Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
أحداث سنة ٦٥٧ هـ
ولقّبوه بالمنصور ، وقد أرسل الملك الغاشم هولاكوخان(١) إلى الملك الناصر صاحب(٢) دمشق ]٣)
يستدعيه إليه ، فأرسل إليه ولده العزيزُ وهو صغيرٌ ومعه هدايا كثيرةٌ وتحفٌ ، فلم يحتفل به هولا كوخان بل
غضب(٤) على أبيه إذ لم يقبل إليه ، وأخذ ابنه وقال : أنا أسيرُ إلى بلاده بنفسي ، فانزعج الناصرُ لذلك ،
وبعث بحريمه وأهله إلى الكرك ليحصّنهم بها وخاف أهلُ دمشق خوفاً شديداً ، [ ولا سيما لمَّا (٥) بلغهم
أنَّ التتار قد قطعوا الفرات ، سافر كثير منهم إلى مصر في زمن الشتاء ، فمات ناس كثير منهم ونهبو(٦) ،
فإنا لله وإنّا إليه راجعون . وأقبل هولاكوخان فقصد الشام(٧) بجنوده وعساكره ، وقد امتنعت عليها
ميافارقين(٨) مدة سنة ونصف ، فأرسل إليها ولده أشموط فافتتحها قسراً وأنزل ملكها٩) الكامل ابن
الشهاب غازي بن العادل فأرسله إلى أبيه وهو محاصرٌ حلب فقتله بين يديه ، واستناب عليها بعض مماليك
الأشرف ، وطيف برأس الكامل في البلاد ، ودخلوا برأسه إلى دمشق ، فنُصب على باب الفراديس
البرَّاني، ثم دفن بمسجد الرأس [ داخل باب الفراديس الجُوَّاني]١٠)، فنظَمَ أبو شامةُ(١١) في ذلك قصيدةً
يذكر فيها فضلَه وجهادَه، وشبَّهه بالحسين في قتله مظلوماً ودُفِنَ رأسُه عند رأسِهُ(١٢) .
وفيها : عمل الخواجة نصير الدين الطُّوسيُ(١٣) الرَّصْد بمدينة مراغة(١٤)، ونقل إليه شيئاً كثيراً من
(١) ب : القائم.
(٢) في أ : قان . وليست اللفظة في ب .
(٣) أ، ب : بدمشق .
(٤) أ، ب : هولاكو وغضب .
(٥) أ، ب : حين .
(٦) أ، ب : فصار كثير منهم إلى الديار المصرية في زمن الشتاء ومات كثير منهم ونهب آخرون .
(٧) أ، ب : فقصد نحو الشام .
(٨) أ، ب : وقد كان ميافارقين امتنعت على التتار .
(٩) أ، ب : ففتحها قسراً واستنزل ملكها .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) ذيل الروضتين (٢٠٥) والقصيدة هي: [من الخفيف]
ابنُ غازِ غزا وجاهد في الـ
لم يَشِنْهُ أَنْ طِيفَ بالرأس منه
وافق السبطَ في الشهادة والحمـ
ثم واروا في مشهد الرأس ذاك الـ
وارتجَوا أنه سيحيا لدى البعـ
ـله قوماً أثخنوا في المشرقَيْنِ
فله أسوةٌ برأس الحسينِ
ـل لقد حاز أجره مَرَّتَيْنِ
-رأس فاستعجبوا من الحالتَينِ
ـث رفيقَ الحسينِ في الحُسْنَيْنَ
(١٢) أ ، ب : ودفنه عنده .
(١٣) هو محمد بن عبد الله. النصير الطوسي سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٧٢ من هذا الجزء إن شاء الله.
(١٤) من مدن أذربيجان . معجم البلدان (٥/ ٩٣ ).

٣٤٢
أحداث سنة ٦٥٧ هـ
كتب الأوقاف التي كانت ببغداد ، وعمل دار حكمة ورتب فيها فلاسفة ، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة
ثلاثة دراهم ، ودارَ طب فيها للطبيب (١) في اليوم درهمان ، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم ، ودار
حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم .
وفيها : قدم القاضي الوزير كمال الدين عمر بن أبي جرادة المعروف بابن العديم(٢) إلى الديار
المصرية رسولاً من صاحب دمشق الناصر بن العزيز يستنجد المصريين على قتال التتار ، وأنهم(٣) قد
اقترب قدومهم إلى الشام ، وقد استولوا على بلاد الجزيرة وحرَّان وغيرها [ في هذه السنة ] ، وقد جاز
أشموط بن هولاكوخان الفرات وقرب من حلب ، فعند ذلك عقدواً مجلسا٤ً) بين يدي المنصور بن المعزّ
التركماني ، وحضر قاضي مصر(٥) بدر الدين السنجاري(٦)، والشيخ عز الدين بن عبد السلام(٧) ،
وتفاوضو(٨) الكلام فيما يتعلق بأخذ شيء من أموال العامة لمساعدة الجند ، وكانت العمدة على ما يقوله
ابن عبد السلام، وكان حاصل كلامه أنه قال إذا٩) لم يبق في بيت المال شيء ثم أنفقتم١٠) أموال
الحوائص المذهبة وغيرها من الفضة والزينة ، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس سوى آلات الحرب
بحيث لم يبق للجندي سوىٌ(١١) فرسه التي يركبها ، ساغ للحاكم حينئذ أخذ شيء من أموال الناس في دفع
الأعداء عنهم ، لأنه إذا دهم العدو البلاء١٢) ، وجب على الناس كافة دفعهم(١٣) بأموالهم وأنفسهم .
ولاية الملك المظفر قطز [ بمصر ]
وفيها : قبضَ الأميرُ سيف الدين قطز على ابن أستاذه نور الدين علي الملقب بالمنصور ، وذلك في
(١) أ، ب : للحكيم .
(٢) سترد ترجمة ابن العديم في وفيات سنة ٦٦٠ من هذا الجزء.
(٣) أ، ب : بأنهم .
(٤) أ، ب: واقترب من مدينة حلب فعقد عند ذلك مجلس بالديار المصرية.
أ ، ب : قاضي الديار المصرية .
(٥)
سترد ترجمة بدر الدين السنجاري في وفيات سنة ٦٦٣ هـ من هذا الجزء .
(٦)
سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٦٠ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٧)
(٨) أ، ب : وأفاضوا.
(٩) أ، ب: وكان حاصله إذا لم يبق .
(١٠) وأنفقتم الحوائص الذهب وغيرها من الزينة. ولعلَّ المقصود ( الخرائص) وهي جمع جمع للخُرْص وهو نوع من
الحلي .
(١١) أ، ب : لم يبق للجندي شيء سوى .
(١٢) عن ط وحدها .
(١٣) أ، ب : وجب على الناس كافة أن يدفعوهم.

٣٤٣
وفيات سنة ٦٥٧ هـ
غيبة أكثر الأمراء من مماليك أبيه وغيرهم في الصيد ، فلما مسكه سيَّره (١) مع أمه وابنيه وإخوته إلى بلاد
الأشكري(٢)، وتسلطن هو وسمى نفسه بالملك المظفر ، وكان هذا من رحمة الله بالمسلمين ، فإن الله
جعل على يديه كسر التتار(٣) كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وبان عذره(٤) الذي اعتذر به إلى الفقهاء
والقضاة وإلى ابن العديم ، فإنه قال : لا بدَّ للناس من سلطانٍ قاهرٍ يقاتل عن المسلمين عدوَّهم ، وهذا
صبي صغير لا يعرف تدبير المملكة .
وفيها : برز الملك الناصر صاحب دمشق إلى وطأة برزة(٥) في جحافل كثيرة من الجيش والمطّوِّعة (٦)
والأعراب وغيرهم ، ولما علم ضعفهم عن مقاومة المغول ارفضَّ ذلك الجمع ، ولم يسر(٧) لا هو ولا
هم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها : توفي من الأعيان(٨):
واقف الصدرية [ الرَّئيس]٩) صَدْرُ الدين أسْعَدُ بن المُنَجَّى (١٠) بن بركات بن مؤمل، التَّوخي
المغربي ثم الدمشقي الحنبلي أحدُ المُعدّلين ، ذوي الأموال، والمروءات والصدقات الدارّة البارّة ، وقف
مدرسةٌ(١) للحنابلة ، وقبره بها إلى جانب تربة القاضي المصري(١٢) في رأس درب الرَّيْحان من ناحية
(١) أ، ب : فأمسكه وسيره .
(٢) يبدو أنه استبدل بقتلهم هذا النفي ، ولكنه لو أنه قتلهم لكان أرحم بهم فقد تعرضوا لفتنة التنصّر في بلاد الأشكري
فتنصّر منهم من تنصّر . سير أعلام النبلاء ( ٢٠٠/٢٣، ٣٨٢).
(٣) أ ، ب : فإنه الذي يسر الله على يديه كسرة التتار .
(٤) أ، ب : وهذا .
(٥) ط : إلى وطاء برز. وبرزة اليوم أحد أحياء دمشق امتدّ العمران إليها وصارت جزءاً من مدينة دمشق.
(٦) ط : المقطوعة.
(٧) أ، ب : ولم يصبر .
(٨) أ، ب : وممن توفي فيها من الأعيان.
(٩) ترجمة - أسعد بن المنجى - في ذيل الروضتين ( ٢٠٣) والأعلاق الخطيرة ( ٢٥٧) وفي تاريخ الإسلام
(٨٦٠/١٤) والعبر (٢٧٩/٥) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٧٥) وسير أعلام النبلاء (٢٧٥/٢٣) والوافي
بالوفيات (٤٣/٩) وذيل طبقات الحنابلة (٢٦٨/٢) والنجوم الزاهرة (٧١/٧) والمقصد الأرشد (٢٨٠/١ -
٢٨١) والدارس (٨٦/٢) ومختصره (١٢٦) وشذرات الذهب (٤٩٨/٧) والحقيقة والمجاز (٧٨/١) ومنادمة
الأطلال ( ٢٣٩) .
(١٠) ط : المنجاة ؛ تحريف .
(١١) قال بدران: محيت آثارها وصارت دوراً. الأعلاق الخطيرة (٢٥٧) والدارس (٨٦/٢) ومختصره (١٢٦)
ومنادمة الأطلال ( ٢٣٩).
(١٢) الجمال المصري يونس بن بدران بن فيروز تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٢٣ من هذا الجزء

٣٤٤
وفيات سنة ٦٥٧هـ
الجامع الأموي(١)، وقد ولي نظرَ الجامع مدةً، واستجدَّ أشياءَ كثيرةً منها سوق النحاسين قبلي الجامع ،
ونقل الصاغة إلى مكانها الآن ، وقد كانت قبل ذلك في الصاغة العتيقة ، وجدَّد الدكاكين التي بين أعمدة
الزيادة ، وثمَّرَ الجامع أموالًا جزيلة ، وكانت له صدقاتٌ كثيرةٌ ، وذكر عنه أنه كان يعرف صنعة الكيمياء
وأنه صحَّ معه عمل الفضَّة ، وعندي أن هذا لا يصح ، ولا يصح عنه ، والله أعلم .
الشيخ يوسف (٢) الأقميني(٣) كان يعرف بالأقْميني لأنه كان يسكن قمين حمام نور الدين الشهيد ،
وكان يلبس ثياباً طوالًا تحف(٤) على الأرض ، ويبول في ثيابه ، ورأسه مكشوف(٥) ، ويزعمون أن له
أحوالاً وكشوفاً كثيره٦)، وكان كثيرٌ من العوام وغيرهم يعتقدون صلاحَه وولايته ، [ وذلك لأنهم
لا يعلمون شرائط الولاية ولا الصلاح ، ولا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من البر والفاجر ، والمؤمن
والكافر ، كالرهبان وغيرهم ، وكالدجال وابن صياد وغيرهم ، فإن الجن تسترق السمع وتلقيه على أذن
الإنسي ، ولا سيما من يكون مجنوناً أو غير نقي الثياب من النجاسة (٧) ، فلا بدَّ من اختبار صاحب الحال
بالكتاب والسنة ، فمن وافق حاله كتاب الله وسنة رسوله فهو رجل صالح سواء كاشف أو لم يكاشف(٨)،
ومن لم يوافق فليس برجل صالح سواء كاشف أم لا . قال الشافعي [ رحمه الله ] : إذا رأيتم الرجلَ يمشي
على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة . ولما مات هذا [الرجل (٩)
(١) أ، ب : الجامع المبرور وقد ولي نظر الجامع المبرور مدة وقد استجدّ أشياء.
(٢)
ترجمة - يوسف القميني - في ذيل الروضتين (٢٠٢ - ٢٠٣) وذيل مرآة الزمان (٣٤٨/١) وتاريخ الإسلام
(١٤ / ٨٦٩) وسير أعلام النبلاء (٣٠٢/٢٣ -٣٠٣) والعبر (٢٤٠/٥) وشذرات الذهب (٧/ ٥٠٠) وهو مدفون
عند مقام ابن عربي، وقد زاره الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته: (( الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر
والحجاز)) وتحدث عن ذلك فيها (٧٨/١) وذكر أنه وضع فيه وفي خادمه محمود رسالة سماها: (( الحوض
المورود في زيارة الشيخ يوسف والشيخ محمود)) . قلت: ومن هذه الرسالة نسختان في ظاهرية دمشق برقم ٤٠٠٨
ورقم ٣٦٧١ . الحقيقة والمجاز (١/ ٢٧٥) .
(٣) في مصادره ( القميني ) وقال النابلسي القميني: بفتح القاف وكسر الميم مخففة والناس يشدُّدونها نسبة إلى قمين
الحمام . وفي القاموس المحيط : قمين - كأمير - : أتون الحمام . قلت : وأهل دمشق ينطقونها : قَمّيم . وإلى
ذلك أشار الشهاب الخفاجي في شفاء الغليل (٤١٦) وقال : قميم : هو موقد نار ، ومن المشايخ يوسف
القميمي ، سمي به لأنه كان يسكن في قميم حمام نور الدين الشهيد. الحقيقة والمجاز للنابلسي (٧٨/١).
(٤)
أ ، ب : تجحف . وفي مصادره : تكنس الأرض .
في ط : مكشوفة . والرأس مذكر. المذكر والمؤنث للأنباري (١/ ٣٠٢).
(٦) أ، ب : وله أحوال وكشوف كثيرة .
(٥)
ما بين الحاصرتين في أ ، ب : وذلك أنهم لا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من المؤمن والكافر کما کان ابن صياد
(٧)
ومن البر والفاجر .
أ ، ب : فمن وافق حال الكتاب والسنة فهو حال صالح سواء كاشف أم لا .
(٨)
عن ط وحدها .
(٩)

٣٤٥
وفيات سنة ٦٥٧ هـ
دفن بتربة بسفح قاسيون وهي مشهورة به شرقي تربة أبي عمر المقدسي(١) ، وهي مزخرفة قد اعتنى بها
[ بعض العوام ممن كان يعتقده ، فزخرفها وعمل على قبره حجارة منقوشة بالكتابة وهذا كله من
البدع (٢) ، وكانت وفاته في سادس شعبان من هذه السنة ، وكان الشيخ إبراهيم بن سعيد جيعانة
لا يتجاسر فيما يزعم(٣) أن يدخل البلد والقميني حي (٤)، فيوم مات الأقميني دخلها [ وكان
وكانت العوام معه فدخلوا وهم يصيحون ويصرخون أذن لنا في دخول البلد ، وهم أتباع كل ناعق لم
يستضيئوا بنور العلم ، فقيل لجيعانة : ما منعك من دخولها قبل اليوم ؟ فقال : كنت كلما جئت إلى باب
من أبواب البلد أجد هذا السبع رابضاً فيه فلا أستطيع الدخول ، وقد كان سكن الشاغور ، وهذا كذب
واحتيال ومكر وشعبذة ، وقد دفن جيعانة عنده في تربته بالسفح والله أعلم بأحوال العباد }(٥) .
الشمس(٦) علي بن [المُظَفَّر بن القاسم الرَّبَعي] النُّشْسِ(٧) [ الدمشقي العدل ] المحدث ناب في
الحسبة عن الصدر البكري [ في أيامه (٨)، وقرأ الكثير بنفسه ، وسمع وأسمع ، وكتب بخطه كثيراً رحمه
الله تعالى .
أبو عبد الله الفاسي(٩) شارح (( الشاطبية)) اشتهر بالكنية ، وقيل إن اسمه القاسم
(١٠)
(١) ط : شرقي الرواحية . وهذا خطأ لأن الرواحية بجانب الجامع الأموي وهو بعيد عن مسجد الشيخ محيي الدين حيث
دفن القميني . وأثبت رواية الأصلين الآخرين رغم أنّ منها في النفس شيئاً ذلك لأن تربة أبي عمر هي التي تقع شرقي
جامع الشيخ محيي وليس العكس . فلعله دفن أولًا في تربة خاصة به شرقي تربة أبي عمر ثم نقل إلى جانب مقام
الشيخ محيي الدين .
(٢) مكان ما بين الحاصرتين في أ ، ب : بعض من كان يعتقد فيه .
(٣) أ : وكان الشيخ إبراهيم الجيعانة لا يتجاسر أن يدخل . وفي ب : وكان الجيعانة لا يتجاسر أن يدخل . وسترد
ترجمة الجيعانة في وفيات سنة ٦٨٠ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٤) أ، ب : وهو حي .
(٥) وكان ما بين الحاصرتين في أ، ب : ودخل القوام معه يصيحون ويصرخون وهم أتباع كل ناعق .
(٦) ترجمة - الشمس النشبي - في سير أعلام النبلاء (٣٢٦/٢٣) والعبر (٢٣٣/٥) والنجوم الزاهرة (٦٨/٧)
وشذرات الذهب ( ٧/ ٤٨٤ / ٤٨٥) وفي هذه المصادر أنه توفي سنة ٦٥٦ .
(٧) النُّشْبي نسبة إلى نشبة بطن من تيم الرباب . سير أعلام النبلاء .
(٨) الصدر البكري هو الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك ، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق
رضي الله عنه، ولي حسبة دمشق، ومشيخة الخوانك توفي في ٦٥٦/١٢/١١ هـ بينما توفي النشبي - كما عند
الذهبي -؟/٦٥٦/٣ هـ سير أعلام النبلاء (٣٢٦/٢٣ -٣٢٨).
(٩) ترجمة - أبي عبد الله الفاسي - في ذيل الروضتين (١٩٩) وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٦١) والعبر (٢٣٥/٥)
والوافي بالوفيات (٣٥٤/٢٠) والجواهر المضية (٤٥/٢ -٤٦) وغاية النهاية (١٢٢/٢ -١٢٣) والنجوم الزاهرة
(٦٩/٧) وشذرات الذهب (٤٩٠/٧).
(١٠) في السير والشذرات اسمه : جمال الدين أبو عبد الله. محمد بن حسن بن محمد بن يوسف الفاسي

٣٤٦
وفيات سنة ٦٥٧ هـ
مات(١) بحلب ، وكان عالماً فاضلاً في العربية والقراءات وغير ذلك ، وقد أجاد في شرحه للشاطبية
وأفاد ، واستحسنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٢) شارحها أيضاً .
النجم (٣) أخو البدر مفضل وكان شيخ الفاضلية (٤) بالكلاسة .
وكان له إجازة من السلفي خطيب العقيبة بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام(٥) ،
ودفن بباب الصغير على جده ، وكانت جنازته حافلة رحمه الله .
سعد الدين(٦) محمد(٧) بن الشيخ محيي الدين بن عربي [ الحاتمي ].
ذكره أبو شامة (٨) وأثنى عليه في فضيلته وأدبه وشعره [ وذكر مايدلّ على فضيلة وأدب وشعر فيه
قوة ] ، هذا إن لم يكن من أتباع أبيه .
(وقد ذكر أبو شامة(٩) وفاة الناصر داود في هذه السنة) [وقد قدمنا ترجمته في التي قبلها ؟١٠).
سيف الدين بن صبرة١١) متولي شرطة دمشق .
ذكر أبو شامة ١٢) أنه حين مات جاءت حية فنهشتْ أفخاذه، وقيل (١٣): إنها التقَّتْ في أكفانه ،
وأعيى الناس دفعها . قال : إنه كان نُصَيْرِيّاً رافضّاً خبيتاً مدمنَ خمرٍ ، نسأل الله الستر والعافية .
في أ، ب : وكانت وفاته .
(١)
(٢)
ذيل الروضتين (١٩٩ ).
ترجمة النجم أخو البدر في ذيل الروضتين ( ١٩٩) والدارس (٩٣/١).
(٣)
المدرسة الفاضلية بالكلاسة في محيط الجامع الأموي . قال بدران : وأما الآن فقد صارت بيوتاً للسكنى وقد
(٤)
شاهدت من آثارها الإيوان وقاعتين بجانبه والمطبخ من ضمنه . الدارس (٨٩/١) ومختصره (١٦) ومنادمة
الأطلال ( ٤٨ ).
(٥) الدارس (٢/ ٤٢٧).
(٦) ترجمة - سعد الدين بن عربي - في ذيل الروضتين (٢٠٠) - وفيات ٦٥٦ - وفي الوافي (١٨٦/١) وفي فوات
الوفيات (٢٦٧/٣ - ٢٨١) ونفح الطيب (٢/ ١٧٠) وشذرات الذهب (٤٨٨/٧).
(٧) أ، ب : سعد الدين بن محمد خطأ.
(٨)
ذيل الروضتين (٢٠٠ ) .
(٩) ذيل الروضتين (٢٠٠) فقد أورد أبو شامة ترجمة الناصر داود في وفيات سنة ٦٥٦ لا في هذه السنة .
(١٠) عن أ وحدها .
(١١) ترجمة - ابن صبرة - في ذيل الروضتين (٢٠٠).
(١٢) إن شاء الله تعالى (٢٠٠).
(١٣) أ، ب : ويقال.

٣٤٧
وفيات سنة ٦٥٧ هـ
النجيب بن شُقَيْشِقَة الدمشقي(١) أحد الشهود بها .
له سماع حديث ، ووقف داره بدرب البانياسي دار حديث ، وهي التي كان يسكنها شيخنا الحافظ
المزي قبل انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية ، قال أبو شامة : وكان ابن شُقَيْشِقَة وهو النَّجيب أبو الفتح نصر
الله بن [ أبي العز بن ] أبي طالب الشَّيباني ، مشهوراً بالكذب ورقَّة الدين وغير ذلك، وهو أحد الشهود
المقدوح فيهم ، ولم يكن بأهل(٢) أن يُؤْخَذ عنه، قال: وقد أجلسه أحمد بن يحيى [ بن هبة الله ] الملقب
بالصدر ابن سَنيّ الدوله(٣) في حالة ولايته القضاء(٤) بدمشق، فأنشد فيه بعض الشعراء(٥) : [ من الكامل ]
جلسَ الشُّفَيْشِقَةُ الشَّقيُّ ليشهدا تبّأَ لكم(٦) ماذا عدا فيما(٧) بدا؟
جّالُ أم عُدِم٩ُ) الرجالُ ذوو الهدى ؟
هل زُلزل الزِّلزالُ؟ أم قد أُخرجُ(٨) الذَّ
شرع قد أذنوا له أن يَقْعُدَا
لشّـ
عجباً لمحلولِ العقيدةِ جاهلٍ
بـ
قال أبو شامةُ ١٠) : في سنة سبع وخمسين وستمئة توفيٌ(١١) شخصٌ زنديقٌ يتعاطى الفلسفةَ والنظرَ في
علم الأوائل ، وكان يسكن مدارس [ فقهاء ] المسلمين ، وقد أفسدَ عقائد جماعةٍ من الشُّبان المشتغلين
فيما بلغني ، [ وكان يتجاهر باستنقاص الأنبياء عليهم السلام ، وهو يعرف بالفخر بن البديع البندهي ]
(١) ترجمة - ابن شقيشقة - في ذيل الروضتين (٢٠١) وفوات الوفيات (١٨٥/٤) والعبر (٢٣٦/٥) والإعلام بوفيات
الأعلام (٢٧٤) وميزان الاعتدال (٢٥٤/٤) والنجوم الزاهرة (٦٨/٧) وشذرات الذهب (٧/ ٤٩٢).
(٢) أ، ب : بحال .
(٣) سترد ترجمته في وفيات السنة القادمة ٦٥٨ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٤) أ، ب : قضاء القضاة . وفي مصادره : عاقداً تحت الساعات . أي : يعقد الأنكحة .
هو ابن الدجاجية محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله أبو عبد الله بهاء الدين القرشي الدمشقي الصالحي
العدل الذي توفي سنة ٦٥٧ هـ ، ذيل مرآة الزمان (٣٤٤/١).
(٥) الأبيات في فوات الوفيات. والشذرات (٧/ ٤٩٢) وذيل الروضتين (٢٠١).
(٦) أ، ب: والفوات والشذرات. بأبيكما .
(٧) في ما عاد الفوات: فيما . وهو مثل عربي قد أوردته في كتاب معجم الأمثال العربية (١٤٤/١) و(١٣٢/٢)
ومصادره القديمة الفاخر (٣٠١) ومجمع الأمثال (٢٩٦/٢).
(٨) ط : قد خرج ؛ ولا يستقيم الوزن بهذه الرواية .
(٩) في الشذرات : أم عدموا الرجال أولي الهدى .
(١٠) ذيل الروضتين (٢٠٢).
(١١) ط: مات. وما هنا عن الأصلين ويوافق ما في ذيل الروضتين.

٣٤٨
أحداث سنة ٦٥٨ هـ
كان(١) أبوه يزعم أنه من تلامذة [ الفخر الرازي (٢) ابن خطيب الري (٣) صاحب المصنفات (٤).
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمئة
استُّهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة .
ومُلْكُ العراقين وخراسان وغيرها٥) من بلاد المشرق للسلطان هولاكوخال(٦) [ بن تولي بن جنكيز
خان ] ملك التتار .
وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز ، مملوك المعز أيبك (٧) التركماني ، وسلطان
دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر [ غازي بن الناصر فاتح القدس ] ، وبلاد الكرك
والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب ، وهو حرب مع الناصر
صاحب دمشق على المصريين ، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ، وقد عزمو(٨) على قتال
المصريين وأخذ مصر٩) منهم .
أخذ حلب ودمشق(١٠)
وبينما الناس على هذه الحال وقد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة
ملكهم هولاكوخان ، وجازوا الفرات على جسور(١١) عملوها ، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه
السنة ، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان ، ثم غدروا بأهلها وقتلوا١٢) منهم خلقاً لا يعلمهم إلا
الله عز وجل ، ونهبوا الأموال ، وسَبّوا النساء والأطفال ، وجرى عليهم قريبٌ مما جرى على أهل بغداد ،
(١) ط : وكان ؛ واخترت رواية أب لموافقتها لما في ذيل الروضتين .
(٢)
تقدمت ترجمة الفخر الرازي في وفيات سنة ٦٠٦ من هذا الجزء .
(٣)
في ط : ابن خطيب الري الرازي .
بعد هذه اللفظة في ط : حية ولد حية . وفي ذيل الروضتين : وفي حياة والده مات .
(٤)
(٥)
أ ، ب : وغيرها .
(٦)
أ ، ب : هولاكوقان .
عن ط وحدها .
(٧)
أ : وهو عزم . ب : وهم عزم .
(٨)
(٩) أ، ب: وأخذ البلد منهم .
(١٠) العنوان عن أب وحدهما .
(١١) أ، ب: وجاوز الفرات على جسوره.
(١٢) أ، ب : وغدروا فقتلوا من أهلها خلقاً.

٣٤٩
صفة أخذهم دمشق وزوال ملكهم عنها سريعاً
فجاسوا خلال الديار وجعلوا أعزَّة أهلها أذلَّهُ(١) ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وامتنعت عليهم القلعة شهراً
ثم استلموها٢) بالأمان ، وخرب أسوار البلد وأسوار القلعة وبقيت حلب(٣) كأنها حمار أجرب ، وكان
نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين وكان عاقلاً حازماً ، لكنه لم يوافقه الجيش على
القتال(٤)، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. وقد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب(٥) : نحن إنما جئنا لقتال
الملك الناصر بدمشق ، فاجعلوا لنا عندكم شحنة ٦) ، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا ، وإن
كانت علينا فإن شئتم قتلتم(٧) الشحنة وإن شئتم أطلقتموه. فأجابوه٨): مالك عندنا إلا السيف ، فتعجب
من ضعفهم وجوابهم (٩) ، فزحف حينئذ إليهم وأحاط بالبلد، وكان ما كان بقدر الله سبحانه١٠) . ولما
فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو(١١) ، فاستناب عليها رجلاً من العجم يدَّعي أنه من
ذرية خالد بن الوليد يقال له خسروشاه، فخرَّب أسوارها كمدينة حلب(١٢) .
صفة أخذهم دمشق (١٣) وزوال ملكهم عنها سريعاً
أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشاً مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين ، فوردوا دمشق في
آخر صفر فأخذوها سريعاً من غير ممانعة ولا مدافعة١٤) ، بل تلقّاهم كبارُها بالرحبِ والسَّعة ، وقد كتب
هولاكو أمان١ً) لأهل البلد ، فقرىء بالميدان الأخضر ونودي به في البلد ، فأمن الناس على وجلٍ من
الغدر(١٦)، كما فعل بأهل حلب. هذا والقلعةُ ممتنعةٌ مستورةٌ ، وفي أعاليها المجانيقُ منصوبة والحال
(١) أ، ب: فحبسهم وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(٢) أ، ب : قلعتها شهراً ثم تسلموها بالأمان .
(٣) أ، ب : وكأنها حمار أجوف وكان النائب بها .
(٤) أ، ب : على المصلحة ولكن سرعوا .
(٥) أ، ب : وقد كان السلطان هولاكو أرسل إلى أهل البلد يقول لهم حين قدم بجحافله .
(٦) أ، ب : ونحن نريد منكم أن تجعلوا لنا بالقلعة شحنة .
(٧) ط : قبلتم ؛ وهو تحريف .
(٨) أ، ب : فأجابوا .
(٩) أ، ب : وجوابهم بهذا .
(١٠) أ: وكان ما كان بقدر الله وقدره ، وب : وكان بقضاء الله وقدره .
(١١) أ، ب : بمفاتيحها إليه .
(١٢) أ، ب : كما فعل بمدينة حلب .
(١٣) أ، ب : أخذهم لدمشق .
(١٤) : مدافع .
(١٥) أ، ب : وقد كتب معهم السلطان هولاكو فرماناً لأهل البلد .
(١٦) أ، ب : على وجل أن يغدروا .

٣٥٠
صفة أخذهم دمشق وزوال ملكهم عنها سريعاً
شديدة ، فأحضرت التتار مجانيق تحمل(١) على عجل والخيول تجرُّها ، وهم راكبون على الخيل
وأسلحتهم [ تحمل ] على أبقار كثيرة، فنصبوا المجانيق(٢) على القلعة من غربيّها، وخربوا حيطاناً كثيرة
وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعةَ رمياً متواتراً كالمطر المتدارك ، فهدموا كثيراً من أعاليها وشرفاتها
وتداعت للسقوط ، فأجابهم متولّيها في آخر ذلك النهار للمصالحة(٣) ، ففتحوها وخرّبوا كل بدنة فيها ،
وأعالي بروجها ، وذلك في المنتصف من (٤) جمادى الأولى من هذه السنة ، وقتلوا المتولي بها بدر
الدين بن قراجا ، ونقيبها جمال الدين ابن الصيرفي الحلبي ، وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له
إيل سيان ، وكان لعنه الله معظّماً لدين النصارى ، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم ، فعظّمهم جداً ، وزار
كنائسهم ، فصارت لهم دولة [ وجولة ] وصولة بسببه ، وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا
معهم بهدايا وتحف ، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته ، ودخلوا من باب توما٥) ومعهم
صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس ، وهم ينادون بشعارهم ويقولون : ظهر الدين الصحيح دين
المسيح. ويذمون دين الإسلام(٦) وأهله ، ومعهم أواني فيها خمرٌ لا يمرُّون على باب مسجد إلا رشّوا
عنده خمراً ، وقماقم ملآنة خمراً يرشون منها على وجوه الناس(٧) وثيابهم ، ويأمرون كل من يجتازون به
في الأزقة(٨) والأسواق أن يقوم لصليبهم ، ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان(٩)،
ورشوا عنده (١٠) خمراً ، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير ، واجتازوا في السوق حتى
وصلوا درب الريحال (١١) أو قريب منه ، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم ، فوقف
خطيبهم إلى دكة دكانٍ في عطفة السوق فمدح دين (١٢) النَّصارى وذمّ دين الإسلام وأهله ، فإنا لله وإنا إليه
(١) ط : منجنيقاً يحمل. وفي أ، ب: مجانيقاً. وما هنا للسياق اللغوي .
(٢) ط : فنصب المنجانيق. والخبر في ذيل مرآة الزمان (١/ ٣٥١).
(٣) أ، ب : إلى المصالحة.
(٤) ط : في نصف .
(٥) أ، ب : وذهبت طائفة إلى السلطان هولاكو بهدايا وتحف وقدموا منه معهم أمان فرمان من جهته ودخلوا البلد من
باب توما .
(٦) أ، ب : ويذمون من الإسلام وأهله .
(٧) أ، ب : وقماقم خمر يرشون منها على وجوه الناس .
(٨) عن ط وحدها .
(٩) أبو البيان هو نَبًا بن محمد بن محفوظ القرشي الدمشقي شيخ طائفة منسوبة إليه ، وكان هو والشيخ أرسلان الدمشقي
مجاورين في المسجد الذي في رأس درب الحجر . له نظم كثير وتصانيف مفيدة . توفي بدمشق سنة ٥٥١ هـ .
زيارات الشام لابن الحوراني (٦١) والزيارات للعدوي ( ٥٣ ).
(١٠) أ، ب : ورشّوا هنالك خمراً .
(١١) أ، ب : حتى وصلوا إلى درب الريحان.
(١٢) أ، ب: في عطفة السوق هنالك فذكر في خطبته مدح دين النصارى .

٣٥١
وقعة عين جالوت
راجعون . ثم دخلوا١) بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرةً ولكن كان هذا سبب خرابها ولله الحمد .
وحكى الشيخ قطب الدين في ((ذيله(٢) على المرآة )) أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله أعلم .
قال: وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر ، وكان في(٣) نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيراً من
المساجد وغيرها٤) ، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة
يشكون هذا الحال إلى متسلَّمها إبل سيار(٥) فأهينوا وطردوا ، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم فإنا لله
وإنا إليه راجعون . وهذا كان في أول هذه السنة وسلطان الشام النصر بن العزيز وهو مقيم في وطأة برزة ،
ومعه جيوش كثيرة من الأمراء(٦) وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم ، وكان في جملة (٧) من معه
الأمير [ ركن الدين ] بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، ولكن الكلمة (٨) بين الجيوش مختلفة غير
مؤتلفة ، لما يريده الله عز وجل . وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع [ الملك ] الناصر وسجنه ومبايعة
أخيه شقيقه الملك الظاهر علي ، فلمّا عرف(٩) الناصر ذلك هرب إلى القلعة١٠) وتفرقت العساكر شذر
مذر(١) وساق الأمير ركن الدين بيبرس [ البندقداري ] في أصحابه إلى ناحية غزة ، فاستدعاه الملك
المظفر قطز إليه واستقدمه عليه ، وأقطعه قليوب ، وأنزله بدار الوزارة وعظم شأنه لديه ، وإنما كان حتفه
على يديه .
وقعة عين جالوت
اتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة ، فما مضت سوى ثلاثة أيام(١٢) حتى
(١) أ، ب : ثم ولجوا .
(٢) ذيل مرآة الزمان (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
(٣) ب : وكان من نيتهم .
بعدها في أ ، ب : فكفى الله شرهم .
(٤)
(٥) عند اليونيني اسمه : إيلبان .
(٦) أ، ب : وقد كان في أول هذه السنة سلطان الشام الناصر بن عبد العزيز وقد أقام بوطأة برزة ومعه خلق كثير من
الجيوش والأمراء .
(٧) أ، ب : وكان ممن معه الأمير ركن الدين بيبرس .
(٨) أ، ب: والكلمة .
(٩) أ، ب : فلما تنسم الناصر ذلك .
(١٠) أ، ب : إلى القلعة المنصورة .
(١١) شذر مذر. مثل عربي قديم أوردته في كتابي معجم الأمثال العربية (٢/ ٤٥٠) و(١٦٤/٤) وهو أيضاً في مجمع
الأمثال (٢٧٩/١) واللسان ( مذر ) .
(١٢) أ، ب : فما مضت إلا ثلاثة أيام.

٣٥٢
وقعة عين جالوت
جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت ، ولله الحمد وذلك أن الملك المظفر
[ سيف الدين ] قطز صاحب مصر(١) لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا ، وقد نهبوا البلاد كلها حتى
وصلوا إلى غزة، [ وقد أسروا ملكها الناصر بن العزيز وكان قد هرب منهم حتى وصل إلى غزة (٢) ، وقد
عزموا على الدخول إلى مصر(٣)، وقد(٤) عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر ، وليته
فعل ، وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك ، وقد وصل إلى
قَطْيَةُ(٥) ، وفيها الملك المظفر للقائه فأرسل إليه وإلى المنصور مستحثِّين ، وأرسل إليه يقول تقدَّمْ حتى
نكون كتفاً واحداً على التتار فتخيَّل من ذلك وخاف أن ينتصر عليه ، وأكرم الملك المظفر قطز صاحب
حماة ووعده ببلده ووفاه له ، ولم يدخل الملك الناصر مصر بل كرَّ راجعاً إلى ناحية تيه بني إسرائيل ،
ودخل عامةُ مَنْ كان معه إلى مصر ، ولو دخل كان أيسر عليه مما صار إليه ، ولكنه خاف منهم لأجل
العداوة(٦) فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها وليته استمر فيها ، ولكنه قلق فركب نحو البرية - وليته ذهب
فيها - واستجار ببعض أمراء الأعراب ، فقصدته التتار وأتلفوا [ ونهبوا ما هنالك ] من الأموال [ وخربوا
الديار (٧) وقتلوا الكبار والصغار ، وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي فقتلوا منهم خلقاً [كثيراً ]
وسبوا من نسلهم ونسائهم ، وقد اقتص (٨) منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل حشارهم في نصف
شعبان فساقوها بأسرها ، فساقت وراءهم التتار فلم يدركوا لهم الغابر ولا استردوا منهم فرساً ولا
حمار[٩)، وما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه عند بركة زيزي(١٠) وأرسلوه مع ولده العزيز وهو صغير
وأخيه إلى ملكهم هولاكوخان وهو نازل على حلب ، فما زالوا في أسره حتى قتلهم في السنة الآتية كما
سنذكره .
والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة ١١) وأنهم عازمون على
(١) أ، ب : الديار المصرية.
(٢) عن ب وحدها .
(٣) أ، ب : وعزم على الدخول إلى الديار المصرية.
(٤) من هذه اللفظة ولعدة سطور ثمة خلافات كبيرة بين النسخ لم أجد فائدة من إثباتها لأنها ذات مدلول واحد .
(٥) ((قَطْيَة)): بالفتح، ثم بالسكون ، وياء مفتوحة: قرية في طريق مصر في وسط الرمل قرب الفرما . معجم البلدان
( ٤ /٣٧٨) .
(٦) أ، ب : لعداوة ما بينه وبينهم.
(٧) عن ط وحدها .
(٨) أ، ب: من نسائهم وأبنائهم قد استقصى.
(٩) أ، ب : ولا الحمار .
(١٠) أ، ب : حتى أخذوه وأسروه من عند بركة زيزي.
(١١) عن ط وحدها .

٣٥٣
وقعة عين جالوت
الدخول إلى ديار مصر [ بعد تمهيد ملكهم بالشام ]١)، بادرهم [ هو ] قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم
عليهم قبل أن يقدموا عليه ، فخرج في عساكره ٢) وقد اجتمعت الكلمة عليه ، حتى انتهى [ بمن معه من
العساكر المنصورة ] إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين ، وكان إذ ذاك في البقاع
فاستشار الأشرف صاحب حمص(٣) والمجير ابن الزكي(٤) ، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى
يستمد هولاكو ، فأبى إلا أن يناجزه سريعاً، فساروا إليه وسار المظفر إليهم ، فكان(٥) اجتماعهم على
عين جالوت(٦) يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان ، فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، فكانت النصرة ولله
الحمد للإسلام وأهله ، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل [ أمير المغول ]٧) كتبغانوين وجماعة من
بيته(١)، وقد قيل إن الذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي ، واتبعهم الجيش الإسلامي
يقتلونهم في كل موضع(٩) ، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماة مع الملك المظفر [ في هذه الوقعة ]
قتالاً شديداً ١)، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب ، وكان أتابك العسكر ، وقد أسر من
جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل فأمر المظفر بضرب عنقه ، واستأمن الأشرف صاحب
حمص ، وكان مع التتار ، وقد جعله هولاكوخان نائباً على الشام كلِّه، فأمَّنه الملكُ المظفر وردَ إليه
حمص ، وكذلك ردّ حماة إلى المنصور وزاده المعرة وغيرها ، وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن
مُهَنّا بن مانع أمير العرب ، واتبع الأمير [ ركن الدين ] بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار
يقتلونهم في كل مكان ، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب ، وهرب مَنْ بدمشق منهمُ (١) يوم الأحد السابع
والعشرين من رمضان١٢) ، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفِكُّون الأسارى من أيديهم ،
وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دقُّ البشائر من القلعة وفرح المؤمنون
(١) أ، ب : بعد تمهيد مملكتهم بالشام المحروس.
(٢) أ، ب : بالعساكر المصرية.
(٣) أ ، ب : صاحب حمص والقاضي مجير الدين بن الزكي في لقاء المظفر فأشار بعضهم بأنه لا قبل لك به حتى .
(٤) سترد ترجمة ابن الزكي في وفيات سنة ٦٨٥ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٥) أ، ب: ( تلتقيه فأبى ) إلا أن يناجزه فصمدوا إليه فكان اجتماعهم .
(٦) أ، ب: وعين الجالوت ، وهي ترد هكذا في كل مرة . ولن أشير لها إلا هذه الإشارة .
(٧) عن ط وحدها .
(٨) أ : وجماعة من بنيه .
(٩) أ : فقتلهم في كل موضع وفي كل بارق ، ب : يقتلهم في كل موضع وفي كل مارق .
(١٠) أ، ب : قتالًاً عظيماً.
(١١) وكان هربهم منها .
(١٢) من هذه اللفظة ولعدة سطور بعد ذلك تختلف الروايات بشكل كثير ولكن المعنى بشكل عام واحد ، ولذلك لم أجد
فائدة من إثباتها .

٣٥٤
وقعة عين جالوت
بنصر الله فرحاً شديداً، وأيَّد الله الإسلام وأهله تأييداً وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دينُ الله
وهم كارهون .
فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها
وألقوا النار فيما حولها فاحترقت(١) دورٌ كثيرةٌ إلى النصارى، وملأ الله بيوتَهم وقبورهم ناراً، وأحرق(٢)
بعض كنيسة اليعاقبة .
وهمَّتْ طائفةٌ بنهب اليهود ، فقيل لهم : إنه لم يكن منهم(٣) من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان .
وقتلت العامةُ وسطَ الجامع شيخاً رافضيّاً كان مُصانعاً للتتار على أموال الناس يقال له الفخر محمد بن
يوسف بن محمد الكنجي ، كان خبيثَ الطويّة مشرقياً مُمالئاً لهم على أموال المسلمين قبّحه الله ، وقتلوا
جماعة مثله من المنافقين [ الممالئين على المسلمين ] فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب
العالمين .
وقد كان هولاكو٤) أرسل تقليداً بولاية القضاء على جميعُ(*) المدائن : الشام ، والجزيرة ،
والموصل ، وماردين ، [ وميافارقين ] والأكراد وغير ذلك ، للقاضي كمال الدين عمر بن بندار
التفليسي(٦) . وقد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سَنيّ
الدولة (٧) من مدة خمس عشرة سنة، فحين(٨) وصل التقليدُ في سادس عشرين ربيع الأول قُرىء بالميدان
الأخضر فاستقلّ بالحكم في دمشق وقد كان فاضلا٩ً) ، فسار القاضيان المعزولان(١٠) صدر الدين بن سني
الدولة ومحيي الدين بن الزكيُ(١١) إلى خدمة هولاكوخان إلى حلب(١٢) ، فخدع ابن الزكي لابن سني
الدولة وبذل له أموالاً جزيلة ، وتولى القضاء بدمشق ورجعا ، فمات ابن سني الدولة ببعلبك ، وقدم ابن
(١) ط : فاحترق .
(٢) أ، ب: وأحرقت .
(٣) أ، ب : لم يكن منهم فيما ظهر من الطغيان .
(٤) أ، ب : السلطان هولاكو .
(٥) أ، ب : لجميع مدائن الشام .
(٦) سترد ترجمة التفليسي في وفيات سنة ٦٧٢ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى .
(٧) سترد ترجمة ابن سني الدولة بعد صفحات من هذه السنة ٦٥٨ .
(٨) أ، ب : وحين .
(٩) أ، ب : وكان من الفضلاء.
(١٠) أ، ب: (المعزول ).
(١١) سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٦٨ من هذا الجزء.
(١٢) أ، ب: إلى البلاد الحلبية.

٣٥٥
وقعة عين جالوت
الزكي على القضاء ومعه تقليده وخلعة مذهَّبة فلبسها وجلس في خدمة إبل سنان تحت قبة النسر عند الباب
الكبير ، وبينهما الخاتون زوجة إبل سنان حاسرة عن وجهها ، وقرىء التقليد هناك والحالة كذلك(١) ،
وحين ذكر اسم هولاكو نثر الذهب والفضة فوق رؤوس الناس (٢)، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، قبح [ الله
ذلك القاضي والأمير والزوجة والسلطان }٣) .
وذكر أبو شامة٤ُ) أن ابن الزكي استحود٥) على مدارس كثيرة في مدته هذه القصيرة ، فإنه عزل قبل
رأس الحول ، فأخذ في هذه المدة العذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية والعزيزية مع
المدرستين اللتين كانتا بيده التقوية والعزيزية ، وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ ، وأخذ
أم الصالح لبعض أصحابه وهو العماد المصري ، وأخذ الشامية البرّانية (٦) لصاحب له ، واستناب أخاه لأمه
شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبيش في القضاء وولاه الرواحية والشامية البرانية . قال أبو شامة (٧) :
مع أن شرط واقفها أن لا يجمع بينها وبين غيرها .
ولما رجعت دمشق وغيرها إلى المسلمين ، سعى في القضاء ، وبذل أموالاً ليستمر فيه وفیما بیدیه من
المدارس ، فلم يستمر بل عزل بالقاضي نجم الدين(٨) أبي بكر بن صدر الدين بن سنيّ الدولة ، فقرىء
توقيعه بالقضاء يوم الجمعة بعد الصلاة في الحادي والعشرين من ذي القعدة عند الشباك الكمالي من مشهد
عثمان من جامع دمشق . ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار(٩) بعين جالوت ساق وراءهم ودخل
دمشق في أُبَّهة عظيمة وفرح به الناسُ(١٠) فرحاً شديداً وَدَعَوْا له دعاءً كثيراً ، وأقرّ صاحب حمص الملكَ
الأشرفَ عليها ، وكذلك المنصور صاحب حماة، واسترد حلب من يد هولاكو (١١) ، وعاد الحق إلى
نصابه ومهد القواعد ، وكان قد أرسل بين يديه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ليطرد التتار عن حلب
(١) أ، ب : هناك والحال كذلك.
(٢) أ، ب : من فوق رؤوس الناس.
(٣) عن ط وحدها .
(٤) ذيل الروضتين (٢٠٥).
(٥) أ، ب : وذكر أبو شامة أيضاً أنه استحوذ .
(٦) أ، ب : وكذا أخذ البرمانية .
(٧) ذيل الروضتين (٢٠٦) .
(٨) أ، ب: ولما رجعت المملكة إلى المسلمين سعى القاضي محيي الدين وبذل أموالاً جزيلة ليستمر في القضاء
والمدارس التي استولى عليها في مدة هذه الشهور فلم يستمر إلا قليلا القضاء لنجم الدين .
(٩) أ، ب : المغول .
(١٠) أ، ب : فرح الناس به.
(١١) أ، ب : من أيدي التتار.

٣٥٦
ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري
ويتسلمها١) ووعده بنيابتها ، فلما طردهم عنها وأخرجهم منها وتسلمها المسلمون استناب عليها غيره وهو
علاء الدين ابن صاحب الموصل (٢)، وكان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما واقتضت قتل الملك
المظفر قطز سريعاً ، ولله الأمر من قبل ومن بعد . فلما فرغ المظفر من الشام عزم على الرجوع إلى مصر
واستناب(٣) على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي (٤) . الكبير والأمير مجير الدين بن الحسين بن
آقشتمر ، وعزل القاضي ابن الزكي عن قضاء دمشق ، وولي ابن سني الدولة ثم رجع(٥) إلى الديار المصرية
والعساكر الإسلامية في خدمته ، وعيون الأعيان تنظر إليه شزراً من شدة هيبته .
ذكر سلطنة الملك الظاهر(٦) بيبرس البندقداري
وهو الأسد الضاري ، وذلك أن السلطان الملك المظفر قطز لما عاد قاصداً مصر ، وصل إلى (٧)
ما بين الغُرابِيّ(٨) والصالحية، عدا عليه الأمراء فقتلوه هنالك، وقد كان رجلاً صالحاً كثير الصلاة في
الجماعة ، ولا يتعاطى المسكر ولا شيئاً مما يتعاطاه الملوك(٩) ، وكانت مدة ملكه من حين عزل ابن أستاذه
المنصور علي بن المُعِزّ التركماني إلى هذه المدة ، وهي أواخر ذي القعدة نحواً من سنة ، رحمه الله وجزاه
عن الإسلام وأهله خيراً . وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الأمراء على
قتله ، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه وساق خلف أرنب ، وساق معه أولئك الأمراء فشفع عنده
ركن الدين بيبرسُ(١٠) في شيء فشفعه ، فأخذ يده ليقبِّلها فأمسكها وحمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف
[ فضربوه بها ](١)، ألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه١٢) رحمه الله ، ثم كَُّوا راجعين إلى
(١) ويتسلم مدينة حلب .
(٢) أ، ب : معابر البندقداري ذلك.
(٣) أ، ب : التي اقتضت قتل المظفر سريعاً عاجلاً ولله الأمر وعزم المظفر على الذهاب إلى الديار المصرية فاستناب.
(٤) سترد ترجمة سنجر الحلبي في وفيات سنة ٦٩٢ إن شاء الله .
(٥) أ، ب : وولي علاء الدين بن سني الدولة ثم عاد إلى الديار المصرية.
(٦) أ، ب : ذكر سلطنة الملك الظاهرة وهو الأسد الضاري بيبرس البند قداري.
(٧) أ، ب : لما عاد بالعساكر قاصداً الديار المصرية فوصل إلى .
(٨) ط : الغزالي، والغُرابي: رمل معروف بطريق مصر بين قَطْية والصالحية صعب المسلك . معجم البلدان
( ٤ / ١٩٠ ) .
(٩) أ، ب : لا يتعاطى الشراب ولا شيئاً مما يتعاناه الملوك.
(١٠) أ : ركن الدين بيبرس البندقداري . ب : ركن بيبرس.
(١١) عن ط وحدها .
(١٢) أ، ب : حتى أجهزوا عليه.

٣٥٧
ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري
المخيم وبأيديهم السيوف مصْلَتَة ، فأخبروا من هناك (١) بالخبر ، فقال بعضهم من قتله؟ فقالو(٢) : ركن
الدين بيبرس ، [ فقالوا: أنت قَتَلْتَهُ؟ فقال نعم ، فقالو(٣) : أنت الملك إذاً ، وقيل لما قتل حار الأمراء
بينهم فيمن يولُّون الملك ، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك ، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعاً ،
فاتفقت كلمتهم على أن بايعوا بيبرس البندقداري(٤) ، ولم يكن هو من أكابر المُقَدَّمين ، ولكن أرادوا أن
يجرّبوا فيه ، ولقَّبوه الملك الظاهر ، فجلس على سرير المملكة وحكم ، ودقّت البشائر وضُربت الطبول
والبوقات وصفرت الشبابةُ(٥) ، وزعقت الشاوشية بين يديه ، وكان يوماً مشهوداً وتَوَّلَ على الله واستعان
به ، ثم دخل مصر والعساكر(٦) في خدمته ، فدخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها ، فحكم وعدل وقطع
ووصل وولَّى وعزل، وكانٌ(٧) شهماً شجاعاً أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه(٨) في هذا الوقت الشديد
والأمر العسير، وكان أولًا لقَّبُ(٩) نفسه بالملك القاهر ، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لم يفلح من
تَلَقَّبُ ١٠) به: تَلَقَّبَ به القاهر بن المعتضد١١) فلم تطل أيامه حتى خلع وسملت عيناه ، ولقب به
القاهر(١٢) صاحب الموصل فسم فمات ، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر ، ثم شرع في مسك من يرى
في نفسه رئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك(١٣) . وقد كان هولا كوخان لمَّا بلغه ما جرى على جيشه
من المسلمين بعين جالوت أرسل جماعة من جيشه الذين معه كثيرين ليستعيدوا الشام من أيدي
المسلمين(١٤) ، فحيل بينهم وبين ما يشتهون فرجعوا إليه خائبين خاسرين ، وذلك أنه نهض إليهم الهزبر
الكاسر والسيف البائر(١٥) الملك الظاهر ، فقدم دمشق وأرسل العساكر في كل وجه لحفظ الثغور والمعاقل
(١) أ، ب : من هنالك.
(٢) أ، ب : فقال.
(٣) أ، ب : مكان الرقمين : فقيل له .
(٤) أ، ب: وقيل لما قتله الأمراء حاروا فيما بينهم أن يملكوا عليهم وصار كل واحد منهم يخشى من غائلة ذلك وأنه
يقتل سريعاً ثم اتفقت كلمتهم على أن بايعوا الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري .
(٥) ط : الشغابة وزعقت الشاووشية .
(٦) أ، ب : ثم دخل بالعساكر الديار المصرية .
(٧) أ، ب : وحكم وعزل وقطع ووصل مكانه .
(٨) أ، ب : أقامه الله كلفوا محتاجاً إليه .
(٩) أ، ب : في هذا الوقت الشديد والحال الضيق وكان أولًا قد لقب.
(١٠) ط : لا يفلح مَنْ يلقب به .
(١١) ط: المعتمد؛ وهو تحريف. زامباور (٣).
(١٢) أ ، ب : حتى خلع وسمل وتلقب به القاهر.
(١٣) أ ، ب : حتى مهد الملك كما يريد والله على كل شيء شهيد .
(١٤) أ، ب : أرسل جماعة كثيرة من جيشه إلى بلاد الشام ليستعيدوه من أيدي جيش الإسلام.
(١٥) أ، ب : ورجعوا وهم خائبون خاسرون وذلك أنه نهد إليهم الهزبر الكاسر والسيف الباتر السلطان الملك المؤيد الظاهر.

٣٥٨
ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري
بالأسلحة (١) ، فلم يقدر التتار على الدنو إليه(٢)، ووجدوا الدولة قد تغيرت ، والسواعد قد شمرت،
[ والسيوف البواتر قد سلت ، والرماح الخطية قد اعتقلت ، والقسي قد وترت ، والنبال قد حصلت ،
والخيول قد ضمرت ، والطبول قد حصلت ، وعناية الله بأهل الشام قد تنزَّلت ، ورحمته به قد
تداركت ]٣) ، فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابهم ، وكروا راجعين (٤) القهقرى [ على أذنابها ]،
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . وقد كان الملك المظفر قطز رحمه الله استناب على دمشق الأمير
علم الدين سنجر(٥) الحلبي أحد الأتراك ، فلما بلغه مقتل المظفر دخل القلعة ودعا إلى نفسه وتسمى
بالملك المجاهد ، فلما جاءت البيعة للملك الظاهر خطب له يوم الجمعة السادس من ذي الحجة ، فدعا
الخطيب أولًا للمجاهد ثم للظاهر ثانياً وضُربت السكةُ باسمهما معاً ، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين كما
سيأتي(٦) .
وقد اتفق في هذا العام أمورٌ عجيبةٌ، وهي أن أول هذه السنة كانت(١) الشام للسلطان الناصر ابن
العزيز ، ثم في النصف (٨) من صفر صارت لهولاكو(٩) ملك التتار ، ثم في آخر رمضان صارت للمظفر قطز
ثم في أواخر [ ذي ] القعدة صارت للظاهر بيبرس(١٠)، وقد شركه في دمشق الملك المجاهد [ علم
الدين ] سنجر [ كما ذكرنا ]، وكذلك كان القضاء في أولها بالشام لابن سني الدولة صدر الدين(١١) ، ثم
صار للكمال عمر التفليسي من جهة [ هولاكو ١٢٤) ثم لابن الزكي(١٣) ثم لنجم الدين ابن سنيّ الدولة .
وكذلك كان خطيب جامع دمشق عماد الدين بن الحرستاني(١٤) من سنين متطاولة ، فعزل في شوال
(١) أ، ب : وأرسل الجيوش من كل جانب لحفظ الثغور والمعاقل بالأسلحة التامة والجحافل.
(٢) بعدها في أ : ولا القدوم عليه .
(٣) مكان ما بين الحاصرتين في ط : وعناية الله بالشام وأهله قد حصلت ورحمته بهم قد نزلت .
(٤) أ، ب : فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابها وكرت راجعة القهقرى على أذنابها والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات وتكمل المسرات في هذه الحياة الدنيا وبعد الممات .
(٥) سترد ترجمة سنجر الحلبي في وفيات سنة ٦٩٢ من هذا الجزء.
(٦) أ، ب : على ما سيأتي بيانه وتفصيله.
(١) أ، ب : وهو أن أولها كانت بالشام للناصر.
(٨) أ، ب : في المنتصف.
(٩) أ، ب : لهولاكوقان .
(١٠) أ، ب : القعدة انتقلت إلى ممثلة السلطان الملك الظاهر .
(١١) أ، ب : الصدر الدين بن سني الدولة .
(١٢) عن ط وحدها .
(١٣) أ، ب : ثم لمحيي الدين بن الزكي .
(١٤) سترد ترجمة ابن الحرستاني في وفيات سنة ٦٦٢ .

٣٥٩
وفيات سنة ٦٥٨ هـ
منها١) بالعماد الأسعردي ، وكان صيّناً قارئاً مجيداً ، ثم أعيد العماد الحرستاني في أول ذي القعدة منها .
فسبحان من بيده الأمور يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ٢)
وفيها : توفي من الأعيان(٣) :
قاضي القضاة صَدر الدين أبو العباس بن سَنيّ الدولة٤ُ) أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن
يحيى بن محمد بن علي بن يحيى بن صَدَقة بن الخيَّاط ، قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس بن سنيّ
الدولة التَّغْلبي الدمشقي الشافعي .
وسَنيّ الدولة هو الحسن(٦) بن يحيى المذكور كان قاضياً (١) لبعض ملوك دمشق في حدود الخمسمئة ،
وله أوقاف على ذريته .
وابن الخياط الشاعر صاحب الديوان وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة
التغلبي هو عم سَني الدولة .
ولد القاضي صدر الدين(٨) سنة تسع وخمسين وخمسمئة، وسمع الخشوعي(٩) وابن طبرزد ١)،
والكندي(١) وغيرهم ، وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى ، وكان [ فاضلاً ] عارفاً بالمذاهب مشكور
السيرة ، ولكن الشيخ شهاب الدين أبا شامة١٢ٌ) ينال منه ويذمه ، فالله أعلم .
(١) أ، ب : من هذه السنة .
(٢) أ، ب: بيده الأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون.
(٣) أ، ب : وممن توفي فيها من الأعيان .
(٤) ترجمة - صدر الدين بن سنيّ الدولة - في ذيل الروضتين (٢٠٦) وذيل مرآة الزمان (٣٨٥/١ - ٣٨٦) وتاريخ
الإسلام (١٤ / ٨٧٣) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٧٥) والعبر (٢٤٤/٥) والإشارة إلى وفيات الأعلام (٣٥٥)
وطبقات الإسنوي (٥٤٨/١) والدارس (١٦٠/١) وشذرات الذهب (٤٠٥/٧).
(٥) فى ط : الحسين ؛ وهو تحريف ، وما هنا عن الأصلين وهو موافق لما في مصادره.
(٦)
ط : وسني الدولة الحسين ؛ تحريف .
(١) أ، ب : وكان كاتباً .
(١) ط : سني الدولة.
(٩) الخشوعي هو زكي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي الدمشقي . سمع ابن عساكر
وابن صابر وعدة فأكثر وله مشيخته انتقاها زكي الدين البرزالي. توفي سنة ٦٤٠. وترجمته في ذيل الروضتين
(١٧٢) والعبر (١٦٤/٥) وسير أعلام النبلاء (١٠٢/٢٣).
(١٠) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٠٧ من هذا الجزء .
(١١) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦١٣ .
(١٢) ذيل الروضتين (٢٠٦).

٣٦٠
وفيات سنة ٦٥٨ هـ
وقد ولي الحكم بدمشق استقلالاً سنة ثلاث وأربعين واستمر إلى هذه(١) السنة فسافر حين عزل
بالكمال التفليسي هو والقاضي محيي الدين بن الزكي (٢)، إلى هولاكو لما أخذ حلب فولى ابن الزكي
القضاء ، واختار(٣) ابن سَنيّ الدولة بعلبك فقدمها وهو متمرض فمات بها ودفن عند الشيخ عبد الله
اليونيني(٤) ، وقد كان الملك الناصر يثني عليه كما كان الملك الأشرف يثني على والده شمس
الدين(٥) . ولما استقرَّ الملك الظاهر بيبرس ولَّى القضاء ولدَه نجم الدين(٦) أبا بكر بن قاضي القضاة صدر
الدين القضاء بدمشق وعزل ابن الزكي ، ثم عزله بعد سنة وثنى بابن خلكان على ما سيأتي بيانه وبالله
المستعان . والقاضي صدر الدين بن سَنيّ الدولة هذا هو الذي أحدث(٧) في زمن المشمش بطالة الدروس
لأنه كان له بستان بأرض السَّهم ، فكان يشقُّ عليه النزول في ذلك الوقت إلى الدرسُ(٨) فبطل الناس هذه
الأيام واتبعوه(٩) في ذلك ، والنفوس إنما تؤثر الراحة والبطالة ، ولا سيما أصحاب البساتين في أيام
الفواكه وكثرة الشهوات في تلك الأيام ولا سيما القضاة .
وفيها توفي
الملك السعيد١٠) صاحب ماردينُ (١)، نجم الدينُ(١٢) إيلْ غازي بن المنصور أزْتُق بن أرسلان بن
إيلْ غازي بن ألْبِيُ(١٣) بن تِمِزْتاش بن أيلْ غازي بن أرتق١٤ُ).
وكان شجاعاً [ معظّماً ] ملك يوماً، وقد وقع في قلعته تورال (١) شاه بن الملك صلاح الدين
(١) ط : إلى مدة. وليست اللفظة في ب.
(٢) بعده في ط : وقد سافر هو وابن الزكي.
أ ، ب : ثم عادا من عنده وقد تولى ابن الزكي فاختار .
(٣)
تقدمت ترجمة - عبد الله اليونيني - في وفيات سنة ٦١٧ من هذا الجزء
(٤)
أ، ب : قاضي القضاة شمس الدين بن سني الدولة. طبقات الإسنوي (١/ ٥٤٧).
(٥)
(٦) أ، ب: ولما استقر أمر السلطان الملك الظاهر ولّى ولده القاضي نجم الدين.
(١) ط : ( حدت ) تحريف .
(١) ط : يشقّ عليه مفارقة المشمش والنزول إلى المدارس.
(٩) أ، ب : فبطل للناس هذه الأيام فاتبعوه في ذلك .
(١٠) أ، ب : صاحب ماردين الملك السعيد.
(١١) ترجمة - إيل غازي - في ذيل مرآة الزمان (٣٧٨/١) وتاريخ الإسلام (١٤ /٨٧٦) والنجوم الزاهرة (٧/ ٩٠
و٢٠٢)، والإشارة إلى وفيات الأعيان (٣٥٦) والوافي بالوفيات (٢٧/١٠).
(١٢) ط : نجم الدين بن إيل غازي .
(١٣) ط : السني .
(١٤) ط : ارتثى .
(١٥) أ : ملك يوماً في قلعته توران شاه .