Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
أحداث سنة ٦٤٥ هـ
وفيها توفي :
الفقيه العلامة محمد بن محمود بن عبد المنعم (١) المراتبي الحنبلي .
وكان فاضلاً ذا فنون ، أثنى عليه أبو شامة وقال(٢): صحبته قديماً ولم يترك بعده بدمشق مثله في
الحنابلة ، وصُلِّي عليه بجامع دمشق ودفن بسفح قاسيون رحمه الله .
والضياءُ(٣) عبد الرحمن الغُماري(٤) المالكي الذي(٥) ولي وظائف الشيخ أبي عمرو بن الحاجب حين
خرج من دمشق سنة ثمانٍ وثلاثين وجلس في حلقته ودرس مكانه بزاوية المالكية والفقيه تاج الدين
إِسماعيل بن جهبل(٦) بحلب، وكانٌ(٧) فاضلاً ديّناً سليمَ الصدر رحمه الله .
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وستمئة
فيها : كان عود السلطان [ الملك ] الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل من الشام إِلى الديار
المصرية ، وزار في طريقه بيت المقدس وفرّق في أهله أموالاً كثيرة ، وأمر بإِعادة سوره كما كان في أيام
عمّ أبيه الملك الناصر فاتح القدس . ونزَّل الجيوش لحصار الفرنج ففتحت طبرية في عاشر صفر ، وفتحت
عسقلان فى أواخر جمادى الآخرة .
(٨) الأموي ،
وفي رجب عزل الخطيب عماد الدين داود بن خطيب بيت الآبار عن الخطابة بالجامع
وتدريس الغزالية ، وولي ذلك للقاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحرستاني(٩) شيخ دار الحديث بعد ابن
الصلاح .
(١) ترجمة - محمد بن محمود بن عبد المنعم - في ذيل الروضتين (١٧٩) والعبر (١٨٤) والوافي بالوفيات (١١/٥)
وذيل ابن رجب ( ٢٤٢/٢) وشذرات الذهب (٣٩٨/٧).
(٢) ط : قال ، والخبر في ذيل الروضتين (١٧٩ ) بخلاف في الرواية .
(٣) له ترجمة في تاريخ الإسلام (٥٠٢/١٤) والدارس (٥/١، ٨) وفيه: عبد الرحمن بن عبد الله العمادي المالكي
الزواوي .
(٤) ط: ((الغمار)) وفي ذيل الروضتين والدارس: ((العمادي)) وكله تحريف ، وما هنا من خط الذهبي ، وهو
الصواب ، والغماريون معروفون بالحديث والفقه إِلى اليوم ( بشار ) .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) في ط : بن جميل .
(٧) من ط وحدها .
(٨) ط : بجامع الأموي .
(٩) في ط : عماد الدين بن عبد الكريم ؛ خطأ . وهو عبد الكريم بن عبد الصمد بن الحرستاني ، سترد ترجمته في
وفيات سنة ٦٦٢ هـ من هذا الجزء.

٢٦٢
أحداث سنة ٦٤٥ هـ
وفيها : أرسل الصالح أيوب يطلب جماعةً من أعيان الدماشقة انُّهموا بممالأة الصالح إسماعيل ،
منهم القاضي محيي الدين بن الزكي (١)، وبنو صَصْرَى وابن العماد الكاتب ، والحليمي مملوك الصالح
إِسماعيل ، والشهاب غازي والي بصرى ، فلما وصلوا إلى مصر لم يكن إِليهم شيء من العقوبات
والإهانة(٢) ، بل خُلع على بعضهم وتركوا باختيارهم مكرمين .
وممن توفي فيها من الأعيان(٣)
الحسين بن الحسن(٤) بن علي(٥) بن حمزة العلوي الحُسَيْني، أبو عبد الله الأقساسي النَّقيب قطب
الدين .
أصله من الكوفة وأقام ببغداد ، وولي النقابة ، ثم اعتقل بالكوفة ، وكان فاضلاً أديباً شاعراً مطبقاً ،
أورد له ابن الساعي أشعاراً كثيرة رحمه الله .
الشَّلَوْبِينُ(٦) النحويُ(١) هو عُمر بن محمد بن عبد الله الأزدي، أبو علي الأندلسي الإشبيلي ،
المعروف بالشلوبين ، وهو بلغة الأندلسيين الأبيض الأشقر .
قال ابن خلكان (٨): خُتم به أئمة النحو، وكان فيه تَغَقُلٌ، وذكر له شعراً ومصنفات، منها (( شرح
الجزولية)) و((كتاب التوطئة)). وأرَّخ وفاته بهذه السنة. وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى وعفا عنه .
الشيخ علي بن [ أبي الحسن بن منصور البُشْري }(٩) المعروف بالحَرِيريُ(١٠).
(١) سترد ترجمة ابن الزكي في وفيات سنة ٦٦٨هـ من هذا الجزء.
(٢) ب : ولا الإهانة.
(٣) أ، ب : والمشاهير.
(٤) ط: ((الحسين)) وهو تحريف، وما هنا من أ، ب، وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (١٤ / ٥١٤).
(٥) جاءت هذه الترجمة في أ، ب بعد التي تليها .
(٦) قال ابن خلكان : الشلوبيني : بفتح الشين المثلثة ، واللام ، وسكون الواو ، وكسر الباء الموحدة ، وسكون الياء
المثناة من تحتها وبعده نون .
(١٠) ترجمة - الشلوبين - في معجم البلدان (٢/ ٣٦٠) وإِنباه الرواة (٣٣٢/٢) ووفيات الأعيان (٤٥١/٣ - ٤٥٢)
وتاريخ الإسلام (٥٢٩/١٤) وسير أعلام النبلاء (٢٠٧/٢٣) والعبر (١٨٦/٥) والديباج المذهب (٧٨/٢ -
٨٠) والنجوم الزاهرة (٣٥٨/٦) وبغية الوعاة (٢٢٤/٢) وشذرات الذهب (٤٠٢/٧) وفيه تقييد حرفي
للشلوبين .
(٨) وفيات الأعيان (٣/ ٤٥٣ و٤٥٢) بخلاف في الرواية .
(٩) عن أوحدها ويوافق ما في مصادره وفي ب : على الحريري علي بن المعروف بالحريري .
(١٠) ترجمة - الحريري - في ذيل الروضتين (١٨٠) وسير أعلام النبلاء (٢٢٤/٢٣ - ٢٢٧) والعبر (١٨٥/٥) والنجوم
الزاهرة (٣٥٩/٦) والكواكب الدرية للمناوي (١١٩/٢) وجامع كرامات الأولياء (٣٤٠/٢).

٢٦٣
أحداث سنة ٦٤٥ هـ
أصله من قرية بُشْر(١) شرقي زُرْع، وأقام بدمشق مدةً يعمل صنعة الحرير ، ثم ترك ذلك وأقبل يعمل
الفقير(٢) على يد الشيخ علي المغَرْبل (٣) ، وابتنى له زاويةً على الشرف القبلي، وبدرتْ منه أفعالٌ أنكرها عليه
الفقهاءُ، كالشَّيخ عز الدين بن عبد السلامُ(٤)، والشيخ تقي الدين بن الصلاحُ(٥)، والشيخ أبي عمرو٦) بن
الحاجب شيخ المالكية وغيرهم ، فلما كانت الدولة الأشرفية حبس في قلعة عزتا مدة سنين(٧) ثم أطلقه
الصالح إسماعيل واشترط عليه أن لا يقيم بدمشق ، فلزم بلده بُسر مدةً حتى كانت وفاته في هذه السنة .
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في (( الذيل)(٨): وفي رمضان أيضاً توفي الشيخ علي المعروف
بالحريري المقيم بقرية بُسر في زاويته ، وكان يتردّدُ إِلى دمشق ، وتبعه طائفةٌ من الفقراء وهم المعروفون
بالحريرية (٩) أصحاب الزّيّ المُنافي للشريعة، وباطنهم شرٌّ من ظاهرهم ، إِلا من رجع إِلى الله منهم ،
وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون بها من إظهار شعار١٠) أهل الفسوق
والعصيان شيء كثير، وانفسد بسببه جماعة كثيرةً(١) من أولاد كبراء دمشق (١٢) وصاروا على زيّ
أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليعُ(١٣) العذار، ويجمع مجلسه الغناء الدائم والرقصَ والمردان ، وترك
الإنكار١٤) على أحد فيما يفعله، وتركَ الصلوات وكثرةً(١٥) النفقات، فأضلّ(١٦) خلقاً كثيراً وأفسد جماً
(١) بُسْر بالضم اسم قرية من أعمال حوران جنب زُرَّة التي يسميها العامة زُرْع. معجم البلدان (١/ ٤٢٠) قلت: وزُرع
تسمى اليوم إِزرع وهي منطقة من مناطق حوران . وبسر تسمى في بعض المصادر بسر الحرير .
(٢) في سير أعلام النبلاء : فتعلم نسيج المَرْوَزي . وكان خاله صائغاً ثم عمل العتَّابي. وفي الكواكب الدرية : فعلمه عمه
نسج الحرير . وفي العبر : وتعلم بدمشق نسج العتابي .
(٣) في أ، ب : علي المغربل تلميذ الشيخ رسلان التركماني الجعبري فاتبعه طائفة من الناس يقال لهم الحريرية . وفي
سير أعلام النبلاء : وصحب أبا علي المُغزبل خادم الشيخ رسلان .
(٤) سترد ترجمة العز بن عبد السلام في وفيات سنة ٦٦٠ هـ من هذا الجزء.
تقدمت ترجمة ابن الصلاح في وفيات سنة ٦٤٣هـ من هذا الجزء .
(٥)
(٦) سترد ترجمة ابن الحاجب في وفيات سنة ٦٤٦ هـ من هذا الجزء.
(١) أ، ب : سجن بقلعة عرتا سنتين.
(٨) ذيل الروضتين (١٨٠).
(٩) ط : المعروفون بأصحاب الحريري أصحاب المنافي للشريعة .
(١٠) ط : والتهاون فيها من إظهار شعائر. وأب: والتهاون بها ومن شعار أهل الفسوق .
(١١) ط : كبيرة .
(١٢) أ ، ب : كبراء الدماشقة .
(١٣) أ ، ب : بسبب الدكان خلع الفدار.
(١٤) فى ذيل الروضتين : وترك الاحتجار.
(١٥) ط: ((كثرت)) وما هنا من أ، ب ، والذيل.
(١٦) أ، ب : وأصل.

٢٦٤
أحداث سنة ٦٤٦ هـ
غفيراً ، ولقد أفتى في قتله مراراً جماعةٌ من علماء الشريعة، ثم أراح الله تعالى منه. هذا لفظه بحروفه (١).
واقف٢ُ) العزّيَّةِ الأمير ◌ِزُّ الدين أيبك(٣) أستاذ دار المعظم .
كان من العقلاء الأجواد الأمجاد ، استنابه المعظمُ على صرخد٤) وظهرت منه نهضة وكفاية
وسداد٥)، ووقف(٦) العِزِّيتين الجُوَّانية والبَرَّانية، ولما أخذ منه الصالحُ أيوبُ صرخدَ عوَّضه عنها وأقام
بدمشق ثم وشى به (٧) بأنه يكاتب الصالح إسماعيل فاحتيط عليه وعلى أمواله وحواصله فمرض وسقط إِلى
الأرض ، وقال(٨) : هذا آخر عهدي . ولم يتكلم حتى مات ودفن بباب النصر بمصر رحمه الله تعالى ، ثم
نقل إِلى تربته التي فوق الوراقة . وإِنما أرّخ السبط وفاته في سنة سبعُ(٩) وأربعين فالله أعلم .
الشهاب غازي بن العادل ١) صاحب ميافارقين وخلاط وغيرهما من البلدان .
كان من عقلاء بني أيوب وفضلائهم، وأهل الديانة منهم، ومما أنشد قوله (١): [ من الطويل ]
ومِنْ عَجَبِ الأيامِ أَنَّكَ جالسٌ على الأرضِ في الدُّنيا وأنتَ تَسيرُ
بقومٍ جُلوسٍ والقُلوعُ تَطيرُ
فَسَيْرُكَ يا هذا كَسَيْرٍ سَفينةٍ
ثم دخلت سنة ست وأربعين وستمئة
فيها : قدم السلطان الملك(١٢) الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق وجهز الجيوش
(١) هذه العبارة لها دلالة هامة وهي أَنَّ النقل في العصور المتأخرة كثيراً ما كان يقوم على المعنى دون اللفظ إِلا ذكر مثل
هذه العبارة فهو سيلتزم بألفاظ مصدره ينقلها بحروفها .
(٢) ترتيب التراجم في أ، ب : مختلف عما في ط فهناك تبدأ النسختان بالحريري ثم بعده الأقساسي ثم الشلوبين ثم
واقف العزية . وأثرت ترتيب ط ، لانتشارها وشهرتها .
(٣) ترجمة - عز الدين أيبك - في الدارس (٤٧٨/١) وتنبيه الطالب (٩٦ - ٩٧) ومنادمة الأطلال (١٨٥).
(٤) صرخد يسميها العامة اليوم صلحد وثقع في جنوب جبل العرب.
(٥) عن ط وحدها .
(٦) أ، ب : وواقف .
(٧) ظ : أوشى عليه . وفي اللسان وشى به لا وشى عليه.
(٨) الخبر في مرآة الزمان (٥٠٩/٨) .
(٩) كذا في كل الأصول، وكذا وَرَّخه الذهبي في تاريخ الإسلام (١٤/ ٥٤٣).
(١٠) ترجمة الشهاب في مرآة الزمان (٥١٠/٨ - ٥١١) وذيل الروضتين (١٥١) وتاريخ الإسلام (١٤/ ٥٣٠) والعبر
(١٨٧/٥) وشذرات الذهب (٤٠٢/٧) وترويح القلوب (٦٢).
(١١) البيتان في مرآة الزمان (٥١٠/٨).
(١٢) عن ب وحدها .

٢٦٥
أحداث سنة ٦٤٦ هـ
والمجانيق إِلى حمص، لأنه كان صاحبها الملك الأشرف (١) موسى بن المنصور بن أسد الدين شيركوه٢)
قد قايض بها إِلى تل باشر لصاحب حلب الناصر يوسف بن العزيز، ولما علمت الحلبيون بخروج الدماشقة
برزوا أيضاً في جحفل عظيمٌ(٣) ليمنعوا حمص منهم، واتفق الشيخ [ مجيء ] نجم الدين الباذرائي"
مدرس النظامية ببغداد في رسالة فأصلح بين الفريقين ، وردّ كلاً من الفئتين إلى مستقرها ولله الحمد .
وفيها : قتل مملوك تركيّ شاب صبي لسيّده على دفعهُ(٥) عنه لما أراد به من الفاحشة ، فصلب الغلامُ
مُسَمَّراً، وكان شاباً حسناً جداً فتأسَّفَ الناسُ له لكونه٦) صغيراً ومظلوماً وحسناً ، ونظموا فيه قصائد ،
وممن نظم فيه الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ((الذيل)(٧) ، وقد أطال قصته جداً .
وفيها : سقطت قنطرة رومية قديمة البناء بسوق الدقيق (١) من دمشق ، عند قصر أم حكيم ، فتهدَّم
بسببها شيء كثير من الدور والدكاكين ، وكان سقوطها نهاراً .
وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من رجب وقع حريق بالمنارة الشرقية فأحرقُ(٩) جميع حشوها ،
وكانت سلالمها سقالات من خشب ، وهلك للناس ودائع كثيرة كانت فيها ، وسلَّم الله الجامع وله
الحمد . وقدم السلطان بعد أيام إِلى دمشق فأمر بإِعادتها كما كانت .
قلت : ثم احترقت وسقطت بالكلية بعد سنة أربعين وسبعمئة وأُعيدت عمارتها أحسن مما كانت ولله
الحمد . وبقيت حينئذ المنارة البيضاء الشرقية بدمشق كما نطق به الحديث في نزول عيسى [ ابن مريم ]
عليه السلام عليها ١) ، كما سيأتي بيانه وتقريره في موضعه إن شاء الله تعالى .
(١) ط : الملك الأشرف بن موسى؛ وهذا خطأ لأن موسى هو الأشرف نفسه، وسترد ترجمته في وفيات سنة ٦٨٠ هـ من
هذا الجزء .
(٢) عن أوحدها .
ب : جحفل كثير .
(٣)
(٤) الباذرائى هو عبد الله بن محمد بن حسن بن عبد الله بن عثمان . سترد ترجمته في حوادث سنة ٦٥٥ هـ من هذا الجزء
إِن شاء الله تعالى .
(٥) أ، ب : علاى رفعه.
(٦) أ، ب : ولكونه .
(٧) ذيل الروضتين (١٨١) ومن أبياته :
ومنفردٍ من فوق أعواد حتفه
تسمّرت الأعضاء منه فلم يُطقْ
(٨) في ذيل الروضتين (١٨٢) بسوق الرقيق.
(٩) أ، ب : فاحترق .
يجود بنفس صانها خوف ربّه
سجوداً فأومأ للسجود بقلبه
(١٠) رواه مسلم فى صحيحه رقم (٢٩٣٧) (٢٢٥٢/٤) وأحمد في المسند رقم (١٧٥٦١) (١٨١/٤) من حديث
النواس بن سمعان رضي الله عنه .

٢٦٦
وفيات سنة ٦٤٦ هـ
ثم عاد السلطان الصالح أيوب مريضاً في محفة إلى الديار المصرية وهو ثقيل مدنف ، ما شغله مرضه
وما هو فيه (١) عن أمره بقتل أخيه العادل أبي بكر بن الكامل الذي كان صاحبَ الديار المصرية بعد أبيه ،
وقد كان سجنَه سنة استحوذ على مصر ، فلما كان في هذه السنة في شؤَّالها أمر بخنقه ، فخنق [ ودفن ]
بتربة شمس الدولة ، فما عُمر بعده إِلا إِلى النصف من شعبان في العام القابل في أسوأ حالٍ ، وأشدّ
مرضٍ ، فسبحان من له الخلق والأمر .
وفيها : كانت وفاة قاضي القضاة بالديار المصرية :
أفضل(٢) الدين(٣) الخُونَجي(٤) ، الحكيم المنطقي البارع في ذلك ، وكان مع ذلك جيد السيرة في
أحكامه .
قال أبو شامة(٤) : أثنى عليه غير واحد .
وممن توفي فيها :
علي بن يحيى(٦) جمال(٧) الدين أبو الحسن [البغدادي] المُخَرَّميُ(٨)، كان شاباً فاضلاً أديباً شاعراً
ماهراً، صنف كتاباً مختصراً وجيزاً جامعاً لفنون كثيرة في الرياضة والعقل وذمّ الهوى ، وسماه ((نتائج
الأفكار)) . قال فيه من الكلم المستفادة الحكمية :
السلطانُ إِمامٌ متبوعٌ، ودينٌ مشروعٌ ، فإِن ظَلَمَ جارتِ الحكّامُ لظلمه ، وإِن عدَلَ لم يَجُرْ أحدٌ في(٩)
(١) ط : شغله ما هو فيه .
(٢) في ط : فضل الدين ؛ وهو تحريف .
(٣) ترجمة - الخونجي - في ذيل الروضتين (١٨٢) وعيون الأنباء (١٩٩/٣ - ٢٠٠) وتاريخ الإسلام (١٤ / ٥٥٧)
وسير أعلام النبلاء ( ٢٢٨/٢٣) والعبر (١٩١/٥) والوافي بالوفيات (١٠٨/٥ - ١٠٩) وطبقات السبكي
(١٠٥/٨ - ١٠٦) وطبقات الإسنوي (٥٠٢/١ - ٥٠٣) وحسن المحاضرة (٥٤١/١) وشذرات الذهب
( ٤٠٩/٧ - ٤١٠) .
(٤) في شذرات الذهب : وفيها أفضل الدين الخونجي - بخاء معجمة مضمومة، ثم واو ، بعدها نون ، ثم جيم -
محمد بن ناماور - بالنون في أوله - ابن عبد الملك ، قاضي القضاة أبو عبد الله .
(٥) ذيل الروضتين بخلاف في الرواية .
(٦) أ، ب : بن جمال الدين ؛ خطأ .
(٧) ترجمة - جمال الدين المخرمي - في تاريخ الإسلام (٥٥٣/١٤) والحوادث الجامعة (٢٣٦ - ٢٣٧) ومعجم
المؤلفين ( ٢٦١/٧ ) .
(٨) أ، ب: الحرمي، ط: المحرمي، ونسبته إلى المُخَرِّم وهي محلة كانت ببغداد بين الرصافة ونهر المعلى. معجم
البلدان ( ٥/ ٧١ ) .
(٩) عن ط وحدها .

٢٦٧
وفيات سنة ٦٤٦ هـ
حكمه، منْ مَكَّنَهُ اللهُ في أرضِهِ وبلادِهِ واثْتَمَنَّهُ على خلقِهِ وعبادِهِ ، وبسَطَ يَدَهُ وسلطانَهُ ، ورَفَعَ مَحَلَّهُ
ومكانَهُ ، فحقيقٌ عليهِ أن يُؤَدّيَ الأمانَةَ، ويُخْلِصَ الديانةَ، ويُجْمِلَ السَّريرةَ، ويُحْسِنَ السِّيرةَ ، ويَجْعَلَ
العَدْلَ دَأْبَهُ المَعْهُود، والأَجْزُ(١) غَرَضَهُ المَقْصود، فالظُّلْمَ يُزِلُّ القَدَم، ويُزِيلُ النِّعم ، ويجلبُ النِّقَم ،
ويُهْلِكُ الأُمَم .
وقال أيضاً :
معارضَةُ الطَّيب تُوجِبُ التَّعذيب .
رُبَّ حِيلَةٍ أنفعُ من قبيلة .
الموتُ في طلب الثأر خيرٌ من الحياة في عار .
سَمينُ الغضب مَهْزُول ، وَوالي الغَدْرِ مَعْزول .
قلوبُ الحكماءِ تَسْتَشِفّ(٢) الأَسْرار من لَمَحَاتِ الأَبْصار .
إِرْضَ مِنْ أخيكَ في ولايتهِ بِعُشْرِ ما كُنْتَ تَعْهَدُهُ في مَوَذَّتِهِ .
التَّواضعُ من مَصَائِدِ الشَّرَفِ .
ما أَحْسَنَ حُسْنَ الظَّنِّ لولا أَنَّ فِيهِ العَجْزَ .
ما أَقْبَحَ سُوءَ الظَّنِّ لولا أَنَّ فيهِ الحَزْمَ .
وذكر في غضونُ(٣) كلامه أَنَّ خادماً لعبد الله بن عمر أذنبَ فأرادَ ابنُ عمر أن يعاقبَهُ على ذنبه فقال :
يا سيدي أما لَكَ ذَنْبٌ تخافُ من الله فيه(٤) ؟ قال: بلى، قال: فبالذيُ(٥) أمهلكَ لما أَمْهَلتني، ثم أَذْنَبَ
العبدُ ثانية(٦) فأرادَ عقوبتَه فقال له مثلَ ذلك فعفا عنه ، ثم أذنبَ الثالثةَ فعاقبه وهو لا يتكلم فقال له ابن
عمر : مالك لم تَقُلْ مِثل ما قلتَ في الأوليين(٧) ؟ فقال : يا سيّدي حياءً من حلمك مع تكرار جُزْمي .
فَبَكى ابن عمر وقال : أنا أحقُّ بالحياءِ من ربّي ، أنتَ حُرّ لوجه الله تعالى .
ومن شعره يمدح الخليفة : [ من الكامل ]
(١) أ، ب : والأمن بحر غرضه المقصود .
(٢) أ، ب : يسفسف .
(٣) أ ، ب : في عيون .
(٤) أ، ب : تخاف من الله منه .
(٥) ط : قال بالذي .
(٦) ط : ثانياً.
(٧) ط : الأولتين ؛ وهو خطأ .

٢٦٨
وفيات سنة ٦٤٦ هـ
يَا مَنْ إِذا بخلَ السَّحابُ بمائهِ هَطَلَتْ يَدَاهُ عَلَى البريَّةِ عَسْجَدا
جَوَّدْتَ كِسْرَى يا مُبَخِّلَ حاتَم فَغَدَتْ بَنو الآمالِ نَحْوَكَ سُجَّدا
وقد أورد له ابن السَّاعي أشعاراً كثيرةً حسنةً رحمه الله تعالى .
الشيخ أبو عمرو بن الحاجب (١) المالكي عثمان بن عُمر بن أبي بكر بن يونس الدّويني(٢) ثم المصري ،
العلامة أبو عمرو [ ابن الحاجب ] شيخ المالكية .
كان أبوه صاحباً للأمير عِزّ الدين موسك الصَّلاحي ، واشتغل هو بالعلم فقرأ القراءات وحرَّر النحو
تحريراً بليغاً ، وتفقّه وساد أهلَ عصره (٣) ، ثم كان رأساً في علوم كثيرة ، منها الأصول والفروع والعربية
[ والنحو ] والتصريف والعروض والتفسير وغير ذلك. وقد٤) كان استوطن دمشق في سنة سبع عشرة
وستمئة، ودرس بها للمالكية بالجامع حتى كان خروجه بصحبة (٥) الشيخ عز الدين بن عبد السلام(٦) في
سنة ثمانٍ وثلاثين ، فصارا إِلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبي عمرو في هذه السنة
بالإسكندرية ، ودفن بالمقبرة التي بين المنارة والبلد .
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٧): وكان من أذكى الأُمَّةُ(٨) قريحةً، وكان ثقةً حجةً
متواضعاً عفيفاً كثيرَ الحياء منصفاً محبّاً للعلم وأهله ، ناشراً له محتملاً للأذى ، صبوراً على البلوى ،
قدم دمشق مراراً آخرها سنة سبع عشرة ، فأقام بها مدرّساً للمالكية وشيخاً للمستفيدين عليه في
عِلْمَي القراءات والعربية٩) ، وكان ركناً من أركان الدين في العلم والعمل ، بارعاً في العلوم
(١) ترجمة - ابن الحاجب - في ذيل الروضتين (١٨٢) ووفيات الأعيان (٢٤٨/٣ - ٢٥٠) وتاريخ الإسلام
(١٤ / ٥٥١) وسير أعلام النبلاء (٢٦٤/٢٣ - ٢٦٦) والعبر (١٨٩/٥) والطالع السعيد للأدفوي (١٨٨)
والديباج المذهب (٨٦/٢ -٨٩) والبلغة (١٤٠) وغاية النهاية (٥٠٨/١ -٥٠٩) وبغية الوعاة (١٣٤/٢ -١٣٥)
وحسن المحاضرة (٤٥٦/١) وشذرات الذهب (٤٠٥/٧ - ٤٠٧ ).
(٢) ط : الرويني ، وأ، ب: الروني؛ وكلاهما تحريف . وفي سير أعلام النبلاء : الدُّويني. وهو ضبط الذهبي رحمه
الله . وقال ياقوت : دَوِين : - بفتح أوله ، وكسر ثانيه ، وياء مثناة من تحت ساكنة ، وآخره نون : بلدة من نواحي
أزّان في آخر حدود أذربيجان بقرب تفليس منها ملوك الشام بنو أيوب . معجم البلدان ( ٢/ ٤٩١).
(٣) أ، ب : وساد أهل مصره . كان رأساً .
(٤)
عن ط وحدها .
أ ، ب : صحبة .
(٥)
(٦)
سترد ترجمة العز بن عبد السلام في وفيات سنة ٦٦٠ هـ من هذا الجزء.
(٧) ذيل الروضتين ( ١٨٢).
(٨) ط : أذكى الأئمة.
(٩) أ: في علم القراءات والعربية . وب : في علمي القرآن والعربية .

٢٦٩
أحداث سنة ٦٤٧ هـ
[ الأصولية وتحقيق علم العربية }١) متقناً لمذهب مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
وقد أثنى عليه ابن خلكان٢) ثناءً كثيراً ، وذكر أنه جاء إليه في أداء شهادة حين كان [ ابن خلكان ] نائباً
في الحكم بمصر ، وسأله عن مسألة اعتراض (٣) الشرط على الشرط، إِذا قال: ((إِن أكلتِ ، إِن شربتٍ
فأنت طالق)) . لِمَ كان [ لا ] يقع الطلاق حين شربت أولًا (٤) وذكر ( أنه) أجاب عن ذلك في تُؤدةٍ
وسكون .
قلت ومختصره(٥) في الفقه من أحسن المختصرات ، انتظم فيه جواهر(٦) ابن شاس(٧)، ومختصره(٨)
في أصول الفقه ، استوعب فيه عامة فوائد الأحكام لسيف الدين الآمدي(٩) ، وقد منَّ الله تعالى عليَّ بحفظه
وجمعتُ كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبوية، ولله الحمد . وله (( شرح المفصل )»
و((الأمالي)) في العربية و((المقدمة)) المشهورة في النحو، اختصر فيها (( مفصل الزمخشري )) وشرحها ،
وقد شرحها غيره أيضاً، وله التصريف وشرحه، وله عروضُ(١٠) على وزن الشاطبية رحمه الله ورضي عنه.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمئة
فيها : كانت وفاة الملك الصالح أيوب ، وقتل ابنه (١) توران شاه وتولية المعز عز الدين أيبك
التركماني ، [ على ما سيأتي ] .
وفي (١٢) رابع المحرم يوم الإثنين توجه١٣ٌ) الملك الصالح من دمشق إِلى الديار المصرية في محفَّةٍ .
(١) ما بين الحاصرتين زيادة عن ذيل الروضتين أصل المؤلف.
(٢) وفيات الأعيان ( ٣/ ٢٥٠) بخلاف في الرواية .
(٣) أ، ب : مسألة دخول الشرط على الشرط كما إِذا قال .
السؤال في الوفيات : لِمَ تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق ، وفي
(٤)
أب : لم كان لا يقع الطلاق حين تشرب أولاً ؟ .
(٥) أ، ب : وله مختصر في الفقه.
(٦) ط: فوائد ابن شاس، وكتابه اسمه: (( الجواهر الثمينة في المذهب)).
(٧) هو عبد الله بن نجم بن شاس ، تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦١٦ هـ من هذا الجزء.
(٨) أ، ب: ومختصر في أصول الفقه .
(٩) تقدمت ترجمة السيف الآمدي في سنة ٦٣١ من هذا الجزء .
(١٠) أ، ب : وله في الروض على وزن الشاطبية.
(١١) ب : وقيل أبيه المعظم.
(١٢) ب : في ؛ بلا واو .
(١٣) أ، ب : توجه السلطان الملك الصالح .

٢٧٠
أحداث سنة ٦٤٧ هـ
قاله السبط(١) . وكان قد نادى في دمشق : من له عندنا شيء فليأت ، فاجتمع خلق كثير بالقلعة ، فدفعت
إِليهم أموالهم .
وفي عاشر صفر دخل إلى دمشق نائبها الأمير جمال الدين بن يغمور من جهة الصالح أيوب فنزل بدرب
الشعارين داخل باب الجابية .
وفي جمادى الآخرة أمر النائب بتخريب الدكاكين المحدثة وسط باب البريد ، وأمر أن لا يبقى فيها
دكان سوى ما في جانبيه إِلى جانب الخياطين القبلي والشامي(٢)، وما في الوسط يهدمُ(٣) . قال أبو
شامة (٤) : وقد كان العادل هدم ذلك ثم أعيد ثم هدمه ابن يغمور ، والمرجو استمراره على هذه الصفة .
وفيها : توجَّهَ الناصر داود من الكرك إِلى حلب فأرسل الصالح أيوب إِلى نائبه بدمشق جمال الدين بن
يغمور بخراب دار أسامة المنسوبة إلى الناصر بدمشق ، وبستانه الذي بالقابون ، وهو بستان القصر ، وأن
تقلع أشجاره ويخرب القصر، وتسلَّم الصالح (٤) أيوب الكرك من الأمجد حسن بن الناصر ، وأخرج من
كان بها من بيت المعظم ، واستحوذ على حواصلها وأموالها ، فكان فيها من الذهب ألف ألف دينار ،
وأقطع الصالح الأمجد هذا إِقطاعاً جيداً .
وفيها : طغى الماء ببغداد حتى أتلف شيئاً كثيراً من المحال والدور الشهيرة ، وتعذّرت الجُمَع في أكثر
الجوامع بسبب ذلك سوى ثلاثة٦) جوامع ، ونقلت توابيت جماعة من الخلفاء إِلى الترب من الرصافة خوفاً
عليهم من أن تغرق محالهم ، منهم المعتضد(١) بن الأمير أبي أحمد [ بن ] المتوكل ، وذلك بعد دفنه بنيّفٍ
وخمسين سنة وثلاثمئة سنة، وكذا نقل (١) ولده المكتفي، وكذا المُتَّقَيُ(٩) بن المقتدر بالله رحمهم الله
تعالى .
وفيها : هجمت الفرنجُ على دمياط فهربَ مَنْ كانَ فيها من الجند والعامة واستحوذ الفرنجُ على الثغر
وقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين ، وذلك في ربيع الأول منها ، فنصب السلطانُ المخيّم تجاهَ العدوّ بجميع
(١) مرآة الزمان ( ٨/ ٥١٣) .
(٢) ب : القبلي والشمالي .
(٣) أ ، ب : فهذم .
ذيل الروضتين ( ١٨٣ ).
(٤)
(٥) أ، ب: وأن يقلع أشجاره وتخريب القصر ويسلم الصلح.
(٦) ط : ثلاث .
(٧) ط : المقتصد ؛ تحريف .
(٨) عن ط وحدها .
(٩) ط : المقتفي بن المقتدر بالله ؛ وهو خطأ .

٢٧١
وفيات سنة ٦٤٧ هـ
الجيش ، وشنق خلقاً ممن هربَ من الفرنج ، ولامهم على ترك المصابرة قليلاً ليرهبوا عدوّ الله وعدؤَّهم ،
وقوي المرضُ وتزايد بالسلطان جداً ، فلما كانت ليلة النصف من شعبان توفي إلى رحمة الله تعالى
بالمنصورة ، فأخفت جاريتُه أم [ ولده ] خليل المدعوَّة شجرة الدرِّ موتَه، وأظهرت أَنَّهُ مريضٌ مُذْنفٌ
لا يوصّل إِليه ، وبقيتْ تعلّم عنه بعلامته سواء . وأعلمت إِلى أعيان الأمراء فأرسلوا إِلى ابنه الملك المعظم
تورانشاه وهو بحصن كيفا ، فأقدموه إِليهم سريعاً ، وذلك بإِشارة أكابر الأمراء منهم فخر الدين ابن
الشيخُ(١)، فلما قدم عليهم مَلَّكُوه عليهم وبايعوه أجمعونُ(١٢) ، فركبَ في عصائب الملك وقاتلَ الفرنجَ
فكسرهم وقتل منهم ثلاثين ألفاً ولله الحمد .
وذلك في أول السنة الداخلة . ثم قتلوه بعد شهرين من ملكه ، ضربه بعض الأمراء وهو عز الدين أيبك
التركماني ، [ فضربه في يده فقطع بعض أصابعه (٣) فهرب إِلى قصر من خشبٍ في المُخيم فحاصروه فيه
وأحرقوه عليه ، فخرجَ من بابه مُسْتَجيراً برسولِ الخليفة فلم يقبلوا منه ، فهربَ إِلى النّيل فانغمر فيه ثم
خرج فقُتل سريعاً شَرَّ قِتْلَةٍ ، وداسوه بأرجلهم ودُفن كالجيفة ، فإِنَّالله وإِنَّا إليه راجعون. وكان فيمن ضَرَبَهُ
البندقداري على كتفه فخرج السيف من تحت إِبطه الآخر(٤) وهو يستغيث فلا يغاث .
وممن قتل في هذه السنة :
فخر الدين يوسف بن الشيخ بن حمويه(٥)
وكان فاضلاً ديناً مهيباً وقوراً خليقاً بالملك ، كانت الأمراء تعظمه جداً ، ولو دعاهم إِلى مبايعته بعد
الصالحُ(٦) لما اختلف عليه اثنان، ولكنه كان لا يرى ذلك حماية لجانب بني أيوب، قتلته الداوية(٧) من
الفرنج شهيداً قبلَ قدوم المُعَظّم توران شاه إِلى مصر ، في ذي القعدة ، ونهبت أمواله وحواصله وخيوله ،
(١) سترد ترجمته بعد أسطر في وفيات هذه السنة ٦٤٧ هـ .
(٢) ط : أجمعين .
(٣) وكان ما بين الحاصرتين في أ، ب : وهو جالسٌ على السماط وفي يده بالسيف وذلك أنه صاح . في أ : صالح .
على أيبك التركماني فضربه في يده فانكاه ، في ب : فأَفكاه .
(٤) في أ، ب: الأخرى. والإبط يذكر ويؤنث والتذكير أعلى. واللسان ( أبط ).
(٥) ترجمة - فخر الدين بن شيخ الشيوخ - في مراة الزمان (٥١٥/٨ - ٥١٧) وذيل الروضتين (١٨٤) وتاريخ الإسلام
(١٤ / ٥٨٦) وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٠٠ - ١٠٢) والعبر (١٩٤/٥ - ١٩٥) وطبقات السبكي (٨/ ٩٧)
والنجوم الزاهرة (٣٦٣/٦) وشذرات الذهب (٤١٢/٧).
(٦) أ، ب : إِلى بيعته بعد الصالح ، وفي ب : بعد الصالح أيوب .
(٧) فرقة من فرسان الصليبيين مشهورة .

٢٧٢
أحداث سنة ٦٤٨ هـ
وخرّبت دارَهُ ولم يتركوا شيئاً من الأفعال الشنيعة البشعة إِلا صنعوه به ، مع أنَّ الذين تعاطوا ذلك من الأمراء
كانوا مُعَظّمين له غايةَ التَّعظيم. ومن شعره : [ من الطويل ]
عصيتُ هَوَى نَفْسي صَغيراً فعندما رَمَتْنِي اللَّيالي بالمَشِيبِ وبالكبرِ
أَطَعْتُ الهَوَى عَكْسَ القَضِيَّةِ لَيْتَنِي خُلِقْتُ كبيراً ثُمَّ عُدْتُ(١) إِلى الصّغْرِ
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وستمئة
في ثالث المحرم يوم الأربعاء كان كَسرُ المعظم توران شاه للفرنج على ثغر دمياط ، فقتل منهم ثلاثين
ألفاً وقيل مئة ألف ، وغنموا شيئاً كثيراً ولله الحمد . ثم قتل جماعة من الأمراء الذين أسروا ، وكان فيمن
أسر ملك الإفرنسيس(٢) وأخوه، وأُرسلت غفارةُ ملك الإفرنسيس إلى دمشق فلبسها نائبها في يوم
الموكب ، وكانت من سَقِرْلاط(٣) [ أحمر ] تحتها فرو سنجاب ، فأنشد في ذلك جماعة من الشعراء فرحاً
بما وقعُ(٤)، ودخل الفقراءُ كنيسةَ مريمَ فأقاموا بها فرحاً بما٥) نصر الله تعالى على النصارى ، وكادوا أن
يخربوها ، وكانت النصارى ببعلبك فرحوا٦) حين أخذت النصارى دمياط ، فلمّا كانت هذه الكسرة عليهم
سَخَّموا وجوه الصور(١)، فأرسل نائب البلد(٨) فجناهم وأمر اليهود فصفعوهم ، ثم لم يخرج شهر المحرم
حتى قتل الأمراء ابن أستاذهم [ المُعَظّم ] توران شاه ، ودفنوه إِلى جانب النيل من الناحية الأخرى رحمه
الله تعالى ورحم أسلافه بمنه وكرمه .
(١) البيتان في مرآة الزمان (٨/ ٥١٦).
(٢) ط : الفرنسيس .
(٣) في أ، ب : شكر لاط ، وفي ذيل الروضتين : اسكر لاط . وفي هامشه: ملابس صوفية مدفئة ، والهامش ذاته في
النجوم الزاهرة (٣٦٨/٦) بإضافة عن القاموس الفارسي الإنجليزي ، وبالرواية المثبتة هنا في الأعلى : سَقِرْلاط
أحمر .
(٤) أورد أبو شامة ثلاثة مقطعات من هذا الشعر من نظم نجم الدين محمد بن إِسرائيل بينما أورد ابن تغري بردي من هذه
المقطعات الثالثة وهي قوله : [من الطويل]
تنجّزت من نصر الإله وُعودَهُ
أسيْدَ أملاكِ الزمانِ بأسرهم
ويُلبس أسلابَ الملوكِ عبيدَهُ
فلا زال مولانا يبيحُ حمى العدا
(٥) ط : لما .
(٦) أ، ب : قد فرحوا .
(٧) أ، ب : القبور ، وأثبت ما يوافق رواية ذيل الروضتين.
(٨) في أ، ب : البلد إليهم فجناهم ، وفي ذيل الروضتين : فجناهم جناة شديدة .

٢٧٣
تمليك أيبك التركماني - ذكر ملك الناصر بن عبد العزيز
تمليك الملك
المعز عز الدين أيبك التركماني بمصر (١) بعد بني أيوب وهذا أول دولة الأتراك
لما قتل الأمراء البحرية وغيرهم من الصالحية ابنَ أستاذهم المُعَّم غياث الدين توران شاه بن الصالح
أيوب بن الكامل بن العادل أبي بكر بن [ نجم الدين ]٢) أيوب ، وكان ملكه بعد أبيه بشهرين كما تقدم
[ شرحه و] بيانه، ولما انفصل أمرهً(٣) بالقتل نادوا فيما بينهم لا بأس لا بأس ، واستدعوا من بينهم الأمير
عز الدين أيبك التركماني ، فملكوه عليهم وبايعوه ولقبوه بالملك المعز ، وركبوا إِلى القاهرة ، ثم بعد
خمسة أيام أقاموا لهم صبياً من بني أيوب ابن عشر سنين وهو الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الناصر
يوسف ابن المسعود٤) أقسيس بن الكامل ، وجعلوا المعزّ أتابكه فكانت السكة والخطبة (٥) بينهما ،
وكاتبوا أمراء الشام بذلك، فما تمَّ لهم الأمر بالشام ، بل خرج عن أيديهم ولم تستقر لهم المملكة(٦) إِلا
على الديار المصرية ، وكل (٧) ذلك عن أمر الخاتون شجرة الدر أم خليل حَظِيَّة الصالح أيوب ، فتزوجت
بالمعز ، وكانت الخطبة والسكة لها٨) ، يُدْعَى لها على المنابر أيامَ الجمع بمصر وأعمالها ، وكذا تضرب
السكة باسمها أم خليل ، والعلامة على المناشير والتواقيع بخطها واسمها ، مدة ثلاثة أشهر [ قبل
المعز }٩) ، ثم آل أمرها إِلى ما سنذكره من الهوان والقتل .
ذكر ملك
الناصر بن العزيز بن الظاهر(١٠) صاحب حلب لدمشق (١)
لما وقع بالديار المصرية من قتل الأمراء للمعظم١٢) توران شاه بن الصالح أيوب ركب الحلبيون معهم
(١) العنوان في ط : المعز عز الدين أيبك التركماني يملك مصر بعد بني أيوب.
(٢) عن ط وحدها .
(٣) أ : ثم لما قتل وانفصل أمره نادوا ، وفي ب : ثم لم تم قتله وانفصل أمره نادوا .
(٥) أ، ب : فكانت الخطبة والسكة بينهما .
(٤)
في أب : المنصور ؛ وهو خطأ . ترويح القلوب (٧٩).
(٦) أ، ب : ولم يستقر لهم مملكة .
(٧) أ، ب : وكان .
(٨) أ، ب : باسمها .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) أ، ب : ابن الناصر فاتح القدس.
(١١) ط : صاحب حلب يملك دمشق .
(١٢) أ، ب : المعظم.

٢٧٤
ذكر شيء من ترجمة الصالح أبي الخيش
ابن أستاذهم الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن الناصر يوسف فاتح بيت المقدسُ(١) ، ومن
كان عندهم من ملوك بني أيوب منهم الصالح إسماعيل بن العادل ، وكان أحق الموجودين بالملك ، من حيث
السن والتعدد والحرمة والرئاسة، ومنهم الناصر داود بن المعظم بن العادل، والأشرف موسى بن المنصور
إِبراهيم بن أسد الدين شيركوه، الذي كان صاحب حمص وغيرهم، فجاؤوا إلى دمشق فحاصروها فملكوها
سريعاً ، ونُهبت دار ابن يغمور وحُبس في القلعة وتسلّموا ما حولها كبعلبك وبصرى والصلت [ وعجلون ]
وصرخد ، وامتنعت(٢) عليهم الكرك والشوبك بالملك المغيث عمر بن العادل بن الكامل ، كان قد تغلب
عليهما في هذه الفتنة (٣) حين قتل المعظم توران شاه ، فطلبه المصريون ليملُّكوه عليهم ، فخاف مما حل
بابن٤ُ) عمه ، فلم يذهب إِليهم ولما استقرت يد الحلبيين على دمشق وما حولها جلس الناصر في القلعة
وطيَّبَ قلوبَ الناس ، ثم ركبوا إِلى غزة ليتسلموا الديار المصرية ، فبرز إِليهم الجيشُ المصري فاقتتلوا معهم
أشدَّ القتال، فكُسر المصريون أولًا بحيث إِنه خُطب للناصر في ذلك بهاء) ، ثم كانت الدائرة على الشاميين
فانهزموا وأسروا من أعيانهم خلقاً كثيرا٦ً)، وعدم من الجيشُ(٧) الصالح إِسماعيل رحمه الله تعالى.
وقد أنشد هنا٨) الشيخ أبو شامة لبعضهم :
ضيّعَ إِسماعيلُ أموالنا
وخرّب المغنى بلا معنى
من أفقرَ الناسَ وما استغنى
وراحَ من جلِّقَ هذا جزاءُ
ذكر شيء من ترجمة الصالح أبي الخيش (٩) إِسماعيل (١٠)
وهو واقف تربة أم الصالح ، وقد كان الصالح رحمه الله ملكاً عاقلاً حازماً تَقَلَّبَتُ (١١) به الأحوال
أطواراً كثيرة ، وقد كان الأشرف أوصى له بدمشق من بعده ، فملكها شهوراً ثم انتزعها منه أخوه الكامل ،
(١) أ، ب : القدس .
(٢) ب : وامتنعت القلعة وتسلموا ما حولها الكوكب والشوبك .
(٣) ب : في هذه السنة .
(٤) ط : بابني.
(٥) أ، ب : اليوم .
(٦) أ، ب: وأسر من أعيان خلق كثير .
(٧) أ، ب : من البين ، مهملة الحروف .
(٨) أ، ب : ها هنا.
(٩) في ط: (( الجيش )) وهو تصحيف .
(١٠) ترجمة - الملك الصالح - في تاريخ الإسلام (٥٩٣/١٤) والعبر (١٩٨/٥ - ١٩٩) والدارس (٣١٦/١) وتنبيه
الطالب (٥٠) والشذرات (٤١٦/٧) وترويح القلوب (٦١) ومنادمة الأطلال (١١٠ - ١١١).
(١١) ط : تتقلب .

٢٧٥
وفيات سنة ٦٤٨ هـ
ثم ملكها من يد الصالح أيوب خديعة ومكراً ، فاستمر فيها أزيد من أربع سنين ، ثم استعادها منه الصالح
أيوب عام الخوارزمية سنة ثلاث وأربعين ، واستقرت بيده بلدتا١) بعلبك وبصرى ، ثم أُخذتا منه كما
ذكرنا ، ولم يَبْقَ له بلدٌ يأوي إليه ، فلجأ إلى المملكة الحلبية في جوار الناصر يوسف صاحبها٢ً) ، فلما
كان في هذه السنة ما٣) ذكرنا عُدِمَ بالديار المصرية في المعركة فلا يُدْرى ما فُعل به والله تعالى أعلم . وهو
واقف التربة والمدرسة ودار الحديث والإقراء بدمشق رحمه الله بكرمه .
وممن توفي في هذه السنة٤) من الأعيان والمشاهير :
الملك المعظم(٥) توران شاه بن الصالح أيوب بن الكامل ابن العادل .
كان أولًا صاحب حصن كيفا في حياة أبيه ، وكان أبوه يستدعيه [ إِليه ] في أيامه فلا يجيبه ، فلما توفي
أبوه كما ذكرنا استدعاه الأمراء فأجابهم وجاء إِليهم فملَّكوه عليهم ، ثم قتلوه كما ذكرنا ، وذلك يوم
الإثنين السابع والعشرين من المحرم ، وقد قيل إِنه كان متخلِّفاً لا يصلح للملك ، وقد رئي أبوه في المنام
بعد قتل ابنه وهو يقول : [ من مجزوء الرمل ]
صَارَ للعالَمِ مُثْلَةْ
قَتَلُوهُ شَرَّ قِثْلَهْ
لا ولا مَنْ كانَ قَبْلَهْ
لَمْ يُراعُوا فيه إِلَّ
سَتَراهم عَنْ قَرِيبٍ لأَقلِّ الناسِ أُكْلَهْ
فكان كما ذكرنا٦) من اقتتال المصريين والشاميين . وممن عدم فيما بين الصفين من أعيان الأمراء
والمسلمين ، فمنهم الشمس لؤلؤ مُدَبِّر مماليك الحلبيين ، وكان من خيار عباد الله الصالحين الآمرين
بالمعروف وعن المنكر ناهين (٧) .
وفيها : كانت وفاة [ واقفة الحافظية ]
(١) أ : بلدا ، وفي ط : بلداه .
(٢) أ ، ب : صاحب حلب .
(٣) أ، ب : كما ذكرنا .
(٤) أ، ب : وممن توفي فيها من .
(٥) ترجمة المعظم في ذيل الروضتين (٣٨٥) وتاريخ ابن العبري (٢٦٠) والمختصر في أخبار البشر (١٨١/٣)
وتاريخ الإسلام (٥٩٦/١٤) وسير أعلام النبلاء (١٩٣/٢٣ -١٩٦) والعبر (١٩٩/٥ - ٢٠٠) والوافي بالوفيات
(٤٤١/١٠ - ٤٤٣) وفوات الوفيات (٢٦٣/١ - ٢٦٥) وطبقات السبكي (١٣٤/٨ - ١٣٦) والنجوم الزاهرة
(٣٦٤/٦ - ٣٧٢) وحسن المحاضرة (٣٥/٢ -٣٦) وشذرات الذهب (٤١٧/٧ - ٤١٨).
(٦) أ : وكان ما ذكرنا ، ب : فكان ما ذكرنا .
(٧) أ، ب : والناهين عن المنكر.

٢٧٦
وفيات سنة ٦٤٨ هـ
الخاتون (١) أرغوان (٢) الحافظية .
سميت الحافظية لخدمتها وتربيتها الحافظ ، صاحب قلعة جعبر ، وكانت امرأةً عاقلةً مُدَبِّرةً عُمِّرت
دهراً ولها أموالٌ جزيلةٌ عظيمةٌ ، وهي التي كانت تصلح الأطعمة للمغيث عمر بن الصالح أيوب ، فصادرها
الصالح إسماعيل وأخذ(٣) منها أربعمئة صندوقٍ من المال ، وقد وقفت دارها بدمشق على خدامها ،
واشترت بستانَ النجيب ياقوت (٤) الذي كان خادم الشيخ تاج الدين الكندي(٥) ، وجعلت فيه تربة
ومسجداً ، ووقفت فيه عليها أوقافاً كثيرة (٦) جيدة رحمه الله .
واقف الأمينية التي ببعلبك :
أمين الدولة أبو الحسن غزال المتطبب(١) وزير الصالح إسماعيل أبي الخيش الذي كان مشؤوماً على
نفسه ، وعلى سلطانه ، وسبباً في زوال النعمة عنه وعن مخدومه ، وهذا هو وزير السوء ، وقد اتهمه
السبط (٨) بأنه كان متسترا٩ً) بالدين ، وأنه لم يكن له في الحقيقة دين ، فأراح الله تعالى منه عامة
المسلمين ، وكان قتله في هذه السنة لما عدم الصالح إسماعيل بديار مصر ، عمد من عمد من الأمراء إِليه
وإِلى ابن يغمورُ( ١١) فشنقوهما وصلبوهما على القلعة بمصر متناوحين ١١) . وقد وجد لأمين الدولة غزال
هذا من الأموال والتحف والجواهر والأثاث ما يساوي ثلاثةَ آلافِ ألفِ دينارٍ ، وعشرة آلاف مجلد بخط
منسوب وغير ذلك من الخطوط النفيسة الفائقة .
(١) ترجمة - الخاتون الحافظية - في النجوم الزاهرة (٢١/٧) والدارس (٢٤٣/٢) وتاريخ الصالحية (٢١٧ - ٢١٨)
والشذرات (٤١٦/٧) ومنادمة الأطلال (٣٣٢).
(٢) ط: أرغوانية؛ وأ، ب: ((أرغون)) وما هنا من خط الذهبي، وهو الصواب.
(٣)
ط : فأخذ .
تقدمت ترجمة ياقوت في وفيات سنة ٦٢٣ من هذا الجزء .
(٤)
(٥)
تقدمت ترجمة الكندي في وفيات سنة ٦١٣ من هذا الجزء .
(٦)
عن ط وحدها .
(٧)
ترجمة غزال في مرآة الزمان (٨/ ٥٢١) وتاريخ الإسلام (٥٩٥/١٤) والنجوم الزاهرة (٢١/٧ -٢٢) والدارس
(١٨٨/١) والشذرات (٤١٧/٧).
(٨) مرآة الزمان (٨/ ٥٢١).
(٩) في ط مستهتراً . وعبارة السبط : وما كان مسلماً ولا سامرياً . بل كان يتستر بالإسلام ويبالغ في هدم شريعة
المصطفى احَة .
(١٠) بعده في أ ، ب : ناصر الدين .
(١١) عن ط وحدها .

٢٧٧
أحداث سنة ٦٤٩ هـ
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وستمئة
فيها : عاد الملك الناصر صاحب حلب إِلى دمشق وقدمت عساكر المصريين فحكموا على بلاد
السواحل إِلى حد الشريعة ، فجهز لهم الملك الناصر جيشاً فطردوهم حتى ردوهم إلى الديار المصرية ،
وقصروهم عليها .
وتزوجت في هذه السنة أم خليل شَجَر الدرّ بالملك المُعزّ عز الدين أيبك التركماني ، مملوك زوجها
الصالح أيوب .
وفيها : نقل تابوت الصالح أيوب إِلى تربته بمدرسته ، ولبست الأتراك ثياب العزاء ، وتصدقت أم
خليل عنه بأموال جزيلة [ كثيرة ] .
وفيها: خَرَّبتِ التركُ دمياط ونقلوا الأهالي (١) إِلى مصر وأخْلَوا الجزيرةَ أيضاً خوفاً من عَود الفرنج .
وفيها: كمل (( شرح الكتاب المسمى بنهج البلاغة)) في عشرين مجلداً مما ألّفه عبد الحميد(٢) بن
هبة الله بن أبي الحديد المدائني ، الكاتب للوزير مؤيد الدين بن العلقمي (٣) ، فأطلق له الوزير مئة دينار
وخلعة وفرسا٤ً) ، وامتدحه عبد الحميد بقصيدة ، لأنه كان(٥) شيعياً معتزلياً.
وفي رمضان استدعي الشيخ سراج الدين عمر بن بركة النَّهرقُلِّي(٦) مدرس النظامية ببغداد(٧) فولى
قضاء القضاة ببغداد مع التدريس المذكور ، وخلع عليه .
وفي شوال(٨) ولي تاج الدين عبد الكريم بن الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن
الجوزي حسبة بغداد بعد أخيه عبد الله(٩) الذي تركها تزهداً عنها، وخلع عليه بطرحة، ووضعٌ "(١) على
رأسه غاشية ، وركب الحُجّاب في خدمته .
(١) أ، ب : آلاتها .
(٢) في ط : عبد الحميد بن داود . وما هنا يوافق ما في ترجمته من وفيات سنة ٦٥٥ من هذا الجزء .
(٣) سترد ترجمة العلقمي في وفيات سنة ٦٥٦ من هذا الجزء .
(٤) أ، ب : وفرس . وهو مخالف للسياق النحوي .
(٥) ب : وكان .
(٦) في معجم البلدان: نهر قُلا بضم القاف وتشديد اللام مقصور من نواحي بغداد (٥/ ٣٢٢).
(٧) عن ط وحدها .
(٨) في ط : شعبان . وأثبت رواية الأصلين الآخرين لأنها توافق السياق .
(٩) سيرد قتله في سنة ٦٥٦ هـ من هذا الجزء إن شاء الله .
(١٠) أ، ب : ورفع .

٢٧٨
وفيات سنة ٦٤٩ هـ
وفي هذه السنة صُلِّيَتْ صلاةُ العيد يومَ الفطر بعد العصر ، وهذا اتفاقٌ غريبٌ .
وفيها : وصل إِلى الخليفة كتاب من صاحب اليمنُ(١) صلاح الدين يوسف(٢) بن عمر بن رسول يذكر
فيه أن رجلاً باليمن خرج فادّعى الخلافة ، وأنه أنفذً(٣) إِليه جيشاً فكسروه وقتلوا خلقاً من أصحابه وأخذ
منهم صنعاء وهرب هو بنفسه في شرذمة ممن بقي من أصحابه .
وفيها : أرسل الخليفة إِليه بالخلع والتقليد .
وفيها : كانت وفاة :
بهاء الدين(٤) علي بن هبة الله بن سلامة [ابن ] الجُمَّيْزي (٤) خطيب القاهرة .
رحل في(٦) صغره إِلى العراق فسمع بها [ شُهْدَة ]١) وغيرها، وكان فاضلاً قد أتقن معرفة مذهب
الشافعي رحمه الله تعالى ، وكان ديناً حسن الأخلاق واسع الصدر كثير البر، قلَّ أن يقدمُ(٨) عليه أحد إِلا
أَطعمه شيئاً ، وقد سمع الكثير على السَّلَفي وغيره ، وأسمع الناس شيئاً كثيراً من مروياته ، وكانت وفاته
في ذي الحجة من هذه السنة ، وله تسعون سنة ، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى .
وممن توفي فيها٩)
أقضى القضاة ١) أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام(١) بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إِبراهيم
اللَّمْغاني(١٢) الحنفي .
(١) أ، ب: وصل كتاب إِلى الخليفة من ملك اليمن صلاح الدين.
(٢) في ط: صلاح الدين بن يوسف خطأ. وسترد ترجمته في حوادث سنة ٦٩٤ هـ من هذا الجزء إن شاء الله.
(٣) أ، ب : خرج يدّعي الخلافة وأنه نفذ إِليه جيشاً.
(٤) ترجمة - ابن الجميزي في مرآة الزمان (٥٢٢/٨ - ٥٢٣) وذيل الروضتين (١٨٧) وتاريخ الإسلام (١٤ / ٦٢٣)
وسير أعلام النبلاء ( ٢٣/ ٢٥٣ - ٢٥٥) والعبر (٢٠٣/٥) وغاية النهاية (٥٨٣/١) وحسن المحاضرة (٤١٣/١)
وشذرات الذهب ( ٤٢٥/٧ - ٤٢٦).
(٥) ط : الحميري ، وفي ب : الجيري . وكلاهما تحريف .
(٦) أ، ب : من صغره.
(٧) لم يرد الاسم في ط وهي شهدة بنت أحمد بن الفرج توفيت سنة ٥٧٤هـ. ترجمتها في سير أعلام النبلاء
(٥٤٢/٢٠) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٣٦).
(٨) ب : قدم .
(٩) أ : وممن توفي فيها من الأعيان.
(١٠) ط : القاضي.
(١١) ترجمة - اللمغاني - في تاريخ الإسلام (٦٢٠/١٤) والجواهر المضية (٣٨١/٢ - ٣٨٢) وفيه أنه من أسرة كلهم
قضاة وفقهاء حنفيون : جده إِسماعيل ، وأبوه عبد الرحمن ، وأخوه محمد ، وأخوه الثاني عبد الملك .
(١٢) لَمْغَان أصلها لامغان من قرى غزنة، وقيل لامغان كورة تشتمل على عدة قرى في جبال غزنة وربما سميت لَمْفان وقد=

٢٧٩
أحداث سنة ٦٥٠ هـ
من بيت العلم والقضاء ، دَرَّسَ بمشهد أبي حنيفة ، وناب عن قاضي القضاة ابن فضلان الشافعي ، ثم
عن قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرزاقُ(١) الحنبلي، ثم عن قاضي القضاة٢) عبد الرحمن بن
مُقْبل الواسطي(٣) ، ثم بعد وفاته في سنة ثلاث وثلاثين استقل القاضي عبد الرحمن اللَّمْغَاني
[ المذكور }٤) بولاية الحكم ببغداد، ولُقّب أقْضَى القضاة [ولم يخاطَب بقاضي القضاة }(٥) ، ودرَّس
للحنفية بالمستنصرية في سنة خمس وثلاثين ، وكان مشكورَ السيرة في أحكامه ونقضه وإبرامه . ولما توفي
تَوَلَّى بعدَه قضاءَ القُضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النَّهْرقُلّيُ (٦) رحمهما الله تعالى وتجاوز عنهما بمنه
وكرمه آمين (٧)
.. (٨)
ثم دخلت سنة
خمسين وستمئة هجرية
فيها : وصلتِ التتارُ إِلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد ، فقتلوا وسَبَوْا ونهبوا
وخَرَّبوا فإِنَّا لله وإِنَّا إليه راجعون. ووقعوا بتُجّارُ(٩) يسيرون بين حَرّان ورأس العين ، فأخذوا منهم ستمئة
حملٍ سكر (١) ومعمول من الديار المصرية ، وستمئة ألف دينار ، وكان عدةُ من قتلوا في هذه السنة من
أهل الجزيرة نحواً من عشرةِ آلاف قتيلٍ ، وأسروا من الوُلدانِ والنساء ما يقارب ذلك ، فإِنا الله وإِنا إِليه
راجعون .
قال السبط ١١): وفيها : حج الناس من بغداد ، وكان لهم عشرُ سنين لم يحجوا من زمن المستنصر .
نسب إليها جماعة من فقهاء الحنفية ببغداد منهم عبد السلام بن إسماعيل توفي سنة ٦٠٥ هـ معجم البلدان (٨/٥).
=
(١) هو نصر بن عبد الرزاق بن أبي صالح الجيلي الأصل عماد الدين أبو صالح الحنبلي فقيه مناظر محدث ، قاضي
القضاة. توفي سنة ٦٣٣هـ. سير أعلام النبلاء (٣٩٦/٢٢) وذيل طبقات الحنابلة (١٨٩/٢) والمقصد الأرشد
(٥٦/٣ - ٥٨).
(٢) ط : قاضي القضاة .
(٣) تقدمت ترجمة ابن مقبل في حوادث سنة ٦٣٠ هـ من هذا الجزء.
(٤) ما بين الرقمين عن ط وحدها .
(٥) أ، ب: ولى .
(٦) تقدم الحديث عن هذه النسبة في الصفحة السابقة .
(٧) بعد هذه اللفظة في ب : تم الجزء التاسع ويتلوه في العاشر بعده سنة خمسين وستمئة والحمد لله رب العالمين وصلى
الله على محمد وآله وصحبه .
(٨) يبدأ الجزء العاشر في ب بما يلي : بسم الله الرحمن الرحيم . رب أعن سنة خمسين وستمئة .
(٩) ط : بسنجار . وهو تحريف .
(١٠) أ، ب: شعر. وهو تحريف، والخبر في مرآة الزمان (٨/ ٣٢٣).
(١١) مرآة الزمان (٣٢٣).

٢٨٠
وفيات سنة ٦٥٠ هـ
وفيها : وقع حريق بحلب احترق بسببه ستمئة دار ، ويقال إِنَّ الفرنج - لعنهم الله - ألقوهُ فيها١)
قصداً .
وفيها : أعاد قاضي القضاة عمر بن علي النَّهْر قُلِّي أمر المدرسة التاجية٢) التي كان(٣) قد استحوذَ
عليها طائفة من العوام ، وجعلوها كالقيسارية يتبايعول(٤) فيها مدةً طويلةً ، وهي مدرسةٌ جيدةٌ حسنةٌ قريبةُ
الشبه(٥) من النظامية، وقد كان بانيها يقال له تاج الدين(٦) ، وزير ملك شاه السلجوقي ، وأول من درَّس
بها الشيخ أبو بكر الشاشي(٧) .
وفيها : كانت وفاة :
جمال الدين بن مطروح(٨) وقد كان فاضلاً رئيساً كَيِّساً شاعراً من كبارُ(٩) المُتَعَمِّمين ، ثم استنابه
الملك١٠) الصالح أيوب في وقتٍ على دمشق فلبسُ(١١) لبسَ الجند .
قال السبط١٢) : وكان لا يليقُ في ذلك . ومن شعره في الناصر داود صاحب الكرك لما استعاد
القدسَ من الفرنجِ حين سُلَّمت إليهم في سنة ستٍ وثلاثين في الدولة الكاملية فقال هذا الشاعر ، وهو ١٣)
ابن مطروح رحمه الله ١٤) : [ من السريع ]
(١) ط : فيه .
المدرسة التاجية : مختصر تنبيه الطالب ( ٨٠ - ٨١) ومنادمة الأطلال (١٥٦ - ١٥٧).
(٢)
(٣)
ب : كانت .
ط : يبتاعون.
(٤)
(٥) ب : الشكل .
ط : تاج الملك .
(٦)
(٧) أبو بكر الشاشي هو محمد بن أحمد بن الحسين صاحب المستظهري توفي سنة ٥٠٧ . وقد تقدمت ترجمته في وفيات
هذه السنة من هذا الكتاب في الجزء السابق لهذا الجزء .
(٨) ترجمة - ابن مطروح - واسمه يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح الصعيدي في مرآة الزمان (٨/ ٥٢٤ -
٥٢٥) وذيل الروضتين (١٨٧) ووفيات الأعيان (٢٥٨/٦ - ٢٦٦) وتاريخ الإسلام (٦٢٩/١٤) وسير أعلام
النبلاء (٢٧٣/٢٣ - ٢٧٤) والعبر (٢٠٤/٥) والنجوم الزاهرة (٢٤/٧ و٢٧) وحسن المحاضرة (١/ ٥٦٧)
وشذرات الذهب ( ٧/ ٤٢٧ - ٤٢٩)، ومنهم من ذكر وفاته في سنة ٦٤٩هـ.
(٩) أ، ب : من خيار المتعممين .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) أ، ب : ولبس.
(١٢) مرآة الزمان (٨/ ٥٢٥ ثم ٥٢٤).
(١٣) عن ط وحدها .
(١٤) الأبيات في النجوم الزاهرة ( ٧/ ٢٧).