Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
أحداث سنة ٧٠٧هـ
تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة ، والأغاليط المظنونة ، والأهواء الفاسدة ، وإن ذلك أمرٌ
يجلّ عن الوصف ، وكل ما قيل من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة . قال تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و ◌ِالإِكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْلَا تَحْسَبُوهُ شَرَّالَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [ النور: ١١].
وقد أظهر الله سبب هذه القضية من نور الحق وبرهانه ، ما ردَّ به إفك الكاذب وبهتانه ، وأنا لا أحب أن يُقتصَّ لي من
أحد بسبب كذبه عليّ ، أو ظلمه لي وعدوانه ، فإني قد حاللت كل مسلم ، وأنا أحبُّ الخير لكل مؤمن ، وأريد لكل
مؤمن من الخير ما أحبّه لنفسيٍ ، والذين كذبوا وظلموا فهم في حلَّ من جهتي ، وأما ما يتعلق بحقوق الله ورسوله ،
فإن تابوا تاب الله عليهم ، وإلا فحكم الله نافذ فيهم ، ولو كان الرجل مشكوراً على سوء عمله لكنت أشكر كلَّ من
كان سبباً في هذه القضية لِمَا ترتّب لنا عليها وعلى يديه من خير الدنيا والآخرة ، لكنّ الله هو المشكور على حسن نعمه
وآلائه وأياديه ، الذي لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له ، وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم ، وأهل
العمل الصالح يشكرون على عملهم ، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم .
وأنتم تعلمون هذا من خلقي ، والأمر أزيد مما كان ، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض ، وحقوق الله عليهم هم
فيها تحت حكم الله .
وأنتم تعلمون أن الصدِّيق الأكبر في قضية الإفك أنه حلف لا يصل مِسْطَح بن أَثَاثة ، لأنه كان من الخائضين في
الإفك فأنزل الله تعالى :
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ النور: ٢٢].
فلما نزلت قال أبو بكر : بلى والله أحبُّ أن يغفر الله لي ، ثم رجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه .
واعلموا أن الله سبحانه وتعالى مع ما ذكر من الصّفح والإحسان والعفو وأمثال ذلك وأضعافه ، فالجهاد لا بدَّ منه ،
وهو الجهاد على ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه. ﴿ فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ بِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٩) إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآيات [ المائدة: ٥٤ _ ٥٥ ] .
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ونزل الشيخ في دار الأوحدي ، وقيل : في دار ابن سنقر ، وأكبَّ الناس على الاجتماع والقراءة عليه في جميع العلوم
ليلاً ونهاراً ، فكان يعلّم الناس ويفتيهم ، ويذكر اللهَ ويدعو إليه، ويتكلّم في الجوامع بمصر على المنابر بتفسير
القرآن ، ويوم الجمعة من بعد الصّلاة إلى أذان العصر إلى أن ضاق منه صدور خلق من أعدائه ، وانحصروا منه ،
وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت .
وفي العشر الأول من شوّال اجتمع خمسمئة من الصُّوفية وفيهم شيخ شيوخهم كريم الآملي وابن المنبجي واتفقوا على
الشكوى على الشيخ تقي الدين إلى السلطان ، فطلع منهم خلق إلى القلعة فكانت لهم ضجّة شديدة ، فقال
السلطان : ما لهؤلاء ؟!
فقيل له : يشكون على ابن تيمية ، فقال : وما يشكون منه؟
فقالوا : إنهم يزعمون أنه يسبُّ مشايخهم ، ويضع من قدرهم عند الناس .
واستغاثوا ، وجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم ، ودخلوا على الأمراء ، ولم يبقوا ممكناً .
فقال بعض أصحابه له : إنّ الناس قد جمعوا لك جمعاً كثيراً ، فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل . وكان قد تكلم في ابن
عربي وبيَّن طريقه ، وطريق أتباعه من أهل الحلول والاتحاد .

٦٢
أحداث سنة ٧٠٧هـ
قال البِرْزالي : وفي شَوَّال منها شكى الصُّوفية بالقاهرة على الشّيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي
وغيره إلى الدولة، فردُّوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، فعُقد له مجلس وادّعى عليه ابن عطاء(١)
بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء ، لكنه قال : لا يُسْتَغَاثُ إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى
العبارة ، ولكن يُتَوسَّل به ويُشَفَّع به إلى الله، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شيء ، ورأى
القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلَّة أدب ، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه
الشريعة ، فقال القاضي : قد قلت له ما يقال لمثله .
ثم إنّ الدولةَ خيّروه بين أشياء : إمّا أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروطه(٢) أو الحبس ، فاختار
الحبس ، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزماً ما شَرَطَ، فأجاب أصحابَه إلى ما اختاروا جبراً
لخواطرهم.
فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال ، ثم أرسلوا خلفه من الغد بريداً آخر ، فرَدُّوه ، وحضر
فأمر أن يعقد مجلس بدار العدل ، فعقد له مجلس كان يحبُّه ويتمنّاه ، واجتمع فيه القضاة والفقهاء ، فظهر من هذا
=
المجلس من علم الشيخ ، وشجاعته ، وقوة قلبه ، وصدق توكله ، وبيان حجته ما يتجاوز وصف الواصفين مع أنه
وحده ، وكلهم عليه ، وكان وقتاً مشهوداً ، وقد قال له كثير من الفقهاء المخالفين له : من أين لك هذا العلم .
فقال لهم الشيخ : من أين لا تعلمونه .
وذكر جماعة ممّن حضر هذا المجلس أن الناس لمّا تفرقوا منه ، قام الشيخ ومعه جماعة من أصحابه ، فجاء إلى
موضع في دار العدل ، فاستلقى على ظهره ، وأخذ حجراً ، فوضعه تحت رأسه فاضطجع قليلاً . ثم جلس قليلاً ،
فقال له إنسان من الحاضرين : يا سيدي قد أكثر الناس عليك!
فقال : إن هم إلا كالذباب ، ورفع كفه إلى فيه ونفخ ، وقام وقمنا معه حتى خرجنا من دار العدل ، فأُتي بحصان
فركبه ، وتحنك بذؤابته ، فلم أر أحداً أقوى قلباً منه ، ولا أشجع ، ولا أشد بأساً .
ولما أكثروا الشكاية فيه ، والحطّ عليه ، رسم بتسفيره إلى الشّام . فخرج للسفر ليلة الخميس ثامن عشر الشهر ، ثم
ردَّ في يوم الخميس المذكور ، وحُبس بسجن الحاكم في حارة الدَّيلم ليلة الجمعة تاسع شوال ، ولما دخل الحبس
وجد المحابيس في غفلة عظيمة مشتغلين بأنواع من اللّعب يلتهون بها عمّا هم فيه كالشّطرنج والنّرد وغير ذلك ، من
تضييع الصلوات ، فأنكر عليهم أشد الإنكار ، وأمرهم بملازمة الصلاة ، والتوجّه إلى الله بالأعمال الصالحة
والتسبيح والاستغفار والدعاء ، وعلَّمهم من السُّنَّة ما يحتاجون إليه، ورغَّبهم في أعمال البر وحضهم على ذلك ،
حتى صار الحبس مما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيراً من كثير من الزوايا والرُّبط والخوانق والمدارس ، حتى
صار خلق من المحابيس إذا طلعوا يختارون الإقامة عنده ، وبعضهم لا يريد الخروج من الحبس لما حصل له فيه من
الخير . وكثر المتردِّدُون إليه حتى كان الحبس يمتلىء منهم ، فلما كثر اجتماع الناس به في الحبس ساء ذلك أعداءه
وحَصِرت صدورهم ، فسألوا نقله إلى الإسكندرية ، وأرادوا أن يصرفوا قلوب الناس عنه ، وينقطع أثره ، ويأبى الله
إلا أن يرفع ذكره ويجمع قلوب الخلق عليه .
(١) هو: أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي الصوفي . توفي سنة (٧٠٩هـ) . ترجمته في
الدليل الشافي (٧٨/١) .
(٢) في ط : بشروط.

٦٣
أحداث سنة ٧٠٧ هـ
عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء ، فقال له بعضهم : إنَّ الدولة ما ترضى إلا
بالحَبْس ، فقال القاضي : وفيه مصلحة له ، واستناب شمس الدين التُّونسي المالكي وأُذن له أن يحكم
عليه بالحبس فامتنع ، وقال : ما ثبت عليه شيء ، فأذن لنور الدِّين الزَّواوي المالكي فتحيَّر ، فلمَّا رأى
الشَّيخُ توقُّفَهم في حبسه قال : أنا أمضي إلى الحبس وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة ، فقال نور الدّين
الزَّواوي : يكون في موضع يصلح لمثله . فقيل له : الدولة ما ترضى إلا بمسمَّى الحبس ، فأُرسل إلى
حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدِّين ابن بنت الأعزّ(١) حين سجن، وأُذن له أن يكون عندَه من
يخدمه ، وكان ذلك كله بإشارة نصر المَنْبجي لوجاهته في الدولة ، فإنّه كان قد استحوذ على عقل
الجَاشْتَكير الذي تسلطَنَ فيما بعد ، وغيره من رجال الدولة ، والسُّلطان مقهور معه ، واستمرَّ الشيخ في
الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه ، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء
وأعيان الناس ، فيكتب عليها بما يحيِّر العقول من الكتاب والسُّنَّة . ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد
ذلك كله ، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير ، وأكب الناس على الاجتماع به ليلاً ونهاراً .
وفي سادس رجب باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني نظر ديوان المارستانُ(٢) عوضاً عن يوسف
العجمي توفّي ، وكان محتسباً بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البُصْراوي(٣) قبل هذا بستَّة أشهر ،
وكان العجمي موصوفاً بالأمانة .
وفي ليلة النصف من شعبان أَبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بدعة ، وصين الجامع من الغوغاء
والزّعاع ، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة .
وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخِزَانة عوضاً عن شمس الدين
الخطيري(٤) مضافاً إلى ما بيده من الحِسْبة .
ووقع في أواخر رمضان مطر قويٌّ شديدٌ ، وكان الناس لهم مدّة لم يُمطروا ، فاستبشروا بذلك ،
ورَخُصت الأسعارُ ، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلَّى من كثرة المطر ، فصلُّوا بالجامع ، وحضر
نائبُ السلطنة فصلَّى بالمقصورة .
وخرج المحمل(٥)، وأمير الحج عامَئذٍ سيفُ الدّين بَلَبَانُ البَدريُّ النََّريّ(٦).
(١) هو : أبو القاسم عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب ، ولي الوزارة مع القضاء ثم استعفى
من الوزارة ، امتحن على يد شمس الدين بن السلعوس، ثمّ نجّاه الله. مات سنة (٦٩٥هـ) انظر ترجمته في ((فوات
الوفيات)) (٢٧٩/٢) و((النجوم الزاهرة)) (٨٢/٨).
(٢)
في ب : البيمارستان النوري .
(٣)
هو : محمد بن عثمان البصراوي ، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٣هـ) .
هو : عبد القادر بن يوسف . سيأتي في وفيات سنة (٧١٦هـ).
(٤)
(٥)
في ب : المحمل السلطاني .
هو : أحد مقدمي الألوف بدمشق ، حجَّ سنة (٧٠٧هـ) وتوفي يوم عيد الفطر سنة (٧٢٧هـ) .
(٦)

٦٤
وفيات سنة ٧٠٧هـ ـ أحداث سنة ٧٠٨هـ
وفيها حج القاضي شرف الدين البَارزيُّ(١) من حماة .
[ وفي ذي الحجة وقع حريقٌ عظيمٌ بالقرب من الظَّاهرية مبدؤه من الفُرن تجاهها الذي يقال له : فرن
الصُّوفية (٢) ثم لطف الله وكف شرها وشررها !٣)
قلت : وفي هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد ، وكان أول ما سكنًا بدرب
سَقُول(٤) الذي يقال له : درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطُّوريين(٥) ، ونسأل الله حسن العاقبة
و الخاتمة آمین
وممَّن توفي فيها من الأعيان :
الأمير رُكن الدين بِيْبَرْس: العَجَميّ الصالحيّ(٦)، المعروف بالجَالِقِ، كان رأس نوبه(٧) الجِمْداريّة
في أيام الملك الصالح نجم الدين أَيّوب وأمَّره الملك الظاهر . وكان من أكابر الدولة كثير الأموال ، توفي
بالزّملة لأنّه كان في قسم إقطاعه في نصف جمادى الأولى ، ونقل إلى القُدْس فدُفن به .
الشَّيخ صالح الأَحمدي الرفاعي(٨): شيخ المُنَبِعُ(٩) ، وكان التَّتر يكرمونه لمّا قدموا دمشق ، ولما
جاء قُطْلُوشاه نائب النَّتر نزل عنده ، وهو الذي قال الشيخ تقي الدين بن تيمية حين تناظرو(١٠) بالقصر:
نحنُ ما ينفُق حالنا إلا عند التتر ، وأمّا عند الشرع فلا .
ثم دخلت سنة ثمان وسبعمئة
استهلّت [ والخليفة المستكفي وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون ، ونوابه
وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون في السنة التي قبلها ] ، والشيخ تقيُّ الدين قد
أُخرج من الحَبْس ، والنَّاس قد عكفوا عليه زيارة وتعلُّماً واستفتاءً وغير ذلك .
هو : هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم ، وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٧هـ) .
(١)
في ط : العَوتيّة ، وهو توهم .
(٢)
(٣)
ليست في ب .
في ط : سَقُّور . وهو عند الصَّاغة العتيقة ، وسيذكره المؤلف مرة ثانية في أحداث سنة (٧١٠هـ) .
(٤)
في ط : الطوريين، وهو تصحيف. وما أثبتاه موافق لما في الدارس (٢/ ٧) .
(٥)
(٦)
ترجمته في: الدرر الكامنة (٥٠٨/١) والنجوم الزاهرة (٢٢٧/٨).
وفيه : ( الجَالِقُ : لفظُ تركي ، اسمٌ للفرس الحادِّ المزاج ، الكثير اللعب ) .
(٧)
ليست في ط .
(٨)
ترجمته في: الدرر الكامنة (٢٠١/٢ -٢٠٢) والدليل الشافي (٣٥٢/١). وفيهما : صالح بن عبد الله البطائحي.
في ط : المينبع .
(٩).
(١٠) زيادة في ب .

٦٥
أحداث سنة ٧٠٨ هـ
وفي مستهل ربيع الأول أَفرج عن الأمير نجم الدّين خَضِر بن الملك الظّاهرُ(١)، فأخرج من البرجُ(١)
وسكن دار الأَفْرَمُ(٣) بالقاهرة، ثم كانت وفاته في خامس رجب من هذه السَّنة .
وفي أواخرٍ جُمادى الأولى تولَّى نظر ديوان ملك الأمراء زينُ الدِّين الشّريف ابن عدنان عوضاً عن ابن
الزملكاني ، ثم أُضيف إليه نظرُ الجَامع أيضاً عوضاً عن ابن الخطيري، وتولَّى نجمُ الدّين الدمشقي(٤) نظرً
الأيتام عوضاً عن نجم الدين بن هلال(٥)
وفي رمضانَ عُزِل الصَّاحبُ أمين الدين الدقاقي(٦) عن نظر الدّواوين بدمشقَ وسافر إلى مصرَ.
وفيها عَزَل كمالُ الدّين بن الشَّرَيْشي(٧) نفسَه عن وكالة بيت المال، وصمَّم على الاستمرار على
العزل ، وعُرض عليه العَودُ فلم يقبل ، وحُمِلت إليه الخِلعة لمّا خُلع على المباشرين فلم يلبسها ، واستمرَّ
معزولاً إلى يوم عاشوراء من السَّنة الآتية ، فجُدِّد تقليدُه وخُلع عليه في الدَّولة الجديدة .
وفيها خرج السُّلطا(٨) الناصر محمّد بن قلاوون من الديار المصرية قاصداً الحج، وذلك في
السادس والعشرين من رمضانَ ، وخرج معه جماعةٌ من الأمراء لتوديعه فردَّهم ، ولما اجتاز بالكَرَك
عَدَل إليها فنُصب له الجسرُ ، فلما توسَّطه كُسر به ، فسلم من كان أمامه وقفز به الفرسُ فسلم ،
وسقط من كان وراءه وكانوا خمسينَ ، فمات منهم أربعة ، وتهشَّم أكثرهم في الوادي الذي تحت(٩) ،
وبقي نائبُ الكَرَك الأمير جمالُ الدين آقوشُ(١٠) خَجِلاً يتوهّم أن يكون هذا يظنُّه السلطان عن قصد ،
وكان قد عمل للسُّلطان ضيافةً غرِم عليها أربعةَ عشرَ ألفاً ، فلم يقع الموقع لاشتغال السلطان بهم
وما جرى له ولأصحابه ، ثم خلع على النّائب ، وأذن له في الانصراف إلى مصرَ فسافر ، واشتغل
السلطان بتدبير المملكة في الكَرَك وحدَها ، وكان يحضر دارَ العدل ويباشر الأمورَ بنفسه ،
(١) كان الناصر سجنه سنة (٦٩٨ هـ) عوده من الحج. الدرر الكامنة (٢/ ٨٣) النجوم الزاهرة (٢٢٩/٨).
هو : برج القلعة .
(٢)
دار عز الدين أيبك بن عبد الله الأفرم ، أمير جاندار الملك الظاهر والملك السعيد والملك المنصور قلاوون النجوم
(٣)
الزاهرة (٨٠/٨).
في ط : ابن الدمشقي . وسيأتي ذكره في وفيات سنة (٧٢٦هـ).
(٤)
هو : علي بن محمد بن هلال الأزدي ، توفي سنة (٧٢٩هـ). الدارس (١٦٨/١) شذرات الذهب (٩١/٦).
(٥)
في ط وب : الرفاقي . وهو أبو بكر بن عبد العظيم أمين الدين الدقاقي المصري الكاتب سيأتي في وفيات سنة
(٦)
(٧١٠هـ).
هو : أحمد بن محمد بن أحمد الشريشي الوائلي . وسيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ) .
(٧)
(٨)
في ط : الملك .
(٩) في ط : تحت الجسر .
(١٠) هو: آقُش الأشرفي، جمال الدين البرناق ، المعروف بنائب الكرك. مات سنة (٧٣٦هـ) في الاسكندرية معزولاً
محبوساً . الدرر الكامنة (٣٩٥/١) النجوم الزاهرة (٣١٠/٩).

٦٦
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير
وقدمت عليه زوجُهُ(١) من مصرَ ، فذكرت له ما كانوا فيه من ضيق الحال وقلَّة النفقات (٢).
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير(٣)
لما استقر الملك النَّاصرُ بالكَرَك وعزم على الإقامة بها كتب كتاباً إلى الديار المصريّة يتضمَّنُ عَزِلَ نفسه
عن المملكة ، فأُثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نُقِّذَ على قضاة الشام ، وبويع الأمير ركن الدين بِيْبَرْس
الجَاشْتَكير، بالسّلطنة (٤) في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر ، بدار الأمير سيف الدين
سلاَّر ، اجتمع بها أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر ، ثمَّ ركب إلى القلعة
ومَشَوْا بين يديه ، وجلس على سرير المملكة بالقلعة ، ودُقّت البشائر وسارت البريدية بذلك إلى سائر
البلدان (٥) .
وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدّين البغدادي(٦) إلى دمشق فاجتمع بنائب السَّلطنة والقضاة
والأمراء والأعيان بالقصر الأَبْلق ، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى أهل مصر ، وأنَّه قد نزل عن الملك
وأعرض عنه ، فأثبته القُضَاة وامتنع الحنبلي(٧) من إثباته وقال: ليس أحد يتركُ الملك مختاراً، ولولا أنه
مضطهد ما تركه ، فعُزِل وأَقيم غيرُه(٨) ، ثم استحلفهم للسلطان الملك المظفَّر ، وكتبت العلامة على
القلعة ، وألقابه على محالّ المملكة، ودُقت البشائر ، وزُيِّنت البلد ، ولما قرىء كتاب الملك الناصر
على الأمراء بالقصر ، وفيه : إني قد صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقام بالكَرَك ، تباكى جماعةٌ
من الأمراء وبايعوا كالمُكرهين .
وتولى مكان الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الجاشنكير الأمير سيف الدين ترغلي(٩)، ومكان ترغلي(١٠)
(١) في ط ، وب، وأ: زوجته . والصّواب لغةً ما أثبتناه.
الخبر في النجوم الزاهرة (٢٢٩/٨) وبدائع الزهور (٤٢٢/١) وشذرات الذهب. أحداث سنة (٧٠٩هـ).
(٢)
(٣)
في ط : بشيخ المنبجي عدو ابن تيمية . ولا معنى لها في هذا الموضع .
(٤)
في ط : في السلطنة .
الخبر في النجوم الزاهرة (٨/ ٢٣٢) وبدائع الزهور (٤٥٣/١).
(٥)
(٦) عز الدين أيبك البغدادي المنصوري. النجوم الزاهرة (٢٣٥/٨) أما في الدرر فقد ذكر وفاته سنة (٧٠٣هـ). ولعلّ
ذلك توهم . فليحرر .
(٧) هو : سليمان المقدسي . سبق ذكره .
(٨) عزاءً بالقاضي شهاب الدين بن الحافظ. الدرر الكامنة (١/ ١٢٠) الدارس (٣٧/٢).
(٩) في ط : بن علي .
(١٠) في ط : ترعكي . وهو السابق نفسه.

٦٧
وفيات سنة ٧٠٨هـ
سيف الدين بِتْخَاص(١)، ومكان بِتْخَاص الأمير جمال الدين آقوش(٢) الذي كان نائب الكَرَك، وخُطب
للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق وغيرها ، [ وحضر نائب السلطنة الأفرم والقضاة ، وجاءت الخلع
وتقليد نائب السلطنة في تاسع عشر ذي القعدة (٣) .
وقرأ تقليدَ النائب كاتبُ السرّ القاضي محيي الدين بن فضل الله (٤) بالقصر بحضرة الأمراء ، وعليهم
الخلعُ كلّهم . وركب المظفَّر بالخِلعة السوداء الخليفيَّة ، والعِمَامة المدوَّرة ورجال الدَّولة بين يديه ،
عليهم الخِلعُ يوم السبت سابع ذي القعدة ، والصَّاحب ضياء الدين النشاي(٥) حامل تقليد السُّلطان من جهة
الخليفة في كيس أطلس أسود .
وأَوّله ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ النمل: ٣٠].
ويقال : إنّ خلع في القاهرة قريب ألف خِلعة ومِئتي خِلعة ، وكان يوماً مشهوداً ، [ وفرح بنفسه أياماً
يسيرة، وكذا شيخُه والمَنْبجيّ، ثمَّ أزالَ الله عنهما نعمتَه سريعاً }(٦) .
وفيها خطب ابنُ جماعة (٧) بالقلعة ، وباشر الشيخ علاء الدين القُونوي (٨) تدريس الشَّريفية (٩).
وممّن توفي فيها من الأعيان :
الشَّيخ الصَّالِح عثمان الحلبوني (١٠) : أصلُه من صعيد مصرَ ، فأقام مدة بقرية حلبون وغيرها من
(١) في ط: بنخاص، وكذلك في الدرر الكامنة (١/ ٤٧٢). والذي في النجوم الزاهرة (٨/ ٢٣٢): بتخاص موافق لما
في أ .
وهو : بتخاص المنصوري ، كان من الرّحبة ، ثم كان من أمراء دمشق ، ثم ولّ صفد سنة ٦٧٩ هـ وعاد إلى القاهرة
وولّى بها إمرةً في أول سلطنة بيبرس ، وسجن بعد أن قام على الناصر ، ومات في الكرك مسجونا سنة (٧١١هـ) .
(٢) جمال الدين آقوش الرُّومي المنصوري ، كان من أمراء التقدمة في أيام الناصر ، فلما تسلطن المنظف بيبرس كان في
خدمته ، غدر به مماليكه فقتلوه غيلة سنة (٧٠٩هـ)، وهو غير المذكور قريباً، وسيذكر في وفيات سنة (٧٠٩هـ).
(٣) ليست في ب .
(٤) هو: يحيى بن فضل الله، تقلب في كتابة السرّ بين دمشق والقاهرة، وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٨هـ).
في ط ، وأ: النساي. وأثبتنا ما في ب، بدائع الزهور (٤٢٣/١) .
(٥)
(٦) ليست في ب .
(٧) هو : محمد بن إبراهيم بن سعد .
هو : علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي ، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٩هـ).
(٨)
تقع عند حارة الغرباء ، ذكرها النعيمي في الدارس (٣١٦/١) وقال بدران في منادمة الأطلال (ص١٠٩): لم يبق
(٩)
لهذه المدرسة عين ولا أثر .
(١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٤٤٢) وفيها وفاته في بعلبك، والشذرات (١٦/٦) وما فيه موافق لما هاهنا.
أقول : وفي برزة قبر يعرف بقبر الشيخ عثمان ، وفي معربا : مقام بهذا الاسم ، لعله كان يلجأ إليه للراحة في طريقه
من حلبون إلى دمشق وبالعكس .

٦٨
أحداث سنة ٧٠٩هـ
تلك الناحية ، ومكثَ مدة لا يأكل الخبز ، واجتمع عليه جماعةٌ من المريدين وتوفي بقرية برزة(١) فى
أواخر المحرَّم ، ودُفن بها ، وحضر جنازَته نائبُ الشّام والقضاة وجماعة من الأعيان .
الشَّيخ الصَّالح: أبو الحسن علي بن محمد بن كثير الحرّاني(٢) الحَنْبلي إِمام مسجد عطيّة ، ويعرف
بابن المقرىء ، روَى الحديثَ ، وكان فقيهاً بمدارس الحنابلة .
ولد بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة ، وتوفي بدمشقَ في العشر الأخير من رمضان ، ودُفن بسفح
قاسيون .
وتوفي قبله الشيخ زين الدين الحرَّاني(٣) بغزَّة، وعَمل عزاؤُه بدمشقَ. رحمهما الله .
السّيد الشَّريف زَيْنِ الدّين: أبو علي الحُسَينُ(٤) بن محمد بن عدنان الحُسَيني(٥) نقيب الأشراف ،
كان فاضلاً بارعاً فصيحاً متكلماً ، يعرف طريقة الاعتزال ويباحث الامامية ، ويناظر على ذلك بحضرة
القضاة وغيرهم ، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر الجامع ونظر ديوان الأفْرم ، توفي يوم الخامس من ذي
القعدة عن خمسٍ وخمسينَ سنةً ، ودُفن بتربتهم بباب الصغير .
الشَّيخ الجليل ظهير الدين : أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل بن مَنْعَةَ البغدادي(٦) ،
شيخُ الحَرَم الشّريف بمكّة بعد عمه عفيف الدّين منصور بن منعة ، وقد سمع الحديث ، وأقام ببغداد مدة
طويلة ، ثم سار إلى مَّة ، بعد وفاة عمه، فتولَّى مشيخة الحرم إلى أن توفي بها(٧) .
ثم دخلت سنة تسع وسبعمئة
استهلّت وخليفةُ الوقت المستكفي أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي ، وسلطان البلاد الملك
المظفَّر ركن الدين بِيْبَرْس الجَاشْتَكِير، ونائبُه بمصرَ الأمير سيف الدين سلاَّر، وبالشامُ(٨) آقوش الأَفْرم،
وقضاةُ مصرَ والشَّام هم المذكورون في التي قبلها .
(١)
في ط : برارة .
(٢)
لم أقع له على ترجمة فيما بين يديّ من الكتب .
في ب : أمين الدين بن سقر الحراني . لم أقع له على ترجمة .
(٣)
في ط ، أ الحسن ، وأثبتنا ما في ب والدرر الكامنة (٦٩/٢) وكذلك في الدارس (٤٩٥/١).
(٤)
(٥)
ترجمته في الدرر الكامنة (٦٩/٢) والدارس (٤٩٥/١) ومواضع متفرقة منه .
ترجمته في شذرات الذهب (١٧/٦) وفيها : توفي بالمَهْجَم من نواحي اليمن ، عن بضع وسبعين سنة .
(٦)
((والمَهْجَمُ )): بلد وولاية من أعمال زَبيد باليمن. انظر ((ياقوت)).
ليست في ط ، ولا في ب . ولعلّه أراد بها ، أي في المشيخة .
(٧)
في ب . جمال الدين .
(٨)

٦٩
أحداث سنة ٧٠٩ هـ
وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبةً أمير مُقَدّم ،
فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسّع الأكناف ، فكان الناس يدخلون عليه [ ويشتغلون في
سائر العلوم }١) ، ثم كان بعد ذلك يحضر الجُمُعَات ، ويعمل المواعيد على عادته في الجامع ، [ وكان
دخوله إلى الاسكندرية يوم الأحد ، وبعد عَشْرةِ أيَّام وصل خبره إلى دمشقَ ، فحصل عليه تألُّم وخافوا عليه
غائلة الجاشْتَكير وشيخه المَنْبجي ، فتضاعف له الدُّعاء ، وذلك أنهم لم يمكِّنوا أحداً من أصحابه أن يخرج
معه إلى الإسكندرية، فضاقت له الصُّدور، وذلك أنّه تمكَّن منه عدؤُه نصرٌ المنَجي (٢) . وكان سبب
عداوته له أنَّ الشيخ تقي الدّين كان ينال من الجاشْتَكير ومن شيخه نَصْرِ المَنْبجي ، ويقول : زالت أيامه
وانتهت رياسته ، وقَرُب انقضاءُ أجله ، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه ، فأرادوا أن يسيروه إلى
الإسكندرية كهيئة المنفي ، لعل أحداً من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيْلةُ(٣) ، فما زاد ذلك الناس إلا محبة
فيه وقرباً منه، وانتفاعاً به ، واشتغالًا عليه، وحُنُوّاً وكرامةً له .
[ وجاء كتابٌ من أخيه (٤) يقول فيه : إنَّ الأخَ الكريم قد نزل بالثّغر المحروس على نيّة الرّباط، فإنّ
أعداءَ الله قصدوا بذلك أموراً يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله ، وكانت تلك كرامةً في حقّنا ، وظنوا
أنَّ ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ ، فانقلبت عليهم مقاصدُهم الخبيثة ، وانعكست من كل الوجوه ،
وأَصَبَحُوا وأَمْسَوْا وما زالوا عند الله وعند النّاس العارفين سودَ الوُجوه، يتقطَّعون حسراتٍ وندماً على
ما فعلوا ، وانقلبَ أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلينَ عليه ، مُكرمين له ، وفي كل وقت ينشرُ من كتاب
الله وسنَّة رسوله ما تَقَرُّبِهِ أعينُ المؤمنين ، وذلك شجىٌ(٥) في حلوق الأعداء، واتّفق أنّه وجد بالإسكندرية
إبليسَ قد باضَ فيها وفرَّخَ ، وأضلَّ بها فرق السَّبْعينيَّةُ(٦) والعربيّة(٧) ، فمزق الله بقدومه عليهم شملَهم ،
وشَّت جموعَهم شَذَرَ مَذَرَ ، وهتكَ أستارهم وفَضَحهم ، واستتاب جماعةً كثيرةً منهم ، وتؤَّبَ رئيساً من
رؤسائهم ، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصِّهم من أمير وقاض وفقيه ، ومفتي وشيخ وجماعة
المجتهدين ، إلا من شَذَّ من الأغْمَار الجُهَّال، مع الذِّلَّة والصَّغار - محبةُ الشَّيخ وتعظيمُه وقَبولُ كلامه
ليست في ب . بل فيها : ويبحثون معه .
(١)
(٢)
ليست في ب .
في ب : فيستريحوا منه .
(٣)
يعني : شرف الدّين عبد الله بن عبد الحليم .
(٤)
((الشَّجَى)): ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه . القاموس .
(٥)
نسبة إلى عبد الحق بن إبراهيم أبو محمد قطب الدين المعروف بابن سبعين . مات سنة (٦٦٩ هـ) وقيل (٦٦٨ هـ) في
(٦)
مكة المكرمة بعد أن فصد يديه وترك الدم يخرج حتّى تصفّى ، قال الذهبي - رحمه الله - واشتهر عنه أنه قال : لقد
تحجَّر ابن آمنة واسعاً بقوله: ((لا نبيَّ بعدي)). فإن كان قال هذا، فقد خرج به من الإسلام. العبر (٢٩١/٥) وفيه
وفاته سنة (٦٦٩ هـ) ، وفوات الوفيات (٢/ ٢٥٣) وفيه وفاته سنة (٦٦٨ هـ) .
(٧) ((العربيّة)): نسبة إلى الشيخ محيي الدين بن عربي.

٧٠
أحداث سنة ٧٠٩هـ
والرُّجوعُ إلى أمره ونهيه ، فعلَتْ كلمةُ الله بها على أعداء الله ورسوله ، ولُعِنوا سراً وجهراً وباطناً وظاهراً ،
في مجامع الناس بأسمائهم الخاصّة بهم ، وصار ذلك عند نصر المَنْبجي القيمَ المُقيم ، ونزل به من الخوف
والذُّلِّ ما لا يعبّر عنه، وذكر كلاماً كثيراً }(١)
والمقصودُ أنَّ الشَّيخَ تقي الدين أقامَ بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيماً بُبُرجِ متَّسعٍ مليح نظيفٍ ، له
شبّاكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة ، وكان يدخل عليه من شاء ، ويتردد إليه الأكابرُ
والأعيانُ والفقهاءُ ، يقرؤون عليه ويستفيدون منه ، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر .
وفي آخر ربيع الأول عزل الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلكاني عن نظر المارستان(٢) [ بسبب انتمائه إلى
ابن تيمية بإشارة المنبجي }٣) ، وباشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيري .
وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولّى قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الإمام الحافظ سعد الدين
أبو محمود٤) مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد(٥) الحارثي ، شيخ الحديث بمصر ، بعد وفاة القاضي
شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني .
وفي جمادى الأولى برزت المراسيم السلطانية المظفَّرية إلى نوّاب البلاد السَّاحليةُ(٦) بإبطال الخمور ،
وتخريب الحانات ، ونفي أهلها ، ففُعل ذلك ، وفرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً .
وفي مستهل جمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن
شرف(٧) الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي ، عوضاً
عن التَّي سُليمان بن حمزة بسبب تكلُّمه في نزول الملك النّاصر عن الملك ، وأنّه إنّما نزل عنه مضطهداً
بذلك ، ليس بمختار ، وقد صدق فيما قال .
وفي عشرين جمادى الآخرة وصل البريد بولاية شدِّ الدواوين للأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب (٨) ،
عوضاً عن الرُّسْتُمي٩ُّ) فلم يقبل، وبنظر الخِزَانة للأمير عزّ الدين أحمد بن الزَّين١٠ُ) محمد بن أحمد بن
(١)
ليست في ب .
كان تولاه سنة (٧٠٧هـ) كما تقدَّم .
(٢)
(٣)
ليست في ب .
في ب : أبو محمد ، وكذلك هو في الشذرات (٢٩/٦).
(٤)
في ط وأ: زين الدين. والتصويب من ب والنجوم الزاهرة (١٣٥/٧ و٢٢١/٩).
(٥)
(٦)
في ط : إلى البلاد السواحلية .
(٧)
في ط : شريف .
سيأتي في وفيات سنة (٧٢٩هـ) . وهو : بكتمر بن عبد الله الحسامي .
(٨)
(٩)
هو : جمال الدين آقوش الرستمي . وسيأتي في وفيات هذه السَّنة .
(١٠) في ط : زين الدّين. وكلها بمعنى واحد. وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٦هـ).

٧١
أحداث سنة ٧٠٩هـ
محمود المعروف بابن القَلاَنسي ، فباشرها١) وعزل عنها البصراوي محتسب البلد .
وفي هذا الشهر باشر قاضي القضاة٢) ابن جماعة مشيخة سعيد السُّعداء بالقاهرة بطلب الصُّوفية له ،
وَرَضُوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرةً واحدة ، وعُزل عنها الشيخ كريم الدين الآمُلي(٣) لأنَّه عزل
منها الشُّهود ، فثاروا عليه ، وكتبوا في حقه محاضرَ بأشياء قادحة في الدّين ، فرُسم بصرفه عنهم ،
وُومل بنظير ما كان يعامل به النّاس ، ( ومن جملة ذلك قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية وافتراؤه
عليه الكذبَ ، مع جهله وقلة ورعه ، فعجّل الله له هذا الخزي على يدي أصحابه وأصدقائه جزاءً
وفاقاً }(٤)
وفي شهر رجبٍ كَثُر الخوفُ بدمشقَ وانتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها ، وسبب ذلك أنَّ السلطانَ
الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكَرَك قاصداً دمشقَ يطلب عودَه إلى الملك، وقد مالاًهُ جماعةٌ
من الأمراء وكاتبوه في الباطن وناصحوه ، وقفز إليه جماعة من أمراء المصريين ، وتحدَّث النَّاسُ بسفر
نائب دمشق الأَفْرم إلى القاهرة ، وأن يكون مع الجمِّ الغفير، فاضطرب النّاسُ ولم تفتح أبوابُ البلد إلى
ارتفاع النهار ، وتخبَّطت الأمور ، فاجتمع القضاة وكثيرٌ من الأمراء بالقصر وجددوا البيعة للملك
المظفَّرُ(٥)، وفي آخر نهار السبت غلَّقت أبوابُ البلد بعد العصر وازدحم الناس بباب النصر وحصَلَ لهم
تعبٌ عظيم ، وازدحم البلد بأهل القرى وكثر الناس بالبلد ، وجاء البريد بوصول الملك الناصر إلى
الخَمَّانِ(٦) ، فانزعجَ نائبُ الشّام لذلك، وأظهر أنه يريد قتاله ومنعه من دخول البلد ، وقفز إليه الأميران
ركن الدين بِيْبَرس المجنون (٧) ، وبِنْبَرْس العلميّ(٨)، وركب إليه الأمير سيف الدين بَكْتَمُر حاجب الحجّاب
يشير عليه بالرجوع ، ويخبره بأنه لا طاقَةً له بقتال المصريين، ولحقه الأمير سيفُ الدّين بَهَادُرُ(٩) آص يشير
عليه بمثل ذلك ، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأُخْبر أن السلطان الملك الناصر قد عاد
إلى الكَرَك، فسكن الناس ورجع نائبُ السلطنة إلى القصر، وتراجَعَ بعض الناس إلى مساكنهم ،
واستقروا بها.
في ط : فباشرهما .
(١)
(٢)
في ب : بدر الدين .
في ط وأ: الأيكي وقد سبق الحديث عن ذلك. وسيأتي في وفيات سنة (٧١٠هـ).
(٣)
(٤)
ليست في ب .
في ب : لصاحب الملك المظفّر .
(٥)
((الخَمَّان)) : من نواحي البشَنَيه من أرض الشّام، وهي بين دمشق وأذرعات. ياقوت .
(٦)
(٧)
هو أحد الأمراء بدمشق مات سنة (٧١٥هـ) .
وفي الدرر الكامنة (٥٠٩/١): العلائي، وفاته سنة (٧١٢هـ) بالكَرَك .
(٨)
(٩) في ط : بهادر . وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٠هـ).

٧٢
صفة عود المُلْكِ إلى المَلِك الناصر بن الملك المنصور قلاوون
صفة عود المُلْكِ إلى المَلِكِ الناصر بن الملك المنصور قلاوون(١)
[ وزوال دولة الملك المظفّر الجاشْتَكير بيبرس وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي (٢)
لما كان ثالثَ عشَر شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق ، فساق إليه الأميران سيف الدين
قُطْلُوبَك والحاجِ بَهَادُر إلى الكَرَك ، وحضّاه على المجيء إليها ، واضطرب نائبُ دمشق وركبَ في جماعةٍ
من أتباعه على الهِجْن في سادسَ عشرَ شعبان ومعه ابن صُبْح صاحب(٣) شَقِيْفٍ (٤) أَزْنُونَ ، وهُيِّئت بدمشقَ
أُتَهُ السَّلطنة والإقامات اللائقة به ، والعصائب(٥) والكوسات، وركب من الكَرَك في أُبَّهة عظيمة ،
وأرسل الأمان إلى الأَفْرم ، ودعا له المؤذِّنون في المئذنة ليلة الإثنين سابع عشر شعبان وضحَّ الناس(٦)
بالدعاء له والسرور بذكره ، ونُودي في الناس بالأمان ، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم ، وشرع
النّاسُ في الزينة ، ودقت البشائر ، ونام الناس في الأسطحة ليلةَ الثلاثاء ليتفرَّجوا على السلطان حين يدخل
البلد ، وخرج القضاة ، والأمراء والأعيان لتلقيه .
قال كاتبه ابن كثير : وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أَبَّهة عظيمة وبُسط له من عند
المصلّى(٧) وعليه أُبَّهة الملك، وبسطت الشِّقاق الحرير تحت أقدام فرسه ، كلما جاوز شقة طويت من
ورائه، والجَتر(٨) على رأسه والأمراء السِّلَحْدارية عن يمينه وشماله ، وبين يديه ، والناس يدعون له
ويضجُّون بذلك ضجيجاً عالياً ، وكان يوماً مشهوداً .
قال الشيخ علم الدين البِرْزالي: وكان على السلطان يومئذٍ عمامة بيضاءُ، وكلوته (٩) حمراء ، وكان
الذي حمل الغاشية على رأس السُّلطان الحاج بَهَادُر ، وعليه خِلعةٌ معظّمة مذهَّبة بفرو فاخم . ولما وصل
إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليه نائبها الأمير سيف الدين السنجري، فقبّل الأرض بين يديه، فأشار إليه
(١) الخبر في: فوات الوفيات (٣٥/٤) والدرر الكامنة (١٤٦/٤) والنجوم الزاهرة (٢٤٥/٨) وبدائع الزهور (٤٣١/١).
(٢)
ليست في ب .
هكذا في ط وب وأ: ((ابن صبح)) وكذا هو في السلوك وعقد الجمان للعيني ، ووقع في النجوم الزاهرة ٨/ ٢٦٥ :
(٣)
صبيح بزيادة ياء ، وما أثبتناه هو الأصوب إن شاء الله .
(٤) ((الشّقيف)): كأمير: وهو كالكهف، أضيف إلى رجل رومي أو إفرنجي، وهو قلعة حصينة جداً في كهف من
الجبل قرب بانياس من أرض دمشق بينها وبين الساحل . ياقوت والتاج ( شقف ) .
(٥)
في النجوم الزاهرة (٢٦٥/٨): الجَتْر.
(٦)
في ط : وصبح بالدعاء .
(٧)
في ب إلى القلعة. والمصلَّى: هو مُصَلَّى العيد خارج باب الجابية .
في ط : الجد .
(٨)
(٩) في ط : كاوثة .

٧٣
صفة عود المُلّكِ إلى المَلِك الناصر بن الملك المنصور قلاوون
إني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القَصْر الأبلق والأمراء بين يديه، فخُطب له يوم الجمعة(١) .
وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر وصل الأمير جمال الدين آقوش الأَفْرم نائب دمشق
مطيعاً للسُّلطان ، فقبّل الأرض بين يديه ، فترجَّل له السلطان وأكرمه ، وأذن له في مباشرة النيابة على
عادته ، وفرح الناسُ بطاعة الأَفْرم له ، ووصل إليه أيضاً الأمير سيف الدين قَبْجَقَ(٢) نائب حماة، والأمير
سيف الدِّين أسَنْدَمُر(٣) نائب طرابلس يوم الإثنين الرابع والعشرين من شعبانَ ، وخرج الناس لتلقِّيهما ،
وتلقاهما السلطان كما تلقى الأَفْرم .
وفي هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة وعوده إلى تقي الدين سليمان(٤)، وهنَّأة الناس
وجاء إلى السلطان إلى القصر فسلّم عليه ومضى إلى الجَوْزيّة(٥) فحكم بها ثلاثة أشهر .
وأقيمت الجمعة الثانية بالمَيْدان(٦) وحضر السُّلطان والقضاة إلى جانبه ، وأكابرُ الأمراء والدولة ،
وكثير من العامة .
وفي هذا اليوم(٧) وصل إلى السلطان الأمير قَرَاسُنْقر المنصوري نائبُ حلب .
وخرج دهليز السلطان يوم الخميس رابعَ رمضانَ ومعه القضاة والقرّاء وقت العصر ، وأقيمت الجمعة
خامس رمضان بالميدان أيضاً ، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان ، وفي صحبته ابن
صَصْرَى وصدرُ الدين الحنفي قاضي العساكر ، والخطيب جلال الدين ، والشيخ كمال الدين بن
الزملكاني ، والموقِّعون وديوان الجيش وجيشِ الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه وأقاليمه بِنُؤَّا به
وأمرائه ، فلما انتهى السلطان إلى غَزَّة دخلها في أبهة عظيمة ، وتلقاه الأمير سيف الدين بَهَادُر هو وجماعةٌ
من أمراء المصريين ، فأخبروه أن الملك المظفَّر قد خلع نفسه من المملكة ، ثم تواتر قدوم الأمراء من مصر
إلى السلطان وأخبروه بذلك، فطابت قلوبُ الشَّاميين واستبشروا بذلك ودقت البشائر(٨) وتأخَّر مجيء
البريد بصورة ما جرى(٩)، واتّفق في يوم هذا العيد أنّه خرجَ نائبُ الخطيب الشيخ تقي الدين الجزري(١٠)
(١) في ب : ودعا له الناس .
سيأتي في وفيات سنة (٧١٠هـ) .
(٢)
(٣)
في ط : أستدمر .
(٤)
في ب : وخلع عليه .
تقع في سوق القمح، بالقرب من الجامع، أنشأها محيي الدين بن الجوزي. المتوفّى سنة (٦٥٦ هـ) الدارس (٢٩/٢).
(٥)
(٦)
في ب : الأخضر . ويعرف بالميدان الكبير ، وميدان القصر الأعلى ، وميدان المرج الأخضر .
(٧)
في ب : بعد العصر .
(٨)
ليست في ب .
(٩) في ط : الناصري .
(١٠) هو : ثابت بن عمر بن الشيخ الجزري ، سيأتي في وفيات سنة (٧١٣هـ).

٧٤
صفة عود المُلْكِ إلى المَلِك الناصر بن الملك المنصور قلاوون
المعروف بالمقصَّاتي (١) في السناجق إلى المصلّى على العادة ، واستناب في البلد الشيخ مجد الدين
التُّونُسي (٢) ، فلمّا وصلوا إلى المصلّى وجدوا خطيبَ المُصلّى قد شرع في الصَّلاة فنُصبت السناجقِ في
صحن المصلّى وصلّى بينهما تقي الدين المقصَّاتي ثمَّ خطب، وكذلك فعل ابن حسَّانُ(٣) داخل المُصلَّى ،
فعقد فيه صلاتان وخطبتان يومئذ ، ولم يتفق مثل هذا فيما نعلم .
وكان دخولُ السُّلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخرَ يوم عيد الفطر من هذه السنة ، ورسم
لسلاَّ (٤) أن يسافرَ إلى الشَّوْبَك(٥)، واستنابَ بمصرَ الأميرَ سيف الدين بَكْتَمُر الجَوْكَنْدار(٦) الذي كان نائبَ
صَفَدٍ .
وبالشّام الأمير قَرَاسُنْقر المنصوري (٧) ، وذلك في العشرين من شوال ، واستوزر الصّاحب فخر الدين
ابن الخليلي بعدها بيومين(٨)، وباشر القاضي فخر الدين(٩) كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء
الدّين عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفَّر الحِلِّي١٠ُّ) ، توفي ليلة الجمعة عاشر شوال ، وكان من صدور
المصريين وكبار الأعيان(١١) ، وقد روى شيئاً من الحديث ، وصُرف الأميرُ جمالُ الدّين آقوش الأَفْرم
إلى نيابة صَرْخَد، وقدم إلى دمشق الأميرُ زَين الدّين كَتْبُغَا رأس نوبة الجمدارية [ في عشرين شوال
على (١٢) شد الدواوين، وأستاذ دار الأستادارية عوضاً عن سيف الدين أَقْبَجَا١٣) ، وتغيَّرت الدولة ،
وانقلبت قلبة عظيمة .
قال الشيخ علم الدين البِرْزالي: ولمّا دخل السلطان إلى مصر يومَ عيد الفطر لم يكن له دَأْب إلا طلب
الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية معزّزاً مكرماً مبجّلاً ، فوجّه إليه في ثاني(١٤) يوم من شوال بعد
في ط : المقضاي . وهو تصحيف .
(١)
هو : أبو بكر بن محمد بن قاسم المرسي النحوي الشافعي . مات تحت الضرب سنة (٧١٨هـ) .
(٢)
هو : إمام المصلّى ، حيثُ الخطابة فيهم منذ مدّة. الدارس (٤١٩/٢).
(٣)
(٤)
في ب : لسيف الدين سلار .
هي قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأيلة والبحر الأحمر ، قرب الكرّك . ياقوت .
(٥)
(٦)
هو أمير جندار المنصوري ، قتل في الكرك سنة (٧١٦هـ). الدرر الكامنة (١/ ٤٨٤).
في ب : الأمير شمس الدين . وهو : قراسنقر الجوكندار الجركسي المنصوري ، سيأتي في أحداث سنة (٧٢٨هـ) .
(٧)
سنة وفاته ببلاد التتار .
(٨) هو : عمر بن عبد العزيز بن الحسين ، سيأتي في وفيات سنة (٧١١هـ) .
(٩) هو : صاحب ديوان الجيش. النجوم الزاهرة (٨/ ٢٨١).
(١٠) ترجمته: الدرر الكامنة (٢٤٥/٢) .
(١١) في ط وأ: وأعيان الكبار . وأثبتنا ما في : ب .
(١٢) زيادة من ب .
(١٣) توفي سنة (٧١٠هـ). الدرر الكامنة (٣٩٣/١).
(١٤) في ب : ثامن .

٧٥
صفة عود المُلْكِ إلى المَلِك الناصر بن الملك المنصور قلاوون
وصوله بيوم أو يومين ، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر وخرج مع الشيخ خلق من
الإسكندرية يودِّعُونه ، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقّاه ومشى إليه في مجلس حافل(١) ، فيه
قضاة المصريين والشاميين ، وأصلح بينه وبينهم ، ونزل الشيخ إلى القاهرة ، وسكن بالقرب من مشهد
الحُسين رضي الله عنه ، والناس يتردّدُون إليه ، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر
إليه ويتنصل مما وقع منه ، [فقال: أنا حالَلْتُ كل من آذاني }(٢).
قلت : وقد أخبرني القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس ، وما وقع فيه من
تعظيمه وإكرامه ممّا حصل له من الشّكر والمدح من السلطان والحاضرين من الأمراء ، وكذلك أخبرني
بذلك قاضي القضاة منصور الدين الحنفي ، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلاً ، [ وذلك أنه كان إذا
ذاك قاضي العساكر ، وكلاهما كان حاضراً هذا المجلس ]) ، ذكر لي أنَّ السلطان [ لما قدم عليه الشيخ
تقي الدين بن تيمية ]٤) نهض قائماً للشيخ أوّل ما رآه ، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هنيهة ،
ثم أخذ بيده فذهب به إلى صُفّةُ(٥) فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدّثان ، ثم جاءا ويد الشيخ في يد
السلطان ، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر ، وعن يساره ابن الخليلي الوزير ، وتحته
ابن صَصْرَى ، ثم صدر الدين علي الحنفي ، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السُّلطان على طرف
طرّاحته ، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم ، وأنّهم قد التزموا للدِّيوان
بسبعمئة ألف في كل سنة ، زيادة على الحالية ، فسكت الناس وكان فيهم قضاة مصر والشام وأكابر العلماء
من أهل مصرَ والشَّام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني .
قال ابن القلانسي : وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزّمْلَكاني ، فلم يتكلم أحد من العلماء
ولا من القضاة ، فقال لهم السلطان : ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلّم أحدٌ ، فجثا الشيخ
تقي الدين على ركبتيه ، وتكلّم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ ، وردّ على الوزير ما قاله رداً عنيفاً ،
وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسْكتُه بِرِفْقٍ وتُؤَدة وتوقير . [ وبالغ الشيخ في الكلام وقال
ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ، ولا بقريب منه ]٢٦ ، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك . وقال
للسلطان : حاشاك أن يكونَ أَوَّلُ مجلس جلسته في أُبّهة الملك تَنصُرُ فيه أهلَ الذمة [لأجل حُطام الدنيا
الفانية ، فاذكر نعمة الله عليك إذا ردّ ملكك إليك، وكبت عدوّك، ونصرك على أعدائك ]٧) فذكر أن
في ط : حفل .
(١)
(٢)
ليست في ب .
(٣)
ليست في ب .
ليست في ب .
(٤)
في ط : ثم أخذ معه ساعة إلى طبقة .
(٥)
(٦)
ليست في ب .
ليست في ب .
(٧)

٧٦
صفة عود المُلْكِ إلى المَلِك الناصر بن الملك المنصور قلاوون
الجاشْتَكير هو الذي جدَّد عليهم ذلك ، فقال : والذي فعله الجاشْتَكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائباً
لك ، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك ، وجرت فصول يطول ذكرها . [ وقد كان السلطان
أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين ، بعلمه ودينه وقيامه (١) بالحق وشجاعته ، وسمعت الشيخ تقي الدين
يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لمَّ انفردا في ذلك الشُّبَّاك الذي جلسا فيه ، وأن السلطان استفتى
الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلَّموا فيه ، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة
الجاشْتَكير ، وأنَّهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضاً ، وأخذ يحثُّه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم ، وإنَّما
كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سَعَوْا فيه من عزله ومبايعة الجاشْتَكير ، ففهم الشيخ مرادَ السُّلطان فأخذ في
تعظيم القضاة والعلماء ، وينكرُ أن يُنالَ أحدٌ منهم بسوءٍ وقال له : إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم ،
فقال له : إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً ، فقال الشيخ : من آذاني فهو في حِلِّ ، ومن آذى الله ورسوله
فالله ينتقم منه ، وأنا لا أنتصر لنفسي ، وما زال به حتّى حلُمَ عنهم السلطان وصفح .
قال : فكان (٢) قاضي المالكيَّة ابن مَخْلُوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية ، حَرَّضنا عليه فلم نقدر عليه
وقدر علينا فصفَحَ عنَّا وحاجَجَ عنَّا ، [ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث
العلم ونشره ، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول ، وجاء
الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال : قد جعلت الكل في حل ، وبعث الشيخ كتاباً إلى أهله يذكر
ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير ، ويطلب منهم جملة من كتب العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال
الدين المزي ، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها ، وقال في هذا الكتاب :
والحق كل ما له في علو وازدياد وانتصار ، والباطل في انخفاض وسفول واضمحلال ، وقد أذلَّ الله رقاب
الخصوم ، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه ، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام
والسنة ، وما فيه قمع الباطل والبدعة ، وقد دخلوا تحت ذلك كله، وامتنعنا من قبول ذلك منهم ، حتى
يظهر إلى الفعل ، فلم نثق لهم بقول ولا عهد ، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولًا ،
والمذكور مفعولاً ، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو
سيئاتهم ، وذكر كلاماً طويلاً يتضمن ما جرى له مع السلطان في قَمع اليهود والنّصارى وذلهم ، وتركهم
على ما هم عليه من الذِّلة والصَّغار والله سبحانه أعلم (٣) .
وفي شوال أمسك الشُّلطان جماعةً من الأمراء قريباً من عشرين أميراً(٤) .
وفي سادسَ عشرَ شوّال وقع بين أهل حوران من قَيْس ويمن ، فقتل منهم مقتلةً عظيمة جداً ، قُتِلَ من
في ط : ودينه وزينته .
(١)
(٢)
في ط : وكان .
(٣)
ليست في ب .
(٤) النجوم الزاهرة (٩/ ١٣) وقد ذكر أنهم اثنان وعشرون ، وأورد ثبتاً بأسمائهم .

٧٧
صفة عود المُلْكِ إلى المَلِك الناصر بن الملك المنصور قلاوون
الفريقين نحو من ألف نفس بالقرب من السُّوَيْداء، وهم يسمُونها يومُ(١) السويداء، [ووقعة
الشُّوَيداء (٢) ، وكانت الكَسْرة على يمن ، فهربوا من قيس حتى دخل كثير منهم إلى دمشقَ في أسوأ حال
وأضعفه ، وهربت قيس خوفاً من الدولة ، وبقيت القرى خالية والزروع سائبة . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة قدم الأمير سيف الدين قَبْجَقُ المنصوري [ نائباً على حلب ]٣)
فنزل القصر ومعه جماعةٌ من أمراء المصريين ، ثم سافر إلى حلب بمن معه من الأمراء والأجناد ، واجتاز
الأمير سيف الدين بَهَادُر بدمشقَ ذاهباً إلى نيابة طرابلس(٤) والفتوحات السواحلية عوضاً عن الأمير سيف
الدين أسَنْدَمر(٥) ، ووصل جماعةٌ ممَّن كان قد سافر مع السلطان إلى مصرَ في ذي القعدة منهم قاضي قضاة
الحنفيّة صدر الدين الحنفي ومحيي الدّين بن فضل الله وغيرهما .
قلت : وجلست يوماً إلى القاضي صدر الدين الحنفي بعد مجيئه من مصرَ ، فقال لي : أتحبُّ ابن
تيمية؟ قلت : نعم ، فقال لي وهو يضحك : والله لقد أحببتَ شيئاً مليحاً، وذكر لي قريباً ممّا ذكر ابن
القلانسي ، لكن سياق ابن القلانسي أتمّ .
مقتل الجَاشْتكيري(٦) : كان قد فر الخبيث (٧) في جماعة من أصحابه ، فلما خرج الأميرُ سيف
الدين قَرَاسُنْقُر المنصوري من مصرَ متوجهاً إلى نيابة الشام عوضاً عن الأَفْرم ، فلما كان بغزَّةَ في سابع ذي
القعدة ضرب حلقة لأجل الصيد ، فوقع في وسطها الجاشْتَكير في ثلاثمئة من أصحابه ، فأُحيط بهَم ،
وتفرَّق عنه أصحابه فأمسكوه، ورجع مع قَرَاسُنْقُر وسيف الدين بَهَادُر على الهِجْن، فلما كانوا بالخَطَّارِ﴾(٨)
تلقاهم أسَنْدَمُر فتسلَّمه منهم ، ورجعا إلى عسكرهم ، ودخل به أسَنْدَمُر على السلطان فعاتبه ولامه ، وكان
آخر العهد به ، وقتل ودفن بالقَرَافة ، [ ولم ينفعه شيخه المَنْبجي ولا أمواله ، بل قتل شر قتلة ]٩) .
ودخل قَرَاسُنْقُر دمشقَ يوم الإثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة فنزل بالقصر ، وكان في صحبته
ابن صَصْرَى وابن الزَّمْلَكاني وابن القلانسي ، وعلاء الدين بن غانم ، وخلق من الأمراء المصريين
(١) ليست في ط .
(٢)
ليست في ب .
(٣)
ليست في ب .
في ط : طرابلس نائباً .
(٤)
(٥)
في ط : أستدمر .
((الجاشْنكير)): هو لفظ فارسيٍّ ومعناه: التحدثُ في أمر السُّماط مع الأستادار. صبح الأعشى (٤/ ٢١).
(٦)
وترجمته في: الدرر الكامنة (٥٠٢/١) وابن خلدون (٤٢٢/٥) والنجوم الزاهرة (٢٣٢/٨) وبدائع الزهور
(٤٣٥/١) وشذرات الذهب (١٩/٦).
(٧)
ليست في ب .
في ط : كان. والخطارة : موضع قرب القاهرة من أعمال الشرقية . التاج ( خطر ) .
(٨)
(٩) ليست في ب .

٧٨
وفيات سنة ٧٠٩هـ
والشاميين ، وكان الخطيب جلال الدين القزويني قد وصل قبلهم يوم الخميس الثاني والعشرين من
الشهر ، وخطب يوم الجمعة على عادته ، فلمّا كان يوم الجمعة الأخرى وهو التاسع والعشرون من الشهر
خطب بجامع دمشق القاضي بدر الدين محمد بن عثمان بن يوسف بن حدَّاد الحنبلي(١) عن إذن نائب
السَّلطنة ، وقرىء تقليدُه على المنبر بعد الصَّلاة بحضرة القضاة والأكابر والأعيان ، وخلع عليه عقيب ذلك
خِلعة سنية ، واستمر يباشر الإمامة والخطابة اثنين وأربعين يوماً .
ثم أُعيد الخطيب جلال الدّين (٢) بمرسوم سلطاني ، وباشر يوم الخميس ثاني عشر المحرم من السنة
الآتية .
وفي ذي الحجّة درَّس كمالُ الدين بن الشِّيرازي(٣) بالمدرسة الشّامية البرانية ، انتزعها من يد الشيخ
كمال الدين بن الزملكاني ، وذلك أن أسَنْدَمُر ساعده على ذلك .
وفيها أظهر ملك التتر خَرْبَنْد(٤) الرّفض في بلاده، وأمر الخطباء(٥) أن لا يذكروا في خطبتهم إلا
عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل بيته، ولما وصل خطيبُ باب الأَزَجُ(٦) إلى هذا الموضع من خطبته
بكى بكاءً شديداً، وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة ، فأقيم من أتمَّها عنه ، وصلّى
بالناس وظهر على الناس بتلك البلاد من أهل السنة أهلُ البدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولم يحج فيها أحد من أهل الشام بسبب تخبيط الدولة وكثرة الاختلاف(٧) .
وممّن توفي فيها من الأعيان :
الخَطيبُ ناصرُ الدّين أبو الهدى : أحمد بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن
عبد السلام(٨) خطيب العُقَيْبةُ(٩) بداره بها وقد باشر نظر الجامع الأموي وغير ذلك ، توفي يوم
(١) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٤هـ) .
سيأتي في أحداث السنّة القادمة .
(٢)
هو : أحمد بن محمد بن هبة الله سيأتي في وفيات سنة (٧٣٦هـ) .
(٣)
هو : ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو . مات سنة (٧١٦هـ) ، كما هو مذكور في أحداث تلك السنة .
(٤)
(٥)
في ط : وأمر الخطباء أولاً أن لا ، ولا معنى له .
(٦)
في ط وأ : بلاد الأزج ، وأثبتنا ما في ب .
وباب الأزج . محله كبيرة في بغداد ذات محالّ كثيرة ، تشبه كل واحدة أن تكون مدينة وينسب إليها الأَزجي . التاج
(أزج) . قَال بشار : هي المعروفة اليوم بباب الشيخ ، نسبة إلى الشيخ الشهير عبد القادر الكيلاني ، دفينها، وأهل
باب الأزج يومذاك حنابلة .
(٧)
(٨)
(٩)
وكذلك قال في النجوم الزاهرة (٢٧٨/٨) .
ترجمته في الدرر الكامنة (٣٣١/١) والدارس في الجزء الثاني في مواضع متفرقة .
((جامع العقيبة)): هو جامع التوبة اليوم ، بناه الملك الأشرف سنة (٦٣٢ هـ) وكان يعرف بخان الزنجاوني وكان فيه
قبلُ كل مكروه . وهو غير جامع العقيبة المذكور في الدارس (٤٢٦/٢).

٧٩
وفيات سنة ٧٠٩هـ
الأربعاء النصف من المحرم ، وصُلّي عليه بجامع العُقَيْبة ، ودفن عند والده بباب الصَّغير .
وقد روى الحديث وباشر الخطابة بعد والده بدر الدين وحضر عنده نائبُ السلطنة والقضاة والأعيان .
قاضي الحنابلة بمصر(١) : شرفُ الدين أبو محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن
نصر بن أبي بكر الحرّاني ولد بحرّان سنة خمسٍ وأربعين وستمئة ، وسمع الحديث وقدم مصرَ فباشر نظرً
الخِزانة وتدريسَ الصالحيّة ثم أَضيف إليه القضاء ، وكان مشكورَ السيرة ، كثيرَ المكارم ، توفي ليلة الجمعة
رابعَ عشرَ ربيع الأول ، دفن بالقَرَافة ، ووُلّي بعده سعد الدِّين الحارثي كما تقدّم .
الشَّيخ نجم الدين(٢): أيُّوب بن سليمان بن مظفَّر المُقْرى(٣) المعروف بمؤذِّن النَّجيبي ، كان رئيسَ
المؤذنين بجامع دمشقَ ونقيبَ الخطباء ، وكان حسنَ الشكل رفيعَ الصوت ، واستمرَّ بذلك نحواً من
خمسين سنة إلى أن توفي مستهلّ جُمادى الأولى .
وفي هذا الشهر توفي :
الأمير شمس الدين سُنْقُر الأَعْسر المنصوري(٤) : تولى الوزارة بمصرَ مع شدِّ الدواوين معاً ،
وباشر شدَّ الدواوين بالشام مرّات ، وله دارٌ وبستان بدمشقَ مشهوران به ، وكان فيه نهضةٌ وله همةٌ عالية
وأموال كثيرة ، توفِّي بمصرَ .
الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الرُّستُميّ(٥) : شادُّ الدواوين بدمشق، وكان قبل ذلك والي
الولاة بالجهة القبلية بعد الشّريفي ، وكانت له سطوة .
توفي يوم الأحد تاسعَ جُمادى الأولى ، ودفن ضحوةً بالقبة التي بناها تجاه قبة الشيخ رسلان ، وكان
فيه كفاية وخبره٦) . وباشر بعده شدّ الدواوين أَقْجِبَا(٧) .
وفي شعبانَ أو في رجبٍ توفّي :
ترجمته في الدرر الكامنة (٣٨٩/٢) والنجوم الزاهرة (٢٧٨/٩) ووفاته فيه : في الرابع والعشرين .
(١)
ترجمته في: الدرر الكامنة (٤٣٤/١) والدليل الشافي (١٧٨/١).
(٢)
في ط ، وأ ، وب : المصري . وأثبتنا ما في الدرر والدليل .
(٣)
ترجمته في الدرر الكامنة (١٧٧/٢) والنجوم الزاهرة (٢٨٧/٨) والدارس (٤٩٥/١ و٥١٦) وشذرات الذهب
(٤)
(٦ /٢٠ ) .
(٥)
في ط : الرسيمي .
ترجمته في الدرر الكامنة (٣٩٨/١) والدارس (٤٣٥/١).
(٦)
في ب زيادة: وإنّما ولّى الشدَّ بدمشق مدة يسيرة .
أقبجا، في ط. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٣٩٣/١) وفيه: وهو شاد الدواوين بدمشق، مات سنة (٧١٠هـ).
(٧)

٨٠
أحداث سنة ٧١٠هـ
التَّاجُ ابن سعيد الدولة (١): وكان مُسلمانيا٢) وكان مشير(٣) الدولة ، وكانت له مكانة عند
الجاشنكير بسبب صحبته (٤) لنصر المَنْبجي [ شيخ الجاشْتَكير °) ، وقد عرضت عليه الوزارة فلم يقبل ،
ولما توفى تولّى وظيفته ابن أخته كريم الدّين الكبير(٦).
الشيخ شهاب الدين (٧) : أحمد بن محمد بن أبي المكارم بن نصر الأصْبهاني ، رئيس المؤذنين
بالجامع الأموي ، ولد سنة اثنتين وستمئة ، وسمع الحديث وباشر وظيفة الأذان من سنة خمس وأربعين
إلى أن توفي ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة(٨)، وكان رجلاً جيداً والله سبحانه أعلم .
ثم دخلت سنة عشر وسبعمئة
استهلّت وخليفة الوقت المستكفي بالله أبو الربيع سليمان العباسي(٩)، وسُلطانُ البلاد الملك النّاصر
محمد بن المنصور قلاوون(١٠) ، ونائب مصر الأمير سيف الدين بَكْتَمُر أمير جُنْدارُ(١١)، وقضاتُه هم
المذكورون في التي قبلها ، سوى الحنبلي فإنّه مسعود١٢) الحارثي، والوزير بمصر الخليلي (١٣)، (١٤)
ونائبُ الشام قَرَا سُنْقر المنصوري ، وقضاة دمشق هم هم ، ونائبُ حلبَ قَبْجَق ، ونائب طرابُلُس الحاج
بَهَادُر ، والأَفْرمِ بصرخدَ .
(١) ترجمته في الدرر الكامنة (٥١٥/١ - ٥١٦) وفيه: يقال له: أحمد الكاتب، والنجوم الزاهرة (٢٧٩/٨) وفيه :
التاج أبو الفرج . ووفاته فيه : يوم السبت ثاني رجب .
(٢)
((مسلمانياً)) : أي أسلم فيما بعدُ . إذ كان قبطياً.
في ط : سفير ، وفي أ : شقيّ . وأثبتنا ما في ب والدرر والنجوم.
(٣)
(٤)
في ب : للشيخ نصر.
(٥)
ليست في ب .
هو : عبد الكريم بن هبة الله السديد المصري ، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٤هـ).
(٦)
لم أقع له على ترجمة .
(٧)
(٨)
في ب : ودفن بباب الصغير .
(٩) في ب : ابن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن العباسي.
(١٠) في ط : والشيخ تقي الدين بن تيمية مقيم بمصر معظماً مكرماً .
(١١) في ط وأ: خازندار وأثبتنا ما في ب والدرر الكامنة (١/ ٤٨٤) . حيث قال : كان من قبل جوكندار ، ثم صار أمير
جندار ، وقتل بالكرك سنة ( ٧١٦هـ) .
(١٢) في ط : سعد الدين .
(١٣) في ط : فخر الدين الخليلي.
(١٤) في ط وب : وناظر الجيوش فخر الدين كاتب المماليك .