنبياء من كتابنا هذا والله أعلم بالصواب .
ذكر ما يعصم من الدجّال
فمن ذلك الاستعاذة من فتنته ، فقد ثبت في الأحاديث الصحاح، من غير وجه أن رسولَ الله ◌ِ لتهم
(١) رواه مسلم رقم (٢٣٨٧).
(٢) ذكره في صحيح مسلم بعد الحديث ( ٢٩٣٨).
((جامع معمر)) الملحق بمصنف عبد الرزاق رقم (٢٠٨٢٤).
(٣)
(٤) رواه أحمد في المسند (١٩٥/١) وأبو داود رقم (٤٧٥٦) والترمذي (٢٢٣٤) وإسناده ضعيف ، كما أشار
المؤلف إلى ذلك .

١١٥
ذكر ما يعصم من الدجال
كان يتعوّذ من فتنة الدجال في الصلاة، وأنه أمر أمته بذلك أيضاً: ((اللهم إنا نعوذ بك من عذاب
جهنم ، ومن فتنة القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال)). وذلك من حديث
أنس ، وأبي هريرة ، وعائشة ، وابن عباس ، وسعد ، وعمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ،
وغيرهم(١). قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: والاستعاذة من الدجال متواترة عن رسول الله وَله .
ومن ذلك حفظ آيات من سورة الكهف ، كما قال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا هَمَّامٌ
عن قتادة ، حدثنا سالم بن أبي الجَعْد، عن معدان، عن أبي الدرداء، يرويه عن رسول الله وَ ليل:
قال: (( من حَفِظَ عَشْر آياتٍ من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)) ، قال أبو داود : وكذا قال
هشام الدَّسْتوائي عن قتادة، إلا أنه قال: (( من حفظ من خواتيم سورة الكهف )) ، وقال شعبة ، عن
قتَادة: (( من آخر الكهف)»(٢).
وقد رواه مسلم ، من حديث هَمَّام، وهِشَام، وشُعْبة، عن قتادة به بألفاظٍ مُختلفةٍ ، وقال
الترمذيّ: حسن صحيح ، وفي بعض رواياته: (( الثلاث آيات من أوّل سورة الكهف)). ورواه أحمد
عن يزيد بن هارون، وعفّان، وعبد الصمد ، عن هَمَّام، عن قَتَادَةَ به: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرِ آيَاتٍ مِنْ أول
سُورَةِ الكَهْفِ عُصمَ مِنَ الدجّال )) ، وكذلك رواه عن رَوْح عن سعيد ، عن قتادة ، بمثله ، ورواه عن
حُسَيْن ، عن شيبان، عن قَتَادةَ كذلك، وقد رواه عن غُنْدَر، وحَجّاج عن شُعْبةَ ، عن قتادة ، وقال :
((مَنْ حِفِظ عشر آيات من آخر سورة الكهف عصم من فتنة الدجّال »(٣).
ومن ذلك الابتعادُ عنْهُ، فلا يراه ، فإن من رآه افتتن ، كما تقدّم في حديث عمران بن حُصَيْن :
(( من سمع بالدجال فلْيَنْأَ عنه، فوالله إن المؤمن ليَأْتِيه وهو يَحْسبُ أنّه مُؤمن فيتّبعه لما يبعث به مِنْ
(٤)
الشبهات)(٤) .
ومما يعصم من فتنة الدجال سكنى المدينة النبوية ومكة ، شرفهما الله تعالى .
فقد روى البخاريّ ، ومسلم ، من حديث الإمام مالك رضي الله عنه عن نُعَيمِ الْمُجْمِر عن
(١) رواه البخاري رقم (٤٧٠٧) وأصله في مسلم رقم (٢٧٠٦) من حديث أنس ، والبخاري (١٣٧٧) ومسلم
(٥٨٨) من حديث أبي هريرة ، والبخاري (٨٣٢) ومسلم ( ٥٨٧ ) من حديث عائشة، ومسلم (٥٩٠) من
حديث ابن عباس ، والبخاري ( ٦٣٦٥) من حديث سعد ، والنسائي (٢٦٩/٨) من حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده ، وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة عند مسلم الأمر بذلك .
(٢) هكذا في هذه الرواية: ( من آخرها) وهي شاذة، والصواب ( من أولها)، كما في صحيح مسلم (٨٠٩).
(٣) رواه أبو داود (٤٣٢٣) ومسلم (٨٠٩) والترمذي (٢٨٨٦) وأحمد (١٩٦/٥) و(٤٤٩/٦ و٤٤٦).
(٤) رواه أحمد (٤٣١/٤) و(٤٤١) وأبو داود (٤٣١٩) وهو حديث صحيح .

١١٦
ملخص سيرة الدجال
أبي هريرة: أنّ رسول الله مَّه قال: ((على أنقاب المدينة ملائكةٌ لا يدخلُها الطاعُون، ولا الدجال)(١).
وقال البخاريّ : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثني إبراهيمُ بن سعد ، عن أبيه [ عن جده ] عن
أبي بكرة، عن النبيّ وَّرَ قال: ((لا يدخلُ المدينةَ رُعْبُ المسيح الدجّال، لها يومئذ سَبْعَةُ أبواب،
على كلّ بابٍ مَلَكان)(٢) . وقد روى هذا جماعةٌ من الصحابة ، منهم : أبو هريرة ، وأنس بن مالك ،
وسلمةُ بنُ الأْوَعِ ، ومِحْجَنُ بن الأدْرَع ، كما تقدم .
وقال الترمذيّ: حدّثنا عَبْدَةُ بنُ عبد الله الخُزَاعِيّ، حدثنا يزيدُ بنُ هارون، حدثنا شُعْبَةُ ، عن قتادة،
عن أنس، قال: قال رسول الله وَله: «يأتي الدجّالُ المدينةَ، فيجدُ الملائكةَ يَحْرُسُونَها ، فلا يدخلُها
الطاعون، ولا الدجّال إن شاء الله تعالى)). وأخرجه البخاريّ عن يحيى بن موسى، وإسحاق بن
أبي عيسى ، عن يزيد بن هارون به ، ثم قال الترمذيّ : هذا حديث صحيح . وفي الباب عن
أبي هريرة ، وفاطمةَ بنتِ قيس، ومِحْجَن ، وأسامةَ ، وسَمُرةً بن جُنْدُبٍ ، رضي الله عنهم أجمعين(٣) .
وقد ثبت في ((الصحيح)) أنّه لا يدخُل مَكّةَ ولا المدينة ، تمنعه الملائكة لشرف هاتين البُقْعَتَيْن ، فهما
حَرَمانِ آمنانِ، وإنما إذا نزل عند سبخَةِ المَدينة تَرْجُف بأهلها ثَلاثَ رَجَفَاتٍ ، إمّا حِسّاً وإما معنىّ ،
على القولين ، فيخرج إليه كلُّ منافق ومنافقة (٤) ، فيومئذ تنفي المدينةُ خَبَثَها وَيَنْصَعُ طِيبُها ، كما تقدّم .
ملخص سيرة الدّجَّال لعنه الله تعالی
هو رجل من بني آدم ، خلقه الله تعالى ليكون مِحْنَةً واختباراً للناس ، في آخر الزمان ، فيُضّل به
كثيراً، ويهدي به كثيراً، وما يضِلُّ به إلَّ الفاسقين.
وقد روى الحافظ أحمدُ بن عليّ الأبّار، في ((تاريخه))، من طريق مُجَالِد ، عن الشعبيّ: أنّه
قال : كُنْيَةُ الدجّال أبو يُوسف .
وقد رُوي عن عمر بن الخطّاب، وأبي ذَرّ ، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة ، كما
تقدّم : أنّه : ابنُ صيّاد .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدّثنا حَمّاد بنُ سلَمة ، عن عليّ بن زيد ، عن عبد الرحمن بن
أبي بكْرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((يمكثُ أَبُوا الدجّال ثلاثين عاماً لا يولَدُ لهما، ثم
(١) رواه البخاري (١٨٨٠) ومسلم رقم (١٣٧٩).
(٢) رواه البخاري ( ١٨٧٩).
رواه الترمذي رقم (٢٢٤٢) والبخاري (٧١٣٤).
(٣)
(٤) رواه أحمد (١٩١/٣) والبخاري (١٨٨١) ومسلم (٢٩٤٣) من حديث أنس، وأحمد (١٩٢/٣) من حديث
جابر .

١١٧
ملخص سيرة الدجال
يولد لهما غلام أعور أضرّ شيء، وأقَلُّه نَفْعاً، تنام عيناه، ولا ينام قلبه)) ثم نعت أبويه، فقال: ((أبوه رجل
طويلٌ، مُضْطَرِبُ اللّحم، طويلُ الأنفِ، كأنّ أنْفَه مِنْقَارٌ، وأمّه امرأة فِرِ ضاخية (١) عظيمة الثديين)) قال:
فبلغنا أن مولوداً من اليهود وُلِد بالمدينة ، فانطلقتُ أنا والزبيرُ بنُ العوّام ، حتى دخلنا على أبَويْه ، فوجدنا
فيهما نَعْتَ رسول الله وَ ﴿ وإذا هو مُنجَدِلٌ في الشَّمْسِ في قَطِيفَةٍ ، له هَمْهَمة ، فسألنا أبَوَيه ، فقالا : مكثنا
ثلاثين عاماً لا يولد لنا ، ثم ولِدَ لنا غُلامٌ أعور، أضَرّ شيء، وأقلُّه نفْعاً، فلما خرجنا مَرَزْنَا به ، فقال :
ما كُنتما فيه؟ قلنا: وسَمِعْتَ ؟ قال: نعم ، إنّه تَنامُ عَيْنَاي، ولا يَنامُ قَلْبِي ، فإذا هو ابنُ صَيّاد . وأخرجه
الترمذيّ من حديث حمّاد بن سلمة ، وقال: حسن (٢) . قلت: بل هو منكر جدّا٣ً) والله أعلم .
وقد كان ابنُ صيّاد من يهود المدينة ، وقيل : كان من الأنصار ، واسمه عبدُ الله ، ويقال : صاف ، وقد
جاء هذا، وهذا، وقد يكون أصل اسمه صاف ، ثم تَسَمّى لَمّا أسْلَمَ بَعْبد الله، وكان ابنهُ عُمَارةُ بنُ عبد الله من
سادات التابعين ، رَوى عنه مالك ، وغيره ، وقد قدمنا أنّ الصحيح أن الدجّال غيرُ ابن صيّاد ، وأنّ ابن صيّاد
كان دجّالاً من الدجَاجِلَة، ثم تِيب عَليْه بعد ذلك، فأظهرَ الإسلام، والله أعلمُ بضميره، وسريرته(٤) .
وأما الدجال الأكبرُ، فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس، الذي روته عن رسول الله وَله عن
تميم الداريّ ، وفيه قصةُ الجَسّاسَةِ ، ثم يُؤْذَنُ له في الخروج في آخر الزمان ، بعد فتح المسلمين مدينة
الروم المسمّاة بقسطنطينية ، فيكون بُدُؤُّ ظهوره من أصْبهانَ ، من حارة بها يقالُ لها : اليَهُودِيّة ،
وَيَنْصُرُهُ مِنْ أهلها سَبْعونَ ألف يَهُودِيّ ، عليهم الأسلحة ، والسِّيجان ، وهي الطيالسة الخُضْرُ ، وكذلك
ينصره سبعون ألفاً من التنَار ، وخَلْقٌ من أهل خُراسان ، ومِن أهل البوادي ، فَيَظْهَرُ أولاً في صورة مَلِكٍ
من الملوك الجبابرة ، ثم يَدّعي النبوّة ، ثم يدّعي الربوبيّة ، فيتبعه على ذلك الجَهَلةُ من بني آدَم ،
والطَّغَامُ(٥) من الرّعاع والعوامّ، ويخالفه، ويُرُد عليه من هداه الله من عباده الصالحين وحزب الله
المتّقين ، وَيَتدَنَّى، فيأخذ البلاد بلداً بلداً، وحِصْناً حِصْناً، وإقليماً إِقليماً، وكُورةً كُورةً، ولا يبقى
بلدٌ من البُلدان إلا وَطئُهُ بِخَيْلِهِ ، وَرَجِلِهِ ، غير مكّة ، والمدينة ، ومدّة مُقامِه في الأرض أربعون يَوْماً ،
يوم كسنة ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومُعَدّل ذلك سنة وشهران
ونصف، وقد خلق الله على يديه خَوارق كثيرةً ، يُضلّ بها مَنْ يَشاءُ من خَلْقِهِ، وَيِثْبُتُ معها المُؤمِنُونَ ،
أي ضخمة. انظر (( النهاية )) لابن الأثير .
(١)
(٢)
أقول : وفي بعض نسخ الترمذي : حسن غريب .
(٣)
رواه أحمد في المسند (٤٠/٥) والترمذي (٢٢٤٨).
انظر تفاصيل خبر ابن صياد في ((شذرات الذهب)» (١٤٢/١_١٥٠) تحقيق ولدي وتلميذي الأستاذ محمود
(٤)
الأرناؤوط ، بإشرافي ، طبع دار ابن كثير .
(٥) ((الطغام)): هم أوغاد الناس وأراذلهم. انظر ((النهاية)) (١٢٨/٣).

١١٨
صفة الدجال
فيزدَادونَ بها إيماناً مع إيمانهم، وهُدى إلى هُداهُمْ، ويكونُ نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة
والسلام مسيح الهُدَى في أيام المسيح الدجّال مَسيح الضَّلالة، على المنَارةِ الشَّرقِيّة بدمَشْق ، فَيَجْتمع
عليه المؤمنون ، ويلْتَتُّ معه عباد الله المتقون ، فيسير بهم قاصداً نحو الدجّال ، وقد توجّه نحو بيت
المقدس ، فيدركه عندٍ عَقبَةٍ أفيق فينهزم منه الدجّال ، فَيَلحَقُه عند باب مدينة لُدّ فيقتُله بحربته وهو
داخل إليْها ، ويقول له : إنّ لي فيك ضَرْبَةً لن تفوتني ، وإذا واجهه الدجّال انماع كما يَنْماعُ الملحُ في
الماء فيقتله بالحربة ، بباب لُدّ، فتكون وفاته هنالك ، لعنه الله ، كما دلّت على ذلك الأحاديث
الصحاح من غير وجه ، كما تقدم وكما سيأتي .
وقد قال الترمذيّ : حدثنا قُتَيِّبة بن سعيد، حدثنا الليثُ، عن ابن شهاب: أنّه سمع عبيد الله(١) بن
عبد الله بن ثَعْلَبةِ الأنْصاريّ، يحدِّث عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، من بني عمرو بن عوف يقول:
سمعتُ عمِّي مُجمّعَ بن جارية الأنصاري يقول: سمعت رسول الله بَّه يقول: ((يَقْتُل ابنُ مريم الدجّال
بباب لُدّ)) . وقد رواه أحمد، عن أبي النضر، عن الليث عن الزهري به ، وعن سفيان بن عيينة ، عن
الزهريّ به ، وعن محمد بن مُصْعَبٍ عن الأوزاعيّ ، عن الزهري به ، وعن عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري ، فهو محفوظ من حديثه ، وإسنادُه من بعده ثقات ، ولهذا قال الترمذي بعد روايته له : وهذا
حديث صحيح . قال: وفي الباب عن عمران بن حُصَيْن ، ونافع بن عُثْبة، وأبي بَرْزَةَ، وحُذَيْفَة بن
أَسِيد، وأبي هُريرة ، وكَيْسانَ، وعُثمان بن أبي العاص، وجابر ، وأبي أَمَامَة ، وابن مسعود ،
وعبد الله بن عمرو، وسَمُرة بن جُنْدُب، والنوّاس بن سِمْعان، وعمرو بن عَوْف، وحُذَيفة بن اليمان(٢).
وروى أبو بكر بنُ أبي شيبة ، عن سفيان بن عُيَيْنَةَ ، عن الزهريّ ، عن سالم ، عن أبيه ، أن عمر
سأل يَهُودِيّاً عن الدجّال، فقال: وإلهِ يَهوُدَ لَيَقْتُلَنَّه ابْنُ مَرْيَم بِفِنَاءِ لُهُ(٣) .
صفة الدجّال قبحه الله ، ولعنه ، وأخزاه ، وأخساه
قد تقدم في الأحاديث أنه أعور ، وأنَّه أزْهَرُ مِجَانٌ فيْلَمانيّ ، وهو كثير الشعر ، وفي بعض
الأحاديث أنّه قصير أفحجُ(٤) وفي حديث أنه طويل ، وجاء أنّ ما بين أذُنَيْ حِمَارِه أربعون ذراعاً كما
تقدم في حديث جابر .
ويُروى في حديثٍ آخرَ : سبعونَ باعاً ، ولا يصحّ ، وفي الأول نظر .
في (م) : عبد الله، والتصحيح من كتب الرجال .
(١)
(٢) رواه الترمذي (٢٢٤٤) وأحمد في المسند (٣/ ٤٢٠) وهو حديث صحيح.
(٣) رواه ابن أبى شيبة في ((المصنف)) (١٩٣٣٩/١٥) وهو صحيح.
(٤) أي متباعد ما بين الرجلين. انظر ((النهاية)) (٤١٥/٣).

١١٩
صفة الدجال
وقال عَبْدانُ في كتاب ((مَعْرفة الصَّحابة)): رَوى سُفْيان الثوريّ، عن عبد الملك بن مَيْسَرة ، عن
حَوْط العَبْدِيّ ، عن ابن مسعود ، قال : أُذُنُ حِمَار الدجال تُظلُّ سبعين ألفاً .
قال شيخنا الحافظ الذهبيّ : حَوْطٌ مجهول ، والخبرُ مُنْكَرٌ .
وأنّ بين عَيْنِيه مكتوب : كافر، يقرؤه كلّ مُؤمن، وأن رأسه من ورائه كأنّه أَصَلَةٌ ، أي حَيّةٌ ؛ لعله
طويل الرأس .
وقال حنبل بن إسحاق : حدثنا حجَّاج ، حدثنا حمّاد ، عن أيوبَ ، عن أبي قِلاَبةَ ، قال : دخلتُ
المسجد، فإذا الناسُ قد تَكَابُوا على رجل، فسمعتُهُ يقول: سَمِعْتُ رسول الله وَه يقول: ((إنّ بعدي
الكذّابَ المُضِلَّ، وإنَّ رأسَهُ مِنْ ورائه حُبُكٌ حُبُكٌ)). وتقدّم له شاهد من وجه آخر(١) .
[ الذاريات ] .
V
ومعنى حُبُكٌ، أي جَعْدٌ، خَشِنٌ، كقوله ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُكِ
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيدُ ، حدثنا المسعوديّ . وأبو النضر ، حدثنا المسعودي ، المعنى ،
عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرَة قال: قال رسول الله بِّهِ: (( خرجتُ إلَيْكُمْ، وقد بيَّنَتْ
لي ليلةُ القدر، ومَسِيحُ الضَّلالةِ ، فكان تلاحِ بين رجلين ، بسُدَّةِ المسجد ، فأتيتُهما لأَحْجِزَ بَيْنَهُما ،
فَأُنْسِيتُهما، وسأشْدُو لكم منهما شَدْواً، أما لَيلَةُ القَدْرِ ، فالتمسوها في العَشْر الأواخر وِتْراً، وأما
مسيحُ الضّلاَلَةِ، فإنه أَعْوَرُ العين، أَجْلَى الجَبْهَةِ ، عريض النَّحْرِ، فيه دفا(٢) ، كأنه قَطَنُ بنُ عبد
العُزَّى )) قال: يا رسول الله، هل يَضُرُّني شَبَههُ؟ قال: ((لا، أنْتَ امرؤ مسْلِمٌ، وهو امرؤ كَافِرٌ)).
تفرّد به أحمد ، وإسناده حسن (٣).
وقال الطبرانيّ : حدثنا أبو شُعَيْب الحرانيّ، حدثنا إسحاق بنُ موسى ، [ ح] وحدثنا محمد بنُ
شُعَيْب الأصبهانيّ ، حدثنا سعيد بن عَنْبَسَة، قالا : حدثنا سعيدُ بنُ محمد الثقفيّ، حدثنا حَلاّم بنُ
صالح ، أخبرني سُلَيمان بنُ شهاب العَبسي ، قال : نزل عليّ عبد الله بن مَغْنَم ، وكان من أصحاب
النبي ◌َّه، فحدّثني عن النبيّ وَّرَ أنه قال: ((الدجّال ليس به خَفاءٌ، إنه يجيءُ مِنْ قِبَل المَشْرق،
فيدعُو إلى حَقّ ؛ فيُتَبَعِ، ويَنْتَصِبُ للناس فيُقَاتِلُهُمْ، فَيَظْهَرُ عَلَيهم، فلا يزالُ على ذلك حتى يَقْدَمَ
الكوفة ، فيُظْهِرُ دِينَ الله، ويعمل به ، فيُتَّبع، ويحبّ على ذلك، ثم يقول بعد ذلك : إنّي نَِّي،
فَيَفْزَعُ مِنْ ذلك كلُّ ذي لُبّ ويُفَارقه ، فيمكُثُ بعد ذلك، حتى يقول: أنا اللهُ، فَتَعْمَشُ عَيْنُهُ الْيُمْنى ،
(١) رواه حنبل بن إسحاق في كتاب ((الفتن)) رقم (٧)، ورواه ابن عمه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٣٧٢/٥)
من طريق حماد به ، وهو حديث صحيح .
(٢) أي الانحناء .
أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩١). أقول: وفيه المسعودي وقد اختلط ، ولكن الحديث حسن بطرقه وشواهده.
(٣)

١٢٠
خبر عجيب ونبأ غريب جامع في الدجال وغيره
وتُقْطَع أُذنه ، ويُكتَبُ بَيْنِ عَيْنَيْهِ : كافر ، فلا يَخْفَى على كلِّ مسلم، فيُفارقُه كلّ أحدٍ من الخَلْقَ في قَلْبه
مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، ويكونُ أصحابُه وجنودُه المجوسَ واليهودَ والنصارى ، وهذه الأعاجمَ من
المشركين. ثم يدعو برجل فيما يرون ، فَيُؤْمر به فَيُقَتلُ، ثمَ يُقَطِّع أعضاءه، كلَّ عضُو عَلَى حِدَةٍ ،
فيُفَرَّق بينها ، حتّى يراه الناسُ ، ثم يَجْمَعُ بَيْنَها ، ثمَ يضربه بعصاهُ ، فإذا هو قائمٌ ، فيقول : أنا الله ،
أُخْيي، وأميتُ، وذلك كُله سحرٌ يسحر بِهِ أَعْيُنَ الناسِ ، لَيْس يَصنع من ذلك شيئاً)) . قال شيخنا
الذهبيّ: ورواه يحيى بنُ موسى خَتُّ(١)، عن سعيد بن محمد الثقفي (٢)، وهو واهٍ .
وعن عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه ، أنّه قال في الدجّال : هو صافي بنُ صائِد ، يخرجُ من
يَهُودّية أَصْبهَانَ، على حِمار أبْتَرَ ، ما بين أذُنَيْهِ أربعونَ ذِراعاً، وما بين حافره إلى الحافر الآخر أربعُ
لَيالٍ، يتناولُ السماءَ بِيدِه، أمامَهُ جَبَلٌ مِنْ دُخانٍ، وخلْفَهُ جَبَلٌ آخَرُ ، مكتوب بين عَيْنَيْه : كافر ،
يقول : أنا رَبُّكم الأعلى، أتباعهُ أصحابُ الرِّبا، وأَولادُ الزِّنى. رواه أبو عمرو الداني في كتاب
« أخبار الدجال )) ، ولا يصح إسنادُه .
خبر عجيب ونبأ غريب
قال نُعَيْمُ بنُ حَمّاد في كتاب ((الفتن)): حدثنا أبو عمر، عن عبد الله بن لَهِيعَةُ ، عن عبد الوهاب بن
حُسَين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ مَّر، قال: (( بين
أُذُنَي الدجّال أربعون ذِرَاعاً وخُطْوَةُ حماره مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أيّام ، يخوض البحر ، كما يخوض أحدُكم الساقية ،
ويقول : أنا ربّ العالمين ، وهذه الشمس تجري بإذْنِي، أفتريدونَ أنْ أَحْبِسَها، فَتُحْبَسُ الشمس، حتى يُجْعَلَ
اليومُ كالشَّهْرِ ، والجُمُعةِ ، ويقول : أتريدون أن أسَيِّرها ، فيقولون : نَعم ، فيجعل اليوم كالساعة .
وتأتيه المرأةُ فتقول : يا ربّ ، أخيٍ لي ابني ، وأخي لي زوجي ، حتّى إنّها تُعاين شياطين على
صورهم ، وبيوتُهم مملوءة شيَاطِينَ .
ويأتيه الأعرابُ فتقول : يا ربّنا أخي لنَا إِلَنَا، وغَنَمنا، فيعطِيهم شياطين أمثالَ إِيلِهم ، وغَنَمهِم ،
سواءً بالسّن ، والسِّمَة ، فيقولون : لو لم يكن هذا ربَّنا لم يُخيٍ لنا مَوْتَانًا .
ومعه جبل من مَرَقٍ وعُراقً(٣) اللَّحم، حارّ لا يَبْرُد، ونهرٌ جارٍ، وجَبلٌ من جِنَانٍ وخُضْرةٍ، وَجَبَلٌ
مِن نَارٍ ودُخَانٍ ، يقول : هذه جَنّتي ، وهذه ناري ، وهذا طعامي، وهذا شرابي، واليَسَعُ، عليه الصلاة
(١) هو يحيى بن موسى بن عبد ربّه بن سالم الحُدَّاني أبو زكريا البلخي السَّختياني، المعروف بحَتّ. انظر (( تهذيب
الكمال)» (٦/٣٢ -٩) بتحقيق الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف، طبع مؤسسة الرسالة .
(٢) هو سعيد بن محمد الورّاق الثقفي ، ضعيف .
عُرَاق: جمع عَزْق، وهو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم، وهو جمع نادر. انظر ((النهاية)) لابن الأثير (٣/ ٢٢٠).
(٣)