Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ وفيات سنة ٧٠٤هـ - أحداث سنة ٧٠٥هـ وفي مستهل ذي الحجة ركب الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيينُ(١) ومعه نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان٢) ، فاستتابوا خلقاً منهم وألزموهم بشرائع الإسلام، ورجَع مُؤَيداً منصوراً . وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخ تاج الدين بن شمس الدين بن الرفاعي : شيخ الأحمدية بأم عَبِيْده(٣) من مدة مديدة ، وعنه تكتب إجازات الفقراء ، ودفن هناك عند سلفه بالبطائح . الصدر نجم الدين عمر(٤) : ابن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن الحسن بن أبي الكتائب بن محمد بن أبي الطيب ، وكيل بيت المال وناظر الخزانة ، وقد ولّي في وقت نظر المارستان النوري (٥) وغير ذلك . وكان مشكور السيرة رجلاً جيداً ، وقد سمع الحديث وروى أيضاً . توفي ليلة الثلاثاء الخامس عشر من جمادى الآخرة ، ودفن بتربتهم بباب الصغير(٦) ثم دخلت سنة خمس وسبعمئة استهلت والخليفة المستكفي والسلطان الملك الناصر ، والمباشرون هم المذكورول(٧) فيما مضى . وجاء الخبر أن جماعة من التتر كمنوا لجيش حلب وقتلوا منهم خلقاً من الأعيان وغيرهم ، وكثر النوح ببلاد حلب بسبب ذلك . وفي مستهل المحرم حكم جلال الدين القزويني(٨) أخو قاضي القضاة إمام الدين نيابة عن ابن صَصْرَى. وفي ثانيه خرج نائب السلطنة بمن بقي من الجيوش الشامية ، وقد كان تقدم بين يديه طائفة من الجيش مع ابن تيمية في ثاني المحرم ، فساروا إلى بلاد الجُرد والرُّفَّض والتيامنة ، فخرج نائب السلطنة الأفرم (١) جبال شمال غرب دمشق على حدود سورية مع لبنان. الدارس (٢٤٨/٢). (٢) سيأتي في وفيات سنة (٧٠٨هـ) . أمُّ عَبْدَةَ : بفتح العين وكسر الباء وسكون الياء بلد في العراق ، والبطائح موضع ما بين البصرة والأهواز ، قاله (٣) صاحب (( التاج)) في (بطح). وفي وفيات الأعيان (١/ ١٧٢): هي قرى مجتمعة بين واسط والبصرة . (٤) في الأصل : ابن عمر ، وهو سهو . وترجمته في : الدرر الكامنة (١٨٢/٣) والدارس (٤٤٧/١). (٥) وهو اليوم متحف للعلوم الطبية عند العرب . ما زالت قائمة إلى اليوم وتعرف بهذا الاسم . (٦) كذا في ب ، ط ، وفي أ : استهلت والحكام هم المذكورون . (٧) سيأتي في وفيات سنة (٧٣٩هـ) . (٨) ٤٢ ما جرى للشيخ تقي الدين بن تيمية بنفسه بعد خروج الشيخ لغزوهم ، فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقاً كثيراً منهم ومن فرقتهم الضَّالة ، ووطئوا أراضٍ كثيرة من منيع(١) بلادهم ، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشيخ ابن تيمية والجيش ، وقد حصل بسبب شهود الشيخ هذه الغزوة خيرٌ كثير ، وأبان الشيخ علماً وشجاعة في هذه الغزوة ، [ وقد امتلأت قلوب أعدائه حسداً له وغماً }٢) . وفي مستهل جمادى الأولى قدم القاضي أمين الدين أبو بكر ابن القاضي وجيه الدين عبد العظيم بن الرقاقي(٣) المصري من القاهرة على نظر الدواوين بدمشق ، عوضاً عن عز الدين بن مبشر . [ ما جرى للشيخ تقي الدين بن تَيْمِيَّة مع الأحمدية وكيف عقدت له المجالس الثلاثة ]٤) وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية(٥) إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق وحضر الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أن يكفّ الشيخ تقي الدين إنكاره عليهم(٦)، وأن يسلم لهم حالهم ، فقال لهم الشيخ: هذا ما لا يمكن (٧)، ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة ، قولاً وفعلاً ، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه . فأرادوا أن يفعلوا شيئاً من أحوالهم الشيطانية التي يتعاطونها في سماعاتهم ، فقال(٨) الشيخ : تلك أحوال شيطانية باطلة ، وأكثر أحوالهم من باب الحيل والبهتان ، ومن أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام وليغسل جسده غسلاً جيداً ويدلكه بالخل والإِشنان ، ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقاً ، ولو فرض أن أحداً من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته ، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة ، فما الظن بخلاف ذلك . فابتدر شيخ المنيبع الشيخ صالح وقال : نحن أحوالنا إنما تنفُق عند التتر ليست تنفق عند الشرع . فضبط الحاضرون (٩) عليه تلك الكلمة ، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد ، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون (١) في ط : صنع ، وهو تحريف . (٢) ليست في ب . (٣) في ط: الرفاقي بفاء ثم ألف وقاف، وهو تصحيف. ترجمته في الفوات (١/ ١٢١). (٤) زيادة من ط . هم أتباع طريقة الشيخ أحمد الرفاعي . (٥) (٦) في ط : إمارته عنهم . كذا في ب ، وهو الصواب . وفي أ ، ط : ما يمكن . (٧) في ب : فذكر الشيخ أن هذا أكثره من باب الحيل والبهتان . (٨) (٩) في ب : الأمراء . ٤٣ ما جرى للشيخ تقي الدين بن تيمية الأطواق الحديد من رقابهم ، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضُربت عنقه . وصنَّف الشيخ جزءاً في طريقة الأحمدية ، وبيّنَ فيه أحوالهم ومسالكهم وتخيُّلاتهم ، وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب ، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم . ولله الحمد والمِنَّة. وفي العشر الأوسط من هذا الشهر خلع على جلال الدين بن معبد، وعز الدين خطاب (١) ، وسيف الدين بَكْتَمر (٢) مملوك بَكْتَاش الحُسامي بالإمرة ولبس التشاريف ، وركبوا بها ، وسلموا لهم جبل الجرد والكسروان والبقاع . وفي يوم الخميس ثالث رجب خرج الناس للاستسقاء إلى سطح المزة ، ونصبوا هناك منبراً وخرج نائب السلطنة وجميع الناس من القضاة والعلماء والفقراء ، وكان مشهداً هائلاً وخطبة عظيمة بليغة ، فاستسقوا فلم يُسْقَوْا يومهم ذلك(٣). (٤) وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر ، وقُرئت عقيدة الشيخ تقي الدين الواسطية ، [ وحصل بحث في أماكن منها }(٥) ، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني . فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور ، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي(٦)، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاماً كثيراً، [ولكن ساقيته لاطمَتْ بحْرًا(٧) ، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني(٨) هو الذي يحاقِقُه من غير مسامحة ، فتناظرا في ذلك ، وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني وجودة ذهنه وحسن بحثه ، حيث [ قاوم ابن تيمية في البحث ، وتكلّم معه ، ثم انفصل الحال على قبول العقيدة (٩) ، وعاد الشيخ إلى منزله معظّماً مكرماً. وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب القصر إلى القصَّاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء . (١) هو خطّاب بن محمود بن مرتعش، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٥هـ) . هو بكتمر الحسامي كان حاجباً بدمشق ثم ولي ثغر الإسكندرية. توفي سنة (٧٢٤هـ) . كما سيأتي . (٢) في النجوم الزاهرة (٢١٧/٨) تفصيل لأحداث سنة (٧٠٥هـ) . (٣) زاد في ط عنواناً للفقرة التالية : وهو : أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية . (٤) (٥) ليست في ب . والعقيدة الواسطيَّة : كتاب ألفه ابن تيمية - رحمه الله - . أما عن سبب التسمية ، فقيل : إنه اعتبر السلف أهل السنة وسطاً بين فرق الزيغ والضلال من هذه الأمة. وقيل : إن رجلا من أهل واسط ، سأله أن يكتب له عقيدة تكون عدةً له ولأهل بيته وبلده . (٦) سيأتي في وفيات سنة (٧١٥هـ) . ليست في ب . (٨) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٧هـ). (٧) (٩) ليست في ب . ٤٤ ما جرى للشيخ تقي الدين بن تيمية وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك ، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوفُ(١)، والشيخ نصر المَنْبِجي (٢) شيخ الجاشَنْكيرُ(٣) وغيرهما من أعدائه. وذلك أن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان يتكلم في المَنْبِجي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي ، [ وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدُّمه عند الدولة ، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطاعة الناس له ، ومحبتهم له ، وكثرة أتباعه ، وقيامه في الحق ، وعلمه وعمله ]٤) ثم وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة (٥) . وطلب القاضي جماعة من أصحاب الشيخ ، وعزّر بعضهم، ثم اتفق أن الشيخ جمال الدين المِزّيُ(٦) الحافظ قرأ فصلاً في الرد على الجهمية (٧) من كتاب ( أفعال العباد) للبخاري تحت قبة النسر(٨) بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء ، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين ، وشكاه إلى القاضي الشافعي ابن صَصْرَى ، وكان عدو الشيخ ، فُجِن المِزّي ، فبلغ الشيخ تقي الدين ، فتألم لذلك ، وذهب إلى السجن ، فأخرجه منه بنفسه ، وراح إلى القصر فوجد القاضي هنالك ، فتقاولا بسبب الشيخ جمال الدين المِزّي، فحلف ابن صَصْرَى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عَزَل نفسه ، فأمر النَّائب بإعادته تطبيباً لقلب القاضي ، فحبسه عنده في القُوصيّة أياماً ثم أطلقه . ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشيخ تقي الدين ما جرى في حقه وحق أصحابه في غيبته ، فتألم النائب لذلك ، ونادى في البلد أن لا يتكلم أحد في العقائد ، ومن عاد إلى تلك حلَّ مالُه ودمُه ونهبت(٩) داره وحانوته . فسكنت الأمور . وقد رأيت فصلاً من كلام الشيخ تقي الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات . ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر ، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة . وفي هذا اليوم عزل ابن صَصْرَى نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين في سيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ) . (١) (٢) سيأتي في وفيات سنة (٧١٩هـ) . الملك المظفر بيبرس الجاشَكير . سيأتي في وفيات سنة (٧٠٩هـ) . (٣) (٤) ليست في ب . هو الأفرم وكان في حصار جبل الكسروان . (٥) (٦) سيأتي في وفيات سنة (٧٤٢هـ) . هي فرقة تقول : إن الإيمان مجرّدُ المعرفة والأعمال ليست من الإيمان ، ونسبتُها إلى جَهْم بن صَفْوان السّمَرْقندي (٧) قتل سنة (١٢٨ هـ). ميزان الاعتدال (١/ ١٩٧). ((قُبّة النَّسر)) : قبَّة الجامع الأموي، سميّت بذلك لعلوّها آنذاك عما حولها . (٨) في ط : ورتّبت . (٩) ٤٥ ما جرى للشيخ تقي الدين بن تيمية المجلس المذكور ، وهو من الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني ، ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان فيه إعادةُ ابن صَصْرَى إلى القضاء ، وذلك بإشارة المَنْبِجي ، وفي الكتاب : إنا كنا رسمنا١ً) بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية ، وقد بَلَغنا ما عُقِد له من المجالس ، وأنه على مذهب السلف ، وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نُسب إليه . ثم جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الإثنين ، وفيه الكشف عما كان وقع للشيخ تقي الدين بن تيمية في أيام قازال٢) والقاضي إمام الدين القزويني ، وأن يحمل هو والقاضي ابن صَصْرَى إلى مصر ، فتوجها على البريد نحو مصر ، وخرج مع الشيخ خلق من أصحابه وبكوا وخافوا عليه من أعدائه ، وأشار عليه نائب السلطنة الأفرم(٣) بترك الذهاب إلى مصر ، وقال له : أنا أُكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا ، فامتنع الشيخ من ذلك ، وذكر له أن في توجهه لمصر مصلحةً كبيرةً ، ومصالح كثيرة . فلما توجه لمصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته ، حتى انتشروا من باب داره إلى قرب الجسورة ، فيما بين دمشق والكسوة ، وهم فيما بين باك وحزين ومتفرج ومتنزِّه ومزاحم متغالٍ فيه . فلما كان يوم السبت دخل الشيخ تقي الدين غَزّة ، فعمل في جامعها مجلساً عظيماً ، ثم رحلا معاً إلى القاهرة ، والقلوب معه ، وبه متعلقة ، فدخلا مصر يوم الإثنين الثاني والعشرين من رمضان ، وقيل : إنهما دخلاها يوم الخميس . فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة عقد للشيخ مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة وأكابر الدولة ، وأراد أن يتكلم على عادته ، فلم يتمكن من البحث والكلام ، وانتُدِب له الشمس ابن عدنان خَصْماً احتساباً ، وادّعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنه يقول : إنّ الله فوق العرش حقيقة، وأنَّ الله يتكلم بحرف وصوت . فسأله القاضي جوابه ، فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه ، فقيل له : أجب ما جئنا بك لتخطب . فقال : ومن الحاكم فيَّ؟ فقيل له : القاضي المالكي. فقال له الشيخ : كيف تحكم فيَّ وأنت خصمي ؟! فغضب غضباً شديداً وانزعجٍ ، وأقيم مرسماً عليه وحبس في برج أياماً ، ثم انتقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجُبّ(٤)، هو وأَخَواه٥) شرف الدين عبد الله ، وزين الدين عبد الرحمن . في ط : سمعنا. وفي الدرر (١٤٥/١) إشارة إلى المرسوم . (١) (٢) كذا في ب ، وفي أوط : جاغان . وكان ذلك عام (٦٩٨ هـ) عندما اجتمعوا في مشهد علي بعد انهزام جيش السلطان أمام قازان لأخذ الأمان للبلد منه . النجوم الزاهرة (١٢٣/٨) . (٣) في ط : ابن الأفرم . الدرر الكامنة (١٤٦/١) والدارس (٩٨/١) والجب في قلعة جبل المقطم بالقاهرة التي بناها صلاح الدين الأيوبي سنة (٤) (٥٧٦ هـ) . (٥) في ط : وأخوه . ٤٦ ما جرى للشيخ تقي الدين بن تيمية وأما ابن صَصْرَى فإنه جُدِّد له توقيعٌ بالقضاءُ(١) بإشارة المَنْبجي شيخ الجاشنكير حاكم مصر ، وعاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة والقلوب له ماقتة ، والنفوس منه نافرة ، وقُرىء تقليدُه بالجامع ، وبعده قرىء كتاب فيه الحطُّ على الشيخ تقي الدين ومخالفته في العقيدة ، وأن ينادى بذلك في البلاد الشامية ، وأُلزم أهل مذهبه بمخالفته ، وكذلك وقع بمصر ، قام عليه جاشنكير وشيخه نصر المَنْبجي ، وساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء ٢)، وجرت فتن كثيرة منتشرة، نعوذ بالله من الفتن . وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة ، وذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مزجي (٣) البضاعة ، وهو شرف الدين الحرّاني(٤) ، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم ، وصارت حالهم حالهم . وفي شهر رمضان جاء كتاب من مقدّم الخدّام بالحرم النبوي يستأذن السلطان في بيع طائفة من قناديل الحرم النبوي لينفق ذلك ببناء مئذنةٍ عند باب السلام الذي عند المطهرة ، فرسم له بذلك ، وكان في جملة القناديل قنديلان من ذهب زنتهما ألف دينار ، فباع ذلك وشرع في بنائها وولي سراجُ الدين عمر(٥) قضاءها مع الخطابة ، فشق ذلك على الروافض . وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي القعدة وصل البريد من مصر بتولية القضاء لشمس الدين محمد بن إبراهيم بن داود الأذرعيّ(٦) الحنفي قضاء الحنفية عوضاً عن [ شمس الدين ] بن الحريري(٧) [ معزولاً )) وبتولية [ الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين ]٩) الفزاري خطابة دمشق عوضاً عن عمه الشيخ شرف الدين، توفي إلى رحمة الله ١٠) ، وخلع عليهما بذلك ، وباشرا في يوم الجمعة ثالث عشر الشهر ، وخطب الشيخ برهان الدين خطبة حسنة حضرها الناس والأعيان . ثم بعد خمسة أيام عزل نفسه عن الخطابة وآثر بقاءه على تدريس البادرائية (١١) حين بلغه أنها طُلبت لتؤخذ منه ، فبقي منصب الخطابة (١) الدرر الكامنة (١٤٦/١). (٢ ) الفقراء هنا هم المتصوِّفة . (( مزجيَّ البضاعة)» : قليل البضاعة . (٣) (٤) هو : عبد الغني بن يحيى أبو محمد الحرّاني توفي سنة (٧٠٩هـ) كما سيأتي . هو : عمر بن أحمد بن الخضر بن ظافر بن طرد أبو الفتوح الأنصاري المصري ، الخطيب ، سراج الدين توفي سنة (٥) (٧٢٦هـ) في السويس، وهو في طريقه إلى القاهرة للتداوي. الدرر الكامنة (٣/ ١٥٠). (٦) سيأتي في وفيات سنة (٧١٢هـ) . في ط : ابن الحسيني . وهو سهو . وما أثبتاه موافق لما في الدرر (٢٧٨/٣). (٧) زيادة من ب ، وط . (٨) زيادة من ب ، وط . (٩) (١٠) زيادة من ب . كما سيأتي في ترجمته في الوفيات. (١١) الدرر (٣٤/١) شذرات الذهب (٨٨/٦). (( والبادرائية)): مدرسة داخل باب الفراديس، وتعرف سابقاً بدار أسامة. الدارس (٢٠٥/١). ٤٧ وفيات سنة ٧٠٥هـ شاغراً ، ونائب الخطيب يصلّي بالناس ويخطب ، ودخل عيد الأضحى وليس للناس خطيب ، وقد كاتب نائب السلطنة في ذلك ، فجاء المرسوم بإلزامه بذلك ، وفيه : لعلمنا بأهليته وكفايته واستمراره على ما بيده من تدريس البادرائية ، فباشرها معها مرة ثانية ، ثم إن كمال الدين بن الشيرازي سعى في البادرائية (١) فأخذها ، وباشرها في صفر من السنة الآتية بتوقيع سلطاني ، فَعَزَل الفَزاري نفسه عن الخطابة ولزم بيته ، فراسله نائب السلطنة بذلك، فصمم على الترك (٢) وأنّه لا يعود إليها أبداً، وذكر أنّه عجز عنها ، فلما تحقّق نائبُ السَّلطنة ذلك أعاد إليه مدرسته وكتبَ له بها توقيعاً بالعشر الأول من ذي الحجة . وخلع على شمس الدين بن الخَطِيري(٣) بنظر الخزانة عوضاً عن ابن الزمْلكاني . وحج بالنَّاس الأمير شرف الدين حسن بن حيدر . وممَّن توفي فيها من الأعيان : الشَّيخ عيسى بن الشيخ سيف الدين الرّجيحي(٤) : ابن سابق بن الشّيخ يُونُس القَيْسي ، ودفن بزاويتهمُ(٥) التي بالشّرف الشّمالي بدمشق غربي الوراقة والعزية يوم الثلاثاء سابع المحرم(٦) . الملك الأوحد(٧) : تقيّ الدين شاذي ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شِيْركُوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شِيْرِكوه بن شاذي . توفي بجبل الجُرد في آخر نهار الأربعاء ثاني صفر، وله من العمر(٨) سبع وخمسون سنة فنقل إلى تربتهم بالسَّفحُ(٩) . كان من خيار الملوك والدولة ، معّماً عند الملوك والأمراء ، وكان يحفظ القرآن وله معرفة بعلوم ، ولديه فضائل . (١) ليست في ط ، والتصويب من ب، وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٦هـ) . (٢) في ط : العزل . (٣) هو عبد القادر بن يوسف. توفي سنة (٧١٦هـ). ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٣٩٣) وشذرات الذهب (٣٨/٦). (٤) في ط: الرحبي وهو سهو. ترجمته في الدرر الكامنة (٢٠١/٣). ومنادمة الأطلال لعبد القادر بدران: (ص٣١٦) . نقلا عن ابن كثير . (٥) الزاوية اليونسية. ذكرها النعيمي في الدارس (٢١٣/٢) وبدران في منادمة الأطلال (ص٣١٦). (٦) في ب : التاسع عشر . وفي الدرر الكامنة ( سابع عشر ) . ترجمته في الدرر الكامنة (١٨٣/٢ - ١٨٤) ووفاته فيه سنة (٧٥٠هـ) وهو توهم. والنجوم الزاهرة (٢٢٠/٨) (١) وفيها : ثالث صفر ، الدارس (٢٤٨/٢). (٨) زيادة من ط . هي: التربة الزاهرية ، نسبة إلى الملك الزاهر مجير الدين داود الذي بناها . الدارس (٢٤٨/٢) ومنادمة الأطلال (٩) (ص ٣٣٥ - ٣٣٦). ٤٨ وفيات سنة ٧٠٥هـ الصَّدر علاء الدين : علي بن معالي الأنصاري الحراني(١) الحاسب، يُعرف بابن الرُّزَيْزِ. وكان فاضلاً بارعاً في صناعة الحساب انتفع به جماعة ، توفي في آخر هذه السنة فجأة ودفن بقاسيون . وقد أخذت الحساب عن الحاضري عن علاء الدين الطيوري عنه . الخطيب شرف الدّين أبو العبّاس : أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفَزَاري(٢) ، الشيخ الإمام العلامة أخو العلامة شيخ الشافعية تاج الدين عبد الرحمن ، ولد سنة ثلاثين ، وسمع الحديث الكثير ، وانتفع على المشايخ في ذلك العصر كابنِ الصَّلاح والسَّخاوي(٣) وغيرهما، وتفقّه وأَفتى وناظر وبرع وساد أقرانه ، وكان أستاذاً في العربية واللُّغة والقراءات وإيراد الأحاديث النبوية ، والتردد إلى المشايخ للقراءة عليهم، وكان فصيح العبارة، حلو المحاضرة ، لا تُمَلُّ مجالسته، وقد درس بالطّيبة (٤)، وبالرّباط النّاصري(٥) مدة، ثم تحوّل عنه إلى خطابة جامع جرّاح(٦) ، ثم انتقل إلى خطابة جامع دمشق بعد الفارقي في سنة ثلاث ولم يزل به حتى توفي يوم الأربعاء عشية التَّاسعُ(٧) من شؤَّال ، عن خمس وسبعين سنة . وصلّي عليه صبيحة يوم الخميس على باب الخطابة ، ودفن عند أبيه وأخيه بباب الصَّغير رحمهم الله ، ووليَ الخطابةُ(٨) ابنُ أخيه ، شيخنا العلامة برهان الدين . الحافظ الكبير الدّمياطي : وهو الشيخ الإمام العالم الحافظ شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خَلَف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي(٩) حامل لواء هذا الفن - أعني صناعة الحديث وعلم اللغة - في زمانه مع كبر السن والقدر ، وعلو الإسناد وكثرة الرواية ، وجودة الدراية ، وحسن التآليف وانتشار التصانيف ، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق(١٠) (١) ترجمته في الدرر الكامنة (١٣٣/٣) وفيه : ابن الوزير . ترجمته في الدرر الكامنة (٨٩/١) والنجوم الزاهرة (٢١٧/٨) والدارس (٢٧/١) وشذرات الذهب (١٢/٦). (٢) (٣) في أوط : انه السخاوي وأثبتنا ما في ب ، وبقية مصادر ترجمته . في ط : الطبية، بتقديم الباء ، والصَّواب ما أثبتناه ، وكذلك في الدارس (١/ ٣٣٧) ومنادمة الأطلال (ص ١١٥). (٤) وهي قبلي النورية الحنفية ، وتعرف بالشُّومانية . (٥) يقع داخل دار الحديث الناصرية . (٦) يقع خارج الباب الصغير بمحلة سوق الغنم. الدارس (٢/ ٤٢٠) منادمة الأطلال (ص٣٧١ - ٣٧٢). (٧) في ب : التاسع عشر . (٨) في ب : بعده . وهو : إبراهيم بن عبد الرحمن برهان الدين ، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٩هـ) . (٩) ترجمته في: فوات الوفيات (٤٠٩/٢) والدرر الكامنة (٤١٧/٢) وطبقات السبكي (١٣٢/٦) والنجوم الزاهرة (٢١٢/٨) وحسن المحاضرة (٣٥٧/١) وشذرات الذهب (١٢/٦) والدارس (٢٢/١). (١٠) في ب : والجهات والأقطار . ٤٩ أحداث سنة ٧٠٦هـ ومولده فى اخر سنة ثلاث عشرة وستمئة ، وقد كان أول سماعه فى سنة ثنتين وثلاثين بالإسكندرية ، سمع الكثير على المشايخ ورحل ، وطاف ، وحصَّل ، وجمع فأوعى ، ولكن ما منع ولا بخل ، بل بذلَ وصنَف ونشر العلم، وولّي المناصب بالديار المصرية ، وانتفع الناس به كثيراً، وجمع (( معجماً المشايخه)) الذين لقيهم بالشَّام والحجاز والجزيرة والعراق وديار مصر يزيدون على ألف وثلاثمئة شيخ ، وهو مجلدال(١)، وله ((الأربعون المتباينة الإسناد)) وغيرها، وله كتاب في (( الصلاة الوسطى)) مفيد جداً، ومصنف في (( صيام ستة أيام من شوال)) أفاد فيه وأجاد ، وجمع ما لم يسبق إليه ، وله كتاب ((الذكر والتسبيح عقيب الصلوات))، وكتاب ((التسلِّي والاغتباط بثواب من يقدِّم من الأفراط (٢) وغير ذلك من الفوائد الحسان ، ولم يزل في إسماع الحديث إلى أن أدركته وفاته وهو صائم في مجلس الإملاء (٣) غشي عليه فحمل إلى منزله ، فمات من ساعته يوم الأحد عاشر(٤) ذي القعدة بالقاهرة . ودفن من الغد بمقابر باب النَّصر وكانت جنازته حافلة جداً رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة ست وسبعمئة استهلت(٥) والحكام هم المذكورون في التي قبلها والشيخ تقي الدين بن تيمية مسجون بالجُب من قلعة الجبل ، [ وخطيب دمشق برهان الدين الفزاري بعد عمه الشيخ شرف الدين - رحمه الله - كما تقدّم بيانه ، في أنه ألزم بها مرة ثانية ، فلما كان صفر أخذ مدرسة البادرائية الشيخ كمال الدين الشيرازي ، فعزل الشيخ برهان الدين نفسه عن الخطابة ، فأعيدت إليه مدرسته ]٦) . وفي يوم الأربعاء جاء البريد بتولية الخطابة للشيخ شمس الدين إمام الكلاسة (٧) ، وذلك في ربيع الأول ، وهنِّىء بذلك ، فأظهر التكرُّه لذلك والضعف عنه ، ولم يحصل له مباشرة لغيبة نائب السلطنة في الصَّيد ، فلما حضر أذن له فباشر يوم الجمعة العشرين من الشهر ، فأوّلُ صلاةٍ صلاّها الصبح يوم الجمعة ، ثم خُلع عليه وخَطَب بها يومئذ . وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول باشر نيابة الحكم عن القاضي نجم الدين أحمد بن وهو أربع مجلدات في الدرر . قال بشار : نشر الأستاذ جورج فايدا مختصره باللغة الفرنسية ، ونسخه موجودة . (١) (٢) ذكر صاحب الوفيات جميع هذه المصنفات وغيرها . (٣) في ط : الأمراء . وهو تصحيف . (٤) في ب والدرر : خامس عشر . في ب : استهلت والخليفة بالله بن الحاكم العباسي ، وسلطان البلاد الملك الناصر وقضاتهما هم المذكورون في التي (٥) قبلها والشيخ ... (٦) ما بين الحاصرتين إضافة من ب . (١) هو : محمد بن أحمد بن عثمان الخلاطي. سيأتي ذكره في وفيات هذه السنة . ٥٠ أحداث سنة ٧٠٦هـ عبد المحسن بن حسن المعروف بالدمشقي(١) عوضاً عن تاج الدين صالح بن تامر بن حَامد الجَعْبريّ(٢) ، وكان معمراً قديم الهجرة كثير الفضائل ، ديّناً ورعاً ، جَيدَ المباشرة ، وكان قد ولي نيابة الحكم في سنة سبع وخمسين وستمئة ، فلما ولّ ابن صَصْرَى كره نيابته . وفي يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ومعه تجديد توقيع للقاضي شمس الدين الأذرعي الحنفي(٣)، فظنَّ النَّاسُ أنه بولاية القضاة لابن الحريري فذهبوا ليهنئوه مع البريديُ(٤) إلى الظاهرية ، واجتمعَ النَّاس لقراءة التقليد على العادة ، فشرع الشيخ علم الدين البِرْزالي في قراءته ، فلما وصل إلى الاسم تبين له أنه ليس له، وأنه للأذرعي ، فبطل القارىء، وقام الناس مع البريدي إلى الأذرعي ، وحصلت كسرةٌ وخمدةٌ على الحريريّ والحاضرين . ووصل مع البريدي أيضاً كتاب فيه طلب الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني إلى القاهرة(٥) ، فتوهّم من ذلك ، وخاف أصحابه عليه بسبب انتسابه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فتلطّف به نائبُ السّلطنة ، ودارى عنه حتى أُعفي من الحضور إلى مصر ، ولله الحمد . وفي يوم الخميس تاسع جمادى الأولى دخل الشيخ براق٦ُ) إلى دمشق وبصحبته مئة فقير كلّهم محلِّقي ذقونهم ، موفري شواربهم ، عكس ما وردت به السنَّة ، وعلى رؤوسهم قرون لبابيد . ومعهم أجراس وكعاب وجواكينُ خشبٍ ، فنزلوا بالمُنَيِيع وحضروا الجمعة برواق الحنابلة ، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا ، ثم استأذنوا في الدخول إلى الديار المصرية فلم يؤذن لهم ، فعادوا إلى دمشقَ ، فصاموا بها رمضان ثمَّ انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق ، إذ لم يجدوا بدمشق قَبُولاً ، وقد كان شيخهم براق رومیاً من بعض قرى دوقات من أبناء الأربعين ، وقد كانت له منزلة عند قازان ومكانة ، وذلك أنه سلَّط عليه نَمِراً فزجره فهرب منه وتركه ، فحظيَ عنده وأعطاه في يوم واحد ثلاثين ألفاً ففرّقها كلَّها فأحبه ، ومن طريقة أصحابه أنهم لا يقطعون لهم صلاةً ، ومن ترك صلاةً ضربوه أربعين جَلْدة ، وكان يزعم أن طريقه الذي سلكه إنما سلكه ليخرِّب على نفسه ، ويرى أنه زي المسخرة ، وأن هذا هو الذي يليق بالدنيا ، والمقصود إنما هو الباطن والقلب وعمارة ذلك ، ونحن إنّما نحكُم بالظّاهر ، والله أعلم بالسرائر . ستأتي ترجمته في وفيات سنة (٧٢٦هـ) . (١) في ط : تاج الدين بن صالح بن تامر بن خان الجعبري ، وستأتي ترجمته في وفيات هذه السنة . (٢) (٣) هو : محمد بن إبراهيم . وسيأتي في وفيات سنة (٧١٢هـ) . (٤) في ط : البريد . في ب : إلى الديار المصرية . وكثيراً ما سيرد هذا الفرق بين القاهرة ، ومصر ، والديار المصرية ، لذلك تجاوزته . (٥) (٦) في ط : ابن . وهو : براق القِرمي من قرية من قرى الدوقات ، أبوه صاحب إمرة ، عمُّه من الكتاب ، تمرَّد هو وصحب الفقراء ، قتل مسلوقاً في دست سنة (٧٠٧هـ). ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٤٧٤) والدارس (٢٥٠/٢). ٥١ أحداث سنة ٧٠٦هـ وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة حضر تدريسُ(١) النَّجيبية٢ُ) بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن عبد العزيز العجمي الحلبي ، عوضاً عن الشيخ ضياء الدين الطوسي ، توفي وحضر عنده ابن صَصْرَى وجماعةٌ من الفضلاء . وفي هذه السنة صُلِّيت صلاة الرَّغائب(٣) في النصف(٤) بجامع دمشق بعد أن كانت قد أبطلها ابن تيمية منذ أربع سنين ، ولما كانت ليلةُ النصف حضر الحاجب ركن الدين بِيْبَرْسُ العلائي ، ومَنع الناس من الوصول إلى الجامع ليلتئذ ، وغلّقت أبوابه فبات كثير من الناس في الطرقات وحَصَل للنّاس أذى كثير ، وإنما أراد صيانة الجامع من اللَّغو والرفث والتخليط . وفي سابع عشر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد الباجَرْ بَقيُ(٥) ، وأثبت عنده محضراً بعداوة مَا بينه وبين الشُّهود السّة الذين شهدوا عليه عند المالكي ، حين حكم بإراقة دمه ، وممَّن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام٦ُ) وزين الدّين بن الشريف عدنانٌ(١) ، وقطب الدين ابن شيخ السلاميةٌ) وغيرهم . وفيها باشر كمال الدين بن الزَّمْلكاني نظر ديوان ملك الأمراء٩ُ) عوضاً عن شهاب الدين الحنفي ، وذلك في آخر رمضان ، وخلع عليه بطَيْلسانَ وخلعةٍ ، وحضر بها دار العدل . وفي ليلة عيد الفطر أَحْضَرَ الأميرُ سيف الدين سلاّر نائب مصر القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء فالقضاة الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء التاجي (١) والجزريُ(١) والنمراوي١٢ّ)، وتكلّموا في إخراج الشيخ تقي الدين بن تيمية من الحبس ، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطاً بذلك ، [ منها أنه (١) في ط : مدرس . يقال لها أيضاً : خانقاه القصر، وهي مطلّة على الميدان، أنشأها النجيبي جمال الدين آقوش. الدارس (١٧١/٢) (٢) وفي منادمة الأطلال (ص٢٨٦) يقول بدران رحمه الله : قلت : أراد بالميدان المرجة ، وكان ذلك القصر قصراً للملك الظاهر ، ولما عمرت التكية السليمانية خُرِّب وأقيمت مكانه ، ولم يبق أثر للنجيبية ولا للقصر . (٣) سقطت من ط . في النصف من شعبان ، وهي صلاة غير ثابتة في الشرع ، لذلك أبطلها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . (٤) (٥) في ط الباجريقي بالياء . (٦) ابن شرف الدين المالكي قاضي القضاة . (٧) هو : الحسين بن محمد . سيأتي في وفيات سنة (٧٠٨هـ) . هو : موسى بن أحمد بن الحسين ، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٧هـ). (٨) (٩) هو الأفرم ، وهو لقب كان يطلق على نائب الشام . (١٠) في ط : الباجي بالباء . (١١) هو : ثابت بن عمر بن المشيّع المقصاتي سيأتي في وفيات (٧١٣هـ) . (١٢) هو : عز الدين عبد الجليل، سيأتي في وفيات سنة (٧١٠هـ). ٥٢ أحداث سنة ٧٠٦هـ يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة ](١) وأرسلوا إليه ليحضر ليتكلّموا معه في ذلك ، فامتنع من الحضور وصمَّم ، وتكرَّرت الرُّسلُ إليه ستَّ مراتٍ ، فصمم على عدم الحضور ، ولم يلتفت إليهم ، ولم يعدهم شيئاً ، فطال عليهم المجلس فتفرّقوا وانصرفوا غير مأجورين . وفي يوم الأربعاء ثاني شوال أذن نائب السلطنة الأفرم للقاضي جلال الدين القزويني(٢) أن يصلي بالناس ويخطب بجامع دمشق عوضاً عن الشيخ شمس الدين إمام الكلاسة ، توفي ، فصلّى الظهر يومئذ وخطب الجمعة ، واستمر بالإمامة والخطابة حتى وصل توقيعه بذلك من القاهرة . وفي مستهل ذي القعدة حضر نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان وشكرت خطبته . وفي مستهل ذي القعدة كمل بناء الجامع(٣) الذي ابتناه وعَمره الأمير جمال الدين نائب السلطنة الأفرم عند الرباط الناصري بالصالحية ، ورتب فيه خطيباً يخطب يوم الجمعة ، وهو القاضي شمس الدين محمد بن العز الحنفي (٤) ، وحضر نائب السلطنة والقضاة وشكرت خطبة الخطيب به ، ومدالصاحب شهاب الدين الحنفي سماطاً بعد الصلاة بالجامع المذكور، وهو الذي كان الساعي في عمارته ، والمستحث عليها ، فجاء في غاية الإتقان والحسن ، تقبل الله منهم . وفي ثالث ذي القعدة استناب ابن صَصْرَى القاضي صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل الجعفرى(6) خطيب داريا في الحكم عوضاً عن جلال الدين القزويني ، بسبب اشتغاله بالخطابة عن الحكم . وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة قدم قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البُصْراوي (٦) إلى دمشق من القاهرة متولياً قضاء الحنفية عوضاً عن الأذرعي ، مع ما بيده من تدريس النُّورية والمقدميّةُ(٧) وخرج الناس لتلقيه وهنَّؤوه ، وحكم بالنُّورية ، وقُرىء تقليدُه بالمقصورة الكِنْدِيَّة [ في الزاوية الشرقية، من جامع بني أمية ]٨). ليست في ب . (١) هو : محمد بن عبد الرحمن بن عمر ، سيأتي في وفيات سنة (٧٣٩هـ) . (٢) (٣) هو جامع الأفرم . الدارس (٢/ ٤٣٥). سيأتي في وفيات سنة (٧٢٢هـ) . (٤ ) في ط : الجعبري . سيأتي في وفيات سنة (٧٢٥هـ) . (٥) علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البصراوي توفي سنة (٧٢٧هـ). ترجمته في الدرر الكامنة (٧٨/٦) والنجوم (٦) الزاهرة (٢٦٨) والدرر (٩٦/٣) وفيها : ابن أبي القاسم. (٧) النُّورية الكبرى ، كان موضعها داراً لمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - بناها الملك نور الدين وفيه نظر ، إنما الذي أنشأها الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين . والمقدميّة : داخل باب الفراديس. الدارس (١/ ٦٠٠ و٦٢١) ومنادمة الأطلال (ص ٢٠٦ و٢١٢). (٨) ليست في ب . ٥٣ أحداث سنة ٧٠٦هـ وفي ذي الحجة ولي الأمير عز الدين بن صبرة على البلاد القبلية والي الولاة ، عوضاً عن الأمير جمال الدين آقوش الرُّستمي ، بحكم ولايته شد الدّواوين بدمشق ، وجاء كتاب من السلطان بولاية وكالته للرئيس عز الدين بن حمزة القلانسي (١) عوضاً عن ابن عمه شرف الدين ، فكره ذلك . [ وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشيخ تقي الدين من الحبس الذي يقال له : الجُب ، فأرسل في طلبه فجيء به فقرىء على الناس فجعل يشكر الشيخ ويثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزهده ، وقال : ما رأيت مثله ، وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله ، وأنه لم يقبل من أحد شيئاً لا من النفقات السلطانية ولا من الكسوة ولا من الإدارات ولا غيرها ، ولا تدَّس بشيء من ذلك (٢) [وفي هذا الشهر يوم الخميس السابع والعشرين منه طُلب أَخَوَا الشيخ تقي الدين : شرف الدين وزينُ الدّين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلاَّر ، وحضر ابن مخلوف المالكي ، وطال بينهم كلام كثير فظهر شرفُ الدِّين بالحُجَّة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة ، وخطّأه في مواضع ادعى فيها دعاوى باطلة ، وكان الكلام في مسألة العرش ، ومسألة الكلام ، وفي مسألة النزول }(٣) [وفي يوم الجمعة أحضر شرف الدين أخو الشيخ تقي الدين وحده في مجلس نائب السلطنة سلاَّر وحضر ابن عدنان ، وتحكم معه الشيخ شرف الدين وناظره ، وبحث معه وظهر عليه (٤) وفي يوم الجمعة ثاني عشر(٥) ذي الحجة وصل على البريد من مصر نجم(٦) الدين محمد بن الشيخ فخر الدين ابن أخي قاضي القضاة البصراوي(٧) وزوج ابنته على الحِسْبة بدمشقَ عوضاً عن جمال الدين يوسف العجمي ، وخلع عليه بطيلسانَ ، ولبس الخِلعة ودار بها في البلد في مستهلّ سنة سبع وسبعمئة . وفي هذه السَّنة عُمر في حرم مكة بنحو مئة ألف . وحج بالنَّاس من الشام الأمير ركن الدين بِيْبَرْس المجنولُ(٨) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٩هـ) . (١) في ب : ووصل كتاب من الشيخ تقي الدين بن تيمية وهو في الجبّ إلى نائب الشام الأفرم ، فقرأه على الناس ، (٢) وجعل يشكر من ديانته وعلمه وشجاعته ، ويثني عليه بما هو مشتمل عليه في السجن . (٣) ليست في ب . (٤) ليست في ط وب . (٥) في ط : ثاني عشرين . في ط : نصر الدين. انظر الدرر الكامنة (٤٦/٤). (٦) في ب : قاضي القضاة صدر الدين علي الحنفي البصراوي . (٧) سيأتي في وفيات سنة (٧١٥هـ) . (٨) ٥٤ وفيات سنة ٧٠٦هـ وممَّن توفى فيها من الأعيان : القاضي تاج الدين : صالح بن تامر(١) بن حامد بن علي الجَعْبري (٢) الشافعي(٣) ، نائب الحكم بدمشق ، ومُعِيْد(٤) النَّاصرية ، كان ثقة ديناً عدلًا مرضياً زاهداً ، حكم في سنة سبع وخمسين وستمئة ، له فضائل وعلوم ، وكان حسَن الشّكل والهيئة ، توفي في ربيع الأول عن ست وسبعين سنة ، ودفن بالسَّفح وناب في الحكم بعده نجم الدِّين الدمشقي(٥) . الشيخ ضياء الدين الطُّوسيّ : أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن علي الشافعي(٦) مدرس النَّجيبية. شارح ( الحاوي )(٧) و ( مختصر ابن الحاجب )(٨) كان شيخاً فاضلاً بارعاً ، وأعاد في الناصرية أيضاً ، توفي يوم الأربعاء بعد مرجعه من الحمام تاسع عِشْري(٩) جمادى الأولى ، وصُلِّي عليه يوم الخميس ظاهر باب النصر ، وحضر نائب السَّلطنة وجماعةٌ من الأمراء والأعيان ، ودفن بالصُّوفية ، ودرَّس بعده بالمدرسة بهاء الدِّين بن العَجَميّ(١٠) الشيخِ جمال الدين إبراهيم بن محمَّد بن سعد الطَّيْبِيُ(١١): المعروف بابن السواملي (١٢)، والسوامِلِ الطَّاسات . كان معظّماً ببلاد الشرق جداً ، كان تاجراً كبيراً توفي في هذا الشهر المذكور . الشيخ الجليل سيف الدين الرجيحي (١٣) : سيف (١٤) بن سابق بن هلال بن يونس شيخ اليُونسيّة بمقامهم ، صلّي عليه سادسَ رجبٍ بالجامع ، ثم أعيد إلى داره التي سكنها داخل باب توما ، وتعرف بدار أمين الدولة فدفن بها ، وحضر جنازته خلقٌ كثير من الأعيان والقضاة والأمراء ، وكانت له حرمة (١) في ط : أحمد . (٢) في ط : الجعدي . ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٢٠٠) والدليل الشافي (١/ ٣٥٠) وفيه: أبو الفضل، والدارس (٤٦٦/١). (٣) (٤ ) في ط : مفيد بالفاء . هو : أحمد بن عبد المحسن بن حسن بن معالي . وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٦هـ) . (٥) ترجمته في النجوم (٢٢٥/٨) وطبقات الشافعية للسبكي (١٢٥/٦) والدليل الشافي (٤١٨/١) وشذرات الذهب (٦) (١٤/٦) والدارس. (١/ ٤٧٠). لأبي الحسن الماوردي . توفي سنة (٤٥٠هـ) . (٧) هو مختصر لكتاب منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لجمال الدين بن الحاجب المتوفى سنة (٨) (٦٤٦ هـ). (٩) في ط : تاسع عشر . (١٠) هو: يوسف بن أحمد بن عبد العزيز، سبط الكمال بن العديم ، سيأتي في وفيات سنة (٧١٦هـ). (١١) ترجمته في الدرر الكامنة (٥٩/١ - ٦٠) وشذرات الذهب (١٣/٦). ٩ (١٢) في ط : السوابلي بالباء . والسَّوامل: ج سَوْمَلة وهي الفِنجانةَ الصغيرة . التاج ( سمل). (١٣) ترجمته في الدرر الكامنة (١٨٢/٢) والدليل الشافي (٣٣٨/١) والدارس (٢١٦/٢). (١٤) زيادة من المصادر السابقة. ٥٥ أحداث سنة ٧٠٧هـ كبيرة عند الدولة وعند طائفته، وكان ضخم الهامة جداً محلوقَ الشَّعر، وخلّف أموالاً وأولاداً . الأمير فارس الدين الروادي(١): توفي في العشر الأخير من رمضان، وكان قد رأى النبي مَ لّ قبل وفاته بأيام وهو يقول له : أنت مغفور لك . أو نحو هذا ، وهو من أمراءٍ حسام الدِّين لاجين . الشيخ القدوة العابد أبو عبد الله بن مطرف : توفي بمكة في شهر رمضان وقد كان مجاوراً بمكة ستين سنة وكان يطوف كل يوم وليلة خمسين أسبوعاً . وتوفي عن تسعين سنة رحمه الله(٢). الشيخ العابد خطيب دمشق شمس الدين(٣) : محمد بن الشيخ أحمد بن عثمان الخلاطي إمام الكلاَّسة(٤)، كان شيخا حسناً بهيَّ المنظر كثير العبادة ، عليه سكونٌ ووقار ، باشر إمامة الكلاسة قريباً من أربعين سنة ، ثم طلب إلى أن يكون خطيباً بدمشق بالجامع من غير سؤال منه ولا طلب ، فباشرها ستة أشهر ونصف أحسن مباشرة ، وكان حسنَ الصوت طيّب النغمة عارفاً بصناعة الموسيقا ، مع ديانة وعبادة ، وقد سمع الحديث . توفي فجأة بدار الخطابة يوم الأربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة ، وصُلّ عليه بالجامع وقد امتلأ بالناس ، ثم صلّي عليه بسوق الخيل ، وحضر نائب السَّلطنة والأمراء والعامة ، وقد غلقت الأسواق ثم حمل إلى سفح قاسيون رحمه الله . ثم دخلت سنة سبع وسبعمئة [ استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله بن الحاكم العباسي، وسُلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ونوابه وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون ، ولكن خطيب الشام جلال الدين القزويني (٥) ، والشيخ تقي الدين بن تيمية معتقل في الحَبْس من (٦) قلعة الجبل بمصر ، وفي أوائل المحرم أظهر السلطان الملك الناصر الغضب على الأمير سلاَّر(٧) والجاشَنْكير(٨) وامتنع من العلامة ، وأغلق القلعة ، وتحصَّن فيها ، ولزم الأميران بيوتَهما ، واجتمع عليهما جماعةٌ من الأمراء وحُوصرت (١) لم أقع له على ترجمة فيما بين يديَّ من الكتب . (٢) ليس في ط. وترجمته في الدرر الكامنة (٢٦٠/٤) وفيها الأندلسي وفاته في جمادى الأولى، والشذرات (١٦/٦) وفيها وفاته في رمضان . ترجمته في الدرر الكامنة (٣٧٥/٣) والشذرات (١٤/٦) وذكر في الدارس (٤٤٨/١) أنه استلمها بعد وفاة أبيه . (٣) (٤) لصيقة الجامع الأموي من شمال ، ولها باب إليه ، عمَّرها نور الدين الشهيد. الدارس (١/ ٤٤٧). (٥) في ب . (٦) ليس في ط . (٧) في ط : ابن سلاّر . (٨) يريد : بيبرس . ٥٦ أحداث سنة ٧٠٧هـ القلعةُ وجرت خبطة عظيمة ، وغلِّقت الأسواق ، ثم راسلوا السلطان فتوطَّدت الأمور وسكنت الشرور [على دَخَنٍ، وتنافرٍ قلوبٍ ﴾(١). وقوي الأميران أكثر ممّا كانا قبل ذلك وركب السلطان ووقع الصُّلح على دخن . وفي المحرم وقعت الحرب بين التتر وبين أهل كيلان(٢) ، وذلك أن ملك النّتر طلب منهم أن يجعلوا ببلادهم طريقاً لعساكره (٣) فامتنعوا من ذلك ، فأرسل ملك التتر خَرْبَنْدا جيشاً كثيفاً ستين ألفاً من المقاتلة ، أربعين ألفاً مع قَطْلُوشَاه وعشرين ألفاً مع جُوْبان ، فأمهلهم أهل كيلان حتى توسَّطوا بلادهم ، ثم أرسلوا عليهم خليجاً من البحر ، ورَمَوْهم بالنِّقط فغرق كثير منهم واحترق آخرون ، وقَتَلوا بأيديهم طائفة كثيرة ، فلم يُفلت منهم إلا القليل (٤)، وكان فيمن قتل أمير التتر الكبير قَطْلُوشَاه، [فاشتدَّ غضب خَرْبَتْدا على أهل كيلان ، ولكنه فرح بقتل قُطْلُوشاه (٥) فإنه كان يريد قتله فكُفي أمره عنهم ، ثم قتل بعده بولاي ، ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ بُراق الذي قدم الشام فيما تقدَّم إلى أهل كيلان يبلّغهم عنه رسالةً ، فقتلوه وأراحوا النَّاس منه(٦) . [ وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تُستطاع، وهم أهل سُنَّة وأكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم }(٧) وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة(٨) بالشيخ تقي الدين ابن تيمية في دار الأوحدي من قلعة الجبل ، وطال بينهما الكلام ثم تفرّقا قبل الصلاة ، والشيخ تقي الدين مصمّمٌ على عدم الخروج من السّجن ، فلما كان يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول جاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا بن عيسى (٩) ملك العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجنَّ إليه ، فلما خرج أقسم عليه ليأتينَّ معه إلى دار سلاَّر ، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلار وجرت بينهمٍ بحوث كثيرة ، ثم فرَّقت بينهم الصَّلاةُ ، ثم اجتمعوا إلى المغرب ، وبات الشيخ تقي الدين عند سلار ، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميعَ النَّهار ، ولم يحضر أحد من القضاة ، بل اجتمع من الفقهاء (١) ليس في ب. و (على دَخَنٍ ) : أي سكون لغلَبَةٍ لا لصلح. القاموس (دخن). (٢) (( أهل كيلان)): هم قرى متفرقة في مروج بين جبال وراء بلاد طبرستان والعجم ، يقولون عنها : كيلان بالكاف ، وذكرها ياقوت بالجيم ( جِيْلان). ياقوت والدارس (٢٤٦/٢). (٣) في ط : في بلادهم طريقاً إلى عسكره . (٤) الدرر الكامنة (٢٥٤/٣) . (٥) ليست في ب . ذكر صاحب الدرر (٥/٢) : أنه أرسله غازان صحبة قليجا إلى جبال كيلان ليحاربهم ، فأسروا الشيخ ، وقالوا له : أنت (٦) شيخ الفقراء ، كيف تجيَّ صحبة أعداء الدين لقتال المسلمين ، وسلقوه في دست ، وذلك في سنة (٧٠٧هـ) . انتهى . (٧) ليست في ب . هو : محمد بن إبراهيم . سيأتي في وفيات سنة (٧٣٣هـ) . (٨) سيأتي في وفيات سنة (٧٣٥هـ) . (٩) ٥٧ أحداث سنة ٧٠٧ هـ خلقٌ كثيرٌ ، أكثر من كل يوم ، منهم الفقيه نجم الدين بن الرّفعة(١) وعلاء الدين التاجي ، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد ، وعز الدين النَّمْراوي ، وشمس الدين بن عَدْنان وجماعةٌ من الفقهاء ، وطلبوا القضاةَ فاعتذروا بأعذار ، بعضهم بالمرض ، وبعضهم بغيره ، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوٍ عليه من العُلُوم والأدلّة ، وأن أحداً من الحاضرين لا يُطيقه ، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلّفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفَصْل المجلس على خيرٍ ، وبات الشيخُ عند نائب السَّلطنة ، وجاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا يريد أن يستصحب الشيخ تقي الدين معه إلى دمشق ، فأشار سلاَّر بإقامة الشيخ(٢) بمصرَ عنده ليرى النَّاسُ فضلَه وعلْمَه ، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه . وكتب الشَّيخ كتاباً إلى الشام يتضمَّنُ ما وقع له من الأمور (٣). (١) في ط: نجم الدين بن الرفع. وهو أحمد بن محمد بن علي بن الرِّفعة. وسيأتي في وفيات سنة (٧١٠هـ). (٢) في ب : مدّةَّ بمصر . في (أ) زيادة يبدو جلياً أنها ليست من كتابة المصنف رحمه الله، ولكن أوردناها هنا لاعتمادنا على هذه النسخة (٣) الخطية في عملنا أولا ، ولفائدتها ثانياً . قال ابن عبد الهادي : وكان مدَّة مقامه في الجبّ ثمانية عشر شهراً ، فلما خرج خرجَ خلق كثير بخروجه ، وسرّوا سروراً عظيماً ، وحزن لخروجه آخرون ، وضاقت صدورهم ، وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدّين سليمان بن عبد القوي بقصيدة منها : وكلُّ صعب إذا صابرتَه هانا إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا أو امتحانٍ به تزداد قربانا سعداً ومرعاك للأعداء سعدانا آذت وينفع [ من ] بالودِّ والانا ومَنْصباً قِرَع الأفلاك تبيانا في معشر أشربوا في العقل نقصانا لصّيَّروا لكم الأجفان أوطانا عنه الأوائل مذ كانوا إلى الآنا عليك جهل لأهل الفضل قد حانا بحب دنياهمُ يبدون بهتانا ولا يخافون يوم العرض نيرانا وإنني من ذوي الإيمان إيمانا فلا برحت لعين المجد إنسانا فاصبر ففي الغيب ما يُغنيك عن حيل ولست تعدم من خطب رميت به تمحيصِ ذنبٍ لَلْفى الله خالصَه يا سعد إنا لنرجو أن يكون لنا وإن يضرّ بك الرحمن طائفة يا آل تيمية العالين مرتبةً جواهر الكون أنتم ، غير أنّكمُ لا يعرفون لكم فضلاً ولو عقلوا يا من حوى من علوم الخلق ما قصرت إن تُبتلى بلئام الناس يرفعهم أو جاه ظالم ، او قاض قد افتتنوا لا يدّعون أقلّ الله خيرهمُ إني لأُقسم والإسلام معتقدي لم ألق قبلك إنساناً أُسرُّ به في أبيات كثيرة ، يمدح فيها الشيخ ويذم أعداءه . وقال ابن عبد الهادي وغيره : وفي يوم الجمعة صلّى الشيخ تقي الدّين في جامع الحاكم ، وجلس فاجتمع عليه خلق عظيم ، فسأله بعض الحاضرين أن يتكلّم بشيء يسمعونه منه ، فلم يتكلم بل تبسّم ، فقال له رجل : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [ آل عمران: ١٨٧ ] فنهض قائماً، وابتدأ خطبة = ٥٨ أحداث سنة ٧٠٧ هـ الحاجة ، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ فاتحة الكتاب ، ثم تكلّم على تفسير قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ = وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فتكلّم عن معنى العبادة والاستعانة إلى أن أذن مؤذن العصر، بكلام يُسبي العقول وإنما قام قائماً لأن الجمع كان كثيراً ، فانصرف الخلق عن ذلك المجلس ، وقد امتلأت قلوبهم إيماناً ويقيناً ، وكل أحد يقول : لم نسمع بمثل هذا الكلام ، وامتلأت القلوب له محبة ، ومصرُ له ذِكراً . وفي يوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر منها عقد مجلس آخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة واجتمع فيه القضاة وغيرهم ، وكان مما جرى في هذا المجلس أنه قيل له : تستغفر الله العظيم وتتوب إليه . فقال الشيخ : كلنا نستغفر اللّه ونتوب إليه ، ثم التفت الشيخ إلى رجل منهم، فقال له : استغفر الله العظيم وتب إليه ، فقال الرجل: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه ، وكذلك قال لآخر ولآخر ، وكلهم يقول كذلك ، فقيل له : تب إليَّ من كذا وكذا ، وذكر له كلاماً ، فقال له : إن كنت قلت كلاماً يستوجب التوبة فأنا تائب منه . فقال له قائل منهم : هذه ليست توبة ، وكان من أعيانهم ، فردّ عليه الشيخ وجهله ، ووقع كلام يطول ذكره . قال : ووصل كتاب من الشيخ مؤرخ بليلة الجمعة رابع عشر من الشهر المذكور ، ويذكر له أنه عقد له مجلس بالصالحية ثالث ، بعد خروج مُهَنًا في يوم الخميس ، وأنه حصل فيه خير كثير ، وأنّ في إقامته بمصرَ مصالح وفوائد للناس ، وكتب كتاباً إلى والدته يقول فيه : من أحمد بن تيمية إلى الوالدة ، أقرَّ اللّه عينها بنعمِه، وأسبغ عليها جزيل کرمه ، وجعلها من خيار إمائه وخدمه . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وهو للحمد أهل وعلى كل شيء قدير ، وأسأله أن يُصلي على خاتم النبيين ، وإمام المتقين ، محمد عبده ورسوله ، ويسلم تسليماً كثيراً . كتابي إليكم عن نعم عظيمة ، ومِنَنِ كريمة ، وآلاء جسيمة ، نشكر الله عليها ، ونسأله المزيد من فضله ، ونعم الله كلما شكرت في نمو وازدياد ، وأياديه جلّت عن التعداد ، وتعلمون أن مقامنا في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية ، متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا . لسنا والله مختارين البعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم ، ولكن الغائب عذره معه ، متى قدم ابتدأه أو كتمه ، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور ، فإنكم ولله الحمد لا تختارون إلا ذلك ، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهراً واحداً ، بل كل يوم أستخير الله تعالى في السفر إليكم ، واستخيروا الله لنا ولكم وادعوا لنا بالخيرة ، فنسأل الله العظيم أن يقدَّر لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخير ، في خير وعافية ، وحسن عاقبة ، ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والهداية والبركة ما لم يكن يخطر بالبال ، ونحن في كل وقت في ازدياد من الخير ، وفي الاهتمام بالسفر مستخيرون الله ، فلا يظنُّ الظَّانُّ أنا نؤثر على قربكم شيئاً من أمور الدنيا ، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجحَ منه ، ولكن ثمَّ أمور كبار نخاف الضرر العام من إهمالها ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة ، فإن الله سبحانه يعلم ولا نعلم ، ويقدر ولا نقدر ، وهو علام الغيوب . وقد قال النبي ◌َّةُ: ((من سعادة ابن آدم استخارته لله، ورضاه بما يقسم الله ، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله ، وسخطه بما يقسم الله له )). والتاجر يكون مسافراً فيخاف ضياع بعض ماله ، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيَهُ ، وما نحن فيه أمر يجلُّ عن الوصف ، ولا حول ولا قوة إلا بالله [ العلي ] العظيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيراً، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار ، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحداً واحداً، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً . و کتب إلى أخيه لأمه : = ٥٩ أحداث سنة ٧٠٧هـ من أحمد بن تيمية إلى الأخ الشيخ العالم بدر الدين تولّاء الله في جميع الأمور ، وصرف عنه كل محذور ، وأصَّل له أمر الدنيا وأمر الآخرة، وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فإنّا نحمَدُ إليكم الله، ثم قال : أما بعد : فقد وصل كتابكم المبشّر بوصول الكتاب إليكم ، فحمدنا الله على ما أنعم به عليكم من وصول أخبار السرور إليكم ، ومن حين خرجنا لم نزل في آلاء مترادفة ، ونِعَم متزايدة ، ومنن جازت حدَّ الأماني ، بحيث يقصر الخطاب والكتاب عن تفصيل معشارها ، ونِعَم في زيادة ، والله هو المسؤول أن يوزعَنا وسائرَ إخواننا المؤمنين شكرها ، ويزيدنا من فضله ، وفي مقامنا بمصر من حصول الخير والفوائد لأهل هذه البلاد وتلك ، ولكم ولسائر المسلمين ما أوجب التأخر عن التعجيل إليكم ، فستعلمون أن ذلك من تمام نعم الله سبحانه ، فإنّ في ذلك من الخير ما لم يمكن وصفه . وقد كان عقد مجلس بالمدرسة المنصورية يوم الخميس ، وكان يوماً مشهوداً ، كان من رحمة الله ولطفه ومنّته ، وانتشار الدعاء المستجاب ، والثناء المستطاب ، واجتماع القلوب على ماتحبونه ، وتختارونه ، فوق ما كان بالشام وأعظم منه ، بحيث صار عند أهل مصر من البشرى والسرور ، ورجوع جماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم إلى الحق . وعرفوا من نعم الله علينا ما لا يُحَدَّ ولا يوصف ، وظهر الحق للعامة والخاصة ، ووصل الجماعة القادمون عقيب بيان ذلك يوم الجمعة ، فجمع الله الشمل على أحسن حال ، فالحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات ، والحمد لله الذي جمع قلوب المؤمنين ، فأكثروا الشكر لله ، والثناء عليه . وعليكم بما يجمع قلوب المؤمنين ، ويُؤلف بين قلوبهم وإياكم والبطر والتفريق بين المؤمنين ، فالأصل الذي يبنى عليه الاعتصام بالسنة والجماعة هو اجتماع قلوب المؤمنين بحيث لا يوجد التفريق بينهم والاختلاف بحسب الإمكان ، فإن الذي صنعه الله ويصنعه في هذه القضية أمر جازَ حدَّ الأوهام ، وفات قويَّ العقول ، وهو من حكم الله تعالى ، والحمد لله ربّ العالمين ، حمداً كثيراً طيباً ، مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربُّنا ويرضى ، ثم ذكر السلام على الإخوان ، والأخوات والأصحاب . ومنها كتاب كتب فيه بعد حمد الله والصلاة على نبيه وَلقر أما بعد: فإن الله - وله الحمد - قد أنعم عليَّ من نعمه العظيمة، ومننه الجسيمة وآلائه الكريمة وعن المحذور على المقدور ، والعبد مأمور بالصبر في السراء أعظم من الصبر في الضرّاء . قال تعالى : ﴿ وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَتُوسُ كَفُورٌ ﴿ وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّتِّئَاتُ عَنِّىَّ إِنَّهُ لَفَرِعٌ فَخُوِّ (٥) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَخْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ -١١]. وتعلمون أن الله سبحانه في هذه القضية منَّ المنن التي فيها من أسباب نصر دينه ، وعلو كلمته ونصر جنده وعزّة أوليائه وقوة أهل السنّة والجماعة ، وإن أهل البدعة والفُرقة وتقرير ما قررناه عندكم من السنَّة وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب الهدى والنصر، والدلائل وظهور الحق لأمم لا يُحصَوْن ، وإقبال الخلائق إلى سبيل السنّة والجماعة ، وغير ذلك، مع سدِّ أبوابٍ من الضلال ، وبيع ، وطموس سبيل الشيطان ، وغير ذلك من المنن ما لا بدَّ معه من عظيم الشكر . وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب واجتماعها وصلاح ذات البين . قال الله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. ويقول: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَزَّقُواْ﴾ [ آل عمران: ١٠٣]. ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ اَلْبَيِّنَتُ﴾ [ آل عمران: ١٠٥]. ٦٠ أحداث سنة ٧٠٧هـ وأمثال هذا من النصوص التي يأمر الله فيها بالجماعة والائتلاف ، وينهى عن التفرق والاختلاف ، وأهل هذا الأصل = هم أهل الجماعة ، كما أنّ الخارجين عنهم هم أهل الفرقة والاختلاف ، وجماع ذلك طاعة الله ورسوله . وفيٍ ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة عن النبي بمَّ قال : (( إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، وأن تُناصِحُوا من ولاء الله أموركم)). وفي ((السُّنن)) من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود - فقيهي الصحابة - عن النبي ◌َّ قال: ( نَضَّر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلَّغه إلى من لم يسمعه ، فربَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيه ، وربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه ، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلبُ مسلم : إخلاصُ العمل لله ، ومناصحةُ ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)). قوله : لا يغل : أي لا يحقد عليهن ، فلا يبغض هذه الخصال قلب مسلم ألبثَّةً ، بل يحبُّهنّ ويرضاهنّ . وأوّلُ ما يبدأ به من هذا الفضل وما يتعلق بي . فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحبُّ أن يؤذى أحدٌ من عموم المسلمين بسببي ، فضلاً عن أصحابي ، لا باطناً ولا ظاهراً ، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً . بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كلٌّ يحسبه . ولا يخلو الرجل من أن يكون مجتهداً مصيباً أو مجتهداً مخطئاً أو مذنباً . فالأول مأجور مشكور ، والثاني مأجور على اجتهاده معفوٌّ عن خطئه ، والثالث : المذنب ، فالله يغفر لنا وله ، فيطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل . كقول القائل : فلان قصّر ، فلان ما عمل جيداً ، فلان أوذي الشيخ بسببه ، فلان كان بسبب هذه ، فلان كان يتكلم في كذا ، ونحو ذلك فيما فيه قدمَة لبعض الأصحاب . فإني لا أسامح من إذا همَّ في مثل هذا الباب ، بل مثل هذا نعود على قائله بالملام ، إلا أن تكون له نيَّةٌ حسنة ، فيكون ممن يغفر الله له إن شاء الله . وقد عفا الله عما سلف . وتعلمون أيضاً أنما كان يجري مني من نوع تغليظ وتخشين لبعض الأصحاب بدمشق وما جرى الآن بمصر ، ومما هو جار ، فليس ذلك بغضاضة ولا نقص من حقّ صاحبه ، ولا حصل بسبب ذلك تغيُّر منا عليه ، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدراً ، وأنبه ذكراً ، وأحبُّ وأعظم عندنا ، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض ، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى ، وقد لا ينقطع الوسخ إلا بنوع من الخشونة ، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما يحمد معه ذلك التخشين . وتعلمون أنا جميع متعاونون على البر والتقوى ، واجب علينا نصر بعضنا بعضاً ، أعظم ما كان وأشدّ ، فمن رام أن يؤذيَ بعض الأصحابِ لما قد يظنّه من نوع تخشين مؤمل به بدمشق أو بمصر الساعةَ أو غير ذلك فهو الغالط ، وكذلك من ظن أن المؤمنين يتخلَّون عما أمروا به من التعارف والتناصر، فقد ظن ظنَّ سوء، وإن الظنَّ لا يغني من الحق شيئاً. وما غاب أحد عنّا من الجماعة أو قدم إلينا الساعة أو قبل ذلك إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجلُّ وأرفع وتعلمون - رضي الله عنكم ــ أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع من اجتهاد الاراء ، واختلاف الأهواء ، وتنوع أحوال أهل الإيمان وما لا بد منه من نزغات الشيطان ، ما لا يُتصوّر أن يعتري عنه نوع الإنسان ، ولا سيما وقد وصف الله الإنسان بالظلم والجهل فقال : ﴿ وَحَلَهَا الْإِنَنِّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُومًا جَهُولًا (٣) لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِفِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣] بل أنا أقول تنبيهاً بالأدنى على الأعلى وبالأقصى على الأدنى :