Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
عجيبة من عجائب البحر
الزَّمْلَكَانيُ(١) يعلمهم بأحوال الأمير جمال الدين الأفرم، وكذلك كمال الدين بن العطار٢) . فلما وقف عليه
نائب السلطنة عرف أن هذا مفتعل ، ففحص عن واضعه فإذا هو فقيرٌ كان مجاوراً بالبيت الذي كان مجاور
محراب الصحابة(٣) ، يقال له: اليعفوري، وآخر معه يقال له: أحمد الغناري، وكانا معروفين بالشرِّ والفضول،
ووجد معهما مسوَّدَة هذا الكتاب ، فتحقق نائب السلطنة ذلك ، فَعُزِّرا تعزيراً عنيفاً ، ثم وسطا بعد ذلك .
[ في مستهل جمادى الآخرة ]٤) وقطعت يد الكاتب الذي كتب لهما هذا الكتاب ، وهو التاج المناديلي .
وفي أواخر جمادى الأولى انتقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري إلى نيابة القلعة عوضاً
عن أرجواش .
عجيبة من عجائب البحر(٥)
قال الشيخ علم الدين البِرْزالي في ( تاريخه) : قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه لما كان
بتاريخ يوم الخميس رابع جمادى الآخرة ظهرت دابة ، عجيبة الخِلْقة ، من بحر النيل إلى أرض المنوفية ،
بين بلاد منية مسعود واصطباري والراهب ، وهذه صفتها : لونها لون الجاموس بلا شعر ، وآذانها كآذان
الجمل ، وعيناها وفرجها مثل الناقة ، يغطي فرجَها ذنبٌ طوله شبر ونصف كذنب(٦) السمكة ، ورقبتها
مثل غلظ الكيس المحشو تبناً ، وفمها وشفتاها مثل الكِرْبال(٧) ، ولها أربعة أنياب ، اثنان من فوق واثنان
من أسفل ، طول كل واحد دون الشبر في عرض إصبعين ، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرساً وسناً مثل
بيادق الشطرنج ، وطول يدها من باطنها إلى الأرض شبران ونصف ، ومن ركبتها إلى حافرها مثل بطن
الثعبان ، أصفر مجعَّد، ودور حافرها مثل السُّكُرُجَة بأربعة أظافير مثل أظافير الجمل ، وعرض
ظهرها مقدار ذراعين ونصف ، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدماً وفي بطنها ثلاثة كروش ،
ولحمها أحمر له زفرة مثل السمك ، وطعمه كلحم الجمل ، وغلظ جلدها أربعة أصابع ما تعمل فيه
السيوف ، وحمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله على جمل بعد جمل ، وأحضروه إلى
بين يدي السلطان بالقلعة وحشوه تبناً وأقاموه بين يديه ، والله أعلم .
ستأتي ترجمته في وفيات سنة ( ٧٢٧هـ ) .
(١)
ستأتي ترجمته في وفيات هذه السنة .
(٢)
محراب الصحابة في جامع بني أمية .
(٣)
(٤)
ليست في ط .
ذكرها ابن إياس في بدائع الزهور (١/ ٤١٠) وفيه: سابع جمادى الآخرة من سنة ٧٠١هـ . وكذلك ذكرها صاحبُ
(٥)
النجوم الزاهرة ( ٢٠٠/٨) وفيه: رابع جمادى الآخرة .
في ب : طرفه كذنب .
(٦)
((الكِزْبال)): مندف القطن. القاموس المحيط ( كربل ).
(٧)

٢٢
أوائل وقعة شقحب
وفي شهر رجب قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام ، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم
جداً، وقَنَتَ الخطيب في الصلوات، وقُرِىء البخاري، وشرع الناس في الجَفَلُ(١) إلى الديار المصرية
والكَرَك والحصون المنيعة ، وتأخر مجيء العساكر المصرية عن إيّانها ، فاشتد لذلك الخوف .
وفي شهر رجب باشر نجم الدين بن أبي الطيب نظر الخزانة عوضاً عن أمين الدين سليمان .
وفي يوم السبت ثالث شعبان باشر مشيخة الشيوخ بعد ابن جماعة القاضي ناصر الدين عبد السلام(٢)،
وكان جمال الدين الزرعي(٣) يسد الوظيفة إلى هذا التاريخ .
وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من
مصر لمناجزة التتار [ المخذولين ]٤) .
وفي هذا اليوم بعينه كانت وقعة عُرض(٥) وذلك أنّه التقى جماعة من أمراء الإسلام فيهم أسَنْدَمُر(٦)
وبَهَادُر آصُ(١) وكجكن وغرلو العادلي (١)، وكلٌّ منهم سيف من سيوف الدين(٩) في ألف وخمسمئة
فارس ، وكان التتار في سبعة آلاف مقاتل(١٠) ، فاقتتلوا ، وصبر المسلمون صبراً جيداً ، فنصرهم الله
وخذل التتر ، فقتلوا منهم خلقاً وأسروا آخرين ، وولوا عند ذلك مدبرين ، وغنم المسلمون منهم غنائم ،
وعادوا سالمين لم يفقد منهم إلا القليل ممن أكرمه الله بالشهادة ، ووقعت البطاقة بذلك ، ثم قدمت
الأسارى يوم الخميس نصف شعبان ، وكان يوم خميس النصارى .
أوائل وقعة شقحب (١١)
وفي ثامن عشر قدمت طائفة من جيش المصريين ، فيهم الأمير ركن الدين بيْبَرس
((الجفلُ)» : الهربُ .
(١)
سيأتي في وفيات سنة ٧٠٩هـ .
(٢)
(٣)
سيأتي في وفيات سنة ٧٣٤هـ .
زيادة من ب وط والخبر في تاريخ ابن خلدون (٤١٨/٥) والبدائع (٤١٣/١).
( ٤)
عُرْض بعين مهملة مضمومة ، بليد في بريّة الشام وهو بين تدمر والرّصافة . انظر ياقوت .
(٥)
(٦)
ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١١هـ .
ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٣٠هـ .
(١)
ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٩هـ .
(٨)
كذا في ب وط وفي أ : الملَّة .
(٩)
(١٠) ليست في ب وط .
(١١) (( شَقْحَبُ)): موضع قرب دمشق، نسب إليه جماعة من المحدِّثين، انظر ((التاج)) ( شقحب ) وذكرها ابن خلدون في
تاريخه (٤١٨/٥) وقال: هي مرج الصُفَّر، وفي ((بدائع الزهور)) (٤١٣/١)، هي: مرج راهط تحت جبل غباغب ،
وكلاهما من نواحي دمشق . وما تزال قائمة إلى يومنا هذا ، تبعد عن زاكية ٧ كم وهي بين النافور وكناكر والزريقيّة.

٢٣
أوائل وقعة شقحب
الجَاشَنْكير(١)، والأمير حسام الدين لاجين المعروف بالإستادار(٢) المنصوري، والأمير سيف الدين
كراي المنصوري(٣) ، ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير سلاح ، وأيبك الخزندار ،
فقويت القلوب ، واطمأن كثير من الناس ، ولكن الناس في جَفَل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص
وتلك النواحي ، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص ، ثم خافوا أن يدهمهم التتر ، فجاؤوا ،
فنزلوا المرج يوم الأحد خامس(٤) شعبان ، ووصل التتار إلى حمص وبعلبك ، وعاثوا في تلك الأراضي
فساداً ، وقلق الناس قلقاً عظيماً ، وخافوا خوفاً شديداً، واختبط البلد لتأخّر قدوم السلطان ببقية الجيش ،
وقال الناس : لا طاقة لجيش الشّام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم ، وإنما سبيلهم أن يتأخروا
عنهم مرحلة مرحلة . وتحدث الناس بالأراجيف ، فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور بالميدان ،
وتحالفوا على لقاء العدو، وشجّعوا أنفسهم، ونودي بالبلد أن لا يرحل أحدٌ منه ، فسكن الناس وجلس
القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال ، وتوجّه الشيخُ تقي الدين بن تيمية إلى
العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القُطَيِّفةُ(٥) فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء
العدو ، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم ، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في
هذه الكرة منصورون ، فيقول له الأمراء : قل إن شاء الله ، فيقول : إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً . وكان
يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [ الحج: ٦٠].
وقد تكلّم النّاسُ في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو ، فإنهم يُظهِرون الإسلام وليسوا بغاةً على
الإمام ، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه . فقال الشيخ تقي الدين : هؤلاء من جنس
الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاويةَ، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما ، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق
بإقامة الحق من المسلمين ، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبّسون به من المعاصي والظلم ، وهم
متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة ، فتفطن العلماء والناس لذلك ، وكان يقول للناس : إذا
رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني ، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم
ونياتهم ، ولله الحمد .
ولما كان يوم الرابع والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشَّامية فخيَّمت على الجسور من ناحية
سيأتي في وفيات سنة ٧٠٧هـ .
(١)
سيأتي في وفيات سنة ٧٢٩هـ. ((والإستادار)): وظيفة عسكرية يتولّى صاحبها قبض مال السلطان أو الأمير
٢٠)
وصرفه .
توفي سنة ٧١٩هـ. ترجمته في الدرر الكامنة (٢٦٦/٣) والدارس (٢٩٧/٢).
(٣)
(٤)
في أ : خامس عشر من :
في ط : القطيعة . والقطيِّفة بالفاء : قرية تبعد عن دمشق نحو ( ٤٥ كم ) إلى الشمال على يمين الذاهب إلى
(٥)
حمص . باقوت .

٢٤
أوائل وقعة شقّحب
الكُسْوَة١)، ومعهم القضاة ، فصار الناس فيهم فريقين : فريق يقولون : إنما ساروا ليختاروا موضعاً
للقتال ، فإن المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال ، وقال فريق : إنّما ساروا إلى تلك الجهة
ليهربوا وليلحقوا بالسلطان . فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكُسْوَة فقويت ظنون الناس في
هربهم ، وقد وصلت التتار إلى قَارَة٢ُ) ، وقيل: إنهم وصلوا إلى القُطَيِّفة، فانزعج الناس لذلك
انزعاجا٣ً) شديداً، ولم يبق حول القرى والحواضر أحد ، وامتلأت القلعة والبلد ، وازدحمت المنازل
والطرقات ، واضطرب الناس ، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور
من باب النصر بمَشَقَّةٍ كبيرة ، وصحِبته جماعة ليشهد القتالَ بنفسه ومن معه ، فظنُّوا أنَّه إنَّما خرج هارباً
فحصل اللَّومُ من بعض الناس ، وقالوا : أنت منعتنا من الجَفَل ، وها أنت هارب من البلد؟ فلم يرد
عليهم ، وبقي البلد ليس فيه حاكم، وعائت(٤) اللُّصوص والحرافيش فيه وفي بساتين الناس يخربون
وينتهبون ما قدروا عليه ، ويقطعون المشمش قبل أوانه والباقلاء والقمح وسائر الخضراوات ، وحيل بين
الناس وبين خبر الجيش وانقطعت الطرق إلى الكُسْوة ، وظهرت الوحشة على البلد والحواضر ، وليس
للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يميناً وشمالاً، وإلى ناحية الكُسْوة فتارة يقولون: رأينا غبرةً
فيخافون أن تكون من التتر ، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجودة عدتهم وعددهم ، أين ذهبوا ؟
فلا يدرون ما فعل الله بهم ، فانقطعت الآمال وألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصّلوات وفي كل
حال ، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان ، وكان الناس في خوف ورعب لا يعبّر عنه ، لكن
كان الفرج من ذلك قريباً ، ولكن أكثرهم لا يعلمونُ(٥)، كما جاء في حديث أبي رزين(٦): ((عَجِبَ رَبُّكَ
مِنْ قُنُوْطِ عبادِهِ وقُرْبِ غِيَرِهِ ينظر إليكم أَزْلِين قنطينَ ، فيظَلُّ يضحَكُ يعلم أن فَرَجَكُم قَرِيْبٌ)(٧) .
فلما كان آخر هذا اليوم وصل الأمير فخر الدين إياس(٨) المرقبي أحد أمراء دمشق، فبشَّرَ الناس
(١) ((الكُسْوة)): بلدة معروفة على طريق دمشق درعا، تبعد عن دمشق نحو ( ٢٠ كم ) جنوباً. وقيل : سميت لذلك
لأن غسّان قتلت بها رسُل ملك الروم لما أتوا إليهم لأخذ الجزية ، واقتسمت كسوتهم . ياقوت .
(٢)
قارة : بلدة على طريق دمشق حمص تبعد نحو ( ١٠٠ كم ) إلى الشمال من دمشق .
(٣)
ليست في ب ، ط .
(٤)
في ب ، ط : جاس .
(٥)
في ب ، ط : لا يفلحون .
(٦)
هو أبو رزين العقيلي .
(٧)
أخرجه أحمد (١١/٤) رقم (١٦١٤٥)، وابن ماجه رقم (١٨١) في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية
ولفظه فيه: (( ضحك ربنا ... غيره)). وله تتمة غير التي أوردها المؤلف هاهنا وفي إسناده ضعف . وفي النهاية
لابن الأثير (٤٦/١): (( عجب ربكم من أزْلكم وقنوطكم، هكذا يروى في بعض الطّرق، والمعروف من
((إِلَّكُم)). وهو مافي قنعة الأريب في تفسير الغريب لابن قدامة المقدسي، تحقيق. صديقنا الفاضل د. علي
حسين البواب ( ص٤٤) (( وإلَكُم)): رفع أصواتكم بالدعاء قلت : وهو الأنسب للمعنى هنا .
(٨) ويقال له : إياز ، قتل سنة ٧٥٠هـ وسيأتي في أخبارها.

٢٥
صفة وقعة شقحب
بخير ، هو أن السلطان قد وصل وقت اجتمعت العساكر المصرية والشامية(١) ، وقد أرسلني أكشف هل
طَرَقَ البلدَ أحدٌ من التتر ، فوجد الأمر كما يُحب [ لم يطرقها أحد منهم ]٢)، وذلك أن التتار عرجوا من
دمشق إلى ناحية العساكر المصرية ، ولم يشتغلوا بالبلد ، وقد قالوا : إن غَلَبنا ، فالبلد لنا ، وإن غُلبنا فلا
حاجة لنا به ، ونودي بالبلد بتطييب الخواطر ، وأن السلطان قد وصل ، فاطمأن الناس وسكنت
قلوبهم(٣) ، وأثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقي الدين الحنبلي ، فإن السماء كانت مغيمة ، فعلقت
القناديل ، وصليت التراويح ، واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته ، وأصبح الناس يوم الجمعة في هَمِّ
شديد وخوف أكيد ، لأنهم لا يعلمون ما خبر الناس . فبينما هم كذلك إذ جاء الأمير سيف الدين غرلو
العادلي ، فاجتمع بنائب القلعة ، ثم عاد سريعاً إلى العسكر ، ولم يدر أحد ما أخبر به ، ووقع الناس في
الأراجيف والخوض .
صفة وقعة شَقْحَب
أصبح النّاسُ يومَ السبت على ما كانوا عليه من شدة الخوف وضيق الأمر ، فرأوا من المآذن سواداً
وغبرة من ناحية العسكر والعدوّ ، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم ، فابتهلوا إلى الله عز وجل
بالدعاء في المساجد والبلد ، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم ، وضح البلد ضجة
عظيمة ، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير ، ثم سكن الناس ، فلما كان بعد الظهر قُرِئت بطاقةٌ
بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان
في مرج الصُّفَّر(٤)، وفيها طلب الدعاء من الناس والأمر بحفظ القلعة . والتحرُّز على الأسوار. فدعا
الناس في الجامع والبلد ، وانقضى النهار، وكان يوماً مزعجاً هائلاً، وأصبح الناس يوم الأحد يتحدّثون
بكسر التتر ، وخرج الناس إلى ناحية الكُسْوة ، فرجعوا ومعهم شيء من المكاسب ، [ ومعهم رؤوس من
رؤوس التتر ]°)، وصارت أدلة كسرة التتار تقوى وتتزايد قليلاً قليلاً حتى اتضحت جملة، ولكن الناس لِمَا
عندهم من شدة الخوف وكثرة التتر لا يصدِّقون ، فلما كان بعد الظهر قُرِىء كتابُ السلطان إلى متولّي
القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت بشَقْحَب وبالكُسْوة ، ثم جاءت بطاقةٌ بعد العصر من نائب
السلطان جمال الدين آقوش الأفرم إلى نائب القلعة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى
الساعة الثانية من يوم الأحد ، وأن السيف كان يعمل في رقاب النتر ليلاً ونهاراً وأَنّهم هربوا وفرُوا
في ب : وهذا هو المقصود وقد أرسلني ليكشف .
(١)
(٢)
ليست في ب .
زاد في ب : سكنت قلوب الناس مع وجوفها ، وخوفها ، وبالله المستعان .
(٣)
((مرج الصُّفَّر)): قرب دمشق . ياقوت .
(٤)
ليست في ب .
(٥)

٢٦
صفة وقعة شقحب
واعتصموا بالجبال والتلال ، وأنّه لم يسلم منهم إلا القليل ، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم ،
وتباشروا لهذا الفتح العظيم والنّصر المبارك ، ودقّت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور ، ونُودي بعد
الظهر بإخراج الجُفَّالُ(١) من القلعة لأجل نزول السُّلطان بها ، وشرعوا في الخروج .
وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكُسْوة إلى دمشق، فبشَّروا النَّاس بالنَّصر . وفيه دخل
الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد ، ففرح النّاس به ودعَوْا له وهنّؤوه بما يسر الله
على يديه من الخير ، وذلك أَنّه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق ،
فسار إليه فحثَّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر ، فجاء هو وإياه جميعاً ، فسأله السُّلطان
أن يقف معه في معركة القتال ، فقال له الشيخ : السُّنَّةُ أن يقف الرجل تحت راية قومه ، ونحن من جيش
الشام لا نقف إلا معهم ، وحرض السلطان على القتال ، وبشَّره بالنصر ، وجعل يحلف له بالله الذي لا إلّه
إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة ، فيقول له الأمراء : قل إن شاء الله ، فيقول : إن شاء الله
تحقيقاً لا تعليقاً . وأفتى الناسَ بالفطر مدَّة قتالهم ، وأفطر هو أيضاً، وكان يدور على الأجناد والأمراء
فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوّوا على القتال أفضل ، [ فيأكل الناس ]٢)، وكان
يتأوَّل في الشاميين قوله ◌ِِّ: ((إنكُم مُلاقُو العدوَّ غداً، والفِطْر أقْوى لَكُم)) فعزم عليهم في الفطر عام
الفتح كما في حديث أبي سعيد الخُدري(٣)
وكان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان ، ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت
السلطان ثباتاً عظيماً ، وأمر بجواده فقيّد حتى لا يهرب ، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف ، وجرت
خُطوب عظيمة ، وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرُّومي أستاذ دار
السلطان ، وثمانية من الأمراء المقدَّمين معه ، وصلاح الدين بن الملك السعيد الكامل بن السعيد بن
الصالح إسماعيل(٤) ، وخلق من كبار الأمراء ، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ ،
واستظهر المسلمون عليهم . ولله الحمد والمنة .
فلما جاء الليلُ لجأَ التتر إلى اقتحام التُّلول والجبال والآكام ، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من
الهرب ، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر ، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله عز وجل ،
وجعلوا يجيؤون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم ، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم
القليل ، ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك ، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في
(١) ((الجفّال)) : الهاربون.
(٢)
زيادة من ط .
هكذا رواه المؤلف - رحمه الله - بالمعنى، وهو في صحيح مسلم رقم (١١٢٠ ) في الصَّيام ، باب : أجر المفطر في
(٣)
السفر إذا تولى العمل، وأبو داود أيضاً رقم (٢٤٠٦) في الصّوم ، باب : الصوم في السفر ، وفي لفظه اختلاف .
(٤) النجوم الزاهرة (٢٠٦/٨) وبدائع الزهور (٤١٤/١) ، وفيهما ذكر لمن استشهد معهم في ذلك اليوم .

٢٧
صفة وقعة شقحب
الفرات(١) بسبب الظلام ، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمّة عظيمة شديدة ، ولله الحمد والمنّة .
ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة ، وزُيِّنت البلد ، وفرح كل
واحد من أهل الجمعة والسبت والأحد(٢)، فنزل السطان في القصر الأَبْلق (٣) والميدان، ثم تحوّل إلى
القلعة يوم الخميس ، وصلّى بها الجمعة ، وخلع على نوّاب البلاد وأَمَرَهم بالرجوع إلى بلادهم ،
واستقرت الخواطر ، وذهب اليأس وطابت قلوب الناس .
وعزل السلطان ابن النحاس عن ولاية المدينة وجعل مكانه الأمير علاء الدين أَيْد غدي(٤) أمير علم ،
وعزل صارم الدين إبراهيم(٥) والي الخاص عن ولاية البر ، وجعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين
الصغير(٦) ، ثم عاد السطان إلى الديار المصرية(٧) يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وَعيَّد
بدمشق .
وطلب الصوفيَّةُ من نائب دمشق الأَفرم أن يولّي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي ،
فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضاً عن ناصر الدين بن عبد السلام(٨)، ودخل السلطان
القاهرة٩) يوم الثلاثاء ثالث عِشري شوال ، وكان يوماً مشهوداً ، وزُيِّنت القاهرة .
وفيها جاءت زلزلة ١) عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة ،
وكان جمهورها بالديار المصرية ، تلاطمت بسببها البحار ، فكُسِرت المراكب ، وتَهدَّمت الدور ، ومات
خلق كثير لا يعلمهم إلا الله ، وشقّقت الحيطان ، ولم يُرَ مثلُها في هذه الأعصار ، وكان منها بالشام
طائفة ، لكن كان ذلك أخف [ من سائر البلاد غيرها ](١)
وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد ابن الحاج الإشبيلي المالكي إمامُ(١٢) محراب المالكية بجامع
دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصّنْهاجي .
في ب : ثم بعد كل أمر غرق منهم في الفرات أمة بئست الأمة .
(١)
(٢)
يعنىٍ مِن المسلمين واليهود والنصارى .
(( الأبْلَق)): قصر بناه في الميدان في دمشق، الملك الظاهر بيبرس. فوات الوفيات (١/ ٢٤٤).
(٣)
(٤)
ويعرف بالزَّرَّاق . النجوم الزاهرة (٩/ ١٢ ).
(٥)
سيأتي ذكره في وفيات سنة ٧٢٣هـ .
(٦)
سيأتي ذكره في وفيات سنة ٧٢٩هـ .
(١)
ابن خلدون ( ٤١٨/٥ ).
الدارس في تاريخ المدارس (١٥٦/٢) .
(٨)
في ب : وكان دخول السلطان والعساكر إلى القاهرة . . .
(٩)
(١٠) في ب: وزلزلت الشام. وكذلك النجوم الزاهرة ( ٨/ ٢١٠).
(١١) ليست في ب .
(١٢) في ب: إمامة. والإشبيلي وفاته سنة ٧٢٨هـ. الدارس (٦/٢) وما بعدها.

٢٨
وفيات سنة ٧٠٢هـ
وممّن توفي فيها من الأعيان :
ابن دَقِيْقِ العِيْد : الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد(١)
القُشَيري المصري .
ولد يوم السبت الخامس والعشرين(٢) من شعبان سنة خمس وعشرين وستمئة بساحل مدينة يَنْبُع من
أرض الحجاز .
سمع الكثير ، ورحل في طلب الحديث ، وخرّج ، وصنّف فيه إسناداً ومتناً مصنفات عديدةً ، فريدة
مفيدة ، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه ، وفاق أقرانه ، ورحل إليه الطلبة(٣) ودرّس في أماكن كثيرة ،
ثم ولّي قضاء الديار المصرية في سنة خمس وتسعين(٤) وستمئة، ومشيخة دار الحديث الكاملية (٥) .
[ وقد اجتمع به الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فقال له تقي الدين بن دقيق العيد لما رأى تلك العلوم
منه : ما أظن بقي يخلق مثلك (٦) . وكان وقوراً قليل الكلام غزير الفوائد كثير العلوم في ديانة ونزاهة ،
وله شعر رائق .
توفي يوم الجمعة حادي عشر شهر صفر ، وصلّي عليه يوم الجمعة المذكور بسوق الخيل ، وحضر
جنازته نائب السلطنة والأمراء ، ودفن بالقَرَافة الصُّغرى ، رحمه الله .
الشيخ برهان الدين الإسكندري إبراهيم بن فلاح(٧) بن محمد بن حاتم : سمع الحديث(٨) وكان
دیّناً فاضلاً .
وُلد سنة ست وثلاثين وستمئة . وتوفي يوم الثلاثاء رابع وعشرين شوال عن خمس وستين سنة ٩) .
(١) ترجمته في: الدرر الكامنة (٤/ ٩١ - ٩٦) وفيه: محمد بن علي بن وهيب بن مطيع، والنجوم الزاهرة
(٢٠٦/٨) وبدائع الزهور (٤١١/١ -٤١٢) وشذرات الذهب (٥/٦) والطالع السعيد (ص٣١٧) وفيه: أن جدّ
أبيه كان عليه طيلسان شديد البياض في يوم عيد ، فقيل : كأنه دقيق العيد فلقب به .
(٢)
في النجوم الزاهرة : مولده في العشرين من شعبان .
(٣)
زاد في ب : وحنّت إلى فوائده الركاب .
(٤)
كذا في ط وب ، وفي أ : وسبعين وهو سهو .
(٥)
التي في القاهرة .
(٦)
زيادة من ط .
ترجمته في الدرر الكامنة (٥٣/١) والدارس (٢٦/١).
(٧)
زاد في ب وتفقه ودرَّس بالقوصيّة، وأعاد ، وأفتى ، وناب في الخطابة مدةً ، وفي الحكم عن ابن جماعة وهي
(٨)
كذلك في الدرر والدارس (٤٣٩/١).
زاد في ب : ودفن بالقرب من الفندلا وي .
(٩)
والفندلاوي هو أبو الحجاج يوسف بن درباس المغربي شيخ المالكية ، قُتل في حصار الفرنج لدمشق سنة ٥٤٣هـ .
الدارس (١١/٢) .

٢٩
أحداث سنة ٧٠٣هـ
وبعد شهر (١) بسواء كانت وفاة :
الصدر كمال(٢) الدين بن العطار: كاتب الدرج منذ أربعين سنة ، أبو العباس أحمد بن أبي الفتح
محمود بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سلمان(٣) بن فتيان الشيباني ، كان من خيار الناس وأحسنهم
نقيبة(٤) ، ودفن بتربة لهم تحت الكهف بسفح قاسيون ، وتأسف الناس عليه لإحسانه إليهم ، رحمه الله
تعالى .
الملك العادل زين الدين كَتْبُغا٥): توفي بحماة نائباً عليها بعد صَرْخَد(٦) يوم الجمعة يوم عيد
الأضحى ، ونقل إلى تربته بسفح قاسيون غربي الرباط الناصري ، [ يقال لها : العادلية ، وهي تربة مليحة
ذات شبابيك وبوابة ومئذنة ]٧) ، وله عليها أوقاف دارة على وظائف [ من قراءة وأذان وإمامة ](٧) وغير
ذلك ، وكان من كبار الأمراء المنصورية ، وقد ملك البلاد بعد مقتل الأشرف خليل بن المنصور (٨)، ثم
انتزع الملك منه لاجين(٩) وجلس في قلعة دمشق ، ثم تحول إلى صَرْخد وكان بها إلى أن قتل لاجين وأخذ
الملك الناصر بن قلاوون ، فاستنابه بحماة حتى كانت وفاته كما ذكرنا .
وكان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم بِرّاً ، وكان من خيار الأمراء والنوّاب ، رحمه الله .
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمئة
استهلت والحكام (١) هم المذكورون في التي قبلها .
كذا في ب وهو الصّواب ، لأنّ وفاة ابن العطار كانت في ١٤ ذي القعدة . وفي أوط : شهور .
(١)
في ط : جمال وهو تحريف. ترجمته في النجوم الزاهرة (٢٠٣/٨) . وفيه: أحد كتاب الدرج في دمشق . وذكره
(٢)
صاحب الفوات (١٥٨/١) عرضاً في ترجمة شهاب الدين بن فضل الله في عداد الكتاب المجيدين ، وسماه : كمال
الدين بن العطار .
(٣)
سقطت من ط ، وفي النجوم الزاهرة ( سليمان ) .
في ط: ((تقية)) ولا معنى لها وفي ب: هيئة . وهو معقول، ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
(٤)
ترجمته في فوات الوفيات ( ٢١٨/٣) وفيه : رسم له أن يقيم في صرخد ، ثم أحسن إليه الناصر فأعطاه حماة .
(٥)
والدرر الكامنة ( ٢٦٢/٣ - ٢٦٤) والنجوم الزاهرة (٢٠٦/٨) وشذرات الذهب (٥/٦).
((صَرْخَد)»: بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق ، وهي قلعة حصينة . ياقوت.
(٦)
ليست في ب. وهو في الدارس (٢/ ٢٦١).
(٧)
سبقت ترجمته في الجزء السابق من الكتاب .
(٨)
(٩)
في ب : ثم عزل عنها لاجين . وهو الأمير حسام الدين لاجين .
(١٠) زاد في ب : وخليفة الوقت المستكفي بالله ابن الحاكم ، وسلطان البلاد الملك الناصر عمرو بن قلاوون ونائبه بمصر
سيف الدين سلار ، وقاضي الشافعية بدر الدين بن جماعة ، ونائب الشام جمال الدين آقوش الأفرم ، وقاضي
المالكية جمال الدين الزّواوي ، وقاضي الحنابلة تقي الدين سليمان المقدسي ، وخطيب البلد زين الدين الفارقي .

٣٠
أحداث سنة ٧٠٣ هـ
وفي صفر تولى الشيخ كمال الدين بن الشُّرَيْشي(١) نظارة الجامع الأموي ، وخلع عليه ، وباشره
مباشرة مشكورة ، وساوى بين الناس ، وعزل نفسه في رجب منها .
وفي شهر صفر تولَّى الشيخ شمس الدين الذهبي(٢) خطابة كَفْرَ بَطْنا٣) وأقام بها . ولما توفي الشيخ
زين الدين الفارقي في(٤) هذه السنة - كما سيأتي في الوفيات - كان نائب السلطنة في نواحي البَلْقاء(٥)
يكشف بعض الأمور ، فلما قدِم تكلموا معه في وظائف الفارِقي فعيّن الخطابة لشرف الدين الفَزَاريُ(٦) ،
وعَيَّن الشامية البرّانية ودار الحديث(٧) للشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشِي(٨)، وذلك بإشارة الشيخ تقي
الدين بن تيمية ، وأخذ منه الناصرية٩ُ) للشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكَاني ، ورسم بكتابة التواقيع بذلك ،
وباشر الشيخ شرف الدين الإمامة والخطابة ، وفرح الناس به لِحُسْن قراءته وطيب صوته وجودة سيرته .
فلما كان بكرة يوم الإثنين ثاني عِشْري ربيع الأول ، وصل البريد من مصر صحبةً الشيخ صدر الدين بن
الوكيل(١٠) ، وقد سبقه مرسوم السلطان له بجميع جهات الفارقي مضافاً إلى ما بيده من التدريس ، فاجتمع
بنائب السلطنة بالقصر ، وخرج من عنده إلى الجامع ، ففتح له باب دار الخطابة ، فنزلها وجاءه الناس
يهنِّئونه ، وحضر عنده القُرّاء والمؤذنون ، وصَلّى بالناس العصر ، وباشر الإمامة يومين ، فأظهر الناسُ
التألُّمَ من صلاته وخطابته ، وسَعَوا فيه إلى نائب السلطنة ، فمنعه من الخطابة ، وأفَرّه على التدريس ودار
الحديث ، فباشرُ(١١) وجاء توقيعٌ سلطاني للشّيخ شرف الدين الفزاري بالخطابة ، فخطب يوم الجمعة
الفوات (١٢٠/١ -١٢١) وسيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ).
(١)
* هنا حدث انتقال في الأرقام ، إذ كررت مجموعة أوراق في (أ ) لأحداث وسنوات ماضية، ثم تابع الأحداث في
الورقة ( ٢٦٧ ) كما أشرت في الهامش .
وهو : محمد بن أحمد ، العلامة المعروف ، سيأتي في وفيات ( ٧٤٨هـ).
(٢)
(٣)
((كَفْرَ بطنًا» : من قرى غوطة دمشق ، ذكرها ياقوت في معجمه .
في ب : صغر من وقوله : كما سيأتي في الوفيات سقط من ط . وهو في ب .
(٤)
((البَلقاء)»: من مناطق الأردن اليوم ، ذكرها ياقوت في معجمه.
(٥)
(٦)
ستأتي ترجمته في وفيات سنة ( ٧٢٩هـ ) .
(٧) ((الشاميَّة البرانية)): بالعُقَيْبة من أحياء دمشق القديمة، بنتها والدة الملك الصالح إسماعيل . الدارس
(٢٧٩/١ ) .
(٨)
ودار الحديث الأشرفية الدمشقية ، جوار باب القلعة الشرقي غربي العصرونية . الدارس (١٩/١).
سيأتي في وفيات ( ٧١٨هـ) .
دار الحديث ، الدارس (٢٧/١) وكمال الدين بن الزملكاني محمد بن علي ، ستأتي ترجمته في وفيات سنة
(٩)
(٧٢٧هـ).
(١٠) سيأتي في وفيات سنة (٧١٦هـ).
(١١) ليست في ط .

٣١
أحداث سنة ٧٠٣هـ
سابع عشر جمادى الأولى ، وخلع عليه بطرحة ، وفرح الناس به ، وأخذ الشيخ كمال الدين ابن الزمْلَكاني
تدريس الشامية البرانية من يد ابن الوكيل ، وباشرها في مستهل جمادى الأولى واستقرت دار الحديث بيد
ابن الوكيل مع مدرستيه الأوليين ، وأظنهما العذراوية والشامية الجوانية(١)
ووصل البريد في ثاني عشر جمادى الأولى بإعادة السَّنْجَري إلى نيابة القلعة وتولية نائبها الأمير سيف
الدين الجوكنداري (٢) نيابة حمص عوضاً عن عز الدين الحموي الذي توفي .
وفي يوم السبت ثاني عشر رمضان (٣) قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر، وأُضيف إليها ألفان من دمشق،
وساروا وأخذوا معهم نائب حمص الجوكندراني ، ووصلوا إلى حماة ، فصحبهم نائبها الأمير سيف الدين
قبجقُ(٤)، وجاء إليهم أسَنْدمر(٥) نائب طرابلس، وانضاف إليهم قَرَاسُنْقر(٦) نائب حلب ، وانفصلوا كلهم
عنها، وافترقوا فرقتين، طائفة (٧) سارت صحبة قبجق إلى ناحية مَلَطْية، وقلعة الروم(٨)، والفرقة الأخرى
صحبة قَرَاسُنْقُر [ حتى]٩) دخلوا الدَّرْبَنْدات، وحاصروا تلّ حمدون، فتسلموه عنوة في ثالث(١٠) ذي
القعدة بعد حصار طويل ، فدقت البشائر بدمشق لذلك ، ووقع الاتفاق(١١) مع صاحب سِيْس على أن يكون
للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب ، وبلاد ما وراء النهر(١٢) إلى ناحيتهم لهم، وأن يعجِّلوا حمل
سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك، وذلك بعد أن قتل خلق من أمراء الأرمن ورؤسائهم، وعادت العساكر
إلى دمشق مؤيّدين منصورين ، ثم توجهت العساكر المصرية [ صحبة مقدَّمهم أمير سلاح ١٣٤) إلى مصر .
(١) ((العذراويّة)): بحارة الغرباء، داخل باب النصر، وهي وقف على الشافعية، والحنفية. الدارس (٢٧/١،
٣٧٦/١ ) .
والشامية الجوانية : تقع قبلي المارستان النوري. الدارس (٢٧١/١، و٣٠٥/١).
(٢)
الجوكندار هو الذي يحمل الجوكان للسُّلطان، وهو المحجن الذي يلعب به ويضرب الكرة. صبح الأعشى (٤٥٨/٥).
انظر الشذرات (٦/ ٧)، ابن خلدون (٤٢٠/٥).
(٣)
(٤)
سيأتي في وفيات سنة ( ٧١٠هـ ) .
سيأتي في وفيات سنة ( ٧١١هـ ) .
(٥)
هو المنصوري ، سيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٨هـ) .
(٦)
(٧)
في ط : فرقة .
(٨)
((مَلَطْيَةُ)»: بفتح أوّله وثانيه وسكون الطّاء ، وتخفيف الياء ، وهي من بناء الاسكندر ، وجامعها من بناء الصحابة
وهي بلدة مَشْهُورة من بلاد الرّوم مذكورة تتاخم بلاد الشام . ياقوت .
وقلعة الروم : قلعة حصينة غربيّ الفرات ، مقابل البيرة ، بينها وبين سُمَيْسَاط : ياقوت .
(٩) زيادة في ط. والدَّرْبَنْد: هي باب الأبواب، وينسب إليها بعض الرجال. ياقوت. والتاج ( دريد) .
(١٠) في ب : ثالث عشر.
(١١) ليست في ط .
(١٢) في ب : وللأرض من النهر إلى ناحيتهم .
(١٣) زيادة في ط .

٣٢
أحداث سنة ٧٠٣هـ
وفي أواخر السنة كان موت غازان(١) وتولية أخيه خربندا . وهو ملك التتار قازان ، واسمه محمود بن
أرغون بن أبغا ، وذلك في رابع عشر شوال أو حادي عشر أو ثالث عشر ، بالقرب من هَمَذان ، ونقل إلى
تربته بتبريز(٢) بمكان يسمى الشام ، ويقال : إنه مات مسموماً .
وقام في الملك بعده أخوه خَرَبَنْدَاً ) محمد بن أَزْغُون ، ولقَّبوه الملك غياث الدين ، وخُطب له على
منابر العراق وخراسان وتلك النواحي(٤)
وحج في هذه السنة الأمير سيف الدين سَلاّر نائب مصر(3) وفي صحبته أربعون أميراً ، وجميع أولاد
الأمراء ، وحج معهم وزير مصر الأمير عز الدين البغدادي ، وتولى مكانه بالبِركةُ(٦) ناصر الدين محمد
الشيخي . وخرج سَلاَّر في أَتَّهة عظيمة جداً ، وأميرُ ركب المصريين الحاج إباق الحسامي ، وترك الشيخ
صفي الدين(١) مشيخة الشيوخ ، فوليها القاضي تقي الدين(٨) عبد الكريم ابن قاضي القضاة محيي الدين بن
الزكي ، وحضر الخانقاه يوم الجمعة الحادي والعشرينُ(٩) من ذي القعدة ، وحضر عنده ابن صَصْرَى
وعز الدين القلانِسي ، والصاحب ابن مُيَسَّر ، والمحتسِب ، وجماعة .
وفي ذي القعدة وصل من التتر مقدَّمُ كبير قد هرب منهم إلى بلاد الإسلام وهو الأمير بدر الدين
جَنْكَلي بِن البابا ١٠) ، وفي صحبته نحو من عشرة ، فحضروا الجمعة في الجامع ، وتوجهوا إلى مصر ،
فأُكرم وأُعطي إمْرة ألف ، وكان مقامه ببلاد آمد ، وكان يناصح السلطان ويكاتبه ويطلعه على عورات
التترُ ١١) ، فلهذا عَظُم شأنُه في الدولة الناصرية .
(١) في ب : وفي شوال من هذه السّنة كانت وفاة قازان ملك التتر .
واسمه : غازان ، والعامة تقول : قازان ، بالقاف .
ذيل العبر (ص ٢٦) وفوات الوفيات (٩٧/٤) والدرر الكامنة (٢١٢/٣) والنجوم الزاهرة (٢١٢/٨).
في ط : بيبرين وهو تصحيف . فيبرين من قرى حلب ، ومستبعد جداً أن ينقل من همذان إليها ، والأولى أن ينقل
(٢)
إلى تبريز من بلاد فارس . ياقوت .
(٣)
الفوات (٩٧/٤). قال بشار: أصلها ((خُدُابندا))، أي : عبد الله.
(٤)
في ط : البلاد .
في ب: نائب السلطنة في الديار المصريّة. وذكر صاحب الدرر الكامنة (٢٧٦/٢) خروج سلاَّر سنة (٧٠٤هـ).
(٥)
(( بِرْكة)): وتسمى بِرْكَةُ الحَبَش وهي خاصة بالأشراف ، خلف القَرَافة ، مشرفة على نيل مصر انظر ياقوت.
٦)
وناصر محمد الشّيخي الأمير الوزير ، ويقال له : ذبيان ، مات تحت العقوبة سنة ( ٧٠٣هـ ).
انظر النجوم الزاهرة (٢١٤/٨) أما الدرر الكامنة (١٠٤/١) فذكر وفاته في سنة (٧٠٤هـ) .
(٧)
سيأتي في وفيات سنة ( ٧١٥هـ) .
ليست في ب ، ط . وعبد الكريم بن محيي الدين بن الزكي، توفي سنة ( ٧٠٣هـ) الدارس (٢/ ١٥٧).
(٨)
(٩) كذا في ب وفي أ: حادي عشرين وفي ط : الحادي عشر. وفي الدارس (٢/ ١٥٧) سادس عشرين.
(١٠) الدرر الكامنة (٥٤/١) والدليل الشافي (٢٥١/١).
(١١) في ب : وينبهه على عورات المغول .

٣٣
وفيات سنة ٧٠٣هـ
وممن توفي فيها من الأعيان: ملك التترغازان (١)
والشيخ القدوة العابد أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد٢) بن محمد [ بن معالي بن محمد ]٣) بن عبد
الكريم الرَّقَّي الحنبلي . كان أصله من بلاد الشرق ، ومولده بالرقة من سنة سبع وأربعين وستمئة .
واشتغل ، وحصَّل ، وسمع شيئاً من الحديث ، وقَدِم دمشق ، فسكن بالمئذنة الشرقية في أسفلها بأهله إلى
جانب الطهارة بالجامع ، وكان معظّماً عند الخاص والعام ، فصيحَ العبارة ، كثير العبادة ، خَشِن العيش ،
حسن المجالسة ، لطيف الكلام ، كثير التلاوة ، قويّ التوجه ، من أفراد العالم ، عارفاً بالتفسير والحديث
والفقه والأصلين ، وله مصنفات وخُطب ، وله شعر حسن .
توفي بمنزله ليلة الجمعة خامس عشر المحرم ، وصُلّي عليه عقيب الجمعة ، ونقل إلى تربة الشيخ أبي
عمر بالسفحُ(٤) ، وكانت جنازته حافلة ، رحمه الله وأكرم مثواه .
وفي هذا الشهر توفي الأمير زين الدين قراجا : أستاذ دار الأفرم ، ودفن بتربته بميدان الحصا®)
عند النهر .
والشَّيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام : عرف بابن الحُبْلى ، كان من خيار
الناس ، يتردّد إلى عكّا أياماً حينما كانت في أيدي الفرنج ، في فِكاك أَسارى المسلمين ، جزاه الله خيراً
وعتقه من النار وأدخله الجنة برحمته .
الخطيب ضياء الدين : أبو محمد عبد الرحمن(٦) ابن الخطيب جمال الدين أبي الفرج
عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن عقيل السُّلميّ ، خطيب بَعلبَكّ نحواً من ستين سنة ، هو ووالده .
وُلد سنة أربع عشرة وستمئة وسمع الكثير وتفرّد عن القزويني. وكان رجلاً جيداً حسن القراءة(١) من
كبار العُدُول .
توفي ليلة الإثنين ثالث صفر ، ودفن بباب سَطحا .
(١) ترجمته في الدرر الكامنة (٢١٢/٣) والنجوم الزاهرة (٢٢٢/٨) وبدائع الزهور (٤١٧/١) وشذرات الذهب
( ٩/٦ ) .
ترجمته في الدرر الكامنة (١٤/١ _ ١٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٣٤٩/٢) وشذرات الذهب (٦/ ٧).
(٢)
(٣)
زيادة في ط وب .
(٤)
أي : سفح جبل قاسيون .
(٥)
وهي المسمّاة بالتربة القراجيّة. انظر الدارس (٢/ ٢٧١).
ترجمته في الدرر الكامنة (٣٣٥/٢)، وشذرات الذهب (٩/٦).
(٦)
في ب : والخطبة .
(٧)

٣٤
وفيات سنة ٧٠٣هـ
الشيخ زين الدين الفَارقي : عبد الله بن مروانُ(١) بن عبد الله بن فهر بن الحسن ، أبو محمد
الفارقي ، شيخ الشافعية .
ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمئة ، وسمع الحديث الكثير ، واشتغل ودرَّس في (٢) عدة مدارس ، وأفتى
مدةً طويلةً ، وكانت له همّة وشهامة وصرامة ، وكان يباشر الأوقاف جيداً . وهو الذي عمر دار الحديث
بعد خرابها زمن قازان (٣) ، وقد باشرها سبعاً وعشرين سنة من بعد النواوي إلى حين وفاته . وكانت معه
الشامية البرانية وخطابة الجامع الأموي تسعة أشهر ، باشر به الخطابة قبل وفاته ، وقد انتقل إلى دار
الخطابة وتوفي بها يوم الجمعة بعد العصر ، وصُلّ عليه ضحى السبت ، صلى عليه ابن صَصْرَى عند باب
الخطابة ، وبسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري(٤) ، وعند جامع الصالحية قاضي
الحنابلة تقي الدين سليمان (٥) ، ودفن بتربة أهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر رحمه الله .
وباشر بعده الخطابة شرف الدين الفزاري(٦) ومشيخة دار الحديث ابن الوكيل(٧) ، والشامية البرانية ابن
الزَّمْلَكَاني ، وقد تقدَّم ذلك .
الأمير الكبير عز الدين أَيْبَك الحموي(٨): ناب بدمشق مدة ، ثم عزل عنها إلى صرخد ، ثم نقل قبل
موته بشهر إلى نيابة حمص ، وتوفي بها يوم العشرين من ربيع الآخر ، ونقل إلى تربته بالسفح غربي زاوية
ابن قوام ، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب (٩) الذي يقال له : حمام الحموي ، عمره في أيام نيابته .
الوزير فتح الدين: أبو محمد عبد الله بن محمد ١٠) بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صغير(١١)
القرشي المخزومي ابن القَيْسراني .
(١) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٠٤/٢ - ٣٠٥) وطبقات الشافعية للإسنوي (٢٩٢/٢) وشذرات الذهب (٨/٦)
والدارس (٢٦/١) وفيها جميعاً: فيروز . بدلاً من فهر .
(٢)
في ط : بعدة . وفي الشذرات : في فتنة .
(٣)
في ط : بيد قازان .
سيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٨هـ) .
(٤)
سيأتي في وفيات سنة ( ٧١٥هـ ) .
(٥)
شرف الدين الفزاري . جاء ذكره في فوات الوفيات (٣٣/١) لدى ذكر ابن أخيه إبراهيم وفيه : أنه كان خطيب
(٦)
الجامع الأموي .
(٧)
(٨)
سيأتي في وفيات سنة ( ٧١٦هـ).
ترجمته في الدرر الكامنة (٤٢٢/١) والنجوم الزاهرة (٢١٢/٨) وفيه: ولي نيابة صرخد ثمّ حمص ، ومات في
تاسع عشر ربيع الآخر. والدارس (٢٥٨/٢) .
(٩) ويعرف بمسجد الأقصاب وما زال قائماً ويعرف اليوم بجامع السادات. الدارس (٤٢٩/٢).
(١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٨٤/٢) والنجوم الزاهرة (٢١٣/٨) وشذرات الذهب (٩/٦) والأعلام (١٢٥/٤).
(١١) في ط : صقر .

٣٥
ترجمة والد ابن كثير
كان شيخاً جليلاً أديباً شاعراً مجوِّداً من بيت رياسة ووزارة . ولي وزارة دمشق مدة ، ثم أقام بمصر
موقعاً مدة ، وكان له اعتناء بعلوم الحديث وسماعه وإسماعه(١) ، وله مصنف في أسماء الصحابة الذين
خرّج لهم في الصحيحين ، وأورد شيئاً من أحاديثهم في مجلدين كبيرين موقوفين بالمدرسة الناصرية
بدمشق ، وكان له مذاكرة جيدة محررة باللفظ والمعنى ، وقد خرَّج عنه الحافظ الدمياطي ، وهو آخر من
توفي من شيوخه .
توفي بالقاهرة في يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخر ، وأصلهم من قيسارية(٢).
وكان جدُّه موفق الدين أبو البقاء خالد(٣) وزيراً لنور الدين الشهيد، وكان من الكتَّاب المجيدين
المتقنين ، له كتابة جيدة محررة جداً ، توفي في أيام صلاح الدين سنة ثمان وثمانين وخمسمئة .
وأبوه محمد بن نصر بن صغير(٤) ولد بعكا قبل أخذ الفرنج لها سنة ثمان وسبعين وأربعمئة ، فلما
أخذت بعد التسعين(٥) وأربعمئة انتقل أهلهم إلى حلب وكانوا بها ، وكان شاعراً مطبقاً له ديوان مشهور ،
وكان له معرفة جيدة بالنجوم وعلم الهيئة وغير ذلك .
[ ترجمة الوالد رحمه الله ]٦)
وفيها توفي الوالد ، وهو الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء ابن
درع القرشي، من بني خُصَيْلةُ(٧) ، وهم ينتسبون إلى الشرف ، وبأيديهم نسب ، وقف على بعضها شيخنا
المِزّي فأعجبه ذلك وابتهج به ، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك : القرشي . من قرية يقال لها :
الشركوين(٨) غربي بصرى ، بينها وبين أذرعات ، ولد بها في حدود سنة أربعين وستمئة ، واشتغل بالعلم
عند أخواله بني عقبة ببصرى ، فقرأ ( البداية(٩) في مذهب أبي حنيفة، وحفظ ( جمل ) الزَّجّاجي ،
(١) ليست في ط .
(( قَيْساريّة)»: بلد على ساحل بحر الشام تعدُّ في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام . ياقوت .
(٢)
(٣)
ذكره صاحب الأعلام (٢/ ٢٩٨) نقلا عن المؤلف هنا .
ترجمته في وفيات الأعيان (٤٥٨/٤) والدارس (٣٨٨/٢) وفي ط : صقر .
(٤)
كذا في ب ، وهو الصواب ، وفي أ، ط: السبعين. وهو خطأ. إذ إن سقوط عكا كان سنة ( ٤٩٧ هـ) كما ذكر ابن
(٥)
كثير في أخبار هذه السنة ، وكذلك ابن خلدون (١٨٨/٤) وشذرات الذهب (٤٠٤/٣).
(٦)
زيادة في ب ، وفي ط : ترجمة والد ابن كثير مؤلف هذا التاريخ .
ترجمته في الدرر الكامنة ( ١٨٥/٣) والدليل الشافي (٥٠٣/١) وشذرات الذهب (٩/٦).
(٧)
في ب : حصلة . وفي القاموس ( بنو خُصَيْلة: بُطَين) . وهو : خُصيلة واسمه عمرو بن مرَّةَ بن عوف بن سعد بن
ذبيان بن بغيض . جمهرة النسب لابن الكلبي . تحقيق محمود فردوس العظم (١٠٩/٢).
في الدليل الشافي ( السرلوين ) .
(٨)
(٩) هو: بداية المبتدي في الفروع لعلي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي، توفي سنة (٥٩٣هـ) كشف الظنون (١/ ٢٢٧).

٣٦
ترجمة والد ابن كثير
وعني بالنحو والعربية واللغة (١) ، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح
والمراثي وقليل من الهجاء، وقرّر بمدارس بصرى بمبرك٢) الناقة شمالي البلد حيث يزار . [ وهو المبرك
المشهور عند الناس ، والله أعلم بصحة ذلك ]٣)
ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى ، وتمذهب للشافعي ، وأخذ عن النواوي ، والشيخ(٤) تاج
الدين الفزاري ، [ وكان يكرمه ويحترمه فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزَّمْلَكاني ]°) ، فأقام بها نحواً من
اثنتي عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مُجَيْدل ، القُرَيَّة التي منها الوالدة رحمها الله، فأقامُ(٦) بها مدة
طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة . وكان يخطب جيداً ، وله قبول (١) عند الناس ، ولكلامه عند الناس
موقع ، ولديانته وفصاحته ، وحلاوة ومحاورته ومجالسته (٨) ، وكان يؤثر الإقامة في البلاد لما يرى فيها
من الرفق ووجود الحلال له ولعیاله٩)
وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها ، أكبرهم إسماعيل ثم يونس وإدريس ، ثم من
الوالدة عبد الوهاب وعبد العزيز ومحمد وأخوات عدة ، ثم أنا أصغرهم ، وسُمّيت باسم الأخ إسماعيل
لأنه كان قد قدم دمشق فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده وقراً ١) مقدمة في النحو ، وحفظ
( التنبيه)(١) وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري ، وحصّل ( المنتخب ) في أصول الفقه، قاله لي
شيخنا ابن الزَّمْلَكاني ، ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية فمكث أياماً ومات ، فوَجَدَ الوالد عليه وَجْداً
كثيراً ، ورثاه بأبيات كثيرة ، فلما وُلِدْتُ له أنا بعد ذلك سمَّاني باسمه ، فأكبر أولاده إسماعيل وآخرهم
وأصغرهم إسماعيل(١٢) ، فرحم الله من سلف وختم بخير لمن بقي .
ليست في ب .
(١)
(٢)
في ط : بمنزل .
(٣)
ليست في ب .
كذا في ب ، والدرر الكامنة ( ١٨٥/٣) وكذلك سيذكره المؤلف بعد قليل . وفي آ، وط : تقي الدين .
(٤)
والنّواوي : هو العلامة الفقيه الحافظ أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي ، توفي سنة ( ٦٧٦ هـ). ترجمته في
تذكرة الحفاظ (٤ / ١٤٧٠ - ١٤٧٤) وطبقات الشافعية للإسنوي (٤٧٦/٢).
(٥)
ليست في ب .
في ط : فأقاما .
(٦)
في ط : مقول وهو خطأ .
(٧)
هذه العبارة من ب .
(٨)
في ب : من الرفق به وبعياله .
(٩)
(١٠) في ب : وقرأ عليه.
(١١) التنبيه في فروع الشافعية: لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة (٤٧٦هـ) وله شروح كثيرة. كشف
الظنون ( ٤٨٩/١).
(١٢) في ب : فأول أولاده إسماعيل وأصغرهم إسماعيل.

٣٧
ترجمة والد ابن كثير
توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمئة، بقرية مُجَيدل القريةُ(١) ، ودفن بمقبرتها
الشّمالية عند الزيتونة ، وكنت إذ ذاك صغيراً ابن ثلاث سنين أو نحوها ، لا أُدركه إلا كالخُلُم ، ثم تحوّلنا
من بعده في سنة سبع وسبعمئة إلى دمشق صحبة الأخ(٢) كمال الدين عبد الوهاب ، وقد كان لنا شقيقاً ،
وبنا رفيقاً شفوقاً ، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين ، فاشتغلت على يديه في العلم ، فيسر الله تعالى منه
ما يسّر ، وسهّل منه ما تعسر. والله أعلم(٣).
في ط : في قرية، وفي الدارس (٣٠١/١) وفيه: سميت كذلك لتمييزها عن مجيدل السويداء .
(١)
ليست في ط .
(٢)
زاد في المطبوع خبراً عن البرزالي في ترجمة والد ابن كثير ، ليس في الأصول الخطّيَّة . وقال : إنه زيادة من نسخة
(٣)
أخرى ، لم أهتد إليها .
وهو :
وقد قال شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في معجمه فيما أخبرني عنه شمس الدين محمد بن سعد المقدسي مخرجه
له ، ومن خط المحدّث شمس الدين بن سعد هذا نقلت ، وكذلك وقفت على خط الحافظ البرزالي مثله في السّفينة
الثانية من السّفن الكبار .
قال : عمر بن كثير القرشي خطيب القرية وهي قرية من أعمال بُصرى ، رجل فاضل له نظم جيد ويحفظ كثيراً من
اللُّغْز ، وله همة وقوة ، كتبت عنه من شعره بحضور شيخنا تاج الدين الفزاري ، وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث
وسبعمئة بمجيدل القرية من عمل بُصرى .
أنشدنا الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير القرشي خطيب القرية بها لنفسه في منتصف شعبان من سنة سبع
وثمانين وستمئة :
أخا كَلَفٍ حِلْفَ الصبابة موجِدا
فِمِن وَلَهي خِلت الكواكب رَُّدا
فما ضركم لو كنتمُ ليَ عُوَّدا
أرى النَّار من تلقائهاليَ أبردا
سعيرُ غرام باتَ في القلب موقدا
يقلُّ ، فزادته الدموع توقُّدا
على النأي من بعد الأحبّة صُعّدا
عليَّ إلى أن خِلته قد تخلّدا
بأهيف معسولِ المراشف أغيدا
بطرّةٍ شَعر حالك اللون أسودا
ويشهرُ من جفنيه سيفاً مهنَّدا
وضوء ثناياه فنيت تجلّدا
وأضحى له ربُّ الجمال موحّدا
سباك، فلم تملك لساناً ولا يدا
وتقسمُ قد أمسيتَ في الحسن أوحدا
فأسلم من إجلاله وتشهّدا
نأَى النومُ عن جَفني فبتُّ مسِهَّدا
سمير الثُّرِيَّا والنجوم مدلَّهاً
طرِيحاً على فُرُشِ الصبابة والأسى
تقلُّني أيدي الَغرام بلوعةٍ
ومزّقَ صبري بعد جيرَانِ حاجزٍ
فأمطرته دمعي لعلَّ زفيرهٌ
فبتُّ بليلٍ نابغيّ ولا أرى
فيا لك من ليل تباعد فجره
غراماً ووجداً لا يحدّ أقله
له طلعة كالبدر زان جمالها
يهزُّ من القدِّ الرشيق مثقَّفاً
وفي وَرِدِ خديه وآس عذاره
غدا كلُّ حُسنٍ دونَهُ متقاصراً
إذا ما رنا واهتزَّ عند لقائه
وتسجد إجلالاً له وكرامةً
وربّ أخي كفرٍ تأمّلَ حسنه

٣٨
أحداث سنة ٧٠٤هـ
ثم دخلت سنة أربع وسبعمئة
استُهِلَّت والخليفة والسلطان والحكام والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها .
وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول دارت(١) الدروس والوظائف التي أنشأها الأمير بيْبَرْسُ الجَاشَنْكِير
المنصوري بجامع الحاكم بعد أن جدَّده من خرابه بالزلزلة التي طرقت ديار(٢) مصر في آخر سنة ثنتين
وسبعمئة، وجَعَلَ القُضاةَ الأربعة هم المدرسين للمذاهب ، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي ، وشيخ
النحو أثير الدين أبا حيال(٣)، وشيخ القراءات السبع الشيخ نور الدين الشَّطَّنَوْفي(٤) ، وشيخ إفادة العلوم
(٥)
الشيخ علاء الدين القونوي
وفي جُمادى الآخرة باشر الأمير ركن الدين بيْبَرْس الحجوبية مع الأمير سيف الدين بَكْتَمُر(٦) ، وصارا
حاجبين كبيرين في دمشق .
وفي رجب أُحضر إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ كان يلبس دلقاً كبيراً متَّسعاً جداً يسمى المجاهد
إبراهيم القطان ، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق ، [ فتناهبه الناس من كل جانب وقطّعوه حتى لم يَدَعوا فيه
=
وأصبح يهوى بعد بغضٍ محمدا
وأنكر عيسى والصَّليبَ ومريماً(*)
أيا كعبة الحُسن التي طاف حولها
قنِعتُ بطيفٍ من خيالك طارق
فقد شفّني شوقُ تجاوز حدّهُ
سألتك إلا ما مررتَ بحيِّنا
لعلَّ جفوني أن تغيض دموعها
فؤادي ، أما للصدِّ عندك من فدا
وقد كنت لا أرضى بوصلك سرمدا
وحسبكَ من شوقٍ تجاوز واعتدا
بفضلك يا ربَّ الملاحةِ والنَّدا
ويسكن قلبٌ مذ هجرتَ فما هدا
لما صدّكَ الواشون عنّي ولا العِدَا
غلطتَ بهجراني ولو كنتَ صابياً
وعدَّتها ثلاثة وعشرون بيتاً ، والله يغفرُ له ما صنع من الشعر .
(*) أراد بإنكار عيسى ومريم، إنكار الألوهيّة التي يدَّعيها بعض أهل الكتاب، وذلك من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْقَالَ
اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ الآية [ المائدة: ١١٦].
لا إنكار نُبُوّة: لأنَّ ذلك مستبعدٌ من عالمٍ مثله - رحمه الله - .
في ب ، ط : حضرت .
(١)
في ب : كانت في أواخر سنة ثنتين وسبعمئة ، وفي ط : طرأت على دياره .
(٢)
(٣)
هو : محمد بن يوسف بن علي بن يوسف . سيأتي في وفيات سنة (٧٤٥هـ).
هو : علي بن يوسف بن حريز اللخمي ، عالم بالقراءات ، من علماء الشافعية ، توفي سنة (٧١٣هـ) والشّطنوفي ،
(٤)
بتشديد الطاء ، نسبة إلى شطنوف، بلد بمصر، غاية النهاية (١/ ٥٨٥) والدرر (١٤١/٣) وياقوت (شطنوف) .
(٥) هو: علي بن محمود بن حميد بن موسى، توفي سنة (٧٤٩هـ). الدرر الكامنة (١٢٦/٣).
سيأتي في وفيات سنة (٧٢٤هـ) .
(٦)

٣٩
أحداث سنة ٧٠٤هـ
شيئاً (١)، وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظفاره، وكانوا طوالاً جداً، وحَفّ شاربه المسبل
على فمه المخالف للسُّنة ، واستتابه من كلام الفحش وأكْلٍ ما يغيِّر العقل من الحشيشة وما لا يجوز من
المحرَّمات وغيرها .
وبعده استحضر الشيخ محمد الخبَّاز البلاسي فاستتابه أيضاً عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة ،
وكتب عليه مكتوباً أن لا يتكلم في تعبير المنامات(٢) ولا في غيرها بمالا علم له به .
وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد النارنج(٣) وأمر أصحابه ومعهم
حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تُزَار ويُنْذَر لها٤) ، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها ،
[ فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيماً . وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة ، وكذلك بكلامه
بابن عربي وأتباعه ، فحسد على ذلك وعودي ، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم ، ولا بالى ، ولم
يصلوا إليه بمكروه ، وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام ، ولم يتوجه
لهم عليه ما يشين ، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه ، كما سيأتي ، وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم ]°) .
وفي رجب جلس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى بالمدرسة العادلية الكبيرة ، وعملت التخوت
بعد ما جددت عمارة المدرسة ، ولم يكن أحد يحكم بها بعد وقعة قازان بسبب خرابها٦) ، وجاء المرسوم
للشيخ برهان(٧) الدين الفزاري بوكالة بيت المال فلم يقبل ، وللشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني بنظر الخزانة
فقبل وخلع عليه بطَرحهُ(٨) ، وحضر بها يوم الجمعة ، وهاتان الوظيفتان كانتا مع نجم الدين بن أبي
الطيب(٩) ، توفي إلى رحمة الله .
وفي شعبان سعى جماعة في تبطيل الوقيد ليلة النصف ، وأخذوا خطوط العلماء في ذلك ، وتكلموا
مع نائب السلطنة ، فلم يتفق ذلك ، بل أشعلوا ، وصُليت صلاة ليلة النصف أيضاً .
(١)
ليست في ب .
(٢)
في ب : المنامات . وهي الأفصح .
في ط : التاريخ. وهو تصحيف، ويعرف بمسجد الحجر أيضاً. الدارس (٣٦١/٢) وشذرات الذهب: (٩/٦).
(٣)
(٤)
في ب : وينذر لها بعض الجهلة من الناس .
(٥)
ليست في ب .
تقع العادلية الكبرى شمالي الجامع تجاه باب الظاهرية ، يفصل بينهما الطريق ، أنشأها نور الدين زنكي . انظر
(٦)
الدارس (٣٦٣/١) .
كذا في ط ، وهو الصواب ، كماسيأتي ذكره في وفيات سنة (٧٢٩هـ)، وفي أ : جمال الدين ، وفي ب : تاج
(١)
الدين .
(٨)
الفوات (٨/٤).
سيأتي في وفيات هذه السنة .
(٩)

٤٠
أحداث سنة ٧٠٤هـ
وفي خامس رمضان وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشي من مصر بوكالة بيت المال ، ولبس الخلعة
يوم الجمعة (١) سابع رمضان، وحضر عند ابن صَصْرَى بالشباك الكمالي(٢)
وفي سابع شوال عُزل وزيرُ مصر ناصر الدين بن الشيخي ، وقطع إقطاعه ورسم عليه وعوقب إلى أن
مات في ذي القعدة . وتولى الوزارة سعد الدين محمد بن محمد بن عطاء وخلع عليه .
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين الزواوي بقتل
الشمس محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي (٣)، وإراقة دمه وإن تاب وإن أسلم ، بعد إثبات
محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور ، وكان ممّن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي
الشافعي ، فهرب الباجربقي إلى بلاد الشرق ، فمكث بها مدة سنين ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور ،
كما سيأتي .
وفي ذي القعدة كان نائب السّلطنة في الصيد ، فقصدهم في الليل طائفةٌ من الأعراب ، فقاتلهم
الأمراء ، فقتلوا من العرب نحو النّصف، وتوغَّل في العرب أمير يقال له سيف الدين بهادر سَمِز(٤) احتقاراً
بالعرب ، فضربه واحدٌ منهم برمح فقتله ، فكرَّت الأمراء عليهم فقتلوا منهم خلقاً أيضاً ، وأخذوا واحداً
منهم زعموا أنّه هو الذي قتله ، فصُلب تحت القلعة ، ودفن الأمير المذكور بقبر الست .
وفي ذي القعدة تكلّم الشيخ شمس الدين بن النقيب(٥) وجماعة من العلماء في الفتاوى الصادرة من
الشيخ علاء الدين بن العطار(٦) شيخ دار الحديث النورية والقوصيّة ، وأنها مخالفة لمذهب الشافعي ،
وفيها تخبيط كثير ، فتوهّم من ذلك وراح إلى الحنفي فحقن دمه وأبقاه على وظائفه ، ثم بلغ ذلك نائب
السلطنة فأنكر على المنكرين عليه ، ورسم عليهم ، ثم اصطلحوا ، ورسم نائب السلطنة أن لا تثار الفتن
بين الفقهاء (٧)
(١) ليست في ط. وأحمد محمد الشريشي، سيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ).
(٢) (( الشباك الكمالي)): بجامع دمشق، ويصلي فيه نواب السلطان ، والذي أحدثه قاضي القضاة كمال الدين
الشَّهرزوري ، ولاه نور الدين الشهيد قضاء دمشق ، توفي سنة (٥٧٢هـ)، وفيات الأعيان (٢٤٤/٤) والدارس
(٢٨٧/٢) .
(٣) ((الباجربقي)): نسبة إلى قرية ( باجربق) من قرى بين النهرين، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٤هـ) . الدارس
(١٣/٢) .
(٤) في ط : تمر . وفي أ: تمراز وأثبتنا ما في الدرر (٤٩٧/١) والنجوم الزاهرة (٢١٨/٨) وفيه: سَمِز بفتح السين
وكسر الميم . معناها : (السمين) .
هو : محمد بن أبي بكر بن إبراهيم ، قاضي قضاة الشافعية ، توفي سنة (٧٤٥هـ) ، وسيذكره المؤلف في أحداثها .
(٥)
هو : علي بن إبراهيم بن داود ، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٤هـ). الدارس (٤٣٩/١) والقوصيّة: هي الحلقة
(٦)
بالجامع الأموي .
الخبر في الدرر (٦/٣).
(٧)