Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ موت فياض بن مهنا - كائنة عجيبة جداً النَّاسُ وانتحبوا رحمةً ورقَّةً لأبيهِنَّ ، ثم أطلق بعضهم وهم الضعفاء منهم والفقراء الذين لا شيء معهم ، وبقيت الغرامة على الكبراء منهم ، كالصَّاحب(١) والمستوفين ، ثم شدّدت عليهم المطالبة وضربوا ضرباً مُبْرحاً ، وألزموا الصَّاحب بمال كثير بحيث إنه احتاج إلى أن سأل من الأمراء والأكابر والتجار بنفسه وبأوراقه ، فأسعفوه بمبلغ كثير يقارب ما ألزم به ، بعد أن عُرِّي ليُضرب ، ولكن ترك واشتهر أنه قد عين عوضهُ من الديار المصرية ، انتهى . موت فيَّاض بن مُهَنَّا( ٢) ورد الخبر بذلك يوم السبت الثامنَ عشرَ منه ، فاستبشر بذلك كثير من الناس ، وأرسل إلى السلطان مبشّرين بذلك ، لأنه كان قد خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ، فمات موتةً جاهلية بأرض الشِّقاق والنِّفاق ، وقد ذكرت عن هذا أشياء صدرت عنه من ظلم الناس ، والإفطار في شهر رمضان بلا عُذْر وأمره أصحابه وذويه بذلك في هذا الشهر الماضي ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، جاوزَ السَّبعين انتهى والله أعلم . كائنة عجيبة جداً : هي المعلُّم سَنْجَر مملوك ابن هلال في اليوم الرابع والعشرين من ربيع الآخر أُطلق المعلِّم الهلالي بعد أن استوفوا منه تكميل ستمئة ألف درهم ، فبات في منزله عند باب الناطفانيين(٣) سروراً بالخلاص ، ولما أصبح ذهب إلى الحمّام وقد ورد البريد من جهة السلطان من الديار المصرية بالاحتياط على أمواله وحواصله ، فأقبلت الحَجَبَةُ ونُقَباء النقبة والأعوان من كل مكان ، فقصدوا داره فاحتاطوا بها وعليها بما فيها ، ورُسم عليه وعلى ولديه ، وأُخرجت نساؤه من المنزل في حالة صعبة ، وفتّشوا النساء وانتزعوا عنهن الحُلِيَّ والجواهر والنفائس ، واجتمعت العامة والغوغاء ، وحضر بعض القضاة ومعه الشهود بضبط الأموال والحُجَج والرهون ، وأحضروا المعلم ليستعلموا منه جلية ذلك ، فوجدوا من حاصل الفضة أول يوم ثلثمئة ألف وسبعين ألفاً ، ثم صناديق أخرى لم تفتح ، وحواصل لم يصلوا إليها لضيق الوقت ثم أصبحوا يوم الأحد في مثل ذلك ، وقد بات الحرس على الأبواب والأسطحة لئلا يُعْدَى عليها في الليل ، وبات هو وأولاده بالقلعة المنصورة محتفظاً عليهم ، وقد رقَّ له كثير من الناس لما أصابه من المصيبة العظيمة بعد التي قبلها سريعا٤ً) . هو شمس الدين موسى ناظر الدواوين بالشام . (١) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٣٤/٣) وابن خلدون (٤٣٩/٥) فيه: وفاته سنة (٧٦٢)هـ. (٢) (٣) في ط : النطافيين . وقد مضى . الدرر الكامنة (٢/ ١٧٤) . (٤) ٤٠٢ أحداث سنة ٧٦١ هـ وفي أواخر هذا الشهر توفي الأمير ناصر الدّين محمد١) بن الدوادار التَّنْكِزي، كان ذا مكانة عند أستاذه، ومنزلة عالية ، ونال من السعادة في وظيفته أقصاها ، ثم قَلَب الله قلب أستاذه عليه فضربه وصادره وعزله وسجنه ، ونزل قدره عند الناس ، وآل به الحال إلی أن کان یقف على أتباعه بفرسه ویشتري منهم ویحاککھم، ويحمل حاجته معه في سرجه ، وصار مُثْلَةً بين الناس ، بعد أن كان في غاية ما يكون فيه الدويدارية من العز والجاه والمال والرفعة في الدنيا ، وحق على الله تعالى أن لا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه . وفي صبيحة يوم الأحد سابع عشره أُفرج عن المعلِّم الهلالي وعن ولديه ، وكانوا معتقلين بالقلعة المنصورة ، وسلّمت إليهم دورهم وحواصلهم ، ولكن أخذ ما كان حاصلاً في داره ، وهو ثلاثمئة ألف وعشرون ألفاً ، وختم على حُجَجه ليُعقد لذلك مجلسٌ ، ليرجع رأس ماله منها عملاً بقوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ونُودي عليه في البلد إنما فعل به ذلك لأنه لا يؤدّي الزكاة ويعامل بالربا ، وحاجب السُّلطان ومتولي البلد ، وبقية المتعمِّمين والمشاعلية تُنادي عليه في أسواق البلد وأرجائها . وفي اليوم الثامن والعشرين منه ورد المرسوم السلطاني الشريف بإطلاق الدواوين إلى ديارهم وأهاليهم ، ففرح النّاسُ بسب ذلك لخلاصهم مما كانوا فيه من العقوبة والمصادرة البليغة ، ولكن لم يستمرّ بهم في مباشراتهم . وفي أواخر الشهر تكلّم الشيخ شهاب الدين المقدسي الواعظ ، قدم من الديار المصرية تجاه محراب الصحابة . واجتمع الناس إليه وحضرَ من قضاة القضاة الشّافعيّ والمالكيّ ، فتكلَّم على تفسير آيات من القرآن ، وأشار إلى أشياء من إشارات الصوفية بعباراتٍ طلقةٍ مُعْربةٍ حلوة صادعة للقلوب فأفاد وأجاد ، وودّع الناس بعَوده إلى بلده ، ولما دعا استنهض الناس للقيام ، فقاموا في حال الدعاء ، وقد اجتمعت به بالمجلس فرأيته حسن الهيئة والكلام والتأذُّب ، فالله يصلحه وإيانا آمين . وفي مستهل جمادى الآخرة ركب الأمير سيف الدين بَيْدَمُر نائب حلب لقصد غزو بلاد سيس في جيش ، لقَّاه الله النصر والتأييد(٢). وفي مستهل هذا الشهر أصبح أهل القلعة وقد نزل جماعة من أمراء الأعراب من أعالي مجلسهم في عمائم وحبال إلى الخندق وخاضوه وخرجوا من عند جسر الزلابية (٣) فانطلق اثنان وأُمسك الثالث الذي لم أقع له على ترجمة فيما بين يديّ من المصادر . (١) (٢) الذيل للحسيني ص (٣٣٣). وهو : بَيْدَمُر الخوارزمي . (٣) في ط : الزلامية . ٤٠٣ مسك نائب السلطنة أسندمر اليحياوي تبقى في السجن ، وكأنه كان يمسك لهم الحبال حتى تدلوا فيها ، فاشتد نكير نائب السلطنة على نائب القلعة ، وضربَ ابنيهِ النقيب وأخاه وسجنهما ، وكاتب في هذه الكائنة إلى السلطان ، فورد المرسوم بعزل نائب القلعة وإخراجه منها ، وطلبه لمحاسبة ما قبض من الأموال السلطانية في مدة ست سني مباشرته ، وعزل ابنه عن النقابة وابنه الآخر عن استدارية السلطان ، فنزلوا من عزّهم إلى عزلهم . وفي يوم الإثنين سابع عشره جاء الأمير تاج الدين جبريل من عند الأمير سيف الدين بَيْدَمر نائب حلب ، وقد فتح بلدين من بلاد سيس ، وهما طرَسوس وأَذنة ، وأرسل مفاتيحهما صحبة جبريل المذكور إلى السلطان أيده الله ، ثم افتتح حصوناً أُخر كثيرة في أسرع مدة ، وأيسر كلفة ، وخطب القاضي ناصر الدين كاتب السر خطبة بليغة حسنة ، وبلغني في كتاب أن أبواب كنيسة أذنة حملت إلى الديار المصرية في المراكب (١) . قلت : وهذه هي أبواب الناصرية التي بالسفح ، أخذهاسيس عام قازان ، وذلك في سنة تسع وتسعين وستمئة ، فاستنقذت ولله الحمد في هذه السنة . وفي أواخر هذا الشهر بلغنا أن الشيخ قطب الدين هرماس الذي كان شيخ السلطان طرد عن جناب مخدومه ، وضرب وصودر ، وخربت داره إلى الأساس ، ونفي إلى مصياف ، فاجتاز بدمشق ونزل بالمدرسة الجلالية ٢) ظاهر باب الفرج ، وزرتُه فيمن سلَّم عليه ، فإذا هو شيخ حسن عنده ما يقال ويتلفظ معرباً جيداً ، ولديه فضيلة ، وعنده تواضع وتصوف فالله يحسن عاقبته . ثم تحول إلى العَذْراوية . وفي صبيحة يوم السبت سابع شهر رجب توجه الشيخ شرف الدين أحمد(٣) بن الحسن بن قاضي الجبل الحنبلي إلى الديار المصرية مطلوباً على البريد إلى السلطان لتدريس الطائفة الحنبلية بالمدرسة التي أنشأها السلطان بالقاهرة المُعزِّة ، وخرج لتوديعه القضاة والأعيان إلى أثناء الطريق كتب الله سلامته ، انتهى والله تعالى أعلم . مسك نائب السلطنة أَسَنْدَمُر اليحياوي(1) وفي صبيحة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من رجب قبض على نائب السلطنة الأمير سيف الدين أسَنْدَمر ، أخي يَلْبُغا اليحياوي ، عن كتاب ورد من السلطان صحبةَ الدَّوادار الصغير ، وكان يومئذ راكباً الدرر الكامنة (٥١٣/١) ابن خلدون (٤٣٠/٥) الدارس (١١٥/١). (١) في ط : الجليلة . وأثبتنا ما في الدارس (٤٨٨/١). (٢) هو : أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي. مات سنة (٧٧١)هـ. الوفيات لابن رافع (٢/ ٣٥٤). (٣) (٤) الذيل للحسيني ص (٣٣٣). ٤٠٤ دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر إلى دمشق بناحية ميدان ابن بابك ، فلما رجع إلى عند مقابر اليهود والنصارى احتاط عليه الحاجب الكبير ومن معه من الجيش وألزموه بالذهاب إلى ناحية طرابُلُس ، فذهب من على طريق الشيخ رسلان ، ولم يمكّن من المسير ، إلى دار السعادة ، ورُسم عليه من الجند من أَوصله إلى طرابلس مقيماً بها بطالاً، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء ، يفعل ما يشاء ، وبقي البلد بلا نائب يحكم فيه الحاجب الكبير عن مرسوم السلطان ، وعُيِّن للنيابة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر النائب بحلب . وفي شعبان وصل تقليد الأمير سيف الدين بَيْدَمُر بنيابة دمشق (١). ورُسم له أن يركب في طائفة من جيش حلب ويقصد الأمير حِيَار(٢) بن مُّهَنا ليحضره إلى خدمة السلطان ، وكذلك رُسم لنائب حماة وحمص أن يكونا عوناً للأمير سيف الدين بَيْدَمُر في ذلك، فلما كان يوم الجمعة رابعه التقوا مع حِيَار عند سلمية ، فكانت بينهم مناوشات ، فأخبرني الأمير تاج الدين الدوادار - وكان مشاهد الوقعة - أن الأعراب أحاطوا بهم من كل جانب ، وذلك لكثرة العرب وكانوا نحو الثمانمئة، وكانت الترك من حماة وحمص وحلب مئة وخمسين ، فرموا الأعراب بالنشاب فقتلوا منهم طائفة كثيرة ، ولم يقتل من الترك سوى رجل واحد ، رماه بعض الترك ظاناً أنه من العرب بناشج فقتله ، ثم حجز بينهم الليل ، وخرجت الترك من الدائرة ونهبت أموال من الترك ومن العرب ، وجرت فتنةٌ وجردت أمراء عدة من دمشق لتدارك الحال ، وأقام نائب السلطنة هناك ينتظر ورودهم ، وقدم الأمير عمر الملقب بمصمع بن موسى بن مُهنَّاً من الديار المصرية أميراً على الأعراب وفي صحبته الأمير بدر الدين [ رملة (٣) بن جماز أميران على الأعراب، فنزل مَصْمَع بالقصر الأبلق ، ونزل الأمير رملة بالتُّوزية على عادته ، ثمّ توجها إلى ناحية حِيَار بمن معهما من عرب الطاعة ممن أضيف إليهم من تجريدة دمشق ومن يكون معهم من جيش حماة وحمص لتحصيل الأمير حيار ، وإحضاره إلى الخدمة الشريفة ، فالله تعالى يحسن العاقبة . دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر إلى دمشقَ وذلك صبيحة يوم السبت التاسع عشر من شعبان ، أقبل بجيشه من ناحية حلب وقد بات بوطأة بَرْزة ليلة السبت ، وتلقّاه الناس إلى حماة ودونها ، وجرت له وقعة مع العرب كما ذكرنا ، فلما كان هذا اليوم دخل في أُبَّهة عظيمة ، وتجمُّل حافل ، فقبّل العتبة على العادة ، ومشى إلى دار السعادة ، ثم أقبلت جنائبه (١) الذيل للحسيني ص (٣٣٤) . (٢) في ط : خيار بالخاء . مصحف ، وما أثبتناه هو الصواب ، وهو جد عشائر الحيارات في البلقاء وغيرها ، وهو من أمراء آل فضل أمراء العرب، وشيوخ العيساويين في الطرق وبلاد الشام، وله ترجمة في الدرر الكامنة (٨١/٢). ( بشار ) . (٣) زيادة من الدرر الكامنة (١١/٢). ٤٠٥ دخول نائب السلطنة الأمیر سیف الدین بیدمر إلى دمشق في لبوس هائلة باهرة ، وعدد كثير ، وعدد ثمينة ، وفرح المسلمون به لشهامته وصرامته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، والله تعالى يؤيده ويسدده . وفي يوم الجمعة ثاني شهر رمضانَ خطبت الحنابلة بجامع القبيبات وعزل عنه القاضي شهاب الدين قاضي العسكر الحنبلي ، بمرسوم نائب السلطان لأنّه كان يعرف أنه كان مختصاً بالحنابلة منذ عين إلى هذا الحين . وفي يوم الجمعة السادس عشر منه قُتل عثمان (١) بن محمد المعروف بابن دبادب الدقّاق بالحديد على ما شهد عليه به جماعةٌ لا يمكن تواطؤُهم على الكذب ، أنه كان يكثر من شتم الرسول وَّه، فرُفع إلى الحاكم المالكي وادُّعي عليه ، فأظهر التجابن ، ثم استقرَّ أمره على أن قتل قبَّحه الله وأبعده ولا رحمه . وفي يوم الإثنين السادس والعشرين منه قتل محمد(٢) المدعو زبالة الذي انحاز(٣) لابن معبد على ما صدر منه من سب النبي وَ ل﴿ ودعواه أشياء كفرية، وذُكر عنه أنّه كان يكثر الصَّلاة والصِّيام ، ومع هذا يصدر منه أحوال بشعة في حق أبي بكر وعمر وعائشة أم المؤمنين، وفي حق النبي ◌َِّ، فضربت عنقه أيضاً في هذا اليوم في سوق الخيل ولله الحمد والمنّة . وفي ثالثَ عشرَ شوّال خرج المحمل السلطاني وأميره الأمير ناصر الدين بن قَرَاسُنْقُر وقاضي الحجيج الشيخ شمس الدين محمد بن سند المحدِّث ، أحد المفتين . وفي أواخر شهر شوّال أُخذ رجل يقال له حسن ، كان خياطاً بمحلَّة الشَّاغور ، ومن شأنه أن ينتصر الفرعونَ لعنه الله ، ويزعمُ أنَّه مات على الإسلام ويحتجُّ بأنه في سورة يونس حين أدركه الغرق قال : ﴿ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [ يونس: ٩٠] ولا يفهم معنى قوله: ءَالْكَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] ولا معنى قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ﴾ [النازعات: ٢٥] ولا معنى قوله: ﴿فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على أنّ فرعون أكفرُ الكافرين ، كما هو مجمع عليه بين اليهود والنصارى والمسلمين . وفي صبيحة يوم الجمعة سادس ذي القعدة قدم البريد بطلب نائب السلطنة(٤) إلى الديار المصرية في تكريم وتعظيم ، على عادة تَنْكِز ، فتوجّه النائبُ إلى الديار المصرية وقد استصحب معه تحفاً سنيّة وهدايا (١) لعلّه ممن انفرد به ابن كثير . (٢) لعله ممن انفرد به ابن كثير . في الأصل : مهتاز ، وفي م : بهتار . (٣) بيدمر الخوارزمي . (٤) ٤٠٦ الأمر بإلزام القلندرية بترك حلق لحاهم وحواجبهم وشواربهم معظّمة تصلُح للإيوان الشريف ، في صبيحة السبت رابع عشره ، خرج ومعه القضاة والأعيان من الحجبة والأمراء لتوديعه . وفي أوائل ذي الحجة ورد كتاب من نائب السلطنة بخطه إلى قاضي القضاة تاج الدين(١) الشافعي يستدعيه إلى القدس الشريف ، وزيارة قبر الخليل ، ويذكر فيه ما عامله به السلطان من الإحسان والإكرام والاحترام والإطلاق والإنعام من الخيل والتحف والمال والغلات ، فتوجه نحوه قاضي القضاة يوم الجمعة بعد الصلاة رابعه على ستة من خيل البريد ، ومعه تحف وما يناسب من الهدايا ، وعاد عشية يوم الجمعة ثامن عشره إلى بستانه (٢) . ووقع في هذا الشهر والذي قبله سيول كثيرة جداً في أماكن متعددة ، من ذلك ما شاهدنا آثاره في مدينة بعلَبَك ، أتلف شيئاً كثيراً من الأشجار ، واخترق أماكن كثيرة متعددة عندهم وبقي آثار سيحه على أماكن كثيرة ، ومن ذلك سيل وقع بأرض جعلوص أتلف شيئاً كثيراً جداً ، وغرق فيه قاضي تلك الناحية ، ومعه بعض الأخيار ، كانوا وقوفاً على أكمة ، فدهمهم أمر عظيم ، ولم يستطيعوا دفعه ولا منعه ، فهلكوا . ومن ذلك سيل وقع بناحية حسية(٣) جمال فهلك به شيء كثير من الأشجار والأغنام والأعناب وغيرها . ومن ذلك سيل بأرض حلب هلك به خلق كثير من التركمان وغيرهم . رجالاً ونساءً وأطفالاً وغنماً وإبلاً . قرأته من كتاب من شاهد ذلك عياناً ، وذكر أنه سقط عليهم برَد وزنت الواحدة منه فبلغت زنتها سبعمئة درهم ، وفيه ما هو أكبر من ذلك وأصغر ، انتهى (٤) . الأمر بإلزام القَلَنْدَرِيّة بترك حلق لحاهم وحواجبهم وشواربهم وذلك محرم بالإجماع حسب ما حكاه ابن حَزْمُ(٥) وإنما ذكره بعض الفقهاء بالكراهية ورد كتابٌ من السُّلطان أيده الله إلى دمشق في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي الحجة ، بإلزامهم بزي (١) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي السُّبكي. مرَّ ذكره . (٢) بالزعيفرنية . وقد سبق ذكره . (٣) في ط : حسة . الذيل للحسيني ص (٣٣٤) الذيل التام للسخاوي (١/ ١٧٠) . (٤) في ط : ابن حازم والتصويب من الذيل التام للسخاوي (١/ ١٧٠). (٥) وهو : أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، كان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب ، فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر. مات سنة (٤٥٦) هـ. وفيات الأعيان (٣٢٥/٣). ٤٠٧ وفيات سنة ٧٦١هـ المسلمين وترك زي الأعاجم والمجوس ، فلا يمكن أحد منهم من الدخول إلى بلاد السلطان حتى يترك هذا الزي المبتدع ، واللباس المستشنع ، ومن لا يلتزم بذلك يعزَّر شرعاً ، ويقلع من قراره قلعاً ، وكان اللائق أن يؤمروا بترك أكل الحشيشة الخسيسة ، وإقامة الحد عليهم بأكلها أو الشُّكر بها١) ، كما أفتى بذلك بعض الفقهاء . والمقصود أنهم نودي عليهم بذلك في جميع أرجاء البلد ونواحيه في صبيحة يوم الأربعاء ولله الحمد والمنة (٢) . وبلغنا في هذا الشهر وفاة : الشيخ الصالح الشيخ أحمد (٣) بن موسى الزُّرَعى بمدينة حِبْرَاص(٤) يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة ، وكان من المبتلين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقيام في مصالح الناس عند السلطان والدولة ، وله وجاهة عند الخاص والعام ، رحمه الله . والأمير سيف الدين كجكن بن لاقُوش (٥) ، الذي كان حاجباً بدمشق وأميراً ، ثم عزل عن ذلك كله ، ونفاه السلطان إلى طرابلس فمات هناك . وقدم نائب السَّلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر عائدا من الديار المصرية ، وقد لقي من السلطان إكراماً وإحساناً زائداً فاجتاز في طريقه بالقدس الشريف فأقام به يوم عرفة والنحر ، ثم سلك على طريق غابة أَرْسُوف (٦) يصطاد بها فأصابه وَعْكٌ منعه عن ذلك ، فأسرع السير فدخل دمشق من صبيحة يوم الإثنين الحادي والعشرين منه في أُبَّهة هائلة ، ورياسة طائلة ، وتزايد ، وخرج العامة للتفرج عليه والنظر إليه في مجيئه هذا ، فدخل وعليه قباء معظّم ومطرز ، وبين يديه ما جرت به العادة من الحوفية والشاليشية وغيرهم ، ومن نيته الإحسان إلى الرعية والنّظر في أحوال الأوقاف وإصلاحها على طريقة تَنْكِز رحمه الله انتهى والله أعلم . (١) في ط: وسكرها، والتصويب من الذيل التام (١/ ١٧١). الذيل التام (١/ ١٧٠ - ١٧١). فقد نقل عن ابن كثير بالحروف ، دون الإشارة منه رحمه الله . (٢) (٣) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٢٤/١) وفيه: وفاته في ذي الحجة، وقيل: أول المحرم سنة (٧٦٢) هـ . وهو ما اعتمده الذيل ص (٢٤٥). والنجوم الزاهرة (١٢/١١) وشذرات الذهب (١٩٧/٦). ذكره في وفيات سنة (٧٦٢)هـ أيضاً . في ط : جبراص بالجيم . (٤) في ط : كحلن بن الأقوس وهو تحريف والتصويب من مصادر ترجمته . ترجمته في الدرر الكامنة (٢٦٥/٣) والذيل (٥) التام للسخاوي (١/ ١٧٥) . (٦) في ط: أرصوف. (( وأَرْسُوف)): مدينة على ساحل بحر الشام بين قَيْسارية ويافا . معجم البلدان. ٤٠٨ أحداث سنة ٧٦٢هـ ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمئة استهلت هذه السنة المباركة وسلطان الإسلام بالديار المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك ويلتحق به الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي ، ولا نائب له بالديار المصرية ، وقضاته بها هم المذكورون في العام الماضي ، ووزيره القاضي ابن الخطيب . ونائب الشام بدمشقَ الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الخُوَارزمي ، والقضاة والخطيب وبقية الأشراف وناظر الجيش والمحتسب هم المذكورون في العام الماضي ، والوزير ابن قَرَوينة (١) ، وكاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي ، ووكيل بيت المال القاضي صلاح الدين الصَّفدي وهو أحد موقِّعي الدست الأربعة ، وشاد الأوقاف الأمير ناصر الدين بن فضل الله ، وحاجب الحجاب اليوسفي ، وقد توجه إلى الديار المصرية ليكون بها أمير جندار ، ومتولي البلد ناصر الدين ، ونقيب النقباء ابن الشجاعي . وفي صبيحة يوم الإثنين سادس المحرم قدم الأمير علي(٢) نائب حماة منها ، فدخل دمشق مجتازاً إلى الديار المصرية فنزل في القصر الأبلق ثم تحول إلى دار دويدار يَلْبُغا الذي جدد فيها مساكن كثيرة بالقصاعين. وتردد الناس إليه للسلام عليه ، فأقام بها إلى صبيحة يوم الخميس تاسعه ، فسار إلى الديار المصرية . وفي يوم الأحد تاسعَ عشرَ المحرم أحضر حسن بن الخيَّاط من محلَّة الشاغور إلى مجلس الحكم المالكي من السجن ، وناظر في إيمان فرعون ، وادُّعِيَ عليه بدعاوى لانتصاره لفرعون لعنه الله ، وصدَّق ذلك باعترافه أولًا ثم بمناظرته في ذلك ثانياً وثالثاً ، وهو شيخ كبير جاهل عامي دائص(٣) لا يُقيم دليلاً ولا يُحسنه، وإنما قام في مخيلته شبهة يحتج عليها بقوله [تعالى]٤) إخباراً عن فرعون حين أدركه الغرق، وأُحيط به ورأى بأس الله، وعاين عذابه الأليم ، فقال حينئذ(٥): ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَمَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَةِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [ يونس: ٩٠] قال الله تعالى: ﴿ءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (١) فَلْيَوْمَ نُشَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ [ يونس: ٩١ - ٩٢] فاعتقد هذا العامي أن هذا الإيمان الذي صدر من فرعون والحالة هذه ينفعه، وقد قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُوَاْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ (٨٦) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَاْ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ -٨٥]. وقال تعالى: (١) في ط : قزوينة . وهو فخر الدين فخر الدولة بن قَرَوينة : قدم على نظر دواوين الشام في السنة الماضية كما تقدم . (٢) علي المارداني : نائب دمشق سابقاً . في ط: (( ذانص )) مصحفة، والدائص: الأشر البطر، فانظر وجيز الكلام (١/ ١١٧). (٣) (٤) زيادة من الذيل التام . في ط : حين الغرق إذاً . وأثبتنا ما في الذيل التام . (٥) ٤٠٩ أحداث سنة ٧٦٢هـ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (١) وَلَوَ جَاءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ اُلْأَلِيمَ﴾ [ يونس: ٩٦ - ٩٧] [ وقد دعا موسى على فرعون فقال: ﴿ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ إِثَ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمَا﴾ [ يونس: ٨٨ -٨٩] الآية ]١). ثم حضر في يوم آخر وهو مصمّم على ضلاله فضُرب بالسّياط ، فأظهر التوبةَ ، ثم أعيد إلى السجن في زِنْجير ، ثم أحضر يوماً ثالثاً وهو يستهلُّ بالتوبة فيما يظهر ، فنودي عليه في البلد ثم أُطلق(٢) . وفي ليلة الثُّلاثاء الرابعَ عشرَ طلع القمر خاسفاً كلُّه، ولكن كان تحت السحاب ، فلما ظهر وقت العشاء وقد أخذ في الجلاء صلَّى الخطيبُ صلاةَ الكُسوف قبل العشاء ، وقرأ في الأولى بسورة العنكبوت وفي الأخرى بسورة يَس ، ثم صعد المنبر فخطب ، ثم نزل بعد العشاء . وقدمت كتب الحجّاج يخبرون بالرُّخص والأمن ، واستمرت زيادة الماء من أول ذي الحجة وقبلها إلى هذه الأيام من آخر هذا الشهر والأمر على حاله ، وهذا شيء لم يعهد كما أخبر به عامة الشيوخ ، وسببه أنه جاء ماء من بعض الجبال انهال في طريق النهر . ودخل المحمل السلطاني يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من المحرم قبل الظهر ، ومسك أمير الحاج جَرَكْتَمُر(٣) المارداني الذي كان مقيماً بمكَّة شرّفها الله تعالى ، وحماها من الأوغاد ، فلما عادت التجريدة مع الحجاج إلى دمشقَ صحبة ابن قَرَاسُنْقُر(٤) من ساعة وصوله إلى دمشق ، فقُيّد وسُيّر إلى الديار المصرية على البريد ، وبلغنا أنَّ الأمير سند أميرَ مكّة غرّر بجند السلطان الذين ساروا صحبة ابن قَرَاسُنْقُر وكبسهم وقتل من حواشيهم وأخذ خيولهم ، وأنهم ساروا جرائد بغير شيء مسلوبين إلى الديار المصرية ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي أوّل شوال اشتُهر فيه وتواتر خبر الفناء الذي بالديار المصرية بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل عندهم ، على خلاف المعتاد ، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الألفين ، فأما المرض فكثير جداً، وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال ، وغلا السكر والمياه(٥) والفاكهة جداً، وتبرز السلطان إلى ظاهر البلد وحصل له تشويش أيضاً ، ثم عوفي بحمد الله(٦). وفي ثالث ربيع الآخر قدم من الديار المصرية ابن الجخّاف رسول صاحب العراق لخطبة بنت السلطان ، في ط : فاستجيبت دعوتكما . وفي العبارة خلل . والزيادة مستدركة من الذيل التام (١/ ١٨٠) نقلا عن ابن كثير. (١) (٢) الخبر في الذيل التام (١/ ١٨٠) فقد نقله السخاوي عن ابن كثير بخلاف طفيف في بعض الألفاظ دون المعنى. (٣) في ط : شركتمر. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (١/ ٥٣٤). وفيه: كان أميراً بمكة منذ (٧٦٠) هـ. (٤) في ط : القراسَقر . في ط : الأمياه . (٥) النجوم الزاهرة (١٠/ ٣١١). (٦) ٤١٠ أحداث سنة ٧٦٢هـ فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يُصدِقَها مملكة بغداد، وأعطاهم مستحقاً سلطانياً، وأطلق لهم من التحف والخلع والأموال شيئاً كثيراً ، ورسم الرسول بمشترى قرية من بيت المال لتوقف على الخانقاه التي يريد أن يتخذها بدمشقَ قريباً من الطَّواويس، وقد خرج لتلقِّيه نائب الغيبة وهو حاجب الحجاب، والدولة والأعيان. وقرأتُ في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر كتاباً ورد من حلب بخط الفقيه العدل شمس الدين العراقي من أهلها ، ذكر فيه أنه كان في حضرة نائب السلطنة في دار العدل يوم الإثنين السابعَ عشرَ من ربيع الأول ، وأنه أحضر رجل قد ولد له ولد عاش ساعة ومات ، وأحضره معه وشاهده الحاضرون ، وشاهده كاتب الكتاب ، فإذا هو شكلٌ سَوِيٌّ له على كل كتف رأس بوجه مستدير ، والوجهان إلى ناحية واحدة فسُبحان الخلاق العليمُ(١) . وبلغنا أنه في هذا الشهر سقطت المنارة التي بنيت للمدرسة(٢) السلطانية بمصر، وكانت مُتَّخذَه(٣) على صفة غريبة ، وذلك أنها منارتان على أصل واحد فوق قبو الباب الذي للمدرسة المذكورة ، فلما سقطت أهلكت خلقاً كثيراً من الصُّنَّاع بالمدرسة والمارة والصبيان الذين في مكتب المدرسة ، ولم ينجُ من الصبيان فيما ذكر شيء سوى ستَّه٤ُ) ، وكان جملة من هلك بسببها نحو ثلثمئة نفس ، وقيل : أكثر، وقيل : أقل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٤) . وخرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر إلى الغيضة لإصلاحها وإزالة ما فيها من الأشجار المؤذية والدّغل يوم الإثنين التاسع والعشرين من الشهر ، وكان سلخه ، وخرج معه جميع الجيش من الأمراء وأصحابه ، وأجناد الحلقة برمتهم لم يتأخر منهم أحد ، وكلهم يعملون فيها بأنفسهم وغلمانهم ، وأحضر إليهم خلق من فلاحي المرج والغوطة وغير ذلك ، ورجع يوم السبت خامس الشهر الداخل وقد نظفوها من الغل والدغل والغش . واتفقت كائنة غريبة لبعض السؤال ، وهو أنه اجتمع جماعة منهم قبل الفجر ليأخذوا خبزاً من صدقة تربة امرأة ملك الأمراء تَنْكز عند باب الخواصين ، فتضاربوا فيما بينهم فعمدوا إلى رجل منهم فخنقوه خنقاً شديداً ، وأخذوا منه جراباً فيه نحو من أربعة آلاف درهم . وشيء من الذهب وذهبوا على حمية ، وأفاق هو من الغشي فلم يجدهم ، واشتكى أمره إلى متولّي البلد فلم يظفر بهم إلى الآن ، وقد أخبرني الذي بدائع الزهور (٥٨٥/١) وفيه : الإثنين سادس عشري . (١) (٢) هي المدرسة الحسينية . في ط : مستجدة والتصويب من الذيل التام (١/ ١٧٦). (٣) في الذيل التام : غير عشرة . (٤) ٤١١ أحداث سنة ٧٦٢ هـ أخذوا منه أنهم أخذوا منه ثلاثة آلاف درهم معاملة ، وألف درهم بندقية ودينارين وزنهما ثلاثة دنانير . كذا قال لي إن كان صادقاً . وفي صبيحة يوم السبت خامس جمادى الأولى طلب قاضي القضاة شهاب الدين(١) الحنفي للشيخ علي بن البناء ، وقد كان يتكلم في الجامع الأموي على العوام ، وهو جالس على الأرض شيء من الوعظيات وما أشبهها من صدره ، فكأنه تعرض في غضون كلامه لأبي حنيفة رحمه الله ، فأُحضر فاستتيب من ذلك ، ومنعه قاضي القضاة شرف الدين الكفري من الكلام على الناس ، وسجنه ، وبلغني أنه حكم بإسلامه وأطلقه من يومه ، وهذا المذكور ابن البناء عنده زهادة وتعفف ، وهو مصري يسمع الحديث ويقرؤه ، ويتكلم بشيء من الوعظيات والرقائق ، وضرب أمثال ، وقد مال إليه كثير من العوام واستحلَوه ، وكلامه قريب إلى مفهومهم ، وربما أضحك في كلامه ، وحاضرتُه وهو مطبوع قريب إلى الفهم ، ولكنه أشار فيما ذكر عنه في شطحته إلى بعض الأشياء التي لا تنبغي أن تذكر ، والله الموفق ، ثم إنه جلس للناس في يوم الثلاثاء ثامنه فتكلم على عادته ، فتطلبه القاضي المذكور، فيقال إن المذكور تعنَّت . انتهى والله أعلم . سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد(٢) : ابن الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي وزوال دولة عمه الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون . لما كثر طمعه وتزايدَ شرهه ، وساءت سيرته إلى رعيته ، وضيّق عليهم في معايشهم وأكسابهم ، وبنى البنايات الجبّارة التي لا يحتاج إلى كثير منها، واستحوذ على كثير من أملاك بيت المال وأمواله ، واشترى منه قرايا كثيرة ومدناً ورساتيق(٣) ، وشقّ ذلك على الناس جداً، ولم يتجاسر أحد من القضاة ولا الولاة ، ولا العلماء ولا الصلحاء على الإنكار عليه ، ولا الهجوم عليه ، ولا النصيحة له بما هو المصلحة له وللمسلمين ، انتقم الله منه فسلَّط عليه جنده وقلب قلوب رعيته من الخاصة والعامة عليه ، لما قطع من أرزاقهم ومعاليمهم وجوامكهم وأخبازهم ، وأضاف ذلك جميعه إلى خاصته ، فقلت الأمراء والأجناد والمقدمون(٤) والكتَّاب والموقِّعون، ومسَّ الناسَ الضررُ وتعدَّى على جوامكهم وأولادهم ومن يلوذ بهم ، فعند ذلك قدّر الله تعالى هلاكه على يد أحد خواصه وهو الأمير الكبير سيف الدين يَلْبُغَا الخَاصكي . وذلك أنه أراد السلطان مسكه فاعتدَّ لذلك ، وركب السلطان لمسكه فركب هو في جيش ، في ط : شرف الدين . وقد مضى ذكره . (١) الذيل للحسيني (٣٣٨ وما بعدها). والدرر الكامنة (٣٨/٢) والذيل التام (١/ ١٧٧). (٢) (٣) في الذيل التام : وأكثر من سفك الدماء . في الذيل التام : حتى قلَّ الأمراء من كبار المتقدمين . (٤) ٤١٢ أحداث سنة ٧٦٢هـ وتلاقيا في ظاهر القاهرة حيث كانوا نزولاً في الوطاقات ، فهزم السلطان بعد كل حساب ، وقد قتل من الفريقين طائفة ، ولجأ السلطان إلى قلعة الجبل ، كلا ولا وزر ، ولن ينجي حذر من قدر ، فبات الجيش بكماله محدقاً بالقلعة ، فهمَّ بالهرب في الليل على هجن كان قد اعتدها ليهرب إلى الكَرَك ، فلما برز مُسك واعتُقل ودخل به إلى دار يَلْبُغَا الخاصكي المذكور، وكان آخر العهد به ، وذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى من هذه السنة ، وصارت الدولة والمشورة متناهية إلى الأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي ، فاتفقت الآراء واجتمعت الكلمة وانعقدت البيعة للملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي ، وخطب الخطباء وضُربت السكة ، وسارت البريدية للبيعة باسمه الشريف ، هذا وهو ابن ثنتي عشرة ، وقيل أربع عَشْرَةَ ، ومن الناس من قال ستَّ عَشْرَةً ، ورُسم في عود الأمور إلى ما كانت عليه في أيام والده الناصر محمد بن قلاوون ، وأن يبطل جميع ما كان أخذه الملك الناصر حسن ، وأن تعاد المرتبات والجوامك التي كان قطعها، وأمر بإحضار طاز(١) وطَشْتَمُرُ(٢) القاسمي من سجن الإسكندرية(٣) إلى بين يديه ليكونا أتابكا٤) . وجاء الخبر إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين بُزْلار شاد التربخاناة أحد أمراء الطبلخانات بمصر صبيحة يوم الأربعاء سادسَ عشر الشهر ، فضربت البشائر بالقلعة وطبلخانات الأمراء على أبوابهم ، وزُيّن البلد بكماله ، وأُخذت البيعة له صبيحة يومه بدار السعادة وخلع على نائب السلطنة تشريف هائل ، وفرح أكثر الأمراء والجند والعامة، ولله الأمر، وله الحكم. قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٌ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَاءٍ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية. ووجد على حجر بالحميرية فقرئت للمأمون فإذا مكتوب . دارتْ نجومُ السماءِ في الفلكِ ما اختلفَ الليلُ والنهارُ ولا قد زالَ سلطانهُ إلى ملكِ إلا لنقلِ النعيم من ملكٍ ليسَ بفانٍ ولا بمشترِ(٥) ومُلكُ ذي العرشِ دائمٌ أبداً في ط : طار وقد سبق ذكره . (١) (٢) في ط : طاشتمر . (٣) في ط : اسنكدرية . (٤) النجوم الزاهرة (١١ /٤) . منها بيتان في عيون الأخبار لابن قتيبة (٣٠٧/٢) وفيه : حدثني أبي عن أبي العتاهية أنه قرىء له بيتان على جدار من (٥) جُدُر كنيسة القسطنطينية : دارت نجوم السماء في الفلك ما اختلف اللَّيل والنَّهارُ ولا كان يحبُّ الدنيا إلى ملك إلا بنقل السلطان عن ملك ٤١٣ أحداث سنة ٧٦٢هـ ورُوي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنّه خرج يوماً لصلاة الجمعة ، وكان سَويَّ الخلق حسنَهُ ، وقد لبس حُلة خضراء ، وهو شاب ممتلىء شباباً ، وينظر في أعطافه ولباسه ، فأعجبه ذلك من نفسه ، فلمّا بلغ إلى صرحة الدار تلقته جِنِّية في صورة جارية من حظاياه فأنشدته : غير أن لا حياةَ للإنسانِ أنتَ نعمَ المتاع لو كنتَ تبقی ـب يذكرُ غيرَ أَنكَ فان(١) ليسَ فيما علمتُ فيك عيـ فصعد المنبر الذي في جامع دمشقَ وخطب الناس ، وكان جهوري الصوت يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر ، فضعف صوته قليلاً قليلاً حتى لم يسمعه أهل المقصورة ، فلمّا فرغ من الصلاة حمل إلى منزله فاستحضر تلك الجارية التي تبدَّت تلك الجِنِّية على صورتها ، وقال : كيف أنشدتيني تينك البيتين؟ فقالت : ما أنشدتك شيئاً . فقال : الله أكبر نُعيت والله إليَّ نفسي. فأوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز رحمه الله(٢). وقدم نائب طرابُلُس المعزول عليلاً والأمير سيف الدين أسَنْدَمُر(٣) الذي كان نائب دمشق وكانا مقيمان بطرابلس جميعاً ، في صبيحة يوم السبت السادس والعشرين منه ، فدخلا دار السعادة فلم يحتفل بهما نائب السلطنة . وتكامل في هذا الشهر تجديد الرِّواق غربي باب الناطفانيين إصلاحاً لدرابزيناته وتبييضاً لجدرانه ومحرابه ، وجُعل له شبابيك في الدّرابزينات ، ووقف فيه قراءة قرآن بعد المغرب ، وذكروا أن شخصاً رأى مناماً فقصّه على نائب السلطنة فأمر بإصلاحه . وفيه نهض بناء المدرسة التي إلى جانب هذا المكان من الشباك ، وقد كان أسسها أولًا علَم الدين بن هلال(٤) ، فلمّا صودر أُخذت منه وجُعلت مضافة إلى السلطان ، فبنوا فوق الأساسات وجعلوا لها خمسة شبابيك من شرقها ، وباباً قبلياً ومحراباً ، وبركة عراقية ، وجعلوا حائطها بالحجارة البيض والسود ، وكمَّلوا عاليها بالآجر ، وجاءت في غاية الحسن ، وقد كان السلطان الناصر حسن قدرسم بأن تُجعل مكتباً للأيتام فلم يتم أمرها حتى قتل كما ذكرنا(٥) . (١) البيتان في عيون الأخبار (٢/ ١٧) وهي منسوبة فيه للشاعر موسى شَهَوات ولفظها: عابه الناسُ غير أنك فاني ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ غير أنْ لا بقاء للإنسان أنت خير المتاع لو كنت تبقى وأورد الحكاية ابن خلكان في وفيات الأعيان (٤٢١/٣) وذكر الأبيات بلفظها كما أوردتها هنا . سليمان مات في دابق، ولعلّ الحكاية من وضع الوعاظ. وفيات الأعيان (٣/ ٤٢٠) ابن خلدون (٧٤/٣). (٢) (٤) (٥) (٣) في ط : استدمر . هو : سنجر بن عبد الله النجمي ، وهو مولى ابن هلال . هي المدرسة الجقمقية الدارس (٤٨٩/١) ومنادمة الأطلال ص (١٦٠). أسسها المعلم سنجر الهلالي ، وخربت في فتنة تيمورلنك ، فأعاد سيف الدين جقمق إعمارها أثناء نيابته على دمشق سنة (٨٢٢هـ) . ٤١٤ أحداث سنة ٧٦٢هـ واشتهر في هذا الشهر أن بقرة كانت تجيء من ناحية باب الجابية تقصد جراءً لكلبةٍ قد ماتت أُمُهم، وهي في ناحية كنيسة مَرْيمُ(١) في خرابة، فتجيء إليهم فتنسطح على شقها فترضع أولئك الجراء منها، تكرر هذا منها مراراً ، وأخبرني المحدث المفيد التقي نور الدين أحمد بن المقصوص بمشاهدته ذلك . وفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة نادى منادٍ من جهة نائب السلطنة حرسه الله تعالى في البلد أن النساء يمشين في تستُّر ويلبسن أُزْرَهُنّ إلى أسفل من سائر ثيابهن ، ولا يظهرن زينة ولا يداً ، فامتثلن ذلك ولله الحمد والمنة . وقدم أمير العرب حِيَارُ(٢) بن مُهنَّا في أُبَّهة هائلة ، وتلقّاه نائب السلطنة إلى أثناء الطريق ، وهو قاصد إلى الأبواب الشريفة . وفي أواخر رجب قدم الأمير سيف الدين تَمُر(٣) المهمندار من نيابة غزَّة حاجب الحجاب بدمشق ، وعلى مقدمة رأس الميمنة . (٤) وأطلق نائب السلطنة مكوسات كثيرة ، مثل مكس الحداية والخزل المرددن الحلب ، والطبابي ، وأبطل ما كان يؤخذ من المحتسبين زيادة على نصف درهم ، وما يؤخذ من أجرة عدة الموتى كل ميت بثلاثة ونصف ، وجعل العدة التي في القيسارية للحاجة مسبّلة لا تنحجر على أحد في تغسيل ميت ، وهذا حسن جداً ، وكذلك منع التحجّر في بيع البلح المختص به ، وبيع مثل بقية الناس من غير طرحان(٥) فرخص على الناس في هذه السنة جداً ، حتى قيل إنه بيع القنطار بعشرة ، وما حولها . وفي شهر شعبانُ(٦) قدم الأمير حِيَار بن مُهَنَّا من الديار المصرية فنزل القصر الأبلق وتلقاه نائب السلطنة وأكرم كل منهما الآخر ، ثم ترحل بعد أيام قلائل ، وقدم الأمراء الذين كانوا بحبس الإسكندرية في صبيحة يوم الجمعة سابعه ، وفيهم الأمير شهاب الدين بن صبح وسيف الدين طَيْدمُر الحاجب، وطُنَيَّرق(٧) ومقدم ألف ؛ وعمرشاه . قرب درب الحجر . (١) في ط : جبار ، وهو تصحيف ، وقد مضى ذكره . (٢) مات في الثمانين من عمره في شوال سنة (٧٦٢)هـ الذيل للحسيني ص (٣٣٩) الدرر الكامنة (١/ ٥٢٠). (٣) هكذا وردت العبارة في ط ، ولعل كل هذا يشير إلى مكس يؤخذ من النساء المختصات بعمل القراءات من قراءة (٤) وغيرها ، والله أعلم . (٥) (٦) لعله يريد : من غير نقص . في بدائع الزهور (١/ ٥٨٤): في ذي الحجة. في ط : طيبرف . وأثبتنا ما في الذيل للحسيني ص (٣٣٩). (٧) ٤١٥ أحداث سنة ٧٦٢هـ هذا ونائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر أعزه الله يبطل المكوسات شيئاً بعد شيء ممّا فيه مضرة بالمسلمين ، وبلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه الله من ذلك ، آمين انتهى . تنبيه (١) على واقعة غريبة واتفاقٍ عجيب نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر فيما بلغنا في نفسه عَتَب على أتابك الديار المصرية الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي مُدَبِّر الدولة بها، وقد توسَّم وتوهَّم منه أنّه يسعى في صرفه عن الشام ، وفي نفس نائبنا قوة وصرامة شديدة، فتنسَّم منه ببعض الإباء عن طاعة يَلْبُغا ، مع استمراره على طاعة السلطان ، وأنه إن اتفق عُزْلٌ من قبل يَلْبُغَا أنه لا يسمع ولا يطيع ، فعمل أعمالًا واتفق في غضون هذا الحال موت نائب القلعة المنصورة بدمشق وهو الأمير سيف الدين بُزْناق(٢) الناصري فأرسل نائب السلطنة من أصحابه وحاشيته من يتسلّم القلعة برُمّتها ، ودخل هو بنفسه إليها ، وطلب الأمير زين الدين زبالة الذي كان فقيهاً ثم نائبها وهو من أخبر الناس بها وبخطاتها٣) وحواصلها ، فدار معه فيها وأراه حصونها وبروجها ومفاتحها وأغلاقها ودورها وقصورها وعددها وبركتها ، وما هو معدٌّ فيها ولها ، وتعجب الناس من هذا الاتفاق في هذا الحال ، حيث لم يتفق ذلك لأحد من النواب قبله قط ، وفتح الباب الذي هو تجاه دار السعادة وجعل نائب السلطنة يدخل منه إلى القلعة ويخرج بخدمه وحشمه وأُبَّهته يكشف أمرها وينظر في مصالحها أيده الله. ولما كان يوم السبت خامس عشر شعبان ركب في الموكب على العادة واستدعى الأمير سيف الدين أسندَمُر الذي كان نائب الشام ، وهو في منزله كالمعتقل فيه ، لا يركب ولا يراه أحد ، فأحضره إليه وركب معه، وكذلك الأمراء الذين قدموا من الديار المصرية: طُنَيْرق (٤)، وهو أحد أمراء الألوف وطَيْدَمُر الحاجب، كان ، وأما ابن صُبْح وعمر شاه فإنهما كانا قد سافرا يوم الجمعة عشية النهار ، والمقصود أنه سيَّرهم وجميع الأمراء بسوق الخيل ، ونزل بهم كلهم إلى دار السعادة فتعاهدوا وتعاقدوا واتفقوا على أن يكونوا كلّهم كتفاً واحداً ، وعصبة واحدة على مخالفة من أرادهم بسوءٍ وأنهم يد على من سواهم ممّن أراد عزل أحد منهم أو قتله، وأن من قاتلهم قاتلوه ، وأن السلطان هو ابن أستاذهم الملك المنصور بن حاجي بن الناصر بن المنصور قلاوون ، فطاوعوا كلهم لنائب السلطنة على ما أراد من ذلك ، وحلفوا له وخرجوا من عنده على هذا الحلف ، وقام نائب السلطنة على عادته في عظمة هائلة ، وأُبَّهة كثيرة ، والمسؤول من الله حسن العاقبة . في ط : تنبيع وهو تطبيع . (١) في الذيل للحسيني ص (٣٤٠): برتاق بالتاء. (٢) هكذا في ط ، ولعل الصواب : بخططها . (٣) في ط : (( طبترق )) وقد ذكر قبل قليل . (٤) ٤١٦ أحداث سنة ٧٦٢هـ وفي صبيحة يوم الأحد سادسَ عشرَ شعبان أبطل ملك الأمراء المكس الذي يؤخذ من الملح وأبطل مكس الأفراح ، وأبطل أن لا تغنِّي امرأة لرجال ، ولا رجل لنساء ، وهذا في غاية ما يكون من المصلحة العظيمة الشامل نفعها . وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره شرع نائب السلطنة سيف الدين بَيْدَمُر في نصب مجانيق على أعالي بروج القلعة ، فنصبت أربعة مجانيق من جهاتها الأربع ، وبلغني أنه نصب آخر في أرضها عند البحرة ، ثم نصب آخر وآخر حتى شاهد الناس ستة مجانيق على ظهور الأبرجة ، وأخرج منها القلعية وأسكنها خلقاً من الأكراد والتركمان وغيرهم من الرجال الأنجاد ، ونقل إليها من الغلات والأطعمة والأمتعة وآلات الحرب شيئاً كثيراً ، واستعد للحصار إن حُوصر فيها بما يحتاج إليه من جميع ما يرصد من القلاع ، بما يفوت الحصر . ولما شاهد أهل البساتين المجانيق قد نصبت في القلعة انزعجوا وانتقل أكثرهم من البساتين إلى البلد ، ومنهم من أودع عند أهل البلد نفائس أموالهم وأمتعتهم ، والعاقبة إلى خير إن شاء الله تعالى. وجاءتني فُتِيًا صورتها : ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلاماً فأحسن إليه وأعطاه وقدَّمه ، ثم إنَّه وثَبَ على سيده فقتله وأخذ ماله ومنع ورثته منه ، وتصرف في المملكة ، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدَمَ عليه ليقتله ، فهل له الامتناع منه؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيداً أم لا ؟ وهل يُثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال ؟ أفتونا مأجورين (١). فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير : إن كان مرادُه خلاصَ ذمته فيما بينه وبين الله تعالى فهو أعلم بنيته في الذي يقصده ، ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة على ذلك ، فيؤخَّر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه ، وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة والأمراء عليه ، فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولاً ، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقه ، والله الموفق للصواب . هذا وقد اجتمع على الأمير نائب السلطنة جميع أمراء الشام ، حتى قيل : إن فيهم من نواب السلطنة سبعةَ عشرَ أميراً ، وكلهم يحضر معه المواكب الهائلة ، وينزلون معه إلى دار السعادة ، ويمدّ لهم الأسمطة ويأكل معهم ، وجاء الخبر بأن الأمير مَنْجَك الطرجافسي المقيم ببيت المقدس قد أظهر الموافقة لنائب السلطنة ، فأرسل له جِبْريل ثم عاد فأخبر بالموافقة ، وأنه قد استحوذ على غزة ونائبه ، وقد جمع وحشد واستخدم طوائف ، ومسك على الجادة ، فلا يدع أحداً يمر إلا أن يفتش ما معه ، لاحتمال إيصال كتب من هاهنا إلى هاهنا ، ومع هذا كله فالمعدلة ثابتة جداً ، والأمن حاصل هناك ، فلا يخاف أحد ، وكذلك بدمشق وضواحيها ، لا يُهاج أحد ولا يَتَعدّى أحد على أحد ، ولا ينهب أحد لأحد شيئاً ولله الحمد ، غير أن بعض أهل البساتين توهّموا وركبوا إلى المدينة وتحوّلوا ، وأودع بعضهم نفائس ما عندهم ، وأقاموا بها (١) بدائع الزهور (٥٨٢/١). ٤١٧ أحداث سنة ٧٦٢هـ على وجل ، ذلك لمَّا رأوا المجانيق الستة منصوبة على رؤوس قلال الأبراج التي للقلعة ، ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الأربعة والأمراء كلهم وكتبوا مكتوباً سطَّره بينهم كاتب السر ، أنهم راضون بالسُّلطان كارهون لِيَلْبُغا ، وأنهم لا يريدونه ولا يوافقون على تصرُّفه في المملكة ، وشهد عليهم القضاة بذلك ، وأرسلوا المكتوب مع مملوك للأمير طَيْبُغَا الطّويل(١)، نظير يَلْبُغَا بالديار المصرية، وأرسل مَنْجك إلى نائب السلطنة يستحثه في الحضور إليه في الجيش ليناجزوا المصريين ، فعين نائب الشام من الجيش طائفة يبرزون بين يديه ، وخرجت التجريدة ليلة السبت التاسع والعشرين من شعبان صحبة أسَنْدَمُر الذي كان نائب الشام مدداً للأمير مَنْجَك في ألفين ، ويذكر الناس أن نائب السلطنة بمن بقي من الجيش يذهبون على إثرهم ، ثم خرجت أخرى بعدها ثلاثة آلاف ، ليلة الثلاثاء الثامن من رمضان كما سيأتي . وتوفي الشيخ الحافظ علاء الدين مُغْلَطاي (٢) المصري بها في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان من هذه السنة ، ودفن من الغد بالرّيْدانية(٣) ، وقد كتب الكثير وصنَّف وجمع ، وكانت عنده كتب كثيرة رحمه الله . وفي مستهل رمضان أحضر جماعة من التجار إلى دار العدل ظاهر باب النصر ليباع شيء عليهم من القند والفولاذ والزجاج مما هو في حواصل يَلْبُغَا(٤) ، فامتنعوا من ذلك خوفاً من استعادته منهم على تقدير ، فضرب بعضهم منهم شهاب الدين بن الصواف بين يدي الحاجب ، وشاد الدواوين ، ثم أُفرج عنهم في اليوم الثاني ، ففرَّج الله بذلك . وخرجت التجريدة ليلة الثلاثاء بعد العشاء صحبة ثلاثة مقدمين منهم عراق(٥) ثم ابن صبح(٦) ثم ابن طرغية ، ودخل نائب طرابلس الأمير سيف الدين تُومان إلى دمشقَ صبيحة يوم الأربعاء ، عاشر رمضان ، فتلقاه ملك الأمراء سيف الدين بَيْدَمُر إلى الأقيصر(٧) ودخلا معاً في أُبَّهة عظيمة ، فنزل تُومان في القصر الأبلق ، وبرز من معه من الجيوش إلى عند قبة يَلْبُغا ، هذا والقلعة منصوب عليها المجانيق ، وقد ملئت حرساً شديداً ، ونائب السلطنة في غاية التحقُّظ . (١) كان السلطان حسن أمّره مع يلبغا طبلخاناه مات في حلب سنة (٧٦٩) هـ. ترجمته في: الدرر الكامنة (٣٥٢/٤) والدليل الشافي (٧٣٧/٢) وشذرات الذهب (١٩٧/٦) وفيها جميعاً: (٢) مُغلطاي بن قَليج بن عبد الله البَكْجُري . في ط: ((الزيدانية)) بالزاي ، وهو تصحيف ، وهي مقبرة معروفة خارج باب الفتوح بالحسينية من القاهرة ( خطط (٣) المقريزي ١٣٩/٢) (بشار) . (٤) هو يَلْبُغا اليحياوي صاحب الجامع المعروف . (٥) أمير معمر ، ولي تقدمة ألف ثم أعطي طبلخاناه ، مات سنة (٧٧٣)هـ الدرر الكامنة (٢/ ٤٥٤). (٦) هو شهاب الدين . (٧) فى ط: ((الأقصر))، ولا يوجد مثل هذا الموضع في مشارف الشام، ولعل ما أثبتناه هو الصواب، وهو موضع في مشارف الشام . ٤١٨ خروج ملك الأمراء بيدمر من دمشق متوجهاً إلى غزة ولما أصبح يوم الخميس صمم تُؤْمان تَمُر على ملك الأمراء في الرّحيل إلى غزَّة ليتوافى هو وبقية من تقدمه من الجيش الشامي ، ومَنْجك ومن معه هنالك ، ليقضي الله أمراً كان مفعولً ، فأجابه إلى ذلك وأمر بتقدُّم السبق بين يديه في هذا اليوم ، فخرج السبق وأغلقت القلعة بابها المسلوك الذي عند دار الحديث ، فاستوحش الناس من ذلك ، والله يحسن العاقبة . خروج ملك الأمراء بَيْدَمُر من دمشقَ متوجهاً إلى غزّة ليلحق العساكر هناك صلى الجمعة بالمقصورة الثاني عشر من رمضان نائب السلطنة ، ونائب طرابلس ، ثم اجتمعا بالخطبة في مقصورة الخطابة ، ثم راح لدار السعادة ، ثم خرج طلبه في تجمُّل هائل على ما ذكر بعد العصر ، وخرج معهم فاستعرضهم ، ثم عاد إلى دار السعادة فبات إلى أن صلى الصبح ، ثم ركب خلف الجيش هو ونائب طرائُلُس ، وخرج عامة من بقي من الجيش من الأمراء وبقية الحلقة ، وسلمهم الله ، وكذلك خرج القضاة ، وكذا كاتب السر ووكيل بيت المال وغيرهم من كتاب الدست ، وأصبح الناس يوم السبت وليس أحد من الجند بدمشق ، سوى نائب الغيبة الأمير سيف الدين بن حمزة التُّركماني ، وقريبه والي البر ، ومتولِّ البلد الأمير بدر الدين صدقة بن أوحد ، ومحتسب البلد ونواب القضاة ، والقلعة على حالها ، والمجانيق منصوبة كما هي . ولما كان صبح يوم الأحد رجع القضاة بكرة ثم رجع ملك الأمراء في أثناء النهار هو وتُوْمان تَمُر ، وهم كلهم في لبس وأسلحة تامة ، وكل منهما خائف من الآخر أن يمسكه ، فدخل هذا دار السعادة ، وراح الآخر إلى القصر الأبلق . ولما كان بعد العصر قدم مَنْجَك وأسَنْدَمُر كان نائب السلطنة بدمشق ، وهما مغلولان قد كسرهما من كان قدم على مَنْجك من العساكر التي جهزها بَيْدَمُر إلى مَنْجَك قوة له على المصريين ، وكان ذلك على يدي الأمير سيف الدين تَمُر حاجب الحجاب ويعرف بالمهمندار ، قال لمَنْجَك : كلنا في خدمة من بمصرَ ، ونحن لا نطيعك على نصرة بَيْدَمُر ، فتقاولا ثم تقاتلا ، فهزم مَنْجَك، وذهب تَمُر ومَنْجَك ومن كان معهما کابن صبح وطَيْدَمُر . ولما أصبح الصباح من يوم الإثنين خامس عشر لم يوجد لتُؤْمان تمر وطُبَيْرق ولا أحد من أمراء دمشق عين ولا أثر ، قد ذهبوا كلهم إلى طاعة صاحب مصر ، ولم يبق بدمشق من أمرائها سوى ابن قَرَاسُنْقُر من الأمراء المتقدمين ، وسوى بَيْدَمُر ومَنْجَك وأسَنْدَمُر ، والقلعة قد هيئت والمجانيق منصوبة على حالها ، والناس في خوف شديد من دخول بَيْدَمُر إلى القلعة ، فيحصل بعد ذلك عند قدوم الجيش المصري حصار وتعب ومشقة على الناس ، والله يحسن العاقبة(١) . (١) الذيل التام للسخاوي (١٧٨/١ - ١٧٩). ٤١٩ خروج ملك الأمراء بيدمر من دمشق متوجهاً إلى غزة ولما كان في أثناء نهار الإثنين سادس عشره دُقَّت البشائر في القلعة وأظهر أن يَلْبُغا الخاصكي قد نفاه السلطان إلى الشام ، ثم ضربت وقت المغرب ثم بعد العشاء في صبيحة يوم الثلاثاء أيضاً ، وفي كل ذلك يركب الأمراء الثلاثة مَنْجَك وَبَيْدَمُر وأسَنْدَمُر ملبسين ، ويخرجون إلى خارج البلد ، ثم يعودون ، والناس فيما يقال: ما بين مصدق ومكذب، ولكن قد شُرع إلى تستير القلعة وتهيء الحصار فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم تبيّن أن هذه البشائر لا حقيقة لها ، فاهتم في عمل ستائر القلعة وحمل الزلط والأحجار إليها ، الأغنام والحواصل ، وقد وردت الأخبار بأن الركاب الشريف السلطاني وصحبته يَلْبُغَا في جميع جيش مصر قد عدا غزّة ، فعند ذلك خرج الصاحب وكاتب السر والقاضي الشافعي وناظر الجيش ونقباؤه ومتولّي البلد وتوجهوا تلقاء حماة لتلقي الأمير علي الذي قد جاءه تقليدُ دمشقَ ، وبقي البلد شاغراً عن حاكم فيها سوى المحتسب وبعض القضاة ، والناس كغنم لا راعي لهم ، ومع هذا الأحوال صالحة والأمور ساكنة ، لا يعدو أحد على أحد فيما بلغنا، هذا وبَيْدَمُر ومَنْجَك وأسَنْدَمُر في تحصين القلعة وتحصيل العدد والأقوات فيها ، والله غالب على أمره ، أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ، الستائر تعمل فوق الأبرجة، وصلَّى الأمير بَيْدَمُر صلاة الجمعة تاسع عشر الشهر في الشباك الكمالي ، في مشهد عثمان ، وصلَّى عنده مَنْجك إلى جانبه داخل موضع القضاة ، وليس هناك أحدٌ من الحجبة ولا النقباء ، وليس في البلد أحد من المباشرين بالكليّة ، ولا من الجند إلا القليل ، وكلهم قد سافروا إلى ناحية السلطان ، والمباشرون إلى ناحية حماة لتلقي الأمير عليّ نائب الشام المحروس ، ثم عاد إلى القلعة ولم يحضر الصلاة أسَنْدَمُر ، لأنه قيل : كان منقطعاً، أو قد صلّى في القلعة . وفي يوم السبت العشرين من الشهر وصل البريد من جهة السلطان من أبناء الرسول إلى نائب دمشق يستعلم طاعته أو مخالفته ، وبعث عليه فيما اعتمده من استحوذ على القلعة ويخطب فيها ، وادِّخار الآلات والأطعمات فيها ، وعدم المجانيق والستائر عليها ، وكيف تصرّف في الأموال السلطانية تصرف الملك والملوك ، فتنصل ملك الأمراء من ذلك ، وذكر أنه إنما أرصد في القلعة جنادتها وأنه لم يدخلها ، وأن أبوابها مفتوحة ، وهي قلعة السلطان ، وإنما له غريم بينه وبينه الشرع والقضاة الأربعة - يعني بذلك يَلْبُغا - وكتب بالجواب وأرسله صحبة البريدي وهو كيكلدي مملوك طُقْطاي(١) الدويدار ، وأرسل في صحبته الأمير صارم الدين أحد أمراء العشرات من يوم ذلك . وفي يوم الإثنين الثاني والعشرين من رمضان تصبح أبواب البلد مغلقة إلى قريب الظهر ، وليس ثمّ مفتوح سوى باب النصر والفرج ، والناس في حصر شديد وانزعاج ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن قد اقترب وصول السلطان والعساكر المنصورة . (١) في ط: بقطبة وهو تحريف . وأثبتنا ما في الدليل الشافي (١/ ٣٦٧). وهو: طقطاي بن عبد الله دوادار الأمير يلبغا اليحياوي نائب دمشق مات بعد الستين والسبعمئة . ٤٢٠ وصول السلطان الملك المنصور إلى المصطبة وفي صبيحة الأربعاء أصبح الحال كما كان وأزيد ، ونزل الأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي بقبَّة يَلْبُغَا، وامتد طلبه من سيْفِ داريًّا إلى القبة المذكورة في أَبَّهة عظيمة، وهيئة حسنة، وتأخَّر الركاب الشريف بتأخّره عن الصَّنَمَيْنُ(١) بعد، ودخل بَيْدَمُر في هذا اليوم إلى القلعة وتحصَّن بها . وفي يوم الخميس الخامس والعشرين منه استمرت الأبواب كلها مغلقة سوى باب النصر والفرج ، وضاق النطاق وانحصر الناس جداً ، وقطع المصريون نهر بانياس ، والفرع الداخل إليها وإلى دار السعادة من القنوات ، واحتاجوا لذلك أن يقطعوا القنوات ليسدوا الفرع المذكور ، فانزعج أهل البلد لذلك ، وملؤوا ما في بيوتهم من برك المدارس ، وبيعت القربة بدرهم ، والحق بنصف ، ثم أرسلت القنوات وقت العصر من يومئذ ولله الحمد والمنة ، فانشرح الناس لذلك ، وأصبح الصَّبَاح يوم الجمعة والأبواب مغلقة ولم يفتح باب النصر والفرج إلى بعد طلوع الشمس بزمان ، فأرسل يَلْبُغا من جهته أربعة أمراء وهم الأمير زين الدين زبالة الذي كان نائب القلعة ، والملك صلاح الدين بن الكامل ، والشيخ علي الذي كان نائب الرّحبة من جهة بَيْدَمُر ، وأمير آخر ، فدخلوا البلد وكسروا أقفال أبواب البلد ، وفتحوا الأبواب ، فلما رأى بَيْدَمُر ذلك أرسل مفاتيح البلد إليهم انتهى . وصول السُّلطان الملك المنصور إلى المصطبة غربي عقبة سجورا كان ذلك في يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان في جحافل عظيمة كالجبال ، فنزل عند المصطبة المنسوبة إلى عم ابنته الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون ، وجاءت الأمراء ونواب البلاد لتقبيل يده والأرض بين يديه ، كنائب حلب ، ونائب حماة ، وهو الأمير علاء الدين المارداني ، وقد عُيّن لنيابة دمشق ، وكتب بتقليده بذلك ، وأرسل إليه وهو بحماة ، فلما كان يوم السبت السابع والعشرين منه خلع على الأمير علاء الدين علي المارداني بنيابة دمشق ، وأُعيد إليها عَوداً على بدءٍ ، ثم هذه الكرة الثالثة ، وقبّل يد السلطان وركب عن يمينه ، وخرج أهل البلد لتهنئته ، هذا والقلعة محصّنة بيد بَيْدَمُر ، وقد دخلها ليلة الجمعة واحتمى بها ، هو ومَنْجَك وأَسَنْدَمُر ومن معه من الأعوان بها ، ولسان حال القدر يقول: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوِجٍ مُشَيِّدَةٍ﴾ [ النساء: ٧٨]. ولما كان يوم الأحد طلب قضاة القضاة وأرسلوا إلى بَيْدَمُر وذويه بالقلعة ليصالحوه على شيء مَيْسور يشترطونه(٢) ، وكان ما سنذكره انتهى والله تعالى أعلم . (١) في ط : الصنميين وهو تحريف ، وانظر معجم البلدان ، فهي قرية من أعمال دمشق من أوائل حوران . (٢) الذيل للحسيني ص (٣٤٢).